الحرث والنسل حتى قيّض الله سيد الجزيرة وعاهلها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، فأبدل من خوف البلاد أمنًا، ونشر في ربوع شعبة العلم، وبث فيه الإقبال على العمل والكد، فعمَّ الإصلاح طول البلاد وعرضها.
وكان من ذلك هذا المشروع الزراعي الضخم بالخرج الذي بوشر في تأسيسه وتوجيهه منذ أربع عشرة سنة، وكان القائمون به إذ ذاك عراقيين وسعوديين وفلسطينيين ومصريين، وقد استخرجت الحكومة وادخرت من الثار مبالغ لا بأس بها ورغبةً في زيادة أرقام المحصول في هذا المشروع، ومسايرةٌ للتطورات الجديدة في فنون الزراعة رأت حكومة جلالة الملك المعظم عبد العزيز أن تستوفد بعد التأسيس بخمس سنوات من الولايات المتحدة بعثة للزراعة لتعليم السعوديين وإرشادهم إلى ما يجهلونه من النواحي الفنية للزراعة الحديثة، فوصلت هذه البعثة وهي مكونة من ثلاثة خبراء: رئيس وهو روجرز دايفد وكواس، مدير مزارع السهباء، ومدير مزارع السيح مستر أمرك، وبعد مدة وجيزة من وصولهم أمنوا جميع وسائل الحراثة، ومن ثم شرعوا في توسيع نطاق الزراعة من الحبوب والخضراوات والعلف، علاوة على المغروسات الثابتة من الأشجار والنخيل والأثل، وانه لحق إذا قيل أنهم عملوا عملًا يذكرون به نظرًا لما أسسوه، وما قاموا به من تعمير واصلاح إنتاجه ظاهر، وحينما انتهت مدتهم وتسلم العلم بعدهم بعثة ثالثة برئاسة سام تي لوقن الذي كان محافظًا على عمله، محبوبًا من العمال والمزارعين والموظفين، وبعدما استقال باشر العمل خلفه الرئيس فرنك بروك شير الذي عرف عنه الحزم والجد والإخلاص في العمل، وبتوفيق الله ثم اهتمامه أنتجت المزارع هناك إنتاجًا كثيرًا، ويمتاز هذا الرئيس الأخير أنه أفسح المجال لبعض السعوديين ممن عرفهم ودربهم على شؤون الإدارة والعمل قبل توليه الرئاسة العامة للمزارع، وجعلهم يقومون بالأعمال إبدالًا عن أناس أمريكيين، وقد كثر المنتوج، وتقوم الزراعة جميعها على الآلات الحديثة من حراثات وبذارات وحصادات وذراءات وسمادات، وغير ذلك من آلات أخرى أحضرها.
стр. 1402
أما عن الري فيجري الماء لمزارع السيح والسهباء التي تقدر بثلاثة آلاف وخمسمائة فدان بواسطة قناة رئيسية، تبدأ من مصب عند الضلع مارة بمزارع السيح للسهباء، وطولها خمسة وعشرون كيلو مترًا وعرضها عشرون قدمًا، وعمقها خمسة عشر، وقد ركب على حافة العين أربع مضخات قوة كل واحدة ٤٥٠ حصانًا، وسعة أنبوبها ٣٠ بوصة، وتدفع كل واحدة في الدقيقة خمسة عشر ألف جالون، وهي مستمرة ليلًا ونهارًا بدون توقف سوى واحدة للمناوبة ولتأمين الماء وغزارته من جهة، واتساع الأراضي وصلاحها للزراعة من جهة أخرى، وتوفر الآلات الحديثة ووجودها للعمل في المشروع، وإن بعض الرياض هناك لتمتاز بجودة التربة وطيب المناخ، ولا يزال هذا الرئيس منذ تولي العمل في العام الماضي يدأب في تقدم الزراعة في هذه السنة.
أما تربية الدواجن، فإنه لما كان من المعتاد أنها لا تنمو وتنتج إنتاجًا مثمرًا ما لم تكن مقرونة بالزراعة، وقد جعلها الغربيون جزء من مقومات الزراعة، ومن أسباب نهوضها ونجاحها، فاعتنوا بها اعتناءهم بالحراثة، وهيأوا لها جميع الوسائل الحديثة التي تكفل لها التربية والنمو.
لذلك أمرت الحكومة مسايرة للتطور الحديث في كل المشروعات التي تشجع على النهوض بالشعب بتربية الدواجن والأبقار، واسند ولي العهد سعود الأمر إلى الرئيس سام تي لوقن بإدخال مشروع جديد على الزراعة، وهو تربية الدواجن والأبقار، فنفذ الفكرة حسب رغبته، ووسد أمرها إلى شاب نشيط خبير بتربية الدواجن والأبقار وهو معاونه حينذاك جين كب، فقام بهذا العمل خير قيام، وابتدأ بتحويط أرض مزروعة بين حقول البرسيم والنخيل والأشجار الأخرى السهباء لتكون مرتعًا ومرعى للدواجن، وقد عمر بها مساكن عديدة للدجاج والأوز والبط والدجاج الرومي والأرانب، وشيدا بروجًا للحمام، وبنى مستودعات للأغذية، وأمكنة للتفريخ، ومحلات خاصة بالفراخ الصغيرة الحديثة العهد بالتفقيس، وأخرى بالفراخ التي بدأ ينمو الريش عليها وتدلف للسعي، وقد روعيَ في جميع مساكن
стр. 1403
الدواجن والأبقار جميع الأسباب الصحية في تأمين التهوية والتدفئة والنور الطبيعي، والتنوير الاصطناعي ليلًا ونهارًا، وقد غطيت جميع المنافذ بأسلاك لا تمكن نفوذ الحشرات، ووضعت داخل مستودعات التفريخ عدة مكائن من نوع إن كربيور، وتسع الحضانة الواحدة ألف بيضة، ويمكث بها البيض من ٢١ إلى ٢٧ يومًا، وقد أحضر البيض من الولايات المتحدة بالطائرة، وهو من أرقى أنواع البيض هناك، وبعد أن ثم تفقيسه خلال السنة الماضية وضعت كل مائتي فرخة في حجرة طولها ٤٥ قدمًا، وعرضها ٢٥ قدمًا، وأمام كل حجرة مظلة، وأمام كل مظلة قطعة أرض مزروعة طولها ٤٠٠ قدم، وعرضها ١٠٠ قدم، وقد بلغ في هذه السنة إنتاج الدجاج الذي كمل نموه وبدأ أكثره يعطي البيض تسعة آلاف دجاجة، عدا الفراخ الصغيرة، ومما يلفت النظر ويزيد عجبًا أن هذا المشروع السريع الإنتاج لم يمضِ عليه سوى عام ونصف العام.
هذا ويصدر من الإنتاج يوميًا للقصور الملكية بالرياض بمعدل تسعمائة بيضة وثلاثين دجاجة، وتختلف الدجاج في النوع والوزن، حتى أن بعضها ليبلغ اثني عشر رطلًا وبعضه ستة أرطال.
أما الدجاج الرومي فبلغ الموجود منه في هذه السنة بالسهباء تحت إشراف مستر جين كلب مائتين وخمسين، والتفريخ من نوعه مستمر وتزن الواحدة خمسة وعشرين رطلًا، ويزن البط ستة أرطال، وهي والأرانب والحمام حديثة العهد بالتربية، ويتكون غذاء الصغيرة من حبوب الحنطة والشعير والذرة المجروشة مضافًا إليها الحليب المجفف وصفار البيض المجفف، والبرسيم، ويعطى لكبار الدجاج غذاء يتكون من جريش الفاصولياء واللوبياء والأرز والبطاطس والبسكويت والبيض المجفف وعظام البحر واللحم المجفف والبرسيم مضافًا إليها مواد أخرى تحتوي على فيتامينات، وللعناية والشراب صنعت على هئية أحواض مستطيلة من معدن الزنك، وعرض الحوض قدم واحد، وطوله ستة أقدام، وقد وضع على كل حوض غطاء من الأسلاك يمكن رأس الدجاجة
стр. 1404
وحده من تناول الغذاء من خلال الأسلاك، أما أواني الشرب فقد وضعت بطريقة صحية صناعية تحفظ الماء من التلوث.
وهكذا أيضًا فقد وصلت في مبتدأ هذه السنة بقر أمريكية عدتها تسع وخمسون بقرة من الولايات المتحدة، وقد أعد لها الخبير المختص مباني خاصة وسط المزارع مستقلة بمستودعات العلف، وقد أعد لها أرضًا واسعة مرتعًا لها، وبنى فيها مباني حديثة بها أقسام خاصة جهزت بالآلات الخاصة بالحلب، وصنع الألبان وتعبئتها على الطريقة الحديثة، وكل شيء على حدة من الحليب ومشتقاته، والبقر ثلاثة أنواع:
نوعان للحليب، ونوع خاص للحوم، ويسمى النوع الأول براون وهو سويسري، ويسمى الثاني جرسي، ويسمى الثالث سانتاجر ترودي، ويمتاز نوع براون بضخامة الجسم وجمال الشكل، ويزن ألفًا ومائة رطل، ويحلب من سبعة إلى ثمانية جالونات، ويزن النوع الثاني جرسي ثمانمائة وخمسين رطلًا ويحلب من خمسة إلى ستة جالونات في اليوم، ويمتاز عن نوع براون بزيادة المواد الدهنية، أما النوع الثالث فهو وحشي الشكل وغير صالح للحلب، ولكنه مخصص للذبح، ويزن ألفًا وثلاثمائة رطل، وقد خصص لبقر الذبح مزرعة محاطة بجدار بلغ كيلو طولًا وعرضًا ليتناسل فيها، وقد رأيتها ووقفت عليها في زيارتنا للخرج في السنة التي بعد هذه، فجلنا في تلك المنشأة الحديثة والمعدات الحسنة، ومن أعجب ما رأيت ذلك الماء الذي تخرجه تلك المضخات بقوة خارقة، وإنها لفرصة سنحت لنا هناك لنتمتع بتلك المرائي الحسنة.
وحج بالناس في هذه السنة ولي العهد سعود بن عبد العزيز لأن جلالة الملك بعد قدومه إلى الحجاز اختار أن يقيم في الحوية فتأخر عن الحج وقد ثقل، فاختار أن يلبث هناك، فالله المستعان وعليه التكلان.
ثم إنه نشر هذه النشرة رقم ٥/ ٢/ ٤٩٠٠ بتاريخ ١٥ ذي الحجة ١٣٧٢ هـ، نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ملك المملكة العربية
стр. 1405
السعودية بعد الاعتماد على الله ، ونظرًا لاقتضاء المصلحة فقد أسندنا بموجب أمرنا هذا للابن سعود ولي عهد مملكتنا العربية السعودية القيادة العليا العامة، وبذلك تكون سائر القوات المسلحة في مملكتنا من قوات الدفاع والحرس والأمن العام، وأهل الجهاد والجاهدين، كل هذه القوات تابعة له، تسير بموجب أوامره، والتعليمات التي يسنها لها، وليس لأي من هذه القوات القيام بأي حركات حربية إلا طبقًا للأوامر التي يصدرها لها، ونسأل الله له التوفيق والنجاح، كما نسأله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته.
عبد العزير
وفيها خلع ملك الأردن طلال بن عبد الله الشريف، وأسباب خلعه أنه كان محبوبًا من العشائر البدوية في الأردن، ومن العرب، لأنه يميل إلى التحرر من نفوذ الإنكليز والتخلص من سيطرتهم خاصة فيما يتعلق بالجيش، فلما وصل إلى العرش بعد مقتل أبيه حاول تنفيذ سياسته العربية، فعارض كثيرًا من المشروعات الإنكليزية، وخالف أمورهم السياسية، وتقرب إلى جيرانه من الدول العربية، فقام بسلسلة من الزيارات للملوك والرؤساء فيها، وأحست بريطانيا بخطر هذه السياسة على مركزها ونفوذها في الأردن، فعملت على التخلص منه بوسائل عدة حتى أرغمته على التنازل عن العرش لابنه وولي عهده الملك حسين، وأبعدته عن الأردن إلى تركيا بحجة العلاج، ولا يزال فيها إلى الآن.
ثم إنه تولى بعده ابنه حسين بن طلال في هذه السنة، وجلس على العرش فانتهج سياسة عربية ووطد صلاته بالدول العربية، ثم قام بزيارات كثيرة لها، ومن هذه الزيارات زيارته للمملكة العربية السعويدة في شهر ذي القعدة من هذه السنة حيث التقى بصاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل.
وهذه نبذة من ذكر طلال المذكور: ولد في عام ١٩١٠ م في مكة المكرمة، وتلقى علومه الأولى مع أبناء عمومته وهما غازي بن فيصل وعبد الإله بن علي
стр. 1406
بن الحسين، ثم انتقل إلى شرق الأردن مع والده عبد الله لما أسندت الإمارة هناك إليه، فواصل إتمام دراسته الثانوية، ثم التحق بكلية هارو العسكرية بإنكلترا، وتخرج فيها سنة ١٩٣٠ م بعد دراسة دامت ثلاث سنوات، ثم التحق بفرقة المدفعية بالمدرسة الحربية في العراق، واشتغل بعدها ضابط بالجيش العراقي برتبة ملازم ثاني، وكان ذلك سنة ١٩٣٢ م، ثم أيد الثورة التي نشبت في الأردن سنة ١٩٣٦ م مطالبةً بإباحة دخول الثوار الفلسطينيين إلى شرق الأردن، وكان الإنكليز قد صدوهم عن الدخول وهذه بتزعم الثورة إذا لم بُلغَ القرار الإنكليزي فأجيب مطلبه.
وفي سنة ١٩٣٥ م تزوج من ابنة خاله الشريف جميل ناصر وهي الأميرة زين التي تلقت علومها في القاهرة عندما كان والدها من نزلائها، واقتصر حفل الزفاف على أعضاء البيت الهاشمي.
أما أولاده فهم أربعة أكبرهم الملك حسين الذي في السابعة عشرة من عمره، وتلقى علومه في كلية فكتوريا بالإسكندرية، ومحمد وعلى، وطفلة صغيرة، وكان طلال يهوى الرماية والفروسية واقتناء الخيول الأصيلة، وله دراية واسعة بأنساب الخيل، ويهتم بالحركة الرياضية في الأردن، ويحضر كثيرًا مباريات كرة القدم، وقد يرتدي الملابس المدنية فهو عسكري بطبعه، ولذا يرتدي في أغلب الأوقات سترة عسكرية تحمل رتبة اللواء، ويرتدي في بعض الأحيان زيه العربي، وكان سنه حينما تولى الملك اثنتين وأربعين سنة.
وفيها وفاة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان قاضيًا في بلدة الرياض، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
وفي هذه السنة عقدت اتفاقية السودان مع الحكومة البريطانية وذلك في ٢٦ جمادى الأولى جاء من ضمن شروطها أنه عند نهاية فترة الانتقال التي تتمتع فيها السودان تنسحب القوات المصرية والبريطانية، وتقرر السودان مصيرها إما بالانضمام إلى مصر، أو الاستقلال التام، وقد أجريت الانتخابات فيما بعد ذلك.
стр. 1407
وبذلك نختم الجزء الرابع من تاريخنا ونسأل الله تعالى أن يسدد أقوالنا وأعمالنا وينصر دينه ويعلي كلمته، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وذلك بقلم مؤلفه أثابه الله تعالى.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين
تم الجزء الرابع بتوفيق الله ومنته
ويليه الجزء الخامس إن شاء الله تعالى.
стр. 1408
تَذْكَرةُ أُولِي النُّهى والعِرْفَانْ
بأَيَّام اللهِ الوَاحِدِ الريَّان
وَذكْر حَوَادِثْ الزَّمَانِ
تألِيف
فَضِيلَة الشّيخ إبراهيم بن عبيْد آلَ عبد المحْسن
"مِن عُلَماء أهل القَصِيم"
الجُزْء الخَامِس
مكْتَبَة الرُّشْدِ
نَاشِرُونَ
стр. 1409
(ح) مكتبة الرشد، ١٤٢٧ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
آل عبد المحسن، إبراهيم عبيد
تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الواحد الديان وذكر حوادث الزمان./
إبراهيم عبيد آل عبد المحسن.- الرياض، ١٤٢٧ هـ
٣٧٦ ص؛ ١٧× ٢٤ سم
ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٤ - ٦٢٣ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٥)
١ - التاريخ الإسلامى ٢ - التراجم أ- العنوان ٤٧٩٢/ ١٤٢٧
ديوي ٩٥٣
ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٤٧٩٢/ ١٤٢٧
٤ - ٦٢٣ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٥)
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م
مكتبة الرشد - ناشرون
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب: ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٣٣٨١
Email: alrushd@alrushdyn.com
Website: www.rushd.com
فروع المكتبة داخل المملكة
* الرياض: فرع طريق الملك فهد: هاتف: ٢٠٥١٥٠ - فاكس: ٢٠٥٢٣٠١
* فرع مكة المكرمة: شارع الطائف: هاتف: ٥٥٨٥٤٠١ - فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري: هاتف: ٨٣٤٠٦٠٠ - فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧
* فرع جدة: ميدان الطائرة: هاتف: ٦٧٧٦٣٣١ - فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة: هاتف: ٣٢٤٣٢١٤ - فاكس: ٣٢٤١٣٥٨
* فرع أبها: شارع الملك فيصل: تلفاكس: ٢٣١٧٣٠٧
* فرع الدمام: شارع الخزان: هاتف: ٨١٥٠٥٦٦ - فاكس: ٨٤١٨٤٧٣
* فرع حائل: هاتف: ٥٣٢٣٣٤٦ - فاكس: ٥٦٦٢٢٤٦
مكاتبنا بالخارج
* القاهرة: مدينة نصر: هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ - موبايل: ٠١٠١٦٢٢٦٥٣
* بيروت: بئر حسن: هاتف: ٨٥٨٥٠١/ ٠١ - موبايل: ٥٥٤٣٥٣/ ٠٣ - فاكس: ٨٥٨٥٠٢/ ٠١
стр. 1410
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1411
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين وعليه نتوكل
ثم دخلت سنة ١٣٧٣ ه ـ
استهلت هذه السنة والمملكة العربية السعودية قد بلغت في الأمن والطمأنينة والثروة العظيمة الذروة العليا وتعيش في رغدها تحت ظلّ العاهلِ الملك عبد العزيز وهنا مشكلات في العالم العربي فهذه واحة البريمي تريد بريطانيا الاستيلاء عليها بدعوى أنها من ممتلكاتها فلا يزال صدى الاعتداءات البريطانية في العالمين العربي والإِسلامي مترددًا وقد نشرت الأهرام عن الأستاذ الشقيري تحدثه عن موقف عاهل الجزيرة وولي عهده والأمير فيصل من العدوان البريطاني على البريمي النهاية للستار الحديدي البريطاني في جزيرة العرب ما نصه: "اهتزت البلاد العربية للأنباء الدامية التي تحدث عنها بلاغ المملكة العربية السعودية بشأن اعتداءات الإِنجليز على واحة البريمي السعودية، وقد اهتمت الدوائر العربية لهذا النبأ اهتمامًا بالغًا وبادر مندوب الأهرام لأداء واجبه بإطلاع الرأي العام العربي على حقيقة الموقف إذ قضية البريمي. وقد رأى مندوب الأهرام أن يستطلع رأي الأستاذ أحمد الشقيري الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية في هذه القضية العربية الجديدة وموقف العالم العربي فقال: "سعودية في الصميم" واحة البريمي أرض عربية في الصميم وهي سعودية في الصميم تقع في الجهة الشرقية من المملكة العربية السعودية. وللبيت السعودي فيها تاريخ حافل بالوقائع والحوادث ولا شأن للإِنجليز فيها إلَّا أن يكون بحر المانش قد انتقل إلى الخليج الفارسي بقدرة قادر وسحر ساحر، ويومئذٍ تبدَّل الأرض غير
стр. 1412
الأرض والتاريخ غير التاريخ "السخرية الفاضحة": وتكلم الأستاذ الشقيري عن حوادث العدوان فقال: هذا عدوان صارخ أثيم وإجرام دولي عريق يثير في النفس الإِنسانية كل معاني النقمة والاستنكار وإنَّه لمما يدعو إلى الأسف الساخر أن تقع تلك الحوادث البربرية في هذه الآونة وفي الجانب الآخر من العالم الجديد يتعاقد ساسة العالم على منبر الأمم المتحدة ينادون بالحق والسلام ويدعون إلى الإِخاء والمساواة بل لعله مما يحمل على السخرية الفاضحة أن يقوم رئيس الوفد البريطاني في الأمم المتحدة فيتحدث عن هيئة القانون وسلطان الأخلاق ورفعة الفضائل الإِنسانية والقيم الرُّوحية على حين يداهم الجنود البريطانيون واحة البريمي فيمعنون في أهلها بأبشع ألوان التقتيل والترويع لا فرق بين طفل راضع ولا شيخ راكع. ثم ذكر ما قد ارتكبوه في الفضائح بأنَّهم يعيثون فسادًا في واحة البريمي فأفشوا في ربوعها القلق والفزع وضربوا حولها سورًا من الحصار فمنعوا عن أهلها المؤن وأسباب العيش. وأطال إلى أن قال: وفي ربيع هذا العام تشرفت بزيارة الديار المقدسة وكان أن مثلت بين يدي جلالة الملك عبد العزيز فأخذ يتحدث عن البريمي وما يدور حولها من فظائع وكان حديث جلالته في الحلم والحزم وغاية في الثقة والشجاعة ولقد راعني جلالته حينما قال في جملة ما قال: "أنا أرضى باستفتاء سكان البريمي فإن أرادوني فأنا لهم وهم لي وإن أرادوا غيري فقد قضى الأمر الذي فيه تستفتيان" ولما أن وقع هذا الاستنكار لظلم بريطانيا لأهل البريمي وكيف أنذر قائد القوات البريطانية المرابطة في المنطقة المذكورة بوجوب إخلاء قريتهم في خلال ساعتين وهي قرية حاسمة. وبعد انقضاء ساعتين من وقت الإِنذار صبت نيرانها في ١٩/ ١ من هذه السنة على القرية المذكورة وحاولت بعض الجهات المسؤولة أن تنفي صحة ذلك أمام العالم العربي والإِسلامي فعلق المصدر الرسمي السعودي تأكيد ذلك وأن صحته أكيدة ويضاف إلى ذلك أعمال أخرى بلغت
стр. 1413
في الفظاعة أوجها من إلقاء الطائرات قنابلها على القرى الآمنة وإطلاق المدافع والرشاشات وقتل الأبرياء والضعفاء وتعذيبهم وارتكاب وسائل الإِرهاب ومصادرة الأرزاق. وهكذا أخذت المسألة يتطور أشكالها وسيأتي بقية ذكرها إن شاء الله تعالى. ولما إن كان في مبتدأ هذه السنة قامت إسرائيل بعدوان صارخ على منطقة العوجة المجردة من السلاح وكانت هذه المنطقة واقعة على حدود مصر فأقامت استحكامات وأسلاكًا شائكة بهذه المنطقة وقد وصل مراقب الأمم المتحدة في تلك المنطقة إلى القاهرة ليقدم تقريره عن الحالة فيها فبادرت الحكومة السعودية بتأييد مصر إزاء هذا الاعتداء وأن وفدها الدائم لذى الأمم المتحدة سيكون إلى جانب الوفد المصري في القضية ويؤيده كل التأييد.
وفيها في آخر محرم قدم بطريق الجو من الرياض إلى الطائف سمو الأمير عبد العزيز بن مساعد أمير منطقة حائل للسلام على صاحب الجلالة الملك عبد العزيز ثم طار الأمير من الطائف بعدما تشرف برؤيته إلى جدة للسلام على ولي العهد وهذه آخر لقيا بينه وبين الملك عبد العزيز.
ذكر مرض عاهل الجزيرة وفقيد العروبة
كان قد أصيب في تلك الحروب التي خاضها برصاصة في إحدى ركبتيه فكان في آخر حياته يتألم من القيام بعد الجلوس ويتألم كذلك من الجلوس إذا نهض غير أنَّه كان يتجلد وربما عمل له تدليكات ويرتاح إلى بعض العيون الساخنة، وقد أهدى له روزفلت الرئيس الأمريكي عربة فكان يركبها وتدف من خلفها وهي وإن كانت مريحة غير أنَّه فقد رياضة المشي والحركة ثم أنَّه أصيب قبل وفاته بمرض قلبي وكان إذ ذاك في الحجاز يتردد بين الحوية والطائف ألزمه مرضه الأخير الفراش شهرًا ودعي له طبيب ماهر فقرر الطبيب أن لا يكون على جسمه شيء من المعادن حتى ولا خاتمه كأنَّه رأى
стр. 1414
بعلمه أن ذلك يؤثر على جوهر القلب، ولما نزع منه الخاتم ضحك ﵀ وقال: هذا لأول مرة ينزع الخاتم. فتأثر الطبيب لذلك وقد بذلوا أسبابًا لشفائه ولكنه لم يغن ذلك من شيء.
مصاب أليم والبقاء لله وحده
مات الملك عبد العزيز مات ملك البلاد أحقيقة أنَّ ذلك الرجل العظيم قد مات ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، في ذمة الله الحي الباقي عند الظهر من يوم الإِثنين الموافق ٢ ربيع الأول عام ١٣٧٣ هـ أذاع الديوان الملكي العالي البلاغ الآتي:
بلاغ رقم (١):
" كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإِكرام. سبحان الحي الذي لا يموت. تنعى إلى العالمين العربي والإِسلامي والأسى يحز في نفوسنا وفاة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية. فقد توفاه الله في الساعة الرابعة والدقيقة الثلاثين من صباح يوم الإِثنين ٢ ربيع الأول سنة ١٣٧٣ هـ الموافق ٩ نوفمبر ١٩٥٣ م على أثر مرض ألزمه الفراش مدة شهر. تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته. وألهم الأمة الصبر والسُّلوان. و ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وهذا المرض هو تصلب في الشرايين فاشتدَّ به المرض وهو في مدينة الطائف وفاضت روحه ووافاه أجله المحتوم. رحمة الله عليك يا أبا تركي فقد كنت أبًا رحيمًا لكل فرد من أفراد شعبك، أكرمت العلماء ورحمت الفقراء والضعفاء وكنت شفيقًا على رعيتك تحوطها برعايتك وتسهر لمصالحها وتنصف المظْلوم من الظالم وتمنع الظلم وتطيع ربك وتصل رحمك وتعطف على الملتجئين إليك.
стр. 1415
الأمة الإِسلامية تنعي فقيدها الأعظم
البقاء لله وحده وكل شيء هالك إلاَّ وجهه. لقد مات صاحب الجلالة الملك العربي عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأصيبت الأمة بفقده الملك الذي نشر التوحيد وأعزه وهدم الأوثان والقباب والذي شهرته كنار على علم، هذا البطل الهمام الذي افتخرت به الأواخر على الأوائل وصدق عليه قول الشاعر:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
مات عبد العزيز الرجل الذي قاد السفينة بأمته في خضم الأحداث حتى ألقت مراسها على ساحل السلامة وبرِّ الأمان. مات عبد العزيز فتصاعدت في صمت الليل الرهيب آهات الأيامى وشهقات الثكالى وزفرات المنكوبين. مات عبد العزيز فانتشرت على خد الزمن دمعة الإِسلام على حاميه وشقت العروبة جيبها على راعيها وسيدها وابن بجدتها. أجل مات ملك كانت حياته تاريخًا يشع بالنور وتكتظ جنباته بالفضيلة والكرم والفداء. مات الرجل الذي أشاد بحنكته وأصالة رأيه أساطين السياسة فامتدحه روزفلت وتشرشل في لقائهم التاريخي الشهير. مات عبد العزيز الذي قال عنه رئيس دورة هيئة الأمم المتحدة ساعة نعيه: إنَّ جلالة الملك عبد العزيز من أعظم الرجال المكافحين عن مبادئ هيئة الأمم فمن كعبد العزيز ملك ظلت حياته حتى آخر لحظة مُلكًا لغيره فأقام بحدِّ السيف مملكة واسعة الأرجاء رخية العيش مرهوبة الجانب آمنة السّرْب. مات عبد العزيز الرجل الذي أنس أعداؤه ضغينتهم فاشترى قلوبهم بالحب واستقرَّ في أعماق نفوسهم بما كان يوليهم إيَّاه من عطف ورعاية وكرم. مات عبد العزيز الرجل الذي كان موته فاجعة تتقاصر دونها الفواجع ونكبة دونها كل النكبات وخسارة لا توازيها خسارة. رحمك الله يا عبد العزيز وأسبغ عليك من عفوه ورضاه قدر ما رقأت من دموع وشبعت من بطون وقدر ما قمت الليل عابدًا متهجدًا وقدر ما كنت
стр. 1416
عفيفًا ظاهرًا كريمًا. فبالله قولوا لي من ذا الذي نكست الأعلام لموته ولبست البلدان ثياب الحداد على فقده، ومن ذا الذي توقفت الإذاعات في الكرة الأرضية عن الأغاني والدعارة لفاجعة مصابة وأبدلت الأفراح بالأحزان وبلغ مصابه القاصي والدان وبكته المساكن والسكان.
بلاغ رقم (٢):
على إثر وفاة حضرة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية تغمده الله برحمته والتفاف أفراد الأسرة المالكة الكريمة حول جثمانه الطاهر خرجوا من عنده وبايعوا حضرة صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبد العزيز المعظم ملكًا على البلاد العربية السعودية على طاعة الله ورسوله والسمع والطاعة، فنودي بحضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملكًا للمملكة العربية السعودية. وعلى إثر ذلك أعلن حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز ولاية عهده لأخيه حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز وليًا للعهد كما بايع سموه على إثر ذلك أفراد الأسرة المالكة".
الصلاة على صاحب الجلالة الملك الراحل
لما كان من آخر النهار انتقلت الجماهير الكثيرة من أهل الرياض ومن سكن فيه إلى المطار لاستقبال جثمان الفقيد. وقد تجلت اللوعة والحسرة بصورة تفوق التعبير على تلك الوجوه الموتورة وكانت دموعهم تخالط دعواتهم وقد تساوى في ذلك الشيخ والمرأة والشاب والطفل يقدمون عزاءهم إلى صاحب السمو الملكي أمير الرياض نايف بن عبد العزيز وكان من جملة الذين خرجوا لاستقبال الجثمان الطاهر في المطار فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والعلماء والوجهاء فأقبلوا يعزون الأمير نايف بن
стр. 1417
عبد العزيز ويواسونه وأقبلت الأمة يعزون الشيخ والعلماء ثم أقبل يعزي بعضهم بعضًا. ولما كانت الساعة في الحادية عشرة والنصف هبطت طائرة ملكية تقل جثمان الملك عبد العزيز يرافقه صاحب السمو الملكي الأمير فيصل وإخوانه فأقبل الأمير نايف وفضيلة الشيخ محمد والعلماء والأعيان يعزون فيصلًا وأصواتهم تختلط بالبكاء على فقيد العروبة والإِسلام ثم إنَّه وضع الجثمان في السيارة يرافقه الأمير فيصل وإخوانه إلى مسجد العيد الذي غصَّ بالجماهير الغفيرة من رجال ونساء وبعد ما فرغوا من صلاة المغرب صلَّى المسلمون وجميع الحاضرين على صاحب الجلالة يؤمهم الشيخ محمد بن إبراهيم. ولمَّا فرغوا من الصلاة تصاعدت الدعوات وأجهشوا بالبكاء والدعاء للراحل والتوفيق لخليفته سعود وصرخت الأيامى وسمع لُجبة شديدة في المصلى وخارجه جزعًا على فقد والدهم البار الحنون. ثم نقل الجثمان الطاهر على السيارة يرافقه سمو الأمير فيصل وإخوانه الأمراء إلى المقبرة. وقد كانت السيارة تمشي الهويناء من شدة الزحام الذين انطلقوا حول السيارة يواكبون الجثمان إلى مقره الأخير فدفن حيث دفن آباؤه وأجداده. وقد تولَّى إنزاله إلى القبر صاحب السمو الملكي الأمير فيصل وإخوانه الأمراء. وبعدما تمَّ الدفن تصاعدت الدعوات من كل حدب وصوب لجلالة الفقيد. نسأل الله تعالى أن يسبل عليه الرحمة والرضوان والعفو والغفران والفضل والامتنان. وهذه ترجمته: هو الإِمام العالم العادل الهمام البطل الرئيس السياسي الأسد في براثنه، الرجل العظيم الذي اتفقت الأمة بأسرها على عظمته وكبر شأنه، الذي افتخرت به العرب على من سواها بل افتخرت به الأواخر على الأوائل وأقرت له بالتقدم كل ملوك العالم، أبو تركي عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن. وتقدم ذكر نسبه وولادته وشيء من صفاته في سنة ولادته وفتحه الرياض، وكان أكبر زعماء العرب
стр. 1418
والمسلمين وأعظم شخصية إسلامية في هذه الأزمنة الأخيرة.
قال شاعر نجد محمد بن عبد الله بن عثيمين:
عبد العزيز الذي نالت به شرفًا ... بنو نزار وعزت منه قحطان
مقدم في المعالي ذكره أبدًا ... كما يقدم باسم الله عنوان
ملك تجسد في أثناء بردته ... غيث وليث وإعطاء وحرمان
خبيئة الله في ذا الوقت أخرجها ... وللمهيمن في تأخيرها شان
ودعوة وجبت للمسلمين به ... أما ترى عمهم أمن وإيمان
حاط الرعية من بصرى إلى عدن ... ومن تهامة حتى ارتاح جعلان
وكان بطلًا من أبطال التاريخ وعظيمًا من عظماء العالم. ولد في الرياض ببيت أبيه فنشأ على الدين والتقوى والاعتصام بالله وحده وترعرع في ظلِّ أبويه وهو لا يرى إلاَّ ما تعمر به النفس من الإِيمان المتين والتوحيد الخالص وامتلأ قلبه بالإِيمان، فملك عليه حسه، وامتلك مشاعر نفسه لذلك كان عفيفًا وتولاه الله برعايته وكلاءته، فما قارف ريبة قط بل كان نزيهًا تقيًا ذلك الإِيمان هو الذي أخرجه للجزيرة العربية بطلًا من أبطالها وفارسًا من فرسانها ومصلحًا من مصلحيها ودعاتها.
طاعته وعبادته
لازم الطاعة لربه في كل ما أمر فأقام الصلوات الخمس في جماعة ولم يعرف أنَّه تخلف عن الجماعة في وقت من الأوقات. وأقام أركان الإِسلام كما أمر الله وكان له مع ذلك خلوات مع ربه في دجى الليل ووقت السحر والناس نيام يقف الوقت الطويل بين يدي ربه قائمًا يطلب هدايته وراكعًا يعظم ربه ويقدسه وساجدًا خاضعًا متذللًا بين يدي ربِّه يستغفره. وسر عظمته وسر توفيقه، جاء من هذا الخضوع لله والاعتماد عليه، ومن كان
стр. 1419
مع الله كان الله معه ومن وجد الله فما فقد شيئًا. واصطحب الطاعة واتخذ القرآن نديمًا حتى لقد عظمت فيه هذه الخصال في أيام ملكه حتى جعل نفسه تحب القرآن وتلاوته واعتاد أن يتلو القرآن في الصباح والمساء مما يملأ قلبه إيمانًا وأكب على الأوراد وكان يلهج بترتيل كتاب الله والأوراد أضف إلى ذلك أنَّه يستمع كل يوم مرتين أو أكثر إلى قارئ يقرأ قسمًا من تفسير ابن كثير وبعضًا من كتب الحديث وكتب الوعظ وآداب القرآن يفقه بها نفسه ويتعظ بها كل من حوله من زائر أو حارس أو خدم. ولقد تقيد بتعاليم الإِسلام فأقام الحدود وألزم النَّاس القيام بما أمر الله به. وإذا تتبعت سيرته وجدت القائد له فيما يورد ويصدر وينوي ويعيد هو الإِسلام ومبادئ القرآن مبادئ ثلاثة حب الله وخوف الله ورجاء الله وثقة به يعرف ذلك منه كل من رافقه أو عاش معه أو سمع خطبه في المجالس والمجتمعات، ولو أردنا أن نستقصي أمر هذا البطل لضاق بنا نطاق هذا المقال ولكننا نجتزئ ليدرك القارئ السرّ في هذا النجاح الذي أحرزه عبد العزيز بين أفذاذ أبطال العالم.
تجرده ونهضته
لمَّا انتقل به والده وهو صبي إلى الكويت من جملة عائلته كانت نفسه توحي إليه بمعالي الأمور فكان يلبس العقال بغيبة من والده ثم يأخذ محجانًا بيده ويجلس بين صحبه وخدمه فيأخذ يضرب الأرض بشدة حتى يطير التراب من شدة الضرب كأنَّه ينتقم ثم يقول: أترون صاحب هذا المحجان سيملك نجدًا. ولما أن أراد أن ينهض لم يكن لديه مال قد ادخره من أبويه ليسترجع به ملك آبائه وأجداده ولا قوة من رجال ولا عدة من عدد الحرب وكل ما ورثه من آبائه وما استعده إلاَّ شيئًا واحدًا لا ثاني له هو إيمانه وثقته بربه واعتماده عليه. فلقى أباه على انفراد في مكان خال خارج المدينة واستوقفه. فقال والده: ما تريد؟ فقال أريد الحديث معك، وألقى عباءته
стр. 1420
على الأرض. وقال: إجلس يا عبد الرحمن. فعلم والده أنَّ هنا بادرة. جلس الإمام عبد الرحمن الفيصل فقال عبد العزيز: أنت بين خطتين، إمَّا أن تأمر أحد عبيدك بانتزاع رأسي فأستريح من هذه الحياة، وإمَّا أن تنهض إلى مبارك بن صباح فلا تخرج من منزله إلاَّ بوعد في تسهيل خروجي للقتال في بطن نجد. فشقَّ ذلك على والده شفقة عليه لأنَّ الظروف لا تساعد على طلبه وذهب إلى أم الفتى يستعرض عليها ما وقد في قلب عبد العزيز فتوسطت أمه إلى أبيه لما ترى من نزعة الفتى وهي بين عاملين: حب الابن والإِشفاق عليه من تلك المغامرة لأنَّه يريد أن يزج نفسه في المعارك والنزول على طلبه لفتح الباب له على مصراعيه. فوافق الوالد على مضض لما رأى من تصميم عبد العزيز وسعى إلى مبارك يسأله تسهيل الأمر له ثم قال: يا عبد العزيز ترى أنَّ ليس لي قصد في الوقوف في سبيلك إلاَّ كما ترى من حالتنا، وبكى وذرفت عيناه بالعبرة ودعا له بالعزِّ والظفر فأعطاه مبارك بن صباح أربعين ذلولًا وثلاثين بندقًا ومأتى ريال وبعض الزاد. فخرج من الكويت بعدما استأذن أباه ليسمح له بهذا الخروج، فما كان يهاب موتًا ولا حلو الحياة ولا مرها إنَّما يهمه أن يرفض والده طلبه وهو لقاء الأعداء ومنازلة الخصوم، ذلك لما يكنه من الحب والاحترام والطاعة لأبيه. ولما سمح له ودعا له غامر ولاقى من الانتصارات عذبها ومن الانكسارات آلامها، فما اغترَّ بانتصار ولا هان لانسكار وكان إيمانه بربه يخلق في نفسه من الضعف قوة وإقدامًا. وأمام الشدائد والمحن ثباتًا ينبهر له عقل الحكيم. كان في الكويت لا يملك غير قوت يومه الذي يتناوله في بيت أبيه وآل رشيد لهم الحكم والسيطرة على نجد صنديدُهم عبد العزيز بن متعب قد ملك نجدًا بطولها وعرضها والدولة العثمانية بسلطانها تكتنف الجزيرة العربية من أطرافها والحكومة البريطانية وطريق الهند وأمراء العرب. فالدنيا كلها مقفلة بين عدو عنيد ورقيب عتيد ومشفق حاسد وهازئ ومستهتر حتى كان
стр. 1421
يتحدث إلى رؤساء أهل القصيم لما فتحه وهو الذي لا يخشى إلاَّ الله . قال: لما أردت الخروج من الكويت فللت الراية وتحتها أربعون رجلًا لا أملك غيرهم فسمعت رجلًا من أهالي الكويت أعرفه يقول: من هذا الذي قام برايته فحقه والله أن تكسر ويضرب بها أو كلامًا أقبح منها فبكيت وسألت الله النصرة كان يرى العقبات والصعاب أمامه ويبصر وهو الرجل العظيم الذي لا ترق لمخيلته الأوهام والأحلام ولكن التي يمتلكها لا يرى لها حدًا تقف عنده ولا يرى لها مقاومًا يستطيع ردها والتغلب عليها تلك القوة التي بها عمر قلبه والثقة بربه التي اكتسبها.
غزواته وجهاده
كان قد تعلم تجشم المشاق وحارب الراحة ومن طلب المفاخر تحمل الأخطار. ولما أن خرج من الكويت لفتح الرياض وله من العمر إحدى وعشرون سنة بأولئك الأربعين الأشاوس وأصحروا واجتازوا المفاوز إلى الغرض في أواسط نجد بعد قطع ما يقرب من ستمائة كيلومتر أو يزيد ما كان يهمهم العدو الذي كانت كل تلك الأراضي محكومة له وكان عدوه ذا بأس شديد فصبح المترجم بعد السير والسُّرى فريقًا من قبائل قحطان الموالية لخصمه ابن رشيد وأخذهم وعاد فائزًا ثم أعاد الكرة ولا نطيل هنا فمن أراد الاطلاع على بطولة هذا العبقري فليراجع المعارك المتقدمة التي شهدها أو دبرها ولقد خاض بضعًا وثمانين غزوة بنفسه وهذا غير ما دبر من معارك أرسل عليها قادة من أبنائه وإخوته وقادته. وكان إنسانًا وأي إنسان أنشأ مملكة عظيمة مترامية الأطراف بجهاده وعزيمته الصادقة وبنى مجدًا تالدًا للأمة السعودية خاصة وللأمم العربية والإِسلامية عامة. وكان لما زحف من الكويت لفتح الرياض اجتمع عليه عدد من العجمان وآل مرة والسهول وسبيع فلما تذوقوا المغانم قبل فتح الرياض استيقظ النائم وعمل ما عمل لمقاومته كما مرَّ فشعر من التفَّ حوله أن القضية ليست قضية غزوات تجر
стр. 1422
لهم المغانم ففرَّ من فَّر منهم ممن رغب الراحة ولم يبقَّ معه سوى الأربعين الذين كانوا معه أولًا. وكانت سيرته الحربية سيرة مملؤة بالعبر تتجلَّى فيها الأمور الآتية:
أولًا: إعداد أقصى ما يمكن عداده من قوة.
ثانيًا: الحذر وبث العيون والإِرصاد، وقد كان في هذا الأمر ولا يزال صاحب القوس المعلى وهو الذي ساعده على تفهم الأمور وتداركها في وقتها.
ثالثًا: لا يقدم على المعركة إلَّا وهو مضطر لها وترى أثر هذا فيه قبل المعارك الفاصلة إذ كان يسعى مع خصمه لاجتناب المعركة وإحلال السلام فإذا لم يجد مركبًا غير الأسنة تقدم غير هياب ولا وجل.
حلمه وعفوه
أمَّا حلمه وعفوه فإنَّه قد امتاز بمزية فريدة في عصره ولم يورد التاريخ لها مثيلًا إلَّا ما كان في صدر الإِسلام. وكان بعدما يفوز بالنصر يلقى العدو من جلالته من الرعاية والكرم ما لا يلقى الصديق الصدوق وجميع الذين حاربوه وقاتلوه بعد أن ظفر بهم يعيشون معه كما يعيش معه أقرب المقربين إليه لأنَّ جلالته وقد خاض معركة الحياة كان عليه أن يواجه من الأصدقاء والخصوم عددًا غير قليل وأنَّه ليس أعظم بالسرور إذا قدر له أن يظفر بخصمه ثم يعفو عنه وهذا ناشئ من أمرين أحدهما أنَّه جبل على عدم الحقد في نفسه لأحد ما والثاني عملًا بقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ وكان يقول عاهدوني على الإِخلاص لله والعمل على سعادة المسلمين، وأمَّا شخصي فدعوه جانبًا فيعفو عمن قدر عليه ويقول: من خدعنا بالله انخدعنا له وحسابه على الله والله من ورائه محيط. ولقد أساء إليه بيت آل رشيد فعفا عنهم بعد القدرة وأسكنهم في القصور الشامخة
стр. 1423
في الرياض وأجرى عليهم المال الكثير وذلك بعد ما استسلموا له وجعل بعض آل أبى الخيل أمراء فانقلبوا أعداء وذلك في وقت التقلبات فعفا عن زعيمهم محمد بن عبد الله بعد القدرة عليه وأطلق سراحه يذهب إلى العراق بعدما خيره في البقاء محتشمًا كغيره وعفا عن الهزازند بعدما استسلموا وكانوا قد شقوا عصي الجماعة وكذلك آل عايض وعفا أولًا عن الدويش بعدما استسلم إليه فلما نكث مرة أخرى بعد العفو ورأى أنَّه لم يفد فيه العفو أخذه أخذًا صارمًا (١) ولمَّا تولى الحجاز كان فيه أناس لا يزالون على الولاء للبيت الهاشمي فشردوا إلى مصر وغيرها وأخذوا يعملون على مناواة حكومة ابن سعود بمساعدة بعض الأعداء والاتصال به فلم يكترث بهؤلاء ولم يبال بأمرهم وآخر ذلك أصدر عفوه العام عن جميع من أراد العودة إلى المملكة من أبنائها فرجعوا مستسلمين تائبين وألقوا نفوسهم بين يديه فغمرهم بعطفه
стр. 1424
وإحسانه وجعلهم في الوظائف الكبار وقال لهم: على ما تخسركم بلادكم وأمتكم كونوا متكاتفين ومتعاضدين فملكهم ملكًا عظيمًا بهذه الرأفة وهذا العطف وقاموا بالنصح والإِخلاص والدعاء والمديح لجلالته.
حزمه ومقدرته
كان يشرف بنفسه على كافة شؤون رعيته فكان رئيس ديوانه يعرض عليه كل صباح ومساء خلاصة القضايا وعرائض النَّاس، فلا يجرؤ أحد على ظلم أحد خوفًا من وصول الخبر إلى مسامعه وكان إذا تبين الخطأ فإنَّه يعاقب عقابًا أليمًا وكثيرًا ما يجيئه البدوي فيقول له: يا عبد العزيز اتقي الله وتراني في ذمتك فيبكي ويأمر بانتداب لجنة للتحقيق في أمر ظلامته. ولقد جعل مجلس الشورى الذي كان اسمه أول ما أقامه المجلس الاستشاري مرجعه إليه والقول الفصل فيه لجلالته وكان مهمة هذا المجلس أن يكون إلى جانب نجله فيصل ينظر في جميع شؤون الدولة صغيرها وكبيرها ويبدي رأيه فيما يجب اتباعه نحوها ثم سنَّ لهذا المجلس نظام خاص وقد نصَّ في هذا النظام أنَّ للمجلس الحق في أن يلفت نظر الحكومة إلى أي خطأ وقع في تطبيق القوانين والأنظمة وأنَّه إذا عرضت الحكومة مشروعًا على المجلس فرفضه أو عدل فيه تعديلًا لم توافق عليه الحكومة فللنائب العام أن يعيد المشروع إلى المجلس مع ملاحظات كافية لإِقناعه بوجهة نظر الحكومة فإن أصرَّ المجلس على الرفض أو التعديل السابق فالمرجع إلى الملك وحده وأنَّ للمجلس الحق في مراجعة جلالة الملك للتصديق على قراراته السابقة إذا مضت عليها مدة أشهر دون حصول الموافقة وقد أضيف إلى اختصاص المجلس بعد ذلك حق تمييز الصكوك التجارية وترقية الموظفين وتأديبهم والنظر في جميع ما تحيله إليه الحكومة من المعاملات الخاصة والشؤون الفردية الأمر الذي أثقل كاهل أعضائه حتى صار العمل فيه يوميًا. هذا من ناحية الأمور الإِدارية، أمَّا المعاملات والظلامات فمرجعها جميعًا إلى الشرع
стр. 1425
الشريف يحكم فيه القضاة بكتاب الله وسنَّة رسوله وفق ما هو معتمد في مذهب الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ وكان لا يتساهل قط في الحدود فإذا علم بحادث قتل فإنَّه لا يهنأ له بال حتى يقيم حدَّ الله ويأخذ حق المقتول من القاتل وإذا حدث أمر لا يرضى الله استفتى العلماء فيه ونفذ في الفاعل له ما يفتي به العلماء فيقطع يد السارق ويحد من يتعاطى المسكرات فانتشرت مهابته في كل مكان ورفرفت ألوية الأمن في قلب الصحراء وأثبت للعالم مزية العمل بكتاب الله. ولقد أبلغ رجل في مكة المكرمة حكومة جلالته بأنَّ ابنه قد اختفى ولم يعلم مقره فأمر بإجراء تحريات شديدة عنه وأخذ مدير الأمن العام يجد في البحث حتى أوصله التحقيق إلى اكتشاف جثته وثبت أنَّ ثلاثة من أصدقائه قد اشتركوا في قتله فأمر بإعدامهم في الحال شنقًا وأن تسير جنازة القتيل من تحت جثمانهم فكان ذلك وكان منه أعظم رادع لارتكاب مثل هذا الحادث. وثبت أنَّ جماعة من كبار الأشقياء جلسوا في طريق جدة وهددوا الحجاج بالقتل إذا لم يدفعوا إليهم أتاوة فأمر بإحضارهم وشكل لهم محكمة خاصة لمحاكمتهم حتى ثبتت إدانتهم فصدر الحكم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف لأنَّهم ممن يعيثون في الأرض فسادًا ونفذ الحكم فيهم بمكة المكرمة. واتصل بعلمه أن رجلًا من كبار قبيلة شمر كان مغترًا بنفسه يزعم أن لا سلطة للملك عليه وأنَّه يجاهر بهذا أمام النَّاس فأرسل إليه جلالة الملك يستدعيه ففرَّ إلى العراق وقد عمل جلالة الملك على إحضاره فأحضر رغم أنفه. ولما أن مثل أمام جلالته قال: أرأيت أني قدرت عليك وأحضرتك بين يدي قال: نعم. قال: ومن يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال: لقد عفوت عنك وأنت مخير في أن تظل في مقرك أو تعود إلى العراق. فقال: بل لا أفارق ساحتك ولا أترك حماك. فأمر له بجائزة وأجرى عليه وافر النعم. وأمثال ذلك يطول ذكره.
стр. 1426
شفقته على الرعية
أمَّا شفقته وعطفه على الرعية فإنَّه قام بأمور لا يشاركه فيها أحد في الأزمان المتأخرة نسأل الله المنان أن يتولى جزاءه على ذلك بخير ما جوزي محسن على إحسانه. فمن مثله في ذلك عطفًا ودينًا وحلمًا وحزمًا وصرامةً وتواضعًا فإنَّه لآية من آيات الله وعبرة لمن اعتبر. قال الشيخ محمد بن عبد الله بن عثيمين في فتح حائل:
تدارككم حلم الإِمام وعفوه ... وقد بلغ السيل الزبى وطما البحر
فأصبحتمو عنه بنجوة منعم ... عليكم فهل يلقى لديكم له شكر
فلا تكفروها نعمة مقرنية ... فإن كفرت كانت هي الغل والأصر
فكم حول النعماء قومًا تربصوا ... فأرداهم خبث الطوية والغدر
فلولا التقى والصفح عنكم لأصبحت ... منازلكم يشتو بها الربد والعفر
وقال في فتح مكة المكرمة والمدينة المنورة:
سفر الزمان بغرِّة المستبشر ... وكسى شبابًا بعد ذاك المكبر
وتأرجت أرجاؤه بشذائه ... حتى لخلنا الترب شيب بعنبر
وتألقت في طيبة سرج الهدى ... ما بين روضة سيدي والمنبر
وتألقت من قبل ذاك بمكة ... إذ قدست من كل رجس مفتر
وتجددت من جدة أعلامه ... وتقشعت منها رسوم المنكر
وجرت ينابيع الهدى في ينبع ... هذى السعادة يا لها من مفخر
بفتوح مؤتمر الإِله لدينه ... ملك تسلسل من كريم العنصر
ليت الذي سكن الثرى ممن مضى ... من أهل بدر والبقيع المنور
نظروا صنيعك في المدينة والتي ... يهوى إليها كل أشعث أغبر
كي يشهدوا أن الفضائل قسمت ... بالفضل بين مقدم ومؤخر
ويسرهم إحياؤك الشرع الذي ... قد كان قبلك مثل روح مغرغر
стр. 1427
قال بعض حجابه عنه: قام جلالة الملك للتهجد في بعض الليالي فلما توضأ وأراد أن يكبر إذا بأنين مريض سمعه على البعد فسأل عنه فقيل مسكين خارج سور المربع أصابه حصر البول فألقى بنفسه هناك يئن لما يقاسيه من شدة الألم. فقال للحاجب: إحمله في سيارة واذهب به إلى المستشفى ولا تبرح مكانك حتى يعالج. قال الحاجب فقمت مبادرًا أقول في نفسي: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون أذهب به فلعلي لا أدخل الرياض إلَّا بشدة لأنَّ الأبواب مغلقة أو قد لا تفتح لنا بليل ثم إذا دخلنا فمن يوقظ الأطباء في هذه الساعة وما عساهم يقومون إلَّا بالنهار ثم إنَي التزمت المريض وحملته معي في السيارة قال فما وصلت السيارة الدروازة إلاَّ وقد سبق الأمر العالي بفتحها فدخلنا من دون استئذان ولما قربنا من المستشفى إذا أنوار المصابيح والكهرباء في تلك الساعة من منتصف الليل وهذا خلاف العادة فساعة وصلنا إذا بهم يحملون المريض ويباشرونه في الحال تنفيذًا للخطة المرسومة لهم من قبل الهاتف ونحن في الطريق وباشره الأطباء مباشرة حارة فما لبث أن قام كأنَّما نشط من عقال فأخذته ورجعت به إلى موضعه ثم دخلت وصعدت إلى جلالة الملك فوجدته واضعًا يده على خده جالسًا فبدرني بقوله: ما صنع المريض قلت شفاه الله تعالى فبدرته العبرة وقال: الحمد لله الذي عافاه وسر لذلك كثيرًا. وخرج مرة لصلاة الاستسقاء وكان يستصحب أكياس الذهب والفضة والنقود إذا خرج ليقسمها على الفقراء فتراه في ذهابه يمشي موكبه مطمئنًا وينثر بيديه المال يحثوه حثوًا فلما كان في أثناء سيره مرَّ شيخ كبير يريد أن يراه أمام سيارته الخاصة فلم تمهله المقادير أن يجتاز ولم يملك السائق السيارة فحطمت ساق الرجل الهرم وألقته على الأرض فأوقف الملك سيارته ونزل إلى الأرض منكسف البال وألقى بنفسه على الشيخ الهرم المصاب يبكي ودموعه تسكب على وجه الشيخ قد التزمه يبكي ويقول: بسم الله عليك يا أبي يصغرها كعادة أهل نجد
стр. 1428
ثم صاح مبادرًا بالأطباء فما كان إلاَّ لحظة حتى أقبلوا كالسيل المنهمر وجعلوا يضمدون الساق ويبذلون وسعهم في العلاج. أمَّا المصاب فنسي ألمه وقبض على عنق الملك يدعو له ويقبله ويبكي لبكائه مناديًا بأعلى صوته قد سمحت يا طويل العمر. ولمَّا أن رجع من صلاة الاستسقاء أمر له بصرة ذهب تقدر بمائة وخمسين جنيهًا ذهبًا وأن يشتري له بيت يسكنه وعائلته ونفذ له أمرًا بسيارة يركبها. فعاش في أرغد عيش. ومرَّ في بعض الأيام وكان قد خرج من الرياض يريد المربع بجمَّال أعرج يمشي خلف بعير على ظهره حمل من الحطب وكان يومًا شديد البرد. فوقف يسائله ويعجب لحالته يا عبد الله ما الذي أخرجك في هذا اليوم الشاتي فهلا جلست في بيتك هذا اليوم فربما يأتي الله برزق فأجاب الجمَّال يا طويل العمر أخرجتني الحاجة فوالله إن طعام العائلة والبعير لمن ما على ظهره من الحطب ولو وجدنا كفاية يومنا لما خرجت في هذا البرد الشديد فناوله صرة يظنها ريالات ولمَّا ولَّى الجمَّال مدبرًا أخبره السائق أنَّها صرة الجنيهات لا الريالات الفضية وأنَّها ثلثمائة جنيه ذهبي فنادى الجمَّال فأقبل إليه كاسف البال ظنًا منه أنَّه يستردها فقال له ابن سعود: أردت أن أهبك ريالات وما نويت إلاَّ هذا ولكن الله هو الذي وهبك هذا الذهب. إنِّي أخطأت فأعطيتك صرة الذهب وبها ثلثمائة جنيه ذهبي فخذها واشكر الله وحده واعلم أن هذه القطعة الصغيرة تساوي أربعين ريالًا من الفضة وذلك لأن هذا الفقير لا يعرف قدر الذهب ثم قال: أشير عليك يا ولدي بالعقار وأعمل ولا تكسل. فاشترى بها نخلًا وزرع وأصبح ذلك الصعلوك غنيًا وما يزال الرجل موجودًا. ولمَّا كان بعد منتصف القرن الرابع عشر أسس الموضع المعروف بالمربع وكان موضعًا اختار سكناه لتكون الحاشية كلها فيه فكان العمال الذين في بنايته تسعمائة من الرعية. فقال الوزير له: إنَّ هذا القدر من العمال كثير. فقال: إني لمَّا عزمت على ذلك المشروع كان من نيتي أن يتعلق
стр. 1429
هؤلاء العمال في طلب الرزق وكان المربع مشهورًا بالعاصمة وقد أودع فيه من الغرف والرفعة والزينات ما لا تبلغه العبارة ويحتوي على جوامع ومساجد وتجد سيارات الأجرة في مواقفها ينادي أربابها في الركوب إلى حلة القصمات إلى المربع إلى دخنه إلى الدرعية وغير ذلك. وكان إذا سار من جهة إلى أخرى فإنَّه يحيط به من العساكر والجموع في موكبه شيء عظيم وكل موكبه غارق بالقوة والحديد فلا يستطيع أحد الدنو منه غير أنَّه إذا رأى الفقراء لا يتمالك من القرب منهم لا سيما إذا سمع مظلومًا فإنَّه لا يتجاوز مكانه حتى يكشف مظلمته فتجد المظلوم يتحين لمروره فيقف في الطريق فكان الملك لا يهاب قويًا ولا شديدًا كما يهاب المظلوم حتى ينصفه ويباشر مسألته بنفسه. ولقد رأيت مرة في مكة المكرمة في موسم الحج سنة ألف ١٣٦٣ رجلًا أقبل من مكة يمشي حتى إذا ما توسط من قصر السقاف قصر جلالة الملك في المعابدة وظن أنَّه يسمع صوته وقف وصاح ينادي بأعلى صوته مظلوم وجعل يبكي وينادي بأعلى الصوت. وكانت تلك الرحبة قد رشت بالماء ولا يقربها سوى الحرس أو الأمراء وفيها بعض السيارات الحكومية. فلما تكلم بكلامه المتقدم اندفعت إليه الجنود كأنَّهم السيل المنهمر لأنَّ لا يحدث تشويشًا على الملك، غير أنَّه تمكن من الصياح بصفته رجلًا قويًا وكان حجازيًا ليس على رأسه سوى قلنسوة. فنزل صاحب الجلالة إليه بنفسه على السيارة وكان لمبادرته بالنزول لم يتمكن الحرس من اللحاق به سوى قدر من خمسين حارسًا، فأمر بأن يحضر المظلوم بين يديه بباب القصر فأركبه وصعد به إلى المجلس ثم سأله عن ظلامته فادعى بأنَّه دعس ابنه وضاع الذي دعسه ولم يؤخذ حقه وجعل يبكي ويسترحم ويلوذ بعدله عن الظلم. فسأله منذ كم أصيب ابنه فأجاب بأن مضى شهر وهو يطالب بدمه ولم يصل إلى الحقيقة. فما كان إلاَّ قليل حتى أحضر بين يديه المسؤولين عن أعمال مكة فأجلسهم أمامه وجعل يتهددهم ويتوعدهم حتى
стр. 1430
ظهر أنَّ صاحب السيارة أحد أمراء البيت السعودي فأمر بأن يحضر بين يديه ولمَّا أن حضر نزع عباءته الوبر وأجلسه مع خصمه أمامه وقال له: إن أول ما نأخذ الحق من أبناءنا فلما رأى هذا المُتظلم عدله وإنصافه وأنَّه لا يحابي جعل يبكي لهذا العدل والإِنصاف وقنع وطابت نفسه. فقال له: لا تبكِّ فلك عليَّ أحد ثلاثة أمور أتريد الشرع أحلتكما عليه فهو مبذول أم تريد أن أكون أنا الحكم بينكما أو تعفو عن صاحبك فمن عفا وأصلح فأجره على الله تكلم يا بني فالحق لك فعجز المتظلم عن الكلام غير أنَّه زحف حتى وصل إلى قدمي الملك فجعل يقبلهما ويبكي ويقول: يا طويل العمر قد عفوت وسمحت فإذا كان الداعس نجلكم فأنا وابني أولادكم غير أنَّه جعل يردد عليه كلمة العفو وهو يجيب بقد عفوت قد عفوت وكنت أظن فيما يظهر لي أنَّه لم يعلم أنَّ صاحبه من البيت المالك، فلما تبلغ جميع الحاضرين عفوه قال له: جزاك الله خيرًا ورضاؤك حاصل. فأمر له بجاريتين وغلام وثلاثين ألف ريال بينما كانت الدِّية إذ ذاك أقل منها بكثير وسيارة من مركوبات الأمراء تساوي ستة عشر ألف ريال وأربعة مشالح من الوبر الطيب وكسوة فاخرة. فانظر إلى توفيق هذا الملك العادل المنصف، ولقد كان في ذلك عبرة ولقد بعث إلى كل المقاطعات في المملكة لما أن وقعت الحرب العظمى الثانية ودخلت إيطاليا الحرب قرضا من البر والذهب والإِبل مساعدة للفلاحين وذلك على توالي سني الحرب وآخر ذلك عفا عن استرجاعها مراعاة للرعية.
ولمَّا لاح للنَّاس شبح الموت نتيجة امتناع المسلمين عن الحج بسبب الحروب التي سببتها الحرب العالمية، وخشية توقف سير السفن في البحر الأحمر وأخذ كل واحد يعمل لإدخار الأرزاق في بيته ولسان حال كل فرد منهم يقول نفسي نفسي. قام وجمع الزعماء وطمأنهم على حياتهم قائلًا: لا تخافوا سنشاطركم ما لدينا من مال وأرزاق ثم أجرى مبرة ملكية من الخبز
стр. 1431
في سائر المدن والقرى، ويتألف اللجان لذلك في مختلف البلاد وتقرر رغيفًا واحدًا لكل فرد من أفراد الشعب. إذا كان ممن لا عمل له أو إن عمله لا يسد حاجته ولا حاجة عياله حتى بلغ ما يوزع عليهم في جميع أنحاء المدن ربع مليون رغيف يوميًا زنة كل رغيف خمس أواق وبلغ ما كان ينفق في مكة المكرمة من عيش المبرة يوميًا ١٢٥ ألف قرص. ولم يقف به الأمر عند هذا الحد حتى أمر بأن تخصص لكل فرد من أفراد رجال البادية ونسائها كل شهر ثلاث كيلات من الأرز ونصف ريال مضافًا إليها كسوة كاملة في الصيف وأخرى في الشتاء ترسل إليهم في قراهم بواسطة السيارات ويوزعها رجال أمناء من قبله. ولقد كنت حاضرًا في مكة المكرمة لأداء الحج عام إحدى وستين بعد الألف وثلاثمائة فشاع للأمة أن صاحب الجلالة سيحج مبكرًا أو يقدم إلى مكة فأقبلت جموع من البادية وبنوا بيوت من الشعر في الأبطح من مكة على طريقه وكانت تلك البيوت على صفة مدينة مستقلة ذلك لما قام بالمسلمين من خوف الجوع والعري. ولما أن وصل إلى عشيرة كانت سيارات الكسوة للفقراء تبلغ ثماني عشرة سيارة من سيارات النقل محملة بها وفرحت الأمة بقدومه وكنت أسمع من يقول على جهة التعظيم أنَّه سيقدم على ألفي سيارة فأطلقت قلاع مكة من منتصف نهار اليوم ١٥ من ذي القعدة إلى منتصف الليل مائة طلقة مدفع وطلقة. ولمَّا أن قدم الموكب قبل غروب الشمس بثلاثين دقيقة ورأى كثرة المجتمعين أمر بأن يشتغل على نفقة الحكومة ثلاثمائة ماكنة خياطة زيادة على ما جاء به وكانت ساعة للخلائق ينظرون إلى تلك العظمة، وكان النائب قد صفَّ الجنود من قصر السقاف إلى الكعبة المشرفة صفين ولقد حاولت امرأة من أهالي مكة أن تنظر إلى الملك فلم تستطع لكثرة الزحام فانصرفت مرخية الجلباب على وجهها تقول بأعلى صوتها: هذا الملك ابن سعود اللَّهُمَّ اجعل عدوه في قبضته فعجبت لذلك وذكرت قوله ﷺ : "خيار أئمتكم الذين
стр. 1432
تدعون لهم ويدعون لكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم".
ذكر عدلة وإنصافه
أمَّا عدله وإنصافه فإنَّه موضع الإعجاب وتضرب الأمثال في عدله فلقد كان ينصف من نفسه ويعاقب أولاده وأهل بيته إذا اعتدى منهم أحد أشد العقوبة ولقد ضرب أحد أنجاله ضربًا مبرحًا، وأمر به إلى القلعة يسجن فيها على انفراد فسجن ومكث في السجن مدة حتى أطلقه برجاء ولي العهد وهذا بسبب أنَّ النجل ضرب بدويًا فشكاه البدوي على أبيه وهو لا يعرفه فأحضر أبناءه ليتبين ضاربه فلما تبين غضب عليه غضبًا شديدًا وقال له: أضربته فصمت الابن ولم يرد جوابًا وعرف أن إنكاره واعترافه سيان وليس أحدهما بمنجيه عن العقاب فصمت ثم نظر ابن سعود إلى المعتدى عليه وسأله بمَّ ضربك فأجاب البدوي قائلًا: بالعصا يا طويل العمر، فقال له: قم فاضربه واقتص منه فاستجمع هذا الأعرابي باكيًا لعدل هذا الإِمام وقال: لا أستطيع، فقال: قُم هداك الله قُم يا رجل لا تخف إنَّ العدل سوى بينك وبينه بل أنت أعظم منه لأنَّ الحق لك وهو أصغر منك لأنَّ الحق عليه. فأجاب الأعرابي إنِّي متنازل عن حقي ويكفيني هذا العدل فلما تنازل المظلوم عن حقه ظنَّ الابن أنَّه سيسلم من العقاب فنظر ابن سعود إلى من بالمجلس نظرة ارتاعوا لها وصاح بابنه أتظن أن انتسابك إليَّ يمحو عنك العقاب أو يخولك الاعتداء قد بقي الحق العام ثم أدبه تأديبًا بليغًا. وتفقد مرة بعد صلاة الجمعة ابنًا له فلم يجده في المسجد ووجده في البيت فسأله عن سبب تأخره عن الصلاة فأجاب بأنَّه تأخر عن غير قصد فجاء ولم يدركها ورجع فأمر بسجنه وسجن خدمه جزاء لهم على هذا التأخُّر وليأتوا مبادرين إلى الجمعة. وقد عثر مرة على أناس كانوا في لهو ولعب ويجتمعون في موضع بلا مراعاة لحضور الصلوات فضربوا ضربًا مبرحًا وأزال تلك الحديقة التي كانوا يجلسون فيها ولقد وقفت على قصره ذات يوم امرأة مسنة تشكو إليه أمر قضية لها في
стр. 1433
ميراث وقالت: ليس لي من يدافع عن حقوقي فناداها وأخذ ما بيدها من الأوراق وقال: أنا وكيلك وأدافع عن حقوقك فنظر في الحجج التي بيدها وأرسل بالقضية للمحكمة الشرعية وأخذ يسأل كل يوم عن تلك القضية حتى قررت المحكمة الشرعية في شأنها وأبلغ المرأة الحكم وأمر بإنفاذه.
فرحمة الله عليك من إمام عادل وليسجل التاريخ ما شاء من هذا العجب العجاب. ونمى إلى مسامعه أن تلاعبًا حصل في كتابة عقد من العقود في المحكمة الشرعية الكبرى بمكة وصودق عليه فما كان منه إلاَّ أن بعث خدمه إلى المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة وأحضر ما هو في متداول أيدي القضاة من دفاتر وحقق أمامه موضوع التلاعب حتى كان على يقين من ذلك فأمر بعزل جميع موظفي المحكمة واستبدالهم بآخرين ولم يكتفِّ بذلك بل عزل معهم رئيس القضاة إذاك سماحة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد كذا قيل (١) وكان الشيخ موضع التقدير من جلالة الملك ولكنه لما كان لا يطلع على التلاعب لم يراع شيئًا أمام الله وأمام خلقه وكان يوظف في الوظائف الكبار من يرى فيه المؤهلات سواء كان كبيرًا أو صغيرًا ويضع في كل أمر من يسده وهو إلى جانب هذا يجمع ذوي الحل والعقد من سائر البلدان في المملكة ولا سيما كبار العلماء لكل مناسبة ويأخذ رأيهم ويدعوهم إلى التناصح ويبعث اللجان ويؤلفها وينتدب الهيئات إلى عموم الجهات للنظر والتحقيق في الشكايات التي ترفع إليه حتى يتضح الأمر جليًا وينفق من مال الدولة الشيء الكثير في هذا السبيل ويختار لهذه المهام من يثق به من ذوي الخبرة والنزاهة ويوصيهم بتقوى الله وتحري الحقائق والأخذ بيد المظلوم وحدثني طالب علم من الذين يدرسون سابقًا على فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم بأنَّها تأخرت مكافئاتهم الشهرية فبعثوا بكتاب إليه وطلبوا من جلالته
стр. 1434
الأمر على من يلزم بصرفها ولكنهم احتاروا فيمن يوصله إليه لصعوبة ذلك فقدر أنَّ أحدهم أخذ الكتاب وفكر في أن يجعله ملفوفًا بحصاة تثقله ويرميه في سيارته ولكن الكتاب وقع في جبهة الملك لما رمى في السيارة فكشفه ودعي بصاحبه ولكن فأين صاحبه لقد فرَّ إلى مسافة بعيدة حينما رآه وقع في وجه الملك خوفًا وخجلًا، فأحضر بين يديه وأمره أن يراجعوا شلهوب لصرفها سريعًا بعد ما تبسم ضاحكًا من تصرفه ولم يغضب بل علم مقصده. ولمَّا كان في بعض الأيام جرى من محكمة الطائف في آخر رمضان عدم اهتمام بإنجاز المعاملات في القضاء ونجم عن عدم هذا الاهتمام بقاء بعض المتداعين في السجن حتى يتم شهر رمضان، فبساعة وصل الخبر إلى مسامعه أصدر أمره الصارم بحجز القاضي وجميع رجال المحكمة في دار المحكمة ليلًا ونهارًا حتى ينجزوا الفصل فيما لديهم من قضايا وترتب على ذلك أن انكبَّ القاضي ومن معه على نظر القضايا أواخر شهر رمضان وأيام عيد الفطر وما بعده حتى أنجزوا ما لديهم من القضايا وفصلوا فيها. وكان لا يبالي في الحق أحدًا وكثيرًا ما يلهج بهذه الآية ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
كرمه وجوده
أمَّا كرمه وجوده فحدث عن البحر ولا حرج فوالله الذي لا رب غيره لو كان في عصرنا هذا من يولع بتسجيل حوادث الكرم والجود والحلم والعفو والعدل كما كان في العصور السابقة لخفيت أسماء أجواد العرب المتقدمين ولزاحم الملوك كهارون الرشيد والمأمون وسيف الدولة ولظهر ابن سعود عليهم. كيف لا وهو يعطي كل من قصده غنيًا كان أو فقيرًا ولمَّا كانت النفوس قد جبلت على حب المال لأنَّه قوام الحياة وكان كل جواد لا بدَّ أن يمسك كما قيل:
стр. 1435
ولو سئل النَّاس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
فكان المترجم له لا يمسك قليلًا ولا كثيرًا وبذلك ملك القلوب وأحبته الأمة حبًا جمًا وكان يقول وما أغنت عن عبد الحميد كنوزه فمن ذلك أنَّ خمسة من الأعراب وفدوا على قصره في الرياض وكان البدوي قنعًا بما يناله فأمر لكل واحد بنصف كيس أرز وقلة تمر وعباءة وخمسين ريالًا فلما قبضها الأعراب ركبوا إبلهم وساروا راجعين إلى أهاليهم وقد عجزت الألسن أن تعبر عن المديح والثناء فلما كانوا في الدرعية جعلوا يتحدثون في شأنه فقال أحدهم لأصحابه أترون هذا ملكًا بفتح اللام وبالغوا في الإِطراء والمديح وكان من بين الذين يتقلبون بفضله بقية آل رشيد وآل مهنا وهم الذينَ كانوا قبل ذلك أعداء فلما حبوا في ضيافته منَّ عليهم بالإِكرام وغمرهم بالجود فتجد الفرد من هؤلاء يسكن القصور العالية ويركب مراكب الملوك كأنجال الملك ولكل فرد خدم واحتشام وجعل لهم المرتبات من ألوف النقود شهريًا وأكياس الأرز والقهوة والسكر والهيل ومصفحات العسل والسمن ومشالح الوبر وغير ذلك. وأكرم العلماء ورفع من أقدارهم وقرر لهم رواتب وأرزاقًا تجري عليهم كل ذلك شهريًا. وأكرم آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأجزل لهم العطاء وأكرم عشيرته ورفع من أقدارهم وأجزل لهم المرتبات ووصل قرابته وذوي رحمه وأوسع لهم في النفقات فكان بذلك موضع التقدير والإِجلال. وكان هؤلاء في الحشمة كالملوك بل كان خدمهم كالملوك، وكان يحرص على نفع الضعفاء والمساكين ويعطف عليهم فكان إذا رأى أعمى داعبه لأن يكون مطوعًا لإحدى البنات أو القصور حتى كان أمة من هؤلاء يتلون القرآن في تلك القصور ويتمتعون بالنعم والكرامة ويؤمون النساء في صلاة التراويح في شهر رمضان. ولا يزالون محترمين تجرى عليهم النفقات ويلبسون الكسوة الفاخرة ويركبون السيارات الفاخرة ويتقلبون في تلك النعمة والحبرة. وطبع على نفقته الألوف من كتب أهل
стр. 1436
السنَّة والجماعة وجعلها وقفًا تبذل مجانًا لطلاب العلم، ونذكر شيئًا منها فمن ذلك تفسير الحافظ ابن كثير وتفسير الإمام الحسين بن مسعود البغوي، جعل الأول في أعالي الصفحات والثاني أسفل مفصولًا بينهما بحاجز، فبلغت تسع مجلدات وظهر التفسيران في رونق حسن حتى أنَّهما لم يطبعا قبل ولا بعد بأحسن من تلك الطباعة وكان طبعهما بمطبعة المنار، وطبع المغني وكتاب الشرح الكبير للمقنع طباعة حسنة كان الأول في أعالي الصفحات والثاني أسفل مفصولًا بينهما بفاصل، فظهرت الطباعة كأحسن ما يكون وهما من أكبر كتب الفقه وكان يعد طبعهما إذ ذاك معجزة للإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن لقلة المادة بين أيدي الناس حتى قال الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مطبعة المنار التي طبعتهما في مديح الملك عبد العزيز لولاه لما أقدمنا على طبعهما ولم يقدم غيرنا وقال: لا يسعنا إلَّا أن نعود في هذه الخاتمة إلى الثناء على مسدي هذا الخير العظيم إلى الأمة الإِسلامية بالأمر بطبعه والإِنفاق عليه من ماله الخاص به إمام السنة ومحيي عدل الخلفاء وعلوم الأئمة مؤسس المملكتين وخادم الحرمين الشريفين عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز ونجد وعاهل العرب في كل غور ونجد أعزه الله تعالى وأعزَّ به العرب والإِسلام ونفع به الأنام. وذكر أنَّه هو السبب في وجود الكتاب. وذكر في المقدمة قوله ما زلت أفكر في السعي لطبعه إلى أن هداني الله تعالى إلى تبليغ أمنيتي هذه إلى السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام نجد وملحقاتها. وذكر صاحب المطبعة أنَّه شرع في طبع الكتابين وغيرهما من مطبوعات صاحب الجلالة والمطبعة غير مستعدة لإِنجاز مطبوعات كبيرة كثيرة وطبع المترجم له الآداب الشرعية الكبرى لابن مفلح وطبع مجموع الرسائل والمسائل لأئمة هذه الدعوة الإِسلامية الذين قاموا بالحق وبه يعدلون آل الشيخ ومن اقتفى أثرهم وقد بلغت مجلدات المغني والشرح الكبير اثني عشر مجلدًا كلها
стр. 1437
ضخمة كما أن الآداب الشرعية كانت في ثلاثة مجلدات. ومن مطبوعاته أجزل الله له الأجر والثواب شرح الطحاوية توحيد الإِمام ابن خزيمة مختصر طبقات الحنابلة لأبي يعلى وروضة المحبين لابن قيم الجوزية مجموعة التوحيد مجموعة الحديث مجموع المتون في كتب كثيرة البداية والنهاية للحافظ ابن كثير وغيرها. ونحيل القارئ إلى مواضع ذكرها هناك من هذا التاريخ.
ولقد كانت الأعراب تفد عليه كل يوم ينزل على القصر الملكي عدد منها فينزلون في دور الضيافة وبعد أن يقضي القادمون أيام الضيافة وهي ثلاثة في الغالب يرفع وكيل بيت المال إلى الملك كشفًا بأسمائهم ليأمر لهم بإعطياتهم فيكتب إلى جانب اسم كل واحد منهم المبلغ الذي يعطى له مراعيًا حالته ومقامه، فهذا يأخذ ٥٠ ريالًا، وهذا ١٠٠ مائة ريالًا، وهذا خمسمائة ريال، وهذا يأمر له بعشر نياق، وذاك بخمسة أكياس أرز. ومن تقاليده أن يمنح كل زائر كسوة عدا الطعام، والعطاء والكسوة عبارة عن عباءة وبدلة كاملة وغترة صوف. وتختلف الجوائز على حسب الوفود، فما يعطى للأمير أو لشيخ القبيلة لا يعطى للزائر العادي فيعطى بعض الأمراء سيارات وألوفًا. ومن أعجب ما نذكره أنَّه بعث إلى شيخ قبيلة من قبائله لما كانت الأرض مجدبة وجهته بعيدة أن لا يقدم هذه السنة مراعاة لحالته، بل تأتيه كسوته وشرهته في جهته فأمر بسيارة خمس طن وملأها نقودًا وسكرًا وقهوة وشاي وهيل وأرزًا وبعثها إليه ووهبها له. ويمنح كبار الضيوف وعظماؤهم السيوف المذهبة أو الخناجر المطعمة أو الساعات الثمينة، كل بمرتبته ودرجته، ولا يغادر قصره زائر من دون هدية وقد يغتنم البدو فرصة خروجه من مكان إلى مكان فيلحقون به فيدنو أحدهم منه ويهمس في أذنه من الوراء أنَّه في حاجة إلى مال ليتزوج فيقول: لمن يكون وراءه من رجاله أعطوه جهازًا (الجهاز في لغة نجد المهر الكافي للزواج). ثم يأتي غيره ويهمس في أذنه يا طويل
стр. 1438
العمر (وهي كلمة دعاء في نجد) أريد بشتًا ويأتي آخر يقول أريد ناقة فيعطى كل سائل ما سأل. وكان في وقت الشرهات يفد على قصره من العلماء والأمراء والرؤساء وأصحاب العوائد ما يزيد عن خمسمائة ألف. أمَّا البيوت التي تصرف لها الرواتب الشهرية من الأشراف والسادة والأئمة والخطباء السابقين فتقدر بثلاثة آلاف بيت، هذا عدى ما يصرف في حنادس الظلم سرًا على الأرامل وذوي الحاجات وما يوزع على العموم في سائر البلدان. وكان الموزع يسير في منتصف الليالي المظلمة فيطرق البيت سرًا فيدخل يده في الكوة ويعطيهم ما لا يعلمه إلاَّ الله ويوصي أهل البيت أن لا يبوحوا بمصدر تلك الصدقات، ولقد جاء إليه رجل من أهل مسقط فقدم لجلالته نوقًا عمانية أصيلة فأمر له بشرهة قدرها عشرة آلاف ريال وقيد اسمه ضمن ضيوف ذلك اليوم فكان يعطى كل سنة عشرة آلاف ريال. فقدر أنَّ رجلًا شابه اسم هذا الرجل مرة من السنين فأعطي العشر الآلاف، فأخذها وانصرف. وفي صبيحة اليوم الثاني جاء صاحب النوق وسلم على جلالته فقال له المغفور له: هل أعطيت شرهتك؟ فقال: لا. فغضب وسأل عن سبب ذلك. فقال أمين المال: إنَّه دفع المبلغ وأخذ إيصالًا من صاحبه. ولدى البحث عن صحة ذلك. ظهر لهم تشابه الاسم وأرسلوا خلف البدوي وأحضروه فلما حضر وفهم بما حصل خشي أن يسترجع منه المبلغ الذي أعطي له غلطًا لتشابه الاسم، ولكنهم لم يفعلوا بل جاؤوا به إلى الملك. فقال له جلالته: كم أخذت؟ قال: عشرة آلاف. فقال له الملك: هي لك من عند الله. فخرج من مجلسه يحمد الله ويدعو للملك. وأمر لصاحب النوق بمثلها أيضًا. واستوقفته امرأة عجوز مرة في الطريق وقالت: يا عبد العزيز أسأل الله أن يعطيك في آخرتك كما أعطاك في دنياك. فسر لهذه الدعوات أعظم السرور وأمر أن يعطى لها كل ما كان لديه في السيارة فإذا بها عشرة أكياس، كل كيس فيه خمسمائة ريال، الجميع خمسة آلاف ريال.
стр. 1439
فلما أعطيت لها عجزت عن حملها فأمر لها بذلول تحمل عليها هذا المبلغ وأمر لها بخادم يوصلها إلى منزلها في قلب الصحراء.
وترفع له كل يوم مئات الطلبات من كثير من طبقات الشعب فلا يخيب طالبًا، فمنهم من يعطه أرضًا، ومنهم من يبنى له دارًا، ومنهم من ييسر له سبيل الزواج، ومنهم من يرسله إلى خارج المملكة للعلاج إذا استعصى شفاؤه. ولقد بعث بعالم من العلماء إلى مصر وكان قد أصيب بداء عجزت عن كشفه الأطباء فأجريت له هناك عملية وأخذ عليه أن لا يقرب النساء شهرين فقدر أنَّه بعد وصوله أنس من نفسه العافية ولم يلتزم بالحمية فانتقض عليه جرحه فجعل الملك يأسى على حالته ويقول: لو أنني توليت حميته. وكان يبعث من يريد التزود في طلب أنواع العلوم إلى الخارج ويخصص لهم مرتبات ولقد كان موضع ضيافة ثليم في الرياض أعدت فيه الأطعمة للفقراء والمسافرين ورجال البادية وينتابه ألوف من الوافدين وكان من أوانيه قدر يسع عشرة أكياس من الأرز وكان يصعد إليه بسلالم من حديد وإذا أرادوا غسل هذا القدر فإنَّه ينزل إليه بدرج وكنت قد تحدثت إلى صاحب الضيافة عن صحة هذا الخبر فقال: صحيح وأنَّه يوجد في المربع قدر آخر يسع خمسة جمال تلقى فيه جميعًا وجعل يروي عن الخبز الذي يخبز يوميًا على نفقة الحكومة في الرياض أنَّه بلغ ستة وتسعين كيسًا من الدقيق وكان له مكارم يضايق بها أجواد العرب الأقدمين وإذا سألت كل من له صلة بديوان جلالته ففي كل يوم يرون العجائب من أنواع الحاجات والطلبات ومختلف الرغبات. ومما يروى عنه أن رجلًا شكى إليه مضايقة الغرماء له وإنَّ عليه مائة جنيه ذهبًا وطلب من جلالته المساعدة لسدادها فأمر أن يحقق عن مقدار الدين فثبت أنَّه كما ذكر فكتب الملك بخطه على الطلب بإعطائه مائة جنيه ولكنه تغلب عليه الكرم فكتبت يمناه ثلاثة أصفار بدلًا من صفرين يعني ألف جنيه ولما وصل الأمر إلى شلهوب مدير مالى الخاصة الملكية لاحظ ذلك
стр. 1440
فذهب إلى جلالته مستفسرًا فقال: ليس القلم بأكرم مني فاصرفوا له ما قسمه الله له فأعطى الرجل الألف جنيه فأخذها وانصرف داعيًا.
أخلاقه وبراعته
أمَّا أخلاقه فإنِّي أقول يندر أن يوجد مثله في الملوك والعظماء فكان تغلب عليه الوداعة والمرونة مع شدة وقسوة عند الحاجة فهو يعرف كيف يضع السيف كما يعرف كيف يضع الندى وهو متسامح مع خصومة وأعدائه واسع الصدر وكريم اليد فإذا جاؤوه تائبين أو نادمين عفا عنهم ورحب بهم وأجزل لهم العطايا وأنزلهم أحسن المنازل، ويكون انتقامه شديدًا ممن ينتقض عليه أو يحاربه بعد أن دخل في طاعته، وله بوادر عند الغضب تذوب لها مهج الرجال وتلاشى عندها سورة الأبطال، ولكنه سريعًا ما يفي إذا زال الغضب ويتوسط العلماء والأقرباء بطلب العفو عن الجاني فيقبل الشفاعة ويعفو ولا يخيب رجاءهم. ومن عجائب ما وجدته في بعض التواريخ عنه أنَّه بينما هو ذاهب إلى مكة حاجًا على عادته كل سنة انفجرت عجلة في سيارته (الباكار) فجلس جلالته على الرمل ريثما تصلح فمرَّ به راع على جمل وسأل عن الملك هل مَّر فسأله ابن سعود وقد رأى أنَّ البدوي لم يعرفه عن الباعث له على استفساره فقال الرجل: إني سمعت أنَّه في طريقه إلى مكة فقلت عسى أن يجود عليَّ بشيء من المال فأحج أنا أيضًا ففتح الملك كيسًا فيه نقود ذهبية يحتفظ به لمثل هذا الطارئ ونفحه بحفنة فحدق الرجل فيها ثم نظر إلى الملك وقال: شكرًا لك يا عبد العزيز لم أعرف وجهك ولكن جودك عرفني بك. تالله أنَّها لغريبة في تاريخ الملوك ولله در القائل حيث يقول:
هو العون بعد الله في رفع نازل ... وكشف كروب أو قضاء حوائج
تكاد ترى فيه المروءة والندى ... له حسنان دونها رمل عالج