← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثم دخلت سنة ١٢٨١ ه ـ في هذه السنة أرسل السلطان عبد العزيز خان طوقًا من فضه للحجر الأسود، وذلك بأنه لما انكسر الطوق الأول وحشي مكانه زنك أسود بعث السلطان العثماني بدله في هذه السنة فوصل إلى مكة في ١٤ من رمضان وابتدئ في تركيبه من الغد بعد قلع الطوق الأول الذي أرسله عبد المجيد، وكان أمير مكة حينئذ الشريف عبد الله بن محمد بن عون وشيخ الحرم إذ ذاك اسمه وجيهي باشا. وفيها سار عبد الله بن الإمام بجنود المسلمين فتوجه إلى الأحساء وكانت بادية نعيم وأخلاط من آل مرة وغيرهم قد أكثروا الغارات في أطراف الأحساء، فعدا عليهم وصبحهم وهم على حلبون، فأخذهم وقتل منهم عدة رجال منهم جبر بن حام شيخ نعيم؛ وابنه محمد بن جبر، وأقام ابن الإمام على حلبون أيامًا، ثم عدا على آل مرة ومن معهم من المناصير فأخذهم، واتفق أنه في مغزاه ذلك صادف ركبًا من العجمان فأخذهم وقتلهم ثم توجه راجعًا ونزل على النجيبة فقسم الغنائم، ثم قفل منها إلى الرياض وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. وفيها أنشأ الشيخ الإمام أحمد بن علي بن مشرف قصيدة في ذكر مآثر الإمام فيصل بن تركي، ويتبادر إلى الفكر أنها آخر قصائده التي قالها في حياته: على الوالي المهذب خير وال ... إمام المسلمين أخي المعالي سلام فاق عرف المسك نفحًا ... بنظم مثل منظوم اللآلي تضمن مدحه بخصال مجد ... حواها وهي من خير الخصال عفاف ثم اقدام وحزم ... وجود بالمكارم والنوالي ثم امتدحه بالنداء والبشاشة والشجاعة إلى أن قال: فإن تطلب له في العصر مثلًا ... فقد حاولت إدراك المحال تتبعنا ذخائره جميعًا ... فلم نبصر له من كنز مال

стр. 177

ولكن كنزه التقوى وظن ... جميل فى المهيمن ذي الجلال وبط الأعرجيات العوادي ... وجمع البيض والسمر العوال وتقليد الرجال بكل طوق ... من المعروف ذي قدر وبال بطلعته الزمان زها افتخارًا ... ولم تكتم أياديه الليالي سيشكر فضله من كان حرًا ... ولكن أين أحرار الرجال فأهل العصر مثل الطير طبعًا ... بخفتها وأحلام السعال فإن جربت أكثرهم تجدهم ... على صنفين ختال وقال علامات النفاق بهم تراها ... ثلاث هن من شر الخلال خيانتهم وإخلاف لوعد ... وكثرة كذبهم عند المقال فسل على البوادي سيف عزم ... وقائلهم على منع العقال وأدبهم إذا انتبهوا وعاثوا ... بحد المرهفات وبالنكال وأنى من سيوفك لست انبوا ... أنا فح من قلاك ولا أبالي واسنج في علاك برود مدح ... وأدراعا تقي وقع النصال فإن فقت الملوك وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال ودونك من بنات الفكر بكرًا ... حكت حسن الغزالة والهلال إليك أتت من الأحساء تطوى ... لها البيد بحل وارتحال وفيها توفى الشيخ إبراهيم بن حمد بن عيسى رحمه الله تعالى وعفى عنه، وكانت وفاته في آخر ليلة عرفه من هذه السنة، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه الفاضل إبراهيم بن حمد بن حمد بن عبد الله بن عيسي قاضي بلدان الوشم في شقراء، ولاه الإمام فيصل بن تركي ﵀ القضاء في بلد شقراء جميح بلدان الوشم، فباشره بعفة وديانة وصيانة وتثبت وتأن في الأحكام وكتب كثيرًا من الكتب الجليلة بخطه المتوسط في الحسن الفائق في الضبط، وحصل كتبًا كثيرة نفيسة في كل فن على كل كتاب منها تهميش وتصحيح وجلب فوائد وتنبيهات وأجاب على مسائل عديدة في الفقه بجوابات حسنة سديدة،

стр. 178

أخذ العلم عن الشيخ أبي بطين وأخذ عن الشيخ الإمام القدوة عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عن الشيخ العالم العلامة والقدوة الفهامة عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين وناهيك بهؤلاء جلالة وعلمًا ومعرفة وما زال على قضاء شقراء حتى توفاه الله في هذه السنة. وفيها توفى الشيخ عبد الرحمن بن عبيد إمام جامع بلد جلاجل وكانت وفاته في مكة المشرفة بعد انقضاء الحج ﵀ وعفا عنه. ثم دخلت سنة ١٢٨٢ استهلت هذه السنة والكلمة مجتمعة والرعية مستقيمة وقد أمن الله العباد والبلاد بالإمام فيصل بن تركي فكان على إمارة جبل شمر الأمير طلال بن عبد الله بن رشيد، وكانت الإمارة في الجبل وراثية لهم بفضل من الإمام كما سيأتي، وكان على إمارة بريدة مهنا الصالح، وعلى عنيزة عبد الله بن يحيى آل سليم، وعلى إمارة الأحساء محمد بن أحمد السديري، وهكذا سائر البلدان. ذكر نكت تتعلق في ذلك الزمان لقد كان مما يجمل ذكره ويتعين علينا رقمه هو أن نذكر حالة أهل ذلك الزمان وسجاياهم وما هم عليه من العادات فنقول: كانت معاملتهم حسنة ويحنو بعضهم على بعض لأن غالبهم كانت طاهرة قلوبهم وألين مما كانت القلب عليه الآن والدنيا لم تبسط عليهم كما بسطت على من بعدهم فكان الإنسان يعطي وإن كان من قلة ويبذلون أموالهم في الأوقاف على الفقراء والمساكين وطلاب العلم والأئمة والمؤذنين، فإنك لا تكاد تجد نخلًا من النخيل إلا وفيه تمر معلوم للصوام أو مؤذن المسجد أو إمامه أو مصباح المسجد ويتسابقون في الخيرات كما أن غلات الأراضي تكثر فيها الأوقاف ويعمرون المساجد ويؤون الضعيف ويرحمون ذا الفاقة هذا وما كانوا يعرفون طيارة ولا سيارة بل لم يتمكنوا من تسييرها ولم يتوصلوا إلى هذه الكهرباء. أما جعل مراكب برية كهذه المصنوعات فقد أوجدوها غير أنهم لم يستطيعوا

стр. 179

تسييرها إلا ببغال أو جمال أو حمير تجرها وغالب سلاحهم إنما هي أم فتيل أو مدافع تجر ويجعل فيها البارود والقبس وسيوف ورماح ونحوها. أما المصابيح إذ ذاك فكان مادتها الودك يلقي فيها فتائل وتوقد أو شمعه ونحوها، لذلك كانوا إذا أغار بعضهم على بعض وطلبوا المغير عليهم ليلًا لسيتردوا ما أخذ يربطون قدرًا بين بعيرين، ويوقد في هذا القدر نار من حطب ليقصوا الآثار ويسمونه مشعل الشيخ أي الرئيس وما نشأت إذ ذاك هذه الأهوال والمهمات، وما كانوا يعرفون الكهرباء أو اللوكس أو شيئًا من البترول، ولم تظهر هذه المطابع التي هيأت توفير الكتب والمطبوعات والرسائل وغيرها في هذه الأزمنة، وعلى قياس هذا تعرف أنهم في بداوة وغالب الشعراء الذين لم يتعلموا العلم إنما كان شعرهم نبطيًا فيه فصاحة وبلاغة، فيري غير موزون كما يشاهد في شعر حميدان والقاضي وابن ربيعة وابن غرفح وابن لعبون، وكانوا يعيبون نسب الحداد وأهل الصناعة كالتجار والعطار والصيرفي، فمتى كان المرء كذلك فهو ساقط النسب عندهم، وكان الرجل إذا أحسن الى الرجل وأراد مكافأته ينصب على بيته راية بيضاء، وينادي عليها فلان بيض الله وجهه: رفعت له بيضاء على رأس شاهق ... أعلل ربعي بالثنا من خصاله له ترفع البيضا ويحدى بذكره ... فتى تنجلي أكدارها من فعاله تسلسل حرًا بين قوم أعزةٍ ... فعم كريم مع جلالة خاله وكانوا يعتنون في الفلاحة لا سيما النخيل والزرع كالبر والدخن، وقد جعل الله فيها بركة أعظم منها اليوم. وقد حدثنا والدنا السعيد قدس الله روحه أنهم أنكروا الساعة لما حدثت حتى أطلق عليها بعضهم أنها صنم. ولما جاءت لأول مرةٍ إلى القصيم في إمارة حسن بن مهنا يحملها رجل من العقيلات وشى به بعضهم إلى الأمير حسن يقول إن معه صنمًا، فلما ألقى الأمير

стр. 180

القبض عليه وفتشه وجد الساعة لا يعرفونها إلا أنها صنم، وذلك لأنه لا يوجد ساعات في نجد إذ ذاك، وكان لأهل نجد عادات وأخبار عجيبة. ومن أبلغ مشروباتهم القهوة البن فإنهم يتغالون في تقديمها وعملها، ولهم أشعار رائعة في القهوة لأنهم كانوا يرون فيها رجولةً وتقدمًا، فهي أعظم ما عندهم من الحشمة يقدمونها على اللحم والألبان وسائر المأكولات ويستنشقون رائحتها إذا حمصت أبلغ من استنشاق العود والبخور والطيب والعطر، ولا سيما إذا صبت كنقاعة الحنا، فمن لهم سمرًا بصفتها، ويرون إكرام الضيف وحسن الجوار وتزيج الأكفاء وإن كان المهر قليلًا ولم يفش فيهم الترف والمدنية إنما يخشوشنون في بعض الأحيان تأدبًا مع الشريعة، ولكل زمان دولة ورجال. وبالجملة فإنا إذا نظرنا إلى حالة الزمانين نجد بونًا بعيدًا كان الدنيا التي نعيش فيها ليست كدنياهم مع قرب الزمن ووحدة الدين والله المستعان وعليه التكلان. ذكر بلاد العرب وإماراتها كان على مكة أمراء من الأشراف لأن الإمارة فيهم وراثية وبإزاء كل أمير من أمراء مكة يكون والٍ من قبل الدولة العثمانية يكون على النظام والقوة ويحصل بسبب ذلك منافسات ومشاغبات بين الوالي والأمير لأنها لا تستقيم بلدة فيها سلطتان وحدوث هذه الوظيفة جديد وهي تابعة للدولة العثمانية، وكان الحاكم على نجد على العموم فيصل بن تركي بن عبد الله بن سعود وامتدت فتوحاته إلى عمان، وكان على البصرة وبغداد ولاة من قبل الأتراك، كذلك الشام تحت نفوذ العثمانيين، كما أن البحرين تحت حكم آل خليفة والكويت حكامه آل صباح المشهورون. أما اليمن فمنه يتنازعه العثمانيون بنفوذ ضعيف وأئمة الزيود وكثر النزاع فيها بين الأتراك وبين أئمة الزيدية إلى إبان العرب العظمى حتى تغلب عليها الإمام يحيى. فعبارة يقال عن العراق إنه تحت نفوذ الأتراك وحكمهم إلى أن أعلنت الثورة

стр. 181

لأنهم طردوا عنه الفرس، كما أن الشام تحت حكم الأتراك بعد إخراجهم لجيوش محمد على صاحب مصر. وكانت هذه الأمصار في ذلك الزمان لا يزال غالب أهلها يتمسكون باسم الإسلام، وغالب المساجد تقام فيها الصلوات الخمس ويتقيدون بمشاريع الدين، ولإن كان فيها شرك وضلال فإن فيهم من لا يزال يتعصب، ولم يحدث هذا الانحلال وضعف الديانات وتقرير القوانين إلا بعد ذلك لأن الاختلاط بالدول الأجنبية التي دخلت بلاد العرب كالأنجليز وفرنسا هو الذي صبغ الأمة بصبغة جديدة لأن الأديان وإن كانت بعيدة العهد من الرسل فلا بد أن يوجد من يثبت على رسومها من اليهود والمسيحيين، وما زالت تتضاعف الأديان وتضمحل حتى كانت الأمم الأخرى دهرية كلها إلا من شاء الله وقليل ما هم، وذلك لقلة الداعي وعدم الاعتناء بأمور الديانات وللإكباب على الدنيا واتساع الرقعة فلا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا كان هناك من الأسبانين والإفريقيين، والأوربيين وغيرهم من ينتمي إلى دين الإسلام ويدين بالشريعة المحمدية لأنها لا تخلو الأرض من بقايا فإنهم ضعفاء قليلون بالنسبة إلى غيرهم فتعتبر بلاد العرب مركز الدائرة لدين الإسلام وتختص نجد بالديانة والثبات على الإسلام لقوة الاعتناء وبث الدعاة وتشجيع المتدينين، وما زالت الحكومة السعودية بعد النهضة الأخيرة العزيزية تدأب في قمع الفساد وتنشر الدعاية في مصر والسودان والهند والسند، وتوطد الصلات في العراق والشام واليمن، حتى أصبح الحجاز أحد أقاليم المملكة مطهرًا من القباب والتوسلات الشركية، ويعيش أهله في رغد العيش والثبات على الإسلام وحسن التمسك بقواعده العظام. أن بلاد العرب والحق يقال لها مستقبل زاهر كما يشاهد في بيروت ولبنان وبغداد، وتطورت الحياة وتأثرت بحياة الشعوب ونهضت نهوضًا باهرًا وأصبح العرب بعد اللبن والطين في العمارة تلك الأزمان يبنون بالحجر والإسمنت المسلح

стр. 182

والرخام والزينات، ورفعوا البيوت ونجدوها، غير أننا نريد منهم أن يشاطرونا في قوة الدين والتمسك بالإسلام وشعائره لنفوز وننجح جميعًا، وإذا كان لهم تقدم في الحياة فنرجوا أن يكون لهم تقدم في الدين وفقهه لأنه لا عز إلا بالدين ولا منعة إلا بتقاليد الإسلام وشعائره. وأضرب لذلك مثلًا وإن كان المقام ضيقًا فنقول هذه الدولة العثمانية لا تغيب الشمس عن ممالكها كما بينا ووضحنا في هذه النبذة اليسيرة. فلما قام داعية الخير وإمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب لنشر الدين وتجديده في الأرض لأن الله تعالى يبعث من يجدد لهذه الأمة دينها قامت هذه الدولة وضادت دعوته أعظم مضاده وصادمتها أشد مصادمة وبذلت نفسها ونفيسها، وآخر ذلك أعلنت الدستور، فقال بعض الموتورين بابنته لما رسمت نفسها بغيًا، وقررت الدولة لها تقريرها والله لا تستقيم دولة بعد القرآن الحكيم يكون شرعها الدستور ودأب في خلاص ابنته حتى أنقذها منهم، وذلك في سنة ١٣٢٧ هـ، فانظر إلى ما أحله الله بها بعد ذلك من الهوان الذي آخرته سلب ممالكها واقتسامها وإني لآسف جد الأسف على أن تكون الشام ومصر والعراق واليمن مسرح الفتن والزلازل والمحن بعد أن كانت معدن العلماء والأولياء والقضاة والمفتين والأئمة الربانيين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن رجب وابن مفلح وأعلى منهم مثل الشافعي وأحمد بن حنبل وأبى حنيفة وإسحاق بن راهوية والموفق بن قدامة وابن عبد الهادي الجهابذة هؤلاء الأخلاف، أما الخلفاء الأمويون والعباسيون والقواد والزعماء إذ ذاك فنرجوا من أمتنا أن يوجدوا ويبرزوا لنا رجالًا مثقفين يحامون على البلاد ويقهرون الأضداد كهؤلاء الرجال فهم رجال ونحن رجال. أما القضاء في ذلك الوقت فكان القاضي إذ ذاك يجلس للخصمين ويسمع إلى حجتيهما فإذا فرغا وتبين له حكم القضية قضى بينهما فيقومان راضيين خالصين، وما تعرف عندهم المحاكم، وأخص بذلك أهل نجد، وإذا جرى بيع عقار وإثبات صك ونحو ذلك من القضايا الكبار فإنه يوقع القاضي عليه بالختم.

стр. 183

وكان القاضي في بلد بريدة فضيلة الشيخ سليمان بن علي بن مقبل، وهذه أقضيته وتصديراته لا ترى فيها شيئًا مما يستعمل في هذه الأزمنة من حسن الإنشاء وتنميق الكلام والتقعر في الفصاحة وتشقيق العبارات وتحليتها، كما نشاهد من أقضية الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد قاضي بلدة حائل. أما الشيخ سليمان فكان يجري في مجلس خصومته عجائب من تحمله للعثرات وفراسته الغريبة، منها أنه حضر لديه خصومة فأكثروا اللجاجة والترديد، فلما أتعبوه قام موليًا يقول: أنتم يا أهل العيون لا تفهمون ولا تخلصون، فلحقه بعضهم يقول بعدما جبذه بردائه اجلس رحمك الله يا شيخ فإنما جعلت لمن لا يفهم ولا يخلص، أما من يفهم ويسمع فلا يصلك، اجلس فإنما نصبت للأعوج تقيمه. ومن فراسته أن عجوزًا ذهبت إلى دار قوم في وقته كان عندهم مائدة عشاء فتقدمت العجوز عند فراغها تطرق الباب كأنها رسول سلطان كعادة الثقلاء، ومن قل حيائه من الطفيلية والأغبياء، فجاءت ربة البيت وعنفت الكلام لهذه الجراءة، فأجابت عجوز السوء للمرأة تشفيًا بقولها لم أجيء نحوكم للطعام وإنما أمانة في عنقي كلفت أدائها بأن زوجك أخوك من الرضاعة والسلام، وذهبت كالريح العاصفة، فلما ألقت هذه المقالة كان جوابها إرسال العبرات من المرأة المسكينة، واجتمع عليها بثها وحزنها وترك الطعام في المواعين، وأهان الداعي للمدعوين فما كان ليلة أطول من ليلتهما، وانبعث الزوج مسارعًا لما طلع الفجر إلى الشيخ سليمان ليكشف هذه الغمة، فلما جاءه وقص عليه القصص، قال ائتني بها إن كنت تعرفها، فدعى الرجل بالعجوز وأجلسها بين يدي الحاكم ليأخذ المسألة من فيها وكلمها مخاطبًا؟ نريد يا أمة الله الفرق بين هذا وزوجه، فإن كنت على يقين فتكلمي وإلا فحققي، أجابت العجوز أيها الشيخ إني لست بأمير ولا قاضي إنما أخبر عن الواقع، ومن اهتدى فلنفسه ومن أساء فعليها، وما لدي سلطة على أحد، فقال لها: يا هذه اتق الله فبين يديك هول المطلع وهول

стр. 184

المطلع شديد، وإن هذا النبأ يقتضي أمورًا منها أنك قد فرقت بين مجتمعين طالما اجتمعا، وثانيًا له أولاد ويلحقهم بذلك خجل، وثالثًا يفارقها بغير طلاق فيكون عار زواجها وأثمه عليك، وكل هذا في ميزانك غدًا، والناقد بصير فكوني على يقين لتنالي السلامة في الدنيا والآخرة، فارتعدت هذه العجوز بعدما خجلت وأخبرته بحقيقة الأمر بأنها لما عنفَّت عليها بالكلام لم تجد عقوبة لها أنكى من هذه الدعوى، فقام عليها بالعصا وطفق يضربها ضربًا شديدًا، وطردها خاسئة حسيرة، وأمر الرجل أن يذهب إلى أهله. ذكر تأسيس بيت آل رشيد لما قتل الإمام تركي بن عبد الله رحمة الله عليه، وكان ابنه فيصل في القطيف ومعه جنوده من قبائل شتى، رحل قافلًا الى الأحساء لما علم بهذه الفادحة، وكان الذي أخبره بها زويد فأخفا الخبر عن الناس وأحضر لديه رجالًا من الرؤوساء وأخبرهم أنه لا بد له من أخذه بثأر أبيه فبايعوه على طاعة الله ورسوله وعلى السمع والطاعة، فرفع فيصل راياته وجنوده وجمع أصحابه وجنوده فسار إلى الرياض. ولما قرب منها نزل بجنوده وثوروا من البارود حتى كان له دوي عظيم وانقضاض فخرج إليه وفد منها يطلبون منه ألا يأذن بالدخول إليها لغير أهلها من الجنود لأنه إذا هجم عليها النجديون من غير أهل الرياض قد يقاومهم الأهالي ليمنعوهم من احتلالها فيحدث قتال في البلد فتولد المحنة محنة أشد منها، وكان مع فيصل رجل يدعى عبد الله بن علي بن رشيد طرده أمراء حائل المعروفون بآل علي، فلاذ عبد الله بآل سعود، فلما هم الجنود بالدخول إلى الرياض لأنهم أهله، هموا بالدخول من دون قتال لأن أهلها كانوا من حزب تركي. وكان مشاري بن عبد الرحمن القاتل لخاله تركي والعياذ بالله قد تحصن وامتنع وظن أنه لا يطيقه أحد من البشر، وما علم أن الله ليس منه ملاذ ولا مفر، فيا بئس الفعلة منه، من قريب ابن اخته وابن عمه، فحصل من عبد الله بن علي بن رشيد

стр. 185

فزعة عظيمة لفيصل لما رأه يريد تقحم هذه الأخطار، وأخذته الحمية له بأن يكون معهم، وكان ليثًا شجاعًا وصارمًا قطاعًا لا يطاق إذا صال، وتتضائل عنده سورة الأبطال، فاستأذن فيصلًا فأذن له أن يكون معهم، فلما دخلوا الرياض حصلت بدون قتال لأن فيصلًا أمر على رجال ممن كانوا معه من أهل الرياض أن يدخلوا البلد ليلًا ويمسكوا البروج والبيوت المقابلة للقصر، ولكنهم وجدوها مملؤة برجال مشاري قد ضبطوها، غير أنهم لما عرفوهم سكتوا عنهم وأدخلوهم فلم يفجأ مشاري وذويه الذين بالقصر إلا أصوات أولئك الرجال وبنادقهم يصيحون بالثأر، وقد شبوا النار لها شرار. ودخل فيصل البلد وركب على القصر المدافع الكبار ثم شب النار على من في القصر، وتابع الطلقات فتسبب عبد الله بن علي لاحتلال القصر بأن كلم رجلًا في برج من أبراجه يدعى سويد بن علي، كان أميرًا في جلاجل، وجاء ليسلم على تركي لأنه لم يعلم بقتله فرحب به مشاري وأنزله في ذلك البرج في القصر، فقال له عبد الله بن رشيد يا سويد وما دخلك أنت في آل سعود؟ فقال إني مغصوب. فقال له: إن جئت إليك بأمان من فيصل أترمي لنا حبلًا لنصعد إلى القصر؟ فقال سويد: إني من رجال تركي وسأساعدكم على شرط أن يؤمني فيصل ويعطيني نخلة الدامنة وهو نخل معروف، فتواثق الرجلان ورمى سويد إليهم بحبل فصعد هذا الأسد الصائل إلى القصر وصعد خلفه أربعون من رجال فيصل من بينهم عبد الله بن خميس، وأعطوهم الأمان سوى من باشر قتل الإمام أو ساعد فيه، وكان هذا بإذن من فيصل بعدما شاور رؤساء المسلمين، لأن لا يأخذه عنوةً فيكون ما في القصر من الأموال والخزانات أشتات بين الناس، فأحاطوا بمشاري ومن معه وقتلوهم وأخرجوا جسد مشاري ورأسه خارج القصر ليعرف، وأصيب عبد الله بجرح بليغ في يده لما تجالدوا مع رجال مشاري، فسر فيصل بشجاعة عبد الله بن علي بن رشيد، ولما رأى جراح يده رق له وقال له لك مني ما تريد، فقال عبد الله أطلب منك أن تؤمرني في حائل، وأن تكون الإمارة لي ولعائلتي من بعدي! فأجاب

стр. 186

فيصل طلباته، وكان ذلك أول تأسيس لإمارة الرشيد، فجعله الإمام فيصل أميرًا على حائل. ولما أن توفى هذا الشجاع سنة ١٢٦٣ هـ جعل الإمام مكانه ابنه طلال ابن عبد الله، وكان لعبد الله أبنان غيره وهما متعب ومحمد. فأما متعب فهو الذي تولى الإمارة بعد أخيه طلال. وأما محمد فكان عقيمًا وهو الذي انتهت إليه ولاية الجبل ونجد بعد آل سعود، وكان لطلال ستة أولاد وهم: بندر وبدر ونايف وأخوتهم. أما متعب بن عبد الله فكان له ابن وهو عبد العزيز الظالم العنيد. وكان لنائف ابن طلال ابن اسمه طلال، ولطلال ابنان، وهما: عبد الله ومحمد. أما عبد العزيز بن متعب فكان له أربعة أولاد، وهم متعب، ومشعل ومحمد وسعود. وكان لمتعب ابن اسمه عبد الله، فهؤلاء فخذ من أولاد علي بن رشيد يسمون آل عبد الله، أما الفخذ الثاني فهم آل عبيد بن علي، وكان لعبيد هذا ابن يسمى حمود العبيد، وكان لحمود أربعة بنين وهم فيصل، وسلطان وسعود وماجد. وكان لماجد ابن هو عبيد. رجعنا إلى ما نحن بصدده فنقول: في هذه السنة جدد السلطان عبد العزيز خان مقام الحنفي، وكان قبل هذه العمارة مبنيًا بالحجر الصوان والشميسي فأبدلوا الصوان برخام وأعادوا الأصفر على ما كان، وكان من جهة المغرب عمود في الوسط وقوسان فرفعوا العمود وجعلوه قوسًا واحدًا، وكذلك من جهة الشرق وفرغوا من عمارته في ذي الحجة من هذه السنة. ذكر ما جرى فيها من الحوادث ففيها وقع الحادث الفادح والكرب العظيم الجارح الذي شتت المسلمين وفرّق المجتمعين، وذلك بتقدير رب العالمين، وهو وفاة الإمام فيصل رحمه الله تعالى، وكانت وفاته لتسع بقين من رجب سنة ١٢٨٢ هـ فأصيب القلوب بكلوم فقده

стр. 187

وانقطع من عقد الشمل سلك عقده فما أشبهه بالعين التي قلعت عن مكانها، وأزيلت عن أركانها فأصبح صاحبها يندب بفؤاد موجوع، وقلب بألم الفراق ملسوع، أضف إلى ذلك ما تفتق بموته من مواد الشرور والبلا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، إن هي إلا محنة سكبت الدموع من الأجفان ومصيبة أثارت سواكن الأشجان ونائبةً من نوائب الزمان، وهذه ترجمته. هو الإمام الضرغام والأسد المقدام ومؤطد دعائم الملة والإسلام، والناسك الحبر الهمام سلالة الأكرمين وأمير المؤمنين فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة أبو عبد الله المريدي، ولد سنة ١٢١٣ هـ، وتولى الإمامة بعد قتل قاتل أبيه فكان إمامًا عادلًا حليمًا مهابًا، وافر العقل، سمحًا كريمًا جوادًا، حسن السيرة، سهل الأخلاق، محبًا للعلماء، مجالسًا لهم، كثير الخوف من الله تعالى، وقد يسقط السيف من يده إذا خوّف بالله، وكان شجاعًا ثابتًا، اجتمعت فيه جلّ المفاخر والفضائل، ونال من المواهب ما يندر مثلها في الأواخر والأوائل، وطلعت بشائر سعوده وهو ملتف في مهوده، وتقحم عظائم لم يجسر عليها البسلاء من آبائه وجدوده، وسطا على قاتل أبيه سطوة يشيب من هولها المولود، وتابع العرب عليهم حتى جعلهم كلهم خمود، وشب الحرب على عبد الله بن ثنيان مع شدة بأسه وقوة أعوانه ولم يهب شجاعته وبطشه وعظمة عدوانه، واستنقذ الملك بالحرب والضرب من أهل زمانه، وظهر من حبس الترك مرتين وذلك في مصر كرتين، وأخذ الملك قسرًا، وقهر أعدائه قهرًا، فعاد به ظلام الاختلاف فجرًا، ولا خاف في استنقاذ الملك صولة الترك والعلوج الأبطال ولا هاب أشبالًا غصبوا ملكه بل استرده بالقتال وجيش الجيوش برًا وبحرًا وأخذ الممالك طوعًا وجبرًا، وسلكت جنوده في نجد وعمان، وذانت له بالطاعة الأعراب والبلدان، وتوفرت بحسن سياسته مصالح المسلمين، وجمع في سياسته بين الشدة واللين، سياسة تعجز عنها الملوك وأعوانها، وتصلح بها الممالك وسكانها، أقلامه بالعطاء جارية؛ وخزائنه إلى نفع الرعية سارية، وخازنه ليس له حاجة إلا

стр. 188

تنفيذ الأوامر، ويده مشتغلة في صدقات السرائر، يرجو من مولاه جابر الكسر طلب الجزاء منه والأجر. ذكر شيء من سياسته كان في زمانه رئيس قبيلة من العربان تأخر عنه العطاء، فأخذ في مسبة الإمام والنيل منه، فما زال ذلك الجلف في غباوته وطغيانه حتى آل به جهله إلى أن ركب جواده ذات مرة وجعل يرسلها بين قومه في البرية وينتخي ويعتزي يقول: جوادي هذا لأطئن بها الرياض ولا غزون فيصل وأريه الفعل خيال التوحيد أخو من أطاع الله. فوشى به أحد أعداءه إلى الإمام وأكثروا مسبته، يقولون تغدَّ بالذئب قبل أن يتعشاك، فدعى الإمام أحد رجاله على خفية وأركبه مطية من النجائب المسرعة وناوله أربعين ريالًا وعباءة ومحرمة وقال: اذهب إليه وناوله إياها وأرفقها بكتاب فيه، من فيصل ابن تركي إليه. ثم قال بعد التحية أيها العزيز نعتذر إليكم من نسياننا لواجب حقكم، وذلك لكثرة الأشغال، فالحمد لله الذي جعل هذا النسيان وقع في حقكم لأنكم تتحملون تأخر جائزتكم هذه المدة، فنرجوا المسامحة وسنجعلكم بعدها على البال لا زلتم بخير وسلام. فلما قدم عليه النجاب وناوله ما معه، انقلبت خمرته خلًا وصعد المنبر بعد صلاة الجمعة عليه عمامة ضخمة، فألقى خطبةً على الناس قال فيها: أيها الناس اعلموا بأنه يوجد فيكم منافقون يسبون إمام المسلمين، والإمام أطال الله بقاءه قد أوجب الله طاعته حيث يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فإني أعاهد الله لأن سمعت أحدًا يسبه منكم لأقتلنه ولأجعلنه نكالًا لغيره، فلما رجع النجاب إلى الإمام وأخبره بما صنع عجب لهذه القصة الظريفة وقال على طريق الأمثال: كلب ينبح لك أولى من كلب ينبح

стр. 189

عليك، لو قتلناه وترنا أهله وعشيرته ولا تنسى الظغائن، فها هو قد كف وأصبح ينافح عنا، وكان مكرمًا لحملة القرآن، رحيمًا بالأرامل والفقراء والضعفاء، ولم يكن سفاكًا للدم الحرام، ولا غاصبًا لما في أيدي الآنام من الحطام، ولقد أحسن من قال في مدحه: عفيف شريف النفس للفضل عارف ... حليمٌ كريمٌ سالم القلب منصف وقال غيره: له في سرير الملك أصل مؤثل ... تلقاه عن أسلافه السادة الغر هم العقد من أعلا اللآلي منظمًا ... وفيصل في العقد واسطة الدر غدت أرض نجد تزد هي بفعاله ... وترفل في ثوب الجلالة والفخر وكان كثيرًا ما يرسل الصدقات إلى كل بلد من بلدان المسلمين، تقسم على الفقراء والمساكين، وشديد البحث عن الأيتام والفقراء يتفقدهم بالبر والعطاء. ذكر ما جرى عليه من المحن والأخطار وثقته بالعزيز الجبار فنقول كان كثيرًا ما تحوم عليه حوائم الخطوب والآفات، ويقع في عظائم الأخطار والمهلكات حتى يدخل من ذلك اليأس على الأتقياء والأكياس، فضلًا عن عامة سائر الناس، فيجعل الله له من ذلك الفرج القريب ويمنحه الله بفضله المخرج العجيب. من ذلك مخرجه من حبس الترك المرة الأولى، ولطف الله به في خروجه من مصر، وعناية الله به في سفره في البر والبحر، وكان ذلك في حياة والده رحمهما الله. المخرج الثاني: الحادثة الكبيرة والفعلة الشهيرة، وهي قتل والده تركي فإنه سار من القطيف وزحف بما لديه من الأهوال حتى دخل الرياض، وسلّ سيفه وشهره والتجأ إلى ربه فنصره، حتى جرع الباغي ريب المنون وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحسبون، هذا مع شدة احتراز عدوه بالعدة والعدد فما زال به حتى قتله في حصنه.

стр. 190

المخرج الثالث: لما ظفر به الترك مرةً ثانية فأسروه، فقال الناس هذا منهم فيما مضى شارد، وقد أوثقه الصائد فهذه المرة لا يسلم والقتل عليه قد تحتم لأنه قد قاتلهم وأساء إليهم، ووقع الآن في قبضة أيديهم، وعزم أهل الظنون من الأكياس أنه سيسقى من الموت أمرَّ كأس، فأنزله الله تعالى بعجيب قدرته التي لا يعجزها شيء، وأعمى أبصارهم عنه حتى وصل إلى بلاده، وكان قد خلفه على ملكه من عشيرته شجاع قتال وجمع عنده كثيرًا من الخيل والسلاح وآلات الحرب والرجال والأحوال، فرجف الله به وداخله الرعب والذل حين سمع به ورأه، فلم يثبت له بل هرب بإذن الله حتى حصره وأخذ منه الملك قهرًا. المخرج الرابع: عصيان أهل القصيم له ونبذهم العهد واستعدادهم للحرب، فساعده الله وجعل له الفتح والنصر وعفى لما قدر، وبالجملة فخوارق عاداته كثيرة، وفضائله شهيرة تحتاج إلى بسط يضيق عنها هذا الموضع. ومما قال الشيخ أحمد بن علي بن مشرف يمتدحه: بعدل ولاة الأمر ترسو دعائمه ... ويا من في قفر الفلاة سوائمه وبالحزم والكتمان والجد والحجا ... ينال أخو العليا ما هو رائمه وحكمك محمود العواقب إن يكن ... له صارمٌ ينفي الذي لا يلائمه وأسوس أهل الملك من ساس من رعى ... برفق فإن لم يغن أغناه صارمه كذاك إمام المسلمين لنفسه ... آناة فمن لم تغن أغنت عزائمه هو البحر من أصدافه الدر يجتني ... وإن طاش بالأمواج لم ينجِ حائمه تخلق بالصفح الجميل وبالندى ... وبالحلم مذ نيطت عليه تمائمه مرؤاته أفنت خزائن جمعه ... فهل أنت في فعل المكارم لائمه عطاياه كالوسمي إن شيم برقه ... ويممه الراجون ما خاب شائمه بمدحته رنت بهجر بلابل ... وغنت بنجد ورقه وحمائمه فشاد بناء المجد بالجود فاعتلى ... ومن بينه بالبخل لا شك هادمه وإن أنت شبهت الإمام وجوده ... بمعن أو الطائي فإنك هاضمه

стр. 191

موائده مثل الربيع لممحل ... وتشبع أصناف الطيور ملاحمه إذا بعث الجيش اللهام إلى العدى ... تلته سراحين الفلا وحوائمه فأطعمها مما تنال رماحه ... لحومًا وحظ الجيش منه غنائمه يجاهد بالقرآن من زاغ واعتدى ... فإن هم أبوا أسلت عليهم صوارمه فغادر قتلى يعصب الطير حولها ... وترتادها عقبانه وقشاعمه ولولاه في هذا الزمان لما بدت ... من الدين في حل الديار معالمه ولا أمنت طرق الحجيج ولا انتهى ... عن الظلم للمظلوم بالسيف ظالمه ولكن أخاف المفسدين فسالموا ... وسفك الدما بالحق للدم عاصمه ومن يجتمع فيه الشجاعة والندا ... يقر له بالفضل من لا يسالمه ألا إنه إنسان عين زمانه ... تناوم عنه الدهر أو هب نائمه مفاخره شمس يراها حسوده ... فما باله لم يبد ما هو كاتمه فأنشده بيتًا قاله بعض من مضى ... وما حاد عن بيت القصيدة ناظمه إذا ظفرت منك العيون بنظره ... أثاب لها معي المطي ورازمه فلا النظم يحوى مدحه إن مدحته ... ولا الطرس توعي كلما أنا راقمه ولكني أهدي له صالح الدعاء ... ومدحًا كمثل المسك إن فضى خاتمه ولما توفاه الله تعالى في هذه السنة رثاه الآدباء والعلماء بمراثي حسان، ونورد هنا مرثاة الشيخ أحمد بن علي بن مشرف التي رثاه بها لما فجعت القلوب بفقده ونكبت الأمة بمصيبته ﵀ وجعل الجنة متقلبه ومثواه: على فيصل بحر الندى والمكارم ... بكينا بدمع مثل صوب الغمائم إمام نفى أهل الضلالة والخنا ... بسمر القنا والمرهفات الصوارم فكم فل من جمع لهم جاء صائلًا ... وأفنى رؤسا منهم في الملاحم يجر عليه جحفلًا بعد جحفل ... ويرميهم في حربه بالقواصم فما زال هذا دأبه في جهادهم ... تغير بنجد خيله والتهائم إلى أن أقيم الدين في كل قرية ... وأصبح عرش الملك عالي الدعائم

стр. 192

وأخلى القرى من كل شرك وبدعة ... وما زال ينهى عن ركوب المحارم ويعطي جزيل المال محتقرًا له ... سماحًا ويعفو عن كثير الجرائم مناقب جوده قد حواها جبلة ... فحاز الثنا من عربها والأعاجم تغمده المولى الكريم برحمةٍ ... وأسكنه الفردوس مع كل ناعم فلا جزع مما قضى الله فاصطبر ... وإلا ستسلو مثل سلو البهائم فلما تولى خلف الملك بعده ... لنجل خليق بالإمامة حازم يقام بعون الله بالأمر سائسًا ... رعيته مستيقظًا غير نائم فتابع أهل العدل في كف كفه ... عن إن المكس شر المظالم وشابه في الأخلاق والده الذي ... فشا دكره بالخير بين العوالم وقرب أهل الفضل والعلم والنهى ... وجانب أتباع الهوى غير نادم ومن يستشر في أمره كل ناصحٍ ... لبيب يكن فيما جرى غير نادم على يده جلّ الفتوح تتابعت ... فساوى القرى في الأمن مرعى السوائم وأسلمت الأعراب كرها وجانبوا ... حضورًا لدى الطاغوت عند التحاكم فذكرنا عبد العزيز وشيخه ... وما كان في تلك الليالي القوادم فلا زال منصور اللواء مؤيدًا ... على كل باغٍ معتدٍ ومخاصم فدونك أبياتًا حوت كل مدحةٍ ... فأضحت كمل الدر في سلك ناظم ونهدي صلاة الله خالقًا على ... نبي عظيم القدر للرسل خاتم محمد الهادي وأصحابه الأولى ... حموا دينه بالمرهفات الصوارم صلاة وتسليمًا يدومان ماسرًا ... نسيم الصبا وأنهل صوب الغمائم كان له من الأولاد أربعة، وهم: عبد الله ومحمد وسعود وعبد الرحمن. فأما عبد الله فهو ولي عهده وبايعه الناس على السمع والطاعة بعد أبيه، وتولى الملك فضبط الأمور وساس الرعية وسار سيرة جميلة، ونشر العدل وكان شجاعًا مهابًا، وافر العقل حكيمًا جوادًا ذا حزم ودهاء، ولكن أيامه منغصة عليه مكدرة من كثرة المخالفين، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 193

وفيها شرع الإمام عبد الله بن فيصل المذكور في بناء قصره المعروف في بلد الرياض. وفيها وفاة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين ﵀، وكانت وفاته في سابع جمادى الأولى، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة والقدوة الفهامة، البارع الماهر، والبحر الزاخر، والعلم الظاهر، الحبر النبيل والهمام الجليل الذي اشتهر علمه بين الثقلين، وانتشر ذكره بين الخافقين، خاتمة المحققين وقدوة الموفقين، وسيف الله على أعناق الكافرين، وسهمه الصائب لأفئدة المارقين، الحافظ الذكي الألمعي اللوذعي عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سلطان بن خميس الملقب أبي بطين العائدي قدس الله روحه، ونور مرقده وضريحه، ولد في بلد الروضة من بلدان سدير لعشر بقين من ذي القعدة سنة ١١٩٤ هـ، فنشأ فيها على طلب العلم والديانة والعفاف، حتى أدرك ما يقصر عن إدراكه أولو العرفان وفاق في الفضل والنهي لأهل الزمان، وما زال يتقدم في الفضل ويسمو في العلم حتى بلغ رتبة يقصر عنها سبق السابقين، ويقف عندها اختلاف المتنازعين، مد يده لنيل العلوم، فنال نشر الفوائد والمنظوم، وغاص بفهم واقد في التحقيق، فسل غوامض من العويص بتمام التدقيق، فلله دره من إمام بارع وصارم لأعناق أهل الضلال قاطع، ومن سبر رسائله وأجوبته وتدبرها تبين له سبق هذا الإمام الذي افتخرت به الأواخر على أوائل الزمان، وازدهت به الأقطار والبلدان، وانتفع بعلمه القاصي والدان، وإنه شمس غير أنه لا يغيب وآثاره ومواهبه لا يواريها غطاء المريب. واعلم بأنه يجب تقديمه في الذكر ولكن لما كان السلطان ظل الله في الأرض قضت الظروف بتأخير ترجمته لأسباب ذلك وما يتعلق به. ذكر مشائخه الذين أخذ عنهم أخذ العلم عن الشيخ العالم العامل الورع الزكي عبد العزيز بن عبد الله الحصين

стр. 194

الناصري التميمي وغالب ما أخذه عنه التفسير والحديث والفقه وأصوله وأصول الدين، وأخذ عن الشيخ العالم الفاضل المتقن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر التميمي، وأخذ أيضًا عن الشيخ محمد بن الحاج عبد الله بن طراد الدوسري الحنبلي عالم الروضة مسقط رأسه فظهر في الفقه مظهرًا حسنًا في إبان تشبيبته وفاق أهل عصره، وكان الشيخ محمد أول مشائخه، وأخذ عن الشيخ العالم أحمد بن حسن بن رشيد العفالقي الأحسائي ثم المدني الحنبلي، ولما ولاه سعود بن عبد العزيز قضاء الطائف جلس يتعلم من الشيخ حسين الجعفري فن النحو حتى برع ومهر، وكان إذ ذاك يدرس أعني المترجم في الطائف، وأخذ عنه أمةٌ هناك ومع شرفه وعلو مقامه لم تأخذه العزة عن أن يتعلم من هذا، وكان أول زمانه في الروضة ثم ارتحل إلى بلد شقراء عاصمة الوشم فاستوطنها. أما تلامذته الذين أخذوا عنه فمنهم قاضي القصيم الشيخ العالم العلامة الواثق بالسميع العليم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ الفاضل وقدوة الأماثل السيمدع محمد بن عمر بن سليم، وناهيك بهما عقلًا ومعرفةً وديانةً تشهد لمربيهما بكمال الكفاءة، وأخذ عنه الشيخ علي بن محمد بن علي بن حمد بن راشد، وأخذ عنه الشيخ إبراهيم بن حمد بن عيسى، وأخذ عنه ابنه الشيخ أحمد، وأخذ عنه الشيخ علي بن عبد الله بن عيسى، والشيخ سليمان بن عبد الرحمن، والشيخ عبد الله بن عبد الكريم بن معيقل، والشيخ محمد بن عبد الله بن مانع وابنه الشيخ عبد الرحمن، والشيخ صالح بن حمد بن نصر الله، وأخذ عنه أيضًا الشيخ عبد الله بن شومر وأخذ عنه أيضًا أحمد بن دعيج، والشيخ علي بن فراج وجري بن فهيد الصميت وسليمان بن عبد المحسن، والشيخ جمعان بن ناصر، والشيخ علي بن عبد العزيز بن سليم، وأخذ عنه غير هؤلاء خلق كثير وجمّ غفير، وغالب الذين أخذوا عنه، تولوا القضاء وأخذ عنه في حال إقامته بالطائف جماعة كثيرون. ذكر الوظائف التي نالها تولى قضاء الطائف زمن سعود بن عبد العزيز، فباشر مهمته بعفة وديانة

стр. 195

وصيانة، وتثبت وإناءة في الأحكام، ثم كان قاضيًا في ناحية عمان لعبد الله بن سعود، ثم كان قاضيًا في ناحية الوشم وسدير لتركي بن عبد الله، وكان يأخذ بعض السنة في الوشم وبعضها في سدير، ونزل روضة سدير فتوجهت إليه الخصوم، ورحل إليه طلبة العلم من أهل سدير ومنيخ وأخذوا عنه، ثم كان قاضيًا في ناحية القصيم والوشم لفيصل بن تركي، وكان ذلك عن طلب من أهل القصيم له من الإمام فيصل أن يكون قاضيًا في بلدانهم، ومدرسًا في أوطانهم، فأمر الإمام عليه أن يسير إليهم وكان إذ ذاك في بلد شقراء قاضيًا لناحية الوشم، فسار إليهم وقدم بلد عنيزة وأقام عندهم فطلبوا منه أن ينقل أولاده وينزل بهم عندهم في عنيزة، فنقلهم واستوطنها فأكرموه واحترموه وانتفعوا بعلمه، وكان يدرس في فنون من العلم شتى حتى كثر لديه طلبة العلم، ومن بركاته سعيه بالصلح بينهم وبين الإمام فيصل، فأكرمه فيصل وأنجح طلبته، وكان محبوبًا عند الناس خاصهم والعام، معلمًا جلدًا على التعليم والتدريس، لا يمل ولا يضجر ولا يمل من تعليمه الطالب، أضف إلى ذلك كرمًا وسخاءً ووقارًا، وكان دائم الصمت، قليل الكلام، كثير التهجد والعبادة، قليل المجيء إلى الناس، وكان حسن الصوت بالقراءة، وعلى قراءته هيبة مرتلة قراءته مجودة وكتب كثيرًا من الكتب الجليلة بخطه الحسن المضبوط المتقن. ذكر مؤلفاته وسعة علمه كانت مؤلفاته كثيرة مفيدة وأجوبته وافية سديدة تدل على فضل منشئها ومكانته في العلم، وتطيب النفس إذا وردتها، وأعلام القبول لائحة عليها، ذلك لخروجها من معدن علم ومن البحر يستجلب الدر. فمنها تأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس، وكان مؤلفًا حسنًا مفيدًا لا يشبع منه طالب الحق، وكتاب الانتصار لحزب الله الموحدين وهو

стр. 196

مصنف بديع الأسلوب، رد فيه على أعداء الله ورسوله، ورسالة في معنى كلمة التوحيد وتضمنها الكفر بما يعبد من دون الله، وذكر في هذه الرسالة معنى لا إله إلا الله عند جميع أهل اللغة وعلماء التفسير والفقهاء، ورسالة أيضًا سئل فيها عن هذه المسألة وما تنفي لا إله إلا الله، وما تثبت أفاد فيها وأجاد، وبلغ في الغاية فوق ما يراد، ورسالة في تعريف العبادة وتعريف الطاغوت، وأبلغ وأبان غامض هذه المسألة، ومنها رسالة إلى إبراهيم بن عجلان ذكر فيها الرد على من قال أن الشيخ تقي الدين وتلميذه ابن القيم شددا في أمر الشرك تشديدًا لا مزيد عليه وهي عظيمة، ومنها مؤلف في رد شبهات من تأول حديث أن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ويستدل بهذا الحديث على استحالة وقوع شيء من الشرك في جزيرة العرب، والحديث المروي في الضالة يا عباد الله احبسوا، والحديث الذي فيه قتل أسامة للرجل وأتى على ذلك بشيء عجيب مع الاختصار، وله مؤلف في حكم من يكفر غيره من المسلمين والكفر الذي يعذر صاحبه بالجهل، فلا يحكم عليه به إلا بعد أن تقوم الحجة عليه، والذي لا يعذر ورد على أعداء الله ونصر دين محمد ﷺ بأوضح الدلائل وأقوم البراهين، كتاب مختصر الفوائد لابن القيم وقع على قدر نصف الأصل وكتب على شرح المنتهي حاشية مفيدة نفيسة جردها من هوامش نسخة المؤلف تلميذه وسبطه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مانع، فجاءت في مجلد ضخم، ورسالة في تجويد القرآن، وله فتاوى وأجوبة واختيارات يخرج في بعضها عن المذهب لقوة الدليل، ولو تتبعناها لخرجنا عن المقصود. ولما كان في سنة ١٢٧٠ هـ رجع من عنيزة إلى بلدة شقراء، فأقام بها وترك الهرج ولزم العبادة مستمرًا على طريقته معرضًا عن الدنيا والقال والقيل إلى أن توفاه الله في هذه السنة، وخلف أولادًا منهم عبد العزيز بن الشيخ عبد الله الذي جعله الإمام فيصل على بيت مال القصيم واستعمله عليه.

стр. 197

ثم دخلت سنة ١٢٨٣ ه ـ استهلت هذه السنة والإمام الأعظم في نجد كلها عبد الله بن فيصل بن تركي، ففيها أمر الإمام عبد الله بن فيصل على جميع رعاياه من البادية بالجهاد وسار بهم إلى ناحية الشمال فأغار على عربان الظفير وهم على شقراء المعروفة بالقرب من الهور، وكان قد سبقه النذير إليهم وانهزموا، فأخذ منهم إبلًا وغنمًا ثم قفل إلى الرياض وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. ذكر ما جرى فيها من الحوادث ففيها وفاة أمير الجبل طلال بن عبد الله بن رشيد، وذلك لأنه أصابه خلل في عقله كسحر، فعرض نفسه على طبيب فذكر له أنه بعد العلاج يصح ولكنه يكون ضعيف العقل كفلان لمجنون عندهم فجزع وقتل نفسه. ثم تولى الإمارة بعده أخوه متعب بن عبد الله. وفيها خرج سعود بن فيصل من الرياض مغاضبًا لأخيه عبد الله، فتوجه إلى محمد بن عائض بن مرعي رئيس بلدان عسير، فقدم عليه وأقام عنده مدة يطلب منه النصرة، ولما علم الإمام عبد الله بن فيصل باستقرار أخيه سعود عند ابن عائض أرسل بهدية إلى ابن عائض صحبة الشيخ حسين بن حمد بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ سعد بن ربيعة، وكتب إليه بأن خروج سعود من الرياض من غير سبب يوجب ذلك، وأن مراده قطيعة الرحم والشقاق، وكتب إلى سعود يأمره بالقدوم إليه وأنه يعطيه ما طلب، فأبى سعود أن يرجع إليه، وأقام حسين والشيخ سعد هناك مدة أيام وقد أكرمهما محمد بن عائض إكرامًا جزيلًا، ولما أن يئسا من رجوع سعود، طلبا من ابن عائض الأذن لهما بالرجوع فكساهما وأعطاهما عطاء جزيلًا، وأذن لهما بالرجوع وأرسل معهما بهدية للإمام عبد الله بن فيصل، وكتب إليه كتابًا قال فيه أن سعود بن فيصل قدم علينا وطلب منا المساعدة والمناصرة فلم نوافقه على ذلك وأشرنا عليه بالرجوع وترك الشقاق فلم يقبل.

стр. 198

ذكر إمامة عبد الله بن فيصل وما جرى فيها فنقول لما توفى الإمام فيصل تولى بعده نجله عبد الله، وكان خليقًا بالإمامة ولكنه قام ينازعه الإمامة أخوه سعود، وبعد سعود أبناؤه فحصلت قطعية وبات الفشل وتسلط الأعداء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. وما حصل النقص على أهل الإسلام والفشل وتسلط الأعداء إلا بالتخاذل، وقطيعة الرحم وترك القيام بأوامر الله تعالى وفعل نواهية، وهذه عادة الله بخلقه كلما أحدثوا ذنوبًا غير ما بهم من النعمة. وقد روى أن رجلًا من المتقدمين كان له عدة بنين، فلما كبر وهرم جمع أبناءه لديه وقال لهم بني إني جمعتكم الأمر فخذوا به فإني خبير بالأمور مجرب، وعانيت ما لم تعانوا من المشاق فأطرق أبناؤه يستمعون وصيته، فأخرج إليهم حزمة من العصي وقال لكبيرهم: حطم هذه الحزمة فأخذها فلم يطق، فقال له ناولها أخاك فأخذها ولم يطق حتى عجزوا كلهم، فقال هكذا كونوا مجتمعين يا بني فإنه أقوى لشوكتكم وأنفذ لأمركم وأقهر لعدوكم، فإن اختلفتم تمزقتم وعبث بكم الأعداء. ولما حدث من سعود هذا الخلاف الذي يعد من أعظم المصائب على المسلمين وكان منع أخيه الإمام بغزاته على عربان الظفير قرب بلد الزبير، ورجع الإمام بعد ذلك كان هناك منافرة بينهما، وبعد مضي عشرة أيام من قدومهما إلى الرياض هرب سعود إلى ابن عائض فرده خائبًا. فلما تحقق أن ابن عائض لا يساعده على أخيه عاد من أبها إلى نجران بالخيبة، ولما أن نزل على رئيس نجران المسمى بالسيد أقام عنده وطلب منه النصرة فأجابه إلى ذلك، ووجد العجمان هناك، وكانوا أعداء لعبد الله بن فيصل لحملاته عليهم وكسره لهم ثم إجلائه بقيتهم إلى نجران فاغتنموها فرصة ليداووا كلومهم، فاجتمعوا على سعود وشدوا أزره وقدم عليه فيصل المرخف من شيوخ آل مرة وعلي بن

стр. 199

سريعة من شيوخ آل شامر، وكتب إليه مبارك بن روية رئيس السليل يأمره بالقدوم عليه ويعده القيام معه والنصرة له فاجتمع على سعود بن فيصل خلائق كثيرة من بام وغيرهم، وأمده رئيس نجران بمال وأرسل معه اثنين من أولاده وأمده بجنود من أتباعه، فسار سعود بمن معه من الجنود حتى قدم على مبارك بن روية في السليل واستفحل أمره. وكانت نتيجة هذه الخلاف بين أولاد فيصل والتنازع أن أضاعوا الملك فانتقضت قحطان وعصت العجمان وتمردت عنزة وتقلبت مطير وتذبذبت عتيبة وصال بنو مرة وتنمر بنو خالد، وقام بعض الأخوة على بعض يتنازعون الملك فكانوا في حروب وأصبحوا مغنمًا لهذه القبائل النازعة إلى الغزو. قامت القبائل توالي هذا وتناوي هذا وتؤز هذا على أخيه أو ابن عمه طمعًا بنيل كسب أو شفاء غليل فتفتقت نجد بالشرور ونشأت الفتن من جديد، وجرى من المحن ما الله به عليم. ولما جلس الإمام عبد الله بن فيصل على عرش الحكم وتربع عليه طمع العلماء والأدباء بعد له وتذكروا سير والده فيصل فبذلوا له المديح والنصائح وأثاروا سوكن متحركاته إلى كل فعل جميل لأنه جدير بذلك وشبل الأسد يشبه أباه ومن أشبه والده فما ظلم، فمن ذلك قول الشيخ أحمد بن علي بن مشرف في هذه السنة: أتقبل عذر الصب أم أنت عاذله ... بذكرى حبيب عنه شطت منازله غزال حوى كل المحاسن وإليها ... يغازلني بعد العشاء وأغازله فتاة كأن الشمس غرة وجهها ... فإني يبين البدر حين تقابله نأت فنأى عن حبها كل عاذل ... فيا ليتها تدنو وتدنو عواذله فمن لعذول لا يزال بجهله ... يجادلني في حبها وأجادله وما أنا إلا كالفتى في اعتلاله ... فلا أثر تبديه فيه عوامله وقد أصبحت سلمى بأبعد شقةٍ ... يكل بها كوم المطي وهازله

стр. 200

تميمية حلت بتيما ودونها ... من الجبل الطائي قفار وحائله فعن مثلها فاثن العنان ميممًا ... مليكًا عظيمًا لم يخب قط سائله إله السماء والأرض فاسأله راغبًا ... تنل كل ما ترجو وما أنت آمله فنشكو إلى الله الزمان الذي استوى ... لدى أهله قس الكلام وباقله به اندرست كل العلوم وأقفرت ... فأنكر فضل العلم بالعلم جاهله وقائلةٌ أقصر فما بعد فيصلٌ ... لذي أدب حظ فماذا تحاوله أترغب في نظم القريض وجسمه ... مواري بقبر غيبته جنادله فقلت دعيني إن يكن مات فيصلٌ ... فخالفه حي وما فات نائله فقد ورث المجد المؤثل والندى ... لنجل زكت أخلاقه وشمائله أبو النجم عبد الله حامي حمى الهدى ... بغرته بشرى الندى ومخائله بنجدٍ حثا المال الجزيل تبرعًا ... فعاشت به أيتامه وأرامله وكم غارةً شعواء شن على العدا ... وكم فارس منهم نعته حلائله فأثخن حربًا بالحروب فسالمت ... ودانت له نجد وذلت قبائله ومن دم سراق الجحيم عتيبة ... سقى البيض حتى أنهل الرمح حامله وقائع سل عنها الحجاز وغيره ... ونجدًا ومن في البحر ينبيك سائله جهادًا ودرأ للفساد ونية ... وسعيًا به يرجو المثوبة فاعله تولى فلم يرض المكوس لدينه ... عفافًا ومن يعفف تعف عوامله ولما نمى الركبان أخبار عدله ... إلينا وشاعت في البلاد فضائله بعثنا له در القريض بمدحه ... وخير الثنا مالا يكذب قائله فأبلغه تسليمًا إذا فض ختمه ... تارج من أرض الرياض معاقله فيا أيها الوالي نصرت على العدا ... وسددت في الأمر الذي أنت فاعله حنانيك لا تسمع بنا قول كاشحٍ ... ولا حاسدٍ تغلو علينا مراجله ولا تصغ للنمام سمعك إنما ... يجيء به الإفساد والألم حاصله وما هو إلا فاسقٌ أو منافقٌ ... يريك صريح النصح والغش داخله

стр. 201

ولا يدخل النمام في الحشر جنةً ... حديثًا عن المختار يرويه ناقله وأكرم بني الشيخ الرئيس الذي نهى ... عن الشرك لما شاع في الأرض باطله وألف في التوحيد تأليفه الذي ... شجت في حلوق المشركين دلائله كذا عابد الرحمن أعني حفيده ... بنور الهدى يهدي فمن ذا يعادله ينافح عن دين الهدى كل مبطلٍ ... فيبطل تمويهاته ويناضله وعبد اللطيف الحبر لا تنس فضله ... إمام هدي بالعلم تزهى محافله فمن رام خذلانًا لهم وتنقصًا ... لقدرهم بالبغي فالله خاذله فدونك نظمًا كالزلال عذوبةً ... صفت للعطاش الواردين مناهله وكل امرئٍ يهدي علي قدر وسعه ... فدونك ما نهدي فهل أنت قابله وختمي صلاة الله ثم سلامه ... على من به الإرسال عمت رسائله محمد المبعوث من آل هاشم ... كذا الصحب ما غنت بروضٍ بلابله وقال الشيخ سليمان بن سحمان يمتدح الإمام عبد الله بن فيصل ويشجعه ويثني عليه بهذه الأبيات وهي من قصيدة: أخا المجد عبد الله من شاع ذكره ... وغار لعمري في البلاد وأنجدا هو العارض الهطال بالجود والندا ... إذا كنت عن سيم الحقيقية أرمدا فما جود من قد جاد إلا مزادة ... تكسبها من جوده وتزود فإن عد كعب في السماح أبت له ... أنامل تهمي عسجدًا وزبرجدا وحاتم طيء قد تضاءل جوده ... إلى جنب من يعطي الجزيل إذا جدا يهاب ويرجى نيله فكعارض ... مخيف وقل إن كنت في الشعر منشدا هو البحر غص فيه إذا كان ساكنًا ... على الدر واحذره إذا كان مزبدا هو المنهل الطامي لمن رام شربه ... يزيح بها عند الحرارة والصدا هو الضيغم العادي إذا استعر الوغى ... وشب ضرام في الوطيس وأوقدا فكم من قتيل قد أصاب مجندلًا ... وكم من أسير في الحديد مصفدا وكم ليل خطب مدلهم ظلامه ... حدث بيضه عنا غياهب ما سدا

стр. 202

فيالك من مجد أثيل سما به ... ومن غارةٍ شعواء شن على العدا دهاهم بها جهرًا وأخرى فجاءةً ... فأقحمهم حوض المنايا وأوردا وجر عليهم جحفلًا بعد جحفل ... وبدد شملًا منهمو فتبددا هو المجد وابن المجد والمجد أصله ... وما المجد إلا ما تأزر وارتدا وكيف تحيط النظم يومًا بمدحه ... وقد فاق أهل الأرض جودًا وسؤددا سلالة أساد الشرى من تضلعت ... بهم سنة المختار كأسًا منددا ذكر الأمور التي عارضت استقامة أمره وكان أمر الله قدرًا مقدورا أما الأمور التي عرقلت المساعي فهي منازعة أخيه له في الملك وبعده أبناؤه في الخرج، يحرضون القبائل عليه فكان سعود وأبناءه العدو الألد للإمام عبد الله. ومنها مناصرته لآل عليان على أعدائهم آل مهنا الأمراء الحاكمين في بريدة ذلك الوقت، وكان صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود يقول لم يستقم الأمر لعبد الله لثلاثة أسباب: ١ - وجود أبناء أخيه في الخرج يحرضون القبائل. ٢ - مناصرته لآل عليان أمراء القصيم السابقين على أعدائهم آل مهنا الأمراء الحاكمين بعدهم، وكان هذا جهلًا من عبد الله لأنه في وقت ضعفه ليس من الحكمة أن يتحزب لبيت مغلوب فيضعضع نفوذه في القصيم. ٣ - ظهور محمد بن رشيد الطامع بحكم نجد، فقد تحالف مع آل أبي الخيل من آل مهنا فكانوا يدًا واحدة على ابن سعود. هذه بعض الأمور ومنها أنه كان أذنًا سامعة لكلام أهل النميمة والمغرضين، وجرى بسبب ذلك بعض إهانة منه يرحمه الله لبعض العلماء، ووالله إنه لمن المؤسف أن لا يجد المؤرخ مندوحة عن ذكر الأمور علي حقائقها لواجب الإخلاص للتاريخ.

стр. 203

ذكر واقعة المعتلا قد ذكرنا اجتماع القبائل على سعود؛ ولما كان في ذي الحجة من هذه السنة أقبل سعود بجنوده حتى قدم وادي الدواسر وأقام هناك، فانضم اليه عدد من الدواسر، ولما بلغ الخبر إلى الإمام عبد الله أمر على غزو أهل سدير والمحمل أن يقدموا عليه في الرياض، فتجهزوا وقدموا عليه، وضم إليهم غزو أهل الرياض ثم أمر على أخيه محمد بن فيصل أن يزحف بهم لقتال سعود، فسار محمد بتلك الجنود حتى التقوا بالمعتلا، فلما تراءى الجمعان حصلت بين الفريقين وقعة شديدة انهزم لها سعود وجنوده، وقتل منهم عدة رجال، منهم علي بن سريعة وأبناء رئيس نجران، وجرح سعود جراحات كثيرة في يديه وفي سائر بدنه وحصل في يديه عيب شديد، وذهب مع العجمان إلى جهة الأحساء وأقام عند آل مرة إلى أن برئت جراحاته. وقتل أيضًا من أتباع محمد بن فيصل عدة رجال منهم: عبد الله بن جمة آل مبارك أمير بلد حريملا، وعبد الله بن تركي بن ماضي من رؤساء بلد روضة سدير، ثم قفل محمد بعد هذه الغزوة إلى الرياض وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، ولما برئ سعود من جراحاته سار إلى عمان فأقام هناك وطلب النصرة، وجعل يستنجد صاحبها فلم ينجده، وجعل يبرم الكيد لأخيه الإمام ويستجيش القبائل عليه. وفيها في يوم الأحد الموافق التاسع وعشرين من شعبان شرع في تجديد نصف أرض الحجر من جهة مقام الحنفي، وكان ذلك في سلطنة السلطان عبد العزيز خان وأمير مكة إذ ذاك الشريف عبد الله بن محمد بن عون.

стр. 204

ثم دخلت سنة ١٢٨٤ ه ـ ففيها أمر الإمام عبد الله بن فيصل عمه عبد الله بن تركي بالمسير إلى الأحساء، وأكد عليه أن يحبس كل من ظفر به هناك من بادية العجمان، وأن يحرق بيوتهم التي لهم في الرقيقة، فسار عبد الله بن تركي في سرية من أهل الرياض والوشم وسدير، ولما وصل إلى الأحساء قبض على من وجده من العجمان هناك وحبسهم وأحرق البيوت والصرائف التي لهم في الرقيقة، وكان أمير الأحساء إذ ذاك محمد بن أحمد السديري فكتب إليه الإمام وأمره بالقدوم عليه في بلد الرياض، فسار محمد السديري من الأحساء وقدم على الإمام عبد الله في بلد الرياض، فعزله عن إمارة الأحساء وجعل مكانه أميرًا في الأحساء ناصر بن جبر الخالدي. وفيها في شعبان توفي الشاعر محمد بن عبد الله القاضي المشهور صاحب الشعر النبطي رحمه الله تعالى، كان أديبًا لبيبًا كريمًا موصوفًا بالعقل والذكاء ومكارم الأخلاق، وكانت وفاته في بلد عنيزة. ثم دخلت سنة ١٢٨٥ ه ـ وفيها كتب الإمام عبد الله بن فيصل إلى أمراء بلدان نجد يأمرهم بالقدوم عليه في الرياض بغزوهم ما عدا أهل القصيم فإنهم لم يحضروا لأنه لم يدعهم، فخرج من الرياض في ١٥ محرم ونزل على بيان وجمع الجموع من بادية وحاضرة، فزحف بهم إلى وادي الدواسر وكان في نفسه غيظ شديد على أهل الوادي لمساعدتهم أخاه سعودًا ومناصرتهم اياه، فلما بلغ الوادي قطع نخيلًا وهدم بيوتًا وأخذ أموالًا وسلاحًا كثيرة، وأقام هناك نحو شهرين، ثم قفل إلى الرياض وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. وفيها في أول أربعانية الشتاء بدأ طلع نخيل القصيم وصار لقاحها في شدة البرد فشيصت جميعها ولم يبق من فرائد نخيلها الا ما يبلغ قد سبع وزان، وتعرف هذه السنة بسنة الشيص، والله علي كل شيء قدير.

стр. 205

وفيها ولد توأمان بجسدين ورأسين قد التصقت بينهما عظمة الجبهة فكانا يمشيان معًا ببدنين مفترقين ويجمعهما عظمة الجبهة، وعاشا ثلاثًا وستين سنة والله على كل شيء قدير وقدرة الله صالحة. كما أنه ولد في أمريكا مولود بأربع عيون فسبحان الله المتصرف في خلقه علي وفق مراده. ذكر من توفى فيها من الأعيان ونبدأ بالأهم فالأهم وهم هؤلاء المذكورون، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، الشيخ أحمد بن مشرف، وسعود بن محمد بن سعود وعثمان بن علي بن عيسى، أمير عنيزة عبد الله آل يحيى آل سليم، أمير الجبل متعب بن عبد الله بن رشيد. وفاة الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ وهذه ترجمته هو الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر الفاضل وقدوة الأفاضل وعين الأماثل، رئيس الموحدين وقامع الملحدين، وخاتمة المحققين وفخر الواصفين مفيد الطالبين ومرشد المتعلمين، الذي أحيا مدارس العلم بعد رسمها الداثر، ورد عصر العلم في الشباب بعد ما صار في سن الأكابر، واحتفلت بدروسه المدارس والمساجد، واحتاج إلى تفريغ منطوقه أهل الفضائل والفوائد، رئيس قضاة المسلمين، ومفتي فرق الأنام من الموحدين، جامع العلوم الشرعية ومحقق الأحاديث النبوية، البحر الغزير والسميدع النحرير، الموفق للصواب في الجواب، عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب وأدخله الجنة بغير حساب ولا عذاب، فلله دره من إمام عالم عامل، وعلى من لا يعرف قدر هذا الشيخ فلا يلم مترجمه لأن الإنسان عدو ما جهل، ولد سنة ١١٩٦ هـ في الدرعية. أما علمه فحدّث عن البحر ولا حرج بحيث أن جميع الذين تعلموا منه ممن أراد الله هدايته فإنه لا يلبث الا يسيرا حتى يكون فائقًا بفهمه ومرتفعًا بعلمه، وهؤلاء

стр. 206

تلامذته تنادي بهم البلدان ويشهد بها القاصي والدان ومن يغطي ضوء الشمس في وسط النهار، وما زال يتقدم حتى شاع ذكره وعلا قدره في الآفاق، كيف لا؟ وشجرته طيبة حتى بلغ سناها غاية الإشراق، فنسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وأوصافه العلى وبعلمه الذي وسع الأرض والسماء أن يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرًا. أما مشائخه الذين أخذ عنهم، فمنهم جده إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب الذي افتخرت به أمة محمد ﷺ على سائر الأمم، قرأ عليه في كتاب التوحيد من أوله إلى أبواب السحر، وقرأ عليه كتاب آداب المشي إلى الصلاة، وحضر مجالسه والقراءة عليه في البخاري والتفسير وكتب الأحكام بقراءة علي بن محمد عم المترجم وشيخه والقراءة عليه في المنتقى، وأخذ عن الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن فاضل وتعلم منه في السيرة النبوية، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن خميس علم الفرائض، وأخذ عن الشيخ أبي بكر حسين بن غنام صاحب التاريخ. وأخذ عن الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي وسمع على الشيخ محمد حياة السندي، والشيخ عبد الله بن إبراهيم القرضي الحنبلي. أما مشائخه الذين أخذ عنهم من أهل مصر فمنهم الشيخ العالم الكبير عبد الله بن سويدان لقيه بمصر وأجازه بجميع مروياته، وأخذ عن الشيخ حسن القويسني وأجازه أيضًا بجميع مروياته ودفع له كل واحد منهما نسخته المتضمنة لأوائل الكتب التي روياها بسندها إلى الشيخ المحدّث عبد الله بن سالم البصري شارح البخاري، ومنهم الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، أخذ عنه وأجازه وأخذ عن الشيخ محمد بن محمود الجزائري الحنفي الأثري مفتي الجزائر، وامتدح هذا الشيخ بحسن العقيدة وطول الباع في العلوم الشرعية، وأخذ عن الشيخ إبراهيم العبيدي المقرئ، وقرأ عليه في تجويد القرآن وأخذ عن الشيخ أحمد بن سلمونة، وكان هذا الشيخ يمتاز بحسن الأخلاق والتواضع مع ماله من اليد الطولي في القراءات، وأخذ عن الشيخ يوسف الصاوي، وأخذ عن الشيخ إبراهيم البيجوري وغيرهم.

стр. 207

وكل من هؤلاء أجازوه وقضوا له بالتقدم والفضل. أما تلامذته الذين أخذوا عنه فخلق كثيرون وجم غفير تعلم منه فحول من العلماء وتخرج عليه جهابذة من الأدباء والأذكياء فمنهم ابنه الشريف الحاوي لتالد العلم والطريف الشيخ الألمعي عبد اللطيف وتفقه عليه أيضًا الشيخ العالم القاضي في ناحية الخرج عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ وتفقه عليه أيضًا الشيخ العالم القاضي الفقيه حسن بن حسين بن الشيخ قاضي الإمام تركي في الرياض لكنه لم تطل مدته ﵀ ومات شابًا، وتفقه عليه أيضًا الشيخ العالم عبد الملك بن حسين بن الشيخ القاضي في حوطة بني تميم للإمام فيصل، وتفقه عليه. وأخذ عنه الشيخ حسين بن حمد بن حسين بن الشيخ وكان على قضاء الحريق لفيصل وتفقه عليه أيضًا حسين بن علي بن حسين بن الشيخ وكان هو القاضي في بلد الرياض للإمام فيصل وكان طويل الباع في علم العروض وله قصائد نفيسة، وأخذ عنه الشيخ القاضي عبد الله بن حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عنه عبد الله بن عبد اللطيف، وأخذ عنه أيضًا حسن بن علي بن حسين آل الشيخ، وأخذ عنه عبد الله وعبد العزيز وعلي وعبد الرحمن أبناء الشيخ محمد بن علي بن الشيخ، وأخذ عنه أيضًا أبناء القاضي علي بن الحسين وهما عبد الله وحسن. وأما محمد بن علي فكان من الطالبين المجتهدين، وكل هؤلاء المذكورين من ذرية الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وبارك في عقباه وجعلهم قادة يقتدي بهم في الخير، وهم من بيت المترجم؛ وأخذ عنه وتفقه عليه خلائق كثيرون من علماء نجد وقضاتها، فمنهم الشيخ العالم المشار إليه بالتعظيم والمتفق على قبوله عبد العزيز بن عثمان بن عبد الجبار بن شبانة قاضي بلدان منيخ، والزلفي، والغاط للإمام تركي ثم لابنه فيصل، وأخذ عنه أيضًا العالم المفيد ذو القول السديد والفعل الحميد الشيخ ناصر بن عيد القاضي في الرياض للإمام تركي ثم في بلد الحلوة.

стр. 208

وأخذ عنه أيضًا الشيخ العالم الورع ذو الإتقان الحبر محمد بن سلطان قاضي بلد عرقة للإمام تركي ثم لابنه فيصل. وأخذ عنه أيضًا الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن حمد الثمير القاضي في سدير للإمام تركي ثم كان قاضيًا في الزلفي للإمام فيصل. وأخذ عنه العالم الرباني الشيخ حمد بن عتيق القاضي في الحلوة ثم جعله الإمام فيصل قاضيًا في الإفلاج وناهيك به علمًا وزهدًا وورعًا. وأخذ عنه أيضًا الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم قاضي القصيم الذي شهرته تغني عن مدحه. وأخذ عنه الشيخ محمد بن عمر بن سليم ويعد هذا من فطاحل العلماء في القصيم. وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن جبر القاضي في منفوحة. وأخذ عنه الشيخ محمد بن إبراهيم بن سيف القاضي في حبل شمر عند بن رشيد إلى أن مات ﵀. وأخذ عنه أيضًا العالم النحرير الفقيه البحر الغزير عبد العزيز بن حسن بن يحيى القاضي في حريملا والمحمل للإمام فيصل. وأخذ عنه الشيخ ذو الدراية والعرفان محمد بن إبراهيم بن عجلان القاضي في الحريق. وأخذ عنه أيضًا الشيخ عبد الله بن علي بن مرخان القاضي في ضرما للإمام فيصل، وأخذ عنه الشيخ حمد بن عبد العزيز بن القاضي ومحمد بن عبد العزيز قاضي بلد ثادق للإمام فيصل. وأخذ عنه أيضًا الشيخ عبد الرحمن بن عدوان قاضي بلد الرياض في أيام عبد الله بن فيصل.

стр. 209

وأخذ عنه الشيخ علي بن عبد الله بن عيسى. وأخذ عنه الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى. وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع: وأما من أخذ عنه من العلماء ممن لم يل القضا فعدد كثير وجم غفير وناهيك بها منقبةً أن أولئك العلماء الفطاحل الجهابذة الرؤوساء إذا قيل من ينتمون إليه في العلم أجابت الألسن إلى عبد الرحمن بن حسن فجير الله المصاب بهذا الشيخ لأنه كما قيل في الأمثال: فما كل إنسان يعوضك غيره ... ولا ألف شخص يعدلون بواحد ذكر مؤلفاته وسعة علمه لما كان في سنة ١٢٣٤ هـ حمل إلى مصر مع آل سعود وآل الشيخ بأمر إبراهيم باشا لما عثا فسادًا في نجد فأقام المترجم بها إلى سنة ١٢٤١ هـ فرجع فيها لما أعاد الله الكرة للمسلمين بظهور الإمام تركي ففرح به المسلمون واستبشروا بقدومه وجلس للتدريس وأصبح موضع الإعجاب وانتفع الخلق بعلومه فكان ملازمًا للتدريس مكرمًا لطلاب العلم كثير الإحسان، لين الجانب، سمحًا كريمًا سخيًا وقورًا عليه السكينة كثير العبادة، عزيز القدر مستقيمًا، أمره مطاع لدى الخاص والعام، ومن أكثر من لزمه في مصر ونجد للطلب ابنه عبد اللطيف فضربت إليه آباط الإبل من أقطار نجد والأحساء. وألف مؤلفات حسنة مفيدة، منها قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين وهي حاشية على كتاب التوحيد، لم أر أحسن في بابها منها، ومنها فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد اختصره من شرح الشيخ سليمان بن عبد الله وأتمه لأنه لم يتمه، كتاب بيان المحجة، في الرد علي صاحب اللجة، كتاب بيان كلمة التوحيد والرد على الكشمير العنيد، كتاب المورد العذب الزلال، كشف شبه أهل الضلال، كتاب ما يحل وما يحرم من الحرير وهو في الحقيقة مفيد كبير من طالعه دله

стр. 210

على علمه الغزير، رد فيه على من أباح لبس المحرمة الروغان، التي ابتلي بها وبلبسها الناس في ذلك الزمان، وكتاب في الرد علي داود بن سليمان بن جرجيس العراقي، وكتاب في الرد على عثمان بن منصور، ونصيحة عظيمة في التقوى ورسالة في الزجر عن طلب العلم لغير الله. ولقد كان له من الرسائل والنصائح التي بثها في القبائل وازدهت بها المجالس والمحافل ما يضيق عنها الوسع، وقد من الله بجمعها وطبعها فظهرت في مجموع الرسائل والمسائل فلله الحمد لا نحصي ثناءً عليه، فمن أحب الاطلاع عليها فيجدها هناك، وكان كثيرًا ما يتعاهد أهل بلدان نجد بالرسائل والنصائح يذكرهم بأيام الله ويعلمهم ما يجب عليهم من أمر دينهم ويبين لهم نعمة هذا الدين واجتماع شمل المسلمين وما من الله به على أهل نجد في آخر هذا الزمان. قال الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر وقد كان متنبهًا فطنًا لدسائس أهل البدع، كتبت له مرة ودعوت له في آخر الكتاب وقلت في ختام الدعاء إنه على ما يشاء قدير، فكتب إلى وقال في أثناء جوابه أن هذه الكلمة اشتهرت علي الألسن من غير قصد وهو قول الكثير إذا سأل الله تعالى قال وهو القادر على ما يشاء وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شرًا وكل ما في القرآن وهو على كل شيء قدير، وليس في القرآن والسنة ما يخالف ذلك أصلًا أن القدرة شاملة كاملة وهي والعلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات، وإنما قصد أهل العلم بقولهم وهو القادر على ما يشاء أي أن القدرة لا تتعلق إلا بما تعلقت به المشيئة. قال وكتبت له مرةً أهنيه بقدوم ابنه الشيخ عبد اللطيف من مصر، وتوسلت إلى الله في دعائي بصفاته الكاملة التي لا يعلمها إلا هو، فكتب إلي فقال وقد ذكرت وفقك الله في وسيلة دعوتك جزاك الله غني أحسن الجزاء عن تلك الدعوات، قلت: وأتوسل إليك بصفاتك الكاملة التي لا يعلمها إلا أنت فاعلم أيها الأريب الأديب أن الذي لا يعلمها إلا هو كيفية الصفة، وأما الصفة فيعلمها أهل العلم بالله كما قال الإمام مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول؛ ففرق هذا الإمام بين ما

стр. 211

يعلم من معنى الصفة على ما يليق بالله فيقال استواء لا يشبه استواء المخلوقين ومعناه ثابت لله كما وصف به نفسه، وأما الكيف فلا يعلمه إلا الله، فتنبه لمثل هذا فالإمام مالك تكلم بلسان السلف، فانظر إلى سعة علومه ودقة انتباهه. ثم ذكر بن بشر ﵀ رسالة للشيخ المترجم بعثها إلى بلدان نجد في ذكر ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما كابده من عدم قبول الملأ والكبراء والفسقة لدعوته وهي عجيبة غريبة، ولولا خشية الإطالة لسقناها بكمالها. وكتب إلى الإمام فيصل بنصيحة يحرضه على إقامة الدين قال بعد البسملة: من عبد الرحمن بن حسن إلى إمام المسلمين وخليفة سيد المرسلين في إقامة العدل والدين وهو سبيل المؤمنين والخلفاء الراشدين فيصل بن تركي جعله الله في أعدادهم متبعًا لسيرهم وآثارهم آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم أخذ يقذف بالحق علي الباطل ويرمي الغي بسهام الرشد ولا تأخذه في الله لومة لائم، فكان جوابها من الإمام بعد البسملة: من فيصل بن تركي إلى من تصل إليه هذه النصيحة ويسمعها أن يعمل بما ذكر فيها ولا لأحد عذر لا من منع أو ردع، فلا يعذر حتى يبلغنا فإذا بلغنا من منعه فهو معذور والموجب أن حوائج الناس ما تقف عنا القوي يوصل حاجة الضعيف ويعين عليه بذكر حاله ولا بأس في هذا ويثاب عليه فتوكلوا على الله وافعلوا ما أمركم به وتأمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ويكون ذلك على علم وحلم، فإن جبنتم فالله حسيب عليكم وهو حسبنا ونعم الوكيل وصل الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ولما نكبت نجد في ولاية عبد الله بن سعود وجرى على الحكومة السعودية ما جرى بقضاء الله رب العالمين من تسليط الأعداء العثمانية والجنود المصرية، وكان أمر الله قدرًا مقدورا، فابتلي أهل نجد وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وهدمت البلدان وقتل الأبرياء وهتك العلماء فتشتت الشمل وفرَّ العلماء إلى الأقطار، كان من جملة الراحلين إلى مصر فبعث إليه الشيخ العالم عبد العزيز بن الشيخ أحمد بن ناصر بن معمر وهو إذ ذاك في البحرين بقصيدة رائعة يذكر فيها العهد القديم وما جرى

стр. 212

بعده من المحن والأحن والزلازل والكوارث وما حل في نجد من الدمار والخراب وتسلط الأعداء وشتات الشمل واذية أهل الدين بالقتل والأسر والنفي مطلع القصيدة: سلام عليكم دونه عدد الرمل ... يجدد ما تبقى البواكر والأصل وعدتها خمسة وعشرون بيتًا، فأجاب الشيخ عبد الرحمن عليها بهذه القصيدة التي أهاجت السواكن، وهي قوله: تخطت إلينا حين عنَّ لنا الوصل ... مفاوز نجد كلما انخفضت تعلو فتاة كمياس الغصون تمايلًا ... وقد أكملت فيها الملاحة والدل لها فاحم ضاف على الردف سابغ ... ووجه يضاهي البدر هابه العقل لها منزلٌ من بين حزوى ورامة ... ومن دون مرباها الصوارم والأسل أناخت إلينا عند إدراكنا المنى ... لعسر مضت من بعدها أربع تتلو فضمت وحيت ثم بشت وأسفرت ... عن الورد والياقوت واللؤلؤ المحل فقلت لها أهلًا وسهلًا ومرحبًا ... سلام عليكم دائمًا أبدًا يعلو الذ وأحلى من زلال على الظما ... وأبهى من الروض الذي صابه الوبل تحية مشتاق على البعد والجلا ... ولم يسله عنكم نعيم ولا أهل لأنكمو أهل الفضائل والتقى ... بكم قام فرع الدين وأغدودق الأصل فعادت وأبدت بالثنا لابن أحمد ... أبي وفي عالم فاضل سهل تخبر عن ذلك الفتى بفضائل ... تنبئ عنها الرسائل والرسل يناد مني بالبعد عنه كتابه ... لقد طاب ذاك الفرع أيضًا كذا الأصل وذكرتني يا ابن الإمامين معشرًا ... هم السادة الأنجاب والأوجد النبل صحبناهمو دهرًا نعمنا بظلهم ... علينا غمام بالغنائم تنهل وأيدلت منهم أوجها لا تسرني ... وجسمي بأرض ليس فيها لنا شكل فلما افترقتا ضل قلبي بأرضهم ... سوى عصبة قلوا فكنت بهم أسلو فيا لهف نفسي بأذكاري ولوعتي ... على أنجمٍ غابت فغاب بها العدل

стр. 213

فصبرًا على بعد المدى واغترابنا ... عسى باعتلاء الحق أن يجمع الشمل ويبدو محياها بنور مشرق ... ويرجع عقد الشرك والظلم ينحل وصل على المختار ربي وآله ... وصحب له والمقتفى نهجم يتلو وما زال مقيمًا لدين الله باذلًا جهده في نصرة التوحيد حتى أتاه اليقين، وكانت وفاته عشية يوم السبت ١١ ذي الحجة من هذه السنة. ولما توفاه الله تعالى وانتقل إلى جواره رثاه الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع الوهيبي التميمي بهذه القصيدة، وكان تلميذًا له: ترد رداء الصبر في حادث الأمر ... وفوض بتسليم مع الحمد والشكر فنعم احتساب المرء في حال رزئه ... ونعم أدراع الصبر في العسر واليسر لقد ساءنا ما جاءنا من مبلغ ... مشيع بها يهدي إلى السمع الوقر فصخت له سمعًا وألححت سائلًا ... بماذا ينادي والفؤاد على جمر فقيل ينادي أخطأ الله شره ... فإن إمام الدين أوفى على العمر فأزعج من ألبابنا كل ساكن ... وحرك أشجانًا بها عيل من صبر وأيقنت أن الأرض مادت بأهلها ... وإن الفضا مما بنا صار كالشبر لقد ظل أهل الحق من بعد موته ... حياري كأيتام أصيبوا على صغر فيا مهجتي حقًا عليه تفتتي ... ويا عبرتي خلي غرور الأسى تجري مضى عابد الرحمن نجل محمد ... مجدد دين الله عن وصمة الكفري فلا يبعدنك الله من شيخ طاعةٍ ... بعيد عن الأدناس ناء عن الكبر قوي بأمر الله شهم مهذب ... أشد لدى هتك الحدود من النهر تجرد للتدريس والحفظ دائبًا ... وأسقى غراس العلم في سائر العمر ففي الفقه والتوحيد بحر غطمطم ... وفي بحثه التوحيد نادرة العصر وفي النحو والتأصيل قد صار آية ... وكل فنون العلم أربى على البحر يجيب على التقوى جوابًا مسددًا ... يزيح به الإشكال عن مرتع الفكر فيضحي عويص المشكلات موضحًا ... بتحقيق أبحاث أدق من الشعر

стр. 214

فسل عنه في التوحيد تهذيبه الذي ... غدا بين تيك الكتب كالكوكب الدر وفي رده تشبيه كل مشبه ... من الملحدين المعتدين أولي الغدر إذا مبطل يأتي بتزويق شبهةٍ ... جلاها كما يجلي دجى الليل بالفجر ففي كل أقليم له الرد فانتهت ... تصانيفه في كل مصر وفي قصر ولما طغى علج العراق بجهله ... وغرره من لفقوه من الهذر رماه كما يرمي الرجيم بثاقب ... فراح ابن جرجيس على الذل والصغر وباء ابن منصور بإرغام حجةٍ ... ودحض فولى بالبوار وبالخسر وفي كل معنى وفر الله قسمه ... وفضل إله العرش يسمو على الحصر فلو كان يفدي لافتدته نفوسنا ... بأرواحها لو كان ذلك من أمر أو الأجل المحتوم يدفع برهة ... لزدناه من وقت به منتهى العمر ولكن أطواق المنايا قلائد ... بأعتاقنا لا نفتديها من الأسر لقد بان فيها النقص من بعد موته ... وموت أهل العلم قاصمة الظهر فكانوا كسلك قد وهى من نظامه ... فلهفي على أهل النهي الجلة الطهر فهذي علامات القيامة قد بدت ... ونقل خيار الناس من أعظم النذر فنرجوا إله العالمين يثيبنا ... ويجبر منا ما تصدع من كسر ويسكنهمو جنات عدنٍ مع الأولى ... سعوا في بيان الدين في العسر واليسر وما مات من كان المبجل شيخنا ... خليفته عبد اللطيف بن ذي القدر سمى رتبةً في العلم لم يتصل بها ... سواه ولم يبلغ سناها ذوو الصدر فكانوا أحق الناس في قول من مضى ... إذا ما انتدى للقوم في محفل الذكر إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر وأقلامه تجري على متن طرسه ... فتشفى أورام الصدر عن مغلق الحصر وإن طالب يأتيه يبغي إفادةً ... أزاح له الإشكال بالسبر والخبر وأنهله من بحره الجم نهلةً ... فراح بها يدري وقد كان لا يدري فلا زال يولي الطالبين من الهدى ... ويمنح أهل العلم من سيبه الغمر

стр. 215

يجدد منهاج الأئمة جددوا ... لدين الهدى فانضاح في البر والبحر هم القوم أحيوا سنة الدين واقتفوا ... منار طريق الحق بالسر والجهر فأحيوا سبيل الرشد بعد اندراسه ... وقد بذلوا فيه النفيس من العمر فأصبح منهاجًا قويمًا لسالكٍ ... وبعد الخفا أضحى يضاهي سنا البدر أولئك أشياخي وقومي وسادتي ... وهم قدوتي حتى أوسد في قبري لئن أصبحوا قد ضمهم بطن ملحدٍ ... وماتوا كرامًا موت ذي نجدة حر فقد خلفوا فينا تقارير ديننا ... ولم يغفلوا منه أقل من الظفر تغمدهم رب البرايا بفضله ... وأسكنهم من جنة الخلد في القصر وأحيا إله العالمين منارهم ... بسلطاننا الميمون بالمجد والفخر إمام الهدى عبد الإله بن فيصل ... سمام العدي نجل الغطارفة الغر كثير الأيادي في البوادي وحضرهم ... مبيد الأعادي بالمهندة البتر تولى أمور الخلق حقًا فساسهم ... سياسة عدلٍ غير جور ولا غشر يبيت إذا نام الهدان بهمةً ... يدبرها بالحرم والعزم والفكر وألبسه الرحمن جلباب هيبةً ... كما ألبس الفاروق بالباس والصبر وأن يأته ذو رفعةٍ وتكبر ... تضاءل كالعصفور أبصر بالحر إذا سار ينوي قريةً أو قبيلةً ... تقدمه جيش من الرعب بالنصر أدام له المولى الكريم اعتزازه ... وأيده بالنصر والعزم والقهر وبلغه من كل خير قوامه ... مع الأمن والتوفيق والسعد واليسر وسدده في كل حال وقاده ... بتوفيقه في ظاهر الأمر والعسر وأحسن حتم النظام صلاتنا ... على المصطفى والآل مع صحبه الطهر صلاة وتسليمًا يدومان ما سرا ... نسيم الصبا أو ناخ في أيكه القمري وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ أحمد بن علي بن مشرف ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الأديب الحجة الثقة المحدّث الفقيه المتقن
следующие страницы →