Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
لبيك واحفظ دينك السامي واخزِ الأشقياء
* * *
سبحانك اللهم يا حامي البيت الأمين
يا مسبل الرحمات تغسل من خطايا المذنبين
إياك نعبد مخلصين ولا بغيرك نستعين
لبيك سبحنا بحمدك فاهدنا نهج اليقين
ذكر من توفى فيها من الأعيان
ففيها وفاة الشيخ عثمان بن مضيان، وهذه ترجمته:
هو العاقل البصير العالم المقبل على ربه، المعرض عمن سواه، رجل الخير والدين والصلاح، الموسوم في وسم أهل الحق والنجاح عثمان بن حمد آل مضيان، وله ذوق في العلوم الدينية، وبصيرة نافذة في تمييز الطيب من الخبيث، سكينًا عاقلًا متقشفًا، ضعيف البنية، وقد تعلم وتخرج على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وابن عمه محمد بن عمر بن سليم، وكان إمامًا في القرية الواقعة شرقي بريدة المعروفة بوهطان، ولبث على تلك الصفة دهرًا طويلًا، ثم إنه سكن بريدة وبضاعته العلم.
وقد كان في نشأته كابد محنًا من ولاية آل رشيد وأمرائهم، لأنه كان مواليًا لأهل الدين والعدل، فصبر وما استكان، ثم إن الحكومة جعلته قاضيًا في أبي عريش سنة ١٣٥٣ هـ، فاستمر في قضاء تلك الجهة بسياسة وتسديد مبيضًا وجه صحيفته، وموضع التقدير هناك، ثم إنه طلب من الحكومة إعفاءه من قضاء تلك الجهة بصفة جوها لم يلائم صحته، فعاد إلى وطنه القصيم سنة ١٣٥٨ هـ واستقر في الموضع المسمى السباخ مؤثرًا للراحة، ثم إنه حج سنة ١٣٥٩ هـ، وبعد الحج جعل في وظيفة القضاء في موضع يدعى محائل في عسير، فاستمر في القضاء حتى مات في حال غربته.
стр. 1297
ومما جرى في حال قضاءه في أبي عريش أن بعض الأئمة الذين كانوا في معيته في أبي عريش أنكر على بعض المجامع التي تكون في أوقات الزواج هناك من اختلاط الرجال والنساء، وأزال المنكر بيده، فوافق أن ضرب امرأة بالعصا فقام أقرباؤها وبعثوا بشكاية إلى الحكومة بشأن ذلك الرجل، فبعثت الحكومة هيئة للنظر في هذه المشكلة، وقد أعظم الخصماء الأمر بأن المرأة ألقت جنينها الذي في بطنها، وبعدما وضعت الهيئة سؤالًا وجوابًا وقدمته للمحاكمة أمام القاضي عثمان المذكور أخذ المعاملة فضيلته ومزقها وأجاب الهيئة بأنه إذا كانت الحكومة قد ارتضيت هذا الإمام ووثقت به يسد هذا المقام، فما فائدة الاعتراض عليه، فانحل النزاع وقنعت الهيئة.
وقد أخذ المترجم عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن محمد بن فدا ولازمه، وكنت أظن أنه تولى وظيفة في بلد نفي، وذلك في الفترة التي بين ٣٧ و ٤٥ من الهجرة النبوية.
أما ولادته فإنها حوالي سنة ١٢٩١ هـ فيكون له من العمر خمس وسبعون سنة ﵀ وعفا عنه، ويعد من خيرة أهل زمانه، ورعًا وزهدًا وعفة ودينًا وعلمًا، وكان له أخلاق وحسن معاشرة، وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب، ولا يمل جليسه مجادلته، أضف إلى ذلك تواضعًا وليس عريكة، فالله المستعان.
وممن توفى فيها الشاب الناسك رشيد بن عبد الله الحميضي، كان شابًا نشأ في طاعة الله وقلبه معلق بالمساجد، وما زال يدأب في طلب العلم، وله إكباب على المطالعة في الكتب الدينية ويعتكف العشر الأواخر من رمضان، وله صلاح وعبادة وحظ من قيام الليل وصيام النهار وزهد وزكاة وعفة، وقد سلم المسلمون من شره، وقد قال ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقد مات ولم يتزوج، وكان عمره اذ ذاك إحدى وثلاثون سنة، نسأل الله تعالى أن يزوجه الحور الحسان وأن يجعله من جيرانه في أعالي الجنان، وقد كان فقيرًا محتسبًا متعففًا صابرًا خاشعًا.
стр. 1298
وفيها توفى الأمير شكيب أرسلان المؤرخ صاحب التعليق والحفاوة بتاريخ حاضر العالم الإسلامي، قالت إحدى الألسن:
شاء الله ولا راد لمشيئته أن يخبو نور طالما شع في ميادين الأدب والعلم والتاريخ، فأضاء سبل السالكين، وإن يخفت صوت دوى في منابر الدفاع عن العروبة فأصاخ له العالمان الشرقي والغربي، وأن يكبو سيف طالما نزل كالصاعقة في الذود عن حمى الأمة العربية الإسلامية، وذلك بانتقال صاحب العطوفة أمير البيان شكيب أرسلان إلى الدار الآخرة بعد جهاد ٨٠ عامًا قضى الكثير منها في الكتابة والتأليف والذود عن حمى العروبة، وخدمة قضيتها، فرحمة الله على أموات المسلمين.
وفيها أي سنة ١٣٦٦ هـ وفاة الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن عبد اللطيف رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته:
هو الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن عبد اللطيف عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الرياض ١٢٨٨ هـ، وتربى في بيت والده الشيخ عبد اللطيف، وبعد وفاة والده تولاه أخوه عبد العزيز بن عبد اللطيف، وفي أول سن التميز أدخله مدرسة تحفيظ القرآن المعروفة باسم مدرسة ابن مفيريج، ودرس القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب، ودرس مبادئ العلوم الدينية على أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، ثم إنه أخذ في الدراسة على أخيه الشيخ عبد الله في الكتب المطولة كأعلام الموقعين عن رب العالمين، وإغاثة اللهفان، وأقسام القرآن لابن القيم ﵀، ودرس عليه في الأصل، والفقه وأمر الكتب، ودرس في عمدة الفقه، وتفقه ودرس في الفقه على الشيخ محمد بن محمود، والشيخ عبد الله الخرجي، والشيخ حمد بن فارس، أخذ عن الأخير علم النحو والفقه، وجدّ واجتهد ثم إنه عين قاضيًا في الهجرة المعروفة في السر، وهي بلدة ساجر عند الروقة، ولبث فيها أربع سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، ويشهد معهم عدة غزوات بأمر من ولي الأمر، بحيث لا يمكن أن يغيروا
стр. 1299
على أحد حتى يتحققوا خروجه عن طاعة ولي الأمر فيما يجب عليهم، كمنع زكاة أو نقض، أو اعتداء بغير حق.
ثم إنه وفد على الإمام في الرياض وصادف ذلك مرض أخيه الشيخ عبد الله سنة ١٣٣٩ هـ، فتولى الخطابة عنه، ثم إنه توفى الشيخ عبد الله رحمه الله تعالى، وصدر الأمر بأن يكون خلفًا للشيخ عبد الله في التدريس في بيت الشيخ والخطابة في الجامع مستمر مدة نصف سنة، فألح أهل ساجر على الملك عبد العزيز بإعادته إليهم، فأعاده إليهم واستمر بعد عودته إليهم ثلاث سنوات، وطلب الإقالة من القضاء عندهم، ثم إنه رجع إلى الرياض عام ١٣٤٢ هـ، وعين في أخر السنة المذكورة في عروى لدى سلطان بن حميد.
ولما زحف ابن سعود إلى مكة المكرمة ليثبت جيشه الزاحف إليها، كان الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف من جملة رفقته، ثم إنه أقام بعد ذلك في عروى خمس سنوات قاضيًا ومدرسًا وخطيبًا، حتى جرت واقعة السبلة بحيث لم يشهد أهل عروة واقعة السبلة من أجل أنه قام القيام اللائق به من بيان حقوق ولي أمر المسلمين، فكفهم عن الخروج وكانوا على بصيرة في أمر دينهم، وبعد وفاة سلطان بن حميد بن محمد بن هندي كان الأمير بعده جهجاه بن بجاد أخو سلطان بن بجاد أمير الغطغط، فاقتضت الأمور أن طلب الإقالة من عروى، وكانت السنون الماضية حافلة بأعماله ونصحه لإمام المسلمين وللمسلمين، والجهاد في سبيل الله، وقد شهد عدة مشاهد منها حصار حائل، ومنها حصار جدة، ومنها فتح البلد المعروف بالحجاز باسم بالجرشي، وسبق أن شهد واقعة البكيرية المشهورة، وشهد عدة غزوات.
وأصيب بجراح، وبعد إعفاءه من عروى عين قاضيًا في الخرج وجميع قراه، ومقره في الدلم، وذلك عام ١٣٥٠ هـ، وتخلل بين إعفاءه من عروى وتولية قضاء الخرج فترة استقر فيها في الرياض، وعين إمامًا لمسجد الحلة المعروف في الرياض، ومدرسًا، ثم إنه استمر في قضاء الدلم حتى عام ١٣٥٧ هـ فطلب الإقالة واستقر في الرياض مدرسًا في مسجد الوسيط، وخطيبًا للجامع الكبير، حتى توفاه الله تعالى عن عمر يناهز الثامنة والسبعين.
стр. 1300
وكان ﵀ كريمًا عفيفًا شجاعًا سخيًا، يرق للفقير ولا يصل أحدًا منه أذى، وكل من عرفه يثني عليه ويدعو له ويذكره بخير، فالله المستعان.
وفيها صدرت الإرادة الملكية الكريمة بتعيين الأمير لاي علي بك جميل مديرًا للأمن العام خلفًا للسابق مهدي بك الذي يدعونه بالمصلح، وكان مهدي قد عهد إليه صاحب الجلالة بإدارة الأمن العام، فسهر على صيانته حتى صار مضرب الأمثال وملأ رعبه قلوب المجرمين في المدن والبوادي، وحتى لم تكد تراود المجرمين نفوسهم بالإقدام على أي أمر يخالف الشرع أو يسيء الدولة، ولقد قام بوظيفته تلك بخير قيام، ولما أن كان في ذلك الوقت انحرفت صحته وطلب من صاحب الجلالة الاعتزال عن العمل حسب إرشادات الأطباء، فأمر جلالة الملك باستمرار رواتبه ومخصصاته كما هي، ولقب بوزير دولة إنعامًا عليه بهذه الرتبة، وتقديرًا لأعماله السابقة، وخلفه في هذه السنة علي بك جميل.
وفي هذه الآونة عين جلالة الملك عبد الرؤوف الصبان مديرًا للأوقاف العامة، وأمينًا للعاصمة بدلًا عن الأمين السابق عباس قطان.
ذكر الإصلاحات التى عملتها الحكومة السعودية في تلك الآونة
فمنها تجديد باب الكعبة لما تضعضع، ومنها جعل مضلات للمسجد الحرام تقي عن حر الشمس، ومنها جعل سقف للمسعى جاء على أحسن الطرق الفنية، بحيث أنه يقي عن الشمس ولا يستر ضياء النهار، فما وضع على شكل قط أحسن منه، وقد أنفق لذلك قدر عظيم من النفقة.
ومنها ترصيف درجات باب السلام بدرج حسن مذلل، ومنها ما قامت به من سحب الماء لمدينة جدة، وكل ذلك يعد من حسنات الملك.
وفيها أسست الإذاعة السعودية وركب المكرفون، وكل هذه الأشياء وقعت في هذه السنة.
وفيها عقدت اتفاقية خط الأنابيب عبر البلاد العربية بين الوزير عبد الله بن
стр. 1301
سليمان بن حمدان من جهة الحكومة السعودية وبين المستر وليم ج لنهان المندوب في الشرق الأوسط لشركة خط الأنابيب عبر البلاد العربية السعودية في ولاية ديلادير في الولايات المتحدة الأمريكية، والكائن مكتبها الرئيسي بشارع وست تنث ١٠٠ بمدينة ولنجتون، وقعت في تسع وعشرين مادة، وكانت في جدة، والاتفاقية برمتها نشرتها جريدة أم القري رسميًا رقم ٤٥٨٩/ ٦٩ بتاريخ ٨/ ٢٢/ ١٣٦٦ هـ الموافق ١١ من يوليو ١٩٤٧ م.
وفي هذه السنة عرضت مشكلة فلسطين علي هيئة الأمم، وذلك في جمادي الآخرة ورجب، وتألفت لجنة محايدة لحلها فأوحت بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام: دولة عربية وأخري يهودية تمنحان الاستقلال بعد وصاية مدتها عامان، والثالثة منطقة دولية تشمل القدس والأماكن الدينية القدسة، وفاز قرار التقسيم هذا بأغلبية الأصوات في هيئة الأمم وذلك بتأييد ٣٣ دولة، ومعارضة ١٣ دولة، وامتناع الباقين عن التصويت، وبذلك تقررت الموافقة علي التقسيم بأغلبية ثلثي الأعضاء.
وقد جري على مسلمي أهل الهند أشد العذاب وأفدح الظلم، ودار عليهم دور خطير في تاريخهم وحياتهم، وقتل منهم عشرات الألوف ومئات الألوف، فمنهم أصبحوا لا مأوي لهم، وهم يهاجرون إلى الباكستان، وقد استولى الأعداء علي أموالهم وأراضيهم، ولم يتركوا وسيلة لأذيتهم والبطش بهم والفتك بهم إلا أتوا بها، فلهذا قاموا يصرخون في الجامع العظام لا سيما في الحرم الشريف أمام بيت الله بمناسبة اجتماع المسلمين فيه وقت الموسم، وبالأخص حجاج بيت الله الحرام، وقاموا يعرضون ما يقاسونه علي المسلمين مستمدين منهم الدعاء والنصرة على أعدائهم، مشكلات ومصائب أمامها عقبات صعبة لا يعيدها ويحلها إلا القوة، ولكن أين القوة، أين المكاتفة، أين المعاضدة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونسأله تعالى المعونة والنصرة على كل مكائد.
ثم دخلت سنة ١٣٦٧ ه ـ
استهلت هذه السنة والعمال يكدحون في عملهم العظيم الذي كانوا يديرونه
стр. 1302
في بذل الجهود لسحب الماء من عيون وادي فاطمة إلى جدة، وذلك أن صاحب الجلالة السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن لما رأي ما يكابده أهل جدة ووفود بيت الله الحرام من قلة الماء العذب الذي لا يتحصل إلا من الكنداسة، وهي الآلة الفنية الحديثة فيما يستقطر من قصبها المصفية للماء العذب من مياه البحر المالحة، أو ما يستنقع ويجتمع من مياه الأمطار في الصهاريج، فكانت جدة محرومة من ماء معين يشرب منه سكانها، فعاشت هذه المدينة تلك السنوات كلها تقاسي آلام الحرمان من مادة الحياة التي لا حياة للناس بأمر الله إلا بها، ولا استقرار لهم إلا بتوفيرها ووجودها، فقد صدرت أوامر صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بأن يشتري المقادير الكافية لشرب مدينة جدة من عيون وادي فاطمة، وأن يسحب هذا الماء منه علي بعد خمسة وستين كيلو متر من تلك المسافة إلى داخل جدة ليستقي منه سكان البلاد والحجاج والزوار كل ذلك علي حسابه وعلى نفقته الخاصة.
وإن هذا لشيء عجاب ومزية خصه الله بها، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، فسبحان من منحه هذا التوفيق، وقد تولي ذلك الأمر الوزير المسدد عبد الله بن سليمان تنفيذًا لرغبة صاحب الجلالة بما لديه من نشاط وهمة بكل ما تدعو إليه من جهود.
ولما كان في يوم الثلاثاء خامس محرم من هذه السنة وصل الماء إلى مدينة جدة وقد احتفل به الأهالي والمجاورون، وحصل لهم فرحة كبري لنجاح هذا المشروع الخيري تحت رعاية صاحب السمو الملكي ولي العهد سعود، وقام أهل جدة يهتزون طربًا في محفل عظيم حضر فيه الأعيان وتباري الشعراء والخطباء بما يضيق عنه الموسع، وسجلوها وثيقة تاريخية ودعوا لصاحب الجلالة أن يطيل الله عمره وأن يجزل له الثواب الأوفى والجزاء الحسن، وأن يتولى مكافئته عن المسلمين بالجنة أمين الله أمين.
وكان المحفل والمهرجان العظيم له ضجة في الشوارع والأزقة والممرات في جدة وشقوا جيوبهم يدعون من صميم الأفئدة بالأدعية المتوالية لجلالة الملك ولولي
стр. 1303
عهده والأسرة السعودية المالكة، وأنهم لا يسطيعون مقابلة هذه المنة العظيمة من جلالته إلا بالدعاء والتضرع إلى الله ، وأن يتولى مكافأته، ثم إنه رفع كبراء الحجاز برقية لجلالة الملك المعظم في الرياض يشكرون له هذا الصنيع ويدعون له، وقد وقع عليها من الأعيان والضباط والوزراء والقواد والكبراء ما يزيد عددهم عن مائتين، وكان بعض منابيع تلك المياه المسحوبة ما يبعد عن جدة ثمانين كيلو، وبلغ الماء غاية في الرخص بحيث كانت الزفة بقرشين دارجين، وقد بلغ مجموع المصاريف لهذا المشروع ستة ملايين ريال عربي، وبهذا يكثر عمران جدة وتقبل الأمة إلى سكناها.
ذكر مشكلة فلسطين
هذه المشكلة أعجزت الجامعة العربية، وإن الذي زادها ارتباكًا هو أن فلسطين جزء من المملكة العثمانية، وعندما انتزع الإنكليز في ١٣٣٦ هـ الشام من الأتراك كانوا قد سبق أن وعدوا العرب بتكوين دولة عربية تضم الأجزاء العربية الحاضعة لتركيا، وفي الوقت ذاته وعد بلفور وزير خارجية إنكلترا اليهود بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، فكان هذا الوعد أساسًا لمشكلة فلسطين القائمة إلى اليوم، فبعد انتداب بريطانيا لإدارة فلسطين عمل الإنكليز علي تهويدها، وسلكوا لذلك طريقتين: تشجيع هجرة اليهود من جميع أنحاء العالم إليها، وتشجيع انتقال الأراضي من يد العرب أصحابها الأصليين إلى أيدي اليهود، فانفجرت عرب فلسطين في ثورة قوية ضد الإنكليز والصهيونية من ١٣٣٨ هـ، وجعلوا أهدافهم ثلاثة أمور هي: أولًا إلغاء وعد بلفور، وثانيًا رفض الانتداب البريطاني، وثالثًا استقلال فلسطين، ثم إنها ظلت الثورات تتابع، وأخطرها الثورة التي استمرت ثلاث سنوات قبل الحرب العالمية الثانية.
وقد أشرنا إلى أن بريطانيا سكنت الثورة هذه ومنت العرب، وخدرت أغصابهم، ولما سكنت الحرب هذه أصبح للعرب شأن مرتفع واستقل كثير من
стр. 1304
دولهم، غير أنهم غلبوا علي أمرهم في فلسطين، وما زال صاحب الجلالة الملك عبد العزيز يدأب في نصرة أهالي فلسطين، تارةً يخاطب رئيس الولايات المتحدة روزفلت، ورئيس الوزارة البريطانية تشرشل، وتارة يبعث الرسائل إلى أمريكا وبريطانيا يناشدهم بحقوق العرب ويكرر ذكر أعمال اليهود المعتدين بالقوة والجبروت والطغيان، وآخر ذلك بعثت الدولتان إليه وفدًا لجنته مؤلفة من الرئيس السير جون سنجلتون، وعضوين هما أين ميجر مانتجهام بولور والمستر باكستون، ولما وصلت اللجنة إلى الرياض وحصلت المقابلة، قدم الملك عبد العزيز إليها مذكرة أعربت عن قضية فلسطين الحاضر، وكيف أبدي لرؤساء أمريكا وبريطانيا ضرورة حلها، ثم باح بما لديه من الاستنكار لهجرة اليهود إلى فلسطين.
فيا للعدالة النكراء، ان الأراضي الواسعة الخالية في الكرة الأرضية مثل استراليا، ونيوزلندا، والأمريكيتين وغيرها من المستعمرات والممتلكات التي يمكنها أن تؤوي وتسع أضعاف أضعاف مقدار يهود العالم، ولكن لكون مالكي هذه الأراضي أقوياء ويسندهم حق القوة لا يكلفون بإيوائهم ولا يلامون إذا كلفوا علي رفضهم لمثل هذا الطلب الأماني الذي يعد فضيلة ووطنية، ثم انه أدلي بصفته صديقًا لبريطانيا وصديقًا لأمريكا بأن لا يحرجوا مقامه على أن يكون عدوًا لهما، وحقق الطلب وأطال جدًا بينه وبين اللجنة سؤال وجواب، وذكر خطته في الحرب العالمية وأنه أيد سياسة بريطانيا وسياسة حلفائها، وأنه منذ أوجده الله وقام يسعي لاستعادة ملك آبائه وأجداده، كان صديقًا لبربطانيا وقد رأي منها ما سره، ورأت منه ما سرها، ثم عرض في كلامه بان الوزير البريطاني المفوض بجدة زاره بعد انتهاء الحرب بمدة وجيزة وقال له: إن حكومة بريطانيا ترى أن حركات اليهود الحاضرة ربما أن تكون من حظ العرب لأنه كلما ازدادت حركاتهم انكشفت نياتهم ورجاه أن يبذل جهده لدي العرب لالتزام الهدوء، وأقنعه بأن هذا هو خير لمصلحتهم، فلم يدخر ابن سعود وسعًا في هذا السبيل إلى أن وصلت الحال إلى الموقف الذي كانت المشاكل فيه ثم قال:
стр. 1305
لقد وقعت الآن في مشكل خطير أمام شعبي وجماعتي وأمام العرب والمسلمين، فإذا كانت بريطانيا تريد أن تعدل عن الحق الواضح وأن تذهب مواعيدها أدراج الرياح، فليس أمامي إلا أن أقول للمسلمين دونكم ونفسي اقتلوني أو أنزلوني عن الملك لأني مستحق لذلك، وأنا الذي جنيت عليكم وثبطت عزمكم.
وأطال بذلك جهودًا جبارة، ورد علي جميع أسئلتهم، ودحض حججهم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين والعرب جميعًا خيرًا.
ذكر صيحة العرب وارتجاف الشرق الأوسط لأهل فلسطين
لما كان في يوم الأحد ١٧ محرم ١٣٦٧ هـ الموافق ٢٦ نوفمبر ١٩٤٧ م أذاعت المحطات اللاسلكية قرار هيئة الأمم المتحدة مشروع تقسيم فلسطين فأعلن ممثلوا الدول العربية على منبر الجلسة سخطهم على القرار واحتفاظهم يحقهم ومضيهم في خطتهم واحتجاجهم علي أنواع الأغراء المختلفة للحصول علي تلك الأغلبية، وصرح رئيس وفد المملكة العربية السعودية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل إمام الأمة بأن قرار الأغلبية بدد جميع آمال العرب فيها، وأن بلاده غير ملزمة به، ثم قال:
هناك أمر واحد لا سبيل إلى فهمه أو تسويغه ذلك هو تدخل حكومة الولايات المتحدة في مسألة فلسطين وتأييدها الصهيونيين، كما أنه لا يمكن فهم الصمت الذي تلوذ به إزاء اعتداء الصهيونيين وأساليبهم الإرهابية، فإذا كانت البواعيث الإنسانية هي التي تدفع الولايات المتحدة إلى هذه السياسة فلم لا تفتح أبوابها للاجئين البؤساء وهي أغني وأوسع رحابًا من فلسطين التي اكتظت وابتليت بأولئك المعتدين الغرباء، وماذا سيكون موقف حكومة الولايات المتحدة وشعبها إذا جاء برلمان إحدى الدول الأجنية وأقر قانونًا بفتح الأبواب أمام الهجرة اليهودية اللاجئين منهم وغير اللاجئين، لا لشيء إلا لأن الولايات المتحدة رحبة في إمكانها أن تستوعب الملايين، ألا تنهض الحكومة الأمريكية والشعب الأمريكي في هذه
стр. 1306
الحالة، وينددان بمثل هذا التدخل، وما خطب ميثاق الأطلنطي وميثاق هيئة الأمم المتحدة أن المداد الذي كتبت به هذه المواد لم يجف بعد.
إننا نرى مندوب الولايات المتحدة يحاول إثارة العالم كله من أجل المسألة اليونانية، فما ظنه بفلسطين هل نسي مبادئ الميثاق أم أنه ينكر تلك المبادئ، إني لأعجب لشعب يمنع الهجرة إلى بلده ولكنه يفرضها علي بلد غيره، وقد جاء نبأ هذه الخطة من ليك سكينيس وعارض ذلك التقسيم مندوبوا العرب منكرين، وأنهم سيقومون بواجب الدفاع عن فلسطين من براثن اليهود، تالله ما كانت فلسطين باللقمة السائغة في حلوق الآكلين، إنها حسك وقتاد ونار مصهورة تهري الأفواه وتقطع الأمعاء، أتحسب اليهود واليونان ومن يشابههم ويساعدهم ويعاضدهم إنها في مقام هوان، وإنه ليس في الحياض من يذود عنها ولا في الحمي من هو في ثغرة المرمي، إن زحزحة الجبال الراسيات لأهون من زحزحة العرب عن موقفهم الرائع الذي اتخذوه لأنفسهم منذ أن دخل النزاع في طوره الأخير، حتى أوشك أن يكون صراعًا.
إن فلسطين العزيزة تغلي غليان المرجل لأن النيران تحتوشها من كل جانب، فلا تدعوها أيها العرب تحترق.
يا للعدالة النكراء فلسطين العربية منذ عشرات القرون تقطع أوصالها ويمزق أديمها ويشتت أهلها إرضاء لشذاذ آفاق وحثالات أمم، ومحترفي إجرام، اللهم إن هذا بهتان عظيم، هل أفلس المنطق إلى حد الثرثرة والإبهات، هل مسحت الحقائق إلى حد الخيلات، أين شجاعة العرب المعهودة، تالله إن العرب ليسوا بالجبناء، فكيف وهم على ما هم عليه من الوحدة العربية.
ولما جرى قرار التقسيم تكلم مندوب سوريا بأن سيقوم من سوريا مائة وخمسون ألفًا من الرجال، ثم تكلم مندوب اليمن بأن سيقوم من اليمن مائة ألف مقاتل، وتكلم مندوب لبنان بأن سيقوم من لبنان تسعة آلاف مقاتل، ثم سافر أولئك المنتدبون إلى القاهرة لتأسيس الحرب وللمراودة في أعمال الحرب، غير أن فيصلًا تأخر في أمريكا، وقد عزم ملوك العرب على أن يأخذوا بالحزم،
стр. 1307
فذكروا أنه سينوب عن الأمير فيصل في التمثيل يوسف ياسين، وسيعقد مجلس بعد الظهر من يوم الثلاثاء ٢٦/ ١.
وباشر الزحف متطوعو لبنان على الحدود الفلسطينية حيث رابطوا هناك بقيادة فوزي القاووجي، وقد قابل الحاج أمين الحسيني القائد المغربي المعروف طارق الإفريقي في لبنان وعرض نفسه للتطوع كما تقدم عدد كبير من أهل برقة وطرابلس يريدون الدفاع عن فلسطين، وقد قرعت الطبول في العراق وسوريا ولبنان وقراها استنفارًا للحرب، فتهافت المتطوعة علي مكاتب التجنيد من كل حدب وصوب، وبلغ عدد المتطوعين من رجال العشائر في العراق ما يزيد على المليونين، هذا ولا تزال الاضطرابات مستمرة في فلسطين، وقد امتدت النيران على مسافة بالغة من تل أبيب إلى يافا ليلة ٢٤ محرم، ولم يستطع رجال المطافئ إخمادها بسبب طلقات الرصاص المصوبة من الجانبين، وقد أجريت مظاهرات عامة في القاهرة وذلك في الاجتماع الخطير الذي أقيم في الأزهر عقب صلاة الجمعة، وتعاقب فيه الخطباء وكان أبرزهم فضيلة الشيخ حسن البنا المرشد العام لجمعية الأخوان المسلمين، واللواء صالح باشا رئيس جميعة الشبان المسلمين، ولما كان من الغد قام مائة ألف من أهل مصر معه ألوية وطبول يصرخون بعالي أصواتهم التي ملأت الفضاء يقولون لتسقط أمريكا، لتسقط روسيا، وزحفوا مستعدين للسفر حالًا إلى فلسطين للانضمام إلى إخوانهم العرب هناك.
ذكر سطوة العاهل الضرغام والضيغم المقدام ملك المملكة
العربية السعودية عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود
لما قام العرب يرغون ويزيدون حميةً لأهل فلسطين كانوا في مراقبة شديدة لسطوة هذا الأسد في غابه، وهل يقوم بالمناصرة التي يقتضيها مقامه الأسني لما توجبه الوحدة العربية، أو يكون عنده سياسة لم تحط بها آراؤهم، وبينما تظهر البلاد
стр. 1308
بكامل سخطها علي قرار التقسيم الجائر وقيامها قومة رجل واحد للدفاع عن فلسطين، فترى الجزيرة العربية تتحضر للوثوب لنصرة عرب فلسطين، إذ بليثها الغضنفر الذي عوَّد الناس أن يسبق لهم بالقول والفعل، فيثب وثبة الأسد للدفاع عن عرينه، فأصدر تعليمات إلى الأمير فيصل نجله وسائر أنجاله كغادرة نيويورك خلافًا للترتيب الذي كان مقررًا للأمير فيصل في زيارة واشنطن، ثم إنه استدعا جلالته وزير أمريكا المفوض في جدة إلى الرياض على عجل وأفضى إليه ببعض تصريحات عاد على أثرها إلى جدة، ثم إنه رفع مجلس الشوري في المملكة العربية السعودية لجلالته هذه الرقعة:
حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المفدي أمده الله بنصره:
قيامًا بواجب التضحية في سبيل الله ومشاطرة للشعور العام الذي تبديه كافة الشعوب والأقطار العربية، واقتداء بسيرة جلالتكم الرائعة في البطولة، والإقدام واستنكارًا لما يذيعه المغرضون وذوو الأهواء، والذين في قلوبهم مرض من جهة ما يبيت لمصير فلسطين الشقيقة، وتفاديًا من الأخطار التي تحيق بالشرق العربي فيها لو فتحت أبوابها لشذاذ الآفاق ومتشردي اليهود لا نري بدًا من أن نتقدم إلى جلالتكم بطلب الترخيص بالإسراع إلى نجدة ثاني القبلتين وثالث الحرمين، وأن مجلس الشوري ليبادر بهذا الالتماس إباءً للضيم، ورغبةً في الكفاح، وطلبًا لإحدي الحسنيين، وشعاره الذي يتمسك به مع كل من تظله راياتكم المظفرة ولوائكم الخفاق، "مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين"، ومهما كانت الظروف والأحوال فإننا وكافة أفراد الشعب رهن إشارة جلالتكم، وإننا لنضرع إلى الله أمام بيته الحرام أن يأخذ بيدكم إلى ما فيه إنقاذ الأراضي المقدسة وطمأنينة العرب، وعز المسلمين، والأمر لله ثم لجلالتكم فيما ترونه في ذلك، أدام الله توفيقكم، مولاي.
عن مجلس الشورى - صالح شطا
стр. 1309
الجواب الملكي:
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى جناب المكرم السيد صالح شطا وإخوانه أعضاء مجلس الشوري حفظكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد تلقينا كتابكم المؤرخ في ٢٥/ ١٢/ ١٣٦٦ هـ والمتضمن قرار مجلس الشوري بشأن قضية فلسطين، فنحن نشكركم على ذلك ونقدر غيرتكم ومساعيكم الطيبة، ونحن كما تعهدون لم ندخر جهدًا في هذا السبيل، نسأل الله أن يقدر ما فيه الخير والسلام.
عبد العزيز
ولقد هاج الشعب وماج وقصد نوابه أعضاء مجلس الشورى القصر الملكي في مكة، حيث قابلوا صاحب السمو الملكي ولي العهد سعود وعرضوا استعداد الأمة لبذل النفس والنفيس تحت اللواء السعودي لإنقاذ فلسطين، فألقي سعود هذه الكلمة:
إننا مهتمون بقضية فلسطين أكثر من كل أحد، ونحن جادون في إنقاذها بحكمة بالغة، وهمة نادرة، وقد تعودنا العمل بصمت، وأن تكون أعمالنا أكثر من أقوالنا، كما تشهد بذلك سيرتنا متاسين في هذه الخطبة بالسلف الصالح، وبمقتضي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]، وأؤكد لكم أننا لا نود أن نكلف أحدًا من سكان هذه البلاد المقدسة بشيء، واننا مستعدون لإنقاذ فلسطين بأموالنا وأنفسنا متكلين علي الله الذي نستمد العون منه وحده.
الجهاد بالنفس والمال لإنقاذ فلسطين
لقد عقد مجلس في دار الوزير عبد الله بن سليمان مساء يوم السبت ٢٣ محرم، دير إليه الوجهاء والأعيان من الحجاز بعد صلاة المغرب، فخطب الوزير بتوفيق ولي العهد، وأنه لم يكلف الناس خصوصًا البلاد المقدسة، ثم شرع في الموضوع نفسه مشنعًا علي اليهود، وأنهم لا يريدون فلسطين وحدها وإنما يريدون البلاد
стр. 1310
العربية جميعها، وذكر أنهم يرمون يخطوتهم هذه إلى المواطن التي نزحوا اليها قبل الإسلام للتوطن، ثم أخرجهم الرسول الأعظم ﷺ ، حتى جاء عمر فلم يبقِ منهم أحدً، إنهم يريدون إخراج العرب من مواطنهم، وسيضحون في سبيل ذلك.
ثم تكلم بعده بعض الخطباء، ثم إنه وقف محمد شطا مدير الإذاعة السعودية التي تأسست في السنة التي قبل هذه فخطب خطبةً بليغة استجاش بها الهمم، وأثار الحمية حتى سكبت الدموع من المحاجر، وباحت بما تكنه الضمائر فقال:
لقد جاءكم خبر فلسطين، لقد أتاكم نبأ ذلك الوطن الحزين، وقد زحف اليهود عليه من الأرض والسماء وساموا أهله أنواع البغي والاعتداء، ذلك الوطن الجريح وفلسطين الدامية التي صدر عليها بالأمس حكم الفئة الباغية بأن يقطعوا أوصالها ويفرقوا أجزاءها، ويمنحوا اليهود منها المروج الخضراء والجنان الفيحاء، ويتركوا للعرب القفار الصماء والجبال الجرداء، ناصروا أذل الأمم وأحط الشعوب، وأقاموا لليهود دولة، وقد ضرب الله عليهم المسكنة والذلة فامتهنوا العرب في ديارهم، والمسلمين في أرضهم وأوطانهم، فواذلاه يا أبناء العرب، واذلاه يا فوارس محمد بن عبد الله، واذلاه يا حماة الدين، واذلاه يا أنصار العروبة وقادة المسلمين.
هذه صرخات فلسطين، وهذه أنات العرب المفجوعين فجعوا في أوطانهم، وفجعوا في دينهم وإيمانهم، فجعوا في نساءهم وأعراضهم.
وإني لكأني أنظر الساعة إلى المرأة العربية وقد سقط أبناؤها مضرجين بدمائهم في سبيل الشرف، يحاول اليهود الفتك بعرضها فتناضل وتدافع وتجاهد وتكافح ثم تسقط صريعة الشرف شهيدة الكرامة.
وإني لكأني أنظر الساعة إلى القوافل من العوائل العربية يسوقها العلوج والأولاد يخرجونهم من ديارهم وأراضيهم ليحتلوها ويطردونهم من مواطن آبائهم وأجدادهم، ليغتصبوها وليسلبوهم مواريث أمجادهم ليمتهنوها، فيا لهول الفاجعة، ويا لفداحة النكبة، ويالعظم المصيبة، وأطال ثم إنه جعل يصرخ ويصيح فيقول:
ابن الشهامة العربية، أين النجدة الإسلامية، أين الغيرة والحمية، حتى أبكى
стр. 1311
السامعين واستجاش الحاضرين، فتأثروا من كلامه، ثم إنه قام شاعر جلالة الملك وعضو مجلس الشعب الأستاذ أحمد بن إبراهيم الغزاوي فألقي قصيدة مهيجة، وكان هو الذي أخذه أول الموقف فأعلن تبرعه بألفي ريال، ثم إنه قام حسن شربتلي فأعلن تبرعه بمائتي ألف ريال باسمه، وخمسة وعشرين ألف ريال باسم عائلته، وأعلن صدقه الكعكي تبرعه بمائتين وخمسين ألفًا من الفضة، وتألفت لجان في الرياض والإحساء وغيرها، فبلغت التبرعات في أول وهلة مليونين وثلاثمائة ألف وواحد وتسعين ألفًا تزيد مئات، حتى تبرع النساء بحليهن، وهكذا اندفعت التبرعات سيلًا، وأسرعت اللجنة العليا بتحويل أول دفعة إلى مجلس جامعة الدول العربية، وذلك في أوائل ربيع الأول من هذه السنة، ودفعت اللجنة أخرى في أواخر جمادى الأولى.
ولقد نشرت جرائد البلاد العربية وصحفها فظائع اليهود، وخرجوا عليهم وأعلنوا طردهم، وأصدرت رئاسة القضاء في المملكة العربية السعودية فتوي شرعية بتاريخ ٢٧ محرم بوجوب الجهاد علي جميع المسلمين ضد اليهود المعتدين.
وكثرت التبرعات بالسيارات والأرزاق، وأخذ المتطوعون من كافة أنحاء المملكة والممالك العربية الأخرى يسارعون للسفر إلى فلسطين، وقد ذهب أولئك الجاهدون الأبطال وانضموا إلى فرقة اليرموك فكونوا الأغلبية الساحقة فيها بنسبة ٨٠ في المائة، وقامت هذه الفرقة بواجبها الديني ببطولة فائقة أقضت مضجع اليهود وأفسدت خططهم، حتى تمركزوا في أهم المراكز المنيعة وسيطروا علي أغلب المواقع الإستراتيجية بمهارة وشجاعة نادرة.
ولما كان في ٦ رجب صدر بلاغ في مكة المكرمة رسمي رقم ١٢٠ ينص على تأييد جلالة الملك التام لجميع ما اتخذ من قرارات للدفاع عن فلسطين متضامنًا والاحتفاظ بعروبتها ووحدتها واستقلالها، وإقرار الأمن والسلام في ربوعها، وإن جلالته قرر اشتراك المملكة العربية السعودية مع شقيقاتها في الدفاع عسكريًا عن فلسطين متضامنًا مع الدول العربية إلى أن تظفر فلسطين بحقها وعروبتها بحول الله مهما طال الأمل.
стр. 1312
وكانت بريطانيا قد أعلنت في ٥ رجب أنها ستنسحب من فلسطين فنشطت المنظمات اليهودية في فلسطين، ولما أن قال الخطيب الأول في مجلس العموم البريطاني أنه لا يمكن أن نعرض أبناءنا للاغتيال والقتل على حساب الغير انتقد حكومة العمال، واستفسر عن سبب بقاء الجنود الإنكليز في فلسطين، وطالب بسحب الجنود البريطانيين حالًا عن فلسطين، فانتهى الانتداب البريطاني على فلسطين وانسحب الجيش البريطاني منها في يوم السبت ٧ رجب، ولما أعلنت بريطانيا انتهاء انتدابها على فلسطين أعلن اليهود من تل أبيب قيام دولتهم إسرائيل، ومن العجائب مبادرة أمريكا بالاعتراف بها فإنه لم يمضِ على إعلان اليهود بقيام دولة إسرائيل ست عشرة دقيقة حتى اعترفت بها.
ولقد تعصب رئيس أمريكا ترومان اليهودي لليهود ولم يرع للعرب حقًا.
ولما تدفقت الجيوش العربية على فلسطين اشترط صاحب الجلالة عبد العزيز ابن السعود ملك المملكة العربية السعودية أن لا يحارب جيشه إلا إلى جانب مصر وعن طريق مصر لا عن طريق شرق الأردن، وذلك لتوتر العلاقات بينه وبين الشريف عبد الله بن الحسن، فأرسلت بعض وحدات الجيش النظامي من المملكة العربية السعودية بمعداتها الخفيفة بالطائرات بقيادة العقيد سعيد بك الكردي، ووكيل القائد عبد الله بن نامي، مع هيئة أركان الحرب إلى مصر، ولحقت بها السرايا الثقيلة بالبواخر إلى ميناء السويس، وساهمت بألف طن من المحروقات، ثم تحرك الجميع مع الجيش المصري إلى ميدان القتال في فلسطين، وهناك أطبقت جيوش الدول العربية باليهود وأحاطوا بهم من كل جانب، حتى أشرفوا على مدينة تل أبيب، وتقدمت فرق المتطوعين وأبلوا بلًاء حسنًا، واستشهد في ميدان الشرف كثير من زهرة رجال العرب، وفي مقدمتهم القائد العظيم عبد القادر الحسيني، وبالرغم من ذلك فإن العرب أشرفوا في الجبهة الداخلية على القدس، واحتل بعضهم طولكرم قريبًا من الساحل، وأصبحت نهاية اليهود وشيكة، فقامت أمريكا وحملت مجلس الأمن على إصدار قرار بوقف القتال لمدة شهر، وقرر أنصار اليهود انتداب
стр. 1313
لجنة للوساطة بين الطرفين برئاسة الكونت برنادوت، فقام بمهمته وطار إلى مصر وبيروت وبغداد وعمان وتل أبيب وحيفا، واقترح عقد هدنة، كما مرَّ ابتداءً من ٤ شعبان ١٣٦٧ هـ، على أن تظل فلسطين على وضعها الحالي حتى يتم وضع حل نهائي لمشكلتها، وفي خلال هذا الشهر تسلح اليهود بالعتاد الحربي الحديث، بينما العرب ينتظرون حلًا لهذه المشكلة، وكان العرب لم يغفلوا هذه الخيانة بل تشاوروا عند وقف القتال في الأمر، وأظهر الملك عبد الله رغبته في قبول الهدنة، وإن قائد جيشه مضطر إلى قبولها، فرأت الدول العربية أن الانشقاق ليس من مصلحة العرب، وجرى ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
ذكر زيارة الملك عبد الله للمملكة العربية السعودية
لما عقدت الهدنة سعى ملك مصر فاروق الأول لإزالة ما بين الملكين من جفاء دفين، وعمل لأن يمهد السبل لزيارة الملك عبد الله لصاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وعرض على الملك عبد الله أن يتناسى الأمر الذي جري ويؤمن بأن إرادة الله لا تغالب، وأن المصلحة أن يضع يده إلى يد جلالة الملك عبد العزيز للعمل لخير العرب وتمام وحدتهم، فبادر جلالة الملك عبد العزيز بإيفاد فؤاد حمزة إلى شرق الأردن لتقديم دعوة رسمية للملك عبد الله من قبل عاهل الجزيرة العربية، فقبلها وتحدد لتلك الزيارة يوم معين، ووضعت الحكومة لذلك برنامجًا حافلًا، ولبست الرياض ثوبًا فاخرًا من الزينات، واستعدت الحكومة باستقبال رائع فيه أبهة وفخامة، ثم أمر صاحب الجلالة عبد العزيز بإرسال طائرتين من الطائرات الملكية الخاصة في صباح يوم الخميس ١٧ شعبان إلى المفرق في شرق الأردن لنقل جلالة الملك عبد الله من عاصمة ملكه إلى مطار الظهران، ولما كان قبيل ظهر يوم السبت ١٩ شعبان هبط الضيف في مطار الظهران واستقبل هناك، وأمضى بقية يومه فيه، حيث أقام لجلالته صاحب السمو أمير المقاطعة الشرقية سعود بن جلوي مأدبة، وفي مساء الأحد ٢٠ من الشهر المذكور سافر إلى الرياض فأطلقت المدفعية ٢١
стр. 1314
مدفعًا تحية، واستقبل استقبالًا يليق بأكبر الملوك، وأقيم مأدبة عشاء كبري تكريمًا للضيف الكريم، وأعد له قصر خاص.
وقد تبادل الملكان أرق العبارات وأجمل العواطف، وكل واحد صرح للآخر أنها فرصة جاد بها الدهر، وأتسم له ابن سعود أنه ما مرَّ على الرياض وعلى آل سعود ليلة أعظم من هذه الليلة، وأكد أنه صادق، وأظهر الملك عبد الله سروره الكامل بهذا الاجتماع وشدة اغتباطه بزيارة أخيه.
ثم إنه ذهب إليه الملك عبد العزيز في قصره صباح الاثنين ٢١ شعبان واختليا ودرسا ما يهم العرب من الشؤون، وأصدر الملكان بيانًا رسميًا بتوقيعهما أنهما متفقان بصورة خاصة في أفكارهم وآراءهم وأهدافهم، ورجا العرب من هذا الاتفاق كل خير، ويأملون من ورائه كل معاضدة وسرور إذ هي فرصة سانحة، وظل الملك عبد الله مقيمًا في ضيافة ابن سعود حتى صبيحة يوم الأربعاء ٢٣ شعبان، ثم إنه رجع على الطائرات السعودية إلى العراق بغداد مودعًا بكل حفاوة، وقدم له جلالة الملك عبد العزيز هدية مكونة من اثني عشر رأسًا من الخيل الأصائل، وأربع سيارات فخمة من ماركات متنوعة.
ولقد كانت آخرة عبد الله بن الحسين سيئة، وجرى منه غير ما يتوقع.
رجعنا إلى ما نحن بصدده فنقول:
لما مضى شهر من وقف القتال استؤنف القتال في غرة رمضان، وقد رجحت كفة اليهود في الطيران والمدرعات والمدافع، وهكذا تريد أمريكا في هذه الهدنة، ولقد صرح بذلك وسيط هيئة الأمم المتحدة الكونت برنادوت حيث قال في مجلس الأمن:
إن العرب لم يستفيدوا من الهدنة التي دامت أربعة أسابيع، بينما استفاد اليهود منها لتحسين مركزهم الدفاعي، فقد قاموا بتهريب بعض الأسلحة وإدخال ٢٧ ألف مهاجر يهودي ممن هم في سن الجندية.
ولما أن عادت الحرب ثانيًا بين اليهود والعرب صار لليهود طائرات يوجهونها إلى مصر وسوريا ولبنان، ويعملون على تقتيل العرب وإقصائهم من أماكنهم،
стр. 1315
وتركهم مشردين في الآفاق محاولين بذلك التأثير على الدول العربية وإرغامها على الاعزاف بها، غير أن الدولة العربية لم تعبا بكل ذلك، بل استمرت في تقدمها، مما حمل هيئة الأمم على أن تطلب بشدة من العرب إيقاف الحرب والدخول في مفاوضة مع دولة إسرائيل التي اعترفوا بها، واختيار مكانًا للمفاوضة من جديد في سبيل حل مشكلة فلسطين حلًا سلميًا:
أولًا: قرار هدنة دائمة بين الطرفين وإلا فإن الدول سوف تحرم تصدير السلاح إلى الدول العربية بتاتًا.
ولما أن فرضت هذه الهدنة الثانية لم يحترمها اليهود واغتالوا الوسيط الدولي الكونت برنادوت، وزحفوا صوب غزة فعزلوا قوة مصرية في الفلوجة، وجرى ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ذكر قتل الإمام يحيى
لما كان في آخر ربيع الأول من هذه السنة فشى بين الناس موت الإمام يحيى موتًا طبيعيًا وذلك يوم السبت ٢٨ منه، وكان ذلك كذبًا، والذي حمل القائلين هو أن من عادته استعراض الجيش بعد الصلاة، ولما لم يجرِ في هذه المرة استعراض أشيع بموته، فلما فشى الخبر علم به يحيى وبحث عن شأن ذلك، فأخبر بصريح الأمر ما كانت الحكومة الجديدة تبيته لليمن، فخاف عبد الله بن الوزير الذي كان قد عزم على تتويجه بعد الإمام يحيى، وخاف أتباعه وذووه، فقدر أن الإمام استقل سيارته الخاصة وبرفقته رئيس وزرائه عبد الله العمري وثلاثة من حفدته لابنه الحسن وحفيد لابنه المحسن، ومعهم جندي ومرافق، وسائق السيارة، يقصد الإشراف على مزارعه التي تبعد عشرين ميلًا جنوبي صنعاء، فطلب الأخوة الثلاثة أبناء الأمير حسن من جدهم النزول إلى الأرض لانتظاره في موضع يدعي الوادي، يبعد على قدر من عشرة أميال منها، فنزلوا واستمر الإمام ذاهبًا إلى مزارعه ليعود اليهم بعد ساعة، ولكنها انقضت ثلاث
стр. 1316
ساعات دون أن يعود، وهنا مرَّ بهم أحد الرعاة فأخبر الأكبر منهم أنه رأى الإمام مقتولًا هو ورئيس وزرائه وحفيده الذي معه ومرافقه وسائق السيارة على بعد سبعة عشر ميلًا من صنعاء، فأسرعوا بإرسال النبأ بذلك إلى صنعاء، واستقلوا سيارة أخرى من سيارات الإمام إلى مكان الحادث، وهناك وجدوا سيارة الإمام مصابة بأكثر من مائة طلقة، وزجاج السيارة محطمًا من جميع الجهات، ووجدا أن الطلقات صوبت على السيارة من أمامها، ورأوا يحيى مصابًا بأكثر من خمسين رصاصة، وقد انكفأ على وجهه وسقط فوق جثته حفيده، كما رأوا رئيس الوزراء مشوه الوجه مقتولًا بفعل الرصاص، وكذلك شاهدوا المرافق وسائق السيارة مقتولين، وكان عدد كبير من رجال القبائل قد التف حول السيارة، وقد قدموا على صوت طلقات الرصاص.
وقال بعضهم إنه شاهد سيارة تعدو مسرعة بعد سماعه أصوات الطلقات، ويرجح أن القتل حدث بواسطة مدفع رشاش سريع كان في السيارة، وكان ذلك الاغتيال في ٧ ربيع الثاني الموافق ١٧ فبراير، ولم يكد الخبر يصل إلى صنعاء حتى ماج الناس وعمَّ الاضطراب، وقام الجماهير وفكروا سريعًا في الهجوم على قصر السعادة الذي فيه مستودع النقود ومقر العائلة الحاكمة، وسارع سيوف الإسلام الأمراء محسن والحسين ويحيى إلى القصر وهو مقر خزانة أموال الإمام، وهنا كان مدير الأمن العام وهو ضابط عراقي يدعي جمال بك جميل، وقد جمع جنوده وسار بهم إلى القصر لحفظه عن هجوم الجماهير، فما كان من أبناء الإمام إلا أن أمروا الضابط بفك الحصار والعودة مع جنوده من حيث أتوا، وكان يعززهم في هذا حرس القصر، ولكن الضابط رفض وأفهمهم أنه إنما جاء للمحافظة على حياتهم وعلى محتويات القصر خشية الفوضي، فأصرَّ الأمراء على أمرهم وأمروا الحرس بإطلاق النار على الضابط وجنوده، فجرت معركة لم تدم طويلًا قتل فيها الأميران الحسن ومحسن، ثم قام زعيم الحكومة الجديدة عبد الله الوزير ينظم شؤونه، وجدد تعين مدير الأمن العام مستشرفًا
стр. 1317
التأييد له من سائر الحكومات، ولما كان من الغد ٨ ربيع الثاني الموافق ليوم الأربعاء أذاع راديو صنعاء نعي الإمام يحيى وتنصيب عبد الله الوزير إمامًا لليمن، وكان في زعمه أن الأمة قد اجتمعت على ذلك قبل وفاة الإمام يحيى لصلاحيته للوطن، ولكن أني وهيهات ومن سلَّ سيف البغي قتل به قضاءً وحكمة.
ذكر آمال عبد الله بن الوزير وقتله
لما تولي المذكور اعتصم أحمد بن يحيى بالحجة وأبي أن يسمع لابن الوزير أو ينقاد، فبعث عبد الله بن الوزير إنذارًا لأحمد جاء فيه:
نري من واجبنا أن نعد العدة لملاقاته، فإن انقاد للحق الذي نحاوله كما أوجب الله وترك العناد الذي يغريه به الشيطان، ودخل فيما دخل فيه المسلمون فذلك فضل من الله ورحمة له يستوجب به منا كل ما يليق بمثله من تعزيز وتكريم، وإن اختار العناد فالواجب علينا يقضي بأن نقاومه أشد المقاومة.
فكان الجواب أن جاء المسافرون من الحجة إلى صنعاء يروون جمع الأنصار، وأن الأمير أحمد يعد عدته ويثيرهم مستنفرًا فيهم روح الانتقام، ويريد أخذ الثأر وقتل قاتل أبيه الشيخ الطاعن في السن، ويقولون أنه ليس بمستبعد إطلاقًا أن يعمد إلى مهاجمة صنعاء نفسها.
هذا وقد كان أحمد رجلًا في الخامسة والخمسين من العمر، كريمًا بعكس أبيه، يوصف بأنه حميد الأخلاق، عادل، ولكنه عاطفي جدًا لا يقف في طريقه شيء فهو لا بد أن يحصل على ما أراده ولو كلفه هذا كل غالٍ من الثمن، وبما أنه أرسل الإمام الجديد إنذارًا إلى الأمير أحمد في حجة بأنه إذا لم يستسلم لقوات العهد الجديد ويعلن ولاءه له فإن هذه القوات ستعلن عليه حربًا لا هوادة فيها حتى الموت، فإن الإمام الجديد أيضًا بعث إلى ناحية عدن يريد إرسال طائرات إنكليزية لتحلق نوق أنحاء اليمن فتلقي منشورات من قبله على اليمن، وفعلًا قد جاءت مدمرة وأطلقت مدافعها وعادت مبحرة إلى
стр. 1318
عدن، أيضًا بحث ابن الوزير إلى دول الجامعة العربية يريد السلاح والذخيرة وأهمها الطائرات والدبابات والسيارات المصفحة مستعينًا في هذا أنه يريد تأديب البدو الطامعين في أموال الإمام يحيى، ويريد منهم أيضًا الحصول على اعترافهم له رسميًا، لكنه لم يحصل منهم على شيء.
وقد أكد وفده وكتبه على جلالة الملك ابن سعود نشكو سوء حالة اليمن وتمرد الأمير أحمد في الإغارة على صنعاء ونهب ما فيها من أموال وسلاح، وأن الحكومة اليمنية الآن تطلب مساعدة جلالتكم والجامعة العربية بإرسال الطائرات القاذفة والدبابات لإرهاب هؤلاء اللصوص، وقد حاول الفضيل الورتلاني أحد أعضاء الوفد أن يطعن في الجامعة العربية، فهبَّ جلالة الملك غاضبًا وقال له: بل أنت اللص، أنت وزملاؤك الذين قتلتم الإمام يحيى ولم تراعوا سنيه التسعين ولا جهاده في سبيل استقلال اليمن وحمايتها من الأجنبي أربعين سنة، فما وجد الوفد أذنًا صاغية، بل وجد الملك السعودي غضب عن استنكاره لخطة ابن الوزير، وظلَّ على الحياد في نزاع أحمد وابن الوزير.
ولما أن كان في ١٨ ربيع الثاني بدأ الأمير أحمد يهاجم صنعاء بعدما أبرق إلى ذوي القدر في مصر بواسطة المندوب ينذر أن لا تقوم أية طائرة إلى صنعاء لأن القبائل كلها والجيش ثائر معنا يقول في مناطق لا تبعد عن صنعاء بأكثر من كيلو مترين، هذا وقد كان راديو صنعاء يواصل إذاعته أن الأمن استتب في العاصمة وما حولها، كما أن الجيوش التابعة لابن الوزير، لكنها كانت خاطئة.
أما أحمد فبعث في ٢٥ من الجاري إلى جلالة الملك عبد العزيز في الرياض يرجوه أن لا يقدم وفد الجامعة العربية إلى اليمن، بل يظل في جدة حتى تحتل قواته صنعاء، ثم إنها تحرجت الحالة في صنعاء، واشتد الضغط لها من قوات أحمد حتى خيف على المدرسين المصريين في اليمن.
ولما قدمت طائرتان حربيتان إلى صنعاء لنقل هؤلاء المدرسين تعذر الوصول إلى الأرض والهبوط في صنعاء للأخطار، وشوهدت القبائل المغيرة تحيط بأسوار المدينة لأن أبوابها كانت مغلقة، فعادت الطائرتان إلى جدة وأبرقتا بذلك إلى رئيس الوزراء في مصر تنتظر تعليماته.
стр. 1319
وما زال ابن الوزير يستغيث بالجامعة العربية حتى سألها وقف القبائل بإرسال طائرات تفرق شملهم وتنقذ عشرات الآلاف من سكان صنعاء، فما استجاب له أحد وسقطت صنعاء في يد قوات الإمام أحمد، ونودي به ملكًا وإمامًا لليمن، ولقب بالناصر لدين الله، وكان ذلك في ٤ جمادي الأولى الموافق ليوم الأحد ١٤ مارس ٩٤٩ ام، وبعد ٢٩ يومًا من ذلك أعدم عبد الله بن الوزير، وحسين الكبسي بالسيف، وانتهت الثورة، وهذه ترجمة الإمام يحيى:
هو الإمام يحيى بن محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين بن القاسم بن محمد، ويتصل نسبه بعلي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وجعل الجنة مقر أبي الشبلين ومثواه، كان المترجم ماهرًا وذا دهاء وعلم، ولد في صنعاء في شهر ربيع الأول ٢٨٦ اه وكان تمام سبعة وثمانين إمامًا من الزيود، ربع القامة، أسمر اللون، عالي الجبين، مستدير الوجه، وتقدم ذكر صفاته في سنة ولايته، وكان في تعلمه ودراسته أنه أخذ فنون العلم والأدب عن والده المنصور، وعن القاضي العلامة محمد بن عبد الملك الآنسي، والقاضي العلامة النحوي أحمد بن رزق السياني، والشيخ العلامة محمد بن أحمد العراسي وغيرهم، وقضي أيام صباه في صنعاء مكبًا على العلم والدراسة لا يزاول غيرها، وظل هذا شأنه حتى بلغ العشرين من عمره، ثم إنه غادرها مع والده في شوال ١٣٠٧ هـ إلى جبل الأهنوم فانصرف إلى طلب العلم مواصلًا الاجتماع إلى حملته وأقطابه، حتى ذاع صيته وفضله، ثم إنه بويع بالإمام بعد وفاة أبيه ١٣٢٢ هـ، وله قصائد حسنة، فمنها مرثيته في ابنه محمد الذي توفى غريقًا، ومن قصيدة له يدعو إلى نصرة الشريعة والدين ويحث قومه على ذلك، وهي طويلة نذكر منها:
فلت سيوفي عند حومات الوغى ... وكبت جيادي عند أن جد السرا
وعدمت أرمامي بمشتجر القنا ... وجبنت عن غزوي عدوي مبكرا
стр. 1320
وخلعت ثوب الحزم خلعة عاجزٍ ... وليست للتسويف ثوبًا منكرا
إن لم أكن للظالمين مقارعًا ... أو لم أكن للكافرين مصغرا
وعلى فعل المستطاع مناديًا ... للناس إن الله يا قوم اشترا
قوموا معي ننفي الضلال ونثبت الأيـ ... ـمان والشرع الشريف الأنورا
قوموا معي نبني حصونًا للهدي ... والعدل والإحسان شامخة الذرا
إلى آخرها وهي جميلة، ولولا خشية الإطالة لأتينا بها وببعض قصائده، فرحمة الله على أموات المسلمين، ونسأل الله تعالى أن يرفع أهل طاعته في درجات الآخرة، ولما أن تولى الإمام يحيى كانت عاصمة اليمن صنعاء، ثم إنه اتخذ الإمام أحمد ين يحيى مدينة تعز وهي كبيرة تقع في جنوب اليمن، وكان اتخاذه لها عاصمة في هذه السنة.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
فمنهم هؤلاء محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وعثمان بن أحمد بن بشر، وفهد بن على الرشودي، ومحمد بن عبد الله بن سليم، وسنذكر لكل واحد ترجمة.
فأما محمد بن عبد اللطيف فهو الشيخ الإمام العالم العلامة، أبو عبد الرحمن محمد ابن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ الإمام وكاشف الأوهام، ومجدد دين الله بعدما اندرس بين الأنام محمد بن عبد الوهاب، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وغفر لهم ورحمهم وجبر المسلمين بما أصيب به من فقدهم، وكان المترجم عالمًا كبيرًا، وبدرًا منيرًا، سلفيًا له خطوة سابقة في علم التوحيد، فلله دره من كريم تضرب الأمثال بكرمه وجوده وسخائه وبذله، فكان يبذل الأموال ويضيف وينفع طلاب العلم والمحتاجين، فكان ممتازًا بالتواضع وسلامة الصدر ولين الجانب، ولما أن توفى الله أخاه عبد الله كان جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن يحترمه ويوقره ويصدره في المجالس.
стр. 1321
ولما أن عزمت الحكومة على طبع رسائل أئمة هذه الدعوة للمرة الأولى جعل الملك أمر ذلك إليه فقام بالتعهد لها، وجري بينه وبين مدير المطبعة وصاحبها محمد رشيد رضا صاحب مصر مجاوبات في شأنها، وأخذ عليه أن لا يتصرف بشيء من ألفاظها وكلماتها تعهدات، وقد برزت الرسائل المطبوعة بمطبعة المنار على أحسن ما يرام ولله الحمد، وكل ذلك بمساعي صاحب الجلالة عبد العزيز، وكم له من يد بيضاء، ومن أراد أن ينظر إلى مناقبه ويعرف فضائله فليراجع العقيدة التي جمعها وبعثها إلى رؤساء القبائل من أهل اليمن وعسير وتهامة وشهران وبني شهر وقحطان وغامد وزهران، وكافة أهل الحجاز، وذلك سنة ١٣٣٩ هـ بأمر من جلالة الملك ابن السعود، وكان لها أحسن وقع، فلذلك جعلها الشيخ سليمان من جملة رسائل الهدية السنية، وكم لهذا العالم من رسالة أشاد بها التوحيد وهدم الشرك فجزاه الله عن المسلمين خيرًا، ولما مات رثاه الشعراء والأدباء، وهذه مرثية أنشأها الأديب ابن أخيه عبد الله بن الشيخ عمر بن الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ لما توفاه الله في ٤/ ٦، وقد أثبتنا ما وجدناه منها، نسأل الله تعالى أن يرفع درجاته في دار الآخرة:
على الشيخ فليبكي محبٌ مولعٌ ... بكاء حزينٍ قلبه يتصدع
وينشر دمعًا من عيون غريقةٍ ... فإن قلصت ماء فبالدم تدمع
وميتةٌ خير الخلق للناس كلهم ... عزاءٌ به يسلو المصاب المفجع
فقد رحل الحبر الفقيه الذي به ... قواعد دين الله تتلى وترفع
له همةٌ تسمو إلى هامة العلي ... تقلدها مذ كان في الحجر يرضع
إمامٌ همامٌ ألمعيٌ مهذبٌ ... فقيه نبيهٌ حافظٌ متضلع
مجالسه بالعلم أضحت منيرةٌ ... بها أمهات الدين تقرأ وتسمع
مرابعه تبكيه من بعدما غدت ... معطلةً أرجاؤها تترجع
ويبكيه أهل الدين إذ كان دأبه ... مجدًا على تبيينه فهو يصدع
стр. 1322
وحقَّ لها تبكيه إذ كان قائمًا ... بغرس علوم الدين أيضًا ويجمع
أصولًا وتوحيدًا وفهمًا وكلما ... رأي حسنًا منها لها يتتبع
فتلك جمادات غدونَ بفقده ... يرجعن أصواتًا لها تتنوع
فيا ليتني أرويت قلبي بمجلسٍ ... فاحفظ منه الجم إذلًا أضيع
فهيهات هيهات انقضت وتصرمت ... لياليه بالإحسان فالله يجمع
فآهًا على العلم الشريف فإنه ... يتيمًا غدا من بعدما كان يرفع
وما مثله في الجود إلا كحاتمٍ ... جميع خصال الخير والفضل مودع
وصول لا رحام وإن قطعت له ... عفوٌ حليمٌ ذو تقي متخشع
فيا حي يا قيوم ياسامع الدعا ... ويا من له كل الخلائق تفزع
أنله الرضا وأحسن جميعًا لنا العزا ... وأسكنه جناتٌ بها يتمتع
وابقٍ لنا شيخ الهدي علم الوري ... يقرر هذا الأصل لا يتضعضع
وأعني به الحبر التقي محمدًا ... سلالةً من للدين شادوا ويرفعوا
ويا أيها الأبناء للشيخ إنني ... أوصيكم بالعلم فيه تولعوا
فمن فاته العلم الشريف فإنما بضاعته المزجاة دومًا يخدع
ويا رب ثبتنا جميعًا وكن لنا ... معينًا على فهم الذي هو أنفع
وصلِّ إلهي كل وقتٍ وساعةٍ ... على المصطفي من للخلائق يشفع
وآلٍ كرامٍ ثم صحبٍ ومن على ... طريقتهم يقفوا وللرسل يتبع
عثمان بن أحمد بن بشر
هو الشيخ الإمام العالم الزاهد السلفي أبو أحمد، عثمان بن أحمد بن عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، من رؤساء قبيلة بني زيد، أصله من أهل بلدة شقراء، كان المترجم متسمًا بصفات أهل العلم والديانة، يعلوه البهاء وتزينه السكينة والوقار، وقد خالط الأعراب للإرشاد والبيان، وقد يعتم بعمامة كعادة بعض المتنسكين وأهل الديانة، ولأنه كثير الأسفار، ثم إنه تركها قطعًا قبل وفاته بسبع سنين.
стр. 1323
أما مشائخه الذي أخذ عنهم فإنه أخذ عن الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وذلك في بلدة حائل حين كان ابن بليهد فيها، وجثا بين يدي علماء هذه الدعوة، وأخذ عن الشيخ الإمام محمد بن عمر بن سليم، ولم يكثر، وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليم، وأخذ عن أخيه الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وجدَّ واجتهد وزاحم العلماء، اتصف بصفاة المتقين.
وكان مولعًا في رثاء أهل العلم، وله قصائد، منها مرثيته في الشيخ محمد بن عبد العزيز العجاجي، ومنها مرثية أنشأها في الشيخ عبد العزيز العبادي، وقصيدة واقعة البلقا، وقصيدة في تهنئة الملك عبد العزيز بفتح حائل، وقصيدة في الموضوع هذا، وقصيدة في تهنئة الأمير عبد العزيز بن مساعد لما نصره الله على ابن الدرويش وأصحابه فأبادهم الله في أم رضمة، ومرثية في الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، ومرثية في الشيخ عمر بن محمد بن سليم، ومرثية في الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد.
وكان يلهج بذكر أهل الدين ومحبتهم ويظهر البشاشة، ويتواضع من غير ضعف، وله سمت حسن ووقار وعزة نفس.
وكان عاقلًا حليمًا قليل الغضب، وله شيمة، ويألف الناس ويألفونه يخضب لحيته بالحناء وهذه صفته:
كان طوالًا ضخمًا تام الخلقة، كث اللحية قد اتخذ بعدما كبر أسنانًا من العظم، نظيف الملابس، طيب الرائحة، يحب أهل الدين ويميل إليهم، ويبغض أهل الشر ويمقتهم ولا يداري في قصائده بل يشنع على المنافقين ويسبهم وينال منهم، وتلك خصال جميلة محمودة، وقد قدمنا شيئًا من قصائده.
وكان معاشرًا لعلماء هذه الدعوة ومحبًا لآل سعود، ولا يزال يتقلب في وظائفهم، وقد نال وظيفتين شريفتين في زمن طويل وشغلهما وهم قضاء الأسياح، وقضاء الأجفر، ونال مقام الثقة من حكومته وأمته.
стр. 1324
أما ولادته فقد ولد سنة ١٢٩٤ هـ، ونشأ نشأةً حسنة مكبًا على الدراسة والطلب، ولما كان في تلك الوظائف كان يقضي بعض أوقاته في الأسياح، وبعضها في الأجفر، وقد يأتي لزيارة بريدة ويجلس فيها لأنه قد تزوج بها، وله فيها أولاد ومسكن، وتوفى في هذه السنة عن ٧٣ سنة ﵀ وعفا عنه، ولقد كان يظهر لنا الوداد والمحبة والبشر، ويضع ثقته الكاملة بنا، فأحببنا أن نرثاه بهذه المرثية، ووفاته كانت في اليوم ١٩ من ذي الحجة من هذه السنة:
على الشيخ عثمان الدموع تصبب ... لمفقده أضحي ذوو العلم تندب
حبيبٌ منيبٌ للمكارم جامع ... وللعلم والخيرات يسعى ويدأب
يميل له أهل الديانة والتقى ... وما زال سباقًا به المثل تضرب
يدين بقال الله قال رسوله ... وما قرر الأصحاب يومًا وهذبوا
وما كان في الدين الحنيف مداهنًا ... لأهل الردي كلا بل الحق يطلب
لقد كان منهومًا بطاعة ربه ... سؤولًا له نحو العبادة يذهب
يناجي لمولاه الجليل برغبةً ... ويشفق من تعذيبه بل ويرهب
قضى عمره في طاعة الله وحده ... وما همه دنيا تزيد وتكسب
وقد كان مأمون السريرة والأذي ... أديبًا أريبًا للعلى يترقب
فمن بعده تهوى النفوس لرشدها ... ويهدي لحيران شفيقًا يقرب
لأن كنت يا عثمان خير بقيةٍ ... لأهل الهدي حتمًا مضيت محبب
فأنا لمأساك المريير غدت بنا ... همومٌ وأحزانٌ بها نتقلب
عليك من الرحمن أوفي تحيةٍ ... وروحٍ وريحانٍ يحف ويسكب
وكان قد خلف بعده عقبًا من الذكور أربعة وواحدة من الإناث، فقدس الله روحه.
فهد بن على الرشودي
وهذه ترجمته: هو أبو على فهد بن علي بن عبد الله بن على بن فهد بن عبد الله آل رشودي، كان من قبيلة عتيبة، وأصله من قرية الشقة المعروفة شمالي مدينة بريدة من القصيم، ولد سنة ١٢٨٣ هـ، وكان رجلًا شريفًا رفيع
стр. 1325
القدر، ومن العرب المشاهير، ثم سكن مدينة بريدة وارتفع شأنه وعلا أمره، وما زال يتقدم ويتفوق حتى أصبح رئيس أعضاء أهل الضبط والربط في القصيم، وله مقامات عظيمة في الحروب التي جرت بين آل سعود وآل رشيد لا سيما في واقعة البكيرية والشنانة، وفي جراب، فإنه رسول ابن سعود إلى ابن رشيد في واقعة الشنانة، بعثه ابن سعود حسب الثقة به إلى ابن رشيد لأنه كان مواليًا لآل سعود، ولما أن اتصل عبد العزيز بن متعب بن رشيد ووجده حانقًا على أهل نجد ويريد أن ينزل بهم بأسه وعقابه لما كان متصفًا به من الجبروت والعنف، رجع المترجم إلى ابن سعود يحمل تهديداته وتقريعاته، وباح بما عنده أمام صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن، وأمام أهل نجد وذمرهم وحذرهم من الكيد الذي يبيته ابن رشيد لهم إن ظفر بهم، فلقونه وتنفيذ إرادته تبايع قوم ابن سعود على الموت، وصدقوا اللقاء والحملة على ابن رشيد حتى هزمه الله وطرده.
وأشار على أهل القصيم بمشورة في واقعة جراب عجيبة عادت عليهم بتمام الراحة لهم.
وكان صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن سعود يثق به ويأخذ من آرائه، ويختصه بأشياء يكتمها عن غالب الناس، وقد أخذ بيده مرة وهو يطوف بالكعبة المشرفة، فكان عن يمينه في صاعة لم يكن في الطواف سواه والحرس أمام الملك، وخلفه وعن يمينه وشماله، فوجهت الأبصار إلى هذا الرجل الذي يطوف في معية الملك بينما أن الخلائق قد كشفت عن صحن المطاف، ولقد شخصت الأبصار لرجل نحيف الجسم متقشف يطوف في معية الملك عبد العزيز، وكثر سؤال المصريين والشاميين عن هذا الرجل ومن أي جهة كان، ولقد حظي عنده حتى كان لا يرد له طلبًا، بل ينفذ أوامره بكل سرعة، وما هي طلباته؟ فما كان يطلب نقودًا ولا يطلب اقتطاعات الأراضي إنما يشفع لمسجون أو يشفع لجاهل لم يتقيد بأوامر الحكومة، فيطبق عليه النظام وتنقطع أسباب نجاته فيطلب الصفح عنه.
стр. 1326
ولقد جرى على أناس من عقيل ذهبوا في التجارة بدون تقيد مع الشروط التي وضعتها الحكومة ليخضع لها كل مسافر، فكان جزاء أولئك أن حبسوا في السجن وصودرت أموالهم جزاء بما كسبت أيديهم، ولما أن حج هذا الرجل العظيم وأراد الإياب إلى وطنه فزعت الأمة إليه يطلبونه السعي في خلاصهم، فما كان منه إلا أنه لما ودع جلالة الملك وأمر له بسيارة وكرامة عرض عليه الملك أن ينظر في شأن هؤلاء المجرمين، وهل يجوز الصفح عنهم، فتكلم فهد على الفور قائلًا:
يا طويل العمر إن تجاركم وشعبكم بمنزلة الأقدام التي تحمل الجسم، فإن استقامت استقام وإن ضعفت فإنها لا تحمله، ولعل هذه تردعهم وأمثالهم ويكفيهم الشيء القليل من العقوبة، فأصدر جلالة الملك الأوامر بالعفو عنهم، ورد أموالهم إليهم.
ولما نودي بالجهاد لنصرة أهل فلسطين قام بالنيابة عن أهل القصيم ورفع خطابًا لجلالة الملك بأن الرجال والأموال تحت إشارتكم، وأن الطريق إلى فلسطين تمر على القصيم، فإذا قدم غزاة جنوبي المملكة فهم على أتم أهبة، فسر بذلك جلالته كثيرًا وشكر لأهل مقاطعة القصيم ذلك.
ولقد اتخذ موضعًا يقع شرقي بريدة قريبًا منها واختاره سعة للبلد فلا يوهب ولا يبني فيه، وطلب تأييد الملك لذلك فحقق رغبته وأن لا تمتد إليه يد، بل يكون كما رسم، وما زال يدافع عنه حتى توفاه الله تعالى فبطل ذلك الاختصاص، ورأت الحكومة الحاضرة أيدها الله تعالى أن يكون في ذلك الموضع المشار إليه مستشفى كبير يضم عددًا غير قليل من المجالس والغرف والمستودعات والأسرة، يشغله أطباء ماهرون، كما أنشيء فيه أيضًا مدرستان كبيرتان إحداهما المدرسة الصناعية، والثانية المدرسة الثانوية، ومعهد المعلمين وإدارة التعليم، وكلل هذه المواضع قد بني بالإسمنت المسلح على أحدث طراز.
وكان المترجم عاقلًا رزينًا، قوي الإرادة، سديد الرأي، عظيمًا لا يقعقع له بالشنان، وله غور بعيد، وجميع آرائه سديدة، وقلما تنسد أبواب الرشد
стр. 1327
في مهمات الأمور إلا ويوجد لديه ما يكشفها، أضف إلى ذلك تواضعًا وخفض جناح لأهل الفضل، وأدبًا ومعرفة، وقد اجتمعت الكلمة في أيامه وقلت المشاغبات.
ومن مناقبه أن طبع كتبا عدة الصابرين للحافظ ابن القيم ﵀ بالمطبعة السلفية بمصر سنة ١٣٤٠ هـ على نفقته الخاصة، ووزعها وقفًا على المسلمين جزاه الله خيرًا.
كان يختصني فيسأل عن مسائل الدين والعبادات، ويأتي بمسائل تدل على عظمة الرجل وأنه فوق ما قيل فيه، ولا أن توفي الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي المتقدم ذكره جاء بعد ذلك المترجم يسأل من للمشكاة بعد يفتي الناس ويرشدهم، لأن القاضي مشغول بعمله، ومن جهة أخرى فإن ضعفاء الناس من النساء والضعفة لا يجدون مثله مفيدًا ومعلمًا ومبينًا، فأجبته أن أمثال الشيخ عبد العزيز في الناس قليل، فجعل يسترجع ويقول: من للحيض يرشدهن ويفتيهن؟ ومن ومن.
كان ﵀ ذا ثروة عظيمة، ولديه أموال كثيرة، وبيته يقع في وسط البلد، وما كان فخورًا ولا متكبرًا، وهذه صفته:
كان طوالًا، قليل اللحم، قوي البدن، لأنه يؤثر المشي، أبيض اللون مشربًا بحمرة، دائم التفكير، شعر لحيته أبيض، ولا يحب خضبها بالحناء، ولا يضع العصا عن يده، وأمره نافد على الشريف والوضيع، فقد كانت الإمارة تخضع له، وقد قلنا فيه مرثية، بل الله ثراه بوابل الغفران، ورفع منازله في الجنان، وقد خرجت من كبد حري وفؤاد موجوع، وقلب بألم الفراق ملسوع، وذلك لما فجعت الخليفة برزئه، وعمت الأقطار مصيبته فجادت القريحة بهذه القصيدة لما قام بهذا الشخص العظيم من المصالح العامة لسائر المسلمين.
ولقد تفضل بعض الأدباء نحوي بإلقاء سؤال عن المترجم هل يستحق هذا المديح ولم يكن ملكًا ولا قاضيًا ولا مفتيًا، بل قصاراه أنه رجل يصلح بين الناس
стр. 1328
إذا اختلفوا، ويجمع شملهم إذا تفرقوا، ويعدل بينهم بالقسط؟ فأجبته أنه فوق ما قيل فيه، وفعلًا وافق بعد مضي زمان لما لم يكن هنا من يقوم مقامه، فنسأل الله تعالى أن يجبر المسلمن ويحسن عزاءهم على فقد رجال أكفاء أصيبت بهم الأمة، وعظمت لفراقهم الغمة، وما كل إنسان يعوضك غيره:
على الشهم ذي العرفان من كان ينفع ... ومن كان يجلي للخطوب ويدفع
تسح دموعًا من قصيم محافل ... لفرقته أمست من البين تجزع
وحق لها تبكي وتندب دائمًا ... على فقد حر في علاها مولع
تريق دموعًا وكفها مترادف ... وتبكيه أقطار كثير وأربع
فما فهد فينا سوي الأمل الذي ... يراح له في النائبات وينفع
وما فهد فينا سوي الكهف إن غدا ... إليه ذوو الحاجات يقضي ويشفع
وما فهد في الناس إلا مدافعًا ... فمطلبه يحصل وما رد يقمع
فمن بعده يرعى الضعفاء ويحمهم ... إذا ما دهتهم معضلات وضيعوا
إلى من له تأتي العناة وتشتكي ... وتقصده فيما عراها لينفعوا
إلى من له يؤتي لكشف ملمةٍ ... وكارثةٍ تبدو وخرقٌ يرقع
إذا ما ادلهم الخطب فرج رأيه ... بأمرٍ ونهيٍ في المطالب يسمع
فمن مثله في الناس يرجي لنفعه ... لقد قلَّ أهل النبل حقًا ونزعوا
فكم كربةٍ لله فرج جاهه ... يكاد لها القلب الرصين يقطع
بمالٍ وجاهٍ يفتدي كل من يري ... مضامًا ومغلوبًا له ظلٌ يفزع
لقد كان ذا عقلٍ رزينٍ مسددًا ... وكان لعمري في البراعة مصقع
برأي سديد ليس يومًا بطائشٍ ... فأني لنا ركنٌ سواه سميدع
أروني أخا عدل يقوم مقامه ... ومن ذا الذي أمسي به الشمل يجمع
ومن ذا الذي يقضي الحوائج جاهدًا ... ومن هابه أهل الشقاء وقرعوا
فآهًا على نجمٍ تبدي بضوئه ... عسي الله بالجبران يرفو ويرقع
فهيهات لا ننساه في كل نازلٍ ... قفوا نبكه حزنًا عليه ونهمع
стр. 1329
ستبكيه نجد في الصباح وفي المسا ... وتندب شهمًا للكروب يقشع
بريدة تبكي عزها وفخارها ... فيا سؤتًا كيف الثرى فيه يودع
لأن كان أمسى في الضريح مقامه ... فقد طالما ينعي وذكراه ترفع
فما كان فينا ظله وبقاؤه ... سوي الأمن مما شره يتوقع
لقد كان والي المسلمين يخصه ... بتدبير آراء بها ظلٌ ينفع
ونقض وإبرام وحل مشاكلٍ ... بها ضلت الأفكار والندب يبرع
لقد كان فخرًا للبلاد وأهلها ... فحسبك من ذكراه عزٌ ومرفع
وقد أصبحت تنعاه في فقد ذاته ... رياضٌ بها عادت قفارًا وبلقع
أبوها فلا ننساه في كل شدةٍ ... لها بعد مولانا لقد ظل يدفع
عليه سلام الله ما حنَّ راعد ... وما لاح في الآفاق برقٌ يلمع
ولا زال غفران الإله لروحه ... ولله أولى بالجميل وأوسع
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى من في القيامة يشفع
محمد الهادي وآلِ وصحبه ... وأتباعهم ما لاح في الشرق طلع
وكانت وفاته في ٣ ذي القعدة ظهرًا، فصليَّ عليه بعد العصر في جامع بريدة ودفن في المقبرة الجنوبية المعروفة باسم فلاجة، وأصيبت الأمة به وبكاه المسلمون.
محمد بن عبد الله بن سليم
هذا هو حفيد والد الأسرة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان المترجم توفي شابًا رحمة الله عليه، وهذه ترجمته:
هو الزاهد الورع المجدّ المجتهد في طلب العلم، العفيف الناسك، الذكي الفاضل، وسلالة الأكرمين الأفاضل محمد بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، ولد في آخر سنة ١٣٣٩ هـ، فنشأ في حجر والده الشيخ القاضي عبد الله بن محمد، وأنبته الله نباتًا حسنًا، وكانت أمه أَعرابية، ولما تم له سبع سنين أدخله والده على المؤدب صالح بن محمد الصقعبي فقرأ القرآن وتعلم الكتابة، ثم إنه لازم والده
стр. 1330
حتى مات، ثم لازم عمه الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأخذ عنه وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، وكان عاقلًا سكينًا أديبًا ليس بفظ ولا غليظ، وجعلت العيون ترمقه، ورجي أن يكون خلفًا بعد آبائه وأجداده، ذلك لما قام به من آداب أهل العلم والدين ورحمة الضعفاء والمساكين، والعمل بما علم، ثم إنه وفي إمامة مسجد عمه الشيخ عمر المعروف بمسجد ناصر في قلب بريدة، وتزوج غير مرة، وحج عدة مرات، وكان عمه الشيخ عمر يقدره ويجله، وقد مرض مرةً بألم البواسير، فسعي جلالة الملك عبد العزيز بن سعود في جلب العلاج له وأدخل المستشفى فعافاه الله من علته.
ومما يجدر بنا ذكره أنه لما أراد أن يحج حجته الثانية حرص على أن يمتطي بعيرًا وقال: إني حججت الفرض ووافق حجي بأني لم تبرأ ذمتي بأداء الفرض على الوجه المطلوب، فلما أن كان في غرة ربيع الأول أصيب بمرض شديد، ثم إنه مات في ٦ الشهر المذكور، فالله المستعان، وقد صلي عليه المسلمون بعد صلاة العصر من ذلك اليوم وحزنوا وبكوا، وكان له من العمر ٢٦ وأشهر رحمة الله عليه، فلا حول ولا قوة إلى بالله.
وفيها في محرم نقل قاضي الدمام عبد الله بن محمد عامر إلى قضاء المويه القرية المعروفة في طريق مكة من جهة الشرق، ونقل قاضي جيزان عبد الله بن عودة السعوي إلى قضاء الدمام المذكور، ويقع في المقاطعة الشرقية، وكان قد قدم مندوب الباكستان مالك فيروز نون خان من الشرق الأوسط إلى جدة في طيارة وقابل ولي العهد سعود، وأعرب عن رئيس دولة الباكستان أنه يطلب من جلالة الملك المعظم أن يؤيد قضية فلسطين خاصة وقضايا المسلمين عامة، فهذه من رئيس دولة الباكستان محمد علي جناح نخوة حسنة، لا سيما وقد حصل على مسلمي أهل الهند أشد العذاب وأفدح الظلم، ودار عليهم دور خطير في تاريخهم وحياتهم، وقتل منهم عشرات الألوف، ومئات الألوف منهم أصبحوا لا مأوي لهم، وهم يهاجرون إلى الباكستان، وقد استولى الأعداء على أموالهم
стр. 1331
وأراضيهم، ولم يتركوا وسيلة لأذيتهم والبطش بهم والفتك بهم إلى أتوا بها، فمن أجل هذا قاموا يصرخون في الحرم المكي الشريف بمناسبة اجتماع المسلمين فيه بالموسم، وبالأخص حجاج بيت الله الحرام، ويشكون ما يقاسونه مستمدين من المسلمين الدعاء والنصرة لهم على أعدائهم.
وفيها وقع في شمال إيران زلزال عنيف هدم كثيرًا من الدور، وأسفر عن قتل مائتي شخص وجرح كثيرين، وكانت الخسائر فادحة في تلك الجهة.
ثم دخلت سنة ١٣٦٨ ه ـ
استهلت هذه السنة والعالم العربي وغيره في حروب وزعازع، لا سيما مشكلة فلسطين فإنها قد بلغت الذروة في الصعوبة، وأصبحت تنذر بشر مستطير يوشك أن يصطلي بنارها الصغير والكبير، وتالله إنه لأحسن للمظلوم أن يدرع ويقاوم بالصبر والجلد، ويشمر عن ساق الجد والعزم والحزم حتى يأذن الله بنصر من عنده، أو أمر من نفحاته، فإنها لحالة عجيبة ونكتة غريبة أن تقوم أمة ضرب الله عليها الذلة والمسكنة وتوعدها بإطفاء نارها، وذلك لأنهم كانوا أقل من ذكرهم فتطرد العرب عن بلدانهم وتسومهم سوء العذاب بالقتل والأسر والنهب والتشريد، وأنواع العبث، فيا ليت شعري أين العرب؟ أين القوة؟ أين الشجاعة؟ أين العدل؟
وكان الأمير فيصل بن عبد العزيز نجل الملك لما خطب وأبان إبطال تقسيم فلسطين الذي صوت له الكثير وضح أن المصوتين بالتقسيم مرشيون، وأن العرب لا تقرّ التقسيم، أجاب بعض المغرضين بقوله: إذا لم ترضَ العرب ولا تقرّ ذلك فكيف تصنع؟ فتكلم الأمير فيصل بصفته منتدبًا من قبل الحكومة السعودية وجعل يرغي ويزبد يقول:
سوف نقوم بواجب الوحدة لأخذ حق العرب ممن ظلمهم، سيقوم العرب قيامًا يعرف به واجب حقهم، إن العرب أصبحوا أحرارًا فيما يعملون، ومن حقهم
стр. 1332
أن ينظروا إلى مصالحهم ويدافعوا عن حقوقهم بما يختارون من الوسائل معتمدين على الله ثم على أنفسهم، متمثلين بقول شاعرهم:
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على أحد
وقد علمتهم الحوادث أن حقوق الشعوب في نظر الدول القوية حبر على ورق، وأن الحكمة للقوة وحدها في كل زمان ومكان:
متي تجمع الرأي الصحيح وصارمًا ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم
وستبقى فلسطين عربية على رغم الصهيونية، ثم تكلم كل مندوب عربي بتقرير كلام فيصل.
ومما قال بعض الشعراء هذه القصيدة وقد عزاها بعضهم إلى الأستاذ فؤاد شاكر في دار الوزارة، وقد نالت الاستحسان واستعيد أكثر أبياتها:
ذر الدمع واذرف سائل القلب بالدم ... فلا مأتم فيما مضى مثل مأتم
وأقبل على سيل الحوادث عابسًا ... غضوبًا بزار الغاضب المتجهم
فأين إباة الضيم من كل سيد ... يصول على الظلام صولة ضيغم
وأين رعاة الحق من كل صيد ... يذود عن الأوطان جور التحكم
لقد آن للموتور أن يدفع الأذى ... ويدفع ظلام الحقوق بميسم
لقد آن أن يردي الضلال بعزمة ... وأن لايطأ الباغي بشع ومنسم
أبي الحق أن نمشي الغداة أذلةً ... نسام هوانا من بغيٍ ومجرم
يعز على العليا أن يفقد الحمي ... كرامته أو أن يذل ويرتم
سخيًا على رغم اليهود أعزةً ... ونسحق بالأقدام ذل التقسم
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يكن كيهود الأرض ذلة مغنم
طغت بفلسطين الهموم مبيدةً ... فمادت بقايا ركنها المتهدم
طغت بفلسطين الرزايا وإنها ... لها الله كالبيت العتيق المحرم
رماها بغاة السوء والشر والأذى ... بكل غويٍ فاجر متأتم
رويدًا بغاة الظلم فالدهر قلب ... وما ظالمٌ إلا سيبلي بأظلم
لقد طال ليل الظالمين وعسفهم ... ويا رب ليلٍ للمظالم أسحم
стр. 1333
تجشم فيه العرب كل رزية ... إلى أن نفضوا عنهم كلال التجشم
وناءوا بأعباءٍ جسامٍ تصرمت ... أواصر دنياها ولم تتصرم
وسيموا من الخسف المبرح جاحمًا ... من الهول فيه الويل للمتبرم
فإما رضاءٌ بالذي فيه حتفهم ... وإلا فويل الضارع المتكلم
فإما هوانٌ للبلاد وأهلها ... وإلا فمن ينبس بذلك يعدم
فأي هوان من مهينٍ محقرٍ ... أشد بلاءً من هوان المزحم
حمي القدس يمسي مستباحًا مهشمًا ... ومن حوله أشلاء كل مهشم
وروعتموا فيه الكليم نبيكم ... وأغضبتموا من كل قومٍ وقيم
وأغضبتموا فيه النبي محمدًا ... وأغضبتموا فيه المسيح ابن مريم
لقد طال صبر المسلمين وأنه ... للكا لجبنٍ عند الناظر المترسم
فمالكمو إلا الحديد مسومًا ... نزمجر فيه بالحديد المسوم
* * *
فإن شئتموا فالجو غضبان مرعدٌ ... عليه دوي المرعد المتهزم
وإن شئتموا فالبحر نارٌ وشعلةٌ ... وأمواجه الحمراء تصخب بالدم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا ... وما هو عنها بالحديث المرجم
* * *
رويدًا يهود الأرض مني نصيحةٌ ... إليكم خذوها فهي من نصح مسلمٍ
مشت بفجاج الأرض منكم بسرعةٍ ... مظللة الأفياء للمتنسم
وماجت بكم في كل صقعٍ وبقعةٍ ... جموع رفاقٍ في المدائن حوم
فولوا إلى الضرب السحيق جموعكم ... ففيه لشذاذ الوري ألف مجثم
فدونكم إن كان فيكم رجولةً ... لبؤتم بعجز الثاكل المتأيم
فإن ضاقت الأمريكتان وأوصدت ... بأوجهكم دنيا الفضاء المخيم
فإن لكم والرأي عندي مكانةً ... تليق بكم والله صدر جهنم
فإن لم يكن هذا ولا ذاك فاحذروا ... لأنفسكم فالسيف خير محكم
ودونكموا فالسيف جذلانٌ مصلتٌ ... سيبرئ من جاء الضلوع المكتم
* * *
стр. 1334
هلموا بني الإسلام فالأمر حازبٌ ... ولابد من حزم الجريء المقدم
هو الجد إن اليوم يوم وثوبكم ... فإن الجهاد اليوم للمتقدم
فدونكم هبوا لنصرة دينكم ... بحزمٍ فمن يغفل عن الحزم يندم
وجودوا لها بالمال والنفس طيبةٌ ... وما هو إلا بذل نفسٍ ودرهم
وسيروا ففي عبد العزيز لواؤكم ... وقائدكم في الحادث المتهجم
وقد أكثر الشعراء من القصيد في فضائح اليهود، ولو أتينا بكل ما قيل لضاق الموسع، كما أن صحف البلاد العربية شنعت على اليهود وباحت بمسبتهم، ودوت الإذاعات في سائر الأقطار العربية وغيرها بشأن قضية فلسطين.
وبالرغم من ذلك كله فإن اليهود حصلوا على مطلوبهم ونالوا أمانيهم، وباء العرب بالفشل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك لأمور:
- منها قيام بريطانيا وأمريكا إلى جانب اليهود، فأصبح العرب يجاهدون أمريكا وبريطانيا.
- ومنها تخاذل العرب وعدم وقوفهم صفًا واحدًا في نحر العدو، فإنه شوهد من بعض ملوك العرب أكبر خيانة وأبلغ طعنة وقعت في نحورهم، ولا نصرح بذلك.
- ومنها أن الملك عبد الله بن الحسين ظهر خائنًا للعرب، وتكشفت نواياه عن أمور لم تكن في الحسبان، وذلك بأن ثبت أنه كان على اتصال باليهود طول مدة الحرب في فلسطين، وذلك بخمس وثائق كتبها بخطه عثرَ عليها المنقبون، بينما كان يدعي أنه القائد الأعلى للجيوش العربية إذا به يرسل الوفود إلى إسرائيل يعترف بها وبحكومتها وبوزير خارجيتها.
ولقد بذلت العراق كل جهد لحمل الحكومة الأردنية على تغيير سياستها، ولكن مساعيها في ذلك لم تنجح، ولقد استدعت شخصية كبيرة في عمان وزير العراق المفوض هناك وأبلغته رسالة إلى حكومته تتضمن عدم الموافقة على أن يهب الجيش العراقي لإسداء العون للجيش المصري، وإذا لم يلبَّ هذا الطلب فإن الجيش العربي الأردني على استعداد تام لقطع خطوط مواصلات الجيش العراقي والالتحام معه.
стр. 1335
ولقد اجتمع مجلس الوزراء العراقي لبحث القضية حتى صوت عدد بضرورة إنقاذ جيش مصر وإن أدى ذلك إلى اصطدام الجيش العراقي بالأردني.
ومن قائل بضرورة الاتصال بالمسؤولين في الأردن لحملهم على إعادة النظر في الأمر، فصمم الأردن على عدم المساعدة وقرر عبد الله بن الحسين خطة اليهود لماله من المطامع الأشعبية، وقرر عزل سماحة المفتي الحاج أمين الحسيني عن مقامه في فلسطين، وحرم نجله طلال بن عبد الله ولاية العهد بعده.
ومما جرى من اليهود عليهم لعائن الله أن هجموا على قرية من قرى فلسطين فقتلوا أهلها أجمعين، النساء والرجال والأطفال، ونكب أهالي فلسطين وأجلوا عن بلادهم، وقد طلبت الجامعة العربية مليوني جنيه لإعانة اللاجئين العرب، ونصف مليون لشراء خيام وملاجح لهم، وشرد أهالي فلسطين إلى البلاد العربية يسألون ويشحدون، وقد استمرت الحالة بين أخذ ورد في إعادة اللاجئين إلى ديارهم.
ولما أن سافر الأمير فيصل من الحجاز لحضور اجتماع هيئة الأمم المتحدة في آخر السنة المتقدمة والنظر في قضية فلسطين ظل هناك يناضل ويدافع مع زملائه ممثلي الدول العربية، وما زالوا يدافعون عن حقوق فلسطين أمام تلك الهيئة حتى يئسوا من عدالتها.
وفي خلال شهر صفر من هذه السنة فوجئ العرب بأمور دبرت في أريحا وهي إلحاق قسم بشرق الأردن، وصدر تصريح مشترك من وزارة الخارجية الأمريكية والبريطانية متضامنين على السعي في إقرار السلم بفلسطين، وانهما يرتقبان المحادثة الجارية في ردوس، وقد رجع الأمير فيصل المعظم إلى جدة في يوم الأحد ٣ ربيع الأول من هذه السنة يعرض على الملك نتيجة مسعاه في هيئة الأمم المتحدة ويبين للأمة حقيقة الموقف، وقد خطب خطبة بلغها ألوف المستقبلين لسموه في مكة إبان أن الأمر يومئذٍ لله، وقال في معرض كلامه:
следующие страницы →