Полный текст (2 873 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
سبعمائة مقاتل، وغنم المسلمون منهم الإبل والأموال، وانهزمت شرائدهم إلى الكويت، وذلك يوم سابع عشر من رمضان، وأقام عبد الله بمن معه من الجنود على الجهراء أيامًا، وبعث الرسل إلى أبيه بالبشارة، وإلى بلدان المسلمين فحصل بذلك الفرح والسرور، فلله الحمد لا يحصى ثناء عليه.
ولما وصل الخبر إلى الزبير والبصرة سروا بذلك، لأن العجمان قد أكثروا بشن الغارات على أطرافهم، وأرسل باشا البصرة إلى عبد الله بن الإمام هدايا كثيرة صحبة النقيب محمد سعيد، وأرسل إليه رئيس بلد الزبير سليمان بن عبد الرزاق بن زهير هدية سنية، ثم إنه ارتحل عبد الله من الجهراء وقفل راجعًا إلى الرياض، فلما وصل الحفنة المعروفة في العرمة وهي الخبراء أذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، وتوجه إلى الرياض مؤيدًا منصورًا، ولما بلغت البشارة بهذه الوقعة إلى الأحساء أنشأ الشيخ أحمد بن علي بن مشرف قصيدة فريدة تهنئة للإمام بهذا النصر على أعدائه المفسدين وهي هذه:
لك الحمد اللهم ما نزل القطر ... وما نسخ الديجور من ليلنا الفجر
وما هبت النكباء رخاء وزعزعت ... على نعم لا يستطاع لها حصر
فمن ذلك الفتح المبين الذي له ... تهلل وجه الدين وابتسم الثغر
تفتح أبواب السماء لمثله ... ويعلو بسيط الأرض أثوابها الخضر
فناهيك أمن فتح به من الغلا ... وأسفرت البلدان وابتهج العصر
تسامى به نجد إلى ذروة العلاء ... وأسفر وجه الحظ وافتخرت هجر
لقد سرنا ما جاءنا من بشارة ... فزالت هموم النفس وانشرح الصدر
لدن قيل عبد الله أقبل عاديًا ... يقود أسودًا في الحروب لها زأر
رئيس به سيما الخلافة قد بدت ... وفي وجهه الإكبار والعز والنصر
فصبح قومًا في الصبيحة اعتدوا ... وقادهم للبغي من شأنه الغدر
فروى حدود المرهفات من الدماء ... كما قد روت منه المثقفة السمر
فغادر قتلى يعصب الطير حولها ... ويشبع منها النسر والذئب والنمر
стр. 142
قبائل عجمان ومنهم شوامر ... ومن لحسين ينتمون وما بروا
وطائفة مرية غير عذبة ... خلائقها بل كل أفعالها مر
أساؤوا جميعًا في الإمام ظنونهم ... فقالوا ضعيف الجند في عزمه حصر
نغير على بلدانه ونخيفها ... ليعرفنا الوالي وينمو لنا الوفر
فإن لم نصب ما قد أردنا فإنه ... صفوح عن الجاني ومن طبعه الصبر
وما أنكروا في الحرب شدة بأسه ... ولكن بتسويل النفوس لها غروا
وقد قسموا الأحساء جهلًا بزعمهم ... لعجمانهم شطر وللخالدي شطر
أماني غرور كالسراب بقيعةً ... يرى في الفلا وقت الضحى إنه بحر
كذبتم فهجر سورها الخيل والقنا ... ومن دونه ضرب القماحد والأسر
ومن دونها يوم به الجو مظلم ... أسنتنا والبيض أنجمه الزهر
فقل للبوادي قد نكثتم عهودكم ... وذقتم وبال النكث وانكشف الأمر
فعودوا إلى الإسلام واجتنبوا الردى ... ولا فلا يؤيكم السهل والوعر
وننذركم من بعدها إن من عصى ... فأفسد أو شق العصا دمه هدر
فمن لم يكن عن غيه الوحي زاجرًا ... له كان في ماضي الحديد له زجر
تهنا بهذا النصر يا فيصل الندى ... فقد تم للإسلام والحسب الفخر
وهذا هو الفتح الذي قد بني لكم ... مكارم يبقى ذكرها ما بقي الدهر
وهذا هو الفتح الذي جل قدره ... وقد كل عن إحصائه النظم والنثر
فقابل بحمد الله جدواه مثنيًا ... على الله بالنعما فقد وجب الشكر
ولما تبن للأعراب مجدًا فإنهم ... كما قيل أصنام لها الهدم والكسر
إذا أودعوا النعماء لم يشكروا لها ... وإن رمت نفعًا منهمو بدا الضر
فوضع الندى في البدو مطغٍ ومفسد ... فأصلحهمو بالسيف كي يصلح الأمر
وبالعكس أسس أمر الرعية واحمهم ... عن الظلم كي ينمو لك الخير والأجر
وألف بني الأحرار في زمن الرخا ... تجدهم إذا الهيجاء شدلها الأمر
وما الذخر جمع المال بالسلم للوغي ... ولكن أحرار الرجال هم الذخر
стр. 143
ودونك نظما بالنصائح قد زها ... كما أن نظم العقد يزهو به الدر
وأختم نظمي بالصلاة مسلمًا ... على المصطفى ما هل من مزنة القطر
كذا الآل والصحب الأولى بجهادهم ... سما وعلى الإسلام وانخفض الكفر
ذكر قتل أمير بريدة عبد الله بن عبد العزيز بن عدوان
لما كان في صفر من هذه السنة تذامر رجال من آل أبي عليان على قتل الأمير المذكور وجعل أولئك الأعداء يرتقبون الفرص للفتك به فكان ذات يوم عنده محمد بن صالح الضبيعي في قصره، فجعل يمزح عليه يقول يا أبا ضبعان ألا تدعونا إلى بيتك فتهيء لنا القهوة، فاعتذر قائلًا له: أيها الأمير لا آلة عندي للقهوة ولما لدي مجلس وما كان هذا عذره، بل قد علم بما قد تذامر به أولئك الأعداء فخشي أن يقتل في بيته، وفي رواية أخرى أنه جاء بنفسه لدعوة الأمير وأنه ممن يعين على قتله وأنه ندم فالله أعلم.
ولما ألح عليه الأمير عبد الله جعل يتلوم حتى قال أنه لا بن عندي ولا بهار، فقال له قم فالبن والبهار يأتيك في أرداني يا أبا ضبعان فقام محمد ليهيء القهوة للأمير، فانتهز أعدائه هذه الفرصة، وذهب الأمير من قصره إلى حتفه، وما علم بما بيته له الأعداء، فلما دخل بيت الضبيعي وجلس تسور أعدائه المحنقون عليه الجدر يريدون الفتك به، فلما أحس بالشر سلّ سيفه الذي كان يسمى رحيان وقام دونه على باب المجلس حارس له شجاع يدعى عبد الله بن جار الله الفضلي قد انتضى سيفه، فلما عجزوا عن الدخول عليه صعد بعضهم إلى السطح فرماه بسهم فوقع الأمير على الأرض وهو يقول: سالم .. سالم، ثم تقدم شاهرًا سيفه يحبو حبوًا لأن السهم كسر فخذه، فإذا بسهم آخر أصاب الحارس الشجاع عبد الله فوقع إلى الأرض يجود بنفسه، وتقدم الأمير إلى باب المجلس حبوًا فهوى بسيفه نحو فارس من أعدائه فأصابه السيف مع خشبة من سقف الباب فقطعها وقسم الفارس نصفين، فوقع الفارس إلى جانب حارس الأمير، وكان في هؤلاء الأعداء رجل يدعى خرشه يقال أنه دعى، فضرب الأمير حتى قضى عليه، وكان في هؤلاء الأعداء رجال من
стр. 144
عشيرة ابن عدوان وهم عبد الله الغانم؛ وأخوه محمد؛ وحسن آل عبد المحسن المحمد، وأخوه عبد الله، وعبد الله بن عرفج.
ولما جاء الخبر إلى الإمام فيصل غضب على عبد العزيز بن محمد وأمر بحبسه وجعل محمد الغانم أميرًا في بريدة مكان بن عدوان وكان محمد ممن قتلوه وكثر القيل والقال، وجعل عبد العزيز بن محمد وهو في الحبس يكتب إلى الإمام فيصل ويحلف له إيمانًا مغلظة أنه ليس له علم بذلك الأمر ولم يرض به.
وقال في خطابه للإمام ولو أذنت لي بالمسير إلى بريدة لأصلحت ذلك الأمر ولأمسكت الرجال الذين قتلوه وأرسلتهم إليك مقيدين بالحديد أو أنفيهم عن البلاد، فأمر الإمام بإطلاقه من الحبس وأحضره بين يديه وجعل يحلف للإمام ويتعلق، فأخذ الإمام عليه العهود والمواثيق على ذلك، فكساه الإمام ومن معه، وأجازه وأكرمه وأذن له بالرجوع على بريدة، واستعمله أميرًا عليها، وعزل محمد الغانم عن الإمارة فتوجه إلى بريدة.
وأمر الإمام فيصل على عبد الله بن عبد العزيز المحمد بالمقام عنده في الرياض، ولما وصل عبد العزيز إلى بريدة قرب الذين قتلوا ابن عدوان وأدناهم وألقى بعهوده ومواثيقه عرض الحائط، وكان وصوله إليها في جمادى الأولى من هذه السنة جعل يكتب للإمام فيصل بأشياء مكرًا وكذبًا، فحاق به مكره والعياذ بالله، وجرى عليه ما سيأتي في السنة التي بعدها، وكان عبد العزيز هذا كثيرًا ما يجري منه الخلاف للإمام فيصل فيصفح عنه، وكان قد جرى بينه وبين محمد العلي العرفج الشاعر المشهور خلافًا ومنافسات يطول ذكرها.
ولقد جاد عليه الإمام تركي لما جعله أميرًا في بريدة لأول مرة وذلك في سنة ١٢٤٣ هـ بأنه لما جعله أميرًا وخاف عليه من محمد العلي المذكور لأنه أميرًا كان قبله فيها، فأرسل الإمام إلى محمد وجعله عنده في الرياض ولم يأذن له بالرجوع إلى بريدة حتى قويت شوكة عبد العزيز بن محمد ثم أذن له.
стр. 145
ولما لم تصلح الحال بينه وبين عبد العزيز، وحصل نزاع وشقاق قام أهل الإنصاف من ساكني بريدة وقالوا: لما يستقيم الخلاف بينكما والمرجع فيصل في الرياض، فكتبوا إليه بعد وفاة أبيه يؤيدون عبد العزيز، وكان قد أتى لهم الإمام على ما يطلبون فأقر عبد العزيز وقال لابن عرفج يا محمد إن هنا بلاد أحسن من بريدة وهي الجوف، هوائها طيب وجوها معتدل إذا كنت ترغب في الإمارة، وإنما أشار عليه الإمام بها ليبعده عنه لأنه شاعر وله دهاء ولعله أن يقتل بها لأن أهل الجوف إذ ذلك كانوا إذا لم يوافقهم الأمير قتلوه، فذهب بن عرفج أميرًا على الجوف من قبل الإمام، ولكنه على أمر عجيب بحيث أنه لما قدم إلى الجوف أميرًا خطب فيهم خطبةً ظريفة قال فيها يا أهل الجوف لقد علمتم بأنه لم يبعثني الإمام إليكم إلا رغبةً في قتلي إن لم أوافيكم، فأنا الذي لا أخالف رأيكم، بل أكون تبعًا لما تطلبون، فإن شئتم تسجدون وتهللون فأنا زاهدكم، وإن أحببتم الغنا واللهو فأنا رئيسكم، وإن قمتم ترقصون وتصفقون فأنا صاحب الدف أحمله أمامكم، ففرحوا به وسروا، وقالوا هذا الأمير أحسنت فلا نبغي سواك، فاستقام عندهم، وله نكت عجيبة لكنه لا يزال يلهج بذكر بريدة ويقول فيها الأشعار يمتدحها وأهلها بعدم الخلاف لمن تأمر عليهم.
ومن نكته أنه خطب جارية من أهلها وكانت حسناء جميلة، وأهلها لا يزوجونها إلا بإذنها، فأجابت بشرط أن تراه، وكان محمد دميمًا فواعدهم أن يمر من عند بيتهم لتشاهده، فإن بن عرفج ذكره يملأ المسامع غير أن صورته لا تعجب النساء، فالمرأة تميل إلى الجميل كما أن الرجال يميلون إلى الجميلة، فأخذ بن عرفج بيد عبد المحسن آل سديري وذهبا يمشيان حتى مرا من أسفل البيت وهي تنظر فتكلمت جارية من الطاق تدعو ابن عرفج باسمه ليتمز فتنظره، فقال لصاحبه التفت إلى نحو هذا الذي يدعونا ففطن لها عبد المحسن وعلم مقصده، وأبى أن يلتفت إلا بعباءة ثمينة كانت على محمد، فأجابه بذلك فلما التفت السديري وكان فتى نضيرًا عشقته ظنًا منها أنه صاحبها فأجابت إلى زواجه، وتزوجها وبعد الدخول لم تتمكن من الخلاص لإذنها وإجابتها.
стр. 146
ذكر برجس بن مجلاد
كان برجس بن مجلاد ليثًا شجاعًا وبطلًا مغوارًا، وكان معاصر العبد العزيز بن محمد، ويروى عنه قصص تدل على شجاعته وجراءته، وكان موضعه في ناحية بيوحا من سباخ بريدة، ومن شجاعته أن العدو أغار على سروح بريدة فأخذها، وكان العدو في عشر من الخيل وعشر من العمانيات، ولما أخذوا السروح انطلقوا بها غنيمة باردة، وكان أخذها من الضاحي المعروف، وهذه عادة الأعراب ينهبون ويسلبون إذا لم يخشوا سطوة قاهرة، فأخبر برجس بالقصة وكان ممن يعد لمثلها ويلاذ به في الأزمات، فقام الأسد من فوره له زئير وينتخي، وكان إذا انتخى تبول فرسه دمًا، فسلَّ السيف وامتطى جواده وأرسلها كالريح العاصفة يقول من يقابل فلا رغبة لي في الحياة. وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
فشد ولم يفزع بيوتًا كثيرة ... لدي حيث ألقت رحلها أم قشعم
لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه ... سريعًا وإلا يبد بالظلم يظلم
وقال غيره:
كذبتم وبيت الله لما تأخذونها ... مراغمةً ما دام للسيف قائم
متى تجمع القلب الذكي وصارمًا ... وأنفًا حميًا يجتنبك المظالم
فأدركهم في الأسياح وهو ينتخي فاستولى عليهم الخوف والذعر ولم يشعروا به إلا وقد ضربهم من جهة اليمن وخرج من الأخرى فقتل فارسين، خرجت أعنة فرسيهما تجران بالأرض، ورجع يريد أن يكبحهم أخرى فطاروا شاردين قد تركوا جميع ما تحت أيديهم ونجوا بأنفسهم، فاستاق برجس الخيل والإبل والسروح ورجع بها قائلًا دونك يا عبد العزيز خذ الفرسين وعشر العمانيات وردّ إلى أهل بريدة سرحهم.
стр. 147
وفيها كثر الخصب والخيرات، وفيها عمل السلطان عبد المجيد خان ميزابًا للكعبة المعظمة في قسنطينية، ثم جيء به صحبة الحاج رضا باشا، وركب في الكعبة، نسأل الله تعالى أن يرفع قدرها، وكان الوالي على مكة يومئذ الشريف عبد الله بن محمد بن عون، وكان هذا الميزاب الذي ركب مصفحًا بالذهب نحو خمسين رطلًا على التقدير، وهذا الميزاب هو الموجود في الكعبة إلى العصر الحاضر فلم يبدل.
وفيها أسست مكتبة مصطفى البابي الحلبي بمصر، وكانت هذه المكتبة من أعظم المكاتب في العالم.
ثم دخلت ١٢٧٧ ه ـ
ففيها اجتمع رؤساء العجمان وتشاورا في أمرهم، فاجتمع أمرهم على المسير إلى عربان المنتفق، فتوجهوا إليهم ونزلوا معهم، وتحالف رؤسائهم ورؤساء المنتفق على التعاون والتناصر والتآصر على كل من قصدهم بحرب وعلى محاربة أهل نجد من البادية والحاضرة إلا من دخل تحت طاعتهم منهم، فسارت ركبانهم وتتابعت الإغارات على أطراف الأحساء وعلى أهل نجد، وأصبح لهم وللمنتفق شوكة عظيمة وقوة منيعة، حتى أخافوا أهل البصرة والزبير، وكثرت الإغارات منهم على أطراف الزبير والبصرة والكويت، فقام باشا ألبصرة حبيب باشا ودعى بسليمان بن عبد الرزاق بن زهير فأعطاه مالًا كثيرًا وأمره بجمع الجنود من أهل نجد، فأخذ سليمان يجمع الجنود ممن كان هناك من أهل نجد وبذل فيهم المال فاجتمع عليه خلائق كثيرة.
ثم أن عربان المنتفق ومن معهم من عربان العجمان أجمعوا رأيهم على أن ينزلوا بالقرب من البصرة ويأخذون منها من التمر ما يكفيهم لسنتهم وكان ذلك في وتت صرام النخل، ثم بعد ذلك يتوجهون إلى حرب نجد، فساروا إليها ونزلوا قريبًا منها ثم نهضوا إليها وانتشروا في نخيلها وعاثوا فيها فسادًا بالنهب والسلب، فنهض إليهم سليمان بن عبد الرزاق بن زهير بمن معه من أهل نجد ومن أهل الزبير
стр. 148
وباشا البصرة بمعسكره وقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى أخرجوهم من النخيل، ثم حصل القتال الشديد في الصحراء بين الفريقين، وصارت الهزيمة على عربان المنتفق ومن معهم من العجمان، وقتل منهم خلق كثير، وظهر من أهل نجد الذين حضروا في الواقعة مع سليمان بن زهير شجاعة عظيمة دلت على كفائتهم وبسالتهم.
وكان سليمان بن زهير يعد من أفراد رجال الدهر عقلًا وحلمًا وكرمًا وشجاعةً فقال في مدحه السيد عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب البغدادي المعروف بالأخرس الشاعر المشهور هذه القصيدة العصماء، وامتدح أيضًا فيها من معه من أهل نجد، وكان الشاعر قد حضر الواقعة فباح بما لديه منوهًا مبجلًا وهي من البحر الطويل:
أبى الله إلا أن تعز وتكرما ... وإنك لم تبرح عزيزا مكرما
تذل لك الأبطال وهي عزيزة ... إذا استخدمت يمناك للباس مخدما
ويا رب يوم مثل وجهك مشرقًا ... لبست به ثوبًا من النقع مظلما
وأبزغت من بيض السيوف أهلة ... واطلعت من زرق الأسنة أنجما
وقد ركبت أسد الشرى في عراصة ... من الخيل عقبانًا على الموت حوما
ولما رأيت الموت قطب وجهه ... والفاك منه ضاحكًا متبسما
سلبت به الأرواح قهرًا وطالما ... كسوت بقاع الأرض ثوبًا فعندما
أرى البصرة الفيحاء لولاك أصبحت ... طلولًا عفت بالمفسدين وارسما
وقالوا وما في القول شك لسامع ... وإن جدع الصدق الأنوف وأرغما
حماها سليمان الزهيري بسيفه ... منيع الحما لا يستباح له حما
تحف به من آل نجد عصابة ... يرون المنايا لما أبالك مغنما
رماهم بعين العز شيخ مقدم ... عليهم وما اختاروا إلا مقدما
بصير بتدبير الحرب وعارف ... عليهم فلا يحتاج أن يتعلما
أبناء نجد انتمو جمرة الوغى ... إذا أضرمت نار الحروب تضرما
وذا العام ما شيدتموه مبانيا ... من المجد يأبى الله أن تتهدما
стр. 149
وما هي إلا وقعة طار صيتها ... وأنجد في شرق البلاد واتهما
رفعتم بها شأن المنيب حمية ... وخضتم بهم بحرًا بالصناديد مظلما
غداة دعاكم مرة فأجبتم ... على الفور منكم طاعة وتكرما
وجردكم فيها لعمري صوارما ... إذا وصلت جمع العدو تصرما
ومن لم يجردكم سيوفًا على العدا ... نبا سيفه في كفه وتثلما
وإن الذي يختار للحرب غيركم ... فقد ظن أن يغنيه عنكم توهما
كما راح يختار الضلال على الهدى ... وعوض عن عين البصيرة بالعما
ومن قال تعليلا لعل وربما ... فماذا عسى يغني لعل وربما
عليكم إذا طاش الرجال سكينة ... تزلزل رضوى أو تبيد يلملما
ولما لقيتم من أردتم لقاءه ... رميتم به الأهوال أبعد مرتما
صبرتم لها صبر الكرام ضراغما ... واقحمتموها المرهفات تقحما
ووأدتموها شرعة الموت منهلا ... تذيقهموا طعم المنية علقما
وما خاب راجيكم ليوم عصبصب ... يريه الردى لونا من الروع أدهما
وجردكم للضرب سيفًا مهندا ... وهزكمو للطعن رمحا مقوما
ومن ظن أن العز في غير بأسكم ... وها عزه في زعمه وتندما
وما العز إلا فيكمو أو عليكمو ... وما ينتمي إلا إليكم إذا انتمى
إذا ما قعدتم الأمور وقمتم ... حمدتم عليها قاعدين وقوما
وما سمعت منكم قديما وحادثا ... رواية من يروي الحديث توهما
وإن قلتمو قولا صدقتم وما انثنى ... بكم عزمكم أن رام شيئًا وصمما
ولما أتاكم بالأمان عدوكم ... وعاهدتموه أن يعود ويسلما
وفيتم له بالعهد لم تعبأ وابمن ... أشار إلى الغدو الكنين مجمجما
ولو مد من تأتيه عنكم يد له ... لعاد بحد السيف أجدع أجذما
وفيما مضى يا قوم أكبر عبرة ... ومن حقه إذ ذاك أن يترسما
أيحسب أن الحال تكتم دونكم ... وهيهات أن الأمر قد كان مبهما
стр. 150
فاظهر مستورا وأبرز خافيا ... وأعرب عما في الضمير وترجما
أمتخذ البيض الصوارم للعلى ... طريقا وسمر الخط للمجد سلما
نصرت بها هذا المنيب تفضلا ... وأجريت ما أجريت منك تكرما
على غلمة في الناس لله دره ... تصرف فيها همة وتقدما
تأثل في أبطاله ورجاله ... فلم يغن سحر غاب عنه مكتما
وقلبها ظهرا لبطن فلم يجد ... نظيرك من قاد الخميس العرمرما
هناك ولي الأمر من كان أهله ... فجل في كل النفوس وعظما
وطال على تلك البغاة ببأسه ... وحكم فيهم سيفه فتحكما
وما سبق الوالي المنيب بمثلها ... وفاق ولادة الأمر ممن تقدما
سليمان ما أبقيت في القوس منزعا ... ولا تركت للبذل يمناك درهما
كشفت دجاها بالصوارم والقنا ... وقد كان يلغي حالك اللون أسحما
فأصبحت في تاج الفخار متوجا ... وفي عمة المجد الأثيل معمما
إليك أبا داود نزجي ركائبا ... ضوامر قد غودرن جلدا وأعظما
رمتنا فكنا بالعرى عن قسيها ... وقد بريت من شدة السير أسهما
فأكرمت مثوانا ولم تر عين ... من الناس أندى منك كفا وأكرما
لأحظى إذا شاهدت وجهك بالمنى ... واشكر من نعماك لله أنعما
وأهدي إلى علياك ما استقله ... ولو أنني أهديت درا منظما
فحبك في قلبي وذكرك في فمي ... ألذ من الماء الزلال على الظما
ولما رجع باشا البصرة قد فاز بالظفر على أعدائه خاف ناصر بن راشد بن عامر بن سعدون رئيس المنتفق على أموال المنتفق وأملاكهم التي في البصرة وكانت نخيلا كثيرة ملكوها في وقت عزهم وتغلبوا عليها، وقيل له أن الباشا عزم على مد يده على تلك الأملاك فكتب ناصر بن راشد إلى باشا البصرة وسليمان بن عبد الرزاق يقول إن أولئك الأعراب الذين حدث منهم ذلك ليسوا من باديتنا وأنما هم من بادية نجد جاءوا هاربين من وإلى نجد بن سعود ونزلوا بجوار بعض بادية
стр. 151
المنتفق وقد رجعوا إلى بلادهم، والذين معنا من باديتنا يطلبون المرعى لمواشيهم وحصل هذا الحادث من بادية العجمان وشمل من كان معهم، وأما نحن فعلى ما تعهدون من الصداقة بيننا والطاعة للدولة وترددت الرسائل بينهم في ذلك وصلح أمرهم ولم يتعرض الباشا لأملاكهم.
رجعنا إلى ما نحن فيه فنقول: لما هزم الله العجمان ارتحلوا ونزلوا على كويبدة وعلى كابدة وعلى الجهراء، فيا ليت شعري أما علم هؤلاء الأجلاف أن في الحياض من يذود عنها.
كلا والله إن الأمر كما قيل يستجيرون بالنار عن الرمضاء، ولما جاءت الأخبار إلى الإمام فيصل بمسير العجمان ومن معهم من عربان المنتفق إلى أرض الكويت وأن قصدهم محاربة المسلمين أمر الإمام على جميع رعايا المسلمين من الحاضرة والبادية وصاح بالنفير للجهاد، فنسأل الله تعالى أن يحمي حوزة الدين ويذل العصاة والمجرمين.
ذكر واقعة الطبعة
لما أمر الإمام على الرعية بالغزو واعدهم الحفنة الخبراء المعروفة في العرمة، ثم أمر على ابنه عبد الله في أخر شعبان أن يسير بجنود المسلمين لقتال عدوهم، فتجرد ابن الإمام وخرج من الرياض معه أهل الرياض والخرج وضرما والجنوب وعربان الرياض من سبيع والسهول، وتوجه الحفنة فنزل عليها أيامًا إلى أن اجتمعت عليه جنود المسلمين ثم ارتحل منها وتوجه إلى الوفراء.
فلما وصل هناك قدم غزو عربان مطير وبني هاجر، ثم زحف منها بجنوده وحث السير حتى وافى العجمان ومن معهم من المنتفق وهم على الجهراء فوافتهم الجيوش السعودية والرايات الإسلامية في المطلاع بين البصيرة، والكويت فصبحهم في هذا الموضع.
فلما توافوا حصل بين الفريق جلاد تطيش منه العقول، وتذهل المراضع أولادها لشدة الذهول، وجرت ذبحة تذيب الجمود وتفتت الكبود واشتعلت النار كالوقود،
стр. 152
وتقاتلوا قتالًا يشيب من هوله المولود، فما كان إلا قليل حتى كانت الهزيمة على المنتفق والعجمان وألجأهم المسلمون إلى البحر وهو جازر فدخلوا فيه، ووقف المسلمون على ساحل البحر فمد البحر على من فيه من العجمان وأتباعهم فأغرقهم وهم نحو ألف وخمسمائة مقاتل، وقتل منهم خلائق كثيرة، وغنم المسلمون منهم من الأموال مالا يعد ولا يحصى، وذلك في خامس عشر من رمضان من هذه السنة، وأجلى من بقي من العجمان إلى نجران، واشتهرت هذه بواقعة الطبعة، وأقام عبد الله هناك مدة أيام يقسم الغنائم، وأرسل الرسل للبشارة إلى أبيه وإلى بلدان المسلمين.
ولما وصل خبرها إلى الزبير والبصرة حصل لهم بذلك الفرح والسرور، واستبشروا بما حصل على أعدائهم من القتل والذل والثبور، لأنهم كانوا على خوف منهم بعد أن وقع بينهم من القتال في أول السنة، وأرسل باشا البصرة بهدية سنية إلى عبد الله وهو في منزله ذلك مع النقيب عبد الرحمن، وأرسل سليمان الزهري إلى عبد الله بن الإمام، هدية جليلة مع محمد السميط.
ثم إن ابن الإمام قفل بعد ذلك بمن معه من المسلمين راجعًا إلى نجد، ولما أن وصل إلى الدهناء بلغه أن سحلي بن سقيان ومن تبعه من بني عبد الله من مطير على المنسف بالقرب من بلد الزلفي فعدى عليهم وأخذهم وقتل منهم عدة رجال منهم حمدي بن سقيان أخو سحلي، قتله محمد بن فيصل ثم توجه عبد الله إلى القصيم ونزل روضة الربيعية.
ولما بلغ الخبر إلى أمير بريدة عبد العزيز المحمد بن عليان، ركب خيله وركابه هو وأولاده حجيلان وتركي وعلي ومعهم عشرون رجلًا من عشيرتهم وخدمهم وهربوا من بريدة إلى عنيزة ثم خرجوا منها متوجهين إلى مكة.
ذكر قتل الأمير عبد العزيز المحمد سنة ١٢٧٧ ه ـ
وكيفيته وما جرى عليه، قد قدمنا أنه لم يف للإمام فيصل بعهوده من قبل الذين قتلوا بن عدوان، وقد تقدم منه عثرات كثيرة سامحه الله تعالى.
стр. 153
فنقول لما قدم عبد الله بن فيصل إلى روضة الربيعية وفر عبد العزيز المذكور لعظم الوحشة بينه وبين عبد الله بلغ ابن الإمام فراره، وكان في الروضة من يعين ويساعد على قتله لما هنالك من الضغائن فحسن بعض أعدائه قتله، فأرسل عبد الله بن فيصل سرية في طلبهم وجعل عليها أخاه محمدًا فاتبع ساقته وأدركهم في أرض الشقيقة فلما رأى عبد العزيز الطلب وقف وقال على ما يقتلني ابن سعود وما بيني وبينه دم فلا والله لا يصلون إلينا فأنذره خازنه سليمان بن حمد الصقعبي قائلًا له: خذ حذرك فالقوم قد وصلوك فلما غابت الشمس من أحد أيام شوال أدركوهم وقتل الأمير عبد العزيز وأولاده حجيلان وتركي وعلي وقتل معهم سبعة رجال منهم عثمان الحميضي من عشيرة عبد العزيز العليان، والعبد جابس بن سرور وأخوه عثمان بن سرور، وتركوا بقيتهم، وكان من الناجين سليمان الصقعبي لما أن رأى الطمع في الرقاب شق أسفل خرجه الذي فيه النقود فجعلت تساقط على الأرض فاشتغل بها القوم وفر تحت ظلام الليل إلى مكة.
ثم أن عبد الله رحل من روضة الربيعية ونزل في بلد بريدة فأقام فيها مدة أيام وكتب إلى أبيه يخبره بمقتل عبد العزيز المحمد وأولاده ويطلب منه أن يجعل في بريدة أميرًا، فأرسل الإمام فيصل ﵀ عبد الرحمن بن إبراهيم إلى بلد بريدة واستعمله أميرًا فيها ثم هدم عبد الله بيوت عبد العزيز المحمد وبيوت أولاده، وقدم عليه في بريدة طلال بن عبد الله بن رشيد بغزوا أهل الجبل من البادية والحاضرة.
ولما فرغ من هدم تلك البيوت ارتحل من بريدة بمن معه من جنود المسلمين وعدا على ابن عقيل ومن معه من الدعاجين والعصمة والنفعة من عتيبة وهم على الدوادمي فصبحهم وأخذهم، ثم قفل راجعًا إلى الرياض مؤيدًا منصورًا وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، وكان عبد الله بن عبد العزيز المحمد قد غزا مع ابن الإمام عبد الله في هذه الغزوة لأنه كان مقيمًا في الرياض فلما قرب من الرياض شرد من الغزو فالتمسوه فوجدوه قد اختفى في غار هناك فامسكوه وأرسلوه إلى القطيف وحبسوه فيه فمات في حبسه ذلك.
стр. 154
وهذه ترجمة الأمير عبد العزيز المحمد
هو الأمير عبد العزيز محمد بن عبد الله بن حسن آل أبي عليان أمير بريدة بل على سائر القصيم في زمن تركي بن عبد الله، وكان معظمًا عند أهل بريدة، وإذا احتاج مالًا جمعوا له، ويلقب بدمعان، ولقد جاد عليه الأمير تركي وابنه فيصل مع ما يجري منه من المخالفات كما في واقعة اليتيمة التي عادت على أهل القصيم بالهزيمة وكان هو أسبابها فقد ذهل الوالد منهم ولده وفتك بهم بن الإمام فيصل فتكًا عظيمًا بمن معه من أهل الرياض، ولولا أن عبد الله أدركته الرحمة بهم لكان غير ما وقع، وقد خرجت النساء حاسرات يستغثن برب الأرض والسماوات ويستخلفنه لشدة الهول وحدث ضجة عظيمة في سائر القصيم عمومًا، وفي بريدة خصوصًا.
ولما وصل عبد العزيز إلى عنيزة هاربًا بأصحابه أمرهم يغنون ويلعبون وشجعهم للحرب والقتال، وأين هذا منهم في ذلك المجال، والرعب في قلوبهم أمثال الجبال، فانخذل عنه الناس ولم يرفعوا لتشجيعه رأسًا، ثم كتب إلى أخيه عبد المحسن كتابًا يقول فيه أن سعد التويجري وعلي بن ناصر وأناسًا ساعدوهم دخلوا إلى البلاد وتخلفوا عنا في الهزيمة فألزمهم يأتون إلينا.
فكتب إليه عبد المحسن يقول: إني إذا نصحتك أو خالفتك في شيء قلت لي أنت مجنون وإن هؤلاء الذين عددتهم كلهم في المعركة صرعى وهربت ونجوت بنفسك وتركتهم، فحقك عليهم بالأمس مضى، والآن قد نفذ فيهم حكم القضاء، وحقهم عليك أن تدفن أجسادهم وتعزي أولادهم فلما رأى العقوبة اختلف عليه رأيه وتدبيره وكثر الناس يشيرون عليه وبعضهم يعذلونه فتارة يقول دعونا على من كان بالعوشزيات نسير إليهم، وتارة يشير بغير ذلك فلم ينفذ لهم أمل، ولم يساعدهم القدر، فكان لا يرى ما يهتدي به ولا يدري إلى أين بذهب، ولا كيف يصنع، فأتى إليه الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين قاضي القصيم، وقال له يا هذا اتق الله واربأ بنفسك فإن البلد ليست هي لك ولا بيدك
стр. 155
وأمرها بيد أهلها، وليس لك فيها أمر ولا نهي وهم يريدون أن يصلحوا أنفسهم مع الإمام فإن أردت أن تكون كذلك فافعل، فلما رأى انحلال الأمر من يده هرب من عنيزة وقصد بريدة وهربت عنه جنوده وكل مؤازر ومعين.
ثم أن رؤساء أهل عنيزة جاءوا إلى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين وقالوا له إن هذه الأمور التي منا وقعت والحوادث التي قد صدرت لا يصلحها إلا أنت ولا يزيل غضب الإمام ورؤساء المسلمين إلا أنت فقال لهم إنكم تعلمون أني لست من أهل بلدكم ولا عشيرتكم ولا يحسن مني الدخول في هذا الشأن، الذي ركض فيه الشيطان فاعفوني ودعوني وأرسلوا في هذا الأمر غيري فقالوا له إن هذا الأمر قد تعين عليك فعند ذلك قال إني أخشى من إخلاف وعد، أو نكث عهد، أو شيء من الأمور التي يختلف فيها فيجد الإمام في نفسه علي، وأكون مسبة لأهل الإسلام فلما قرروا له ذلك، ركب الشيخ ﵀ إلى الإمام فيصل في بلد المذنب فأكرمه الإمام، ووقره واحتشمه، ولما سعى بالصلح صفح عن كل صاحب جرم وخطيئة وعفا عفوًا عامًا وأعطاهم الأمان، وكم له من منقبه عليا.
ثم أن الإمام فيصلًا أرسل إلى عبد العزيز المحمد يدعوه إلى السلم أو الحرب فأراد الهرب من بلده فأشار عليه إخوته وأولاده ورؤساء قومه ألا يهرب وقالوا له إن هذا الإمام حليم كريم وعادته العفو والصفح فاجلس في بلدك، ودعنا نركب إليه لعله أن يعفو عنك ويسمح ويصفح، فركبوا إلى الإمام وقالوا له لما جثوا بين يديه أن هذا الرجل قد أسلم، واستسلم ووجهه من الفشل قد تغير وأظلم، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ومقته أهله وأقاربه، ونحن حاولناه على القدوم إليك، والجلوس بين يديك، فأجاب بأنه ليس لي وجه يشاهد إمام المسلمين بعد نقض البيعة وتجنيدي عليهم الجنود ورفع الرايات على الإمام والمسلمين، وإنه يقول إما أن تصلحوا حالي معكم وإلا تركت لكم بلدكم، وقد جئنا إليك فيه متوجهين وفي جناياته شافعين، وأنت أهل أن تدمح زلته، وترحم انكساره وذلته، ومن عاداتك العفو والإحسان لأنك قد عفوت عن الجليل والحقير، وهذا من خُلُقك ووجبلتك، فلا يكون هو المحروم من بين رعيتك.
стр. 156
فقال وفقه الله هذا رجل جرمه كبير ولا بد من قدومه إلينا وأخذ ما بيده من الحلقة والسلاح، فلم يزالوا إليه يشتفعون، وإلى بابه يترددون حتى سمح له أن يسكن البلد فقاموا وضمنوا للإمام على عبد العزيز جميع المخالفات، وبذلوا للإمام السلاح والخيل العتاق، وقاموا بالعهد والميثاق فسمح له أن يسكن، وقبل شفاعة إخوته وأولاده، وجعله أمير في بلدة بريدة، وكان عبد العزيز ليس له قوة ولا شهرة بل كان من أوسط عشيرته، ولكن والد فيصل اختاره واستعمله أميرًا في بريدة وكف عنه عشيرته آل أبي عليان فإنهم من أقوى العشائر، ولهم فتك وطوارئ وصولة من بعضهم على بعض في القتل والقطيعة.
وجعل الإمام تركي يحوطه من أمامه وخلفه خوفًا عليه من أعداءه، حتى هابه بنوا الأعمام والعشيرة وارتفع صيته في هذه الجزيرة، أفيحسن فيمن كان هذا فضلهما، واحسانهما العاملة بالمنابذة والعصيان.
وبعد هذا العفو والإحسان الذي جرى من فيصل، فإن عبد العزيز لم يأمن منه بل لما أقبل الإمام فيصل قافلًا من مغزاه في سنة ١٢٦٦ ونزل أبا داود الموضع المعروف شمالي القصيم دخل عبد العزيز الخوف والوجل لما تقدم منه من النقض للعهد وحرب المسلمين فأمر أهل بلده بالمغزا، وتجهز معهم فلما خرجوا قاصدين الإمام صرف ركابه وخيله وقصد الشريف محمد بن عون في مكة هو وأولاده وترك نساؤه فلما علم بذلك الإمام فيصل ترحل بالمسلمين ونزل بريدة ودعى إخوة عبد العزيز وقال إن أخاكم هرب من البلد بلا سبب أتاه منا والآن ليس في ذمة الإسلام والمسلمين منه شيء، فخافوا على أمواله، وتلطفوا بالقول للإمام وقالوا عادتك الصفح والإحسان عمن أساء، وقد جرت عادة الله لك فيمن أحسنت إليه وكفر إحسانك أنه لا بد أن يكون في قبضتك، فترك الإمام لهم جميع أمواله واستعمل في بريدة أخاه عبد المحسن بن محمد أميرًا عليها.
ولما وصل عبد العزيز إلى الشريف أهدى إليه ما كان معه من خيل وسلاح
стр. 157
فوعده ومناه حتى استحصل الهدايا فجفاه وأقام عنده مدة أشهر يتودد إليه فقال الشريف، إن هذه الجنود التي عندنا لا تسير إلا بدراهم؛ ولا يمشي الرجل إلا بعطاه قبل ممشاه.
وكان عبد الله بن الإمام قد وصل في مغزاه إلى مران فداخل أهل الحجاز الرعب وانعكس أمر عبد العزيز وعلم أن أمره آل إلي تباب فرجع بعد الفزعة إلى النزعة، وطلب من الشريف أن يشفع له عند فيصل ليرجع إلى بلده ويجتمع بأهله وولده وصارت الرسل تتردد إلى فيصل وهو إذ ذاك في قطر، ويشفع لعبد العزيز أن يرده أميرًا في بلاده ولا عليه بأس، ولا له أمر ولا نهي على أحد من الناس فسمح له فيصل بذلك وأذن له أن يركب مع جلوي غازيًا إلى قطر فرحل جلوي غازيًا بأهل القصيم معه عبد العزيز، ولما قدم على فيصل في العراق عاتبه على ما مضى منه فما أجاب إلا بالاعتراف، وطلب العفو والمسامحة فعفا عنه وسامحه، وأقام معه حتى قفل واستعمله أميرًا في بلده.
أضف إلى ذلك ما جرى منه في واقعة سنة ١٢٥٧ هـ وما أدراك ما هي إنها واقعة بقعا مشؤمة على أهل القصيم، وذلك بأنها أغارت عنزة من أتباع القصيم على فريق من شمر أتباع بن رشيد فأخذتهم فخرج بن رشيد وأغار على عنزة فأخذهم، فبلغ الخبر الأمير عبد العزيز المحمد وكان بلوغه في ضحى يوم الجمعة فغضب لذلك ووافق أن الخطيب وهو الشيخ سليمان بن علي بن مقبل يخطب على منبر جامع بريدة فقال في موعظته والناس منصتون للاستماع "الفتنة راقدة لعن الله موقضها" يريد بذلك وعظ المسلمين كجاري العادة، فقام الأمير عبد العزيز وسل السيف في ذلك المجمع العظيم وجعل يهزه يرفع قدمًا ويضع أخرى ويرغي ويزبد، يقول يا أيها الناس لا يخذلكم هذا الخطيب فإنه عبد لا يساوي ربعين، فرجلاي هاتان والله لأطئن بهما ابن الرشيد ولأهدمن قصره في حائل، ثم جند الجنود بعد الصلاة، وخرج وأمير عنيزة على ميعاد، ولما توافوا مع وجعان الرأس من شمَّر أخذوا منهم أموالًا كثيرة من الإبل والغنم والأثاث فقال يحيى بن سليمان
стр. 158
أمير عنيزة دعنا يا عبد العزيز نرجع على هذا العز والنصر فحلف أن لا يرجع حتى يقاتل ابن رشيد في بلدة حائل.
ولما ساروا زحف عبد الله بن علي بن رشيد إليهم في بقعا وكان ذلك ليثًا كاسرًا فجرت الهزيمة على أهل القصيم وكانت شنيعة جدًا بعدما ولوا لا يلوى أحد على أحد وبطش بهم ابن رشيد والعياذ بالله بطشًا شديدًا فقتل يحيى وفر عبد العزيز بنفسه وقتل من الأعيان خلق كثير؛ يا عجبًا لك يا عبد العزيز من هذه المخالفات فلا لإمام تخضع، ولا لنا صح تسمع، فلما كان في هذه المرة لم تسلم الجرة وأحاط به أمر رب العالمين وأخذه الله وهو أحكم الحاكمين.
ومما قال الشيخ الأديب العالم العلامة أحمد بن علي بن مشرف تهنئة للإمام المكرم فيصل بن تركي بالنصر في واقعة الطبعة التي دمرت العجمان وتهنئة بهذه الانتصارات في تلك الحوادث:
لك الحمد اللهم يا خير ناصرٍ ... لدين الهدى ما لاح نجم لناظر
وما انفلق الإصباح من مطلع الصبا ... فجل وجلى حالكات الدياجر
لك الحمد ما هب النسيم من الصبا ... وما انهل ودق المعصرات المواطر
على الفتح والنصر العزيز الذي سما ... فقرت به منا جميع النواظر
وإظهار دين قد وعدت ظهوره ... على الدين طرا في جميع الجزائر
وعدت فأنجزت الوعود ولم تزل ... معزًا لأرباب التقى والبصائر
لك الحمد مولانا على نصر حزبنا ... على كل باغ في البلاد وفاجر
ومن بعد حمد الله جل ثناؤه ... على نعم لم يحصها عد حاصر
نقول لأعداء بنا قد تربصوا ... عليكم أديرت سيئآت الدوائر
ألم تنظروا ما أوقع الله ربنا ... بعجمانكم أهل الحدود العواثر
بأول هذا العام ثم بعجزه ... بأيام شهر الصوم إحدى الفواقر
همو بدلَّوا النعماء كفرًا وجاهروا ... بظلم وعدوان وفعل الكبائر
فكم نعمة نالوا وعز ورفعة ... على كل باد في الفلاة وحاضر
стр. 159
إذا وردوا الأحساء يرعون خصبها ... وفي برها نبت الرياض الزواهر
وكم أحسن الوالي إليهم ببذله ... وبالصفح عنهم في السنين الغوابر
وكم نعمة أسدى لهم بعد نعمة ... ولكنه أسدى إلى غير شاكر
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أم عامر
لقد بطروا بالمال والعز فاجتروا ... على حرمة الوالي وفعل المناكر
فمدوا يد الآمال للملك واقتفوا ... لكل خبيث ناكث العهد غادر
وأبدوا لأهل الظعن ما في نفوسهم ... من الحقد والبغضا وخبث السرائر
همو حاولوا الأحساء ومن دون نيلها ... زوال الطلا ضربا وقطع الحناجر
فعاجلهم عزم الإمام بفيلق ... رماهم به مثل الليوث الخوادر
وقدم فيهم نجله يخفق اللواء ... عليه وفي يمناه أيمن طائري
فأقبل من نجد بخيل سوابق ... ترى الأكم منها سجدا للحوافر
فوافق في الوفرى جموعًا توافرت ... من البدو أمثال البحار الزواخر
سبيعًا وجيشًا من مطير عرمرما ... ومن آل قحطان جموع الهواجر
ولا تنس جمع الخالدي فإنهم ... قبائل شتى من عقيل بن عامر
فسار بموار من الجيش أظلمت ... له الأفق من نقع هنالك ثائر
فصبح أصحاب المفاسد والخنا ... بسمر القنا والمرهفات البواتر
بكاظمة حيث التقى جيش خالد ... بهرمز نقلا جاءنا بالتواتر
فلما أتى الجهراء ضاقت بجيشه ... وجالت بها الفرسان بين العساكر
فولى العدى الأدبار إذ عاينوا الردى ... بطعن وضرب بالظبا والخناجر
فما اعتصموا إلا بلجة مزبد ... من البحر يعلو موجه غير جازر
فغادرهم في البحر للحوت مطعما ... وقتل لسرحان ونمر وطائر
تفاءلت بالجبران والعز إذ أتى ... بشير لنا عبد العزيز بن جابر
فواه لها من وقعة عبقرية ... تشيب لرؤياها نواصي الأصاغر
بها يسمر الساري إذ جد في السرى ... ويخطب من يعلو رؤوس المنابر
стр. 160
تفوه بمدح للإمام ونجله ... ومعشره أهل التقى والمفاخر
كفاه من المجد المؤثل ما انتمى ... إليه من العليا وطيب العناصر
فشكرا إمام المسلمين لما جرى ... وهل تثبت النعماء إلا لشاكر
فهنيت بالعيدين بالفتح أولا ... وعيد كمال الصوم إحدى البشائر
وشكر الأيادي بالتواصي بالتقى ... بترك المناهي وامتثال الأوامر
صبرت فنلت النصر بالصبر والمنى ... وما انقادت الآمال إلا لصابر
فدونك من أصداف بحري لئالئا ... إلى نظمها لا يهتدي كل شاعر
وبكرا عروسا أبرزت من خبائها ... شبيهة غزلان اللواء النوافر
إلى حسنها يصبو ويشد ذو الحجى ... لك الخير حدثني بظبية عامر
وأختم نقمي بالصلاة مسلما ... على من إليه الحكم عند التشاجر
محمد المختار والآل بعده ... وأصحابه الغر الكرام الأكابر
مدى الدهر والأزمان ما قال قائل ... لك الحمد اللهم يا خير ناصر
قد قدمنا أن الإمام جعل على إمارة بريدة عبد الرحمن بن إبراهيم، وكان من أهالي أبي الكباش من بلدان العارض من الفضول، فاستقر المذكور أميرًا فيها.
وفيها توفى الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن حمد الثميري نسبة إلى الثمارى من زعب قاضي بلد المجمعة ﵀ وعفا عنه، وكان حبرًا نبيلًا وعالمًا جليلًا، تخرج على الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وشرب من منهله الزلال، فهو أحد تلامذته، وكان ﵀ قاضيًا في سدير للإمام تركي، ثم كان قاضيًا في الزلفي للإمام فيصل قدس الله روحه ونوَّر ضريحه.
وفيها وفاة الأمير أحمد بن محمد السديري جد جلالة الملك عبد العزيز من جهة أمه، وهو الأمير الفاضل الهمام الأمجد، وكانت قبيلته من الدواسر.
أما أحمد هذا فكان حسن السيرة وصافي السريرة، له مناقب سامية وهمة عالية، وثق به الأتراك فجعلوه أميرًا على الأحساء فقدمها رحمة من الله لهم، وسكن
стр. 161
روعهم واطمأنت إليه قلوبهم، ولو كان الأمير عليها إذ ذاك غيره لوقع في الأحساء خلل كبير؛ فزاره علماء الأحساء وقضاتها وأعيانها، ودعوا له وشكروه وأقر كل موظف على وظيفته جزاه الله خيرًا، وأنعم عليه، وبعث رجالًا يخرصون الزرع في الأحساء والقطيف فخرصوها من غير ظلم، ولبث في الأحساء في أمن وأمان حتى خلفه غيره من الأتراك فانعكس الأمر.
ولما قدم على سدير عن أمر خالد بن سعود سنة ١٢٥٤ هـ، وكان قد بعثه يريد منهم أموالًا تعزيرًا ونكالًا، كانت إمارته في سدير دفعًا من الله عنهم وعن بلدهم، وجعل يرى العسكر ضعفهم ويدافع عنهم بحسن سيرته، ويحرض العسكر على الرفق بهم لما هم فيه من الشدة والقحط، فما أخذوا من كل بلد إلا أربعين ريالًا أو خمسين ريالًا، وما زال يضع عنهم ويدافع ويسترضي حتى وقى الله بسببه ظلم الأتراك، ويكفيك معاملة الله له ولأنجاله، ومن كان مع الله كان الله معه، فانظر كيف كان عاقبة الأمير أحمد وعاقبة أولاده بأن ملكهم الله جل ذكره وجعلهم قادة لأهل الإسلام.
ولما ولاه الإمام فيصل إمارة الأحساء سنة ١٢٦٠ هـ كان موضع الثقة والأمانة لما منّ الله عليه به من السمع والطاعة، أضف إلى ذلك رأيًا وعقلًا وشجاعةً وسخاء ولين جانب وسماحة مع الناس المسلمين، وشدة وصلابة على أعداء الله من المفسدين.
ولقد كان كثيرًا ما يصلح الله على يديه الأمراء وينتظم بأسبابه أمور التوفيق والهدى، ولما رأه فيصل بهذه المثابة أمره أن ينظر في المصالح الخاصة والعامة من إصلاح الثغور ونفي الخبائث والشرور، وجعل يحث الناس على الاجتماع للصلوات في المساجد، وتأديب أهل الكسل من كل مخالف ومعاند، وإن أحمد وأبناءه ليعتبرون من أحسن الناس سيرة وأصفاهم سريرة، وكانوا مع ما هم فيه من الولايات الفاخرة الرفيعة لا يعهد منهم تقلب ولا مكر، ولا يضمرون الحقد والغيظ في الصدر، فلو نظرت إلى أصغرهم لقلت حاز الأدب من بين الأقران، ولو
стр. 162
رأيت بذلهم لقلت لم يدخروا دينارًا ولا درهمًا لنوائب الزمان، وكان أنجاله تركي ومحمد وعبد المحسن:
- فأما تركي فجعله الإمام أميرًا في الأحساء بعد وفاة أبيه.
- وأما محمد فكان أميرًا في سدير ومنيخ وما يليه.
- وأما عبد المحسن فكان أميرًا في بلدهم الغاط، وكلهم خيار نجباء من رجل طيب، والشبل يشبل أباه، وكان آل سعود يختصونهم بالولايات الكبار، ويقدمونهم على غيرهم في الأمصار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولما ولاه فيصل على عمان عنيت به الأمير أحمد، بعثه إليه الشيخ أحمد بن علي بن مشرف بهذه القصيدة يمتدحه بها ويثني عليه بالشهامة والسبق:
تهلل وجه الدين وابتسم الثغر ... وقد لاح من بيض السيوف له النصر
وجلى دياجير الضلالة والردى ... سنا المرهفات البيض فانصدع الفجر
وشمس الأماني بالتهاني لنا بدت ... وبالسعد لاحت فانجلت أنجم زهر
وقد جاءنا ذاك البشير مبشرًا ... بفتح عمان حين حل به الدر
همام له قاد الجيوش بفيلقٍ ... إذا جاش بالأبطال يشبه البحر
فأطأهم جمعًا عمانًا فأذعنت ... ودان له من أرضها السهل والوعر
وجالت به الخيل السوابق بالقنا ... وسلت سيوف الحق فانهزم الكفر
وطهرها من كل سوء وباطل ... وكانت تبدي بالقبائح والسحر
ثم قال الأديب شاعرنا في آخر القصيدة:
ودونكها منظومة عبقريةٌ ... تناثر من أصداف أبياته الدر
وبكر عروس قد تصدى لزفها ... محب لكم أدنى وسائله الشعر
فعجل قراها فالضرورة أحوجت ... وكاد يكون الفقر لولا الهدى كفر
وأنجز له الوعد الذي وعدته ... فأمنيته والوعد ينجزه الحر
أصلي على المختار ما هبت الصبا ... على الروض مطلولًا فعطره الزهر
стр. 163
ثم دخلت سنة ١٢٧٨ ه ـ
ففيها وقع الاختلاف بين أهل عنيزة وبين الإمام فيصل ﵀.
وفيها في ثامن جمادى الأولى نزل على الحجاز سيل عظيم فدخل المسجد الحرام، وكان ذلك قبل صلاة الصبح، فلما أن دخل السيل في المسجد ارتفع الماء حتى بلغ قفل باب الكعبة المشرفة وغطى مقام المالكي، وتعطلت صلاة الجماعة خمسة أوقات، فلم يتمكن من الصلاة في المسجد الحرام ذلك اليوم أحد إلا أناس صلوا صلاة العصر على دكة باب الزيادة، وغرق خلق كثير في الحرم، وغرقت نفوس كثيرة أيضًا خارج الحرم، وأحصيَ الذين ماتوا في السيل من الأنفس البشرية، فكانوا فوق العشرين، وتخربت من هذه السيول أرض الأروقة ومماشي المسجد الحرام، وحاشية المطاف والله على كل شيء قدير، ودخل السيل في خزانة كتب نفيسة تحتوي على ثلاث آلاف وستمائة وثلاثة وخمسون كتابًا، وهذه الخزانة قبة كانت خلف بئر زمزم في الساحة الحصوة، فغرق كثير من الكتب التي فيها لأن شبابيكها قريبة من الأرض، ويشاهد أثر السيل في بقية كتبها إلى الآن، وهذه مثل السلوك للمقريزي، ونهاية الأرب للنويري ونحوهما، وليست هذه أول مرة تعبث فيها السيول بالكتب الموضوعة في داخل الحرم، فقد تقدم في غابر السنين لها نظائر كثيرة، وأنزل الله غيثًا في الخريف سالت منه بلدة أشيقر وتقطعت بعض أوديتها من شدة السيل، والنخيل إذ ذاك قد كثر الرطب ولم يختلف من ثمر النخل شيء في تلك السنة.
وفيها تم بناء جامع الهفوف الذي بناه الإمام فيصل في الأحساء، وقد أحسن الشيخ الأديب أحمد بن علي بن مشرف، حيث أرّخه في آخر هذه الأبيات التي امتدح فيها الإمام:
يا من أشاد جامعًا ... لله في الأحساء عمر
به يسر كل من ... لله مولانا شكر
стр. 164
من بعد أن خربه ... كل ظلوم قد بطر
وليس من يعمره ... كمن بتخريب أمر
بشراك يا عامر ... غدًا ببيت من درر
في جنة عالية ... ذات قصور وثمر
من أجل ذا تاريخه ... محرر عز أغر
ولقد امتدح الشاعر الأديب أحمد بن علي إمام المسلمين بقصائد كثيرة، منها قصيدة ميمية بعثها إليه في هذه السنة أطنب في مدحه وعرض فيها بأن عماله ظلموا أهل الأحساء في الخرص، وقد احتوت على فصاحة وبلاغة، وأن الإمام فيصلًا أهل للمديح، ولولا خشية الإطالة لأتينا بها.
رجعنا إلى ذكر عنيزة فتقول: في شعبان وقع الحرب بينهم وبين الإمام فيصل ﵀، فأمر الإمام على البوادي أن يشنوا الغارة عليها، فأغار عليها آل عاصم في آخر شعبان وأخذوا أغنامًا، وأرسل الإمام سرية مع صالح بن شلهوب إلى بريدة وكتب إلى أمير بريدة آن ذلك عبد الرحمن بن إبراهيم يأمره أن يغير بهم على أطراف عنيزة، فلما كان في شهر رمضان أغاروا على عنيزة وأخذوا إبلًا وأغنامًا ففزعوا عليه، وحصل بينهم وبينه قتال وتكاثرة الأفزاع من أهل عنيزة، فترك لهم ابن إبراهيم ما أخذ منهم وانقلب راجعًا إلى بريدة.
ولما كان في شوال قدم إلى عنيزة محمد الغانم الذي كان من جملة قاتلي ابن عدوان، وكان قد ولي إمارة بريدة، ثم عزله الإمام كما تقدم، والمذكور من آل أبي عليان، فقدم من المدينة ليستثمر من هذا الاختلاف تشفيًا، فشجع أهل عنيزة على الحرب، وزين لهم السطوة على بلد بريدة نسأل الله العافية، فخرج أهالي عنيزة منها في خمس رايات وساروا قاصدين بريدة فدخلوها أخر الليل وأضحوا في وسط البلد وقصد بعضهم بيت مهنا الصالح أبا الخيل، وبعضهم قصد القصر، وفيه الأمير عبد الرحمن بن إبراهيم وعدة رجال من أهل الرياض ومعه صالح بن شلهوب وأصحابه فانتبه بهم أهل البلد ونهضوا إليهم من كل جانب فوضعوا فيهم
стр. 165
السيف وأخرجوهم من البلد، فانهزموا راجعين إلى بلدهم عنيزة، وقتل منهم عدة رجال، وإنما خصصوا في قصدهم لبيت مهنا لأنه قد ساعد وحسن لابن الإمام قتل عبد العزيز المحمد كما مر قريبًا.
ولما بلغ الخبر إلى الإمام فيصل في الرياض أمر على بلدان المسلمين بالجهاد وأرسل سرية إلى بريدة تقوية لجانب أميرها، وأمر السرية بالمقام فيها مع الأمير، ثم غزو الوشم وسدير بالمسير إلى بريدة واستعمل عليهم عبد الله بن عبد العزيز بن دغيثر أميرًا، فساروا إليها واجتمع عند ابن إبراهيم وابن دغيثر خلائق كثيرة، وكثرت الغارات منهم على أهل عنيزة، ثم إنه حصل بين الأميرين وبين أهل عنيزة وقعة في رواق فصارت الهزيمة على ابن إبراهيم ومن معه، وقتل من أتباعه نحو عشرين رجلًا من بينهم الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن دغيثر، وقتل من أهل عنيزة عدة رجال، وبعد هذه الوقعة غضب الإمام على عبد الرحمن بن إبراهيم لأشياء نقلت عنه؛ فدعى به من بريدة إلى الرياض وأمر بقبض جميع ما عنده من المال، وفيها بعث الشيخ أحمد بن علي بن مشرف بقصيدة إلى الإمام فيصل يمتدحه بها ويثني عليه، وهذا نصها:
إذا أنت أجمعت المسير لتنجدا ... فلا تعد قصرًا في الرياض مشيدا
بناه إمام المسلمين ولم يزل ... يؤسس ما يبني على الدين والهدى
ترى حوله الأضياف تلتمس القرى ... وقومًا يريدون المكارم والندا
فيرجع كل نائلًا ما يرومه ... من العدل والإحسان والفضل والجدا
كريمًا يرى للمعتفين إذا أتوا ... ومن يطلب المعروف حقًا مؤكدا
تعود بسط الكف طبعًا وإنما ... لك امرئ من دهره ما تعودا
تعيش اليتامى والضعاف بنيله ... ويروي حدود المرهفات من العدا
وهل يدرك العليا إلا مهذب ... أضاف الإحسان سيفًا مجردا
فأكرم بهذا من إمام لقد حوى ... عفافًا وإقدامًا وحزمًا وسؤددً
وقد سود المختار عمرًا لجوده ... فحقًا لهذا بالندا أن يسود
стр. 166
تراه لفعل المكرمات مشمرًا ... إذ الجود والإقدام للناس أقعدا
يخوض لظى الهيجاء فردًا وكفه ... سحاب ندى يهمي لجينا وعسجدا
يعامل من يرعى برفق ورحمةً ... ويقمع منهم من طغى وتمردا
إذا اجتاز قوم بالنوال أجازهم ... فعاش بخير كلما راح أو غدا
هو العارض البراق يخشى ويرتجي ... وأنشد به إن كنت للشعر منشدا
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنًا ... على الدر واحذره إذا كان مزبدا
فإن قست أهل العصر لم تر مثله ... رئيسًا فسائل من أغار وأنجدا
أعد لمن رام الخلاف سليله ... أبا النجم عبد الله كالليث مرصدا
فكم غارةً قد شنها بعد غارة ... أصار بها شمل العدو مبددا
وصيرهم قسمين هذا مجندلًا ... قتيلًا وهذا في الحديد مصفدا
وإخوانه مثل النجوم زواهر ... ولا تنس منهم من يسمى محمدا
فأخباره مشهورة حين حاربت ... قبائل في أرض القصيم تمردا
فأرداهمو بالبيض والسمر إذا أتوا ... يقودهم للحتف من ليس مرشدا
وقائع أيمي النسا في عنيزة ... وشيبن فيها كل من أمردا
وشد أخوه العضد منه بجيشه ... فأطفى به الله الحروب وأخمدا
فروعًا كساها أصلها المجد فانتمت ... إلى منصب عالٍ أعز وأمجدا
فشكرًا إمام المسلمين لخالق ... حباك بإعزاز ونصر وأسعدا
فأحسن إلى من قد رعيت ولا تطع ... بهم واشيًا مقصوده الغش والردا
يريكم لدى الإقبال نصح مودةٍ ... وإن عضكم دهر يكن أكبر العدا
فلا ملك إلا بالرجال وإنما ... يؤلفها بالمال من شأنه الندا
ولا مال إلا بالرعايا إذا نمت ... وأنصفها الوالي بعدل وأرشدا
الخ ... وهي طويلة.
وقال أيضًا الشيخ العالم أحمد بن علي في هذه السنة قصيدة يمتدح الإمام فيصلا فيها:
стр. 167
لك الحمد اللهم حمدًا مخلدا ... على نعم لم تحص عدًا فتنفدا
فكم نعمة أو ليتنا بعد نعمةٍ ... وفتح به قد صح من كان أرمدا
ونسأله التوفيق للشكر إنه ... يكون لنعماء الإله مقيدا
على أن هدانا ثم ألف بيننا ... بملك إمام واجتماع على الهدا
إمامًا به الرحمن أمن سبلنا ... وكف يدي من كان في الأرض مفسدا
وقوَّم أركان الشريعة ناصرًا ... بسمر القنا والبيض سنة أحمدا
سخيًا جريًا في الحروب وحازما ... وما الملك إلا بالشجاعة والندا
يسير أعلام الجهاد خوافقًا ... على نجله لا زال للدين منجدا
أبو النجم عبد الله ليثًا أعده ... أبوه لمن أخطأ الصواب أو أعندى
إذا أفسد الأعراب في أي موطنٍ ... أغار عليهم بالجيوش وأنجدا
فراياته منصورةٌ حيث يممت ... وطالعه من أنجم السعد قد بدا
فلما بغت حرب على الناس واعتدوا ... رماهم بحرب منهم الشمل بددا
وشتتهم كما دهاههم بفيلقٍ ... من الخيل والفرسان كالبحر مزبدا
همو منحوه الأهل والمال إذ رأوا ... له صارمًا ممضي ورمحًا مسددا
وولوا سراعًا هاربين كأنهم ... نعام تراهم في المفاوز شردا
فحسبك من أيام نصر تتابعت ... على يده ذلت بها سائر العدا
وكفت بها الأعراب عن سوء فعلهم ... ودان بها وانقاد من قد تمردا
فكم قد أخافوا السبيل من قبل غزوه ... وكم ريس منهم أغار وأفسدا
فأضحوا عن المال النفس أعفةً ... ولو نظروا في الطرق درًا وعسجد
كذلك شأن السيف إن سل حده ... يهاب ولا يخشى إذا كان مغمدا
فشكرًا إمام المسلمين لما جرى ... من النصر والإعزاز لا زلت مسعدا
ولا زلت للإسلام كهفًا ومعقلًا ... وسيفًا على هشام العدو مجردا
ودونك نظمًا من أديب يصوغه ... إذا قال شعرًا أصبح الدهر منشدا
إذا شاعر أهدى لكم خرزاته ... بعثنا إليكم لؤلؤًا وزبرجدا
стр. 168
فأحسن إلينا بالقبول وبالرضا ... ودم سالمًا حيًا معافًا مؤيدا
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى ما ناح سدم وغردا
كذا الآل والصحب أنصار دينه ... وأتباعهم ما أطرب العيش من حدا
ثم دخلت سنة ١٢٧٩ ه ـ
استهلت هذه السنة وأهل عنيزة مقيمون على المخالفات للإمام فيصل، وكان لما قتل عبد الله بن عبد العزيز بن دغيثر أمير الجيش غضب لقتله فيصل وعزل أمير بريدة، ثم إنه جهز ابنه محمدًا يغزو الرياض والجنوب في هذه السنة وأمره بالزحف إلى عنيزة، ويكون طريقه عن بريدة فيأخذ معه من فيها من غزو أهل الوشم وسدير لقتال أهل عنيزة، فزحف محمد بن فيصل ومعه الشيخ حسين بن حمد بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ ناصر بن عيد، فلما وصلوا إلى بريدة أمر على من فيها من الجنود من أهل سدير والوشم بالمسير معه، وقدم عليه عيد بن علي بن رشيد وابن أخيه محمد بن عبد الله بن علي بن رشيد بغيرو أهل الجبل، فسار الجميع إلى عنيزة وحصل قتال شديد بين الفريقين فانهزم أهل عنيزة وقتل منهم نحو عشرين رجلًا، ثم إنه نزل محمد بن فيصل بمن معه من الجنود في مقطاع الوادي وشرعوا في قطع نخيله.
ذكر وقعة المطر
لما شرع القائد محمد بن فيصل وجنوده في قطع نخيل الوادي، خرج أهل عنيزة في خامس عشر من جمادى الآخرة عن بكرة أبيهم، فالتحم الفريقان والتقى الجمعان وجرى بينهم قتال شديد يشيب من هوله الوليد، فانهزم لذلك محمد بن فيصل وجنوده، وتتابعت هزيمتهم إلى خيامهم، فأمر الله السماء بالمطر وكان غالب سلاح أهل عنيزة البنادق الفتيل، فبطل عملها من شدة المطر، فكر
стр. 169
عليهم محمد وأصحابه، فانهزم أهل عنيزة وقتل منهم أربعمائة مقاتل، وإن عددًا يبلغ ذلك ليضعف العدو ويكسر شوكته، فاحتصر أهل عنيزة في بلدهم، وأقام محمد بن الإمام هناك وأمر على من معه من الجنود بقطع نخيل الوادي فقطعوا غالبها ودوى ذكر هذه الواقعة بواقعة المطر؛ ثم قدم على محمد بن الإمام في منزله ذلك طلال بن عبد الله بن علي بن رشيد في بقية غزو أهل الجبل.
ولما أن جاءت الأنباء إلى الإمام فيصل وأن هذا الجيش لم يسفر عن كبير شأن، بل انهزم محمد؛ ثم كر على أهالي عنيزة وانتصر وقطع النخيل عند ذلك دعى فيصل بمحمد بن أحمد السديري، وأمره أن يتوجه إليه بغزو أهل الأحساء، فقدم محمد بن أحمد إلى الرياض بغزوه، وذلك في شعبان ثم أمر الإمام فيصل على ابنه عبد الله بن فيصل أن يسير بهم وببقية غزو بلدان المسلمين، فخرج عبد الله بن الإمام بمن معه من الجنود ومعهم المدافع والقوس، وأوصاه أبوه بوصية قال فيها: إن طلبوا الصلح فأجبهم إليه وإياك وحربهم، وهذه سجية فطر عليها ذلك الإمام نسأل الله تعالى أن يثيبه عليها الجنة وأكد على ابنة في ذلك.
وكنت أظن أن الله تعالى إنما مكن له ونصره وأعزه وأظفره بأعدائه لما قام به من الرأفة والرحمة والشفقة على الخلق، وإلا فلو تركت هذه الجيوش وشأنها لالتهمت عنيزة التهامًا؛ ولما سار محمد السديري بغزو الأحساء كان معه الشيخ أحمد بن علي بن مشرف فقال هذه القصيدة فيما يتعلق بالمعنى:
خرجنا والأمير بنجم سعد ... نقود الخيل بالإبل الرسيم
تدوس بنا الحصا في كل فج ... فتورى القدح في الليل البهيم
نهضنا للجهاد بلا توان ... سوى قدر الترحل للمقيم
لنجمع لأمة الحرب كنا ... نداولها لذلك من قديم
فسار الجيش مثل البحر هبت ... عليه العاصفات من النسيم
قبائل من عقيل قد توافقت ... وقوم ينتمون إلى تميم
يؤم ابن الإمام بهم جميعًا ... عنيزة وهي في أرض القصيم
стр. 170
نقاتل فيه أوباشا لئاما ... أطاعوا فتنة الغاوي الرجيم
فإن فاؤوا فإن الله يهدي ... لمن شاء للصراط المستقيم
وإلا كان قتلهم يسيرا ... بحول القادر الرب العظيم
لأنهم أناس أهل جهل ... ونقص في الديانة والحلوم
بحلم إمامنا اغتروا زمانا ... ولما يرهبوا غضب الحليم
إمام ماجد الأحساب ينمي ... إلى أعلى الذوائب والصميم
إلى العلياء يسمون افتخارا ... بفعل المجد للعظم الرميم
فلا زالت به الأيام غرا ... يطيب عرفها عرف النسيم
ولما توجه عبد الله بن الإمام بهذه الجنود إلى عنيزة، ووصل إلى شقراء أرسل المدافع وأثقاله إلى أخيه محمد، وهو إذ ذاك في وادي عنيزة، ثم عدا عبد الله على عربان عتيبة وهم على الرشاوية فأخذهم وتوجه إلى عنيزة.
فلما نزل عليها حاصرها ونصب عليها المدافع فرماها رميًا هائلًا، ونزل عليه أخوه محمد بمن معه من الجنود، واجتمع هناك جنود عظيمة كقطع الليل المظلم فأحاطوا بالبلد وطوقوه وثارت الحرب وعظم الأمر واشتد الخطب، ودامت الحرب بينهم أيامًا، فلما كادت المدينة مستهدفة للسحق والمحق، ورأى ورأوا من أمر الله مالا يطاق، وإنه لا قبل لهم بتلك الجنود، طلبوا الصلح من عبد الله ابن الإمام والنزول على حكمه فما وسعه إلا امتثال أوامر والده فأجابهم إلى ذلك بشرط أن الصلح يكون على يدي أبيه الإمام ومواجهته، فكتبوا بذلك إلى الإمام فأجابهم الإمام إلى ذلك رفقًا بهم وحقنًا لدمائهم، وأعطاهم الأمان على أن الأمير عبد الله بن يحيى بن سليم يقدم عليه في الرياض، فخرج الأمير عبد الله بن يحيى إلى عبد الله بن فيصل واعتذر واعترف بالخطأ والإساءة، فطلب العفو والصفح والمسامحة فقبل معذرته وصلحت حالهم.
وحصل بذلك الأمن والأمان للعباد والبلاد، وأطفأ الله الفتنة، وأزال المحنة،
стр. 171
ورجع عبد الله بن الإمام قافلا ظافرًا إلى الرياض، وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، وركب معه عبد الله بن يحيى آل سليم أمير عنزية ويحيى الصالح إلى الرياض ولما أن قدما على الإمام فيصل وجلسا بين يديه طلبا منه العفو والصفح، وعاهداه على السمع والطاعة فعفا عنهما وسامحهما، ﵀ وعفا عنه ذلك لما قام به من العدل والرأفة بالرعية والشفقة على المسلمين لأنه كان إمامًا عادلًا مباركًا ميمونًا صفوحًا عن الجاني، وأقاما عنده في الرياض مدة أيام، ثم إنه كساهما وأعطاهما عطاءً جزيلًا وأذن لهما بالرجوع إلى بلدهما.
ولما وقع الصلح بين الإمام وبين أهل عنيزة استعمل الإمام فيصل بن أحمد السديري أميرًا على بريدة بل على سائر القصيم، وكان قبل ذلك أميرًا على الإحساء كما تقدم، وكان من أفذاذ الرجال رأيًا وشجاعةً وكرمًا، فقدم على بريدة ومعه عدة رجال من خدمه من أهل الرياض ونزل في قصرها المعروف وصلحت الأمور وانحسمت الشرور.
فقال الشيخ العالم العلامة أحمد بن علي بن مشرف هذه القصيدة لما فتح الله عنيزة على يد ابن الإمام عبد الله بن فيصل سنة ١٢٧٩ هـ:
سبحان من عقد الأمور وحلها ... وأعز شرعة أحمد وأجلها
وقضى على فئة عتت عن أمره ... بهوانه فأهانها وأذلها
كفرت بأنعم ربها فأذاقها ... بأس الحروب فلا أقول لعلها
وحمى سياسة ملكنا بمهذب ... وآل إذا ربت الحوادث فلها
بالعزم والرأي السديد وإنما ... فيه الأناءة ذو الجلال أحلها
يدعو مخالفه إلى نهج الهدى ... فإذا أبى شهر السيوف وسلها
فسقى وروى أرضهم بدمائهم ... قتلًا وأنهلها بذاك وعلها
في كل ملحمة تعيش نسورها ... منها وترتاد السباع محلها
رجفت عنيزة هيبةً من جيشه ... لما غشى حيطانها وأظلها
فعصت غواة أوردوها للردى ... وأمير سوءٍ قادها فأضلها
стр. 172
واختارت السلم الذي حقن الدما ... إذ وافقت من للهداية دلها
فتح به نصر المهيمن حزبه ... وأزاح أوغار الصدور وخلها
فانظر إلى صنع المليك بلطفه ... وبعطفه كشف الشدائد كلها
لا تيأسن إذا الكروب ترادفت ... فلعلها ولعلها ولعلها
واصبر فإن الصبر يبلغك المنى ... حتى ترى قهر العدو أقلها
والزم تقى الله العظيم ففي التقى ... عز النفوس فلا يجامع ذلها
وإذا ذكرت بمدحة ذا شمية ... فأمامنا ممن تفيأ ظلها
أعني أخا المجد الموثل فيصلًا ... نفس تتوق على حماه ثولها
كفاه في بذل الندى كسحابة ... جادت بوابلها فسابق ظلها
ما زال يسمو للعلي حتى حوى ... دق المكارم في الفخار وجلها
بشرى المدائح بالنفائس رغبةً ... حتى بمفتاح اللهى فتح اللهبا
فإذا أناخ مصابرًا لقبيلةٍ ... في الحرب أسامها الوغى وأملها
ساس الرعية حين قام بعدله ... ويبذله غمر النوال مقلها
مني إليك فريدةً هجرية ... حسناء يهوى كل صب دلها
طوت المفاوز نحو قصرك لم تهب ... لصا ولا ذيب الفلاة وصلها
فأجز وعجل بالقرا فلم تزل ... تقرى الضيوف بها وتحمل كلها
لا زلت بالنصر العزيز مؤيدًا ... تدعى الأعز ومن قلاك أذلها
والله أحمده على نعمائه ... رب البرية ذا الجلال وإن لها
ثم الصلاة على النبي محمدٍ ... ما باشر الأرض السماء فبلها
وآل والأصحاب ما نسخ الضيا ... من شمسنا وقت الظهيرة ظلها
وفيها ظهر الجراد في نجد، وكان قد انقطع عنه نحو من سبع عشرة سنة وكان في انقطاعه يخشى انحلال نظام العالم كما جاء في بعض الأحاديث.
وفيها أيضًا أمر السلطان العثماني عبد العزيز خان بترميم المسجد الحرام بعدما تخربت أرض أروقته ومماشيه من السيل الذي وقع في السنة التي قبلها، وجعل أمر
стр. 173
الترميم موكولًا إلى الشريف عبد الله بن أمير مكة محمد بن عون، وإلى شيخ الحرم أحمد عزت باشا، فشرعوا في ٢٨ ثامن وعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة، وأخرجوا جميع الطبطاب القديم من حاشية المطاف والماشي والأروقة، وجددوه بأتقن مما كان سابقًا، وكان تمام العمل في غاية ذي الحجة سنة ١٢٧٩ هـ.
وفيها توفى والي مصر سعيد باشا بن عم محمد علي والي مصر المشهور، فأقيم بعده إسماعيل باشا بن إبراهيم باشا بن محمد علي.
ثم دخلت سنة ١٢٨٠ ه ـ
في هذه السنة قدم على الإمام فيصل ﵀ وفد أهل الأحساء وطلبوا منه أن يرد عليهم أميرهم محمد بن أحمد السديري، وكان قد نقله منهم الإمام إلى بريدة وجعله أميرًا على مقاطعة القصيم كما أسلفنا لأنه لا يسد مقاطعة القصيم وغيره.
ولما أن قدم عليه رؤساء أهل الأحساء يطلبونه منه لم يرى بدًا من أن يجيبهم إلى ذلك لا سيما وقد كان في الوفد فضيلة الشيخ أحمد بن علي بن مشرف قد استعانوا به على نجاح هذه المهمة، فكتب الإمام إلى محمد السديري وأمره بالقدوم عليه في الرياض، ولما أن قدم أمره أن يتجهز إلى الأحساء وجعل مكانه في إمارة بريدة سليمان الرشيد من آل أبي عليان.
ووافق أن توفى هذه السنة صالح بن راشد وكيل بيت مال الأحساء للإمام فيصل، ولما بلغ الإمام وفاته جعل مكانه على بيت مال الأحساء فهد بن علي بن مغيصيب.
ثم إن الإمام كسا وفد أهل الأحساء وأعطاهم عطاءً جزيلًا، فتوجهوا إليها وسار معهم الأمير محمد بن أحمد وفهد بن علي بن مغيصيب بعد ما أذن لهم الإمام.
فقال الشيخ أحمد بن علي بن مشرف هذه القصيدة يمتدح فيها الإمام فيصل ويذكر شيئًا من مآثره ومناقبة:
стр. 174
لقد لاح سعد النيرات الطوالع ... وغابت نحوس من جميع المطالع
غداة أنخنا بالرياض ركابنا ... بباب إمام تابع للشرائع
حريص على إحياء سنة أحمد ... وإخماد نيران الهوى والبدائع
يقيم اعوجاج الأمر بالبيض والقنا ... ويحكم بالوحيين عند التنازع
ويحيي دروسًا للعلوم بدرسها ... وتقريب ذي علم قريب وشاسع
تقي نقي قانت متواضع ... ما الفخر إلا بالتقى والتواضع
وما زال للدين الحنيفي ناصرًا ... بتدمير أوثان وتعمير جامع
يعامل قومًا بالأناة فإن تفد ... وإلا أفادتهم حدود اللوامع
وإن تسألن عن جوده وسخائه ... فكفاه مثل المعصرات الهوامع
فإن كنت عن علياه يومًا محدثًا ... فحدث وقرط بالحديث مسامعي
هو المنهل الطامي يبل به الصدى ... فرده ودع آل البقاع البلاقع
به أمن الله البلاد فأصبحت ... لنا حرمًا في الأمن من كل رائع
بمدحته فاه الزمان وأهله ... فحسبك من صيت له فيه شائع
يربي يتامى المسلمين كأنه ... لهم والدٌ بر بهم غير دافع
وكم بائسٍ عارٍ كساه برفده ... وكم أشبعت يمناه من بطن جائع
قصدناه من هجر نؤمل رفده ... فجاد علينا بالمنى والمنافع
أعذناه بالرحمن من كيد كائد ... ومن شر شيطان وخب مخادع
ونستودع الله المهيمن ذاته ... وربى كريم حافظ للودائع
وصل إله العالمين على الذي ... أتانا بنور من هدى الله ساطع
محمد المبعوث للناس رحمةً ... بأقوم دين ناسخ للشرائع
كذا الآل والأصحاب ما هبت الصبا ... وما أطرب الأسماع صوت لساجع
وفي هذه السنة تكسر بعض طوق الحجر الأسود الذهبي الذي ركبه السلطان عبد المجيد وقد تقدم التعريف له، وسرق ما تكسر منه فلم يعلم من أخذه، ثم إنه حشي مكانه زنك أسود.
стр. 175
ولما كان يوم الأربعاء الموافق لعاشر ذي القعدة، أمر السلطان عبد العزيز خان بتجديد سقف المقامات لأنها خربت حتى تكسر بعض خشب مقام الحنفي، فبدأوا بتصليحه مقدمًا على بقيتها، ثم بمقام الحنبلي، ثم مقام المالكي، ثم مقام إبراهيم وزادوا في ارتفاع قبته.
وكان أول من وضع هذه المقامات بعض ملوك الجراكسة وإلا فما كان لها أصل من كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، عدى مقام إبراهيم فإنه صخرة فيها آثار قدميه لما كان يبني الكعبة، ولا تزال آثار قدميه إلى اليوم هذا تشاهد، غير أن أهل الجاهلية جعلت تمسح هذه الصخرة حتى ذهبت آثار الأصابع ثم جعل عليها حجرة ورفع سقفها، أما هذه المقامات المبتدعة المشار إليها فهي أربعة مقام الحنبلي وهو الواقع في الجهة الجنوبية مقابل لما بين الركن اليماني والحجر الأسود، ومقام الشافعي، وهو مرادف لمقام إبراهيم من جهة الشرق مما يلي بابه، ومقام الحنفي وهو واقع في الجهة الشمالية حذاء الميزاب والحطيم، وقد فاق على بقيتها في الكبر والحسن وجعل له سطح ودرج، ويصلي فيه عدد من المأمومين وفيه مصاحف وهو موضع المنبه في الوقت الحاضر.
أما مقام المالكي فيقع في الجهة الغربية وهو على صفة وضع مقام الحنبلي، وكلها على ضفة حاشية المطاف.
وفيها أعني هذه السنة توفى تركي بن حميد من شيوخ عتيبة.
وفيها حصل اختلاف بين أهل بريدة وبين أميرهم سليمان الرشيد أبو عليان، وكثرت الشكايات على الإمام ضده، فعزله الإمام فيصل وجعل مكانه أميرًا على بريدة مهنا الصالح أبا الخيل، وكان هذا هو أبا الخيل المشهور، ومهنا كان تاجرًا كبير القدر رفيع الذكر، وقد أشار عليه بعض أحبابه أن لا يتولى الإمارة ويكفيه سمو مقامه وعلو قدره، ويكون يعيش في نعمته، فما أصغى لناصح، وإنما أشير عليه بتركها خوفًا عليه من القتل، فإن آل أبي عليان لا يتركون الإمارة لغيرهم ففي هذه السنة كانت إمارته في بريدة.
стр. 176
ثم دخلت سنة ١٢٨١ ه ـ
في هذه السنة أرسل السلطان عبد العزيز خان طوقًا من فضه للحجر الأسود، وذلك بأنه لما انكسر الطوق الأول وحشي مكانه زنك أسود بعث السلطان العثماني بدله في هذه السنة فوصل إلى مكة في ١٤ من رمضان وابتدئ في تركيبه من الغد بعد قلع الطوق الأول الذي أرسله عبد المجيد، وكان أمير مكة حينئذ الشريف عبد الله بن محمد بن عون وشيخ الحرم إذ ذاك اسمه وجيهي باشا.
وفيها سار عبد الله بن الإمام بجنود المسلمين فتوجه إلى الأحساء وكانت بادية نعيم وأخلاط من آل مرة وغيرهم قد أكثروا الغارات في أطراف الأحساء، فعدا عليهم وصبحهم وهم على حلبون، فأخذهم وقتل منهم عدة رجال منهم جبر بن حام شيخ نعيم؛ وابنه محمد بن جبر، وأقام ابن الإمام على حلبون أيامًا، ثم عدا على آل مرة ومن معهم من المناصير فأخذهم، واتفق أنه في مغزاه ذلك صادف ركبًا من العجمان فأخذهم وقتلهم ثم توجه راجعًا ونزل على النجيبة فقسم الغنائم، ثم قفل منها إلى الرياض وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.
وفيها أنشأ الشيخ الإمام أحمد بن علي بن مشرف قصيدة في ذكر مآثر الإمام فيصل بن تركي، ويتبادر إلى الفكر أنها آخر قصائده التي قالها في حياته:
على الوالي المهذب خير وال ... إمام المسلمين أخي المعالي
سلام فاق عرف المسك نفحًا ... بنظم مثل منظوم اللآلي
تضمن مدحه بخصال مجد ... حواها وهي من خير الخصال
عفاف ثم اقدام وحزم ... وجود بالمكارم والنوالي
ثم امتدحه بالنداء والبشاشة والشجاعة إلى أن قال:
فإن تطلب له في العصر مثلًا ... فقد حاولت إدراك المحال
تتبعنا ذخائره جميعًا ... فلم نبصر له من كنز مال
стр. 177
ولكن كنزه التقوى وظن ... جميل فى المهيمن ذي الجلال
وبط الأعرجيات العوادي ... وجمع البيض والسمر العوال
وتقليد الرجال بكل طوق ... من المعروف ذي قدر وبال
بطلعته الزمان زها افتخارًا ... ولم تكتم أياديه الليالي
سيشكر فضله من كان حرًا ... ولكن أين أحرار الرجال
فأهل العصر مثل الطير طبعًا ... بخفتها وأحلام السعال
فإن جربت أكثرهم تجدهم ... على صنفين ختال وقال
علامات النفاق بهم تراها ... ثلاث هن من شر الخلال
خيانتهم وإخلاف لوعد ... وكثرة كذبهم عند المقال
فسل على البوادي سيف عزم ... وقائلهم على منع العقال
وأدبهم إذا انتبهوا وعاثوا ... بحد المرهفات وبالنكال
وأنى من سيوفك لست انبوا ... أنا فح من قلاك ولا أبالي
واسنج في علاك برود مدح ... وأدراعا تقي وقع النصال
فإن فقت الملوك وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
ودونك من بنات الفكر بكرًا ... حكت حسن الغزالة والهلال
إليك أتت من الأحساء تطوى ... لها البيد بحل وارتحال
وفيها توفى الشيخ إبراهيم بن حمد بن عيسى رحمه الله تعالى وعفى عنه، وكانت وفاته في آخر ليلة عرفه من هذه السنة، وهذه ترجمته:
هو الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه الفاضل إبراهيم بن حمد بن حمد بن عبد الله بن عيسي قاضي بلدان الوشم في شقراء، ولاه الإمام فيصل بن تركي ﵀ القضاء في بلد شقراء جميح بلدان الوشم، فباشره بعفة وديانة وصيانة وتثبت وتأن في الأحكام وكتب كثيرًا من الكتب الجليلة بخطه المتوسط في الحسن الفائق في الضبط، وحصل كتبًا كثيرة نفيسة في كل فن على كل كتاب منها تهميش وتصحيح وجلب فوائد وتنبيهات وأجاب على مسائل عديدة في الفقه بجوابات حسنة سديدة،
стр. 178
أخذ العلم عن الشيخ أبي بطين وأخذ عن الشيخ الإمام القدوة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عن الشيخ العالم العلامة والقدوة الفهامة عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين وناهيك بهؤلاء جلالة وعلمًا ومعرفة وما زال على قضاء شقراء حتى توفاه الله في هذه السنة.
وفيها توفى الشيخ عبد الرحمن بن عبيد إمام جامع بلد جلاجل وكانت وفاته في مكة المشرفة بعد انقضاء الحج ﵀ وعفا عنه.
ثم دخلت سنة ١٢٨٢
استهلت هذه السنة والكلمة مجتمعة والرعية مستقيمة وقد أمن الله العباد والبلاد بالإمام فيصل بن تركي فكان على إمارة جبل شمر الأمير طلال بن عبد الله بن رشيد، وكانت الإمارة في الجبل وراثية لهم بفضل من الإمام كما سيأتي، وكان على إمارة بريدة مهنا الصالح، وعلى عنيزة عبد الله بن يحيى آل سليم، وعلى إمارة الأحساء محمد بن أحمد السديري، وهكذا سائر البلدان.
ذكر نكت تتعلق في ذلك الزمان
لقد كان مما يجمل ذكره ويتعين علينا رقمه هو أن نذكر حالة أهل ذلك الزمان وسجاياهم وما هم عليه من العادات فنقول: كانت معاملتهم حسنة ويحنو بعضهم على بعض لأن غالبهم كانت طاهرة قلوبهم وألين مما كانت القلب عليه الآن والدنيا لم تبسط عليهم كما بسطت على من بعدهم فكان الإنسان يعطي وإن كان من قلة ويبذلون أموالهم في الأوقاف على الفقراء والمساكين وطلاب العلم والأئمة والمؤذنين، فإنك لا تكاد تجد نخلًا من النخيل إلا وفيه تمر معلوم للصوام أو مؤذن المسجد أو إمامه أو مصباح المسجد ويتسابقون في الخيرات كما أن غلات الأراضي تكثر فيها الأوقاف ويعمرون المساجد ويؤون الضعيف ويرحمون ذا الفاقة هذا وما كانوا يعرفون طيارة ولا سيارة بل لم يتمكنوا من تسييرها ولم يتوصلوا إلى هذه الكهرباء.
أما جعل مراكب برية كهذه المصنوعات فقد أوجدوها غير أنهم لم يستطيعوا
стр. 179
تسييرها إلا ببغال أو جمال أو حمير تجرها وغالب سلاحهم إنما هي أم فتيل أو مدافع تجر ويجعل فيها البارود والقبس وسيوف ورماح ونحوها.
أما المصابيح إذ ذاك فكان مادتها الودك يلقي فيها فتائل وتوقد أو شمعه ونحوها، لذلك كانوا إذا أغار بعضهم على بعض وطلبوا المغير عليهم ليلًا لسيتردوا ما أخذ يربطون قدرًا بين بعيرين، ويوقد في هذا القدر نار من حطب ليقصوا الآثار ويسمونه مشعل الشيخ أي الرئيس وما نشأت إذ ذاك هذه الأهوال والمهمات، وما كانوا يعرفون الكهرباء أو اللوكس أو شيئًا من البترول، ولم تظهر هذه المطابع التي هيأت توفير الكتب والمطبوعات والرسائل وغيرها في هذه الأزمنة، وعلى قياس هذا تعرف أنهم في بداوة وغالب الشعراء الذين لم يتعلموا العلم إنما كان شعرهم نبطيًا فيه فصاحة وبلاغة، فيري غير موزون كما يشاهد في شعر حميدان والقاضي وابن ربيعة وابن غرفح وابن لعبون، وكانوا يعيبون نسب الحداد وأهل الصناعة كالتجار والعطار والصيرفي، فمتى كان المرء كذلك فهو ساقط النسب عندهم، وكان الرجل إذا أحسن الى الرجل وأراد مكافأته ينصب على بيته راية بيضاء، وينادي عليها فلان بيض الله وجهه:
رفعت له بيضاء على رأس شاهق ... أعلل ربعي بالثنا من خصاله
له ترفع البيضا ويحدى بذكره ... فتى تنجلي أكدارها من فعاله
تسلسل حرًا بين قوم أعزةٍ ... فعم كريم مع جلالة خاله
وكانوا يعتنون في الفلاحة لا سيما النخيل والزرع كالبر والدخن، وقد جعل الله فيها بركة أعظم منها اليوم.
وقد حدثنا والدنا السعيد قدس الله روحه أنهم أنكروا الساعة لما حدثت حتى أطلق عليها بعضهم أنها صنم.
ولما جاءت لأول مرةٍ إلى القصيم في إمارة حسن بن مهنا يحملها رجل من العقيلات وشى به بعضهم إلى الأمير حسن يقول إن معه صنمًا، فلما ألقى الأمير
стр. 180
القبض عليه وفتشه وجد الساعة لا يعرفونها إلا أنها صنم، وذلك لأنه لا يوجد ساعات في نجد إذ ذاك، وكان لأهل نجد عادات وأخبار عجيبة.
ومن أبلغ مشروباتهم القهوة البن فإنهم يتغالون في تقديمها وعملها، ولهم أشعار رائعة في القهوة لأنهم كانوا يرون فيها رجولةً وتقدمًا، فهي أعظم ما عندهم من الحشمة يقدمونها على اللحم والألبان وسائر المأكولات ويستنشقون رائحتها إذا حمصت أبلغ من استنشاق العود والبخور والطيب والعطر، ولا سيما إذا صبت كنقاعة الحنا، فمن لهم سمرًا بصفتها، ويرون إكرام الضيف وحسن الجوار وتزيج الأكفاء وإن كان المهر قليلًا ولم يفش فيهم الترف والمدنية إنما يخشوشنون في بعض الأحيان تأدبًا مع الشريعة، ولكل زمان دولة ورجال.
وبالجملة فإنا إذا نظرنا إلى حالة الزمانين نجد بونًا بعيدًا كان الدنيا التي نعيش فيها ليست كدنياهم مع قرب الزمن ووحدة الدين والله المستعان وعليه التكلان.
ذكر بلاد العرب وإماراتها
كان على مكة أمراء من الأشراف لأن الإمارة فيهم وراثية وبإزاء كل أمير من أمراء مكة يكون والٍ من قبل الدولة العثمانية يكون على النظام والقوة ويحصل بسبب ذلك منافسات ومشاغبات بين الوالي والأمير لأنها لا تستقيم بلدة فيها سلطتان وحدوث هذه الوظيفة جديد وهي تابعة للدولة العثمانية، وكان الحاكم على نجد على العموم فيصل بن تركي بن عبد الله بن سعود وامتدت فتوحاته إلى عمان، وكان على البصرة وبغداد ولاة من قبل الأتراك، كذلك الشام تحت نفوذ العثمانيين، كما أن البحرين تحت حكم آل خليفة والكويت حكامه آل صباح المشهورون.
أما اليمن فمنه يتنازعه العثمانيون بنفوذ ضعيف وأئمة الزيود وكثر النزاع فيها بين الأتراك وبين أئمة الزيدية إلى إبان العرب العظمى حتى تغلب عليها الإمام يحيى.
فعبارة يقال عن العراق إنه تحت نفوذ الأتراك وحكمهم إلى أن أعلنت الثورة
следующие страницы →