وأراضيهم، ولم يتركوا وسيلة لأذيتهم والبطش بهم والفتك بهم إلى أتوا بها، فمن أجل هذا قاموا يصرخون في الحرم المكي الشريف بمناسبة اجتماع المسلمين فيه بالموسم، وبالأخص حجاج بيت الله الحرام، ويشكون ما يقاسونه مستمدين من المسلمين الدعاء والنصرة لهم على أعدائهم.
وفيها وقع في شمال إيران زلزال عنيف هدم كثيرًا من الدور، وأسفر عن قتل مائتي شخص وجرح كثيرين، وكانت الخسائر فادحة في تلك الجهة.
ثم دخلت سنة ١٣٦٨ ه ـ
استهلت هذه السنة والعالم العربي وغيره في حروب وزعازع، لا سيما مشكلة فلسطين فإنها قد بلغت الذروة في الصعوبة، وأصبحت تنذر بشر مستطير يوشك أن يصطلي بنارها الصغير والكبير، وتالله إنه لأحسن للمظلوم أن يدرع ويقاوم بالصبر والجلد، ويشمر عن ساق الجد والعزم والحزم حتى يأذن الله بنصر من عنده، أو أمر من نفحاته، فإنها لحالة عجيبة ونكتة غريبة أن تقوم أمة ضرب الله عليها الذلة والمسكنة وتوعدها بإطفاء نارها، وذلك لأنهم كانوا أقل من ذكرهم فتطرد العرب عن بلدانهم وتسومهم سوء العذاب بالقتل والأسر والنهب والتشريد، وأنواع العبث، فيا ليت شعري أين العرب؟ أين القوة؟ أين الشجاعة؟ أين العدل؟
وكان الأمير فيصل بن عبد العزيز نجل الملك لما خطب وأبان إبطال تقسيم فلسطين الذي صوت له الكثير وضح أن المصوتين بالتقسيم مرشيون، وأن العرب لا تقرّ التقسيم، أجاب بعض المغرضين بقوله: إذا لم ترضَ العرب ولا تقرّ ذلك فكيف تصنع؟ فتكلم الأمير فيصل بصفته منتدبًا من قبل الحكومة السعودية وجعل يرغي ويزبد يقول:
سوف نقوم بواجب الوحدة لأخذ حق العرب ممن ظلمهم، سيقوم العرب قيامًا يعرف به واجب حقهم، إن العرب أصبحوا أحرارًا فيما يعملون، ومن حقهم
стр. 1332
أن ينظروا إلى مصالحهم ويدافعوا عن حقوقهم بما يختارون من الوسائل معتمدين على الله ثم على أنفسهم، متمثلين بقول شاعرهم:
وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على أحد
وقد علمتهم الحوادث أن حقوق الشعوب في نظر الدول القوية حبر على ورق، وأن الحكمة للقوة وحدها في كل زمان ومكان:
متي تجمع الرأي الصحيح وصارمًا ... وأنفا حميا تجتنبك المظالم
وستبقى فلسطين عربية على رغم الصهيونية، ثم تكلم كل مندوب عربي بتقرير كلام فيصل.
ومما قال بعض الشعراء هذه القصيدة وقد عزاها بعضهم إلى الأستاذ فؤاد شاكر في دار الوزارة، وقد نالت الاستحسان واستعيد أكثر أبياتها:
ذر الدمع واذرف سائل القلب بالدم ... فلا مأتم فيما مضى مثل مأتم
وأقبل على سيل الحوادث عابسًا ... غضوبًا بزار الغاضب المتجهم
فأين إباة الضيم من كل سيد ... يصول على الظلام صولة ضيغم
وأين رعاة الحق من كل صيد ... يذود عن الأوطان جور التحكم
لقد آن للموتور أن يدفع الأذى ... ويدفع ظلام الحقوق بميسم
لقد آن أن يردي الضلال بعزمة ... وأن لايطأ الباغي بشع ومنسم
أبي الحق أن نمشي الغداة أذلةً ... نسام هوانا من بغيٍ ومجرم
يعز على العليا أن يفقد الحمي ... كرامته أو أن يذل ويرتم
سخيًا على رغم اليهود أعزةً ... ونسحق بالأقدام ذل التقسم
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يكن كيهود الأرض ذلة مغنم
طغت بفلسطين الهموم مبيدةً ... فمادت بقايا ركنها المتهدم
طغت بفلسطين الرزايا وإنها ... لها الله كالبيت العتيق المحرم
رماها بغاة السوء والشر والأذى ... بكل غويٍ فاجر متأتم
رويدًا بغاة الظلم فالدهر قلب ... وما ظالمٌ إلا سيبلي بأظلم
لقد طال ليل الظالمين وعسفهم ... ويا رب ليلٍ للمظالم أسحم
стр. 1333
تجشم فيه العرب كل رزية ... إلى أن نفضوا عنهم كلال التجشم
وناءوا بأعباءٍ جسامٍ تصرمت ... أواصر دنياها ولم تتصرم
وسيموا من الخسف المبرح جاحمًا ... من الهول فيه الويل للمتبرم
فإما رضاءٌ بالذي فيه حتفهم ... وإلا فويل الضارع المتكلم
فإما هوانٌ للبلاد وأهلها ... وإلا فمن ينبس بذلك يعدم
فأي هوان من مهينٍ محقرٍ ... أشد بلاءً من هوان المزحم
حمي القدس يمسي مستباحًا مهشمًا ... ومن حوله أشلاء كل مهشم
وروعتموا فيه الكليم نبيكم ... وأغضبتموا من كل قومٍ وقيم
وأغضبتموا فيه النبي محمدًا ... وأغضبتموا فيه المسيح ابن مريم
لقد طال صبر المسلمين وأنه ... للكا لجبنٍ عند الناظر المترسم
فمالكمو إلا الحديد مسومًا ... نزمجر فيه بالحديد المسوم
* * *
فإن شئتموا فالجو غضبان مرعدٌ ... عليه دوي المرعد المتهزم
وإن شئتموا فالبحر نارٌ وشعلةٌ ... وأمواجه الحمراء تصخب بالدم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا ... وما هو عنها بالحديث المرجم
* * *
رويدًا يهود الأرض مني نصيحةٌ ... إليكم خذوها فهي من نصح مسلمٍ
مشت بفجاج الأرض منكم بسرعةٍ ... مظللة الأفياء للمتنسم
وماجت بكم في كل صقعٍ وبقعةٍ ... جموع رفاقٍ في المدائن حوم
فولوا إلى الضرب السحيق جموعكم ... ففيه لشذاذ الوري ألف مجثم
فدونكم إن كان فيكم رجولةً ... لبؤتم بعجز الثاكل المتأيم
فإن ضاقت الأمريكتان وأوصدت ... بأوجهكم دنيا الفضاء المخيم
فإن لكم والرأي عندي مكانةً ... تليق بكم والله صدر جهنم
فإن لم يكن هذا ولا ذاك فاحذروا ... لأنفسكم فالسيف خير محكم
ودونكموا فالسيف جذلانٌ مصلتٌ ... سيبرئ من جاء الضلوع المكتم
* * *
стр. 1334
هلموا بني الإسلام فالأمر حازبٌ ... ولابد من حزم الجريء المقدم
هو الجد إن اليوم يوم وثوبكم ... فإن الجهاد اليوم للمتقدم
فدونكم هبوا لنصرة دينكم ... بحزمٍ فمن يغفل عن الحزم يندم
وجودوا لها بالمال والنفس طيبةٌ ... وما هو إلا بذل نفسٍ ودرهم
وسيروا ففي عبد العزيز لواؤكم ... وقائدكم في الحادث المتهجم
وقد أكثر الشعراء من القصيد في فضائح اليهود، ولو أتينا بكل ما قيل لضاق الموسع، كما أن صحف البلاد العربية شنعت على اليهود وباحت بمسبتهم، ودوت الإذاعات في سائر الأقطار العربية وغيرها بشأن قضية فلسطين.
وبالرغم من ذلك كله فإن اليهود حصلوا على مطلوبهم ونالوا أمانيهم، وباء العرب بالفشل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك لأمور:
- منها قيام بريطانيا وأمريكا إلى جانب اليهود، فأصبح العرب يجاهدون أمريكا وبريطانيا.
- ومنها تخاذل العرب وعدم وقوفهم صفًا واحدًا في نحر العدو، فإنه شوهد من بعض ملوك العرب أكبر خيانة وأبلغ طعنة وقعت في نحورهم، ولا نصرح بذلك.
- ومنها أن الملك عبد الله بن الحسين ظهر خائنًا للعرب، وتكشفت نواياه عن أمور لم تكن في الحسبان، وذلك بأن ثبت أنه كان على اتصال باليهود طول مدة الحرب في فلسطين، وذلك بخمس وثائق كتبها بخطه عثرَ عليها المنقبون، بينما كان يدعي أنه القائد الأعلى للجيوش العربية إذا به يرسل الوفود إلى إسرائيل يعترف بها وبحكومتها وبوزير خارجيتها.
ولقد بذلت العراق كل جهد لحمل الحكومة الأردنية على تغيير سياستها، ولكن مساعيها في ذلك لم تنجح، ولقد استدعت شخصية كبيرة في عمان وزير العراق المفوض هناك وأبلغته رسالة إلى حكومته تتضمن عدم الموافقة على أن يهب الجيش العراقي لإسداء العون للجيش المصري، وإذا لم يلبَّ هذا الطلب فإن الجيش العربي الأردني على استعداد تام لقطع خطوط مواصلات الجيش العراقي والالتحام معه.
стр. 1335
ولقد اجتمع مجلس الوزراء العراقي لبحث القضية حتى صوت عدد بضرورة إنقاذ جيش مصر وإن أدى ذلك إلى اصطدام الجيش العراقي بالأردني.
ومن قائل بضرورة الاتصال بالمسؤولين في الأردن لحملهم على إعادة النظر في الأمر، فصمم الأردن على عدم المساعدة وقرر عبد الله بن الحسين خطة اليهود لماله من المطامع الأشعبية، وقرر عزل سماحة المفتي الحاج أمين الحسيني عن مقامه في فلسطين، وحرم نجله طلال بن عبد الله ولاية العهد بعده.
ومما جرى من اليهود عليهم لعائن الله أن هجموا على قرية من قرى فلسطين فقتلوا أهلها أجمعين، النساء والرجال والأطفال، ونكب أهالي فلسطين وأجلوا عن بلادهم، وقد طلبت الجامعة العربية مليوني جنيه لإعانة اللاجئين العرب، ونصف مليون لشراء خيام وملاجح لهم، وشرد أهالي فلسطين إلى البلاد العربية يسألون ويشحدون، وقد استمرت الحالة بين أخذ ورد في إعادة اللاجئين إلى ديارهم.
ولما أن سافر الأمير فيصل من الحجاز لحضور اجتماع هيئة الأمم المتحدة في آخر السنة المتقدمة والنظر في قضية فلسطين ظل هناك يناضل ويدافع مع زملائه ممثلي الدول العربية، وما زالوا يدافعون عن حقوق فلسطين أمام تلك الهيئة حتى يئسوا من عدالتها.
وفي خلال شهر صفر من هذه السنة فوجئ العرب بأمور دبرت في أريحا وهي إلحاق قسم بشرق الأردن، وصدر تصريح مشترك من وزارة الخارجية الأمريكية والبريطانية متضامنين على السعي في إقرار السلم بفلسطين، وانهما يرتقبان المحادثة الجارية في ردوس، وقد رجع الأمير فيصل المعظم إلى جدة في يوم الأحد ٣ ربيع الأول من هذه السنة يعرض على الملك نتيجة مسعاه في هيئة الأمم المتحدة ويبين للأمة حقيقة الموقف، وقد خطب خطبة بلغها ألوف المستقبلين لسموه في مكة إبان أن الأمر يومئذٍ لله، وقال في معرض كلامه:
стр. 1336
لكن الذين نحاربهم الآن ليسوا اليهود، إنما هم دول الاستعمار الغاشمة التي تتجاذب مطامعها بلاد العالم لتخضع الضعيف لنفوذها واستغلال، وأكبر دليل على ذلك أن أمريكا التي لم تتفق مع روسيا في أية مسألة قد اتفقت معها في فلسطين، وأطال موضحًا سياسات الدول في هذه القضية، وبذلك تعلم سوء تصرفات عبد الله بن الحسين الشريف وخيانته للجامعة العربية، وما الله بغافلٍ عما يعمل الظالمون.
ذكر ما جرى بعد الجهاد في فلسطين
أعلنت وزارة الدفاع السعودية لعموم عوائل الضباط، وضباط الصف والجنود الذين استشهدوا في فلسطين، ونشرت أسمائهم سابقًا في الصحف المحلية في العام الماضي بلزوم مراجعتهم المحاكم الشرعية في الجهات المقيمين فيها حاليًا، وإثبات وراثتهم الشرعية لكل من له مورث من هؤلاء الشهداء وإرسال صورة من صك الوراثة بعد إرفاقه بمعروض رسمي يرسل بعنوان هذه الوزارة لإحالته لوزارة المالية إنقاذًا للإرادة الملكية التي تفضل بها جلالة الملك المعظم، وأمر باستمرار صرف رواتب هؤلاء الشهداء لعوائلهم شهريًا، ثم إنها قامت ملوك العرب الذين باتوا بلا مأوي بعدما أخذت اليهود أوطانهم ومساكنهم فأمسوا ضائعين مشردين، الأرض فراشهم والسماء غطائهم، أضف إلى ذلك إهانة المسجد الأقصى الذي هو أولى القبلتين، حيث كان هدفًا لقنابل مدافع اليهود، فأصبح بنائه متصدعًا.
فيا أمة الإسلام، ويا جيش محمد بن عبد الله ﷺ أين شجاعتكم؟ أين صرامتكم؟ أين حميتكم؟ أين أنفتكم؟ أما كان آباؤكم الأقدمون أولئك الضراغم الذين أخافوا فارس والروم ودانت لهم الأمم الأخرى.
ولقد فشلت هيئة الأمم المتحدة في حل قضية فلسطين، وترتب على قيام دولة إسرائيل تشريد سبعمائة ألف وسبعة وخمسين ألفًا من عرب فلسطين وجلائهم عن بلادهم.
وفيها في آخر الحميم الأول نزل غيث عظيم على نجد، وكان شدة وقعه
стр. 1337
على القصيم، حتى أشفى بعض المحلات على الهلاك، وتوالى هطول الأمطار وكثر الكلأ والعشب، وأخذت الأرض زخرفها بحيث أنه لم يجر في هذه السنين الأخيرة مثله، وقد حرث الناس ووفقوا من البعل بحيث أن ثلاثين صاعًا بلغت ألف صاع، وامتلأت الأمكنة من الأعشاب، فلله الحمد والشكر لا نحصي ثناء عليه.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
ففيها في ١١ ربيع الأول توفى الشيخ إبراهيم بن محمد الوهيبي التميمي من أهل شقراء، رحمة الله تعالى عليه، وكان رجلًا طيبًا، اشتهر بين قومه بالعبادة والورع، وكان مع ذلك غيورًا محبًا لدعوة التوحيد، مخلصًا لمولاه، مدافعًا عن هذا الدين الحنيف.
وكانت وفاته بمكة المشرفة عن عمر يناهز السبعين عامًا قضاها في خدمة الله ومرضاته، فرحمة الله عليه، فنعزي أهل الدين بوفاته، وقد وافق موته ليلة الاثنين، وانتقل من الدار الفانية إلى الدار الباقية.
وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد العزيز بن صالح بن سليم، وهذه ترجمته:
هو الشيخ عبد العزيز بن صالح بن الشيخ الإمام محمد بن عبد الله بن سليم حفيد عالم مقاطعة القصيم وعلامة تلك المقاطعة، وقد تقدم ذكر نسبه في ترجمة جده ﵀.
وكانت وفاته في ٢٩ جمادي الآخرة، وكان رجلًا طيبًا ذكيًا سكينًا أريبًا عاقلًا، ذا دين وورع وأصل في علم التوحيد، وله قوة إدراك وسعة اطلاع على غامض المسائل، يحب الخمول والتقشف، وقد حج في صحبة عمه الشيخ عمر بن محمد بن سليم فأصيب بنكبة من الحرامية الذين يقطعون الطريق في جبال الحجاز زمن ولاية حسين الشريف على مكة المكرمة، وكان قد اختصه الشيخ
стр. 1338
عمه عمر بأن جعله ككاتب صكوك في آخر عمره، فعاش بخير وتولى مهمة وظيفتين هما: إمامة مسجد في بريدة، ووظيفة التدريس في المدرسة الفيصيلية ببريدة، فقام بالإمامة في مسجد ابن عمه الشيخ محمد بن عمر بن سليم، وأخذ يعلم أبناء وطنه في علوم الفقه والتوحيد والحديث، وكان قد حصل عليهما في سنة وفاته، ثم إنه أصيب بذات الجنب وتوفاه الله تعالى في هذه السنة عن عمر يناهز الخمسين، فرحمة الله عليه، وقد قضى عمره في طاعة الله ورسوله، وطلب العلم والعبادة والصبر على ما يصيبه، فنرجوا له الغفران.
محمد بن عبد الله آل ربدي
كان هذا الرجل من الزعماء، ومن أكبر قبائل أهل القصيم، وكان وصولًا لرحمه مكرمًا لأقربائه، ولا يزال بيته يعيش فيه فقراء قرابته لأنه غني وذو ثروة، أضف إلى ذلك محبته لأهل الدين والانتماء إليهم ونصرتهم، وإكرامهم فجزاه الله خيرًا.
إبراهيم الحبيب بفتح الحاء وكسر الباء
كان مولعًا بالأذان للصلوات الخمس، ومحبًا لأهل الدين، وينتمي إليهم، وكثيرا ما يلهج بعلماء هذه الدعوة الوهابية، ويثني عليهم ويذكر ما منَّ الله به عليهم من التوفيق ومناصرة الدين، وقد شاب في آخر عمره وفقد بصره، غير أنه لا يزال في آذانه وعبادته حتى أتاه اليقين.
وختمت هذه السنة بحروب وزعازع بين الدول الأجنبية، فاستعملت الدبابات في فرنسا لإخراج العمال المضربين من المناجم، وحاولت أمريكا حل مشكلة ألمانيا ومطالبة روسيا والدول الغربية بالجلاء، حتى تكون ألمانيا تحكم نفسها بنفسها، أضف إلى ذلك مشكلة إسبانيا وما عليه اليهود من إحراقهم قرية صلحاء وقتلهم سكانها لرفضهم تسليم أسلحتهم، وإطلاقهم النار على المواقع المصرية، وقد كثرت واردات أمريكا إلى المملكة العربية السعودية من مصنوعات ومكائن، وحفارات للمياه، وجعل آبار ارتوازية.
стр. 1339
وجادت عاطفة صاحب الجلالة عبد العزيز بن السعود على أهل بريدة بأن جعل عمالًا ينقبون عن الماء في موضعين من البلد: أحدهما يقع غربي قصر الحكم في وسط بريدة، والثاني يقع في مجرى وادي الخبيب الجنوبي المعروف بالصقعاء، وقد استمر العمل بالمكائن الارتوازية، غيي أنه لم ينجح إلا بعد أربع سنين، وكانت واردات أمريكا من القماش والحبوب وأنواع السيارات تفوق بكثير على ما سواها، هذا وقد عجت الإذاعة السعودية في مدينة جدة بالإذاعة والأخبار تذيع الأخبار وتنشر شيئًا من الأدب والتفسير وتلاوة القرآن.
ولما حججنا في هذه السنة رأينا من نشر الأمن وبذل الجهود في راحة الحجاج شيئًا عجيبًا، وبلغ عدد الحجاج الذين وقفوا بعرفات أربعمائة ألف وخمسين ألفًا، وحج بالناس في هذه السنة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن سعود.
هذا وقد تغلبت روسيا في هذه السنة على الصين وبسطت حماية ملكها عليه، وتفوقت في الصناعات، وظهرت مظهرًا عجيبًا في التقدم، وجعلت تتقرب إلى المسلمين لتزيل الأثر الذي علق في نفوسهم من مناصرة الصهيونيين وميلهم إلى المناصرة للعدوان الصهيوني.
أما بريطانيا فإنه لما كان قبل هذه السنة بعشرين عامًا بدي في استخراج البترول بواسطة الشركة الأمريكية، واتخذت مدينة الظهران قاعدة رئيسية لحقوله، وبما أن كمية استخراجه جعلت تزداد يومًا عن يوم مما يبشر كستقبل زاهر وحصول على مال منه وفير، كما مدت أنابيب من أبقيق إلى ميناء صيداء بلبنان قبل هذه السنة بسنتين تسهيلًا للنقل، حتى بلغ طول هذه الأنابيب سبعمائة واثنين وخمسين ميلًا، فإن بريطانيا لا تزال تتجرع مرارة فوات هذه الشركة، وكيف أنها لا تحل مكان أمريكا، ولقد كانت تبيت عرقلة المساعي لنجاح هذه الشركة بإزالة جهدها، غير أن الحكومة السعودية لا تزال متيقظة لدسائسها، وساهرة على شعبها، وسنلوح لذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى عند ذكر معادن المملكة وحاصلاتها.
стр. 1340
ثم دخلت سنة ١٢٦٩ ه ـ
ففيها كمل خمسون عامًا من ولاية صاحب الجلالة والمهابة الملك عبد العزيز ابن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، وذلك في ٤ شوال منها، فهمث الشعب من أقصاه إلى أقصاه وقامت البلاد معلنةً سرورها وابتهاجها بمضي خمسين عامًا على فتح الرياض وتأسيس هذه المملكة السلفية العظمى التي بها علا دين الإسلام ونصر، وقضى بها على البدع والخرافات وعبادة الأوثان والتمسح بحجر الأولياء والصالحين، وناهيك بهذه النهضة التي قام بها، فلو أنها توفرت في زمن الأمويين والعباسيين للهجت بها الألسن وملئت بها التواريخ.
إن عبد العزيز بن عبد الرحمن رجل عظيم أشرب منذ نعومة أظفاره بما جرى عليه السلف الصالح من توطيد دين الإسلام، وإخلاص العبادة لله وحده، ونصرة الدين وأهله، فمن أجل ذلك أعانه الله تعالى وأيده ونصره، وأعزه، ولينصرن الله من ينصره، ومكن له في الأرض ومن كان مع الله كان الله معه، ففتحت له كنوز الأرض، وجمع شتات العرب، ونشر الأمن في ربوع الجزيرة، وأمن الله به بعد الذلة، وكثر به بعد القلة، وبينما كانت الأمة تهيئ الاحتفالات وتعد المهرجانات لإقامة عيد ذهبي إذا بصاحب الجلالة ينشر أوامره برفض ذلك العيد نزولًا على حكم الإسلام بأنه لا يشرع أعيادًا إلا ما شرعه الله ورسوله، كعيد الفطر والأضحي، غير أنه تمكن بعض الجهات من توزيع الصدقات، وتعالت الأصوات بالحمد والثناء لله الذي منَّ على المسلمين بهذا الملك الذي فضائله كنار على علم، فإجابة للطلب ونزولًا تحت الركبة ثنت الأمة عزمها واتخذت الدعاء له والثناء عليه عوضًا عن العيد، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله، ويكفى شرفًا له قوله في بعض خطبه: يقولون أننا وهابية، والحقيقة أننا سلفيون محافظون على ديننا، نتبع كتاب الله وسنة رسوله، وليس بيننا وبين المسلمين إلا كتاب الله وسنة رسوله، ولقد صدق القائل:
стр. 1341
فليت الذي بيني وبينك عامرٌ ... وبيني وبين العالمين خراب
ونحن جميعًا مقصرون في أمور ديننا، ولكن الله غفور رحيم.
وفي حديث قدسي ما معناه: "يا عبادي لو لم تذنبوا وتستغفروا لخلقت عبادًا يذنبون فيستغفرون فأغفر لكم".
أما عن فلسطين فنحن لا نقصر عنها إن شاء الله، وها نحن مجاهدون في سبيلها بحول الله، وأنا لا أحب أن أقول عملت ولا أن أقول سأعمل، بل ولا أحب الأقوال مطلقًا، ولكن متى صلحت النية فالعمل حاصل إن شاء الله، وها هي ذي الجامعة العربية سنوالي تأييدها بكل ما نستطيع، وقد اتفقت فيها كلمة العرب، والذي أرجوه أن يكون العرب جميعًا يدًا واحدة، وأن لا يشذ منهم أحد، وإلا فقد صح فينا قول القائل:
تجافي عن العتبي فما الذنب واحدٌ ... وهب لصروف الدهر ما أنت واجد
إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه ... فوا عجبًا إن سالمتك إلا باعدُ
ولا زلت أوصي المسلمين بالاتحاد والتعاضد إلى آخر كلامه الذي ألقاه في عيد الأضحي سنة ١٣٦٥ هـ، أما في البلاد الأخرى فقد أقيم ذلك العيد الذهبي لجلالة الملك ابن السعود واتسعت الاحتفالات والموائد، ووزع على سبعمائة مدعو في الباكستان من الأعيان والكبراء رسالة موجزة عن سيرة الملك ابن السعود مطبوعة بثلاث لغات هي: العربية والأوردية والإنكليزية.
وفي هذه السنة فتح القصيم عدة مدارس، ففتح في روضة الربيعية، وفي قرية القصيعة، وفي البدائع، وعيون الجواء، وفي المذنب، والشماسية، والرياض الخبراء، الرس، وقصر ابن عقيل قبل ذلك، كما فتح في مدينة بريدة مدرستان زيادة على الأولى.
أما عنيزة ففيها إذ ذاك أربع مدارس، وكلها لا تتجاوز الابتدائيات إلا ما كان من عنيزة، فقد نشأ فيها معهد، ولا تزال تلك المقاطعة في ازدياد ونشاط.
وفيها زاد جلالة الملك عبد العزيز في رواتب الموظفين، فبلغ راتب القاضي إلى ألف ريال وأقلهم من له خمسمائة ريال شهريًا، وجعل للمتطوعن في هجر البدو
стр. 1342
رواتب شهرية بقدر مائتين ريال، وقد رخصت الأسعار فاكن صاع البر في ريال ونصف بعدما كان في أربعة ريالات، وصاع الذرة في ريال بعدما كان في ريالين ونصف، كذلك الأرز فقد نزلت قيمته إلى ثلاث ريالات، كما أن السكر والشاي وسائر الأشياء قد نزلت قيمتها وسهل تناولها.
وفيها في برج الدلو وقع برد شديد جمدت له المياه، وصعب أمره على الخلق، حتى جاءت الأنباء على التحقيق من أهل الخبرة والمعرفة والرصد أنه لم يأت في هذه السنين المتأخرة قبل هذه السنة منذ خمس وعشرين سنة مثله، ونزل على ناحية الشمال في محادة المملكة السعودية ثلج كثير هلك لأجله أمم كثيرة، فسبحان من غلبت قدرته قدرة كل مقدور، هذا وقد توالت الصدقات من الحكومة للشعب برًا وذرة وتمرًا وغير ذلك.
هذا وقد كان أهل الوظائف في رتبهم، فكان على وزارة المالية عبد الله بن سليمان بن حمدان، وقد نال تمام الثقة لدى جلالة الملك عبد العزيز، ويعتبر رجلًا عظيمًا نبيهًا ماهرًا، أضف إلى ذلك أنه حظي في مقامه ذلك، وكان على إمارة المقاطعة الشرقية صاحب السمو سعود بن عبد الله بن جلوي، وكان ندبًا حازمًا قد سلَّ السيف على عنق كل معتدٍ، حتى أصبحت تلك المقاطعة تتمتع بالأمن والطمأنينة، ومن أعظم الأمراء الذين في معيته تركي بن عبد الله بن عطيشان، وكان من أهالي بريدة في القصيم، وكان على إمارة المقاطعة الشمالية صاحب السمو الأمير عبد العزيز بن مساعد، وكان رئيسًا على عدة إمارات في تلك المقاطعة، وكان الأمير فيصل بن جلالة الملك هو النائب العام على مكة المشرفة وما يليها، وكان على إمارة مقاطعة القصيم صاحب السمو عبد الله بن الأمير عبد العزيز بن مساعد، وهكذا.
أما القضاة والعلماء فكان في رئاسة القضاء في الحجاز والمنطقة الغربية فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ.
وأما فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ فكان في الرياض ينتابه الأهالي والغرباء ويترددون إليه لاستفراغ منطوقه، وكان وفقه الله فوق ما يقال عنه علمًا وأدبًا وصبرًا.
стр. 1343
وكان في قضاء الخرج وتلك النواحي الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن آل باز النجدي.
وكان في قضاء بريدة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد.
وكان في مدينة عنيزة من بلاد القصيم فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، وكان حليمًا وقورًا عفيفًا سكينًا، فيه مكارم أخلاق، وله قوة ملكة في التفسير والتأليف، وقد طبع من مؤلفاته عدد كثير، وهي موجودة فجزي الله من أعان الإسلام وأهله ولو بشطر كلمة، وإن عالمًا كمثل الشيخ عبد الرحمن في حكمته ودماثة أخلاقه لقليل.
أما القاضي في عنيزة إذ ذاك فكان فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عودان.
وفيها، بل في مستهلها افتتحت كلية الشريعة في مكة الشرفة، وكان موضعها في شارع القشاشية قريبًا من دار الأرقم، وقريبًا من منزل حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄، وإن تأسيسها ليبشر بخير لأنها تضم الناجحين من المعاهد وغيرها، فأقبل إليها الطلاب، وعلقت الآمال على طلابها.
وفيها انتهى طبع مصحف مكة المكرمة، وكان هذا الصحف قد قام بطبعه شركة من الحجاز، وقام بهذه الفكرة بعض الأدباء، ففوض الأستاذ محمد طاهر الكردي الخطاط، وجري الاتفاق معه على كتابته، فأكمل نسخه بهمة عالية، وصححته لجنة مؤلفة من بعض أفاضل العلماء بمكة، وبعث به إلى مشيخة القراء بمصر، ثم إنه جلبت له مطبعة كبيرة حديثة من أمريكا فبوشر طبعه في السنة التي قبلها وانتهي في هذه السنة، ولقد سرت الأمة كثيرًا بمصحف مكة المكرمة، وبأنه صدر من هذه البلاد المقدسة التي أنزل فيها القرآن لأول مرة، واعتبرت هذه الوثبة التي وثبتها البلاد بهذا المشروع مظهرًا رائعًا من مظاهر انبعاث المجد لهذه المملكة.
وفيها في موسم الحج عشية عرفة والساعة في الحادية عشرة تزيد ثلاثين دقيقة أصاب الحجاج وهم وقوف في عرفات مطر ممزوج بحجارة -أعني بردًا- واتفق أنه كان معه ريح شديدة جدًا، فتأذى المسلمون بذلك بعدما رجمهم البرد
стр. 1344
وعصفت العاصفة، فلم يتمكنوا من ضبط الخيام لتقيهم ذلك، غير أن الله تعالى لطف بالحجاج بأن أقلعت سريعًا، وكان البرد يقدر بعضه بمثل بيض الدجاج.
ومما شوهد من العجائب أن أعرابيًا جعل يتمرغ في الأرض ويقول: إلهي ما هكذا تصنع بحجاج بيتك وزوارك، فرحمه من حوله والله أرحم الراحمين.
وفيها في يوم الاثنين ٧ رجب افتتح الملك عبد الله البرلمان الأردني، واستصدر منه قرارًا يقضي بضم القسم العربي من فلسطين إلى شرق الأردن تحت تاج الملك عبد الله بن الحسين، وصرح بأن قرار الجامعة العربية الذي صدر في إبريل سنة ١٩٤٨ م وقضى بانسحاب الجيوش العربية من فلسطين وتسليم البلاد لسكانها الأصليين أصبح لاغيًا.
ولما أن قسمت القدس بين الأردن وإسرائيل وأدركت الحكومات العربية خطر قيام دولة إسرائيل في المنطقة، عملت على التكتل والاتحاد لمواجهة هذا الخطر، فعقدت ميثاق الضمان الجماعي لتقوية أواصر التعاون الحربي والاقتصادي فيما بينها، وقد أصيب أهالي فلسطين من أعمال اليهود الوحشية، وشدة النكاية بهم، ومعاملتهم بأنواع البطش والتعذيب، بحيث لم يرحموا صغيرًا، ولم يوقروا كبيرًا، ولم يرعوا فيهم إلا ولا ذمة، مع أن اليهود أقل من ذكرهم وأحقر من ذلك خسةً وذلةً مع ما توعدهم الله تعالى به من اللعن وإلقاء العداوة فيما بينهم، والبغضاء إلى يوم القيامة، غير أن الأمور مرهونة لأوقاتها، ولا شك أن هذا الهوان لأهالي فلسطين وإجلائهم عن أوطانهم، وقتلهم وتعذيبهم بأنواع العذاب كله بشؤم الذنوب والمعاصي، كما قص الله علينا في كتابه معاملة بختنصر لبني إسرائيل لما أفسدوا في الأرض وعلوا علوًا كبيرًا، فأقبل بجنوده حتى نزل بساحتهم وحاصرهم، فنزلوا على حكمه، فحكم فيهم بحكم الجاهلية، وبطش بهم بطشًا عظيمًا، فقتل منهم الثلث، وسبي الثلث، وترك الزمني والشيوخ والعجائز، ثم وطاهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق الصبيان، وأوقف النساء في الأسواس حاسرات، وقتل المقاتلة، وخرب
стр. 1345
الحصون، وهدم المساجد، وحرق التوراة، ثم انصرت راجعًا، وحمل الأموال التي كانت في الشام، وساق السبايا، فبلغ عدة صبيانهم الذين سبأ من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام، وقذف الكناسات في بيت المقدس، وذبح فيه الخنازير، ونظر بعض أنبياء بني إسرائيل إلى ما يصنع بهم بختنصر من العجائب وأنواع التعديات فقال مخاطبًا ربه ﵎ بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفك ولا يرحمنا.
وقال بختنصر لدانيال ما الذي سلطني على قومك قال عظم خطيئتك، وظلم قومي أنفسهم، فهذا مما يخيف الأمة في هذا الزمان، ويبعث الخوف والقلق، واني لأنصح وأحذر المسلمين من عقوبات الذنوب والمعاصي فإن الله يغار فيجب على المسلمين أن لا ينهمكوا في تقليد الأمم الأخرى ويقلعوا عما هم عليه، لأن غالب المنتسبين إلى الإسلام اليوم في أقطار الأرض إلا من شاء الله حدث فيهم الانحلال وخف عليهم أمر دينهم، ولم يتقيدوا بتعاليم الشريعة بحيث سلب ذلك وقارهم وجعلهم ضحكة للأجانب فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن عاش فسوف يرى.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
فمنهم الأمير محمد الرعوجي، وهذه ترجمته:
هو الهمام التقي الأمير الجواد السخي الكريم، أمير الأسياح، البطل الشجاع، ذو المناقب العلية والفضائل الجلية، أبو زيد محمد بن رعوجي بن زيد ابن محمد بن فهيد بن فهيد بن راشد بن صالح بن ناصر بن قراض بن سعود بن محمد بن جلهم بن روق، ينتهي نسبه إلى الأساعدة من عتيبة، كان يجتمع نسب آل فهيد هؤلاء ونسب آل فوزان في راشد بن صالح، وسمي فهيد باسم أبيه لأن أباه توفي وهو حمل، فسمي باسم أبيه، فيكون فوزان وفهيد أخوين، أما والد الأسرة محمد بن فهيد فهو أمير الأسياح إذ ذاك، وكان له مماليك وخيل، =
стр. 1346
ومشهورًا بالكرم والجود، فلقد وفد عليه مرة ألف راكب، فقام بضيافتهم وإكرامهم وزودهم بالطعام عند رحيلهم، وله أربعة بنين: زيد وهو الأمير بعده، وعلى، وعبد العزيز، وعبد المحسن، فذرية زيد الرعوجي فهد وفيصل.
وأما فهد بن زيد فذريته نائف وتركي وراشد.
وأما فيصل بن زيد فله ابن يدعي حمد بن فيصل، وأما علي بن محمد فأرث بداحًا ومنديلًا.
وأما عبد المحسن فأرث ناصرًا وعبد الله وفهيد ومحمد.
وكان لنائف بن فهد راشد النايف ومنديل ومحمد وفهد وعبد الله.
وكان لتركي بن فهد أيضًا ابنان فهد وراشد، وكان لراشد هذا ابن يدعى محمد الراشد.
أما عبد العزيز بن محمد الفهيد فله ابن يدعى حمد، ولحمد هذا أبناء يسكنون البرقاء.
وأما منديل العلي فله من البنين مشاري وفهيد ومحمد.
وكان لمنديل بن نائف ابن يسمى صالح بن منديل، وكان رجلًا طيبًا مشهورًا بالرجولة، وفيه مكارم أخلاق وتقدم، كما أنه كان لفهد بن نايف ابنان عبد العزيز وتركي، وكان لراشد بن نايف أولاد منهم عبد الله وتركي وفهد ونايف، وكان لحمد ابن نايف ابن يسمى عبد العزيز، أما الذين تولو الإمارة منهم: فعبد المحسن بن محمد، وعلى بن محمد، ومنديل بن علي، وحمد بن عبد العزيز، ونائف، وتركي بن فهد بن زيد، وكان تركي مشهورًا بالكرم والجود، حتى قال فيه الشاعر:
تركي كريم وبحجاجه ندي ... حكام نجد ما يلادونه (١)
ذكره هوي مصر هو والحسا ... والباب عيا لا يصكونه (٢)
رجعنا إلى ذكر الأمير محمد الروعجي فنقول: كان له أخ يدعى ناصر، وكان
стр. 1347
محمد فوق ما قيل عنه كرمًا وجودًا ورجولةً، ولقد زارني في صحبة الشيخ عثمان ابن أحمد بن بشر، وكان إذ ذاك قاضيًا في بلاد الأسياح، وجاء بالأمير للسلام على وعمري يومئذٍ لا يتجاوز الحادي والعشرين، فرأيت الرجل من أفذاذ الرجال، ومن خيرة أهل زمانه، وكان عاقلًا شريفًا.
ولد المترجم في سنة ١٣٠١ هـ ونشأ على العفاف والسخاء، يطعم الطعام، ويتصدق على الفقراء، ويحنو على ابن السبيل، ويساعد المحتاجين، ويحب أهل الدين، ويميل إليهم، ويمقت الشر وأهله، فأما عطفه على الفقراء والمحتاجين فحدثّ ولا حرج، وكان محترمًا في قومه وعشيرته.
ونورد قصة تدل على عطفه وإحسانه، وماله من الأيادي الجميلة، فإنه لما كان في المسغبة التي وقعت في سنة ١٣٢٧ هـ ركب حصانه في إحدى الليالي من آخر الليل لحماية زرعه من السرقة فوجد أربعة من الرجال قد دخلوا في الزرع وأكلوا ما حواليهم من السنبل لما هم فيه من شدة الجوع، فلما رأي حياضًا في وسط الزرع خالية من النبات أقبل عليها يهتدي بنور القمر، فوجد أولئك البؤساء، فخجلوا لما رأوا الأمير وقالوا هذا الرعوجي فكيف نصنع؟ ووجموا وسكنت حركاتهم خوفًا منه، فلما رأهم بهذه الصفة رق لحالتهم وسكن روعهم وتكلم قائلًا: يا أولادي خذوا لأولادكم فأنتم مني في حلّ، خذوا وأكثروا، اللهم ارفع ما أنزلت بالمسلمين وارحم ضعفهم، لا بأس عليكم يا أولادي، فنزع كل واحد منهم ثوبًا من ثيابه وملأه سنبلًا وذهبوا يحملونه على رؤوسهم إلى أهاليهم، وكثيرًا ما يمنح الضيف إذا ارتحل عدل بن لأولاده، وله مناقب كثيرة.
ولما مات خلفه في الإمارة ابنه زيد بن محمد.
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان رجل الدين والعلم والفضل الشيخ محمد ابن مقبل رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم الزاهد، ذو الصدق والمعرفة، الرزين الألمعي، محمد بن مقبل ابن على آل مقبل.
كان المترجم ابن أخي الشيخ سليمان بن على بن مقبل قاضي بريدة منذ مائة
стр. 1348
ستة في أيام عبد العزيز بن محمد بن عليان، ولد المترجم سنة ١٢٨١ هـ، فيكون له من العمر سنة وفاته ٨٨ سنة قضاها في طاعة الله وعبادته، فنشأ في طلب العلم، وجدَّ واجتهد، وكان يتردد إلى قرية المريدسية المشهورة في القصيم من قري بريدة للأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن حسين حيث يعلم فيها بصفته يدرس، وتخرج عليه طلاب كثيرون، فكان الشيخ محمد يعمل في فلاحته ويأكل من كسب يده، فإذا ذري زرعه في البصر والمنسي في فصل الربيع فإنه ينحدر مسافرًا من البصر إلى الريدسية لطلب العلم، وكان يصحبه زميل له يدعي رشيد آل إبراهيم بن محيميد، فيأخذون في الدراسة لدي الشيخ المذكور، فأما المترجم فإنه لا يرجع إلا إذا يبس التمر في رؤوس النخل وقت الصرام إذا حلت الشمس في برج الميزان.
وأما رشيد بن إبراهيم فإنه يرجع في آخر نهار الخميس ليؤم جماعة أهل البصر في صلاة الجمعة، ثم يعود من آخر النهار.
أما مشايخ المترجم: فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن سليمان العريني، وكان عالمًا من علماء القرية، غيي أنه خامل الذكر، وأخذ عن الشيخ الزاهد الورع عبد الله بن محمد فدا، وذلك في حال إقامته في المريدسية أيام آل رشيد، وناهيك به علمًا وعبادةً وزهادةً، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسين آل أبي الخيل، وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان من زملائه صالح اللهيمي وعبد العزيز بن عودة السعوي، وسليمان بن ناصر السعوي، وأخذ عن المترجم خلائق كثيرون:
فمنهم الشيخ عبد العزيز بن سبيل، وآل حديثي، وأخذ عنه ابنه صالح بن محمد ابن مقبل، ودرّس في البكيرية بعدما توظف في قضائها، ودرّس في البصر، وتولى الخطابة فيها، وتخرج عليه طلاب كثيرون، وكان يحب عدم الشهرة، ولا يحب الجاه والرئاسة.
ولما توفى قاضي مقاطعة القصيم الشيخ الفاضل عمر بن محمد بن سليم، رغب الأهالي وذوو الحل والعقد في أن يكون خلفًا عنه، وساروا إليه من
стр. 1349
بريدة يطلبون منه أن يجيبهم إلى ما رغبوا، فرفض وأبي ذلك، فرفعوا إلى صاحب الجلالة الملك خطابًا يطلبون منه أن يتولى قضاء المقاطعة، فبكى واعتذر بكبر سنه، ففاز بالعافية، ولما أن ولاه ابن سعود قضاء البكيرية سنة ١٣٤٧ هـ أمر وكيل مالية بريدة أن ينفذ له ثمانمائة صاع بن وألفي وزنة تمر، وألف ريال سنويًا، فأبى أن يقبلها وقال لوكيل المالية: ابقها في المالية حتى أحتاج إليها، أما اليوم فإنني بغنى عنها، وأبي أن يقبلها، وحج فعلم الملك عبد العزيز بقدومه، فبعث إليه بكسوة وأمره أن يأتي إليه للسلام عليه، فرد الكسوة وجاء صباحًا للسلام على جلالته، فقال له: نفرش لك بيتًا ونؤثثه، فأبي واعتذر بأنه هناك بيت وكل ما يشتهي، فهو عنده، فطلب منه الملك أن يبعث إليه بناقة ليشرب لبنها فقبل، غير أنه لم يتناوله بل كان يشربه أصحابه.
وكان إذا سمع تلاوة القرآن أمر القاري أن يتدبره، وصلي فقرأ بأصحابه في العشاء الآخرة سورة عم والنازعات فسقط مغشيًا عليه ﵀.
وممن توفى أيضًا فيها من الأعيان صالح شطا رئيس مجلس الشورى في النيابة، كانت ولادته سنة ١٣٠٢ هـ، ودرس بالمسجد الحرام، وله رحلات متفرقة بين الأقطار، عاد في أعقابها إلى بلاده، ونفي في عهد الحكم السابق، ثم عاد حين تسلسل في وظائف حكومية عالية، منها: إدارة المعارف، وآخرها رئاسة مجلس الشوري بالنيابة، وله عديد نافع من المحاضرات والتهميشات والمقالات الروائع، وكان صريحًا ومثال التضحية والإخلاص والنشاط، ويعتبره أهل الحجاز من أجلة العلماء، لذلك يلقبونه السيد صالح، ويعتبرونه علمًا من أعلام البلاد، حتى قالت إحدى الصحف: أنه كان ملئ السمع والبصر روحًا ونشاطًا وتفكيرًا وحيويةً، مما جعله محل التقدير الخاص والعام، ومحل رضاء الملك عبد العزيز وآل بيته، وإعجاب الشعب على اختلاف طبقاته.
ذلك لأنه كان يعمل على ما يحقق للعروبة عزها، وللإسلام قوته، وكان أوفر ما يكون نشاطًا وصفاء ذهن في سنواته الأخيرة، بل حتى يومه الأخير.
стр. 1350
وقد روى عنه أنه لما كان في يوم الاثنين ٢٨ صفر كان على عادته يصرف أعمال المجلس ويدير جلساته، وظل حاله هكذا طول يومه، حتى إنه كان يستعد للنزول إلى جدة في ليلة الثلاثاء لإذاعة حديثه من محطة الإذاعة اللاسلكية، ولكن الموت الذي هو غاية كل مخلوق عاجله بعد أن أدى صلاة المغرب، فأصيب بسكتة قلبية، وشيعت جنازته في الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم الثلاثاء آخر صفر، وكان خروج روحه قبل أن تتم الساعة الواحدة بدقائق من الليلة المذكورة، فرحمة الله على أموات المسلمين، وإنه ليؤلمنا كثيرًا أن نفقد رجال الدين ورجال الأعمال الذين كانوا مثالًا في الإخلاص والعلم والمعرفة، فتصاب الأمة كصيبتهم، وينهدّ ركن من أركان الشعب بموته، نسأل الله تعالى أن يسدد الأحياء ويرزقهم العلم والمعرفة والبصيرة.
وممن توفى فيها أمير الكويت أحمد الجابر بن مبارك بن صباح، وكان موته طبيعيًا، وهذه ترجمته:
هو الأمير شيخ الكويت وحاكمها أحمد بن جابر بن مبارك آل صباح، ولد في الكويت في رأس القرن، وكان كاتبًا قارئًا متواضعًا يعالج الأمور باللين والحكمة، بعيدًا عن العنف وسفك الدماء، يميل إلى الاقتصاد، ولديه ثروة، وكان متأدبًا واسع الاطلاع، ربعة القامة، حنطي اللون، ممتلئ الجسم، كث الشعر، بهي المنظر، جذاب الملامح، يلبس الملابس العربية ويضع العقال على رأسه، ويتدثر بالعباءة، ويتمنطق بخنجر في وسطه، ويضاف إلى ذلك أنه كان يرقب سير الحركة الأدبية والعلمية والسياسية في الشرق العربي عن كثب، ويقرأ الكتب والصحف معجبًا بالمدنية الأوربية، ميالًا إليها.
ولما حج للمرة الأولى في ١٣٣٦ هـ أكرم الحسين وفادته ودعته الحكومة الإنكليزية على أثر ختام الحرب العظمى، وهو ولي العهد، فسافر إلى زيارة عاصمتها لندن، وبلغها في شهر صفر ١٣٣٨ هـ وأهدى إلى ملك الإنكليز حصانًا عربيًا، وسيفًا وخنجرًا مذهبين، فقبل الإمبراطور هديته شاكرًا، كما سافر إلى مسقط والرياض وغيرها، ولما نعي له وفاة عمه سالم في شهر رجب ١٣٣٩ هـ وهو في نجد
стр. 1351
عاد إلى الكويت وتقلد زمامها، وكان هو التاسع من آل صباح الذين تتابعوا على إمارة الكويت، فأولهم الشيخ عبدِ الله بنُ صباح وهو مؤسس البيت، ثم ابنه جابر فصباح، فعبد الله، فحمد، فمبارك، فسالم، وأصلهم كانوا من ربيعة، ولقد كانت الحكومة في زمن جدهم الأعلى صباح عبارة عن بيوت صغيرة حقيرة لبني خالد، وما زالت في زيادة حتَّى عظم قدرها، ومن خصاله التي يحمد عليها أنَّه قد حافظ في كل مساء على أن يوافيه أحد شيوخ الدين فيتلو دراسًا في الفقه أو الحديث والعلوم الإسلامية، فيستمع إليه مع من يكون هناك من ضيوفه وزواره حتَّى أذان العشاء الأخيرة، ويسكن قصر دسمان الذي يقع على ثلاثة كيلوات من الكويت، وقد أثثه بكل الوسائل الجالبة للراحة، وجهزه بالأثاث الفاخر الحديث، وتد أنير بالكهرباء القوي.
وكان صاحب الجلالة الملك عبدِ العزيز بنُ عبدِ الرحمن ملك المملكة العربية السعودية يعجب بأخلاقه، وقال له مرة حينما التقيا: أنا سيف مسلول بيدك، فاضرب به كما تشاء.
سليمان بن علي الوهيبي
كان قد ناهز التسعين من عمره وقضى جزءًا كثيرًا من عمره في طاعة الله وحده، ولازم وظيفة الأذان في أحد مساجد بريدة ثلاثين سنة، وكان ذا أصل عظيم في التوحيد، محبًا لأهل الدين، وقد جدَّ في طلب العلم، بيد أنَّه لم يحصل على كثير منه، وقد لازم الشيخ عمر بنُ محمد بنُ سليم وخدمه قدرًا من عشرين سنة، وكان مكبًا على دراسة القرآن، فما كان يتخلى عن التلاوة ويعتكف في العشر الأواخر من رمضان على الدوام، ومن عادته أنَّه كان يلبس عمامة ليلة أحدى وعشرين منه، ثم يكب على الصحف، فيعجب كل من يراه من كثرة اجتهاده، وسيلقى ما قدمه موفورآ له، وكانت وفاته في ٧ جمادى الأولى، فرحمة الله عليه، ونساله أن يتغمده برحمته ويسكنه بحبوح جنته، وكان عابدًا مجتهدًا.
ومن غرائب ما وجدت منه: أنَّه يتوكل على ربه في أمر معيشته، ويلهج بقول
стр. 1352
بعض السلف الصالح: والله ما أبالي لو كانت الحبة بدرهم، وقول بعض السلف أيضًا عن أمر المعيشة، وأن الله تعالى هو الرزاق لخلقه منه الثمن والمثمن.
وفيها وفاة رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بريدة رجل الدين والخير عبد العزيز بنُ على بنُ مقبل، وذلك في ٢٠/ ١١ من هذه السنة، وكان قويًا مهابًا جدًا.
وفيها في شوال وقعت حريقة في جدة وكادت أن تهلك ما مرت عليه في البلد لولا عناية الله جلت عظمته، فسخر أطفائها على أيدي أناس من الأمريكيين، واستعملوا أشياء لأطفائها، وفي الشهر أيضًا نزل على مكة المشرفة خريف كاد أن يغرق أهلها.
وفيها حصل انقلاب في سوريا واستعملت لذلك الأسلحة، وقتل بعض الزعماء.
وفيها قدم ملك الأفغان لزيارة رسمية للمملكة العربية السعودية، واستقبل استقبالًا يليق بفخامته، وعاد بعد الزيارة إلى وطنه، ويؤمل من هذه الزيارة عقد الأخوة بين ملوك الإسلام والعرب للنظر في أمور السياسة.
ثم دخلت سنة ١٣٧٠ ه ـ
استهلت هذه السنة وعمال الشَّرِكةَ يدأَبون في التنقيب عن المعادن في المملكة العربية السعودية من ذهب وفضة، وسائر المعادن والبترول، وحصلت على قدر عظيم من ذلك وأصبح الظهران وما يله من البلدان كالدمام والخبر ورحيمة وغيرها قد امتدت عمارتها وغمرتها الخلائق من كل حدب وجهة، فملأوا تلك الأراضي التي كان مستقبلها لا يزال في ازدهار وتقدم ونشاط، وذلك لما قام بتلك المقاطعة من المصالح الدنيوية، حتَّى رتعت بحلل الثقافة والرقي، وإن بلادًا يستخرج منها البترول بأنواعه بكثرة لجديرة بالتقدم، ولقد استطاع وزير المالية عبدِ الله بنُ سليمان بنُ حمدان خلال العشر سنوات أن يفيد المملكة امتيازات شركة أرامكو، فجنى بها من الأموال ما لم تكن تنتظره، وأنفق معظمها، ولا يزال على المشاريع العمرانية والاجتماعية والصحية، على
стр. 1353
إعداد الجيش القوي محققًا في ذلك النهضة الأولى في جزيرة العرب، تلك النهضة التي أسسها جلالة الملك عبدِ العزيز آل سعود سيد الجزيرة عندما اكتشف البترول لأول مرة في الظهران تقدمت لاستثماره شركات بريطانية وأمريكية، فقال ابن سليمان، إن من يعطي شروطًا أفضل يمنح له الامتياز، وتقدمت بهذه الشروط أمريكا فمنحت الامتياز، وعندما تفجرت تلك الثروة من الأرض فأحالت التراب ذهبًا طلب الوزير عبدِ الله بنُ سليمان إلى الشركات الأمريكية تعديل شروط الامتياز، فعدلها أولًا وثانيًا حتَّى بلغت ميزانية الدولة لهذا العام سبعمائة وسبعة وخمسين مليونًا.
ذكر وفاة وزير الدفاع منصور بن جلالة الملك عبد العزيز
ففي اليوم ٢٤/ ٧ توفي الوزير، وهذه ترجمته:
هو الأمير الكبير والعلم الشهير صاحب السمو الملكي منصور بنُ عبدِ العزيز بنُ عبدِ الرحمن آل فيصل آل سعود قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، الشاب الأديب المثقف الألمعي، طيب الذكر، القائد العظيم، الماهر في القيادة.
ولد ﵀ في سنة ١٣٣٨ هـ، وكانت أمه تركية، وقد أعجب به والده وأولع به لما يتفرسه به من المؤهلات، ولقد صدقت فراسة والده به، وكان عند حسن الظن، فظهر مظهرًا رائعًا في البطولة والسياسة وحسن التدبير، وله ذوق طيب في الأداب، وكان ذكيًا إلى حد بعيد، حتَّى أنَّه ليدرك الأمر الصعب البعيد بالبداهة في لمح البصر ما لا يدركه غيره، كريم النفس، وكان يشبه أباه الملك في وثاقة التركيب وقوة البنيان، وارتفاع الذرى، وكان قائدًا حربيًا مولعًا بالفنون العسكرية والمخترعات الحديثة، طموحًا وثابًا حتَّى وصل إلى غاية بلغت به أن أسند إليه أَبوه وزارة الدفاع لتمام كفاءته في إصلاحها، والسير بها إلى الإمام والتقدم، فهو خبير بآلات الحرب الحديثة من دبابات وطائرات ومدافع، وأسلحة، حتَّى أن القادة البريطانيين وعلى رأسهم القائد الشهير أوكنلك
стр. 1354
أعجب بعبقريته وكفاءته ومؤهلاته الحربية والعسكرية حينما زار الصحراء العربية في هذه الحرب.
وما زال يدرب من وكل إليه أمرهم من النود تدريبًا فنيًا جيدًا حتَّى أصبح الجندي السعودي، له شأن عظيم لا يفقد شيئًا من أمور البطولة والشجاعة، وإن وجود قائد كمنصور على وزارة الدفاع بهذه البراعة ليؤذن بتقدم الجيش السعودية وقوته، وإنه يبلغ مبلغًا طيبًا، ولا ريب عند أهل المعرفة أن وفاته هدّ عظيم في جانب هذه المملكة، ولقد حزن عليه والده وبكاه، وتأثر لموته، وأصيب به المسلمون، وخسرته الحكومة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قدر الله وما شاء فعل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ولقد أسس مساجد، وطبع كتبًا على نفقته، وقام بمشاريع عظيمة، غير أن المنية لم تمهله يعمل ولا يكمل، فيا للفادحة الكارثة، ويا للرزء الكبير، ولقد أمر صاحب الجلالة الملك بتنفيذ جميع ما أسسه إكرامًا له، ومساعدة لأعماله الخيرية التي قام بها، وما زال يتقدم بالجيش حتَّى أصيب في هذه السنة كرض مخوف، فبعث به والده الملك إلى باريس للمعالجة، ولما قدمها لم يفد فيه العلاج شيئًا، بل اشتد ألمه، وبعد ذلك خرجت روحه هناك، وكان قد أوصى والده بوصيتين حينما أراد الذهاب وأحس بأن المرض قد أجاه، وخشي أن لا يرجع أوصاه باولاده، ثم أوصاه أن يهتم بقوة الجيش وإعداد السلاح، وقال إن الحكومة هي الجيش، فبقوته تقوى الحكومة، ولما توفاه الله تعالى هناك دعى والده يحثمانه إلى المملكة ليانس بقربه للزيارة، فأتى به وجهز وصلى عليه ثم دفن في الطائف.
ولقد حرصت حال وضع ترجمته على إثبات قصيدة رثائية لهذا القائد العظيم فلم أجد شيئًا، ولولا ضيق الوقت لأتينا بمرثاة تعدد شيئًا من مناقبه وأخلاقه.
ونبرز هنا كلمته التي ألقاها في استقبال القوى السعودية المجاهدة في فلسطين بعد أن أدت واجب الجهاد في تلك الأرض المقدسة، ثم قدمت في الشهر الخامس من السنة المتقدمة، فوافاها في ميناء جدة على رأس كثير من
стр. 1355
رجال الجيش وأعيان البلاد، ورؤساء الدوائر والوجهاء، وأساتذة المدارس، ورجال الكشافة، وعمد المحلات، وهي هذه:
أبناء وطني العزيز، حضرات الضباط والجنود، أيها المجاهدون الأكرمون، إنه ليملأ قلبي سرورًا حين أحييكم جميعًا وأحيي فيكم روح الشجاعة وروح التفاني لحماية الوطن، والذود عنه، عن هذه القلوب من أبناء الوطن التي احتشدت لتحي المجاهدين في سبيل الله لتوحي إلى وإلى هذا الجيش الذي أتشرف بإدارة أمره بروح الاعتزاز والفخر، وتبعث في نفوسنا روحًا وثابة للعمل في تنظيم قواتنا وإعداد عدتنا للدفاع عن هذا الوطن المقدس، إن الجيش هو سياج الوطن وهو بعد الله حامي حماه، والجيش ليس إلَّا مظهرًا من مظاهر الأمة، وهو عنوان مجدها وفخارها التي لا يكون الجيش مفاخرًا لنفسه إلَّا إذا رأى الأمة بشبابها وكهولها وشيوخها تمده بأكبادها وقلوبها، لقد انبثقت قوة الإسلام من هذه البلاد المقدسة، ففتحت المدن والأمصار وشباب اليوم هم نسل آباء الصدق الذين خلقوا لهذه الأمة ذلك التراث العظيم من المجد والفخار، ولا ينقصنا للوصول إلى ما وصلوا إليه إلَّا صدق العزيمة للسير على الطَّرِيقِ الذي ساروا عليه.
أبناء وطني، أمامنا مستقبل حافل بالأحداث، ومن لا يكون ذئبًا أكلته الذئاب، واني أنتهز هذه الفرصة السعيدة فادعو جميع من يستطيع من أبناء وطني الإنخراط في سلك الجندية لحفظ كيان البلاد والدفاع عن السلام، ولنأمن على أنفسنا في أوطاننا، نحن لا نريد العدوان على أحد، ولم نكن يومًا ولله الحمد من المعتدين، إنني أنتهز هذه الفرصة لأشيد بالمساعدات العظيمة التي لقيها جند مولاي الملك عبدِ العزيز من عطف ورعاية حباها به جلالة الفاروق ملك مصر، وكذلك المساعدات العظيمة التي لقيها من حكومة مصر وشعبها، وإن الصلات التي توثقت بيننا وبين مصر حكومة وشعبًا واشترك فيها الدم القاني في سبيل غاية واحدة في السراء والضراء كالبنيان المرصوص تعمل لخير
стр. 1356
الإسلام والعرب، ولنصرة مبادى الجامعة العربية، وفي الختام أسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير لأمتنا، ولتقوية جيشنا المحبوب في ظل قائدنا الأعلى جلالة الملك عبدِ العزيز ومعاضدة سمو ولي عهده، وأن يديم نصره وتأييده لرفع كلمة الإسلام والمسلمين والعرب.
ولما زار المترجم منصور بنُ عبدِ العزيز القوات السعودية المجاهدة المرابطة بالسويس أنشا هذه الأبيات تحية له الأستاذ محمد سعيد بابصيل عضو البعثة السعودية بمعهد مصر للطيران:
العيد في رؤياك أكرم ... وافد يا قلب فاهنأ بالأمير الوافد
سعدت بلقياه العيون وطالما .... سعت القلوب إليه سعي مجاهد
منصور قد زرعت يداك أمانيًا ... للناشئين فكنت أكرم حاصد
فلكم أيادٍ حملت بمفاخر ... غرً وأخرى طوقت بمحامد
أنت الذي بعث البعوث فكنت ... في إيفادها للمجد أصدق رائد
منصور فعل محنك ومسود لخطي .... موفقة ورأي سائد
قدت النفوس بحكمةٍ وروية ... لا بدع ذلك فعل أعظم قائد
لهفي عليك وفي يمينك رايةً ... تدعو لخير مناهل ومقاصد
لهفي عليك وفي اعتزامك صرخة ... دوت بأقدس جامع ومعابد
تهفو إليك قلوبنا ... وعيوننا والله في الحالين أعظم شاهد
فلو النجوم الزهر تسعى بيننا ... لنظمتها لعلاك خير قلائد
سلمت يداك وعدت فينا سالمًا ... روحي فداك على المدى وقصائدي
وقال الأستاذ محمد فدا عضو البعثة السعودية:
منصور اسمك في الوغى ... لحن يردده الجنود
منصور اسمك نشوة ... تسري فتضطرم الجهود
لك في البطولة آية ... يفنى الزمان ولا تبيد
ما أنت بالرجل الغليظ ... ولا بذي الطبع العنيد
стр. 1357
أوتيت قدرة طارق ... ومؤهلات ابن الوليد
عش للعروبة حاميًا ... للدين والوطن المجيد
ومن كلام الأمير منصور الذي حفظ عنه وخلد ذكره قوله:
أمنيتي في الحياة أن أخدم مليكي وبلادي وأمتي خدمة حقة، وأن أعمل في سبيل عزة الإسلام ومجد العروبة، وأسير على نهج والدي، وأنهض بالجيش السعودي.
ولما أن توفاه الله وانتقل إلى رحمته جعل الأمير مشعل بنُ عبدِ العزيز وزيرًا مكانه في الدفاع، وزوده والده الملك بوصايا، وحثه على أن يسير بالجيش على خطة منصور حتَّى كأنه لم يمت.
وفيها وفاة خطيب المسجد الحرام الشيخ أبي السمح محمد عبدِ الظاهر في عهد جلالة الملك عبدِ العزيز، وكان أَبو السمح شيخًا فاضلًا، ذا علم ودين، وله بعض مؤلفات تدل على تمسكه بالدين والميل إلى السنة، وكان مصريًا، وقد تولى إمامة مسجد أبي هاشم بالرمل، فكان فيه إمامًا وخطيبًا وذلك في الإسكندرية، ومن أبياته الحسنة قوله في قصيدة البائية التي بينت من عقيدته وما يدين الله به:
فيا داعيًا غير الإله وعاكفًا على ... القبر تشكو ما عراك وتندب
أليس إله العرش للعبد كافيًا ... كفيلًا بما يرجوه منه ويرغب
أليس هو الرب اللطيف بخلقه ... فمن غيره للخلق أدنى وأقرب
ومن مثله حيٌّ سميعٌ لمن دعى ... قديرٌ على إعطاء ما منه يطلب
إلى أن قال:
وحب رسول الله أرجى وسيلةٍ ... وأعظم قربى للذي يتقرب
ويشفع يوم الحشر في الناس كلهم ... كما صح في الأخبار يروي ويكتب
فيسجد تحت العرش للهِ داعيًا ... بكل خضوع يقتضيه التأدب
فبإذن رب الخلق في الفصل والقضا ... وسِيقَ إلى النار الغواة فكبكبوا
وقام على الحوض الشريف نبينا ... وطار إليه الناس عطشًا ليشربوا
وكان قد تولى إدارة دار الحديث في مكة المشرفة، وقد رأيته غير مرة في
стр. 1358
مكة المشرفة زادها الله تشريفًا، وجالسته وحادثته، فكان رجلًا عاقلًا أديبًا، ذا بشاشةٍ وتواضع، رزينًا له لحية كثة بيضاء قد أعفاها، ممتلئ الجسم، بهي المنظر، وقد يجلس على كرسي في الحرم الشريف للوعظ، ولكلامه وخطبته وقراءته وقعٌ عظيم في النفوس، وتطمئن إليها، فنسأل الله أن يتغمده برحمته ويسكنه في جنته، وقد حظي لدى جلالة الملك عبدِ العزيز واختصه لهذه الوظيفة، فقام بها خير قيام.
ذكر مصرع الملك عبد الله
كان لقتل الملك عبدِ الله أسباب، وذلك بأنه دعى لديه رئيس الوزارة اللبنانية رياض الصلح، وكان الملك عبد الله لما مرَّ ببيروت في طريق عودته من تركيا، لم يكن رياض الصلح في استقباله، فقيل له أن رياض الصلح وهو خارج الوزارة لم يشأ أن يفرض نفسه على استقبال رسمي يقام للملك عبد الله، فقال: إني أريد أن أراه لأمر هام، وكان رياض الصلح يستجم في برمانا، ولما علم الملك عبدِ الله أنَّه خارج بيروت طلب إبلاغه بضرورة الذهاب إليه في عمان، واتصل رياض الصلح تليفونيًا بالملك عبدِ الله في قصر الرغدان يشكر له اهتمامه بالسؤال عنه، وقال له الملك عبدِ الله: اني أريدك في أمر هام، فتعال عندي غدًا، واعتذر رياض الصلح بأنه لا يستطيع، وضرب الملك موعدًا آخر، ثم ضرب الملك موعدًا ثالثًا يحل في ليلة القدر، وقال لرياض الصلح في التليفون: أريدك أن تقضي معي ليلة القدر، واعتذر رياض بك وقال للملك: هل يأذن لي سيدنا في أن أجيء في العيد بدلًا من ليلة القدر؟ ووافق الملك عبدِ الله، ولما أن كان في يوم العيد اتصل رياض الصلح بقصر رغدان يعتذر للملك عبدِ الله ويرجو منه تأجيل موعده مع جلالته أسبوعًا.
ولما أن أراد السفر على مضض قال لمن حوله: الواقع أني لا أعلم لماذا يريدني الملك، ولكني خجلت من إلحاحه، ومع أني غير مستريح إلى هذه
стр. 1359
السفرة فإني سأذهب، ولما أن قدم على الملك عبدِ الله كان أول عبارة قالها الملك له:
والله ما كرهتك قط برغم كل ما مرَّ بيننا من خلافات ومن تباعد في بعض وجهات النظر، وعلق الملك على صدر رياض الصلح أرقى وسام أردني وقال له: أمنيتي أن تحمل هذا الوشاح في جميع الحفلات التي تحضرها، وقال رياض بك: سيزين هذا الوشاح صدري طوال عمري يا صاحب الجلالة، فرد عليه الملك بقوله: بل إن صدرك هو الذي سيزين الوشاح يا رياض بك.
ولما أن كان في ساعة الوداع قال له الملك عبدِ الله: بالله يا رياض بك ابق معي لنصلي الجمعة معًا في المسجد الأقصى، فأجابه شكرًا يا سيدنا، لا بد أن أعود اليوم إلى بيروت، لقد ارتبطت بحضور جلسة مجلس النواب يوم الأربعاء لأتكلم في مسألة هامة، ولما افترقا من الوداع اتجه رياض الصلح إلى فندق فيلاديفيا، ثم إلى طريق مطار عمان حيث كان الموت يتربص له، وبينما هو يسير بسيارته على مهل وفي رفقة سيارة أخرى تحرسه، ومعه بعض رفقته إذ تقدمت فجاة سيارة خضراء قد أطلقت أَبواقها، فأعطاها سائق السيارة الطَّرِيقِ، ومشت بين السيارتين في وقت تحقق الريب منها مرافقوا سيارة رياض وهموا بصدها، ولو أثر ذلك تصادمًا لكنها أطلقت الرصاص على سيارة رياض الصلح، واستمرت في سيرها، أما سيارة الرئيس فقد وقفت وأقبل عليه أحد الذين معه يكلمه فإذا به لا يجيب، وإذا بالرصاصة الثانية قد أصابت رفيقه.
أما هو فإنه أصيب بالرصاصة الأولى ودخلت في قبله فلم يتحرك من مكانه، ولما نزل بعض حراسه مهرولًا من السيارة الثانية وجد جليسه ملقى على أرض السيارة يتلوى، ورياض الصلح جالسًا ووجهه ملوث بالدم، وعيناه مغمضتان نصف إغماضة، فأخذه على صدره يصيح للسائق أسرع به إلى المستشفى، ولم يكد يكمل كلامه حتَّى سال دم أسود من فم رياض الصلح، ثم تدلى لسانه من فمه وشرع بقية حراسه يطاردون القاتلين.
стр. 1360
وكان قتله في تمام الساعة الرابعة والربع من يوم الاثنين ظهرًا الموافق ١٣ شوال من هذه السنة، ولما جرى ذلك ذهب أحد رفقته يخبر الملك عبدِ الله بنُ الحسين في قصر الرغدان، ولما وقف أمامه وأخبره بما دبر من الكيد له نهض واقفًا يسأل ماذا جرى؟ فأجابه بقوله أطلقوا الرصاص على رياض الصلح، فتكلم مذهولًا من هم؟ وصاح وهو يخبط يديه ويشد شعر لحيته هاتوا السيارة، أريد أن أذهب، وصاح بياوره ها الفرد؟ هات المسدس؟ ثم أخذ ينادي بعصبية وبدون وعي: يا حرس؟ يا حرس؟ هاتوا السلاح واتبعوني، وجعل يقول وهو يشد شعر لحيته ويضرب كفًا بكف: ظلموك يا رياض، ظلموك يا رياض، ثم ركلب الملك سيارته وخرج يبحث بنفسه عن المستشفى الذي نقل إليه جثمان رياض بك، ثم علم أخيرًا أنَّه المستشفى الإيطالي، وتقدم الأطباء من الملك يعزونه، وكان التأثير قد بلغ به مبلغًا شديدًا، فصاح في الأطباء وهم يعزونه: ضعوه في سيارتي، فوضع فيها وانطلق عبدِ الله بنُ الحسين عائدًا بجثته، ثم جلس يحوارها في صالون القصر يصلي ويبتهل.
ثم قام يباشر التحقيق سائلًا رئيس الديوان الملكي فرحان الشبيلات أنَّه يجب أن يتضح الحق، وجعل يقول: كان الرجل عزيزًا على، وكان ضيفي، وجعل يقول: لقد ألححت عليه أن يبقى هنا ليصلي معي الجمعة في المسجد الأقصى، ولو أنَّه قبل رجائي ما قتلوه، ولقد قبض على قاتلين فأصيبا بالرصاص وقتلا وحصل الثالث على الفرار وشدد في طلبه، حتَّى قام ألف جندي يحاصرونه.
ثورة في بيروت
لما قتل رياض الصلح كانت المظاهرات فيها لا تزال هائجة تهدر كالأعاصير صائحة، وكان الشعور في لبنان جامحًا ضد الملك عبدِ الله، وكان هناك من يمضي به الجموح إلى حد القول بأن رياض الصلح دعي إلى عمان لكي يقتل، فقد كان من المستحيل التخلص منه وهو في بيروت، على أن بعض
стр. 1361
المعتدلين في بيروت يقولون أن عبدِ الله بنُ الحسين بريء من دم رياض الصلح، بل كان ضحية الذين دبروا المؤامرة، وأنهم هؤلاء المجهولين هم الذين ألقوا في ذهن جلالته فكرة دعوة رياض الصلح إلى عمان، ولكن هنا من يقول: لماذا دعا الملك عبدِ الله رياض الصلح إلى عمان؟ ولماذا ألح عليه في الدعوة، وصمم على أن يذهب إليه رياض الصلح؟
ولما أن أحسَّ الملك عبدِ الله أن الكثيرين في بيروت ينظرون إليه بريبة سأل رئيس الوزارة سمير الرفاعي على أثر عودته من بيروت، هل يتهمونه بأنه دبر مقتله؟ ففهم أن الذين يوجهون هذا الاتهام قلة، ولا يعتد برأيهم، ولكن هناك كثيرون يقولون أنَّه حدث تقصير في حراسة رياض الصلح في عمان، وخصوصًا وقد كان من المعروف أن الحزب السوري القومي قد رتب أن يقتل رياض الصلح ثارًا لأعدام أنطون سعادة، ذلك بأن أرملته ظنت أن رياض الصلح هو المسؤول عن إعدام زوجها المذكور، وأقسمت أن تثأر له، وكانت هي إحدى الأيادي التي حركت المؤامرة لقتل رياض.
فتبين الملك عبدِ الله أن الشعور في لبنان ضده قد ازداد جموحًا، وأن الجماهير الثائرة تطالبه برياض الصلح تطالبه بأن يرده لها سليمًا على الأقل كما دعاه إليه سليمًا، وقد اتصل مسؤول رسمي في الحكومة اللبنانية بقصر الرغدان وقال: لقد علمنا أن جلالة الملك عبدِ الله يريد أن يرسل ابنه الأمير نايف في صحبة جثة رياض الصلح، ونحن ننصح أن لا يجيء الأمير إلى بيروت لأن الرأي العام هائج.
وأصدر الملك عبدِ الله أمره إلى ابنه نايف بأن يبقى في عمان، وحدث بعد ذلك أن رافقت جثمان رياض الصلح إلى بيروت بعثة شرف، ولكن المسؤولين اللبنانيين نصحوا البعثة بأن تعود على الفور، وإن لا تبقى في بيروت ولا دقيقة واحدة، وعادت البعثة.
ثم اتصل الملك عبدِ الله مرة أخرى ببيروت يقول: ثقوا أن المصاب الوحيد في هذا الحادث هو أنا، لأنه بالإضافة إلى إيثاري لرياض الصلح فقد خرَّ صريعًا في
стр. 1362
سيارتي الخاصة، وفي بلدي، وفي ضيافتي، وهذا أمر ماس بشرفي، ولقد وقفت علية الصلح كبرى بنات رياض الصلح في المسجد أثناء الصلاة على والدها بعدما أبدت أسفًا شديدًا، وجزعًا مهلكًا فقالت: لي كلمة واحد:
لقد أعطاكم أبي الاستقلال، فأعطوه الثأر، فهاجت بيروت وارتفع هدير الآلاف المؤلفة أمام المسجد الذي أقيمت فيه الصلاة: يا عبدِ الله وين رياض ... يا عبدِ الله وين رياض ... ، ثم أقسمت علية الصلح ابنة رياض الصلح لتثأرن لوالدها حتَّى جعل يقسم أهل المعرفة أنَّه سيقتل الملك عبدِ الله قبل أسبوع.
ولما وقع سؤال لبعض أولئك المشنعين، هل تتهم الملك؟ قال: لا أعلم ولكن رياض الصلح ذهب في ضيافته، وفي ضيافته قتل، وجعل لبنان كله يتوقع قتل الملك عبدِ الله قبل مقتله بأربعة أيام، يا عبدِ الله وين رياض ... يا عبدِ الله وين رياض.
صفة قتل الشريف عبدِ الله
لما دخل الملك عبدِ الله ليؤدي فريضة الجمعة في المسجد الأقصى في ١٦ شوال قبل الأذان بعشرة دقائق، امتدت يد من وراء باب البهو الثاني وأفرغت رصاص مسدسها في صدره، فسقط الملك عبدِ الله على الأرض يجود بنفسه، ويده لا تزال على قلبه، قكان مضرجًا بدمائه، ودوى صوت الرصاص في المسجد وصاح الحراس قائلين: اقتلوه اقتلوه، وتتابع الرصاص وسقط القاتل دون أن يفتح فمه، وحدث هرج ومرج، وتقدم الوزراء والحراس يصيحون: طبيب .. طبيب .. وبينما هم كذلك إذ بأحدهم ينادي: مات عبدِ الله، وأجهش الوزراء ورجال الحرس بالبكاء، واجتمع مجلس الوزراء فورًا، وأصدر بلاغًا رسميًا بتعيين الأمير نايف بنُ عبدِ الله وصيًّا على العرش لعدم وجود ولي العهد طلال، في صفته خارج المملكة في حال استشفاء تحت عناية الأطباء مدة مؤقتة.
وقد نكست الأعلام هناك أسبوعًا لموته، وأعلن الحداد العام مدة ثلاثة أشهر، ونقل جثمانه في طائرة خاصة من القدس إلى عمان، وكان قاتله شابًا من أهل
стр. 1363
فلسطين يدعى مصطفى شكري في الحادية والعشرين من عمره، ويقال أن له شركاء، وقد دفن الملك في الدافن الملكية الخاصة في عمان، ولما أن علم الأمير طلال بوفاة والده الملك عبدِ الله حاول أن يسافر فورًا إلى عمان ليتولى الملك، ولكن أطباءه منعوه من هذه المحاولة، ونصحوه بالانتظار، وليست هذه أول مرة يحاول فيها الأمير طلال العودة إلى عمان، فقد سافر فعلًا من لندن إلى عمان فجاة، ثم أعاده الملك عبدِ الله إلى سويسرا بعد أيام من وصوله إلى بلاده.
والمعروف هنا أن الحكومة البريطانية كانت على اتفاق مع الملك عبدِ الله بأن لا يتولى الأمير طلال العرش بسبب حالته العصبية، وقد غضب الأمير طلال من أن حكومة شرق الأردن لم تعلنه ملكًا كما تجري التقاليد، وأنها أصرت على تسميته ولي العهد حتَّى بعد وفاة والده، غير أن المحيطين به ينادونه بعد ذلك بصاحب الجلالة، ثم إنه عاد إلى عمان وتولى الملك بعد أبيه، وهذه ترجمة عبدِ الله:
هو الملك عبدِ الله بنُ الحسين بنُ على بنُ محمد بنُ عبدِ العين بنُ عون الشريف، وقد تقدم غالبها في سنة تسع وثلاثين.
أما الوصي عبدِ الإله فقد أذيع في لندن بأنه سيقطع إجازته في لندن ويعود حالًا إلى بغداد، ثم إلى عمان ليشترك في تشييع جنازة الملك عبدِ الله، وسترسل وزارة الخارجية وقصر بكنجهام تعازيها الليلة إلى عائلة الملك الراحل وتدرس وزارة الخارجية البريطانية الآن، فيما إذا كانت سترسل مندوبًا خاصًا للاشتراك في تشييع جنازة ذلك الرجل الذي حكم شرق الأردن مدة ثمان وعشرين سنة، وزار بريطانيا للمرة الأولى في سنة ٣٧ ليشترك في حفلات التتويج، والثانية في سنة ١٩٤٩ م الميلاديتين كضيف على الحكومة البريطانية، وقال الدكتور رالف بونش الوسيط السابق في فلسطين: لقد هزني الألم فقد كنت أعرفه جيدًا، وكنت أقدره وأحترمه جدًا، ولقد كان جلالته شخصية فريدة في عصره، كما كان فيلسوفًا وشاعرًا وسياسيًا واقعيًا.
صدي الحادث في فرنسا
أثار اغتيال الملك عبدِ الله اهتمام الدوائر الدبلوماسية الفرنسية، وقال متحدث
стр. 1364
رسمي بلسان وزارة الخارجية الفرنسية أن فرنسا قد استنكرت هذا الاعتداء الدامي استنكارًا بالغًا، كما أنَّها ترى أن هذا الحادث يعتبر انذارًا خطيرًا بازدياد حالة التوتر وعدم الاستقرار في دول الشرق الأوسط، وخاصة لأنه جاء في أعقاب حادث اغتيال رياض الصلح في عمان، هذا وقد نكّس فوزي الملقى العلم فوق المفوضية بعد أن تلقى برقية من الأمير نايف جاء فيها:
أبلغكم بمزيد من الأسف بنبأ الكارثة التي حلت بنا باستشهاد جلالة الملك الراحل، ووصف الملقي باشا حادث الاغتيال فقال: إنه سوف تعقبه نتائج خطيرة، وأن الوقف الداخلي في شرق الأردن تد يتعقد بسبب ذلك الحادث، وذكر أن جلالة الملك الراحل كان قد أوصى بإجراء انتخابات عامة في ٢٩ أغسطس، وقال أن هذه الانتخابات قد تؤجل لبضعة أشهر ريثما تهدأ الحالة، وقال الملقي باشا: أن الأمير طلال هو الوريث الدستوري للعرش، ومن بعده ابنه الأمير حسين البالغ من العمر ١٤ عامًا وهو طالب بكلية فيكتوريا بالأسكندرية، وأن العرش لا يؤول لأحد غيرهما.
ولقد أنعم الملك عبدِ اللَه قبل وفاته بوسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى على الأمير حسين نجل الأمير طلال، أما الحكومة المصرية فإنها تستنكر هذه الجرائم، فأدلى رفعت النحاس باشا بمناسبة مصرع الملك عبدِ الله بالتصريح التالي:
تلقت الحكومة المصرية بمنته الألم هذا النبأ الفاجع، وهي تشاطر الأسرة الهاشمية، والحكومة الأردنية حزنهما على الملك الراحل وتستنكر أشد الاستنكار، هذه الجرائم السياسة التي هي أسوأ ما تبتلى به الشعوب هدى الله أمة العرب سواء السبيل، وجنبها كل مكروه، كما أن السفارة المصرية في واشنطن أذاعت بيانًا رسميًا جاء فيه:
لا شك أن حادث اغتيال الملك عبدِ الله مؤسف ومؤلم، ولا شك أنَّه يدل على أن منطقة الشرق قد أصبحت حساسة، وأنه ينبغي معالجة مشاكلها بعناية تامة، وقد أبدى دبلوماسيو الأمم المتحدة قلقهم الشديد خشية أن يؤدي اغتيال الملك عبدِ الله إلى إنهاء الهدنة الفلسطينية.
стр. 1365
وقال متحدث بلسان وزارة الخارجية الأمريكية أن السلطات الأمريكية المختصة تدرس بعناية تامة حادث اغتيال الملك عبدِ الله، وأثر ذلك في الموقف السياسي الدقيق في دول الشرق الأوسط.
أما المحاولات السابقة لاغتياله فقد حدثت فيما مضى عدة محاولات عديدة لاغتياله، ففي عام ١٩٤١ م أشيع أن الأمير طلال ولي العهد أطلق الرصاص على والده وأصابه بجراح بالغة، ولكن الملك عبدِ الله كذَّب هذه الأنباء.
وفي أبريل عام ١٩٤٩ م حكم بإعدام على ثلاثة من الفلسطينيين وأردني واحد لتآمرهم على قتل الملك، وذلك بوضعهم الألغام في الطَّرِيقِ الذي كان معروفًا أنَّه سيمر منه، كما حكم بالسجن المؤبد على رجلين سوريين وآخرين فلسطينيين، وكانت الدوائر الرسمية بالحكومة البريطانية تتهم اتهامًا قويًا الحاج أمين الحسيني بأنه هو المسؤول عن اغتيال الملك عبدِ الله، وبأنه يحاول القضاء على الوحدة العربية، وأمين الحسيني هو المفتي الأعلى رئيس مجلس الأمة الفلسطينية العربية.
أما صفات عبدِ الله الجسمانية:
فكان ربعة يميل إلى السمنة، أبيض اللون مشرب بحمرة، مليح الطلعة، ذو وجه باسم، وكثير الشبه بوالده، غير أنَّه كان أبلغ في السياسة من أبيه، وكان سخيًا، بلغت به الحالة إلى أنَّه كان يستدين وينفق إذا لم يجد ما يهبه لزواره وقاصديه، فاضطرت الحكومة الإنكليزية على التدخل لما كثرت ديونه، فأرصدت له راتبًا من راتبه معلومًا في أول الشهر.
أما الباقي من راتبه السنوي فإنه أرصد لقضاء دينه، وقد تزوج سنة ١٣٢٠ هـ بالشريفة مصباح كريمة عمه ناصر باشا، فولدت له الأمير طلال وبنتًا، وتزوج بشركسية فولدت له الأمير نايف وابنتين، وهو فصيح في الخطابة، فإنه لما جاءه المعزون بعد نعي أخيه فيصل خطب فيهم فقال:
إن المصاب هو مصاب العرب، أما نحن فذو مصابين، مصاب خاص، ومصاب عام، وأنتم تعرفون المرحوم، فلا حاجة إلى من يعرفكم عليه، ندعو الله أن يعوض
стр. 1366
الإسلام والعرب عن فيصل، وقد ما كان الله للجميع، فليأخذ الله بيدنا ويصبرنا على هذا المصاب الجليل.
وخطب أيضًا فقال: لا حي يدوم إلَّا وجهه الكريم، لقد استرد الله فيصلًا، وإن هذا الاسترداد ليصعب على القلوب والعرب أحوج ما يكونون إليه، ولكنا نحن آل زيد دائمًا مصابون والله لا ينساكم، ولكم برسول الله أسوة حسنة، بارك الله فيكم، واسيتمونا وعزيتمونا جزاكم الله خيرًا عن كل عين دمعت، وعن كل قلب رجف، استغفروا للمرحوم، أرجو الله أن لا يسيئكم بعزيز.
ولما أن توج الملك طلال بنُ عبدِ الله كان محبًا للعرب، وله ميل إليهم، فجلس على العرش بعد والده في هذه السنة.
وفيها وفاة رجل الدين والخير صالح بنُ فوزان الملقب العويدة، وهذه ترجمته:
هو صالح بنُ إبراهيم بنُ صالح بنُ فوزان بنُ راشد بنُ صالح بنُ ناصر، ويجتمع نسب آل فوزان، ونسب آل فهيد في راشد بنُ صالح بنُ ناصر المتقدم ذكره.
أما فوزان والد الأسرة فكان له ابنان صالح وعلي، فأبناء صالح هم فوزان ومحمد وعبد الله وسليمان وإبراهيم والد المترجم وحمد وعبد العزيز وحمود وعبد الكريم وناصر وابنتان.
أما آل علي فأربعة: بنين فوزان بنُ علي، ومحمد وإبراهيم وعبد الله.
أما ما كان عن المترجم: فإن وفاته في شهر ذي القعدة من هذه السنة، وكان ذا أصل عظيم، ولازم خاله الشيخ عبدِ الله بنُ محمد بنُ فداء العالم المشهور بالزهد، فقد أخذ عنه واستمسك بغرزه، وناهيك به من إمام زاهد، وقد قدمنا من ذكر ترجمته.
رحل المترجم إلى مدينة الرياض للأخذ عن الشيخ عبدِ الله بنُ عبدِ اللطيف، فتعلم بين يديه وأخذ عن الشيخ محمد بنُ عبدِ الله بنُ سليم، وكان لهؤلاء العلماء في عقيدته الصالحة أحسن تأثير، وكان يلهج بعقيدة السلف الصالح، ومولعًا بذكر الصالحين، يحن إليهم، ويبكي عند ذكرهم، ويحث على التمسك بهدي الصالحين، وبكل حال فإنه من أولياء الله الذين ترجى لهم النجاة.
стр. 1367
وفيها في شعبان هطلت أمطار غزيرة على ملهم فمحتها، وكثر السيل حتَّى لم يبق فيها ساكن، غير أن الله تعالى لطف بسكانها في أرواحهم، فلم يهلك من الأهالي سوى امرًاة واحدة، وهذا شيء عجيب، حتَّى جاء في بعض الأخبار أنَّه لم يبقَ لها أثر، والله على كل شيء قدير، وقد بعثت الحكومة مساعدات لأهلها من الأطعمة والخيام شيئًا كثيرًا.
وفيها في ٩ شوال هبت رياح سموم حار يكاد أن تحرق ما مرت عليه من الحرث وغيره، وذلك في ٢٠ من برج السرطان، واشتد الحر جدًا حتَّى كاد الناس ألا ينامون من الحر، وهذا في نجد، ثم إنه اشتد الحر في مكة المكرمة في موسم الحج، وهلك بسببه خلائق كثيرة، وذلك من شدة ضربة الشمس.
ثم دخلت سنة ١٣٧١ ه ـ
ففيها في أواخر شهر رمضان صدر أمر ملكي إلى مأموري البرق والبريد بأن ترفع كل شكاية من أي شخص كان ينصها بدون تحريف، ولا يجوز تأخيرها ولا إخبار المشتكى منه سواء كان أميرًا أو وزيرًا أو أدنى أو أكبر، وذلك بخمس مواد جاء في الخامسة منها:
إنه ينبغي على كل أمير في سائر أنحاء المملكة أن يعلن هذا البيان لسائر الرعية، بسائر طرق النشر، حتَّى لا تكون ظلامة لتظلم إلَّا رفعت إلى أعتاب جلالة الملك ليتسنى إنصاف المظلوم من الظالم، وليتمكن كل أحد بسائر أنواع البيانات على اختلاف أنواعها في الصحف والجوامع، وممد الملك أن بلدًا ليس فيها صحف تقرَأ هذه الإعلانات على رؤوس الأمة حتَّى يتبين للعموم أن باب الحكومة مفتوح لكل ذي ظلامة، وأنه سيلقى المظلوم نصره، وسيلقى الظالم ما يستحقه من العقوبة، وبهذا تبرأ ذمة الملك عبدِ العزيز بنُ عبدِ الرحمن أمام الله بشأن الراعي والرعية:
تالله إنها للفتة سامية، وخطة قام بها لم يوفق لها كثير من الملوك، فجزاه الله خير الجزاء، فبذلك يستطيع كل مظلوم أن يتصل بالملك ويرفع له شكواه، ولا يمكن لظالم أن يتمكن من الظلم.
стр. 1368
إلغاء رسوم الحجاج
ففيها دعى صاحب الجلالة عبدِ العزيز بنُ سعود ملك المملكة العربية السعودية بنجله وولي عهده سعود، فأخذ القلم بيده وهو يناوله الدواة، فكتب إلغاء رسوم الحجاج التي تؤخذ منهم، ووقعها، وذلك رأفة بحجاج الآفاق الذين يردون إلى المملكة من سائر الجهات.
ولما سئل الوزير عبدِ الله بنُ سليمان بأن هذا الأمر من صاحب الجلالة، أحدث أثر طيبًا في الأوساط كافة، فما هي الأسباب التي حملته على هذا الإعفاء، أجاب أن هذه الرسوم لم تكن من وضع الحكومة العربية السعودية، بل كانت من وضع الحكومات السابقة، وقد كان من أعز أماني حضرة صاحب الجلالة مولاي الملك المعظم إلغاء تلك الرسوم، وانما كانت قلة الواردات وضرورة الصرف على تأمين الحجاج في أرواحهم وأموالهم، والعمل على تسهيل سبل الحج من الضرورات التي أبقت على تلك الرسوم، فلما أذن الله وهو العليم بنوايا جلالته، وسهل أمر الموارد بادر جلالته بتحقيق هذه الأمنية التي كانت تختلج في نفسه، فكانت لجلالته هذه المفخرة العظمى حفظه الله تعالى وأبقاه.
أما مقدار هذه الرسوم عن العام الواحد فهي تعادل خمسة وعشرين مليونًا من الريالات، وقد نشرت إحدى الجرائد المصرية وهي المصري في عددها الصادر في ٨/ ٣/ ١٣٧١ هـ ما يلي:
صدر أمر جلالة الملك المعظم عبدِ العزيز آل سعود بإلغاء الرسوم التي تؤخذ على الحج باسم رسوم الحج اعتبارًا من هذا العام، ومن أخذت منه في هذه السنة ترد إليه، أما ما يتعلق بالخدمات الخاصة بالحجاج من أجور المطوفين وتنقلاتهم ومنازلهم وما يتبع ذلك، فتجري حسب العادة هذه السنة وفي المستقبل يرتب الأمر بين الحاج وأهل الخدمات حسبما يسير الاتفاق عليه، ونرجوا أن يكون في هذا ما ييسر أداء هذا الركن من أركان الإسلام، وقالت
стр. 1369
أيضًا لا شك أن هذه خطوة كبرى نحو تيسير الحج لكل من يسعده الله بزيارة بيته الكريم، وإننا بالنيابة عن جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها نحيي في عاهل الجزيرة تلك الروح النبيلة داعين راجين منه أن يتقبل الدعوات الصالحات التي ستنطلق بها السنة الفقراء من المسلمين شاكرة للعاهل الكبير تلك الخطوة المباركة.
ذكر الاحتفالات الرائعة بزيارة الملك الهاشمي طلال بن عبدِ الله بن الحسين الشريف ملك الأردن للمملكة العربية السعودية
لما أن كان في أوائل هذه السنة صدر البلاغ الرسمي رقم ١٥٣ شهر صفر بأن المملكة العربية السعودية تتشرف بهذه الزيارة الخاصة، وذلك لأنه لما تولى الملك طلال عرش الملك لم يرَ بدًا من زيارة هذه المملكة لما يكنه في نفسه من حب العرب وملوكهم وممالكهم، وهذه الزيارة لتأدية مناسك العمرة، وزيارة مسجد الرسول ﷺ ، ثم بعد ذلك يزور الرياض، وذلك في يوم الخميس الموافق ١٥ صفر ١٣٧١ هـ، فاستقبل في تلك المدن استقبالًا رائعًا يليق بمقام أكبر ملك يكون، وكانت الأعلام الأردنية وهي ترفرف معانقة الأعلام السعودية، تشير إلى الألفة والمودة، كما لبست البلاد بأجمعها حلة قشيبة من الزينة، ونصبت أقواس النصر في ساحة المطار وأمام القصر الملكي العامر.
وركب صاحب الجلالة عبدِ العزيز بنُ عبدِ الرحمن ملك المملكة العربية السعودية إلى مطار الرياض لاستقبال ضيفه، يتقدمه الدراجات النارية فسيارات الجيب، وتتبعه سيارات الحاشية، والحرس الملكي، فلما كان في الساعة الخامسة والنصف من اليوم المذكور هبطت الطائرة الملكية تقل العائلة المالكة ومن فيها من الحاشية، وبعدها بقليل هبطت الطائرة الملكية التي تقل جلالة الملك الضيف ونجليه الأميرين محمد والحسين.
وقد أقيمت المآدب العظيمة في قصر المربع، ثم في الناصرية، وقد أقام الضيف
стр. 1370
أيضًا مائدة في قصره وأقام في الرياض بقية يوم الخميس والجمعة والسبت، وطار من الرياض في صباح يوم الأحد الموافق ١٨/ ٢ بعدما ودع فيها وداعًا حارًا، وأطلقت المدفعية للوداع إحدى وعشرين طلقة، ثم قصد المدينة ومنها إلى الأردن، وقد أهدى إليه صاحب الجلالة الملك عبدِ العزيز ساعته الخاصة أخرجها من جيبه قائلًا للملك طلال أن هذه الساعة تمتاز بعدم التقديم والتأخير، وهي من صنع سويسرا، وإنها هدية متواضعة تذكار الصاحب للصاحب، فقبلها الملك طلال شاكرًا لجلالة الملك ومقدرًا لهديته الثمينة.
وكان الملك طلال في أثناء مخاطباته لجلالة الملك يقول: أنت يا صاحب الجلالة بمثابة الوالد من الولد، وقد قال الملك طلال لمراسل وكالة الأنباء الغربية: لا أستطيع أن أشكر لوالدي الملك عبدِ العزيز وسمو ولي عهده ما لقيته منهما من حفاوة بالغة، ولكن سأدعو الله لهما عقب زيارتي للروضة الشريفة والسلام على رسول الله ﷺ ، وكذلك أذاعت محطة الإذاعة السعودية كلمة عنه أعربت عن شكره لوالده عبدِ العزيز بما شمله به بمحبته الأَبوية، وأفاض عليه من معين خلقه الصافي، وشكر لآل بيته ولكل فرد من أفراد شعبة، ويا حسن تلك الزيارة، وبالتمام والفرح والسرور بذلك لو دام، ولكنه خلع بعد يسير من هذه الزيارة وكانت أيام ذلك الملك قليلة فلا حول ولا قوة إلَّا بالله.
وفي هذه السنة قتل وكيل القنصل البريطاني وذلك مساء سادس عشر صفر الموافق ١٦ نوفمبر، وهذا هو المستر أوزمان، وكان قاتله من الشخصيات البارزة، فما يتعلق بين القاتل والمقتول ولا دخل له في السياسة، وقد ألقي القبض على القاتل وزج في السجن إتمامًا للوفاء بالعهود، وهذا من كمال الإنصاف.
سكة الحديد السعودية
لما كان في ١٩/ ١ من هذه السنة احتفلت الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية لوصول سكة الحديد إليها من الدمام، وكان ذلك في يوم السبت