Полный текст (2 873 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
القرامطة إلى مكة وقتلوا الحجاج، واقتلعوا الحجر الأسود ورجعوا به إلى هجر، ثم استولى على الأحساء الأمراء العيونيون، وقد استولى عليها بنو خالد إلى حين ظهور آل سعود الذين أدخلوا بني خالد في طاعتهم.
وعلى أثر الشقاق الذي حدث بين أبناء الإمام فيصل سنة ١٢٨٧ هـ عادت الدولة العثمانية إلى الأحساء فاحتلتها كما دخلت في حوزتهم سنة ٩٢٦ هـ قبل بني خالد، وكان مناخه حارًا رطبًا، وظهرت شهرته في العالم بعد ظهور البترول في أراضيه، وكان بدء استخراج البترول سنة ١٣٥٧ هـ بواسطة شركة أمريكية، ولا تزال تزداد كمية استخراجه يومًا عن يوم، مما يبشر بمستقبل زاهر، وعلى ذلك فإنه يحصل منه على مال وفير، واتخذت مدينة الظهران قاعدة رئيسية لحصوله.
وفي سنة ١٣٦٦ هـ مدت أنابيب من أبقيق إلما ميناء صيداء بالبنان تسهيلًا للنقل حتى بلغ طول هذه الأنابيب ٧٥٢ ميلًا، وحقول البترول المنتجة هي السفانية؛ وأبو حدريد، والفاضلي، والقطيف، والدمام؛ والبقة، وأبقيق وعين دارد والعثمانية وحرض، وكلها تقع في المنطقة الشرقية، وكانت مشتقات البترول هي الكيروسين الذي يستخدم في الإضاءة، والوقود والبنزين والديزل الذي هو للقاطرات والآلات والشحم والإسفلت الذي يستخدم في رصف الطرق، ومن المدن في هذه المقاطعة مدينة الظهران والدمام والخبر ورحيمة ورأس تنورة، وقد أقيمت البيوت الحجرية هناك ونصبت القضاة وأصبح يبلغ عدد العمال في الشركة هناك زهاء عشرين ألف عامل، وتواصلت بالرياض بالقطار والطائرات والسيارات، وإن إقليمًا يكون بهذه المثابة لجدير بأن يكون موضع الإعجاب، وحديثي عن المقاطعة الشرقية طويل لا تتسع له هذه الأوراق وإن بروزها بتلك الصفة تركها مسرج الأفكار ومزار السائحين.
وإذا دفعنا إلى شمال المملكة فإنه يحاد القصيم جبل شمر أي جبلا طي أجا وسلمى وما يتبعهما من السهول والجبال وعاصمة تلك المقاطعة هي حائل التي
стр. 107
أميرها عبد العزيز بن مساعد بن جلوي، وكانت مدينة من أكبر المدن العربية وأجملها، ويقدر سكانها بثمانين ألفًا، وكان أهل تلك الجهات مثل أهل القصيم يكثرون الأسفار والإتجار، ويبارون بالرفاهية أهل الأمصار، وبالبسالة والشجاعة أهل القفار، وهناك قرى عديدة منها قفار، وقبة وبقعاء وسميرا والكهفة وكلها تابعة لحائل.
وإذا سرنا منها شمالًا بغرب واجتزنا النفود الكبرى نصل إلى الجوف جوف آل عمروا، ووادي السرحان التي كانت لعرب الرولة من عنزة، فاستولى عليها ابن رشيد ثم بعد سقوط حائل دخلت في حوزة ابن سعود وقاعدتها الجوف، وأهم قراها سكاكا وكادة وقريات الملح وأثره، وقراقر، وهناك عند الطرف الشمالي من وادي السرحان قريبا من حدود المملكة العربية السعودية الشمالية.
أما ما كان عن عسير وجهاته فنقول:
عسير
يقع أقليمه في الجهة الغربية من المملكة ويحد شمالًا بالحجاز، وجنوبًا باليمن، وشرقًا بنجد، وغربًا بالبحر الأحمر ومساحته خمسون ألف ميل، وسطحه ينقسم قسمين سهول ساحلية تعرف بتهامة عسير فيها أودية خصبة تنبت الحبوب والسمسم والقطن والبن وغير ذلك، ومناخها حار، والقسم الثاني جبلي بعرف بعسير السراة تنحدر من جبالها سيول كثيرة تكسب الأرض خصوبة ومناخها معتدل.
أما أشهر مدن عسير فجيزان على ساحل البحر، وتقع أمامها جزائر فرسان، ومنها صبيا، وكانت بلدة قديمة ومياهها كثيرة ومزارعها واسعة.
أما أبها فهي قاعدة عسير وكانت تعد مركزًا هامًا للمواصلات وطرق القوافل، وقد أقيمت على تل في وسط عسير وجوها معتدل صيفًا وبارد شتاءً.
أما القنفذة فهي أشهر ميناء على الساحل لأقليم عسير، وبينها وبين جده مائتا
стр. 108
ميل جنوبًا، وكذلك بارق وكان واديًا بين بلد القنفذة وبين جبل السراة سكنته بطون من بني بارق بعد خراب السد، وكان غالب قبائل عسير بنو مالك وشهران وبام وبالحرث وسيأتي له بقية تعريف.
أما الحجاز
فإنه أقليم تكثر فيه الحرات وسطحة جبل على العموم والجزء الغربي منه سهول ساحلية ممتدة على ساحل البحر الأحمر ومناخه يختلف باختلاف جهاته ففي الجهات الساحلية حار رطب، وفي المناطق البعيدة عن الساحل حار جاف.
وفي المناطق الجبلية معتدل صيفًا بارد شتاء، وتبلغ مساحته نحوًا من مائة وخمسين ألف ميل مربع، وأغلب القبائل التي تسكنه ثقيف وقريش وجهينة، وحرب وبنو شهر، وبنو سعد وبنو حرث وبنو مالك وغمدان وزهران، وفي الحجاز جميع الموانئ الغربية كميناء جدة وميناء ينبع، والجزء الشمالي والشرقي سهول تكثر فيه الحرات، وفي الوسط بالقرب من ساحل البحر الأحمر تمتد سلسلة جبال السروات، ويتخللها سهول تقع فيها مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف.
أما مكة المكرمة فإنها عاصمة الحجاز وبلد الله الأمين وحرم الله وخيرته من بين سائر بقاع الأرض شرفها الله تعالى وعظمها، وكانت مهاجر إسماعيل وأمه، وتحتوي على بيت الله المعظم وفيها ولد الرسول الأمين وخاتم المرسلين، وفيها المشاعر المعظمة ويقع حواليها جبل حراء وغار ثور.
وقد كفينا ذكر تاريخها القديم، ولقد كان فتحها على يدي جلالة الملك عبد العزيز آل سعود يعتبر من أكبر نعم الله تعالى على المسلمين.
ولقد كان الحجاج قبل ولايته عليها يقاسون من النهب والسلب، والأذى ما يقلق راحتهم، ويشتت شملهم وبقضي على الأمن والطمأنينة هناك، فشاءت قدرة الله أن يتولاها آل سعود لما قام بهم من العدل والإنصاف والتأمين.
стр. 109
ولما كان الحجاج قبل ذلك تسرق آنيتهم من بين أيديهم وهم ينظرون، وتعبث أيدي الحرامية بفعل تلك الجرائم بحيث تؤخذ الكسوة من فوق الظهور فلو رأيت الشنان والمفزعات إذا دحرجت من فوق رؤس الجبال وانطلقت على إبل الحجاج فندت وسقط ما تحمله فوق ظهروها، وكان حظه النهب والسلب لذابت لذلك الأكباد وأنكرته فطر العباد، فغار ربك من هذا الصنيع الذي تعمله هذه الأيادي الجائرة بزوار بيته ووفده، وولى على تلك البلاد والرباع ذلك الأسد في براثنه الذي قهرت سطوته أهل الفساد، وآمن به العباد والبلاد فولت تلك الأشباح الوحشية إلى أكهافها وأوكارها قد أعشاها فجر الأمن والتوحيد، وأصبحت الطرق آمنة مطمئنة فلله الحمد والشكر لا نحصي ثناء عليه.
إن مكة
والحق يقال تعتبر مثالًا للنظام وحسن التدبير، ذلك لما أولتها الحكومة من العناية والحرص على راحة أهلها بتأسيس المستشفيات ومراكز الإسعاف وتعبيد الطرق بالإسفلت حتى أصبحت طرقها كأحسن ما يكون، واتخذت الحكومة إجراءات نحو الطريق بينها وبين مدينة جدة فرصفته وجعلت على قدر مسافة الكيلو لوحة فيها أرقام، لذلك وكانت المسافة بين البلدتين ٧٣ كيلو مترًا، كما قد رصفت الطريق بين جدة والمدينة المنورة، كذلك بحيث كان الطريق بين البلدتين ٣٧٨ كيلو مترًا، وكانت غالب دوائر الحكومة فيها وجلبت إليها سيارات الإطفاء وفيها معامل ومحطات كثيرة لتوليد الكهرباء واللاسلكي ومراكز للشرطة، وفيها المدارس والمعاهد والمستشفيات ومواضيع أخرى للأدوات الحديثة وغير ذلك مما وفر لأهلها كمال الراحة، ومن جهة أخرى فإن الكهرباء يسر وجوده لديهم جميع المكيفات، والآن كانت تشاركها في بعض ذلك البلاد الأخرى، فإن مكة قد نالت قصب السبق وفازت بنا من قديم، وقد خدمت بالحرس والبلديات والتنظيم ما كانت تفخر به على غيرها في المدنية وحسن النظام، ولا ريب أن البلاد تتحسن وكانت مسافتها شرقًا وغربًا طويلة، أما من جهات الجنوب والشمال فإن الجبال
стр. 110
هناك ولا تزال أسواقها عامرة بالبيع والشراء وهي كثيرة كالجودري والمدعى والحلقة وسوق الليل والمسعى والقشاشية وسويقة والسوق الصغير وشارع الملك عبد العزيز وشارع الأمير فيصل وغير ذلك، وما حاراتها جياد وشعب عامر وسوق الليل والقشاشية والمعابدة والشامية وجرول والشبيكة وحارة الباب والمسفلة وغزة والقرارة والنقا.
وغالب سكانها مجاورون من جاوى وحضرموت والهند وغير ذلك، أما أهلها المتأصلون فإنهم على قدر النصف من ذلك، وكان يرد عليها من الفواكه والحبوب والأرزاق شيء كثير، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، فيجلب إليها البطيخ والقثاء والباذنجان والرمان والليمون والبرتقال والسفرجل والخيار والحبش والبصل والتين والبطاطس والدبا والغنم والبقر، أضف إلى ذلك العنب وأنواع التمور والخضر، ولا ريب أن لديهم بركة كما دعى لهم الخليل ﵇ ولكل بضاعة سوق خاص فللقماش سوق، وللنجارة كذلك حتى تصل إلى مبيع الفحم والحطب.
ولقد بنى صاحب الجلالة الملك عبد العزيز مساجد كثيرة فيها وجدد مساجد أيضًا وقد كتب على ألواح فيها من الخارج بالخط البارز براعة استهلال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، ومن أهم المساجد التي رأيتها فيها بعد المسجد الحرام مسجد بناه الملك المذكور، وكان يقع أمام قصره في المعابدة، وقد أحكم بالإسمنت المسلح.
المسجد الحرام في الوقت الحاضر
إذا دخلنا مع باب السلام إلى المسجد الحرام فإنا نجد هناك مكاتب ملئت بالكتب والمصاحف والدفاتر والأقلام والمحابر وما إلى ذلك، ومما يؤسف جد الأسف أن غالب هذه الكتب إنما هي عصرية لكنه قد يوجد في بعضها كتب دينية وإننا لنأمل من أرباب هذه المكاتب لما عرف من أدبهم وأخلاقهم الطيبة أن يجزلوا
стр. 111
جانب كتب السلف ويوجدوا لها كمية لا سيما وفيهم الرجال الأماثل الذين يشهد لهم الوقت بالمثابرة على تجني الأدب واكتسابه.
ألا وإن المسجد الحرام قد احتوى على أروقة رحبة واسعة تحيط ببيت الله الكعبة المعظمة وبئر زمزم ومقام إبراهيم وحواليها المقامات الأربعة إذا ولج المؤمن في ذلك المسجد فليس له التفات إلى الدنيا نشاهد هناك البيت الذي حجه الرسل قبلنا ونطوف به ونمسح أركانه على وفق المشروع ونصلي في جوانب المسجد ونتمتع برؤية الكعبة مليحة اللباس جميلة المنظر فما شئت من سرور وبهجة وفرح وكشف هموم وغموم.
ولقد بذلت الحكومة جهودًا في نظافة المسجد وترميمه وملئ بلمبات الكهرباء حتى أمسى كأن لم تغب الشمس عنه في ليل ولا نهار وتمكن القارئ من أن يقرأ بالكتاب في كل موضع من مواضعه وقد خدم المسجد الشريف بالشرطة الأكفاء لتوطيد الأمن وتنظيم الحجاج والمعتمرين من الرجال والنساء عن الاعتداء بعضهم على بعض وجعل لهم مخفر هناك، ولا يزال عن يمين الحجر الأسود ويساره اثنان على الدوام يتناوبونه بالمرة قد كلفوا بحفظه ورعايته ليلًا ونهارًا فلا يتخلون عنه وإذا جرى تشويش في المسجد الحرام وألجأت الضرورة فإنها تصيح الصافرة للاستغاثة بالدوائر الأخرى فتنهمر العساكر على المسجد كالسيل فما هي إلا لحظة ثم يزول الإشكال.
أما الأغوات فعبيد قائمون على أقدام الجد لمباشرة أعمالهم من التنظيفات والتنظيم وترتيب صفوف الرجال والنساء حوالي الكعبة عليهم آثار الهدوء والسكينة واحدهم خصى لا شهوة معه فلو رأيتهم وهم يقلبون النساء وينظمون صفوفهن بكمال الثقة عليهم قلانس كبار مستطيلة جدًا طوال الأكمام محترمين يرشدون إلى لزوم النظام والهدوء والسكينة، ولقد حرست مكة وضبطت بالعساكر والحرس، ونجد فوق قلاعها مدافع ضخمة قد صوبت إلى البلد أما ما كان من أمر الشحن والذهاب والإياب فإنها لا تزال السيارات والعربات والخيل والبغال
стр. 112
والجمال والحمير تروح وتغدو وفي مكة مطاعم كثيرة وقهاوي ومجالس وأشياء أعدت بكثرة وفيها مطابع للكتب، والصحافة كمجلة الحج، ومجلة المنهل وجريدة البلاد السعودية، وهي أكثر جرائد الحجاز ذيوعًا وأشهرها وتصدر يوميًا وجريدة أم القرى، وهي الجريدة الرسمية للحكومة السعودية وتصدر أسبوعيا وجريدة المدينة المنورة، وفي مكة مكاتب ومراكز وسهرت الحكومة على شئون الحجاج وراحتهم والعناية بهم طيلة إقامتهم بالأراضي المقدسة وتنظيم المشاعر كمنى ومزدلفة وعرفات والجمرات وتوفير المياه وموضع البسط لا تتسع له هذه الأوراق وكانت مكة تسقيها على العموم عين زبيدة.
وإذا سرنا إلى جدة فإن تعبيد طريقها قد ربطها بمكة ولكثرة السيارات بينهما أصبحت مدينة جدة كأنها أحد زوايا مكة وقد توالت القهاوي في الطريق والمراكز والمزارع فأول مركز نمر به الشميسي ثم بحره وكانت قرية ضعيفة ثم أم السلم ثم نصل إلى جدة.
إن جدة تقع في منتصف ساحل البحر الأحمر الشرقي تقريبًا على خط عرض ٥٢١ ٢٨ ك شمال.
وقد اختلف في أول من اختطها فقيل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ جعلها ميناء لمكة.
وبعضهم يقول أنها موجودة في العصر الجاهلي ويقدر عدد سكانها بمائة وخمسين ألفًا وكانت أزقتها قد تحسنت وتنظمت من حديث ومنازلها منخفضة وعلى جدة مظاهر النظافة وفيها بيوت السفارة القناصل ويرد إليها من البحر الأحمر ثروة بليغة ومستقبلها زاهر، وقد أقيمت فيها بيوت من الحجر والإسمنت واطمئن أهلها لكثرة المياه العذبة فيها بعد ما كانت محرومة منها فقد مدت إليها الحكومة أنابيب من وادي فاطمة بعد ما كانوا يشربون من الكنداسة وإذا سرنا منها إلى المدينة فيوجد في الطريق محطات أهمها رابغ وأبيار بن حصاني والمسيجيد وأبيار علي وهي ذو الحليفة.
стр. 113
أما المدينة المنورة
فهي مهاجر الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فمناخها طيب لأن الجبال لم تضايقها وتسقيها على العموم عين الزرقا ولا تخلو غالب البيوت من الآبار احتياطًا، وكانت مركز الخلافة في عهد الرسول وأبي بكر وعثمان وقد أولتها خلفاء الدولة العباسية عطفًا وعناية كما قد أولتها بعدهم الدولة العثمانية اهتمامًا وعناية ولولا ما فدحت به المدينة من الزعازع والكوارث المتتابعة التي منها وقعة الحرة والتي بعدها في زمن المنصور وغيرها وآخرها الحرب بين الأتراك والحلفاء في إمارة فخري باشا وما كابده أهلها من الجوع والمخاوف والمهالك حيث اضطر أهلها إلى الهجرة منها إلى البلدان الأخرى لكان لها منظر غير منظرها الحالي وباستيلاء الحكومة السعودية عليها عادت إليها الطمأنينة والسكون ونسأل الله تعالى أن يمنح مدينة الرسول ومهاجره التوفيق والتمكين.
وإذا أطلقت هذه الكلمة فالمراد بها بلد الرسول ﷺ ومهاجره فالمدينة علم على هذه البلد التي هاجر إليها الرسول ودفن بها فإذا أطلقت تبادر إلى الفهم أنها المراد بذلك وإذا أريد بهذه اللفظة غيرها فلا بد من قيد وتسمى بيثرب وتسمى حرم الرسول، وسيدة البلدان، وطيبة، وطابة، ولها أسماء غيرها.
وكان سكانها العماليق ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل، ثم نزلها الأوس والخزرج، ولها فضائل كثيرة.
ومن الآثار فيها قبره ﷺ وقبر صاحبيه، فإن حجرته ﷺ ضمت جسدًا ما كان في الأرض ولا في السماء ولا العرش ولا حملته أفضل منه ما عدى الجبار جل وعلا فإنه أعظم من كل عظيم، ومن الآثار فيها منبره ومصلاه ومسجده، وقبور بنيه وبناته وزوجاته أمهات المؤمنين، وقبور أعمامه، وعماته نورها الله عليهم وصب عليها من شابيب رحمته، فيالها من مناظر تبكي الحبيب وتذرف دموع المؤمن.
стр. 114
ومن الآثار فيها مسجد قبا وبئر أريس وبئر معونة وبيرحاء، ووادي العقيق وأحد، والشهداء والبقيع، فلو رأيت تلك الآثار لتذكرت النبي المصطفى المختار ﷺ وعهده وما كان عليه، ولسكبت الدموع من المحاجر، وتردد الشهيق في الحناجر.
ولقد زادت الحكومة السعودية في الاحتفاظ بحجرة الرسول ﷺ وبذلت جهودًا في تنظيف المسجد النبوي وحراسته، وفرشه بفرش مثمنه، وإضاءته بالكهرباء والثريات، وعمّرت المسجد عمارة ضخمة على الطراز الحديث، وأوسعت أروقته وفتحت شوارع محيطة به على أكمل وضع وأتم تركيب، بحيث نقول لا تستطاع الزيادة على هذا التحسين فأصبح المسجد النبوي كروضة من رياض الجنة، وكان يرجع تاريخ عمارته على شكله قبل العمارة السعودية إلى عهد السلطان مراد خان سنة ٩٩٨ هـ، ثم عمّره السلطان عبد المجيد، أما المساجد فيها بعد قبا، فمسجد الجمعة سمي بذلك لأنه أول مسجد صلى فيه الرسول ﷺ أول جمعة بالناس، ومسجد الفتح، ومسجد الأحزاب، وأقيم في المكان الذي دعا فيه الرسول على الأحزاب في غزوة الخندق فاستجيب له، ومسجد القبلتين، ومن الآثار بئر رومة التي اشتراها عثمان بن عفان وأوقفها على المسلمين، ونجد على أهل المدينة وعساكرها الهدوء والسكينة والرفق واللين، وقد ملئ المسجد النبوي بالساعات والهدايا.
ومن مدن الحجاز الطائف الذي هو مصيف الحجاز لا سيما أهل مكة، وهو مدينة تقع في الجنوب الشرقي من مكة، وجو هذه المدينة معتدل للغاية، ومياهها غزيرة، وتكثر فيها الخضراوات والفاكهة، وتنمو فيها الأزهار التي يستخرج منها المياه العطرية.
أما ينبع فميناء المدينة المنورة وتقع على ساحل البحر الأحمر.
وتنقسم إلى قسمين ينبع البحر، وينبع النخل، وكانت هذه واحة كثيرة النخيل آهلة بالسكان وحوالي جهات الحجاز الشمالية تبوك وخيبر والعلا وتيماء وغالب مدن الحجاز تسقيها عيون كعين الزيمة وعين الشرايع وغيرها.
стр. 115
فهذه نبذة يسيرة حررتها أمام المقصود؛ ولقد أصبحت تلك الأماكن آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان ضد ما كانت عليه قبل ذلك.
ولنشرع في المقصود والله المستعان وعليه التكلان، وقد وجدت في بعض التواريخ بين يدي شيخنا عمر بن محمد بن سليم وضبطه لها أن ما بين آدم أبى البشر وولادة نبينا محمد ﷺ ٦٢١٩ سنة، فيكون ما مضى مم خلق آدم إلى سنة ١٢٦٨ هـ، ٧٥٤٠ سبعة آلاف وخمسمائة وأربعين سنة والله أعلم.
واعلم أني كمؤرخ للحوادث والوقعات ووفيات الأعيان، وليس هذا بمقام انتصار لأحد. فأقول ومن الله أستمد الصواب:
ثم دخلت سنة ١٢٦٨ ه ـ
استهلت هذه السنة والإمام في نجد على الإطلاق، هو فيصل بن تركي بن عبد الله آل سعود وقد ساعدته الظروف والأحوال، وأعد نجله الأمير عبد الله في ذلك الوقت قائدًا للجيش، وكان عبد الله إذ ذاك منصور اللواء يغير بالجنود الإسلامية ويقيم ما اعوج من القبائل والبلدان.
وفيها قدم المدينة عساكر كثيرة من قبل والي مصر عباس باشا بن أحمد طوسون ابن محمد علي، وشاعت الأخبار بأنهم يريدون الخروج إلى نجد.
فلما أن كان في جمادى الآخرة خرج محمد بن ناصر من المدينة متجردًا للقتال من قبل الأتراك، وانضم إليه كثير من بادية حرب، فأغاروا على ابن سقيان من بني عبد الله على الفوارة وأخذهم، ثم رجع إلى المدينة ومعه عساكر كثيرة، وتبعه كثير من عربان حرب، فأغاروا على الغضيان عرب الضيط من عتيبة على الدفينة، فأخذهم ورجع إلى المدينة أيضًا، وكان ذلك في رجب من هذه السنة.
ولما أن وصل الخبر إلى الإمام فيصل أمر بالجهاد وكتب إلى جميع الرعية، ثم صاح بالنفير وخرج بجموع أهل العارض والخرج، ونزل الجمعة فاجتمع إليه هناك غزو بلدان عسير والممحل والوشم والقصيم، وولى على قضاء بلدان سدير فضيلة الشيخ عثمان بن علي بن عيسى، وكان قبيلة سبيع.
стр. 116
ثم لما كان في شهر رمضان جاءت الأخبار بأن عباس باشا، وإلى مصر جهز جيوشًا كثيرة إلى بلدان عسير، فحصل الأمن والاطمئنان لنجد وأهلها، وكان عباس باشا قد ضم إلى هذه الجيوش من في المدينة من العساكر فتوجهت أولائك العساكر إلى بلدان عسير وجرى عليها من الأسر والقتل ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ولما تحقق الإمام فيصل الخبر عن تلك العساكر ارتحل من بلد المجمعة بمن معه من جنود المسلمين وصبح الصهبة من مطير على أم الجماجم، فأخذهم ثم رجع إلى الرياض وأذن لمن معه من جنود المسلمين بالرجوع إلى أوطانهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًا عزيزًا.
وفيها في ذي القعدة بعث السلطان عبد المجيد خان طوقًا من ذهب للحجر الأسود زاده الله تشريفًا وتكريمًا، ولا زال يقبل ويستلم في أناء الليل والنهار، وأمر بأن يجعل عليه ذلك الطوق، وكان بعثه صحبة الشريف عبد المطلب، ويقدر ذلك الطوق بألف دينار، ثم إنه أزيل طوق الفضة القديم وركب الذهبي.
وقد قيل أنه وزن فكان عشر أوقيات من الذهب الخالص، ولم يعلم أن الحجر الأسود قد طوق بالذهب غير هذه المرة، وكان هذا الطوق في غاية الحسن من التنقيش ومكتوب فوقه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وحواليه آية الكرسي وبعض آيات قرآنية، وأصل ذهب هذا الطوق من كنز وجد بمكة في شعب جياد، وأخرج الطوق الأول من الفضة فأرسل إلى الأستانة عاصمة الدولة العثمانية إذ ذاك وبهذا وأمثاله نعترف باهتمام الدولة العثمانية بالحرمين الشريفين، إن الله جعل هذه الأماكن المقدسة محترمة لدى العالم أجمع، ولا تزال الحكومات الإسلامية في قديم الدهر وحديثه تولي الحرمين عناية واهتمام، ومن أبلغ ما بذل من الجهود فيما قبل آل سعود الذين لم يدعوا ذكرًا لمن قبلهم هم سلاطين آل عثمان حيث عمروا الحرمين، وجدوا في سبيل العناية بهما، نسأل الله تعالى أن يعمّرها بالطاعة والتقوى وأن يجعلهما على الدوام ملجأ للحجاج والعمار والزوار.
стр. 117
ثم دخلت سنة ١٢٦٩ ه ـ
ففيها أنزل الله الغيث في أوائل الموسم ثم إنها تتابعت الأمطار والسيول وعم الحياء بلدان نجد، وكثر الخصب ورخصت الأسعار جدًا، فبيعت الحنطة ثلاثين صاعًا بالريال، وبيع الأقط من ثمانية وعشرين صاعًا إلى ثلاثين صاعًا بالريال، وكثرت الكمأة حتى أنها بيعت في تلك السنة خمسين صاعًا في ريال قلت يا عجبًا سبحان المتصرف في ملكه فإن الكمأة يومنا هذا تساوي خمسين صاعًا منه خمسمائة ريال كما أن الأقط الآن كذلك في القيمة، وبيع التمر في تلك السنة ستين وزنة بريال، وفي بعض البلدان سبعين وزنة، وبيع السمن ثلاث عشرة وزنة بريال.
وفيها حصل بين عائض بن مرعي رئيس بلدان عسير وبين العساكر المصرية عدة وقعات نصره الله فيها عليهم إلى أن استأصلهم قتلًا وأسرًا، وكانت الدولة العثمانية تحاول بذلك الاستيلاء على اليمن وعسير، ولما نزلت جيوشها بقيادة توفيق باشا في الحديدة استرجعت أولًا الحكم من الشريف حسين بن علي بن حيدر، كان هذا من أبي عريش الذين كانوا يحكمونها ثم عاد الشريف بعد ذلك إلى مقره أبي عريش؛ ولما نزل توفيق باشا بلد الحديدة بانتداب الدولة استولى على أبي عريش، وتقدم بجيوشه إلى صنعاء، ولكنهم لم يستولوا عليها ولا تمكنوا من البقاء في اليمن الأعلى إلا أن الثورات في تهامة ولحج أضعفت شوكة الإمامة، وقسمت البلاد، ولما نصر الله ﵎ عائض بن مرعي على العساكر المصرية كتب إلى الإمام فيصل بشارة بذلك وأرسل إليه هدية معها قصيدة لقاضيهم علي بن الحسين الحفظي يذكر فيها مفاخر قومه وما أعطاه الله أميرهم عائض بن مرعي من الظفر والنصر على الأعداء في وقائع سماها وهي هذه القصيدة العظيمة:
أيا أم عبد مالك والتشرد ... ومسراك بالليل البهيم لتبعدي
وما أواك أوصاد الكهوف توحشًا ... ومثواك أفياء النصوب وغرقد
وما جاوزت ساقاك من سفح رهوة ... واشعافها ما بين عال ووهد
ومسراك من ذات العميق وكوثر ... ونهران من در القذال الملبد
стр. 118
وما السران بدلت قصرًا مشرفا ... وعرشًا وفرشًا بالعرى والنلدد
فما مثل هذا منك إلا لضيقة ... من العيش أو من سوء أخلاق معتد
فقالت رويدا يا أبا عبد إنما ... أضاف بنا ذرعًا شديد التوعد
عرمرم جيش سيق من مصر معنفا ... لهتك أستار النساء ويعتد
ويسبي ذراري الأكرمين جبارة ... وينظم سادات الرحال بمقلد
فقلت لها مهلًا فدونك منهم ... ضروب حماة بالحديد المهند
وضرب يزيل الهام عما ربت به ... ويظهر مكنونات أجواف أكبد
وطعنًا ترى نفذ الأسنة لمعا ... من القوم يعوى جرحها لم يسدد
قفي وانظري يا أم عبد معاركًا ... يشيب لها الولدان من كل أمرد
وإن كنت عنها في البعاد فسائلي ... ففيها أسود من مغيد بمرصد
وفيها ليوث الأزد من كل شيعة ... يصالون نار الحرب حربًا لمعتد
وفيها رئيس عائض حول وجهه ... حياض المنايا أصدرت كل مورد
خليفة عصر للحنيفي مثقف ... لما اعوج منه في حجاز وأنجد
فيالك من يوم الحفير وما بدا ... لريدة من طول القتام مشيد
ويالك من يوم اللحوم سباعه ... شباع وطير الجو تحظى لمشهد
ويالك من أيام نصر تتابعت ... بها من شواظ الحرب ذات التوقد
تطامت رقاب الروم فيها عبوقها ... كاعاق دود للجراد المقدد
فأضحى جثاثًا في البقاع مر كما ... تزعزعه ريح العشية والغد
ويالك من يوم المرار لواؤه ... تقنع بالصرعى به كل مقعد
كان تقحام الشريد وعوره ... قرود نحاها فجاة أعسر اليد
تخرمها نحو الهجير وإنها ... لتعهد منه فري ناب ومفصد
ويا عجبًا من في حبظي وما دنا ... لوادي كسان من قتيل مسند
وفي ربوة الشعبين داهية أتت ... عليهم فما أغنى دفاع بعسجدي
ويوم المقضى قد تقضت أمورهم ... بفاقرة الظهر التي لم تضمد
стр. 119
ومن قبل ذا يوم العزيزة عزهم ... ذليل بضرب المشربي المجرد
كتائب فيها صرعوا ثم غودروا ... بأشلائهم قاني الدماء المكبد
بأيدي رجال من شؤة جدهم ... رقى بهمو مجدا إلى حذو فرقد
تداعى عليهم من صميم أصولها ... ثبات وجمع كالمحيط المزبد
ففاخر بهم يا خاطبًا فوق منبر ... على الناس فاقوا بالحسام وسودد
ليهن من بني قحطان مجد فخارهم ... مدى الدهر في نادي بواد وأبلد
فيا راكبًا أما لفيت ببيشة ... وما دفعته من ضراب وفدفد
فسلم على قبر شكبان سالم ... فقد كان قد فلق دم كل سيدي
يحامي على التوحيد حتى عرى له ... من الحتف كأس جرعه ذو قردد
ومر على أجزاء ظلفع قف بها ... قليلًا وما يغنيك عن ضرب معبد
على ظهر قباء الكلى لا يريبها ... حفا حزن منجاة قفر منكد
تشر الحصا بالخف كالخذف قبلها ... وقد ضاق هما صدرها للتعبدي
كما ثر من عين برملان وحشة ... يحفله قناصه بالترصد
توسمت الوسمي أما بكوره ... فمن نقأ الدهناء سعدانها الندي
وأما ثوانيه فإن زال ضعنها ... فمن حضن حتى الرشاء الممهد
نعللها منه غواد فاشطأت ... بقول ورمث زهرها ذو تطرد
فأضحت تسامي في سنام كأنها ... بنجد تليع الهضب عالي التصعد
فقل لمعد لا تغر بسرحها ... فتلقى كماة الحي جنبًا بموعد
بسمر العوالي والمراضي ودونها ... وميض لموضون الحديد المسرد
وأما أجازتك الدخول فحوملا ... فصبحا فعرضا فالسراديح فاعتد
وسقها إلى نجد يؤمك ليلها ... بنات لنعش والضحى فيه تهتد
وإن خلأت يومًا لشحط مزارها ... فأبدل بها عيناء ذات التعرد
ودعها عن التهجير حتى إذا رأت ... ورودًا بماء من صفار فأورد
وأشرف على وادي اليمامة قائلًا ... ود معك سفاحًا على الخد والثد
стр. 120
سلام على عبد العزيز وشيخه ... وتابع رشد للإمام الممجد
دعا الناس دهرًا للهدى فأجابه ... فئام فمنهم عالمون ومقتدي
وقفاهما حذوًا سعود بسيفه ... مميز مجود النقود من الرد
وعرج بها ذات اليمين وقد هوت ... على عرصات للرياض بمقصد
ونادى بأعلى الصوت بشرى لفيصل ... ومن نسل سادات الملوك مسدد
إليك نظامًا نشره في وقائع ... على جحفل المصري قد شد باليد
فعشرون ألفًا من قضى الله منهم ... فما بين مقتول وعار مجرد
ولم ينج منهم غير قواد قومهم ... على صافنات في قليل معودي
كان أنين الموقمين ومن به ... جوارح رمي قاصفات لأعمدي
أنين معين زادها داؤها الذي ... بأكباد آضني عليها لينتدي
أرى ساكني الأمصار قد حل فيهم ... عقاص فاصماهم على كل مرقد
أتاهم بها إذغاب نجم مشعشع ... من الجو في مغرابه نحس أسعد
فكل الذي لاقوه يحسب دونما ... تعكس من حزم الهمام المعمد
فقل لدليل القوم هلا أفاده ... من العلم أن البغي قتال معقد
ومهما أعادته الأماني بحربنا ... نصبنا لهم أمثالها بالمحدد
ويا قافلًا أما ثنيت زمامها ... وأقبلت ما استدبرته للتعودي
ولاح سهيل ضاحكًا لك ثغره ... وقد لمحته عينها مفلق الغد
فسلم على الأحباب تسليم موجد ... ولا تنس جيران البجير بألحد
وآخر قولي وابتدائي فيهم ... صلاة وتسليم علي خير مرشد
وآل وصحب كلما قال منشد ... أيا أم عبد مالك والتشرد
ولما وردت هذه القصيدة أجاب عليها الشيخ أحمد بن علي بن مشرف ﵀ بقصيدة فريدة، ذكر فيها مآثر آل سعود ومناصرتهم للشيخ محمد وعرج في آخر القصيدة بمديح الأمير عائض بن مرعي وشيعته وختمها بطلب قبولها والعطف عليها وترك أم عبد ذات التشرد.
стр. 121
وفيها غزا الإمام فيصل بن تركي يريد الجبلان من مطير فزحف من الرياض تحى نزل على رماح، وكتب إلى أمراء بلدان نجد يأمرهم بالقدوم عليه بمن معهم من الغزو فقدموا عليه في ذلك الموضع، فقاد الجيش بنفسه حتى صبح الجبلان على الوفراء، فأخذهم وقفل إلى الرياض ثم أمر ابنه بالمسير بمن معه من جنود المسلمين الحاضرة والبادية وقصد عربان آل مرة وكانوا قد أكثروا الغارات على أطراف الأحساء فصبحهم وهم على النعيرية، وأخذه وقتل منهم عدة رجال ثم زحف منها على نعيم ومعهم أخلاط من بني هاجر والمناصير وهم على سلوى، وأخذهم وأقام هناك أياما وقسم الغنائم وأذن لمن معه من البوادي بالرجوع إلى أوطانهم، ثم توجه بمن معه من الحاضرة إلى عمان، وكان قد بلغه أنه وقع فيهم بعض الاختلاف بين رؤساء البلدان فلما قرب من البلاد تلقاه الرؤوساء والكبراء، والأعيان للسلام وقابلوه بالسمع والطاعة والانقياد، وكان عاقلًا حليمًا عادلًا شهمًا حازمًا حسن التدبير فعاملهم بالرأفة والإحسان فاطمئن الناس واستبشروا بقومه وانهالت إليه الهدايا والتحف، فقبض خراج البلاد، وأقام هناك إلى النصف من ذي القعدة ثم قفل راجعًا إلى بلده وأذن لمن معه من أهالي النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.
وفيها وقع الاختلاف بين الأسرتين أسرة راشد بن ثامر بن سعدون بن محمد بن مانع بن شبيب، وأسرة عقيل بن محمد بن ثامر بن سعدون، وكان قد انحاز مع الآخرين أسرة عيسى بن محمد بن ثامر بن سعدون، وهذا الاختلاف في طلب الرياسة على المنتفق وانقسمت عربان المنتفق عليهم فحصل بينهم وقعة شديدة بالقرب من سوق الشيوخ فصارت الهزيمة على أسرة عقيل وأتباعهم من أسرة عيسى، وقتل رئيسهم عبد الله بن عقيل بن محمد المذكور، وقتل من الفريقين خلق كثير فصارت الرياسة لمنصور بن راشد بن ثامر بن سعدون ثم سار بعد هذه الواقعة محمد بن عيسى بن محمد بن ثامر بن سعدون إلى بغداد، وطلب من الوزير عسكرًا لقتال أسرة راشد فجهز معه عساكر كثيرة، وتوجه بهم لقتال المذكورين، وأمر الوزير آل قشعم وآل بعيج وغزية بالمسير مع محمد
стр. 122
بن عيسى المذكور وأطمعهم في العطاء فتبعه منهم جمع غفير، ولما أن علمت أسرة راشد بما بيّته لهم أولئك انهزموا إلى بادية الظفير، وأقاموا هناك فاستقل محمد بن عيسى بولاية المنتفق.
ثم دخلت سنة ١٢٧٠ ه ـ، ففيها أنشأ الشيخ عارف حكمة مكتبة في المدينة المنورة وأرسل إليها ستة آلاف كتاب من كتبه، وأراد أن يأتي ببقيتها بنفسه ليضعها في مكتبته غير أن النية عاجلته قبل ذلك وبيعت الكتب الباقية بأبخس الأثمان وكان عارف هذا مولعًا بالمطالعة وجمع نوادر الكتب ولا يزال يلهج بالبحث والمطالعة ومن شعره في ذلك قوله:
أروح وأغدو في التهاب وغلة ... لفرط اشتياقي في مطالعة الكتب
إذا ما خلت نفسي وصرت جليسها ... أراني كعطشان على المنهل العذب
أهم ولو كانت بحورًا بشربها ... ولكنه لا يرتوي أبدًا قلبي
وقد جمع من الكتب ما يقرب من عشرة آلاف كتاب.
وفيها ولد الشريف حسين بن علي بن محمد بن عبد المعين بن عون، وكانت ولادته في الأستانة لأن أباه كان فيها ثم عاد بعد سنتين من ولادته إلى مكة مع والده، وجده ثم عاد والده علي إلى فرق وأقام فيها إلى أن توفي والده بعد سنة، وكان علي في تلك المدة عضوًا في المجلس الأعلى ثم صار وزيرًا وعين عضوًا في مجلس الشورى للدولة العثمانية، وكان الحسين بن علي في صفته رقيق البشرة معتدل الأنف دقيقه له جبين رفيع وضاح يظهر بكمال بهائه عندما يرفع العقال، وقد يلبس العمامة، وله عينان فيهما نور يشع من حدقتين عسيلتين تحيط بهما هالة زرقاء، وله ابتسامة تجذب القلوب، وكان فصيحًا معجبًا بنفسه، وإذا تكلم فإنه يردد لفظة أقول كذا لأن صوته خفوتًا تضيع عنده الكلمات، فيعيدها مثبتًا ممكنًا، وفي كلامه لغز ورموز ويبين من أخلاقه هممه التي ستصدر بعد ذلك منه.
وفيها في صفر توفي الشيخ أبو بكر بن محمد الملا الحنفي الأحسائي صاحب مختصر التبصرة، وكتاب حادي الآنام إلى دار السلام، وله مؤلفات وهذا هو الذي رد عليه الشيخ سليمان بن سحمان.
стр. 123
وفيها أيضًا ولد الشيخ إبراهيم بن صالح بن إبراهيم بن عيسى في بلد شقراء، وهذا هو المشهور بالمؤرخ بن عيسى وضع ذيلًا مختصرًا لتاريخ بن بشر بلغ فيه إلى غاية القرن الثالث عشر.
وفيها قتل والي مصر عباس باشا بن أحمد طوسون بن محمد علي صاحب مصر فأقيم بعده على ولاية مصر عمه سعيد باشا بن محمد علي.
وفيها: في شعبان ثار أهل عنيزة على أميرهم جلوي بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود وأنزلوه من القصر وأخرجوه من بلدهم، وكان قد جعله أميرًا فيها أخوه الإمام فيصل سنة ١٢٦٥ هـ، ونزل إذ ذاك هذا القصر في عنيزة، وكان أميرًا على سائر القصيم.
وسبب ما جرى منهم عليه أنه حصل بين بعض خدمه وبين بعض أهل عنيزة نزاع، ولم تتفق الحال لمصلح يسعى بالرشد فكتب أهل عنيزة شكاية الأمير جلوي على أخيه الإمام، فعلم الأمير بسعيهم وحصل بسببها وحشة بينه وبينهم فآل الأمر إلى أن أخرجوه، وتعتبر هذه زلة من أهالي عنيزة أخطأوا فيها فغضب لذلك القاضي الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، وخرج بأولاده وحرمه إلى بريدة.
وكان الأمير جلوي قد سار منها أيضًا إلى بريدة وأقام فيها، ولما أن أخرجوه وسار بمن معه إلى بريدة كتب إلى أخيه الإمام يخبره بذلك فتأثر الإمام لهذا الخبر وغلب عليه الغضب، واشتعل الغيظ في جأشه والتهب وقام وقعد وكتب إلى جميع البلدان يستنفرهم لجهاد عنيزة، وبعث عبد الرحمن بن إبراهيم بسرية من الرياض فينزل في بريدة وبعث غزو ضرما والقويعية إليه وأمره بقطع سابلة أهل عنيزة، فزحف عبد الرحمن بمن معه من الجنود وأغار على أطراف عنيزة وأخذ ما وجده من المواشي ثم رجع إلى بريدة.
ولما كان في ثالث ذي الحجة خرج عبد الله بن الإمام فيصل من الرياض بغزو أهل الرياض والجنوب، وعقد موعد الغزو أهل سدير والوشم في بلد شقراء، فلما
стр. 124
أن وصل إليها وجد الجيوش قد اجتمعت هناك وذلك يوم عيد النحر، فسار بتلك الجنود يقودها إلى عنيزة، ولما أن كان في اليوم الخامس والعشرين من ذي الحجة صبح أهل الوادي وأخذ جميع ما عندهم من متاع وأثاث ومواشي وقتل منهم نحو عشرة رجال، وأمر عبد الله بن الإمام بقطع نخيل الوادي فخرج عليهم أهل عنيزة ومعهم خلائق كثيرون من أهل القصيم ومن البادية فحصل بين الفريقين وقعة شديدة في الوادي قتل فيها عدة رجال من الفريقين منهم سعد بن محمد بن سويلم أمير بلدة ثادق من قبل الإمام، ثم إن عبد الله بن الإمام ارتحل بعد هذه الوقعة من الوادي ونزل العوشزية، ثم رحل منها ونزل على روضة الربيعية وقدم عليه طلال بن عبد الله بن رشيد بغزو أهل الجبل من حاضرة وبادية.
وكان أهل عنيزة لما عزلوا الأمير جلوي لم يتعرضوا لما معه من الأموال والسلاح، وجعلوا أميرًا على بلدهم عبد الله بن يحيى بن سليم، وسليم هذا لقب على سليمان بن يحيى بن علي بن عبد الله بن زامل، وكان بيت الإمارة من آل سليم، أما جلوي هذا الأمير فإنه ولد الأمير الشجاع الفاتك عبد الله بن جلوي أمير الأحساء.
وكان منصور المطرودي وأخوه حمد المطرودي من سكان عنيزة ثم انتقلا إلى العوشزية، وسبب ذلك أن منصورًا هذا كان بينما هو شيخ كبير قدّر أنه كان ذات يوم جالسًا في الطريق في بلدة عنيزة إذ مر الأمير وكان في فكر مستغرق، فلما جاوزه لم يسلم عليه فوجد منصور في نفسه على الأمير وناداه باسمه ألا تلقي تحية الإسلام وهي السلام بل تجاوزني كأنك لا تعرفني، ونسيت أيامًا مضت بيننا من المساعدة والمناصرة، فجعل الأمير يقلب الحيلة في التخلص من هذا السهو ويعتذر، غير أن منصورًا أبى أن يقبل منه عذرًا، ثم إنه طلب من أخيه حمد النقلة إلى العوشزية الواقعة إلى جهة الشرق عن المدينة بقدر من عشرين كيلو مترًا فسكنها وأخوه.
ولما أن كان في إمارة جلوي بن تركي قدر أن المطرودي وأولاده ذهبوا لصلاة الجمعة في عنيزة لأنه إذاك لم يتأسس لديهم جمعه، فلما كان في ذلك الوقت، جاء
стр. 125
لصوص من الحنشل فاستاقوا إبل أهالي العوشزية، وأخذوها غنيمة باردة وكانت القرية قد خلت من الرجال فلم يبق سوى الخدم والنساء والصبيان، وكان لمنصور ابنة تدعى مزنة المنصور خالة عبد الله بن جلوي، فلبست ثياب أخيها وامتشقت الحسام وأمتطت الفرس وأمرت أحد الخدم أن يركب فرسًا أخرى، فشدت في طلب القوم حتى أدركتهم فقالت لهم جنبوا عن الأدباش، فقالوا: أخرج جوابًا للمذكر لظنهم أنها رجل، فأقسمت بالله لأن لم تجنبوا لتفاقدوا العدة، فلما رأوا تصميم الفارس قالوا لها: يا هذا اجعلنا في وجهك، فقالت: ممنوعين على رقابكم، فأجابوا يقولون: من نحن في وجهه، فأجابت بوجه حماد المطرودي، ثم إنها استاقتهم مع الأدباش حتى ألجأتهم إلى مزارع العوشزية وأسرتهم، فلما أن جاء الرجال راجعين إلى القرية مع غروب الشمس إذا بها قد قدمت العشاء، فلما أن قيل تفضلوا يا ضيوف؟ أجابوا يقولون: والله لا نطعم حتى يحضر مضيفنا، فتكلم منصور يقول: إن مضيفكم ليس بحاضر وإنما مضيفكم امرأة، وهي التي طبخت عشائكم، فظهر بذلك أن الذي كسر أولئك الأبطال وأسرهم امرأة، فشاع ذكرها فتزوجها جلوي بن تركي، وولدت له ابنا سعودًا وبنتا.
وبعد ما توفيت سأل جلوي: هل لها من أخت، فلما تحقق ذلك جاء يخطبها، فقال منصور المطرودي: ما لدي سوى ابنة صغيرة، فطلب الأمير منه أن يزوجه أختها وهي ميثا، وإن كانت ذات أولاد، فتزوجها ثم توفيت، فخطب الثالثة وهي رقية، فتزوجها وولدت منه عبد الله بن جلوي، ومن ذرية منصور المطرودي ثامر بن علي بن محمد بن عبد الله بن منصور، ومن ذرية حمد عبد العزيز بن محمد بن سليمان بن محمد بن حمد.
وفي هذه السنة شرع في عمارة المسجد النبوي، وكان الذي تولى ذلك السلطان عبد المجيد خان، واستمرت هذه العمارة نحوًا من أربع سنين، نسأل الله تعالى أن يعمّره بالطاعة.
ثم دخلت سنة ١٢٧١ ه ـ ففيها قدم على عبد الله بن الإمام فيصل بقية غزو
стр. 126
أهل نجد، واجتمع عليه من الخلائق بادية وحاضرة مالا يحصيهم إلا الله ﵎، فلما اجتمعت تلك الجنود زحف بهم عبد الله من روضة الربيعية يريد قتال أهل عنيزة، فنزل الحميدية ثم ارتحل منها ونزل الغزيلية، فاشتد الخطب وعظم الهول، فعندها طلب أهل عنيزة من ابن الإمام الصلح، وكان الإمام فيصل قد ذكر لابنه أنهم إن طلبوا الصلح فأجبهم إليه، ويكون ذلك على مواجهتي وعلى يدي، وكان ذلك عادةً له لما فطر عليه من الشفقة والرأفة بالمسلمين جزاه الله خيرًا، فكتبوا بذلك إلى الإمام فيصل فأجابهم إليه وأعطاهم الأمان على أن الأمير الجديد عبد الله بن يحيى بن سليم يقدم عليه في الرياض، فسار الأمير عبد الله بن يحيى من عنيزة، وقدم على الرياض، وطلب من الإمام العفو والإحسان، واعترف بما صدر منهم من الخطأ والعصيان، فقبل الإمام معذرته وصالحه على أشياء طلبها الإمام منه والتزم بها الأمير، وتم الصلح فأذن له بالرجوع إلى بلده، وكتب الإمام إلى ابنه عبد الله يخبره بما وقع عليه الصلح، وأن يرجع إلى بريدة ويأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، فقفل القائد الأعلى إلى بلد الرياض ومعه عمه جلوي، وأذن لأهل النواحي ممن كان معه بالرجوع إلى أوطانهم، ورحل الشيخ القاضي أبي بطين معه بأولاده وحرمه إلى بلد شقراء، فتلقاه أهلها بالسلام واستبشروا به وكان ذلك في ربيع الآخر من هذه السنة.
وفيها أعاد الكرة أسرة راشد بن ثامر بن سعدون، فأخذوا في جمع الجنود وساروا لقتال محمد بن عيسى بن محمد بن ثامر بن سعدون الذي قد غلبهم على الرياسة في المنتفق كما تقدم عن قريب، وقام مع أسرة راشد سلطان بن سويط بمن معه من الظفير، وسار معهم صقر بن حلاف بمن معه من السعيد، وباذراع بمن معه من الصعدة، فالتقى الفريقان على نهر الفاضلية، واقتتلوا قتالًا شديدًا طارت له الرؤوس عن أجسامها، وبارحت الأرواح لأكمامها، فصارت الهزيمة على محمد بن عيسى وأصحابه، وقتل محمد في المعركة، وقتل من الفريقين خلق كثير، ثم صارت الرئاسة في المنتفق لمنصور بن راشد بن ثامر
стр. 127
بن سعدون، وذلك في رجب من هذه السنة.
ولما كان في شهر رمضان حصل اختلاف بين منصور هذا وبين أخيه ناصر بن راشد في طلب الرئاسة، وقام ينازعه إياها، فانقسمت عليهما عربان المنتفق، ووقع بين الفريقين قتال شديد، فصارت الهزيمة على منصور وأتباعه بعد ما حصلت له الرئاسة قليلًا، وصارت الرياسة في المنتفق لناصر بن راشد، وبعدما انخذل منصور سار إلى بغداد واستقر عند الوزير سعيد باشا، وطلب منه الإعانة والمساعدة على قتال أخيه ناصر فوعد بذلك.
وفيها كثرة السيول والأمطار والخصب، وكان على قضاء بريدة الشيخ سليمان بن علي بن مقبل ﵀، هذا ولا تزال العمارة مستمرة في المسجد النبوي، وشرع في زخرفته عكس ما أقره الرسول وشرعه، حيث قال: "لما تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد".
ثم دخلت سنة ١٢٧٢ ه ـ
استهلت هذه السنة والأمير في عنيزة عبد الله بن يحيى آل سليم، والأمير في بريدة عبد العزيز بن محمد بن عليان المشهور، وهو الذي جرت عليه واقعة بقعا، وواقعة اليتيمة، وفيها كانت عمارة دار المفتاح في الصفا، وقد وضعت هذه الدار ليسكنها من يتولى سدانة الكعبة، وذلك بسعي علي بن محمد الشيبي حينما سافر إلى القسطنطينة في سلطنة السلطان عبد المجيد خان بن السلطان محمود خان، فلما قدم إليه أكرمه وأحسن إليه ومنحه قدرًا عظيمًا من المال، وأمره ببناء هذه الدار، فلما رجع علي بن محمد إلى مكة المكرمة شرع في عمارة دار المفتاح المذكورة، وامتدت عمارتها سنتين.
وفي هذه السنة أنزل الله الغيث في أول الموسم، ثم تتابعت الأمطار والسيول، وعم الحيا جميع بلدان نجد، وكثر الخصب ورخصت الأسعار.
وفيها خرج منصور بن راشد بعساكر كثيرة من قبل الوزير سعيد باشا جهزها
стр. 128
معه برئاسة مصطفى باشا، فتوجهوا إلى سوق الشيوخ ونزلوه وما كان لمنصور معهم أمر ولا نهي.
ولما بلغ الخبر ناصرًا وتيقن كثرتهم، علم أنه لا طاقة له في لقائهم، وخرج بأهله وأولاده وأتباعه وماله من سوق الشيوخ، ونزل على سلطان بن سويط في كايدة، ثم مرج حكم المنتفق وتغلبت عليهم الدولة العثمانية، فكانوا يولون من أرادوا توليته ويعزلون من أرادوا عزله، وذلك لكثرة خلافهم وتفرقهم.
ثم دخلت سنة ١٢٧٣ ه ـ
ففيها في رابع عشر من شهر شوال توفى الشيخ الجليل العالم عبد العزيز بن عثمان بن عبد الجبار بن شبانة الوهيبي التميمي، وكانت وفاته في بلد المجمعة رحمه الله تعالى وكان أخذ العلم عن أبيه الشيخ العالم العلامة عثمان بن عبد الجبار، وعن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، فكان عالمًا فاضلًا ولاه الإمام تركي ابن عبد الله القضاء على بلدان منيخ والزلفي بعد وفاة أبيه الشيخ عثمان، وذلك في سنة ١٢٤٢ هـ.
فلما توفي الإمام تركي ﵀ وتولى ابنه فيصل عزل صالح بن عبد المحسن بن علي عن إمارة الجبل وجعل مكانه عليها عبد الله بن علي بن رشيد، وبعث معه الشيخ عبد العزيز المترجم قاضيًا في الجبل، فأقام هناك ثلاثة أشهر حتى انقضى الموسم، ثم أذن له بالرجوع إلى بلده فاستمر قاضيًا في بلدان منيخ والزلفي إلى أن توفى في هذه السنة المذكورة، ولما أن توفى الشيخ عبد العزيز طلب أهل المجمعة من الإمام فيصل أن يرسل إليهم قاضيًا فأرسل إليهم الشيخ عبد العزيز بن صالح بن موسى بن صالح بن مرشد قاضيًا في بلدان منيخ والزلفي وجميع بلدان سدير.
وفيها سار عبد الله بن الإمام فيصل بجنود المسلمين من البادية والحاضرة، فأخذ بن مجلاد ومن معه من عنزة في الدهنا، وكان عبد الله قد ضرب موعدًا لطلال بن عبد الله بن رشيد أن يقدم عليه بغزو أهل الجبل في زرود، ثم سار إلى زرود.
فلما أن وصلها وجد الأمير طلالًا وعمه عبيد بن علي بن رشيد بغزو أهل
стр. 129
الجبل فيها، فسار من زرود وعدا على مسلط بن محمد بن ربيعان ومن معه من عتيبة، فصبحهم على شبيرمة وأخذهم، ثم أغار على الروسان وهم على الرشاوية، وأخذهم ثم توجه إلى الشعراء ونزل عليها وقسّم الغنائم، ثم فقل راجعًا إلى الرياض وأذن لأهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.
وفيها في شهر رمضان توفى الشاعر الفحل عبد الله بن ربيعة ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته:
هو عبد الله بن ربيعة بن عبد الله بن وطبان بن ربيعة بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي، وجده وطبان بن ربيعة، هو بن أخي مقرن بن مرخان جد آل مقرن ملوك نجد، فيجتمع آل مقرن وآل وطبان في مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة. وسبب نزول وطبان بن ربيعة في بلد الزبير، أنه قتل ابن عمه مرخان بن مقرن بن مرخان في الدرعية، فهرب إلى بلد الزبير وصار لآل وطبان صيت في الزبير وشهرة، وصاروا السعدون شيوخ عربان المنتفق والصباح رؤساء الكويت، فمحمد بن الثاقب هو جد الشيخ محمد الصباح، وأخوته محمد وجراح وحمود وجابر لأمهم، وكان إبراهيم بن ثاقب بن وطبان رئيسًا في الزبير.
ولما توفى تولى الرئاسة بعده في الزبير ابنه محمد بن إبراهيم بن ثاقب، وكان حازمًا عاقلًا ومن الدهاة المعدودين، وكان أهل الزبير يسمونه البلم لدهائه ومعرفته بالأمور، لأن البلم يغرق غيره ويسلم، ولم يزل على رئاسته في بلد الزبير ليس له فيه منازع، وأمره نافذ حتى البصرة، وكان متسلم البصرة أحمد أغا يخافه ويعلم أنه لا يتم له الأمر في البصرة إلا بقتله، فلم يزل يدبر الرأي والحيلة لقتله، فلم يفز بذلك مدة طويلة لأن بن ثاقب كثير الجنود شديد التحفظ على نفسه حتى أنفذ الله فيه أمره، وذلك في سنة ١٢٥٣ هـ.
وصفة اغتياله أن أحمد أغا متسلم البصرة مسافر إلى بغداد مكيدة منه، وأقام فيها مدة أيام ثم رجع إلى البصرة وليس معه ما يريد من عسكر ولما غيرهم، وبعث إلى محمد بن إبراهيم بن ثاقب يستقدمه إليه في البصرة ويأتي معه بمن يحب من الأعيان
стр. 130
للسلام وليعرض عليهم كتابًا من وزير بغداد للأهالي، فسار محمد المذكور من الزبير إلى البصرة ومعه جنوده بسلاحهم يحملون الطبول، فلما أقبلوا على السرايا قاموا يغنون ويضربون الطبول وبعرضون، وكان قد جعل لهم المستلم كمينًا من العسكر في موضع السرايا في السطح وفي أسفل السرايا كمينًا آخر، فدخل محمد بن إبراهيم المذكور في السرايا ومعه أصحابه يغنون ويضربون الطبول ويلعبون في أسفل السرايا، وصعد محمد المذكور ومعه ثلاثة رجال من أصحابه إلى المتسلم وهو في السطح للسلام عليه فخرج عليهم العسكر الذين جعلهم المتسلم كمينًا كما تقدم، وقبضوا عليهم وقتلوهم وقطعوا رأس محمد بن إبراهيم المذكور ثم رموا برأسه وجثته إلى أصحابه من أعلى السرايا وهم يلعبون ويغنون، فلما رأوه هربوا إلى الزبير، وأرسل المتسلم عدة أنفار من العسكر للزبير وأمرهم بالقبض على أموال محمد بن إبراهيم وأموال آله وأتباعه، فقبضوا ما وجدوه من أموالهم وكانت شيئًا كثيرًا وهرب آل ثاقب من الزبير إلى الكويت.
وفيها في آخر ذي القعدة قام بن مهيليب شيخ برية على حاج أهل عنيزة وهم على الداث الماء المعروف، فطلب منهم مطالب فامتنعوا من إعطائه فأخذهم.
ثم دخلت سنة ١٢٧٤ ه ـ
ففيها اصطنع السلطان عبد المجيد خان عوارض من حديد وضعت بين الأساطين الأمامية المطلة على الحصاوي، وعلق في كل عارضة بين الاسطوانتين خمسة قناديل توقد من ابتداء رمضان إلى عشرين من ذي الحجة، وهذه مدة أيام الحج وأشهره لأن المسجد الحرام في حاجة إلى زيادة الإضاءة للطائفين والمصلين، وتم في هذه السنة بناء دار المفتاح التي أنشأت على أرض تابعة لآل شيبة الذين هم سدنة الكعبة المعظمة.
ولما توفى رئيس السدنة أخو علي بن محمد الشيبي الذي سافر وسعى إلى السلطان في طلب الدار، واسم هذا السادن أحمد بن محمد قبل أن يسكن الدار لأنه
стр. 131
توفى في أول هذه السنة غسلوه فيها ثم تولى بعده السدانة للكعبة الرئيس عبد الله بن محمد الشيبي في هذه السنة، وكان أول من سكن دار المفتاح بعد عمارتها ومكثت السدانة بيده اثنتين وعشرين سنة.
وفيها التقى حرب وعتيبة بقرب ساق المعروف فحصل بين الفريقين قتال شديد فصارت الهزيمة على عتيبة وقتل منهم نحو ستين رجلًا، ومن حرب نحو خمسين رجلًا.
وفيها أيضًا توفى الحميدي بن فيصل بن وطبان الدويش شيخ عربان مطير رحمة الله على أموات المسلمين، وكان للحميدي هذا قصة مع الأمير عبد العزيز المحمد، وذلك أن عبد العزيز أغار على الحميدي وجنوده، فلما سمع الدويش ضرب الطبول والرمي قال لأصحابه: لا بأس عليكم فهذا دمعان لقب لعبد العزيز فتناولوا قهوتكم، وقام الحميدي هذا وعليه جبة غليظة فوثق لها مسمار من حديد فشقها فتطير وخاب وصارت الهزيمة عليه.
وفيها غزا عبد الله بن الإمام فيصل بجنود المسلمين من الحاضرة والبادية، وأخذ ابن حميد والهضيل على دخنة ثم عدا من دخنة وأخذ العصمة على نفي، وأقام هناك أيامًا ثم عدا على البقوم ومعهم أخلاط من سبيع، وهم على أم الجواعر فصبحهم وأخذهم ثم قفل راجعًا إلى الرياض، وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.
وفيها وقع الوباء العظيم في نجد والبحرين والأحساء ومات خلائق كثيرة.
وفيها في ثالث عشر شعبان توفى الشريف محمد بن عبد المعين بن عون بن محسن بن عبد الله بن حسين بن عبد الله بن حسن بن أبي نمي وعمره نحو السبعين، وخلف ستة من الذكور وهم عبد الله وعلي وحسين وعون وسلطان وسادسهم لا أعرفه، وتولى إمارة مكة بعده ابنه عبد الله، وكانت إمارة مكة يتداولها نسل هؤلاء الأشراف كما حصرها أبو نمي في نسله هؤلاء وهم: ذوو بركات وذوو زيد وذوو عون.
стр. 132
ذكر قانون أبي نمي
كان له قانون محفوظ لما يزال يتداوله الأشراف بينهم وقد تضمن أمورًا هي:
أولًا - في حفظ الإمارة وجعلها وراثية بالتدريج في الأسرة الهاشمية.
ثانيًا - يحظر على أي شريف كان أن يشتغل في أي مهنة أو صنعة كانت بأي كيفية إلا في القراشة الحطب والفحم والجمال والزرع.
ثالثًا - إذا قتل الشريف أخذ من أهل القاتل أو القرية أربعة وقتلوا لأجله.
رابعًا - صافع الشريف يقطع يده.
خامسًا - شاتم الشريف يقطع لسانه.
سادسًا - الشريف لا يحاكم في مجلس خصمه.
سابعًا - إذا هم الشريف بقتل شريف أو رفع عليه السلاح ينفى من البلاد.
ثامنًا - لا يقتل الشريف إذا قتل غير الشريف.
تاسعًا - للشريف الحاكم ثلث دية المقتول .. إلخ.
قلت لا يخفى ما في القانون من أعظم الجور والظلم، وهل كان هذا إلا مناقضة لأحكام الإسلام، إن الإسلام ساوى في الجنايات بين الشريف والوضيع، وعدل بين الرؤوساء والسوقة، ولكن قد قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقد زاد من جاء بعد أبي نمي من الأشراف على هذا القانون مواد أخرى.
ثم دخلت سنة ١٢٧٥ ه ـ
ففيها قتل ناصر بن عبد الرحمن السحيمي في الهلالية، وهو ناصر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن إسماعيل، قبيلته في بلد أشيقر معروفة بآل إسماعيل، وكان قتله لأحنٍ قد كانت كامنة في الصدور بينه وبين آل سليم حتى قتلوه في هذه السنة.
стр. 133
وسبب ذلك أنه لما انتقل جده عبد الله من بلد أشيقر إلى عنيزة كان مع عبد الله ابنه عبد الرحمن وابن ابنه مطلق الضرير، فنزلوا على عشيرتهم آل بكر من سبيع فأكرموهم وأقاموا عندهم، وتزوج عبد الرحمن وابنه ناصر هذا وكانت الرئاسة يتجاذبها إذ ذاك على بلد عنيزة آل بكر وآل زامل، فلما كبر ناصر المذكور ظهرت منه الشهامة والشجاعة، وكان الأمير إذ ذاك في عنيزة يحيى السليم، فصار ناصر يعارضه في أمور، ويساعد ناصرًا في ذلك أكابر عشيرته من آل بكر، فخاف يحيى وكان عاقلًا حكيمًا حازمًا من شر يقع بينه وبين آل بكر، فدعى بناصر المذكور وقال له إن لك حقًا علينا فاختر في إمارة عنيزة، وأنا لي الشداد ومعلوم الدرب والعكس إن شئت، وكان ذلك في الفوضى التي بين هتك الدرعية وبين مقام الإمام تركي، فخاف ناصر أن يكون يحيى غير صادق فيما قاله، واكد بالعهود والمواثيق، فلما علم ناصر صدقه قال: أنا ولد ويكفيني الشداد، فاستقام الأمر على ذلك، ولما قتل يحيى بن سليم في واقعة بقعا وتأمر بعده في عنيزة أخوه عبد الله بن سليم، بقي على إمارته أربع سنين إلى أن قتل سنة ١٢٦١ هـ في واقعة بين أهل عنيزة وبين ابن رشيد أيضًا، فتولى الإمارة بعده أخوه إبراهيم بن سليم ثم عزله عنها الإمام فيصل بعد أربع سنين وجعل مكانه أميرًا على عنيزة ناصر بن عبد الرحمن السحيمي، فقام بعدها بسنة عبد الله بن يحيى آل سليم وزامل بن عبد الله بن سليم ورجال من أتباعهم ورصدوا لناصر هذا في طريقه بعد العشاء الأخرة يريدون قتله، فرموه بثلاث طلقات أصابته واحدة منهن على غير مقتل وركضوا بعدما سقط على الأرض يريدون قصره، وكان قد ضبطه بالرجال وجعل فيه أخاه مطلقًا الضرير، فوجدوه مغلقًا لأنه قد سبقهم النذير وشمروا للحرب، فهرب عبد الله وزامل ومن معهما منهزمين إلى بريدة وأقاموا عند أميرها عبد العزيز المحمد، أما ناصر فقام من فوره ودخل قصره في عنيزة وجارحوه حتى برئ من جرحه، وكتب إلى الإمام فيصل يخبره باعتداء آل سليم عليه بغير جرم ولا سبب، ثم كتب عبد العزيز المحمدي إلى الإمام يخبره أن آل سليم عنده ولم يفعلوا ذلك إلا لأشياء حدثت من
стр. 134
السحيمي، فبعث الإمام فيصل إلى أمير بريدة عبد العزيز بأن يرسل إليه آل سليم بلا مراجعة، فأرسلهم إليه بهدية سنية، وقدموا على الإمام وأكرمهم وعفا عنهم، وكتب إلى السحيمي أن آل سليم عندنا وأنت على مرتبتك ونحن ننظر في الأمر إن شاء الله، وكان مطلق الضرير لما جرح أخوه ناصر، أرسل إلى رجل من أعوان آل سليم يقال له بن صخيبر فضربه حتى مات، ثم قام ناصر لما برئ من جرحه فقتل إبراهيم بن سليم، فقام آل سليم يحاولون قتله به حتى قتلوه في هذه السنة لأنهم جعلوا يترقبون الفرص لقتله، فلما ركب من عنيزة لينظر إلى خيل له في بلد الهلالية عند بعض أصحابه فيها ليعلفها هناك، ركب في أثره عبد الله بن يحيى بن سليم وزامل بن عبد الله بن سليم وحمد بن إبراهيم بن سليم، فسطوا عليه في الهلالية وقتلوه نائمًا عند خيله، ورجعوا إلى عنيزة، فانتقل أخوه بعد مقتله بأولاده إلى بلد أشيقر حتى توفى فيها أعني مطلق الضرير، وذلك بعد هذه السنة بسبع سنين.
ذكر عزل أمير بريدة
لما كان في رجب من هذه السنة كتب الإمام فيصل إلى عبد العزيز المحمد أمير بريدة أن يقدم عليه، فركب عبد العزيز ومعه ابناه عبد الله وعلي وثلاثة من خدمه، فقدم على الإمام، ولما جلس بين يديه انتهره الإمام وأغلظ عليه في الكلام وجعل يعدد عليه أفعاله القبيحة، وما حصل منه من الشقاق، فأجاب بالاعتراف وأن كل ما عاتبه فيه حق، ثم قال: وأنا أطلب العفو والمسامحة، فأنزله الإمام في بيت عنده ومن معه، وأجرى عليهم من النفقات ما يكفيهم، وأمره بالمقام عنده في الرياض، وأمرَّ في بريدة عبد الله بن عبد العزيز بن عدوان من آل عليان عشيرة عبد العزيز الذكور وآل أبي عليان من العناقر من بني سعد بن زيد مناة بن تميم.
في هذه السنة، جلس عبد الله بن عبد العزيز بن عدوان أميرًا في بريدة وذلك في رجب منها.
ولما كان في جمادى الأولى بعث الشيخ الأديب أحمد بن علي بن مشرف بقصيدة
стр. 135
إلى الإمام فيصل بن تركي يحرضه على كف الأعراب عن النهب والفساد، افتتحها تغزلًا كعادته ثم ذكر نهبهم للأموال وسفكهم للدماء وإفسادهم في الأرض بعد إصلاحها وإغارتهم في الطرق وقطعهم السبل إلى غير ذلك مما يتوقع من البدو، فمن أبيات القصيدة المشار إليها قوله:
فقال ادخلوا في السلم طرًا وأسلموا ... وإلا فحرب وعده ليس يخلف
وأقسم لا نعطي على ديننا الرشا ... وما عندنا إلا حسام ومصحف
فمن لم يقومه الكتاب أقامه ... حدود الضبا والسمهري الثقف
فهل يستقيم الدين إلا بدعوة ... إلى الله يتلوها سنان ومرهف
وقد فرض الله الجهاد على الورى ... لمن كان عن نهج الشريعة يصدف
وقد كان يبدي الحلم والصفح عنهم ... ويعطيهمو الأموال كي يتألفو
فلما أبوا إلا الخلاف تمردًا ... رماهم بما يؤذي النفوس ويتلف
بجيش لهام حشوه الخيل والقنا ... تهب رياح الموت منه وتعصف
يقودهمو شبل الإمام وإنه ... لبالجود والإقدام والمجد يوصف
ثم قال في مديح فيصل:
هو البحر ينتاب العطاش وروده ... وكل امرئٍ يروي المزاد ويغرف
فأسيافه من خصمه ترعف الدما ... وأقلامه بالبذل والجود ترعف
لقد أتعب الكتاب كتب صكاكه ... فكدت على أقلامهم أتخوف
وامتدحه أيضًا بقصيدة في هذه السنة أفصحت عن جوده وكرمه والثناء عليه، ثم امتدحه أيضًا بقصيدة في هذه السنة بل في رجب ذكر فيها كيفية الأمن الذي نشره الله على يدي الإمام، ومن أبياتها قوله:
تبدل بالثياب جلود نمر ... وسل على أولى الظلم الحساما
فصار الذئب للأغنام سلما ... وصاحب في الفلا النعم النعاما
стр. 136
أمام للهدى يدعو البرايا ... ويبعث للعدى جيشًا لهاما
وإن ذكر الندى فيداه غوث ... تسح الجود والمنن الجساما
فكم أعطى السوابق مسرجات ... وكم أعيت عطاياه الكراما
وكم أصلى الأعادي نار حرب ... فكان وقودها جثثًا وهاما
وإن ذكر علاه فلست أحصى ... مزايا من مناقبه عظاما
همام فاضل فاطن ذكي ... إليه الملك قد ألقى الزماما
فلما كان في شعبان غزا الإمام فيصل بجنود المسلمين حاضرة وبادية، ونزل على رماح فأقام هناك أيامًا، ثم أمر ابنه عبد الله أن يسير بتلك الجنود ويقصد بهم عربان برية من مطير لأمور حدثت منهم، وقفل بنفسه راجعًا إلى الرياض، فزحف القائد عبد الله بمن معه من الجنود وصبح عربان برية على دخنة فأخذهم، ثم نزل على عريفجان فاستدعى كبار برية فركبوا إليه، فلما صدروا من الشبيكية صادفهم غزو قحطان فأخذوهم وقتلوا منهم خمسة رجال منهم مناحي المريخي وهذال القريفة، فغضب عبد الله بن فيصل لذلك، ولما وصل إليه غزو قحطان المذكورون أخذ جميع ما معهم من الخيل، وهي نحو مائة وأربعين فرسًا وأسر منهم خمسة وعشرين رجلًا، وقفل بهم معه إلى الرياض، وطلب عليهم أشياء فأعطوه جميع ما طلب ودفعوا لبرية دية المقتولين منهم وجميع ما أخذوا منهم ثم أطلقهم، وفيها تصالح عربان برية وقبائل علوي بعد حروب بينهم.
وفي هذه السنة أنشأ الشيخ أحمد بن علي بن مشرف قصيدة، وبعث بها إلى الإمام فيصل منهضًا له على جهاد الأعراب المفسدين، فأثار فيها سواكنه وشجعه فيها، حتى أن هذه القصيدة لتستجيش من يسمعها، وهذا نصها رحمه الله تعالى:
أشمس تجلت من خلال السحائب ... أم البدر جلى حالكات الغياهب
أم انجابت الظلماء عن لمع بارق ... تلألأ من ثغرها لإحدى الكواكب
стр. 137
نعم أقبلت سلمى فأشرق وجهها ... بصبح جمال تحت ليل الذوائب
فتاة تفوق الغانيات بحسنها ... كما فاق بدر التم زهر الكواكب
فما للمعنى لا يهيم بذكرها ... وقد كان ذا جسم من الوجد شاحب
تناءت فزارت سحرة بعد هجعة ... وقد نام عنها كل واشٍ مراقب
فنم برياها الصباحين أقبلت ... تميس كغصن البان أو مثل شارب
فحيت بتسليم فأحسنت رده ... وقلت لها قول المحب المعاتب
صليت بنار الهجر أحشاء مولع ... فلم يطفها ماء العيون السواكب
فقالت ألم تعذر فكم حال بيننا ... من المهمة الزيزاء وبعد السباسب
أنا في ربا نجد وأنت ببلدة ... أحاطت بها الأعداء من كل جانب
يغيرون في أطرافها وسروحها ... جهارًا ولا يخشون سوطًا لضارب
فكم قعدوا للمسلمين بمرصد ... وكم أفسدوا في سبلها بالنهائب
يقولون سيروا إن ظفرتم بنهبة ... على رسلكم لا تحذروا درك طالب
وإن تسفكوا فيها الدماء فإنها ... لكم هدر لا تحذروا من معاتب
فياليت شعري هل سراة حماتها ... نيام فهم بين لاه ولاعب
أم الحد منهم كل أم زندهم كبا ... أم القوم غروا بالأماني الكواذب
لقد كان تخشى بأسهم أسد الشرا ... فصارت بهم تعدو صغار الثعالب
وأنى يحوط الملك إلا سميدع ... يخوض لظى الهيجاء ليس بهائب
له غيرة تحمي الرعايا كأنها ... حمية ضرغام جسور موائب
فلا دين إلا الجهاد قوامه ... ولما أمن إلا بعد سل القواضب
ولا ملك حتى تخضب البيض بالدماء ... من الهام في أطرافه والجوانب
ولا مجد إلا بالشجاعة والندى ... وجر العوالي فوق مجرى السلاهب
فقل لإمام المسلمين وسر له ... بنفسك أو بلغه مع كل راكب
وأنشده إن أحسست منه تثاقلا ... إذا لم يسالمك الزمان فحارب
ولا تحقر الخصم الضعيف لضعفه ... فكم خرب الجرذى في سد مأرب
стр. 138
فقم واستعن بالله وانهض إلى العلا ... فكسب الثنا والأجر خير المكاسب
فكيف تنام العين منك عن العدا ... وقد أوقدوا للحرب نار الحباحب
ولا ترض إلا مقعد العز مقعدا ... على ظهر مهر العنان مجاذب
ولا تستطب ظلًا سوى ظل قسطل ... وظل القنا الخطي بين الكتائب
وشن على الأعراب غارات محنق ... وانهلهموا صاب الردى بالمصائب
ومزق جماعات الضلال وحزبه ... بريح سموم من لظى الحرب حاصب
وجر عليهم جحفلًا بعد جحفل ... وضيق عليهم أرضهم بالمقانب
جيوشًا تريهم ظلمة الليل في الضحى ... ولمع المواضي كالنجوم الثواقب
إلى أن يكون الدين لله كله ... وينقاد للإسلام كل محارب
ومن كان معوجًا فقومه بالضبا ... إذا لم يفد بذل الخيا والمواهب
فبالبيض مع سمر القنا تدرك المنى ... وبالجود والإقدام نيل المطالب
بذلك تعطيك المعالي زمامها ... وتسمى على أعلى الذرا والمراتب
وإن كره الناس الجهاد بداية ... فآثاره محمودة في العواقب
وأثماره نصر وأجر ومفخر ... وإن عمت عنها عيون الغياهب
فشمر بعزم للجهاد ولا تهن ... فتدعو إلى سلم العدو المجانب
فإن أنت سالمت العدو مخافةً ... فأيسر ما تلقاه بول الثعالب
ولازم تقي الرحمن واسأله نصرةً ... بمدك من إسعافه بالعجائب
فإن التقى حصن حصين لأهله ... ورع يقي من حادثات النوائب
ودونك نظمًا ينهض الشهم للعلى ... ويدعو إلى حسن الثنا والمناقب
بدا من أديب كالجمان قريضه ... طبيب زمان عارف بالتجارب
إذا قال قولًا أنشد الدهر قوله ... وغنى به أهل الحجا والمناصب
وصل إله العالمين مسلمًا ... على خاتم الرسل الكرام الأطايب
محمد الهادي إلى خير شرعة ... به شرفت أبنا لؤي بن غالب
كذا الآل والأصحاب ما اهتزت القنا ... وما انتدب الفرسان بين الكتائب
стр. 139
ثم دخلت سنة ١٢٧٦ ه ـ
ففيها جهز الإمام فيصل بن تركي ابنه عبد الله وجمع معه جيشًا عرمرمًا كثيفًا ضخمًا في العدد والعدة من نجد كلها، وأمره أن يزحف به لقتال العجمان، وذلك لأنهم طالما أكثروا الغارات وأظهروا العصيان والمحاربة للمسلمين، ونشير هنا إلى العجمان وإن كان تعريفهم يأتي بعد ذلك.
فنقول لما كان في أيام الإمام تركي بن عبد الله جعل رؤساؤهم يحضرون عنده ويتملقون له بالسنة حداد، فبذل فيهم الإحسان وجمعهم على رئيسهم فلاح بن حثلين، وأنزلهم الإمام بلاد بني خالد وأجزل لهم العطاء، فصار لهم بعد ذلك شوكة عظيمة وعظم شأنهم.
ولما تولى فيصل بن تركي عاملهم أيضًا بالإحسان غير أنه ما كان ليفيد فيهم الإحسان والرأفة، لأن اللئيم يتمرد مع الإحسان بل أبطرتهم النعمة؛ فقد رصد فلاح هذا بالعجمان لحجاج الأحساء وفارس والبحرين وغيرهم بالقرب من الدهناء فاستأصل أولئك الحجاج أخذًا وسلبًا، ومعهم أموال كثيرة، وهلك من الحاج خلق كثير عطشًا، وكان ذلك في سنة ١٢٦١ هـ، هذا وحزام بن حثلين أخو فلاح مع الحجاج.
ثم إن الله تعالى لم يمهل فلاحًا بعد هذه الفعلة الشنيعة، ولا جرم أن فرس الباغي عثور، بل عجل الله له العقوبة بعدها بسنة بأن ظفر به الإمام فيصل وقيده وأرسله إلى الأحساء مقيدًا، فطيف به في الأسواق في بلد الأحساء ثم ضربت عنقه، قفام راكان ابنه رئيسًا بعده في العجمان، وجعل يكتب إلى الإمام فيصل ويتودد ويطلب العفو، وأن يجعله عوضًا عن أبيه، وجعل يردد الرسل ويبعث الهدايا إلى الإمام من الخيل والنجائب وأكثر حتى صفح عنه الإمام، وحضر بين يديه وبايعه على السمع والطاعة.
ثم بعد ذلك عظم أمره وصار شرًا من أبيه، فأغار في هذه السنة على إبل
стр. 140
الإمام فيصل وأخذ طرفًا منها، ثم ارتحل بعدها من بلاد بني خالد هو ومن معه من العربان إلى جهة الشمال، ونزلوا على الصبيحية بقرب الكويت.
فلما كان في شعبان من هذه السنة أمر الإمام فيصل على جمع رعاياه من البادية والحاضرة بقتال هذا العدو الألد وجهاده، فزحف القائد الشهم عبد الله بن الإمام في آخر شعبان بغزو أهل الرياض والخرج واستنفر من حوله من البادية من سبيع والسهول وقحطان، وكان قد واعد غزوا أهل الوشم وسدير والمحمل الماء المعروف بالدجاني، فلما وصل إليه وجدهم قد اجتمعوا هناك، فأقام ثلاثة أيام ثم ارتحل منه واستنفر عربان مطير فتبعه منهم جم غفير وخلق كثير فقصدوا الوفراء الماء المعروف وعليها عربان من العجمان، فهجدهم بياتًا وأخذهم وانهزمت شرائدهم إلى الصبيحية وعليها آل سليمان وابن سريعة من العجمان.
ثم ارتحل ابن الإمام بتلك الجنود التي كقطع الليل المظلم، وسار من الوفراء حتى صبح العربان على الصبيحية فأخذهم وانهزمت شرائدهم، ونزلوا على بن حثلين ومن معه وهم على الجهراء.
ثم ارتحل عبد الله بن الإمام ونزل على ملح الموضع المعروف بقرب الكويت فجرت وقعة ملح التي رن ذكرها في الأقطار، ولما نزل ابن الإمام في هذا الموضع استبسل العجمان، وقام رؤسائهم يشجع بعضهم بعضًا وعمدوا إلى سبعة جمال فجعلوا عليهن الهوادج، وأركبوا في كل هودج من تلك الهوادج بنتًا جميلة من بنات الرؤوساء محلاة بالزينة، وقد كانوا في جاهليتهم يستصحبون النساء الخرائد في وسط جموع الحرب ليشجعن الفتيان وينخين الفرسان والشجعان فتثير هذه النخوة الغيرة والحمية عن العار ليقاتلوا قتال المتهالك فقرنوا الجمال وساقوها أمامهم وتوجهوا لقتال عبد الله ومن معه من المسلمين، فلما وصلوا إليهم نهض عليهم المسلمون وثاروا ثورة الأسود من غابها، فأظلم الجو وحصل بين الفريقين قتال شديد وجلاد أكيد، يشيب من هوله الوليد، وثبت المسلمون فانهزم العجمان هزيمة شنيعة، وولوا الأدبار لا يلوى أحد على أحد، وتركوا الهوادج والإبل وجميع أموالهم، وقتل منهم
стр. 141
سبعمائة مقاتل، وغنم المسلمون منهم الإبل والأموال، وانهزمت شرائدهم إلى الكويت، وذلك يوم سابع عشر من رمضان، وأقام عبد الله بمن معه من الجنود على الجهراء أيامًا، وبعث الرسل إلى أبيه بالبشارة، وإلى بلدان المسلمين فحصل بذلك الفرح والسرور، فلله الحمد لا يحصى ثناء عليه.
ولما وصل الخبر إلى الزبير والبصرة سروا بذلك، لأن العجمان قد أكثروا بشن الغارات على أطرافهم، وأرسل باشا البصرة إلى عبد الله بن الإمام هدايا كثيرة صحبة النقيب محمد سعيد، وأرسل إليه رئيس بلد الزبير سليمان بن عبد الرزاق بن زهير هدية سنية، ثم إنه ارتحل عبد الله من الجهراء وقفل راجعًا إلى الرياض، فلما وصل الحفنة المعروفة في العرمة وهي الخبراء أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، وتوجه إلى الرياض مؤيدًا منصورًا، ولما بلغت البشارة بهذه الوقعة إلى الأحساء أنشأ الشيخ أحمد بن علي بن مشرف قصيدة فريدة تهنئة للإمام بهذا النصر على أعدائه المفسدين وهي هذه:
لك الحمد اللهم ما نزل القطر ... وما نسخ الديجور من ليلنا الفجر
وما هبت النكباء رخاء وزعزعت ... على نعم لا يستطاع لها حصر
فمن ذلك الفتح المبين الذي له ... تهلل وجه الدين وابتسم الثغر
تفتح أبواب السماء لمثله ... ويعلو بسيط الأرض أثوابها الخضر
فناهيك أمن فتح به من الغلا ... وأسفرت البلدان وابتهج العصر
تسامى به نجد إلى ذروة العلاء ... وأسفر وجه الحظ وافتخرت هجر
لقد سرنا ما جاءنا من بشارة ... فزالت هموم النفس وانشرح الصدر
لدن قيل عبد الله أقبل عاديًا ... يقود أسودًا في الحروب لها زأر
رئيس به سيما الخلافة قد بدت ... وفي وجهه الإكبار والعز والنصر
فصبح قومًا في الصبيحة اعتدوا ... وقادهم للبغي من شأنه الغدر
فروى حدود المرهفات من الدماء ... كما قد روت منه المثقفة السمر
فغادر قتلى يعصب الطير حولها ... ويشبع منها النسر والذئب والنمر
стр. 142
قبائل عجمان ومنهم شوامر ... ومن لحسين ينتمون وما بروا
وطائفة مرية غير عذبة ... خلائقها بل كل أفعالها مر
أساؤوا جميعًا في الإمام ظنونهم ... فقالوا ضعيف الجند في عزمه حصر
نغير على بلدانه ونخيفها ... ليعرفنا الوالي وينمو لنا الوفر
فإن لم نصب ما قد أردنا فإنه ... صفوح عن الجاني ومن طبعه الصبر
وما أنكروا في الحرب شدة بأسه ... ولكن بتسويل النفوس لها غروا
وقد قسموا الأحساء جهلًا بزعمهم ... لعجمانهم شطر وللخالدي شطر
أماني غرور كالسراب بقيعةً ... يرى في الفلا وقت الضحى إنه بحر
كذبتم فهجر سورها الخيل والقنا ... ومن دونه ضرب القماحد والأسر
ومن دونها يوم به الجو مظلم ... أسنتنا والبيض أنجمه الزهر
فقل للبوادي قد نكثتم عهودكم ... وذقتم وبال النكث وانكشف الأمر
فعودوا إلى الإسلام واجتنبوا الردى ... ولا فلا يؤيكم السهل والوعر
وننذركم من بعدها إن من عصى ... فأفسد أو شق العصا دمه هدر
فمن لم يكن عن غيه الوحي زاجرًا ... له كان في ماضي الحديد له زجر
تهنا بهذا النصر يا فيصل الندى ... فقد تم للإسلام والحسب الفخر
وهذا هو الفتح الذي قد بني لكم ... مكارم يبقى ذكرها ما بقي الدهر
وهذا هو الفتح الذي جل قدره ... وقد كل عن إحصائه النظم والنثر
فقابل بحمد الله جدواه مثنيًا ... على الله بالنعما فقد وجب الشكر
ولما تبن للأعراب مجدًا فإنهم ... كما قيل أصنام لها الهدم والكسر
إذا أودعوا النعماء لم يشكروا لها ... وإن رمت نفعًا منهمو بدا الضر
فوضع الندى في البدو مطغٍ ومفسد ... فأصلحهمو بالسيف كي يصلح الأمر
وبالعكس أسس أمر الرعية واحمهم ... عن الظلم كي ينمو لك الخير والأجر
وألف بني الأحرار في زمن الرخا ... تجدهم إذا الهيجاء شدلها الأمر
وما الذخر جمع المال بالسلم للوغي ... ولكن أحرار الرجال هم الذخر
стр. 143
ودونك نظما بالنصائح قد زها ... كما أن نظم العقد يزهو به الدر
وأختم نظمي بالصلاة مسلمًا ... على المصطفى ما هل من مزنة القطر
كذا الآل والصحب الأولى بجهادهم ... سما وعلى الإسلام وانخفض الكفر
ذكر قتل أمير بريدة عبد الله بن عبد العزيز بن عدوان
لما كان في صفر من هذه السنة تذامر رجال من آل أبي عليان على قتل الأمير المذكور وجعل أولئك الأعداء يرتقبون الفرص للفتك به فكان ذات يوم عنده محمد بن صالح الضبيعي في قصره، فجعل يمزح عليه يقول يا أبا ضبعان ألا تدعونا إلى بيتك فتهيء لنا القهوة، فاعتذر قائلًا له: أيها الأمير لا آلة عندي للقهوة ولما لدي مجلس وما كان هذا عذره، بل قد علم بما قد تذامر به أولئك الأعداء فخشي أن يقتل في بيته، وفي رواية أخرى أنه جاء بنفسه لدعوة الأمير وأنه ممن يعين على قتله وأنه ندم فالله أعلم.
ولما ألح عليه الأمير عبد الله جعل يتلوم حتى قال أنه لا بن عندي ولا بهار، فقال له قم فالبن والبهار يأتيك في أرداني يا أبا ضبعان فقام محمد ليهيء القهوة للأمير، فانتهز أعدائه هذه الفرصة، وذهب الأمير من قصره إلى حتفه، وما علم بما بيته له الأعداء، فلما دخل بيت الضبيعي وجلس تسور أعدائه المحنقون عليه الجدر يريدون الفتك به، فلما أحس بالشر سلّ سيفه الذي كان يسمى رحيان وقام دونه على باب المجلس حارس له شجاع يدعى عبد الله بن جار الله الفضلي قد انتضى سيفه، فلما عجزوا عن الدخول عليه صعد بعضهم إلى السطح فرماه بسهم فوقع الأمير على الأرض وهو يقول: سالم .. سالم، ثم تقدم شاهرًا سيفه يحبو حبوًا لأن السهم كسر فخذه، فإذا بسهم آخر أصاب الحارس الشجاع عبد الله فوقع إلى الأرض يجود بنفسه، وتقدم الأمير إلى باب المجلس حبوًا فهوى بسيفه نحو فارس من أعدائه فأصابه السيف مع خشبة من سقف الباب فقطعها وقسم الفارس نصفين، فوقع الفارس إلى جانب حارس الأمير، وكان في هؤلاء الأعداء رجل يدعى خرشه يقال أنه دعى، فضرب الأمير حتى قضى عليه، وكان في هؤلاء الأعداء رجال من
стр. 144
عشيرة ابن عدوان وهم عبد الله الغانم؛ وأخوه محمد؛ وحسن آل عبد المحسن المحمد، وأخوه عبد الله، وعبد الله بن عرفج.
ولما جاء الخبر إلى الإمام فيصل غضب على عبد العزيز بن محمد وأمر بحبسه وجعل محمد الغانم أميرًا في بريدة مكان بن عدوان وكان محمد ممن قتلوه وكثر القيل والقال، وجعل عبد العزيز بن محمد وهو في الحبس يكتب إلى الإمام فيصل ويحلف له إيمانًا مغلظة أنه ليس له علم بذلك الأمر ولم يرض به.
وقال في خطابه للإمام ولو أذنت لي بالمسير إلى بريدة لأصلحت ذلك الأمر ولأمسكت الرجال الذين قتلوه وأرسلتهم إليك مقيدين بالحديد أو أنفيهم عن البلاد، فأمر الإمام بإطلاقه من الحبس وأحضره بين يديه وجعل يحلف للإمام ويتعلق، فأخذ الإمام عليه العهود والمواثيق على ذلك، فكساه الإمام ومن معه، وأجازه وأكرمه وأذن له بالرجوع على بريدة، واستعمله أميرًا عليها، وعزل محمد الغانم عن الإمارة فتوجه إلى بريدة.
وأمر الإمام فيصل على عبد الله بن عبد العزيز المحمد بالمقام عنده في الرياض، ولما وصل عبد العزيز إلى بريدة قرب الذين قتلوا ابن عدوان وأدناهم وألقى بعهوده ومواثيقه عرض الحائط، وكان وصوله إليها في جمادى الأولى من هذه السنة جعل يكتب للإمام فيصل بأشياء مكرًا وكذبًا، فحاق به مكره والعياذ بالله، وجرى عليه ما سيأتي في السنة التي بعدها، وكان عبد العزيز هذا كثيرًا ما يجري منه الخلاف للإمام فيصل فيصفح عنه، وكان قد جرى بينه وبين محمد العلي العرفج الشاعر المشهور خلافًا ومنافسات يطول ذكرها.
ولقد جاد عليه الإمام تركي لما جعله أميرًا في بريدة لأول مرة وذلك في سنة ١٢٤٣ هـ بأنه لما جعله أميرًا وخاف عليه من محمد العلي المذكور لأنه أميرًا كان قبله فيها، فأرسل الإمام إلى محمد وجعله عنده في الرياض ولم يأذن له بالرجوع إلى بريدة حتى قويت شوكة عبد العزيز بن محمد ثم أذن له.
стр. 145
ولما لم تصلح الحال بينه وبين عبد العزيز، وحصل نزاع وشقاق قام أهل الإنصاف من ساكني بريدة وقالوا: لما يستقيم الخلاف بينكما والمرجع فيصل في الرياض، فكتبوا إليه بعد وفاة أبيه يؤيدون عبد العزيز، وكان قد أتى لهم الإمام على ما يطلبون فأقر عبد العزيز وقال لابن عرفج يا محمد إن هنا بلاد أحسن من بريدة وهي الجوف، هوائها طيب وجوها معتدل إذا كنت ترغب في الإمارة، وإنما أشار عليه الإمام بها ليبعده عنه لأنه شاعر وله دهاء ولعله أن يقتل بها لأن أهل الجوف إذ ذلك كانوا إذا لم يوافقهم الأمير قتلوه، فذهب بن عرفج أميرًا على الجوف من قبل الإمام، ولكنه على أمر عجيب بحيث أنه لما قدم إلى الجوف أميرًا خطب فيهم خطبةً ظريفة قال فيها يا أهل الجوف لقد علمتم بأنه لم يبعثني الإمام إليكم إلا رغبةً في قتلي إن لم أوافيكم، فأنا الذي لا أخالف رأيكم، بل أكون تبعًا لما تطلبون، فإن شئتم تسجدون وتهللون فأنا زاهدكم، وإن أحببتم الغنا واللهو فأنا رئيسكم، وإن قمتم ترقصون وتصفقون فأنا صاحب الدف أحمله أمامكم، ففرحوا به وسروا، وقالوا هذا الأمير أحسنت فلا نبغي سواك، فاستقام عندهم، وله نكت عجيبة لكنه لا يزال يلهج بذكر بريدة ويقول فيها الأشعار يمتدحها وأهلها بعدم الخلاف لمن تأمر عليهم.
ومن نكته أنه خطب جارية من أهلها وكانت حسناء جميلة، وأهلها لا يزوجونها إلا بإذنها، فأجابت بشرط أن تراه، وكان محمد دميمًا فواعدهم أن يمر من عند بيتهم لتشاهده، فإن بن عرفج ذكره يملأ المسامع غير أن صورته لا تعجب النساء، فالمرأة تميل إلى الجميل كما أن الرجال يميلون إلى الجميلة، فأخذ بن عرفج بيد عبد المحسن آل سديري وذهبا يمشيان حتى مرا من أسفل البيت وهي تنظر فتكلمت جارية من الطاق تدعو ابن عرفج باسمه ليتمز فتنظره، فقال لصاحبه التفت إلى نحو هذا الذي يدعونا ففطن لها عبد المحسن وعلم مقصده، وأبى أن يلتفت إلا بعباءة ثمينة كانت على محمد، فأجابه بذلك فلما التفت السديري وكان فتى نضيرًا عشقته ظنًا منها أنه صاحبها فأجابت إلى زواجه، وتزوجها وبعد الدخول لم تتمكن من الخلاص لإذنها وإجابتها.
следующие страницы →