← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

السنَّة والجماعة وجعلها وقفًا تبذل مجانًا لطلاب العلم، ونذكر شيئًا منها فمن ذلك تفسير الحافظ ابن كثير وتفسير الإمام الحسين بن مسعود البغوي، جعل الأول في أعالي الصفحات والثاني أسفل مفصولًا بينهما بحاجز، فبلغت تسع مجلدات وظهر التفسيران في رونق حسن حتى أنَّهما لم يطبعا قبل ولا بعد بأحسن من تلك الطباعة وكان طبعهما بمطبعة المنار، وطبع المغني وكتاب الشرح الكبير للمقنع طباعة حسنة كان الأول في أعالي الصفحات والثاني أسفل مفصولًا بينهما بفاصل، فظهرت الطباعة كأحسن ما يكون وهما من أكبر كتب الفقه وكان يعد طبعهما إذ ذاك معجزة للإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن لقلة المادة بين أيدي الناس حتى قال الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مطبعة المنار التي طبعتهما في مديح الملك عبد العزيز لولاه لما أقدمنا على طبعهما ولم يقدم غيرنا وقال: لا يسعنا إلَّا أن نعود في هذه الخاتمة إلى الثناء على مسدي هذا الخير العظيم إلى الأمة الإِسلامية بالأمر بطبعه والإِنفاق عليه من ماله الخاص به إمام السنة ومحيي عدل الخلفاء وعلوم الأئمة مؤسس المملكتين وخادم الحرمين الشريفين عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك الحجاز ونجد وعاهل العرب في كل غور ونجد أعزه الله تعالى وأعزَّ به العرب والإِسلام ونفع به الأنام. وذكر أنَّه هو السبب في وجود الكتاب. وذكر في المقدمة قوله ما زلت أفكر في السعي لطبعه إلى أن هداني الله تعالى إلى تبليغ أمنيتي هذه إلى السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إمام نجد وملحقاتها. وذكر صاحب المطبعة أنَّه شرع في طبع الكتابين وغيرهما من مطبوعات صاحب الجلالة والمطبعة غير مستعدة لإِنجاز مطبوعات كبيرة كثيرة وطبع المترجم له الآداب الشرعية الكبرى لابن مفلح وطبع مجموع الرسائل والمسائل لأئمة هذه الدعوة الإِسلامية الذين قاموا بالحق وبه يعدلون آل الشيخ ومن اقتفى أثرهم وقد بلغت مجلدات المغني والشرح الكبير اثني عشر مجلدًا كلها

стр. 1437

ضخمة كما أن الآداب الشرعية كانت في ثلاثة مجلدات. ومن مطبوعاته أجزل الله له الأجر والثواب شرح الطحاوية توحيد الإِمام ابن خزيمة مختصر طبقات الحنابلة لأبي يعلى وروضة المحبين لابن قيم الجوزية مجموعة التوحيد مجموعة الحديث مجموع المتون في كتب كثيرة البداية والنهاية للحافظ ابن كثير وغيرها. ونحيل القارئ إلى مواضع ذكرها هناك من هذا التاريخ. ولقد كانت الأعراب تفد عليه كل يوم ينزل على القصر الملكي عدد منها فينزلون في دور الضيافة وبعد أن يقضي القادمون أيام الضيافة وهي ثلاثة في الغالب يرفع وكيل بيت المال إلى الملك كشفًا بأسمائهم ليأمر لهم بإعطياتهم فيكتب إلى جانب اسم كل واحد منهم المبلغ الذي يعطى له مراعيًا حالته ومقامه، فهذا يأخذ ٥٠ ريالًا، وهذا ١٠٠ مائة ريالًا، وهذا خمسمائة ريال، وهذا يأمر له بعشر نياق، وذاك بخمسة أكياس أرز. ومن تقاليده أن يمنح كل زائر كسوة عدا الطعام، والعطاء والكسوة عبارة عن عباءة وبدلة كاملة وغترة صوف. وتختلف الجوائز على حسب الوفود، فما يعطى للأمير أو لشيخ القبيلة لا يعطى للزائر العادي فيعطى بعض الأمراء سيارات وألوفًا. ومن أعجب ما نذكره أنَّه بعث إلى شيخ قبيلة من قبائله لما كانت الأرض مجدبة وجهته بعيدة أن لا يقدم هذه السنة مراعاة لحالته، بل تأتيه كسوته وشرهته في جهته فأمر بسيارة خمس طن وملأها نقودًا وسكرًا وقهوة وشاي وهيل وأرزًا وبعثها إليه ووهبها له. ويمنح كبار الضيوف وعظماؤهم السيوف المذهبة أو الخناجر المطعمة أو الساعات الثمينة، كل بمرتبته ودرجته، ولا يغادر قصره زائر من دون هدية وقد يغتنم البدو فرصة خروجه من مكان إلى مكان فيلحقون به فيدنو أحدهم منه ويهمس في أذنه من الوراء أنَّه في حاجة إلى مال ليتزوج فيقول: لمن يكون وراءه من رجاله أعطوه جهازًا (الجهاز في لغة نجد المهر الكافي للزواج). ثم يأتي غيره ويهمس في أذنه يا طويل

стр. 1438

العمر (وهي كلمة دعاء في نجد) أريد بشتًا ويأتي آخر يقول أريد ناقة فيعطى كل سائل ما سأل. وكان في وقت الشرهات يفد على قصره من العلماء والأمراء والرؤساء وأصحاب العوائد ما يزيد عن خمسمائة ألف. أمَّا البيوت التي تصرف لها الرواتب الشهرية من الأشراف والسادة والأئمة والخطباء السابقين فتقدر بثلاثة آلاف بيت، هذا عدى ما يصرف في حنادس الظلم سرًا على الأرامل وذوي الحاجات وما يوزع على العموم في سائر البلدان. وكان الموزع يسير في منتصف الليالي المظلمة فيطرق البيت سرًا فيدخل يده في الكوة ويعطيهم ما لا يعلمه إلاَّ الله ويوصي أهل البيت أن لا يبوحوا بمصدر تلك الصدقات، ولقد جاء إليه رجل من أهل مسقط فقدم لجلالته نوقًا عمانية أصيلة فأمر له بشرهة قدرها عشرة آلاف ريال وقيد اسمه ضمن ضيوف ذلك اليوم فكان يعطى كل سنة عشرة آلاف ريال. فقدر أنَّ رجلًا شابه اسم هذا الرجل مرة من السنين فأعطي العشر الآلاف، فأخذها وانصرف. وفي صبيحة اليوم الثاني جاء صاحب النوق وسلم على جلالته فقال له المغفور له: هل أعطيت شرهتك؟ فقال: لا. فغضب وسأل عن سبب ذلك. فقال أمين المال: إنَّه دفع المبلغ وأخذ إيصالًا من صاحبه. ولدى البحث عن صحة ذلك. ظهر لهم تشابه الاسم وأرسلوا خلف البدوي وأحضروه فلما حضر وفهم بما حصل خشي أن يسترجع منه المبلغ الذي أعطي له غلطًا لتشابه الاسم، ولكنهم لم يفعلوا بل جاؤوا به إلى الملك. فقال له جلالته: كم أخذت؟ قال: عشرة آلاف. فقال له الملك: هي لك من عند الله. فخرج من مجلسه يحمد الله ويدعو للملك. وأمر لصاحب النوق بمثلها أيضًا. واستوقفته امرأة عجوز مرة في الطريق وقالت: يا عبد العزيز أسأل الله أن يعطيك في آخرتك كما أعطاك في دنياك. فسر لهذه الدعوات أعظم السرور وأمر أن يعطى لها كل ما كان لديه في السيارة فإذا بها عشرة أكياس، كل كيس فيه خمسمائة ريال، الجميع خمسة آلاف ريال.

стр. 1439

فلما أعطيت لها عجزت عن حملها فأمر لها بذلول تحمل عليها هذا المبلغ وأمر لها بخادم يوصلها إلى منزلها في قلب الصحراء. وترفع له كل يوم مئات الطلبات من كثير من طبقات الشعب فلا يخيب طالبًا، فمنهم من يعطه أرضًا، ومنهم من يبنى له دارًا، ومنهم من ييسر له سبيل الزواج، ومنهم من يرسله إلى خارج المملكة للعلاج إذا استعصى شفاؤه. ولقد بعث بعالم من العلماء إلى مصر وكان قد أصيب بداء عجزت عن كشفه الأطباء فأجريت له هناك عملية وأخذ عليه أن لا يقرب النساء شهرين فقدر أنَّه بعد وصوله أنس من نفسه العافية ولم يلتزم بالحمية فانتقض عليه جرحه فجعل الملك يأسى على حالته ويقول: لو أنني توليت حميته. وكان يبعث من يريد التزود في طلب أنواع العلوم إلى الخارج ويخصص لهم مرتبات ولقد كان موضع ضيافة ثليم في الرياض أعدت فيه الأطعمة للفقراء والمسافرين ورجال البادية وينتابه ألوف من الوافدين وكان من أوانيه قدر يسع عشرة أكياس من الأرز وكان يصعد إليه بسلالم من حديد وإذا أرادوا غسل هذا القدر فإنَّه ينزل إليه بدرج وكنت قد تحدثت إلى صاحب الضيافة عن صحة هذا الخبر فقال: صحيح وأنَّه يوجد في المربع قدر آخر يسع خمسة جمال تلقى فيه جميعًا وجعل يروي عن الخبز الذي يخبز يوميًا على نفقة الحكومة في الرياض أنَّه بلغ ستة وتسعين كيسًا من الدقيق وكان له مكارم يضايق بها أجواد العرب الأقدمين وإذا سألت كل من له صلة بديوان جلالته ففي كل يوم يرون العجائب من أنواع الحاجات والطلبات ومختلف الرغبات. ومما يروى عنه أن رجلًا شكى إليه مضايقة الغرماء له وإنَّ عليه مائة جنيه ذهبًا وطلب من جلالته المساعدة لسدادها فأمر أن يحقق عن مقدار الدين فثبت أنَّه كما ذكر فكتب الملك بخطه على الطلب بإعطائه مائة جنيه ولكنه تغلب عليه الكرم فكتبت يمناه ثلاثة أصفار بدلًا من صفرين يعني ألف جنيه ولما وصل الأمر إلى شلهوب مدير مالى الخاصة الملكية لاحظ ذلك

стр. 1440

فذهب إلى جلالته مستفسرًا فقال: ليس القلم بأكرم مني فاصرفوا له ما قسمه الله له فأعطى الرجل الألف جنيه فأخذها وانصرف داعيًا. أخلاقه وبراعته أمَّا أخلاقه فإنِّي أقول يندر أن يوجد مثله في الملوك والعظماء فكان تغلب عليه الوداعة والمرونة مع شدة وقسوة عند الحاجة فهو يعرف كيف يضع السيف كما يعرف كيف يضع الندى وهو متسامح مع خصومة وأعدائه واسع الصدر وكريم اليد فإذا جاؤوه تائبين أو نادمين عفا عنهم ورحب بهم وأجزل لهم العطايا وأنزلهم أحسن المنازل، ويكون انتقامه شديدًا ممن ينتقض عليه أو يحاربه بعد أن دخل في طاعته، وله بوادر عند الغضب تذوب لها مهج الرجال وتلاشى عندها سورة الأبطال، ولكنه سريعًا ما يفي إذا زال الغضب ويتوسط العلماء والأقرباء بطلب العفو عن الجاني فيقبل الشفاعة ويعفو ولا يخيب رجاءهم. ومن عجائب ما وجدته في بعض التواريخ عنه أنَّه بينما هو ذاهب إلى مكة حاجًا على عادته كل سنة انفجرت عجلة في سيارته (الباكار) فجلس جلالته على الرمل ريثما تصلح فمرَّ به راع على جمل وسأل عن الملك هل مَّر فسأله ابن سعود وقد رأى أنَّ البدوي لم يعرفه عن الباعث له على استفساره فقال الرجل: إني سمعت أنَّه في طريقه إلى مكة فقلت عسى أن يجود عليَّ بشيء من المال فأحج أنا أيضًا ففتح الملك كيسًا فيه نقود ذهبية يحتفظ به لمثل هذا الطارئ ونفحه بحفنة فحدق الرجل فيها ثم نظر إلى الملك وقال: شكرًا لك يا عبد العزيز لم أعرف وجهك ولكن جودك عرفني بك. تالله أنَّها لغريبة في تاريخ الملوك ولله در القائل حيث يقول: هو العون بعد الله في رفع نازل ... وكشف كروب أو قضاء حوائج تكاد ترى فيه المروءة والندى ... له حسنان دونها رمل عالج

стр. 1441

فأضعف الله لك الأجر يا أبا تركي وأكثر من أمثالك وإنَّه لواجب على التاريخ أن ينشر هذه الفضيلة ويسطر ما شاء من تلك المناقب ويشنف الأسماع بتلك الأخبار. وكان من مزاياه الحميدة اعترافه بأنَّه لم يتعلم العلوم ولم يرزق حظ الإِحاطة بها وهو يكرر ذلك دائمًا في معظم المناسبات ويقول: (حنا) أي نحن ما تعلمنا فيجب على الذين تعلموا أن يساعدونا ويرشدونا. هذا وقد كان عالمًا واسع الاطلاع غير أنَّه لا يحب تزويق الكلام وتشقيق العبارات بل كانت سليقته ولهجته لهجة العلماء الصادقين السلفيين وخطبه في المواسم والمناسبات كثيرة موجودة يستشهد بالآيات والأحاديث. ومن عادته أنَّه يخطب جالسًا ويشير بسبابة يده اليمنى أو بقضيب صغير يحمله في يده على أداء ما في فكرته، ويرسل الكلام إرسالًا من دون أن يتقيد بأساليب البلغاء أو بقواعد اللغة بل يخطب بلهجة أهل نجد، وتغلب على خطبه النزعة الدينية وكثيرًا ما يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبويَّة في خلالها. ولقد تغلب على الفصحاء وحيرت سياسته جميع السياسيين وخضعوا لهيبته وأقروا له بالتقدم ونظروا إليه بعين التعظيم والاحترام والإِعجاب. سطوته وشجاعته قد تمَّ له بفضل سياسة الحزم والعزم والشدة التي يسير عليها في إدارة بلاده وأقطاره الواسعة إقرار الأمن على منوال غير معروف في أعظم البلاد رقيًا وحضارة فاطمأنَّ النَّاس على أرواحهم وأموالهم في غدوهم ورواحهم حتى أصبحت المرأة تسير على قدميها وحدها بين القرى والضواحي تحمل على رأسها الأشياء الثمينة فلا يتعرض لها بن ولا فاجر حتى لقد ندر وقوع الحوادث العادية. والباعث لذلك هو يقظته الزائدة وأخذه المجرمين بالشدة والبطش الشديد بقطاع الطريق والعابثين بالأمن العام فلا يرحمهم ولا يشفق

стр. 1442

عليهم ولا تنفع عنده فيهم شفاعة. ولم يخلد إلى الدعة والسكينة منذ ما أصبح قادرًا على تقلد الحسام وامتطاء الجواد بل واصل الحرب والقتال مدة أربع وثلاثين سنة تمَّ له فيها وفي خلالها إنشاء هذه المملكة الطويلة العريضة من الشام إلى اليمَن ومن البحر الأحمر إلى الخليج العربي. وقد قاتل على كل شبر أرض منها كما يقول عن نفسه ولم يشرق نجمه ويتألق إلاَّ بعد الحرب العظمى، ولم يتلألأ كوكب مجده إلاَّ بعد الانتصارين العظيمين الذين أدركهما في وقت يكاد يكون واحدًا. فقد قضى في تربة على جيش الحسين الشريف فأصبح بذلك يملك أكبر قوة عسكرية في شمال الجزيرة، كما أنَّ فوزه الحاسم يوم فتح حايل وتقويضه إمارة آل رشيد جعله سيد نجد غير مدافع وصاحب الكلمة العليا فيها فانصرف إلى ضم الحجاز وإلى تعزيز نفوذه في خارج نجد فاحتلَّ منطقة عسير بلا عناء ووسع حدوده من جهة الشرق وأقام ينتظر الفرص ليضرب ضربته الكبرى وليبسط نفوذه على الجزيرة كلها ويدخلها في طاعته وهو الحلم الذي يحلم به ويطمع أن يوفق إلى تحقيقه على أنَّه كان ذا حظ، فهو محظوظ كما يقول عن نفسه، وشاهد هذا فتح الطائف وبعض الفتوحات التي سهلها الله العلي الكبير بدون كبير أمر يذكر غير أنَّها ترجع لإظهاره القوة وصدق العزيمة وكان بابه مفتوحًا للضيف والمظلوم وكيسه مفتوحًا للبذل والعطاء. كما أنَّ سيفه مسلول للتأديب. وقد ساد قومه بهذه المزايا الثلاث: العدل والكرم والشجاعة، ونال ما لم ينله غيره من آل سعود. ولقد سطا في استرجاع الملك من آل رشيد سطوات يشيب من هولها الوليد، وألقى نفسه في المعاطف، فكان لا يهاب أحدًا ولو أنَّ النَّار في وجهه لألقى نفسه فيها ولكن بحسن تدبير وسياسة مجندل عجلان. وكان يتحدث عن فتح الرياض وما جرى في تلك الساعة من الأهوال قال: لم

стр. 1443

يكن معي في تلك اللحظة غير بندقي ومعه سيفه فردَّ لي السيف وهو يرمي إليَّ به ووجه السيف ما هو طيب فغطيت وجهي وهجمت بالبندق ولكنها لم تقض عليه بل ثارت وسمعت طيحة السيف في الأرض ومن تدبر هجومه على عجلان ورجاله رأى العجب العجاب ولاحق الصنديد عبد العزيز بن متعب حتى ألقاه مضرجًا بدمائه على وجه الأرض بعد هول شديد وما زال يشن الغارة على الشريف وأبنائه حتى طردهم عن الحجاز وحلَّ مكانهم. وكان طويل القامة ضخم الجثة واسع الفم إذا تكلم وهو غاضب ظننت أنَّ الجمل يهدر ويندر في نجد أنَّه يوجد من يدانيه في الطول فكأنَّه المفرد العلم إذا وقف بينهم ويرى في جسمه كثير من الجروح التي أصيب بها في المعارك وإحدى أصابعه مشلولة. ولقد نزل على حدود العراق لما فرَّ منه الدويش وابن حثلين وابن لامي والتجأوا إلى حكومتها وجعل يتهدد ويتوعد المسؤولين ويحتج حتى حملتهم الحكومة الإِنجليزية بطائرة وألقتهم بين يديه. ولمَّا أن تولى الحجاز كانت السبل هناك غير آمنة وقوي الأعراب ينهب الضعيف وحجاج بيت الله غير مطمئنين من نهب الحرامية وقطاع الطريق. فاستطاع بشدة سطوته وضروب سياسته أن يضرب على أيدي العابثين ويكف أيدي قطاع الطريق حتى أصبح السائر بين تلك الجبال كأنَّما يسير بصحن بيته. ومن النكت أنَّه سجن جماعة من قبل قاضي تحقيق بغير حق بل كان سجنهم ظلمًا فقدموا لصاحب الجلالة شكوى فبعث هيئة تدرس الموضوع جيدًا. وبعد ما تبين ظلم الآمر بسجنهم أمر بأن يخرجوا من السجن ويسجن الآمر مدة توازي مدتهم. وقام ثلاثة من الأشقياء بسيارتهم فنهبوا صبيًا وفروا به إلى البر ليفعلوا به

стр. 1444

الفاحشة. فما كان إلاَّ قليل حتى قامت الدوريات وأحاطت بهم، فما هي إلاَّ دقائق حتى أُلقي القبض عليهم وصدر الأمر بإعدامهم. ونقل إليه أن أناسًا أفطروا في شهر رمضان فأمر بالقبض عليهم وكانوا قد خرجوا إلى البرية لأنَّ لا يطلع على إفطارهم أحد، ثم أمر بأن يطاف بهم في أسواق الرياض على الحالة التي وجدوا فيها، فجيء بهم وكان أحدهم يحمل طستًا، والآخر يحمل إبريقًا وأكوابًا، والثالث يحمل القدر على رأسه. ولما أن طيف بهم على هذه الصفة الشنيعة التي تنبئ عن انتهاكهم لحرمة شهر رمضان أمر بضربهم بالخشب في الصفاة وتعذيبهم بأبلغ العقوبات حتى نجم عن ذلك أن كان كل شخص على العموم يطيق الصيام فإنَّه لا يفطر، كائنًا من كان، اللَّهُمَّ إلاَّ مريضًا أو مسافرًا. وكان إذا غضب فإنَّه لا يوقف في طريقه، هاذا اعترى فإنَّ الحاضرين والسامعين ومن بلغه الأمر يشتغل كل بنفسه في التفكير في أعماله وذنوبه. لباسه وسجيته كان لباسه عربيًا فيضع الكوفية والعقال الذهبي (الشطفة) على رأسه ويلبس قميصًا أبيض طويلًا فوق جسمه وتحته السراويل الواسعة ويضع فوقه ثوبًا وفوق الثوب عباءة، ويكون الثوب من الجوخ في الشتاء، ومن القماش الأبيض في الصيف. وألبسته غالبًا تنسج وتخاط في دمشق وترسل إليه وليس فيها ما يفضله أو يميزه على أحد عماله أو رجاله الآخرين ويلبس الشرابات وفوقها الخف على طريقة أهل الحجاز ونجد، وقد ينزعه عند ركوبه الخيل، وشعاره البساطة التامَّة في كل شيء، ويحب المباسطة على المائدة خلال تناول الطعام، وطعامه اليومي المعتاد هو الأرز واللحم المسلوق واللبن الرائب ولبن الإِبل والخبز ويأكل الفواكه إذا وجدت ويحب القهوة العربية ويجلس إلى مائدته التي مدت على الأرض وحوله ضيوف

стр. 1445

ويأكل بيده إذا كانوا من أهل نجد والحجاز، أمَّا إذا كانوا أجانب أو هناك رجال رسميون فيأكل بالملعقة ويجلس إلى موائد نظمت على الطراز الحديث. أمَّا في الأسفار والحروب والغزوات فإنَّه يحارب الراحة وتمر به ليال لا ينام في خلالها إلاَّ غرارًا على ظهور الإِبل أو الخيل مواصلًا سرى الليل بسير النهار لا يأكل إلاَّ قليلًا ولا يشرب إلاَّ نادرًا. وقد اضطر في بعض غزواته إلى شق بطون النياق لاستخراج ما فيها من ماء وشربه لندرة الماء. وكثيرًا ما قضى الأيام والليالي طاويًا لعدم وجود ما يأكله. ولقد أكرم جميع الذين ساهموا معه في استعادة الملك لما فتح الله عليه وحرص على مكافآتهم وحشمتهم وأفسح لهم المجال. وكثيرًا ما يستعرض ماضيه ويذكر أصدقاءه القدماء ويتحدث بنعمة الله عليه. وكان له تهجد من آخر الليل. فإذا صلَّى ما كتب له وقرأ ما تيسر من القرآن وأوتر إذا قد حضر وقت الفريضة فيصلي الغداة ثم يظل في ورده وقراءته لأنَّه كان له حضر من الورد فيقرأ في ورد الشيخ سليمان بن سحمان. ثم أنَّه ألف ورده المشهور بالورد المصفَّى المختار من كلام الله تعالى وكلام سيد الأبرار ويتحصن به. وقد طبع عدة مرات ووزع بكثرة فيلبث حتى قرب طلوع الشمس فينام وبعد ما يستيقظ يتناول القهوة ويجرع كميات من لبن الإِبل ثم يخرج إلى الديوان فينظر في الشؤون المعروضة عليه ويوافيه عامل اللاسلكي كل صباح بتقارير عماله وأمراءه وكل حاكم مدينة عندهم يسمى أميرًا يتصل به عن طريق البرق فيوافيه بجميع ما جرى من آخر نهار أمس في منطقته فلا يكاد يفوته شيء مما يقع بل يطلع على كل ما جرى حتى أنَّ المملكة تكون بين يديه كأنَّها دكان بقالة، ويبلغه عماله

стр. 1446

أخبار الشد والرحيل من السياح حتى أنَّه لا يستطيع أحد أن ينتقل إلاَّ بإذن منه فينقل إليه من فتنة بين قبائل الشمال إلى سيارة تعطلت في الوحل في الطريق الفلاني ثم يأتيه المترجمون للأخبار الخارجية كما سمعوها فيعرضونها عليه حتى أنَّه ليتبلغ السياسة لمعرفته بالحرب أعظم مما يتبلغها معظم الموظفين في تلك المملكة وكان يتسقط أخبار الحكومات والبلاد المجاورة ولديه مصلحة استخبارات منظمة تنقل إليه جميع ما يحدث بالضبط والتفصيل، فلا يكاد يفوته شيء ويأتيه عماله بتقارير سرية يوافونه بها، وله عناية عظيمة بالصحف على اختلاف أنواعها وقد يأتيه مترجموه للأخبار الخارجية عند وقوعها بشيء لا تبلغه العبارة في التدقيق. ومن عادته في رحلاته أن يقف اثنان من رجاله وبيد كل واحد منهما بندقية على سيارته هذا من اليمين وذاك من الشمال خوف وقوع حادث مفاجئ وتكون إلى جانبه في السيارة بندقية خاصة به، ويضع سائق سيارته الخاصة بندقية في جانبه. وكان يمازح جلساءه ورجال خاصته ويحادثهم أحاديث طلية، لا أثر فيها للكلفة، ويعاملهم معاملة الصديق للصديق والند للند ويحبونه حبًا عظيمًا. فلقد كان محبوبًا جدًا وموضع التقدير، على أنَّه لا يتأخر عند الحاجة من تأديب بعض من يذنب منهم بيده، وهو مشهور بالإفاضة في الحديث فإذا بدأ بموضوع لا يتركه قبل أن يلم به من جميع نواحيه ولا يدع زيادة لمستزيد، فإذا قاطعه جليسه أو محدثه مستدركًا على شيء أو مبديًا رأيًا لاح له أو فكرة مرت بخاطره قال له: إسمع أنا أعلمك أي أخبرك أو إسمع، اسمع الله يهديك أو ما تسمع الله يسلمك ويردد هذه الجمل كثيرًا في محادثاته اليومية. فقد عرفت أنُّها القارئ أنَّه معظّم ومحبوب ومن النَّاس من يكون معظمًا غير محبوب ومنهم من يكون محبوبًا غير معظم وأن أكمل الصفات محبة يصحبها التعظيم.

стр. 1447

ذكر حالاته الزوجية كان يتقيد بالشريعة المطهرة في أمور زواجه فلا ينكح امرأة حتى تتم عدة الزوجة الرابعة، وكثيرًا ما يصاهر القبائل لمودتهم واستجلاب محبتهم، فقل مدينة في نجد لم يتزوج فيها تقربًا إليهم واستمالة لهم، وإذا طلق امرأة فإن كانت حاملًا أو ذات أولاد فإنَّها تبقى بإكرام وعناية ولها من المرتبات ما للزوجات الأخرى من المأكل والملبس. وأمَّا التي لم تلد ولم تحمل فترجع إلى أهلها مع جهازها ولباسها وما يكون الملك أجرى لها مدة وجودها في قصره، ومن مطلقاته من لا تتزوج بغيره ومنهن من يتزوجن بعد انقضاء المدة الشرعية ولا بأس في ذلك. وفي القصر الملكي عدا النساء الحرائر طائفة من الجواري السود والإِماء وهناك طائفة من السراري الكرجيات عددهن غير قليل وهن قد حملن إلى نجد في زمن الحرب العظمى الأولى فاشتراهن وتسراهن وهو يستمتع بهن. وقد اشتهرن بالجمال ومن بينهن ثنتان ولدن له أولادًا وكانت الباقية منهما محترمة ومكرمة تعنى بملابسه الخاصة وتسهر على ترتيبها. فكانت والدة بكره تركي المتوفَّى في عام ١٣٣٧ هـ وابنه سعود وأختهما الشقيقة هي وضحا ابنة محمد بن برغش آل عريعر، وصاهر الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف فكانت ابنة الشيخ طرفة بنت عبد الله والدة الملك فيصل وأخته نورة، وصاهر آل جلوى، وصاهر ابن شعلان فكانت حفيدة نوري الشعلان نوْف الشعلانية والدة ثامر وممدوح ومشهور، وصاهر العجمان، وصاهر آل السديري وأنجبت نساء آل السديري فأنجبت له حصة ابنة أحمد السديري فهد بن عبد العزيز وسعد الأول وسلطان وعبد الرحمن وتركي الثاني ونايف وسلمان وأحمد. كما أنَّ الجوهرة ابنة سعد السديري أنجبت له سعد الثاني ومساعد وعبد المحسن. كما صاهر المترجم العاصي بن شريم الشمري فأنجبت له عبد الله بن عبد العزيز وأخواته. كما أنَّ هيا ابنة سعد السديري

стр. 1448

أنجبت له بدر بن عبد العزيز وعبد الإله وعبد المجيد وأخوات لهم شقيقات. فأمَّا سعود فهو ولي العهد بعد أَبيه. وأمَّا فيصل فتولَّى الملك بعد أخيه. وأمَّا خالد فقد تولَّى الملك بعد أخيه. وأمَّا فهد فقد تولى الملك بعد وفاة أخيه. ومن الأنجال محمد بن عبد العزيز شقيق الملك خالد والدتهما الجوهرة بنت مساعد بن جلوي بن تركي، ولهما أخت شقيقة هي العنود. فأمَّا عن المتوفين رحمة الله عليهم فتأتي ترجمتهم. وأمَّا عن الأحياء فنذكر طرفًا عن حياتهم. ذكرى أنجال الملك عبد العزيز تقدم ذكر الملوك ومن أنجاله محمد وتقدم ذكر ولادته وكان شجاعًا بل يعد من شجعان العرب الأشاوس، وشجاعته مشهورة فلقد كانت الشجعان يضطربون خوفًا إذا علموا به، ولا يطيق الإِخلاد إلى الراحة والدعة إن دعى للحرب داعي، أضف إلى ذلك سخاء وكرمًا. وله مواقف في الحروب. وقد سافر مع أخيه سعود لحضور حفلة تتويج ملك بريطانيا، كما سافر مع أخيه فيصل في رحلته إلى أمريكا لحضور مؤتمر فرانسيسكو. وأمَّا ناصر بن عبد العزيز فقد جعله والده أميرًا في الرياض وهي ليست بالأمر الهين اليسير، بل من أشق الأعمال وأعظمها لما يجب على القائم بهذا المنصب الخطير أن يكون له إلمام بشؤون الدولة وأمور الشرع والنظام، ولا يلحقه عجز ولا ضعف ولا رعونة. وأمَّا سلطان بن عبد العزيز فقد تولَّى إمارة الرياض بعد أخيه ناصر، وكان رزينًا نزيهًا وله فضل وإحسان في مساعدة المنكوبين والمرضى. وقد وسد إليه ثلاثة أشياء: وزارة الدفاع، وكان نائب جلالة الملك الثاني والمفتش العام. أمَّا منصور بن عبد العزيز فقد تقدمت ترجمته في سنة وفاته. وكان وزير

стр. 1449

الدفاع قبل ذلك، ومشعل بن عبد العزيز، وكان شابًا أديبًا محنكًا ولاه والده وزارة الدفاع بعد أخيه منصور، فقام بأعباء هذه الوظيفة ست سنوات قيامًا أسفر عن كفاءته ومؤهلاته. غير أنَّه طلب الإِقالة منها. ومن الأنجال سلمان بن عبد العزيز أمير الرياض وهو ذو شجاعة وتقدم، ومنهم متعب بن عبد العزيز، وكان فتى نجيبًا وتقدم في خدمة بلاده بهمة ونشاط فأصبح نائبًا في مكة المكرمة. قام بالإِمارة خير قيام بعد حفيد المترجم عبد الله بن فيصل، وباشر مهمته بجد وصدق وكان أهلًا لذلك. ومن أبناء جلالة الملك تركي بن عبد العزيز البطل الهمام وكان سباقًا إلى الخيرات وفتى نجيبًا قضى له جوده وكرمه أن يتولى منصبًا حساسًا في خدمة المملكة. ومن الأنجال عبد الله بن عبد العزيز رئيس الحرس الوطني والنائب الأول لجلالة الملك وولي العهد. وكان عند حسن الظن. وأمَّا نايف بن عبد العزيز فكان وزير الداخلية وفيه مؤهلات ورجولة ومعرفة قضت له أن يكون بهذه المنزلة مع علم بالرجال وتقدير لأهل الفضل والعلم والقبض على العابثين بأيد من حديد. أمَّا أحمد بن عبد العزيز فكان نائبًا عن أمير مكة ثم كان وكيلًا لوزير الداخلية، وسطام بن عبد العزيز الذي كان وكيلًا لأمير الرياض. وأمَّا بدر بن عبد العزيز فكان نائبًا عن رئيس الحرس الوطني. ومنهم بندر بن عبد العزيز كان نبيل الخلق سمحًا طيبًا ذكيًا عربيًا متحمسًا يحب رقى العرب وأن يكونوا متمسكين بسيرة السلف ويحب القراءة وكان متواضعًا كريم الأخلاق. وأمَّا سعد بن عبد العزيز فكان فاضلًا متعلمًا ذا أخلاق فاضلة. وأمَّا مساعد بن عبد العزيز فله ميل إلى الأدب وقرض الشعر. أمَّا عبد المحسن بن

стр. 1450

عبد العزيز فقد كان أمير المدينة المنورة وقام فيها خير قيام. ومنهم فواز بن عبد العزيز تولَّى إمارة الرياض في عهد الملك سعود ثمَّ كان أميرًا في مكة المكرمة. ومنهم طلال بن عبد العزيز عين سفيرًا في باريس ثم كان وزيرًا للمالية فترة في زمن الملك سعود. ومنهم نواف بن عبد العزيز تولَّى إمارة القصور والحرس الملكي ورئاسة الديوان الملكي فترة في زمن الملك سعود ثم أعيد إليها في عهد الملك فيصل ثم كان المستشار الخاص للملك فيصل. ومنهم عبد الرحمن ومشاري وثامر وممدوح ومشهور وهذلول وعبد الإِله وعبد المجيد ومقرن وماجد وحمود. وكل من أنجاله فإنَّهم مهذبون ومثقفون ورجال (١) وكل منهم فإنَّه ينمي نموًا حسنًا فترى أجسامهم أكبر من السن التي هم فيها كأبيهم البادن المهيب، فمن كان في العاشرة كمن في الخامسة عشرة، ومن في الخامسة عشرة كمن في العشرين، ومن في العشرين يخيل لرائيه كأنَّه في الثلاثين. ولقد رأيت نوافًا وماجدًا في مكة المكرمة وعمر الأول لا يتجاوز السابعة، والثاني لا يتجاوز سنه أربع سنين في القصور الملكية فوجدت لدى كل واحد منهما رجالًا كرامًا مؤدبين يسمون الخويا غارقين بالسلاح ولا يقل رجال أحدهما عن ستين رجلًا ووجدت على رأس الرجال الأمير أديبًا مهذبًا بالرغم من صغر أسنانهم، ولديهم تواضع وحسن أخلاق كما أنَّ الخويا الذين في معيتهم أعمارهم بين العشرين والأربعين لديهم تواضع وأدب وتقدير للعلماء. وكانوا يسألون عن مسائل الحج بأدب وتقدير وإنزال النَّاس

стр. 1451

في منازلهم. ولا ريب أنَّ هذا بتوجيه من رائدهم الأعلى جلالة الملك عبد العزيز. وقد صاهر الملك عبد العزيز قبيلة الرشيد غير مرة. وذلك لاستجلاب المحبَّة والمودة. نسأل الله تعالى أن يوفق بنيه ويهديهم ويرزقهم اقتفاء طريقة والدهم، كما نسأله التوفيق والهداية لسائر المسلمين. ذكر قواته وذخائره لما كان لا قوام للأمة إلَّا بالسلاح القوي تدافع به الأعداء وتخيف به البغاة والظلمة، فإن المسلمين يجب عليهم اتخاذ القوة والسلاح الذي يتناسب مع كل جيل ويستعد به من بنادق ومدافع وآلة نسف ونقل في البر والبحر والجو وطيارات وغواصات ودبابات يأمر القرآن بها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، فهذه القوة يجب اتخاذها وإرصادها لمن حارب الله ورسوله. وما ترك قوم الجهاد إلَّا ذلوا وتلك المعدات وإن عظمت وكبر شأنها فلا بدَّ لها من سواعد تحملها تارة وتدفعها أخرى وأدمغة تخترعها وقلوب لا ترهبها ونفوس ترى الموت وشرف الحرية خيرًا من الحياة في ذلِّ العبودية للدول الأخرى. فعلى المسلمين متى ما أرادوا الرقي وعز الدين والتقدم تربية الجنود والأبطال المخلصين وتكوين فرق الشجعان البواسل لتغذية الروح العسكرية وبناية المدارس الحربية والإِتيان بالأساتذة الخبراء وجلب التلاميذ بمختلف وسائل الترغيب إليها. لذلك رأى عبد العزيز بن عبد الرحمن بثاقب نظره لما أناله الله الملك وفتح له كنوز الأرض من الذهب الأسود والذهب الأصفر فأغناه عمَّا سواه أن يعهد بهذا الأمر إلى أحد أنجاله وهو منصور بن عبد العزيز فقام بتدريب فني للجنود حتى أصبح الجندي السعودي له شأن عظيم.

стр. 1452

ولما اختطفه أيدي المنون وخسرته الحكومة بسبب مرض مخوف وبعد وفاته عهد الملك بهذا الأمر إلى أخيه الوزير مشعل بن عبد العزيز فعينه وزيرًا للحربية فلبس اللباس العسكري حتى حببه إلى نفوس النَّاس لأنَّ العرب في اللباس العسكري في البلاد السعودية لم يألفوا التعاليم العسكرية ولم يتعودوا لباسها فأخذ وزير الدفاع يعني بالتعليم العسكري وأسس مدارس عسكرية في البلاد واستقدم بعثة من كبار ضباط الإِنجليز لتعليم الجند التمارين العسكرية وطريقة استعمال الأسلحة الحديثة كما استقدم بعثة أخرى من أمريكا لتعليم الجند استعمال المصفحات وأحدث المخترعات من سلاح وعتاد وأنواع الطائرات. وكان من نتائج هذه الروح المتقدة في شخصية وزير الدفاع، وحسن إرشادات جلالة والده العظيم الحريص على تقدم شعبة في جميع الشؤون الحيوية، وخصوصًا منها الشؤون العسكرية أن صدرت إرادة جلالة الملك المغفور له المطاعة بابتعاث البعثات إلى لندن وأمريكا. وقامت وزارة الدفاع تشجع الطلبة للالتحاق بالمدارس العسكرية بتخصيص الرواتب والإِعاشات وذلك ببذل رواتب وإعاشات تبذل. فللطالب ١٥٠ ريالًا و ٤٠ ريالًا إعاشة. ومتى تخرج الطالب من المدرسة يتخرج برتبة ملازم ثانٍ وتعطيه الحكومة راتبًا شهريًا قدره ٢٥٣ ريالًا و ٤٠ ريالًا إعاشة. ثم أنَّ الحكومة جعلت لمساعد الطيار ٦٠٠ ريال وإعاشة ٤٠ ريالًا وللقائد ٩٠٠ ريال و ٤٠ إعاشة ما عدا نفقات السفر للخارج والداخل بموجب نظام الطيران. أمَّا درجة المساعد الثانية فله ٧٠٠ والأولى ٨٠٠، وهذا ما عدا الإِعاشة. وما زالت الرواتب في علو وارتفاع بعد ذلك. وما مات حتى كان عنده أكبر قوة عسكرية. فلقد تقرر عند العالم أجمع

стр. 1453

ما أصبح لديه من القوة والسلاح فعنده قوة هائلة من العدد والعدة فعنده البنادق (البندقيات) على اختلاف أنواعها وأشكالها فمنها أمهات خمس القصار الألمانية والبلجيكا والشرفاء والشوزن امهات خمس والسلاح الأبيض من السيوف والخناجر وغيرها. وكان قد أهدى إلى روزفلت رئيس أمريكا في اجتماعه به سيفين مرصّعين قيل إن أحداهما يقدر بمبلغ مائة ألف دولار وهدايا تذكارية كساوي أربع مكونة كل منها من بيشت وعقال وغترة وخنجر ذهب وساعة جيب ذهبية أرسلت إلى الرئيس على طائرة قامت من القاهرة ضحى الاثنين ٦ ربيع الأول ١٣٦٤ هـ أي بعد مغادرة الرئيس. كما أهدى الرئيس الملك كرسيه الخاص الذي كان جالسًا عليه تعبيرًا عن امتنانه وطائرة فخمة تقدم ذكرها. كما أنَّ لدى جلالة الملك المسدسات على اختلاف أنواعها وعنده الرشاشات الناريَّة والبطاريات والسيارات المصفحة والمدافع الجبلية ومدافع الهاون والمدافع المضادة للطائرات، ولديه الطائرات الحربية والنفاثة وغير ذلك من الأسلحة الكافية. وعنده الجيش المزود بالرجال الذين يتفانون في سبيله ويحبونه حبًا جمًا. فكان رجال شعبة يسيرون تحت إرشاداته ولو قذفهم في جحيم النَّار، ويستطيع أن يجند ثمانمائة ألف مقاتل لا يقفون دون ما يريد، ولديه الدبابات، ولديه المدرعات. ولديه علاوة على ذلك المال والكنوز. فأمَّا البندقيات والمسدسات والسيوف فإنَّه قد توفر من كل أنواعها عشرات الملايين كما أنَّ المدافع والدبابات والرشاشات والطائرات المجهزة بالقنابل الكافية لتعتبر من أحدث أنواع الأسلحة وأحسنها مزودًا هذا الجيش بأقصى ما يستطاع ومدربًا تدريبًا أصبح موضع الإِعجاب.

стр. 1454

وناهيك به من سلاح قوي لا بأس به أضف إلى ذلك ما استوردته الحكومة بعد ذلك من المدافع الضخمة بعيدة المدى وأنواع الأسلحة. وما كنت أظن من قام بهذه المهمات قد استكمل القوة. ولقد جدَّ في طلب أنواع الفنون الحربية والنظام السياسي والعسكري والاستعداد بالقادة المحنكين الذين أثبتت لهم التجارب حكمة وتقدمًا ببراعة فاقوا بها سائر الأمم. وأملنا عظيم في حكوماتنا أن يجدوا ويجتهدوا بصناعة الأسلحة وتعلم الرمي والركوب بما يناسب الزمان وأخذ الحذر والحيطة ما أمكن من الأعداء بالتحرز وبذل المستطاع بالاستعداد من قوة عقلية وسياسية وحسية ومعنوية، ولا يخفى أنَّه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقي من شرورها إلَّا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياستهم وخصوصًا السياسة الموجهة منهم على المسلمين، فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع وعدم الوفاء واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد لأنَّ جهل المسلمين بها نقص كبير وضرر خطير. ولقد وفق الله هذا الملك بلفت النظر إلى ذلك. وفي الحقيقة عنده سلاح أعظم من كل سلاح وأنكى في نحر العدو وأمضى وقعًا وقمعًا للمفسدين. فإن قيل وما هذا السلاح الذي غلب على الديناميت الناسف والدخان الخانق والقنابل المدمرة والطائرات القاذفة وما ترميه من القخابل والقذائف النارية وتمطر به الأعداء من النيران المحرقة المهلكة وما الذي غلب على المفرقعات والرشاشات والمدافع الثقيلة ومدافع الهاون وما إلى ذلك من الأهوال التي حدثت وستحدث كالقنابل الذرية والهيدروجينية قيل كان عنده معاملة الله في حنادس الظلم انطراحه بين يديه ومعرفته به بحيث يسر الله له الأمور وفتح له مغاليقها كما قال تعالى لموسى لما بعثه إلى فرعون أنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي أيظن الذي يحاربني أن يقوم لي أو يظن الذي يغازيني أن يعجزني أو يظن الذي يبارزني أن يستغني كيف وأنا الثائر لأوليائي في الدنيا والآخرة.

стр. 1455

ولهذا لما قيل لبعض العلماء: لو أنَّ الثاس كلهم مثل بشر الحافي يصومون ويصلون فمن للثغور يسدها ومن للأعداء يصدها فقال: والله لو كان النَّاس مثل بشر الحافي لكبروا تكبيرة تسقط لها أسوار قسطنطينية. نعم لدينا والحمد لله قوة حسية وقوة معنويَّة وقوة ماديَّة. نعم كان عند إمامنا الملك عبد العزيز قدس الله روحه نصرة الشريعة وتحكيمها والتحاكم إليها يظهر أعلامها ويحمي حماها ويؤيِّد حماتها وينعم عليهم بأنواع الكرامات. أمَّا نصب القضاة والمفتين والعلماء والمدرسين وأجرى لهم المخصصات والمرتبات وقام بمساعدة هيئات الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلو سألت في أقصى مشارق الأرض ومغاربها وبحثت في تركيا وإيران والعراق والحبش والسودان وبلاد الصعيد والشام واليمن والهند والسند والصين بل طفت في روسيا وآسيا الكبرى والصغرى وأوروبا وأفريقيا وأستراليا والأمريكتين وما في خلال ذلك من المحيط الهادي والأطلنطي والمحيط الأطلسي والمحيط الهندي وغيرها عن الدين الذي لم تشبه التغييرات من دستور وغيره وطلبت حكومة تتقيد بالأديان السماوية ولا تخاف أحدًا في تمسكها لدلوك على الحكومة العربية السعودية وقالوا: إنَّ أردت ذلك فاطلبه لدى الملك السعودي. فمرحبًا بهذه الحكومة وغفر الله لهذا الملك المسلم العربي الذي لا يوجد شرع الله الحقيقي إلَّا في حماه مع أننا نعتقد أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحججه وبيناته ولكن أنى وكيف وهيهات وكلا أفمن يخشى من كثرة الأعداء الذين هم محنقون عليه لا يستطيع أن يرفع لسانه ويعرب عمَّا في حنانه مما كأنَّه بين أولئك الأعداء والأغيار إلَّا كالشاة بين جماعة الذئاب فتجد المسكين إن تكلم فإنَّه يرتقب كل ساعة ماذا يحل به وإن سكت فإنَّه

стр. 1456

يتردد الحزن والكمد في صدره كمن هو آمن مطمئن منصور بالمساعدة القولية والفعلية. فلا إله إلَّا الله ماذا أصبح به أهل الإِسلام من العزة والتمكين والنصرة والقوة والشرف الدنيوي والأخروي ولكنه مع الأسف كيف لا يتحد المسلمون ويتقاصدون ويتكاتفون حتى يكونوا كاليد الواحدة على الأعداء. وسنذكر بقية لذلك في غير هذا الموضع. ولمَّا مات وفجعت الخليقة بوفاته كانوا لا يملكون إلَّا ذرف الدموع وانتحاب الصدور وأعلنت سائر الدول الإِسلامية العالمية بما في ذلك أمريكا وغيرها الحداد عليه ونكست الأعلام لموته وتوقفت الحركة في مشارق الأرض ومغاربها لذلك. فمما قيل في رثائه ما باح به الشاعر الأستاذ خالد الفرج صاحب دمشق وهي هذه القصيدة: - أمم البسيطة نكست أعلامها ... مثل القلوب إذا شكت آلامها حزنًا وإكبارًا لذكرى راحل ... ملأ البلاد جنوبها وشامها وتساءلت شمس الشروق وقد رأت ... سحب الأسى: ما إذا أثار قتامها ولم الجزيرة والبسيطة كلها ... سوداء لم أسطع أنير ظلامها وتساءلت كل البروق بلهفة ... ما للإذاعة أسكتت أنغامها قالوا قضى عبد العزيز ويا له ... هول يهدّ من الأمور جسامها رجل قضى فبكى الوجود لفقده ... ثكلت به دنيا الكرام إمامها وتساوت الأديان في تأبينه ... فترى النصارى شاركت إسلامها رجل على التاريخ سجل اسمه ... بتحلة قد صغرت أعلامها بطل العروبة والعروبة شهمها ... سيان أعلن حربها وسلامها قصص البطولة قد حوتها سيرة ... عبد العزيز بساعديه أقامها

стр. 1457

لا ألف ليلة حام حول عجيبها ... حيث الوقائع حققت أحلامها شقت سواعده الطريق إلى العلا ... حتى تبوء في العلاء مقامها كالنور يبدأ نقطة في موضع ... وينير بعد وراءها وأمامها نال المعالي بالفعال وحازها ... إرثًا فكان عريقها وعصامها فرد وهمته جموع أسست ... أسًا فكان مليكها وإمامها يا للخسارة للحمام فكيف لم ... يرهب حماه بضربه أرقامها يا للخسارة للجزيرة والمنى ... لو لم يخلف ليثها ضرغامها عبد العزيز مضى وخلف بعده ... للمكرمات سعودها وهمامها أسد الجزيرة وابنها وسعودها ... حامي حماها دائمًا وذمامها أسعود ما مات الذي أنت ابنه ... كالشمس تبدل للورى أيامها فيك العزاء لأمة قد علقت ... آمالها بك ترتجى إتمامها ومما قلت في رثاء المترجم عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل لما نكبت به الخليقة وفدحت بوفاته العالم وهذه خرجت من حرارة الجوى ومنزلته في الجنات ويسيل على ضريحه وابل الغفران والرحمات وأن يجبر كسر المسلمين ويلطف بالحال فمصيبته كبرى وثلمته عظمى فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. لمن طلل به الإِلف يندب ... بذرف دموع العين يهمى ويسكب يثير همومًا ساكنات إلى الفضا ... تكاد لهم صُمّ الجبال تكبكب على فقد أحباب له طال نعيه ... غرامًا بهم كيما يرقوا ويقربوا يهدم أركان الجسوم فراقهم ... وما فرقة الأحباب إلَّا تعذب أمن فقد ليلى والرباب وزينب ... تحن طويلًا نحوهم ثم تندب وتنسى مصابًا معضلات خطوبه ... فكل مصاب دونه ليس ينسب مصاب به أهل البسيطة روّعوا ... وطاشت عقول في الأنام وأرعبوا مصاب به قد أرجفت كل أرضنا ... مشارقها رنت جميعًا ومغرب

стр. 1458

مصاب به أرواحنا قد تزلزلت ... فيا هل ترى مثل المصاب وأصعب لقد مات كهف الخائفين وحصنهم ... إذا عظمت أهوالهم ثم خيبوا لقد مات ذخر اللاجئين وأنسهم ... إذا أزمت غير السنين وأجدبوا لقد مات من في ظله أمْن خائف ... ثمال اليتامى عيشهم حين يسغبوا لقد مات من في كفه عدل منصف ... وبر وإحسان إذا النَّاس جنبوا لقد مات من قد هابه كل عابث ... وخافته قطاع الطريق وتببوا لقد مات طود العلم والفضل والنهي ... وحامي حمى السمحا وعاهل يعرب لقد مات ليث في المعارك يتقى ... يلوذ به السكين يخشاه مذنب ويقات به أهل الدائن والقرى ... وفيه لعمري للرعية مخصب سهام الرزايا قد أجادت بزخرها ... وحر لظاها في الجوانب يلهب ودين الهدى أضحى مريضًا مدنّفًا ... حزينًا كئيبًا ضره متصعب على فقده يبكي ظهيرًا مساعدًا ... وحق له يبكي دوامًا ويندب فيا عين جودي بالبكاء وبالأسى ... وسجي دموعًا وكفها يتحلب وأسعف دموع العين يا صاح جاهدًا ... بذرف دماء فوقها تتسكب وناد بأعلى الصوت إن كنت صارخًا ... سلام على الدنيا إذا كان يذهب لموت أبي تركي تراق مدامع ... ويعلو نحيب حره يتلهب فآهًا على عبد العزيز الذي به ... بناء الهدى سيم خسفًا وينكب هو الليث في اللقا إذا الحرب شمرت ... وقد هابها شوس الرجال وأرعبوا فمن مثله في النَّاس يخشى ويرتجى ... هو العارض الهطال يرجى ويرهب فخذ منه ما أملته وهو مقبل ... وإياك واليوم الذي فيه يغضب حبيب إذا سالمته متعطف ... شديد إذا عاديته يترقب له راية تردى الأعادي إلى الورى ... ووثبة ضرغام إذا البأس ينشب يصول بعزم باسل متوقد ... بعضب يمان للجماجم يسلب لقد كان ذا قلب سؤل لربه ... مطيعًا منيبًا قانتًا يتقرب

стр. 1459

له في الدجى ورد إذا الليل قد سجى ... وما صده جاه عريض ومنصب ويحثو صنوف المال حثوًا بكفه ... إلى جوده تسعى الأنام وتطلب فما حاتم يعطى عطاه جوده ... ولا ابن لجدعان الذي كان ينسب فيعطى جزيل المال لله وحده ... يريد به أمنًا إذا الوزن ينصب وكم جمع الأيتام في عقر داره ... وأطعمهم من نيله إذ يقربوا بلين مقال يجبر الضعف رفقه ... حريصًا على إطعامهم يتحبب فدع ذكر من بانوا إلى ذكر جوده ... لقد كان إلى أعلى المكارم ينسب يشن على الأعداء غارات محنق ... بصدق لقاء في المعارك يعطب أبي سياسي قدير وضيغم ... هزبر أبو شبلين يسطو ويغلب بهمة منهوم يخوض لظى الوغى ... بيوم به أهل الشجاعة يغلبوا هو البطل الغلاب والعاهل الذي ... أقرت له بالسبق عجم وأعرب سياسته أعيت جميع مقدم ... برأي سديد ماهر ليس يغلب له وثبات بالأعادي شهيرة ... فسل كل من يروي ومن كان يكتب وسائل بلاد العرب عن سطوة بها ... وعن سيفه البتار كيف يقلّب وسائل هذيلًا في الجبال إذا رْعَووا ... وكفوا أكف البغي رغمًا وخيبوا به أمّن الله البلاد وأهلها ... ولولاه ما ساروا بها وتقلبوا ولما ذاعت الأخبار أذكار موته ... وقام بنا ناعيه يشدو ويندب رثيناه جبرًا للقلوب لما بها ... من الحزن والأشجان تغلي وتلهب عليه من الرحمن أزكى تحية ... وعفو وغفران يجود ويسكب لأن كان رب العرش عنَّا أماته ... ففينا من الأنجال شهم مهذب أولئك قوم أشبهوا بفعالهم ... مليكًا وبالسبق القديم تهذبوا لقد أشبهت أفعالهم وخصالهم ... سجايا حووها من أب يتعصبوا وقد سرّت الأخبار عنهم بما أتوا ... وسادوا به حيث الإمامة يرقبو ومن شابه الآباء يومًا فإنَّه ... بحق بلا ظلم أصيل منجب

стр. 1460

وصلّ إلهي عدَّ ما أنت خالق ... وما ماض برق في السماء وكوكب على أحمد خير الأنام ومن له ... جميع البرايا في القيامة تذهب وأصحابه مع آله ثم من قفى ... جميعًا على منهاجهم يتطلب وقال الشاعر الحجازي محمد صالح جمال يرثي المترجم ويهنئ خليفته الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود طيب الله ثراه وجعل الجنة مثواه: راع العروبة في الجزيرة مصرع ... إذ مات سيدها الهمام الأورع لأعز مفقود وأعظم راحل ... أودى فكل نادب متفجع ودها المصاب الشرق في الرجل الذي ... قد كان في الجلي إليه يفزع فجفون من فيه عليه لتدمع ... وقلوبهم كادت أسى تتصدع ومضى الذي لم يخل من أثاره ... بلد ولا جدواه منها موضع رب الأيادي البيض ليس لعدها ... حصر وأعمال أجل وأبدع كم سجل التاريخ في صفحاته ... ذكرى له بأريجها تتضوع شمس وقد أفلت ولكن خلّفت ... سعد السعود لضوئها يتتبع نورمن الرحمن ﷻ ... بدا لآل سعود دهرا يسطع تالله ما عبد العزيز قد انقضى ... وسعود يبنى المكرمات ويرفع أخليفة الملك الفقيد عزاؤنا ... ورجاؤنا وإليك إذا نتطلع ما أنت إلَّا مصلح ما تأتلى ... في الخير جهدًا مؤثرًا ما ينفع عش للعروبة موئلا وأسلم لها ... خلفًا كريمًا خيره متوقع إذ تتبع السلف العظيم وتقتدي ... بفعاله متحريًا ما يصنع وقال محمد علي قطب من سكان مكة المشرفة هذه المرثية التي كانت دمعة حارة على فقيد العروبة والإسلام جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود: فجع الحجاز وناحت البلدان ... فتقوضت من نفسي الأركان

стр. 1461

وطغت على أرض العروبة لوعة ... طاشت لهول بلائها الأذهان نقل الأثير إليه من عبر الفضا ... موت المليك فصمت الآذان ما دار في خلد البرية كلها ... أن الفخار يموت والإِحسان والمجد والشرف الرفيع على المدى ... يطويهما خطب ولا حد ثان عبد العزيز لأنَّ غزتك منية ... لا يستطيع دفاعها الإِنسان فالفضل باق في النفوس على المدى ... يشدو به التاريخ والأزمان فلكم أسرت بجود كفك أنفسًا ... ملتاعة يقسو بها الحرمان ولكم أفضت على الفقير نوائلا ... يحدو بك الإيمان والتحنان فغدا الفقير بفضل جودك هانئًا ... بالشكر تلفح قلبه الولهان ولكم جهول ليس يعرف ما التقى ... والدين قد أضحى له عرفان فبدا بفضلك للفضيلة داعيًا ... يدعو لها قلب له ولسان ولكم أقمت مساجدًا ومدارسًا ... فيها الصلاة تقام والفرقان ولكم عمرت منازلًا وملاجئًا ... يأوي إليها البائس الجوعان فيقيم من أود ويروى من ظمأ ... ودموعه من شكره إعلان عبد العزيز لأنت أعظم فارس ... ركب الجواد وضمه الميدان ليث الكريهة كنت لا تخشى العدا ... شهد الخصوم بذاك والأعوان وتضيء في أفق الحوادث كوكبا ... وضياء يذكي نوره الإيمان فتجنبت هول الحوادث أمة ... واستسلمت لسدادك الأذهان الناس في حرب ضروس ساعر ... تصليهمو الآلام والنيران وملاء شعبك غبطة وسعادة ... تذكو بما تحظى به وتعان الشعب من وله يردد هاتفًا ... باسم المليك تنوءه الأحزان بالدمع يعرب عن جواه فهل ترى ... يجدي البكاء والمدمع الهتان مات المليك فمن ترى من بعده ... يرجي لدفع الخطب وهو عوان لا غرو إن ناح الجميع صبابة ... وبكى الوليد علاك والشبان

стр. 1462

فقدوا بموتك محسنًا بل والدًا ... الجود يمثل فيه والإِحسان أسعود أنت وحي العروبة كلها ... بعد المليك وكلها أوطان فاهنأ بملك قد أقام بناءه ... شهم تهاب لقاءه الشجعان واحكم بما فرض الإِله وسر بنا ... نحو الفخار فكلنا أعوان وليغمر الله الفقيد برحمة ... فياضة ما ماست الأغصان ويثبكم من أجره وثوابه ... فيه يرخى الصبر والسلوان ولتحيى موفور السعادة هانئًا ... وبك الحقوق على الزمان تصان وليحيى آل سعود ما شع السنا ... وأهل غيث صيب هتان وهذه أبيات بعثها عن طريق البرق الشيخ فيصل بن مبارك عضو مجلس الشورى إلى جلالة الملك سعود يرثى بها الفقيد العظيم: أبكيه -يا دنيا- الرياسة والسيا ... سة والكياسة في الخروج وفي الورود ما أن شهدت مفاخرًا ومفاوضًا ... ومحاولًا حفظ المواثق والعهود كمليكنا وزعيمنا وإمامنا ... وفقيدنا عبد العزيز بن السعود إن غاب عنَّا ذلك البدر المنير ... فلقد أضاء الكون عن سعد السعود أو راح عنَّا ذلك البر الرحيم ... فلقد أتانا بعده البر الودود وقال حسان زمانه وشاعر جلالة الملك أحمد إبراهيم الغزاوي يرثي الفقيد بهذه القصيدة ويذكر هول الفاجعة والحادث الأليم: فدح الخطب واستطار المصاب ... وبكى الشعب حسرة والشعاب وكأنَّ القلوب توقد نارًا ... وكأن العيون مهل تذاب ما يقول النعاة ويحي أرجف ... زلزل الأرض أين مني الصواب إنه الحق هكذا الموت فيه ... تتساوى الفروق والأنساب مات عبد العزيز رحماك ربي ... أتغيض البحور وهي عباب مات عبد العزيز إذ هو طوْدٌ ... تفتديه شوامخ وهضاب

стр. 1463

ما رأت مثله العصور عظيمًا ... عبقريًا ولا تهادي الركاب عاهل وطأ الجزيرة مجدًا ... لبسته البلاد والأحقاب طأطات دونه العروش وألقت ... بعصاها الخطوب والأسباب واستقرَّ التوحيد فيه هزبرًا ... تتهادى بسيفه الأنصاب أنجز وعد الله فيه حتى ... أسلمته زمامها الآراب يقف النصر والعتاد يقين ... واقتضى الدهر ما طواه التراب فإذا الصعب في يديه ذلول ... وإذا الجدب في ذراه اختصاب وإذا الدين للهداة منال ... وإذا العلم في ضحاه قباب وإذا العرب دولة ذات بأس ... وهي من قبله لقى ويباب وإذا الناقمون من كل قبل ... وقبيل بشدقه أنياب وإذا البأس والشقاء نعيم ... وإذا الشاء والذئاب صحاب وإذا الأرض بالكنوز تنزي ... وإذا المال والثراء وطاب وإذا البيد بالحدائق زهر ... وإذا الغيد عفة وحجاب جمع الله في هواه شتاتًا ... وأباة ولم يعزه العقاب وبه استمسك البناء وزانت ... شرعة الحق وازدهى المحراب أين أمضي وكيف لي بالمعاني ... وسعت كل ما أحاط الكتاب إنَّه للغرور، كل يراع ... فيه يكبو ويعجز الإِطناب لكأني أحس قلبي صلدًا ... أو جمادًا طغى فيه الضباب إنَّ خير البيان عندي صمت ... هو في معرض الرثاء العجاب فاقوي عليه إذ هو جمر ... فيه ألقي وبالشواط أذاب إلى أن قال: ما مصابي كواحد من معد ... بل معد بأسرها الانتحاب بالعظيم العظيم يرتد عنه ... كل طرف وتقصر الاحساب بالذي فيه كل عين وقلب ... لهب وافر وحزن صلاب

стр. 1464

بالإمام الملك بابن سعود ... قاهر الخصم إذ هو الوثاب إيه يا عبرة تحور اختنافًا ... أنت لا النزع للحياة استلاب صاعق لم يذر ولم يبق ماء ... في جفون غمادهن السحاب آه آه الله ما قضى وإليه ... يرجع الأمر كله والمتاب أمة كالغمام تبكي فقيدًا ... هو منها الضحى ومنها الرباب بوغتت بالمنون لم ينج منها ... ذو احتيال ولا نبي مجاب جمد الدمع في العيون وذابت ... بالسعير القلوب فهي انسكاب إلى آخرها وهي طويلة أبان فيها الغزاوي ما فدحت به الأمة وما أصيبت بوفاته وكانت مبكية بتعداد مناقب الراحل العظيم. وهذه مرثية قوية أنشأها الأديب عبد الله بن محمد بن خميس بالفقيد الراحل تغمده الله برحمته وكان الأوْلى بنا تقديمها وهي من بحر الكامل: لا غرو وإن تلقى أخاك حزينًا ... فاليوم -حتمًا-يكثر- الباكونا اليوم تستمري الدموع وإنها ... أدنى سبيلًا للعزا يأسونا فاجهش بدمعك ما استطعت وهاته ... حران يلتذع الخدود ثخينا ليس الدموع وإن علون مكانة ... يا عز من مهج القلوب يقينا لله أفئدة تذوب وأنفس ... ثكلى على المصاب طوينا صعقت بهول لو يصاب بمثله ... رضوى لا مسى في التراب دفينا لولا اليقين بأن كلا راحل ... وإلى سبيل واحد يغدونا والصطفى للنَّاس أكبر قدوة ... يهدى بها الماضون والباقونا لاْبى الأولى عرفوا الحياة سعيدة ... لم تمتزج بالحادثات سنينا أن يشهدوا عبد العزيز وقد قضى ... ولأقسموا ألا يموت يمينا هل مثله بعد الخلافة قد أتى ... أو مثله هل قد رأى الراؤونا إن كان في شرع الطبيعة فلتة ... تأتي بأمر لم يكن مضنونا

стр. 1465

فهو الذي أعيا الزمان قرينه ... وبمثله كان الزمان ضنينا لو كان حي قد بكى حياله ... خوف الممات لأكثروا التأبينا من قبل أن يعلو المناكب نعشه ... ولأسبلوا الدمع السخين هتونا سل عنه أرجاء الجزيرة إذ أتى ... وقد احتذت شرع الضراعم دينا في كل صقع من حماها ناعق ... ولكل نهج قادة يدعونا في حيرة حاقت بها وضراعة ... أودت بمجد رجالها الماضينا فأراد أن تحيا حياة حرة ... يشدو بخالد مجدها الشادونا وانصاع يبعثها بعزم ثابت ... مع قلة الأنصار والأهلينا فتأمنت أرجاؤها وتفجرت ... باليمن من ماء الحياة عيونا وسرى بها نور الحضارة واغتدت ... تبنى وتنشي قوة وفنونا من ذا يظن بأنها في فترة ... لما يجاوز عدها الخمسينا تغدو بابها حلة عرفت بها ... أمم سرى فيها الرقي قرونا آثاره كالشمس في راد الضحى ... فبأيها يتحدث الراوونا والله لو كان الفداء شريعة ... لفدته أرواح لنا وبنونا لكنه لبى نداء مليكه ... كيما يلاقي الصفوة الماضينا في مقعد لا تعتريه حوادث ... كلا ولا يخشى ذووه منونا ولأن مضى بيد القضاء فإنه ... ما زال حيًا في القلوب مصونا ما دام أبقى صورة من شخصه ... عدلًا تسر به البلاد ودينا في ماجد عرف الأنام به الحجا ... منذ اصطفاه لنا الفقيد أمينا ملأ الإله به الجزيرة غبطة ... وحباه نصرًا خالدًا ومبينا وهذه مرثية لعلي حسن غسال ألقاها بين يدي الملك سعود بن عبد العزيز في القصر الملكي العامر بمكة المكرمة فنالت الإعجاب: دهى الأرض زرء فادخ الوقع أوحد ... غداة نعى الناعي وعز التجلد وباح اليتامى والأيامي واعولوا ... وفاضت عيون باكيات وأكبد

стр. 1466

سرى نعيه في الأرض حتى اقضها ... وطاف بها لون من الحزن يكمد نعاه ضحى الاثنين لا كان من ضحى ... فكل ضحى قد حالف الحزن أسود فلم يبق من لم يحترق لوفاته ... ولم يبق من لم يخترمه التوجد سل الجود كم أعطى وصدق واثقى ... وكم من يد أسدى تنافسها يد سل العفوكم قد صير الخصم مخلصًا ... وماتت به كل السخائم والحقد وكم قد عفى وهو القدير على الأذى ... ولكن نفس الحر بالعفو تسعد وكم من صفات فيه كانت كريمة ... سيذكرها في الخالدات له الغد عليه من الرحمن رحماته التي ... يفوز بها العبد الشكور الموحد وقد أطنب في المديح ولما أن ذكر صفات الراحل أخذ في مديح اللاحق فقال: وإنك أنت اليوم عاهل أمة ... تناهت ولاء منك والله يشهد تعهدتها بالصالحات ومن يكن ... لامته يومًا يذبها التودد لها منك عطف سابغ وتعهد ... ومنها لك الحب الوطيد المؤكد وما الملك إلَّا العطف والعفو والتقى ... بذلك أوصانا النبي محمد وكم أسر العطف القوب وكم عنا ... له كل جبار فغيظ الهند فسر نحو ما تصبو وأنت موفق ... وشعبك للحب المقيم يجدد يمينك في مسعاك فيصلك الذي ... هو اليوم في دنيا السياسة سيد ولدت مع الملك العظيم سعوده ... وإنك أنت اليوم فيه المقلد يباريك منَّا الحب فاستكمل الذي ... بناه العصامي الفقيد المخلّد مقدمة وقال الأستاذ المعروف ضياء الدين رجب عضو مجلس الشورى هذه المرثية الرائعة التي جادت بها قريحته: لا ينطوي المجد يا صمصامة العرب ... ولا يقيم الهدى في غمرة الحقب

стр. 1467

صنعتها أمل التاريخ ناطقة ... عظائما أن تغب والله لم تغب سباقة ركزت في الشهب رايتها ... أعظم به موكبًا في داره الشهب ست وسبعون قد أودعتها حقبًا ... ضاقت بها سير الأجيال في الكتب موصولة بالمعاني الغر واصلة ... مجد العروبة والإسلام في النسب توحدت هدفًا واستنجزت أملًا ... كنت المناط له في وحدة العرب هذي ظلال المنى في الخلد وارفة ... زمرًا يقول لم أسلفت من قرب وذي جموع الأسى أورثتها حرقًا ... ما بين مضطرم واه ومضطرب تلفتوا ولهول الرزء جلجلة ... وللفجيعة فتك السمر والقضب واستنطقوا مجدك الغالي فطمأنهم ... منك الصدى في وريث الملك والحسب شاموا محياك طلقًا في طليعته ... شاموا النجابة في أعراقها النجب تنوروك فما أقصتك قاصية ... ولا دلجت بك عنهم غفوة الحجب هذا سعودك هذا سر مُنَجّبُه ... ابن نماه إلى الأمجاد خير أب ورثته يقظة الراعي وحكمته ... وإنها في الجهاد الحر والدأب وفي العدالة والرحمن ما جمعت ... لا في المظاهر والألقاب والرتب فكان ما شئت آمالًا وتوصية ... وذاك مرجي الأماني البيض عن كثب والفيصل العضب قد كانت ولايته ... للعهد أجمل مأمول ومرتقب نجم السياسة لا زيف ولا ملق ... الواصل الأرب المرموق بالإرب فيا سعود عزاء العرب قاطبة ... ما قد وليت من الأعباء والنصب ومن يفز برضاء الله يكلؤه ... رضاه ثم رضاء الوالد الحدب فطيب الله مثواه ومرقده ... بواكف الرحمات الهاطل السكب وهذا آخر ما أردنا إيراده من القصائد التي رثي بها وقد تركنا غالبها خشية الإِطالة. ونرجع إلى ما نحن في صدده فنقول: لما كان في عصر يوم وفاة الراحل العظيم استقبل صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز بالقصر الملكي بالطائف وفودًا كثيرة من مختلف الطبقات لتقديم تعازيها لوفاة

стр. 1468

الرجل ورفع تهانيها لجلالة الملك الجديد ومبايعته على السمع والطاعة. وفي صباح يوم الثلاثاء ٣ ربيع الأول حضر إلى القصر الملكي العامر بالطائف قواد الجيش وضباطه وموظفوه وعلى رأسهم حضرة صاحب السمو الملكي الأمير وزير الدفاع والطيران حيث تشرفوا بمقابلة جلالته وأقسموا له يمين الولاء والإِخلاص والطاعة. وهذا نص اليمين التي أقسم بها مشعل "أقسم بالله العظيم أن أخلص في جميع أعمالي لجلالة الملك سعود ملك المملكة العربية وأن أكون مطيعًا في إنفاذ أوامر جلالته وصادقًا وأمينًا في واجباتي الرسمية. والله على ما أقول وكيل". فأجابه جلالة الملك بهذا الجواب الموجه إليه وإلى ضباط الجيش: "إنَّ ثقتي بالله ثم بك يا مشعل. وأنا لا أعتبرك أخًا بل وابنًا من أبنائي. وكل ما يهمني هو أن أرى جيشنا العزيز بفضل مجهوداتك الموفقة ومجهودات هؤلاء الضباط ورجال الجيش السعودي الباسل على أحسن ما أرجوه في حياتي. سيروا على بركة الله. وسأذلل لكم بحول الله جميع الصعاب التي تصادفكم. والله ولي التوفيق". ولمَّا كان في وقت شروق الشمس من يوم الأربعاء ٤/ ٣/ كان مطار جدة غاصًا بجموع المستقبلين الذين قدموا لاستقبال حضرة صاحب الجلالة الملك الجديد وكان في مقدمة المستقبلين صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن فيصل وسمو ولي عهد اليمن وكبار رجالات الدولة وكبار الشخصيات العربية والأجنبية وجماهير غفيرة من رجال الشعب. ثم إنَّه امتطى ومن معه الطائرات من مدينة الطائف وحلقت في الساعة الرابعة ونصف في سماء جدة الطائرات الملكية تقل حضرة صاحب الجلالة وصاحب السمو الملكي ولي العهد وأصحاب السمو الأمراء. وقوبل بالهتاف المدوي بحياة جلالته من الجماهير المحتشدة.

стр. 1469

ولمَّا أن نزل من الطائرة تشرف المستقبلون بالسلام عليه ثم استقلَّ سيارته المكشوفة بين ترحيب وهتاف من الجميع من مطار جدة إلى قصره الملكي الذي كان زاخرًا بالأمة الذين قدموا للسلام والتعزية والتهنئة له بتوليه عرش المملكة. ولما كان في عصر ذلك اليوم قدم سماحة المفتي فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ على رأس وفد من الرياض يتقدم الوفد أصحاب الفضيلة العلماء للسلام على الملك سعود وتقديم مسنون التعزية له في فقيد البلاد وتهنئة جلالته بتقلده شرف إمامة المسلمين. وبعدما حصلت المقابلة في وقت كان المجلس فيه غاصًا بحضرات أصحاب السمو الملكي أمراء البيت المالك والعلماء ورؤساء القبائل والوزراء وكبار موظفي الدولة وقواد الجيش والأمن العام تكلم الشيخ محمد بن إبراهيم موجهًا الكلام إلى صاحب الجلالة فقال: بايعتك بيعة قبول ورضاء على أن أسمع لك وأطيع على دين الله ورسوله من حماية حوزة الدين وتحكيم الشرع المطهر وإقامة العدل وإنصاف المظلوم والقيام بحقوق الأمانة. والله على ما أقول وكيل. ثم تلاه إخوته وأنجاله ثم بقية العلماء من بينهم الشيخ محمد بن الشيخ حمد بن فارس. ثم تلاهم الجميع على مثل بيعة المفتي الأكبر. وقد تقبل البيعة جلالته بالتقدير وعلق عليها بأنَّه يستعين بالله وحده في تحمل هذا العبأ الكبير لخدمة أمته وشعبه في دينهم ودنياهم وأنَّه يتشرف برعاية هذين الحرمين ورعاية الشعب السعودي في كل أنحاء هذا الوطن الشاسع. ووالى عليهم قوله: "بأنني أرجو وآمل من الله تعالى المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور أن يوفقني لإحقاق الحق وإزهاق الباطل" إلى آخر كلامه. فأقام في جدة حتى عصر الخميس ٥/ ٣ وقد كانت غاصة بالأمم على

стр. 1470

اختلاف طبقاتها. ولما أن كان في الساعة العاشرة والنصف تحرك ركابه على السيارة الملكية الخاصة في موكب مهيب من جدة ميممًا مكة المكرمة تحف بسيارته دراجات الحرس النارية وسيارات الحرس العسكرية يرافقه ولي العهد وأمراء البيت الملك ويتبعهم رجال الديوان الملكي والحاشية الكريمة على رتل طويل من السيارات. وقد ودع في جدة بحفاوة فخمة. هذا وقد كانت الجماهير الحاشدة على جانبي الطريق من قصر جلالته بجدة إلى مكة المكرمة تحييه وتهتف بحياته. وكان قد وفد إلى القصر العالي بمكة في الساعة الثانية والنصف من صباح يوم الجمعة ٦ ربيع الأول رئيس القضاة فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ وفي معيته معاونوه وأعضاء رئاسة القضاء ورئيس المحكمة الكبرى بمكة المكرمة والقضاة الشرعيون للسلام عليه مؤكدين لجلالته البيعة المسنونة. فاستقبلهم بالترحيب والإِكرام وحادثهم بما هو معهود فيه من اللطف والبشر. أمَّا ما كان من دخوله مكة المكرمة تلك الليلة فإنَّ أهالي مكة لما علموا بمسيره من جدة أقفلوا دكاكينهم وأبطلوا حركة الأعمال واندفعوا بجموعهم الحاشدة كالسيل المتدفق إلى ظاهر مكة المكرمة فاحتشدوا على جوانب الطريق التي يمر فيها إلى المسجد الحرام ومنه إلى القصر الملكي العامر بأعلى مكة بحيث لم يبق موضع شبر في جوانب هذا الطريق خاليًا من الجماهير. ولمَّا أن دخل مكة بين ذلك التصفيق المدوي في الفضا مصحوبًا بالهتاف الذي يشق عنان السماء أدت الجنود المصطفة هناك التحية العسكرية وعزفت الموسيقى العسكرية وأطلقت مدفعية مكة إحدى وعشرين طلقة وكان حينئذٍ

стр. 1471

سرب من الطائرات السعودية تحلق في سماء مكة احتفاء بمقدم جلالته الميمون وكان دخوله للمسجد الحرام وقت الغروب فطاف بالكعبة وأم جماهير المصلين فقرأ في الركعة الأولى بسورة والضحى وفي الثانية بسورة الإِنشراح. بيعة أهل مكة ففي صباح يوم الجمعة ٦/ ٣ أقبلت الخلائق إلى القصر الملكي حيث جلس جلالته في الصالة بعيون مترقبة ونفوس متلهفة وقلوب يغمرها الشوق والحب والولاء فقدم رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ لجلالته وثيقة المبايعة على كتاب الله وسنَّة رسوله والسمع والطاعة في العسر واليسر والسراء والضراء. وبعد أن اطلع عليها تقدم أحد أبناء الشيخ فتلاها على الجميع تم قام رئيس القضاة فصافح جلالته مؤكدًا له البيعة الشرعية التي بويع بها في عام ١٣٥٢ ومؤكدًا لجلالته بأن الإِمامة منعقدة وثابتة شرعًا لجلالته من ذلك الحين وجعلت العلماء والمشائخ يندفعون يقدمهم على الترسل عبد العزيز بن رئيس القضاة. وهذا نص وثيقة المبايعة: "الحمد لله رب العالمين. وصلَّى الله وسلم على خير خلقه نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. فيا إمام المسلمين ملكنا المعظم سعود بن عبد العزيز آل سعود حيث أن والدكم الملك الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود المتوفَّى في يوم الاثنين الموافق ٢ ربيع الأول سنة ١٣٧٢ هـ ﵀ قد عهد بالإِمامة من بعده إليكم وأخذت لكم البيعة في عام ١٣٥٢ هـ فإن إمامتكم بذلك منعقدة وثابتة شرعًا وإننا بمناسبة وفاة والدكم الإِمام الملك عبد العزيز رحمه لله وتوليكم إمامة المسلمين من بعده نجدد ونؤكد بيعتكم التي في أعناقنا على العمل بكتاب الله وسُنَّة رسوله

стр. 1472

وإقامة العدل في كل شيء وتحكيم الشريعة الإِسلامية. ولكم علينا السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره. ونسأل الله لكم الإِعانة والتوفيق فيما حملتم من أمور المسلمين وأن يحقق على أيديكم ما ترجوه الأمة الإِسلامية من مجد وتمكين". وقد وقع عليها الرئيس وجميع من تحت يده من القضاة والأعضاء وكان في وقت البيعة واقفًا يستقبلهم. ولقد كان أمراء البيت والوزراء وكبار رجال الحاشية والقصر يحاولون تنظيم هذه الجموع في صفوف ولكن اندفاع الشعب إلى صدر الصالة حيث يقف جلالته اندفاعًا وقف بكل واحد منهم بحيث زالت الفوارق من النفوس وتوحد الاتجاه من الجموع الذي يمثل الشعب السعودي تمثيلًا صادقًا. فأمراء البيت المالك والوزراء وكبار رجال الدولة وأصحاب الأعمال والمتاجر والموظفون وأرباب الحرف ورجال العشائر والعربان والصناع والعمال والطوائف والأطفال والطلبة والضباط والجنود كلها في صفوف متلاحقة متراصة متتالية متتابعة شيوخًا وشبابًا وأطفالًا تسير متجهة صوب قائدها وراعيها تقبل يديه وتعلن له البيعة صادقة الولاء مخلصة الحب. ولمَّا أن حان وقت صلاة الجمعة أذن لرئيس القضاة وأصحاب الفضيلة والأمة بالانصراف مؤكدًا لهم أن الكبير منهم والد والأوسط أخ والصغير ابن وحملهم نصيحته في الدين والدنيا جعلها أمانة في أعناقهم. ولمَّا أن صلَّى جلالته في المسجد الحرام صلاة الجمعة نودي بعدها بالصلاة على الغائب الصلاة على روح الفقيد الراحل العظيم فارتفعت الأكف مبتهلة إلى الله العلي الكبير أن يتغمده برحمته وغفرانه وأن يمتع الملك المفدى بالصحة والعافية وأن يحرسه بالرعاية الصمدية. ثم أنَّه توجه راجعًا إلى قصره بمكة حيث تعطل السير من الجموع التي عطلت حركة المرور. وكان الموكب الملكي يسير في بطء من كثرة الجماهير التي ازدحمت في جوانب الطريق تهتف بحياته الغالية.

стр. 1473

وبعد ذلك رجع إلى جدة وقد انهالت الجموع مصطفة من طبقات الشعب من مدخل القصر الملكي في جدة حتى الكيلومتر الرابع والعشرين. فترجل بعدما أوقف موكبه الميمون مصافحًا كبار الشعب والدولة. ولمَّا كان في ضحى يوم السبت ٧/ ٣ قدم لمبايعته عدد كبير من العلماء من أهل الرياض وعلى رأسهم حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عمر بن حسن بن حسين رئيس هيئات الأمر بالمعروف في نجد فتلى الشيخ وثيقة البيعة ثم بايع الجميع ومن بين هؤلاء الشيخ عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ والشيخ عبد الله بن الشيخ عمر بن عبد اللطيف وغيرهم. بيعة أهل القصيم لمَّا كان في يوم الأربعاء الموافق ١١/ ٣ - ١٨ نوفمبر تقدمت الأعيان والوجهاء من العلماء والأمراء والوجهاء وكل مسؤول من الموظفين وأرباب الدوائر وأهل الحل والعقد وعلى رأسهم صاحب السمو أمير مقاطعة القصيم عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد إلى بيت القاضي الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في وسط العاصمة بريدة حتى كان عدد الحاضرين من الرؤساء لا يقل عن ألف وجيه. وهؤلاء الذين يمثلون العاصمة وضواحيها فوقعوا وثيقة المعاهدة والمبايعة وهي أنَّه كان قد تقدم في سنة ١٣٥٢ هـ "لكم علينا مبايعة وإننا نؤكدها اليوم ونبايعك أيها الملك على طاعة الله ورسوله وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره. ونرجو لكم التوفيق". ثم إنَّهم صافحوا يد وكيل نائبه على مقاطعة القصيم. وهكذا صنع سائر المقاطعات في المبايعة للملك الجديد. وقد ازدهرت البلاد وفرحت الأمة به سائلين الله أن يكون خير خلف من خير سلف وعلقوا آمالهم بعد الله عليه.

стр. 1474

الوفود والتعازي بعث إيزنهاور رئيس الولايات المتحدة برسالة إلى الملك سعود يعزيه ويهنئه بمناسبة اعتلائه العرش. وقال في معرض فحواها: "شعوري المفعم بالخسارة الفادحة أعبر عن عميق مشاركتي للعائلة المالكة والشعب العربي السعودي بوفاة والدهم المجيد وحاكمهم الملك عبد العزيز آل سعود وإن إدارته المحكمة وحكمته البالغة جعلته عزيزًا في قلوب النَّاس وأكسبته شهرة عالمية ... الخ ". وبعث ملك اليمن وإمامها أحمد بن يحيى برسالة مع نجله محمد على رأس وفد يعزي بوفاة والد الجميع ويهنئ الملك الجديد، وهي جميلة جدًا لولا الإِطالة لأتينا بها. ووفدت مصر وفدًا مكونًا من البكباشي جمال عبد الناصر نائب رئيس الجمهورية المصرية والصاغ كمال الدين حسين وسليمان حافظ معلنين شعور الأمة المصرية في مشاطرتها الأمة العربية السعودية أسفها وحاملين تهانيها وأملها الصادق في جلالة الملك سعود. وتلقى جلالة الملك رسالة من الملكة إليزابيث الثانية ملكة المملكة المتحدة البريطانية تعزي بالراحل وتهنئ الملك الجديد. ووردت برقيات من ملك العراق وملك المملكة الهاشمية الأردنية وبرقيات من سوريا ومن لبنان كما ردّدت جميع صحف العالم وإذاعاته صدى الحادث الأليم بوفاة فقيد العروبة والإِسلام بما لم يسبق له نظير. ولا يزال سيل البرقيات يرد تباعًا من اليوم الأوك لوفاة فقيد العروبة والإسلام فقد وردت ألوف البرقيات بالتعزية والتهنئة من سائر أنحاء العالم. ورفع مجلس الشورى وسائر الهيئات الحكومية وكافة الوزراء والأمراء والموظفين والأهليين على اختلاف طبقاتهم وشيوخ القبائل وغيرهم برقيات التهاني والبيعة لجلالته.

стр. 1475

أمر ملكي كريم صدر الأمر الملكي الكريم الآتي بتثبيت الوزراء والأمراء والمديريين وجميع موظفي الدولة في مراكزهم وإبقاء ما كان قد أجراه جلالة الملك عبد العزيز ﵀ من عادات ورواتب ومساعدات وقواعد وصدقات. وهذا نص الأمر الملكي: "في هذه الأيام الأولى من اضطلاعنا بأعباء الحكم نعلن ثقتنا وتثبيتنا لجميع الوزراء والقضاة والأمراء والمدراء وجميع موظفي الدولة الذين قاموا بخدمة والدنا وفقيدنا العظيم، فأحسنوا العمل وبذلوا الجهد وأخلصوا النية ونحن بما عزمنا عليه من اقتفاء ما رسمه لنا الراحل الحظيم في إدارة الحكم والعمل بما أمرنا به وأنشأنا عليه من اتباع كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ والنهوض بالبلاد إلى ما تصبو إليه من مجد ورقي ورفاهية مما يتفق وشريعتنا السمحاء وبما عزمنا على القيام به من مشاريع عمرانية وأعمال نافعة ونشر العلم وبناء قوى الجيش نرجو أن نجد في كل منهم الخادم الأمين لبلاده والعامل المخلص لأمته والمجاهد المجد في الذب عن مملكته ومليكه المستميت في سبيل دينه مؤكدين أنَّهم سيجدون منَّا الأب الشفوق بهم المقدر لمجهودهم آملين أن نجد فيهم الأبناء البررة بأمتهم وبلادهم ومليكهم على أتا سنقوم بكل ما فرضه علينا الواجب لبلادنا والبر بأمتنا من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته حتى نضع الحق في نصابه معتبرين القوي ضعيفًا حتى نأخذ الحق منه والضعيف قويًا حتى نأخذ الحق له، وقد عزمنا أيضًا على أن نثبت ما أجراه بائي مجد هذه الأمة ومؤسس كيانها من عادات ورواتب ومساعدات وقواعد وصدقات للرجال والنساء والأيتام والأرامل في طول البلاد وعرضها في داخلها وخارجها آملين لجميع أفراد هذه الأمة الكريمة أن يعمل كل من ناحيته وبقدر استطاعته على مساعدتنا في النهوض بأعباء الحكم مستمدين العون والتوفيق من الله، وهو ولينا وعليه اعتمادنا وفيه رجاؤنا وهو نعم المولى ونعم النصير.
следующие страницы →