← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

القمر الصناعي في هذه السنة اخترعت روسيا قمرًا صناعيًّا يضاهون به القمر الدوار في السماء بزعمهم وكان إطلاقه في ليلة الجمعة ٢ ربيع الثاني ١٣٧٧ هـ ٢٥ أكتوبر ١٩٥٧ م. وهذا من آيات الله حيث تجد أناسًا في غاية المهارة والذكاء في المخترعات وعلوم الكيمياء والطبيعة ونظام الكون ومع ذلك لم ينتفعوا بعقولهم في أظهر الأشياء ولم يهتدوا بها إلى أجلِّ المعارف وهو معرفة الله بأسمائه وصفاته ومعرفة دينه ورسوله وعبوديته الظاهرة والباطنة التي علومهم كلها من أولها إلى آخرها لا نسبة لها بوجه من الوجوه. قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ فمن تكبر على الله ورسوله وتاه بعقله وكل إلى نفسه وعقله فلم ينتفع إلَّا بأمور ضئيلة دنيوية. وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾. ولله حكمة في إجراء هذه المستحدثات على يد أعدائه الدهرية الذين حاربوا الأديان السماوية وتمسكوا بقوانين اخترعوها من تلقاء أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان ولما ترقت معارف الناس في العلوم الطبيعية والكيماوية فوصلوا إلى علم الكهرباء واستخدامها من المواد الأرضية والمائية والنارية وغيرها من المواد المتنوعة والمخترعات الباهرة وحققوا علمها وفرعوا أعمالها ونتائجها بعدما اتقنوا أصولها وفرعوا أعمالها ونتائحها تارة بعد تارة ونجحت أنشأوا السيارات والطائرات والراديو واستخدموا الكهرباء للإِضاءة ودفع السفن البرية والفضائية وتبليغ الأصوات وإيصالها إلى المواضع البعيدة الشاسعة في أسرع من لمح البصر فمن العجائب اختراع الكهرباء تارة تستخدم للطبخ وتارة لتجميد الماء وتثليجه وتبريده وتارة لتسخينه وتارة لتبريد الجو وتارة لتدفئة الأمكنة والمواضع وتسخينها وتارة للتغسيل وأخرى لتسجيل الكلام وغير ذلك من تكبير الأصوات والمصالح

стр. 1612

التي لم يتوصل إليها المتقدمون في غابر الزمان بل لم تزل حقيقة الكهرباء ونتائجها الباهرة وأعمالها العجيبة في طي الخفاء والكتمان حتى ظهر المتأخرون على هذا العلم العظيم والكنز الثمين وإنَّ هذه المخترعات الناشئة عن الكهرباء يخبر بها الرسل عليهم الصلاة والسلام وتظل الأفكار حائرة بها كقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يطير الحديد". وقوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يكلم الرجل فخده ونعله ويخبره عصاه بما فعل أهله". وقوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله" (١). ويقول الله جلَّ ذكره: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾. وأخبر عن تقارب البلدان في آخر الزمان وغير ذلك في أمور الغيب وقد تقاربت البلدان ووقع ما أخبر به الهادي الذي لا ينطق عن الهوى وذلك بواسطة التلغراف اللاسلكي وجهاز الراديو والتلفون الهوائي وأصبح من في مشارق الأرض يكلم من في مغاربها، ولا غرابة أن يعلم الناس بخروج الدجال إذا خرج في ساعة واحدة كما ثبت في الحديث الشريف وقد استبعد المتقدمون علم الناس بخروج الدجال في ساعة واحدة وها قد توفرت المخابرات ووسائل الإِعلام وتقاربت البلدان بهذه الطائرات والسيارات واستعملت الآلة المسجلة بهذه الأشرطة حتى تمكن الرجل من أن يخبره مسجلة ما فعل أهله. ويروي لنا التاريخ عن رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي لما زار موسكو وجلس مع رئيس وزراء روسيا خروتشوف جرى في محادثاتهما أن قال رئيس وزراء روسيا: إنَّكم يا معشر العرب لم تعلموا ولم تظهر لديكم علوم وسأريك شيئًا عن معلوماتنا فكشف له عن بلاد سوريا حتى رآها بين

стр. 1613

يديه كأنها في مرآة فمرت سيارة في أحد شوارعها فدهست صبيًّا ثم فرت فقال له اضبط الدقيقة والساعة من اليوم والشهر فأخذها. فلمَّا رجع الرئيس إلى بلده سأل عن الحوادث فذكروا له أن منها صبيًّا أصيب بحادث سيارة وفرَّ صاحبها ولم يتوصلوا إلى معرفته فسألهم عن وقت الحادث وأخرج الورقة من جيبه فيها رقم السيارة بعد مجيئه فوجدوها وألقوا القبض عليها وعلى صاحبها بعد تعذر الوصول إلى معرفتها في بلدها. وكذلك التنقيب عن البترول واستخراجه من بطون الأرض فلم تتوصل إليه العقول البشرية إلَّا بعد مضي مئات الألوف من السنين أمَّا عن القمر الصناعي ومركبة الفضاء فلا تنكر أن يكون دوارًا باستعماله في الكهرباء فيكون كهيئة الطائرة تسير في الجو غير أنَّه لا ركاب فيه وتوصلت العقول البشرية إلى جعله على هذه الصفة ولا مانع من ذلك. أمَّا وزنه فقد قيل عن طريق الضبط بأنَّه ١٨٤.٣ رطلًا ويدور على ارتفاع نحو ٥٥٩ ميلًا من الأرض ويقول الخبراء: بأنَّه على بعد ٦٥ درجة من خط الاستواء وهذا بزعمهم يجعله فوق كل المعمورة تقريبًا. استطردت بعض الصحف في صفة إطلاقه بأنَّه لا يرى فوق أمريكا إلَّا في وضح النهار أو في ظلام الليل، وفي كلا الوقتين تكون رؤيته متعذرة ففي النهار بسبب وهج الشمس الذي يحول دون الرؤية على مثل هذ الارتفاع الكبير الذي يدور فيه القمر وهو أكثر من ٥٠٠ ميل وفي الليل لا يمكن رؤيته أيضًا بسبب وقوعه في ظل الأرض والوقت المناسب لرؤيته هو عند الفجر فقط أو عند الغسق. أمَّا سرعته فنحو ١٨ ألف ميل في الساعة ويدور حول الأرض كما يقولون كل ٩٦.٢ دقيقة وكان من النَّاس من يقول: الفضل في ذلك للخبراء الألمانيين الذين كانوا قد استعملتهم روسيا لديها لأنَّ خبراء الألمان بعد الحرب الأخيرة كانوا قسمين قسمًا لدى الأمريكيين وقسمًا لدى

стр. 1614

روسيا غير أنَّ روسيا تقول: إن معظم الخبراء الألمان الذين كانوا في روسيا قد عادوا إلى الآن إلى وطنهم ألمانيا ومن بقي منهم في روسيا فلا يعد وعمله القيام بالتدريس وأنَّ العلم في روسيا قد نضج واستوى وأصبح في روسيا جيل من العلماء الأفذاذ وقد قامت أمريكا تملأ الدنيا ضجيجًا ودعاية عن أبحاثها الجبارة لغزو الفضاء وأطلقت كذلك قمرًا صناعيًّا ويقدر أنَّ دوراته على ارتفاع ٣٠٠ ميل فوق الأرض وأنَّه بهذا الارتفاع عرضه لئلا يدوم إلَّا قليلًا لاستهدافه للخطر بصفته لم يرتفع مثل القمر الروسي ولقد اهتزت أسلاك البرق تنشر ذلك الحدث الكبير إلى آذان الناس في كل مكان وتقبل النَّاس الخبر بين مصدقين ومكذبين وبكل حال فإنَّ ذلك واقعة تبلبلت لها الأفكار لأنَّ الدول الكبرى قد ركبها الغرور فأصبحت تنادي بأنَّها تمتلك من الأسلحة ما يجعل سلاح الدول الأخرى كل شيء عندها وهذا محفوف بالخطر الأكيد. ولقد تأهبت الدول جميعها لتوحيد حركة القمر الصناعي وقياس سرعته وغير ذلك ثم أنَّها تكاثرت الأقمار الصناعية بعد ذلك ولقد طلب مني الشيخ سليمان بن عبد الله المشعلي الذي تقدمت ترجمته رحمة الله عليه في عام ١٣٧٢ هـ أي قبل وفاته بأربع سنوات أن أتتبع كلام العلماء الموثوق بهم على حديث: "لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه". . . إلخ، وقد تقدم عن قريب ورجاني رجاء أن أنظر في كلام العلماء على شرحه والحديث رواه الترمذي وهل يصدق هذا التكليم على أشرطة التسجيلات التي حدثت أخيرًا. وبما أنَّ الحديث رواه أيضًا الإمام أحمد والحاكم في مستدركه ورواية أحمد عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "آيات تكون قبل الساعة والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده". وفي رواية: "وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده".

стр. 1615

وقد وافق الذهبي على أنَّه شرط مسلم فلم أجد عالمًا شفى عليلًا ولا أروى غليلًا بل قال: الذين لم يترووا من القواعد إئها تكلم حقيقة ولا مانع من ذلك. وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بينما راع في غنمه عدى الذئب فأخذ منها شاة فطلبها حتى استنقذها فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع ليس لها راع غيري فقال النَّاس: سبحان الله، فقال النبيُّ ﷺ : "فإني أؤمن به" وأبو بكر وعمر وحديث الرجل الذي ركب البقرة فالتفتت إليه وقالت: لم أخلق لهذا خلقت للحراثة فإذا ثبت كلام البهائم. في قديم الزمان فوقوعه في آخر الزمان وأشراط الساعة لا يستغرب ولكن الذي يغلب على الظن ويفهم من مقاصد الرسول ﷺ في المغيبات وما حدث وما سيحدث أنَّ آلة التسجيل في هذا الزمان منطبقة عليها ولا ينافي كلام الشجر والحجر في آخر الزمان. كما ورد في الحديث الصحيح الذي اتفق عليه الشيخان: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فتقول الحجر والشجر: يا مسلم هذا يهودي خلفي تعال فأقتله إلَّا الفرقد فإنَّه من شجر اليهود" والفرقد نوع من شجر الشوك معروف ببيت المقدس وتلك الجهات وتأول بعض المتأخرين تكليم السباع للإِنس ما تشير به الكلاب المعلمة لاستكشاف أهل الجرائم وما تقوم به السباع المعلمة وإنَّها تخاطب فتفهم. وتؤمر وتنهى هذا الذي انتهى إليه علمنا في هذه المسألة. عمارة الكعبة عام ١٣٧٧ ه ـ في غرة رجب من هذه السنة لوحظ أنَّ هناك تشققًا في سقف الكعبة المعظمة العلوي وتصدعًا في جدرانها فبادرت الحكومة السعودية بتجديد السقفين وترميم التصدع وما تفكك من حجارتها. وأناب صاحب الجلالة

стр. 1616

لهذا العمل أخاه فيصل بن عبد العزيز فقام الأمير فيصل يعاونه جمع غفير من رجالات الشعب والإسلام فأصلح سقفها وأتقن العمل إتقانًا عظيمًا وكان الانتهاء من العمل في ١٢ شعبان ١٣٧٧ هـ وكانت ذكرى تاريخية وذلك يوم الأحد وقد حصل احتفال كبير في الساعة الثالثة صباحًا بالتوقيت العربي ودعي له سفراء الدول العربية والإسلامية بحيث حضر لذلك سبعة عشر قنصلًا ودعي هيئات من العلماء والقضاة وحضرات أصحاب السمو الأمراء والوزراء والمستشارون وجمع كبير من أعيان البلاد وعناصر إسلامية أخرى من شتى بقاع الأرض. وفيها في ليلة ٣/ ٢ حدثت سرقة في بريدة وتأذى الأهالي من ذلك حتى غاية ٢٠/ ٦ فزالت ببذل الأسباب وبذلك نذكر قول الرسول ﷺ : "من أصبح منكم آمنًا في وطنه معافًا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" وفي كلام الحكمة نعمتان مجحودتان الأمن في الأوطان والصحة في الأبدان ولا يعرف قدر الأمان إلَّا من هددته المخاوف فيجب على الحكام والأمراء ومن وكل إليه أمر من الأمور أن يقوموا بما أوجب الله عليهم فإنَّ الله تعالى سائلهم عن ذلك ولا بدَّ وقد قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ قال: لولا السلطان لأكل النَّاس بعضهم بعضًا ولولا العلماء لصار النَّاس كالبهائهم. وفيها في شوال قدم أمير البحرين سلمان بن حمد الخليفة حاكم البحرين إلى الرياض لزيارة أخوية استجابة لدعوة الملك سعود فقضى في الرياض ثلاثة أيام كان فيها موضع الحفاوة والتكريم. ولمَّا أن عاد إلى البحرين زار الظهران وتوقف لزيارة سمو الأمير سعود بن جلوي بمطار الظهران حيث كان في استقباله جمهور غفير من رجال

стр. 1617

الحكومة ووجهاء البلاد وأعيانها يتقدمهم سعود بن جلوي فأقام له صاحب السمو حفلة عشاء في مدينة الدمام دعى إليها حاشية الأمير والوجهاء والأعيان في المنطقة الشرقية. الوحدة بين مصر وسوريا هذه الموحدة هي التي أشرنا إليها فيما سبق وأسبابها لما رفضت مصر وسوريا مشروع إيزنهاور الذي حاولت أمريكا فرضه على الدول العربية بحجة ملء الفراغ في الشرق الأوسط وقضت الحكومتان عليه عقدت وحدة اتفقت أهداف الدولتين لها وتوحدت الأغراض حتى أطلقت الموحدة للشعبين في دولة واحدة سميت الجمهورية العربية المتحدة. وأعلن ذلك في القاهرة بتاريخ ١ فبراير ١٩٥٨ م الموافق ١٢ رجب من هذه السنة وأجرى الاستفتاء على دستورها المؤقت وعلى رئيسها في ٢١ فبراير في كل من مصر وسوريا فكانت الموافقة على الدستور وعلى انتخاب الرئيس جمال عبد الناصر لرئاسة الجمهورية العربية المتحدة إجماعيًّا. واختار رئيس الجمهورية له نوابًا من صفوة المصريين والسوريين وأنشأ مجلسين تنفيذيين في كل من الإقليمين ليساعداه في الحكم. والذي حدى بسوريا على ذلك هو خشيتها من أمريكا التي قامت تدفع تركيا لغزوها. وفيها هطل أمطار على جنوبي المملكة العربية السعودية وشمالها مشت منها الأودية وذلك في ٧/ ٥ ومن الغد هطلت أمطار على القصيم ديمة استمرت سبع ساعات وأكثر الناس من البعل في الصحراء. وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة الملك سعود بن عبد العزيز وكانت الأحوال هادئة ولله الحمد والمنة والفضل. ثم دخلت سنة ١٣٧٨ هـ استهلت هذه السنة وأمراء المملكة السعودية في وظائفهم فكان الأمير في مكة المكرمة عبد الله بن فيصل، وفي بريدة

стр. 1618

محمد بن بتال، وفي الحدود الشمالية عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد، وعلى حائل وما يليها عبد العزيز بن مساعد بن جلوي، وعلى المقاطعة الشرقية سعود بن عبد الله بن جلوي، ووزير الدفاع إذ ذاك هو صاحب السمو الملكي فهد بن جلالة الملك سعود وعلى المدينة المنورة عبد الله السديري، وعلى جده عبد الرحمن السديري. وهكذا ثم إنَّه عزل أمير بريدة وجعل مكانه في إمارة القصيم سعود بن هذلول فقدم إليها في الساعة الثانية غروبي تزيد خمس عشرة دقيقة صباحًا يوم السبت الموافق ٢٩ صفر. وكان سمو الأمير سعود بن هذلول بن ناصر بن سعود رجلًا عاقلًا أديبًا وقد مارس الأعمال فباشر عمله وكان مؤرخًا وله التاريخ المسمى تاريخ ملوك آل سعود كان قبل ذلك أميرًا في تبوك والحدود الشمالية الغربية ثم نقل إلى إمارة ينبع وما يليها ثم استقال وصار في معية الملك سعود ثم عين أميرًا في مقاطعة القصيم في هذه السنة وعمره ثلاث وخمسون سنة. وفيها جعلت الحكومة في إمارة مكة المكرمة سمو الأمير متعب بن عبد العزيز أخا الملك بدلًا من الأمير عبد بن فيصل. وفيها نبعت عيون في ضواحي مدينة بريدة تشتعل نارًا منها عين حوالي النقيب وأخرى حوالي أسفل الجبل الممتد هناك موضع يدعى المزيريرة كانت في السابق ملكًا لابن حمزة تبعد شمالًا عن المدينة بعشرة كيلومتر وقد بلغ الحفر عند حدوث الظاهرة ١٣٤٠ قدمًا وكان قطر المأسورة ١٢ بوصة. ومن عجائبها أن الماء عندما يصل إلى الإناء يكون في بياض شديد ثم لا يلبث إلَّا قليلًا حتى يتبخر وإذ أولع عود من الكبريت وألقى في مصبها فإنَّ الماء يتولع نارًا وبعدما ركبت القسامات والهواية في العين انقطع الهواء وصعب إشعال النَّار في الظاهرة ولكنه أمكن إشعال النَّار عن طريق الهواية

стр. 1619

عندما يكون الهواء ساكنًا فتشتعل النَّار ويرتفع لهيبها إلى ثلاثين مترًا مع الماء. وهذا من آيات الله أن يجتمع الماء والنَّار بالرغم من كثرة البعثات الجيولوجية فإنَّه لم يظهر البيان الحقيقي عن بحثها وتنقيبها لتطمئن القلوب غير أنَّ هذه التجربة تؤكد على أن أرض القصيم لا بدَّ أن تنطوي على شيء فهذه عيون تشتعل نارًا لما فيها من المادة الغازية وعيون أخرى أكثر من خمس كبريتية وكذلك يوجد جزء من أحجار بريدة تشع نورًا وفي تحت جزء من الأرض جبل من طين إذا وضعت قطعة منه على النَّار أحدثت صوت فرقعة الأمر الذي جعل الناس يفكرون في أنَّ هذا الطين لا بدَّ أن يكون فيه مادة بارودية. ذكر ما جرى فيها من الحوادث ففي شهري جمادى الأولى والثانية انتشرت الحصبة في نجد وكثرت الإصابة بها وكانت الأمة في قديم الدهر إذا انتشرت فإنَّهم يضادونها بالحمية وأشياء أخرى فما تلبث أن تفتك بالصبيان فما بين ناج وما بين هالك وتكون ضحاياها كثيرة غير أن الأطباء استطاعوا بتوفيق من الله لهم أن يضادوها بإبر البنسلين ونحوها فيقل خطرها وقد نشرت إحدى الجرائد السعودية كلامًا لبعض الدكاترة في الحصبة لا يخلو من فائدة وقرر هذا الطبيب أنَّ الحصبة يبدأ موسمها في منتصف الشتاء وينتهي في أواخره وإني لأعجب لهؤلاء الأطباء الذين كانوا في أنحاء المعمورة بحيث مع تقدم الطب في هذا الزمان لم يجدوا لها تلقيحًا كما وضعوا للجدري فإنَّ النَّاس قد وجدوا راحة في استعمال التلقيح ضد الجدري. وفيها قام بعض المنتسبين إلى الخير بالإنكار على بعض رجال الجهاد المرابطين في بريدة شربهم الدخان وتجولهم في مواضع من البلد فحصل من هؤلاء سوء تفاهم أي إلى المضاربة فيما بينهم فرفع الفريقان شكايتهم إلى الحكومة فبعثت الحكومة هيئة من ديوان المظالم للتحقيق في المشكلة التي تطورت وكان ذلك في آخر شهر محرم فاستمرَّ

стр. 1620

التحقيق إلى ٢٤ صفر بحيث قضت اللجنة بتأديب المعتدين من أهل الجهاد وتقويم ما جنوا على الخصم من الشجاج فنفذت الأوامر وانكفَّ النزاع وسكن كل متحرك ونظير ذلك ما جرى في السنة التي قبلها من قيام بعض آل سليم أمراء عنيزة على الأمير خالد وإطلاق النَّار عليه لضغائن قبل ذلك فبعثت الحكومة قوة يسيرة للنظر في الموضوع وانحسم الخلاف لسلامة الأمير وهدأت الأحوال كأن لم تكن وذلك بفضل ما استعملته الحكومة من السياسة نحو هذا الخلاف. وفيها في آخر النهار من يوم الأحد ٥ شوال هبت رياح شديدة كموج البحر بظلمة شديدة أقبلت من الغرب فأظلم الجو جدًّا حتى أضيئت المصابيح واستعملت أنوار السيارات لتوقفها عن المسير ثم كانت صفرة شديدة واستمرت أربعين دقيقة من الساعة العاشرة مساء بالتوقيت العربي إلى تمام الدقائق المذكورة ثم انفصلت عن مطر شديد صبت منه المزاريب بقوة ثم تجلت. وفيها في ليلة الأربعاء ٢٩ شوال هبت رياح كادت أن تدك البيوت في القصيم واستمرت من الساعة السادسة ليلًا إلى تمام الثامنة وثلاثين دقيقة. وفيها في ٢٠ شعبان حصل برد شديد ورياح وغبرة ونزل جليد على رياض البطين شمالًا وذلك في ٩ الحوت والله على كل شيء قدير. وفيها في يوم الأحد ٣ جمادى الثانية هطلت أمطار على القصيم واستمر الغيث وفي ٦ الجاري هطلت أمطار على سائر بلدان نجد والقرى. وفيها في ١٠ رمضان وما يليه نشأت فوضى في العراق وكثر القتل والهرج وألصقت بالعراق أمور شوهت سمعته جدًّا وشن عليه الأعداء الغارة واختلقوا له المشاكل وبغوا له الغوائل فإن كان ما قيل فيه صحيحًا فإنَّهم مستهدفون لعقوبة الله وبطشه وأن الله لا يهمل خلقه وإن كان كذبًا فلعنة الله

стр. 1621

على من افتراها وكنت أظن أنَّ الكاذبين يختلقون مثل ذلك. ذكر من توفي فيها من الأعيان لقد توفي في هذه السنة فطاحل من العلماء والرجال فمنهم صاحب السمو الأمير سعود بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل آل سعود. وهذا هو الذي يسمى سعود الكبير قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وكانت وفاته في مساء يوم الثلاثاء ١٦/ ٨ / ١٣٧٨ هـ على إثر سكتة قلبية عن عمر تجاوز ٨٥ سنة وقد أحدثت وفاته أثرًا عميقًا من الأسى في نفوس أهل هذه البلاد لما عرف به من حب الخير ومكارم الأخلاق والعطف على المحتاجين والتمسك بالشيم العربي. كان ﵀ صاحب دين وعبادة. متواضعًا على رفعة قدره. رأيته في بريدة أوائل جمادى الثانية من سنة ١٣٧٦ هـ في وقت كانت الأمطار قد غمرت المدينة فاستوقفني وجعل يسأل عن المشائخ وكان راكبًا في سيارته سائرًا إلى قصر الحكم في بريدة للاتصال بالأمير محمد بن بتال فسألته لأني لم أكن أعرفه قبل ذلك فقال: من المنتسبين إلى آل سعود من السموه يعني من الأسرة. فقال أحد رفقته لما أجلسني الأمير إلى جانبه في السيارة لأني كنت ذاهبًا إذ ذاك إلى الأمير محمد. قال هذا سعود الكبير فعرفته، وكان شيخًا قليل اللحم قد لوحته الشمس وذلك لأنَّه كان مشهورًا بسعود العرافة فعجبت لمكارم أخلاقه وكان لما أن توفي في هذه المناسبة وافق أن جلالة الملك سعود كان غائبًا عن الرياض فما أن وصل النبأ إليه حتى أمر أن تؤخر جنازته وقام مبادرًا فتوجه ليلًا بالطائرة الخاصة فوصل في الساعة الثالثة إلَّا ربعًا من صباح يوم الأربعاء ونزل مبادرًا إلى المسجد الجامع الكبير في الرياض وذهب إلى المسجد الجامع على رأس أفراد الأسرة المالكة فصلى المسلمون على الفقيد وشيعت جنازته إلى مقرها الأخير والخلائق يسمع لهم نحيب وقد تلقى جلالة الملك ونجل الفقيد محمد بن سعود الكبير وإخوانه التعازي من أفراد الأسرة المالكة ورجال

стр. 1622

الدين وأعيان ووجهاء الرياض وغيرهم من سائر المملكة. وفاة رئيس القضاة ففي الأسبوع الأول من شهر رجب سابع ٧ فقدت البلاد عالمًا جليلًا وركنًا كبيرًا من أحفاد مجدد الدعوة الإِسلامية في الجزيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو الشيخ عبد الله بن حسن وهذه ترجمته: هو الشيخ الإِمام العالم العلامة عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن حسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وعفا عنه. ولد ﵀ في أواخر سنة ١٢٨٦ هـ فنشأ نشأة طيبة وأنبته الله نباتًا حسنًا تحت رعاية والده الشيخ حسن بن حسين. ولمَّا أن ختم القرآن وأتقنه أخذ يطلب العلم ويتعلم من والده ثم سمت به همته إلى حلق المشائخ فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخذ عن الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن وأخذ عن الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود وكان هذا العالم مشهورًا بعلم الفرائض وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود وجد واجتهد فنبغ من بين الأقران وكان الملك عبد العزيز معجبًا به لما يراه من نجابته وعقله فكان يستصحب الملك في أسفاره وينتدبه لمهام الأمور ثم كان رئيس القضاة في المملكة العربية السعودية فكان مصدر الهيبة والحب والتعظيم ذا رجولة وغيرة أضف إلى ذلك عقلًا رزينًا وكان يحمل بجانب هذا علمًا وافرًا ونفسًا زكية طاهرة بعيدة عن الزخارف وسفاسف الأمور. ولمَّا أن تولى رئاسة القضاء أضيف إليه رئاسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هناك والإِشراف العام على المسجد الحرام وتعيين القضاة والأئمة والمؤذنين ومراقبة الكتب الواردة وكان له سمت العلماء ومهابة العظماء وطهارة الزهاد وعاش زمنًا طويلًا يقارب من قرن. لمَّا أن قدم مع جلالة الملك عبد العزيز إلى مكة المكرمة سنة ١٣٤٣ هـ تقلد عدة وظائف دينية هامة وكان قبل ذلك إمامًا في مسجد

стр. 1623

الإمام عبد الرحمن الفيصل في الرياض ثم كان إمامًا وخطيبًا في المسجد الحرام وحضر قتال جدة في معية جلالة الملك وآخر الوظائف رئاسة القضاة أسندها إليه لمَّا استولى على الحجاز بعد فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد تولاها ثلاثين سنة أو تزيد ولقد كان عالمًا وداعية إلى الحق وصلبًا في دين الله إذا اقتنع بعدالة قضية من القضايا لم يستطع أحدً كائنًا من كان أن يحوله أو يحول دونه ودون تنفيذها وكان في أحكامه لا يتأثر باتجاه أحد أو رأيه مهما كانت مكانة أحد من الناس، وكان ذا جاه عظيم ويسمع كلامه ويخضع لأوامره ونواهيه ولقد شغل هذا المركز الكبير الخطير فكان موضع الإِعجاب وصفة الأب الحنون والرئيس المنصف والحاكم العادل الذي لا تميل به الغرائز البشرية عن مناهج الحق والعدالة ولا تنطوي عليه مواطن الحيف والهوى. ولقد كان محبوبًا ومرهوبًا ولم يكن له أعداء بالرغم من وقته وهيبته وعاش عزيزًا كريمًا مهابًا ومات عزيزًا كريمًا مهابًا لم يستطع أحد أن سجل عليه طيلة حياته المديدة موقفًا واحدًا من المواقف التي تعيب العلماء أو تنال من مكانتهم في النفوس وكان محظوظًا لدى آل سعود لما قام به من حسن السياسة ودماثة الخلق وطيب السريرة، أضف إلى حسن تدبيره أنَّه قوي وذو صلابة في الحق والغيرة على الحرمات والتمسك بالمثل العليا وثبات على المبدأ مهما بلغت قوة التيارات التي تتقاذف حوله وما كان في قسوته في بعض المواقف وصرامته في بعض الأحكام ليكون مكروهًا والسر في ذلك حسن نيته. وقد رأيته مرة جاء لتفقد واعظ في المسجد الحرام لم يؤذن له في الوعظ وسألني عن أبي موضع كان يجلس فيه وقال: إن وجدته فأخبرني عن موضعه. فكان ربعة من الرجال قد لوحته الشمس عليه أثار الهيبة والتعظيم وحدثني الرجل الزكي المحب في الله عبد العزيز بن إبراهيم الحسين أنَّه اشترى بقرة له ولرفقته في الحج ضحى يوم عرفة ليذبحوها هديًا من الغد فوسمها في الرقبة وواعد الراعي أن يأتيه بها صباح الغد يوم العيد

стр. 1624

سوى أن الأيادي قد اختلفت فيها. ولمَّا أن حضر لأخذ البقرة وجدها ولم يجد صاحبها فلما أن أراد أن يأخذها ويذهب بها امتنع الذي كانت بيده وذكر أنَّه اشتراها فوقعت خصومة واشتكى إلى بعض الدوائر فكانوا يماطلونه يومًا بعد يوم فذهب إلى الشيخ عبد الله وانطرح بين يديه وقال: هذه صبيحة رابع يواعدوني وقد انقضى زمن الذبح ونحن فقراء بعت بالأمس عباءة لإِحدى النساء وأكلنا ثمنها فكيف نصنع اليوم فبكى لحالته وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل ثم ناوله عشرين ريالًا فضة تناولها من عن يمينه من أسفل قطيفة كان جالسًا في بيته عليها وقال: كلوها في هذا اليوم ودعى بأحد أنجاله كنت أظنه عبد العزيز ثم قال: خذ بيد هذا الشايب ولا تفارقه حتى يسلم بقرته كائنًا من كان. . . قال: فذهبنا من موضع إلى موضع ومن دائرة إلى أخرى وكان النجل يقول للمسؤولين عن أمر عبد الله بن حسن يسلم بقرته فما زال به من موضع إلى موضع حتى استلمها قال فقال لي آخرهم: أشكر فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن فلولا قيامه معك لم تحصل عليها إلَّا بعد شهر كاملًا قال فذبحناها عن أمر الشيخ وطفنا طواف الوداع وسرنا مسافرين. وكانت مجالسة ندوة حافلة يجتمع فيها علماء المسلمين من المشرق والمغرب لا سيما في مواسم الحج ويختلف إليه العرب والعجم للتعارف والتفاهم معه في المسائل الدينية والأحكام الشرعية التي تختلف وجهة أنظارهم فيها أو التحقيق في الأقوال التي ينسبها دعاة السوء إلى أهل نجد، فيستمع إليهم وإلى أقوالهم بكل هدوء ويجيبهم بما يقنعهم ويزيل عنهم الشكوك والأوهام ويزودهم بالكتب التي تشرح عقائد السلف الصالح وتوضحها. ومن جاء مسترشدًا أو مستوضحًا فإنَّه لا يخرج من عنده إلَّا مقتنعًا مطمئنًا على بصيرة وعلم. فرحمة الله عليه وجبر الله الإسلام بفقده. أمَّا تلامذته الذين أخذوا عنه فجم غفير فمنهم أخوه عمر بن حسن رئيس هيئات الحسبة في نجد وعالم كبير

стр. 1625

وعلم شهير والشيخ محمد بن عثمان الشاوي وعبد العزيز الشتري المعروف أبو حبيب والشيخ عبد الرحمن بن عقلا والشيخ فالح بن عثمان والشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام وخطيب المسجد الحرام والشيخ علي بن زيد والشيخ صالح بن سليمان بن سيف قاضي المضيق والمؤرخ الأديب عبد الغفور عطار والشيخ محمد بن داود والشيخ سليمان أباظة والشيخ سليمان بن عبد الله المشعلي وأبناؤه الثلاثة الشيخ محمد بن عبد الله بن حسن والشيخ عبد العزيز بن عبد الله والشيخ حسن بن عبد الله والشيخ علي بن محمد الهندي ومحمود شويل وأناس كثيرون. وممن توفي فيها من الأعيان عبد الله الرشيد، وهذه ترجمته: هو الشيخ الزاهد الورع الزكي الطاهر العالم المتعفف أبو صالح عبد الله بن رشيد الفرج بن إبراهيم بن زايد القفاري نسبه إلى قفار ولد في عام ١٣٠٨ هـ وتوفي في يوم الخميس الموافق ٢١ محرم من هذه السنة نشأ في عبادة الله لأنَّ والده مؤذن المسجد الجامع الكبير في بريدة وشرب من زلال ينابيع الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم فأثرت هذه البركة في المترجم. وبعد ما حذق في معرفة القرآن أخذ يطلب العلم، فأخذ عن الشيخ المذكور وأخذ عن الشيخ عبد الله بن فداء وأحذ عن الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد. ثم لازم الشيخين الإمامين عبد الله بن محمد بن سليم والشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأكثر الأخذ عنهما ولازم الشيخ عمر بن محمد واستمسك بغرزه في الحضر والسفر وأحبته مشائخه وقدموه في المجالس وذلك لأنَّه كان وليًّا لله محترمًا، ذلك لمَّا قام بهذا العبد الصالح من سلامة المصدر والأمانة والصبر على حلو الزمان ومره وكان يدرس عليه في الكتب الكبار السامية كالمغني، والشرح الكبير، والبداية والنهاية للحافظ ابن كثير وتفسير القرآن له، وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي وكان خطيب المسجد الجامع في بريدة، ولديه كتب كثيرة، غير أنَّه لم يتول وظيفة في القضاء ولا غيره لورعه

стр. 1626

وزهده ويحجم كثيرًا عن الفتوى ولا يتجرأ عليها لورعه مع عذل مشائخه له في الأحجام لأنَّه في درجة الفتيا والقضاء ويؤم في المسجد الجامع بالنيابة عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ويستخلفه الشيخ عمر لذلك وكان ملازمًا للاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وإذا أخذ في الخطبة أو القراءة فإنَّه يبكي ويُبكي من حوله وبكل حال فإنَّه من قوم كانوا فبانوا وختم به الزهاد وقلَّ أمثاله في العباد وأحبه الخاص والعام وقبله جميع أهل الإسلام فكان يتمتع بعقل وسمت عظيم. فأشهد بالله ما رأيت له عدوًا وذلك بأنَّه لم يؤذ أحدًا ولم يرزأ مسلمًا ولم يعب صاحبًا ولم يتكبر على أحد وربما ضمني وإياه مجلس فكان يقدمني ويحترمني كأستاذٍ له مع صغر سني فكنت بالنسبة إليه كحفيد له فسبحان من منَّ عليه بفضله ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقد توفي بكره صالح في ريعان الشباب وأعاضه الله بآخرين. ذكر أخلاقه الزاهرة وصفاته الباهرة رحمة الله عليك يا أبا صالح كنت مؤمنًا تقيًّا ووليًا لله زكيًّا متواضعًا لإِخوانك مرضيًا لأهل زمانك لا فظًا غليظًا ولا مازحًا ولا متهكمًا لا تغضب ولا تحرج ولا تحقد بل كنت حسن السريرة صبورًا على الفقر شكورًا لله في السراء تحب أهل الدين وتميل إليهم وتبغض في الله أهل معصيته وتشرف بك المجالس ويحبك القريب والبعيد ولا يملّك الجليس. كان المترجم رحمة الله عليه حليمًا وقورًا إذا رأيته ذكرت الرسول ﵊ وذكرت الصحابة والتابعين لهم بإحسان وذكرت السلف الصالح ورق قلبك لرؤيته وكان نظيفًا حبيبًا كريمًا لينًا سمحًا طلق المحيا مربوع القامة يميل إلى الطول أبيض أزهر له لحية كثة جميلًا محبوبًا كأنَّ الشمس تشرق من وجهه يتعفف في لباسه ويحب البياض من الثياب

стр. 1627

والمشلح وعلى الدوام يلبس شماغًا ولباسه دائمًا نظيف ولا يطلع على سره أحد وكان إذا جلس فإنَّه يقدم أهل الفضل على نفسه في المجلس ويتواضع ثم يأخذ في تذكر مشائخه وإخوانه الماضين ويترحم عليهم ويدعو لهم بشفقة ولهجة طهرها الله من النفاق والقلق فإذا ذكرهم فإنَّه يُبكي من حوله ولكلامه وقع في القلوب وقبول في النفوس ولا يحب القصص مثال ذلك أن يقول: كان الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم عالمًا رحمة الله عليه وألحقنا الله بآثاره كان يقول لأولاده كذا ويرشدهم ويبين لهم طريق الحق ويعظمه آل سعود ثم ينتحب ويقول الله المستعان قال النبيُّ ﷺ : "يذهب الصالحون الأول فالأول سبحان الله العظيم". يا أخي أن الحالة لتؤسف وأن الشيخ عمر كان محتسبًا في كثرة تدريساته وأنَّ عبد العزيز العبادي غفر الله له كان صابرًا محتسبًا وأظهر الله من تعليمه فائدة وأنَّه يا أخي ينبغي مساعدة أهل الدين ويشير بذلك لطلاب العلم إذ ذاك فإنَّهم كانوا في فقر مدقع وينبغي يا أخي لطالب العلم أن يجتهد ويجعل له نية طيبة لأنَّه يسعى في طلب وراثة الرسل والله يا أخي إنَّا نحب طالب العلم ونفرح بمجلسه ونرحب به إذا جاء إلينا للمطالعة أو يريد إعارة كتاب هذا الذي نقدر عليه ويا ليت أننا نملك شيئًا للمساعدة ولكلامه ذوق بحيث لا يجهر في الكلام ولا يكلف السامع ولا يمل مجلسه ولقد يرجى له أن يكون ممن قال فيهم النبيُّ ﷺ في وصف أهل الجنة: "ورجل رخيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال"، ونذكره عند قوله ﷺ : "خيار عباد الله الذين إذا رأوا ذكر الله"، ونذكره عند قوله ﷺ : "أغبط أوليائي عندي المؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة ربه وأطاعه في السر وكان غامضًا في النَّاس يشار إليه بالأصابع وكان رزقه كفافًا فصبر على ذلك ثم نقر بيديه فقال: عجلت منيته. قلت بواكيه قل تراثه ولما قيل يا رسول الله أي النَّاس أفضل قال: كل مخموم القلب صادق اللسان قالوا: صدوق

стр. 1628

اللسان نعرفه فما مخموم القلب قال: هو النقي التقي لا إثم عليه ولا بغي ولا غل ولا حسد وبالجملة فإنَّه من الرجال الذين يدافع الله بهم العذاب عن أهل الأرض". ولمَّا وقعت النكبة على أهل بريدة من جراء السيول التي ألقت البيوت على وجه الأرض مهدمة وتركتها خرابًا يبابًا حتى أنَّ المسلمين من قام يهدم أعالي بيته لعله أن يخف الحمل على الأساس واشتدت الكربة وعظمت الفادحة جعلت أتذكر أولياء الله الأحياء الذين يطفؤون غضب الرب ويرحم الله بهم العباد والبلاد فلم أرَ على وجه البسيطة ممن كنت أعرفهم سوى ثلاثة رجال هو أحدهم (١) ومن الغرباء الذين قال فيهم الرسول ﷺ : "طوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد النَّاس" وفي رواية: "يصلحون ما أفسد النَّاس" وفي رواية: "يصلحون ما أفسد الناس من سنتي" وكان يأكل من كسب يده لأنَّه كان خطاطًا ونسخ كتبًا بيده كثيرة وكان موضع الثقة في العقود والوثائق ونفع الناس وقد تأتيه مساعدات قليلة على مونة الدنيا من بيت مال المسلمين ونزر يسير من الأجواد وبكل حال فإنَّه يظهر نعمة الله عليه ولا يطلب الدنيا من أحد وقد لبث في طلب العلم ما يقرب من أربعين سنة قضاها في الدراسة والمراجعة. ولم تأخذه عزة النفس عن أن يأخذ العلم من أحد العلماء كائنًا من كان

стр. 1629

وآخر من أخذ عنه من المدرسين هو الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وقد جلس لتدريس تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم بعد وفاته حتى قدم الشيخ عبد الله بن حميد لذلك ولمَّا أن كان قبل وفاته بسنة حدث فيه ضعف وفقد كثيرًا من قوته وعزمه واستمرَّ ضعفه ثم أنَّه أغمي عليه في وسط النهار من آخر أيامه وهو جالس يتحدث مع بعض أحبابه وتوفاه الله ظهر يوم الخميس المذكور عن عمر يناهز الحادية والسبعين رحمة الله عليه وكان قد خلف أربعة بنين وله أخ تولى وظيفة الأذان في المسجد الجامع بعد أبيه وهو محمد بن رشيد كان جهوري الصوت وشجاعًا مقدامًا ولمَّا أن توفي المترجم تأخر تجهيزه لصلاة المغرب ونودي في الأسواق بوفاته واجتمعت الأمة من كل صوب وحدب وصلَّى عليه جمع لم يعهد مثله بحيث أنَّهم لما خرجوا به إلى المقبرة صلَّى عليه المسلمون الذين لم يحضروا الصلاة عليه في المسجد الجامع الكبير فلم يتمكن المصلون من متابعة الإمام في التكبير حتى كان هناك سبعة منبهين وضجَّ المسلمون وانتحبوا وبكوا عليه وترحموا وكان موضع قبره في المقبرة الجنوبية في بريدة فالله المستعان. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ محمد حامد فقي رئيس جمعية أنصار السنة في مصر كان الشيخ محمد حامد ناصرًا للسنة مجاهدًا في سبيل العقيدة السلفية مدافعًا عنها باليد واللسان والجنان وقد بدأ حياته بذلك. وأنَّه ليشكر على ذلك وإذا كان منتسبًا للسنة وناصرًا لها ومعاديًا لأعدائها ونجد في كلامه في مقدمة المنتقى وشرح التوحيد والبلوغ ما يدل على قوة تمسكه بالسنة وعيبه على أهل البدع، فما بال أعدائه من الحساد وأبناء جنسه ينالون من عرضه ويذمونه ويشوهون سمعته ولقد كانت مقدمته التي وضعها أمام شرح التوحيد آية في توحيد الله والثناء عليه ووصفه بما وصف به نفسه ووصفه به ورسوله ونعته الرسول محمدًا ﷺ بما يليق به. ثم قال: أما بعد فإنَّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مجدد القرن الثاني عشر قد قام

стр. 1630

بالدعوة إلى الله والجهاد في سبيل نصرة الدين الخالص صادقًا مخلصًا صابرًا محتسبًا وصمد لشياطين الجن والإِنس يرد عن الإسلام كيدهم ويبطل بساطع حججه وثابت عزمه وصادق قوله أباطيلهم ويقضي تشهب حقه المؤسر على الكتاب والسنة على دجلهم وضلالهم ويظهر بشموس أدلته زيوف غيهم وزخارف غرورهم وظلمات بدعهم وفساد أكاذيبهم وهم يقابلون كل ذلك من شيخ الإسلام بكل ما استطاعوا من سماجة وصفاقة ويقابلونه بكل ما يملكونه من عصبية وجمود على ما يغلغل في قلوبهم المنتنة من إرث عن الآباء والأجداد والشيوخ الذين اتخذوهم من دون الله أربابًا يجمعون له جموعهم ويجلبون عليه بخيلهم ورجلهم وأباطيلهم ومخترعات كتبهم التي ضاهوا أصدق الحديث وخير الهدي ويرسلون من ألسنتهم وأقلامهم وأيديهم حمم الغيظ الذي يأكل قلوبهم ويحرصون الحرص كله على إطفاء نور الله الذي أشعله شيخ الإِسلام ليهدي به الضال ويرد به الحائر. . . إلخ. وأطال ثم إنَّه امتدح آل سعود بما قاموا به من مساعدته وبذل الجهد في نصرة دعوته وبذلهم سواعدهم تحمل السيوف لإِعلاء كلمة الله حتى أظهر الله التوحيد ونشر العلم على ألوية الجيوش السعودية المظفرة وكتب الله النصر لشيخ الإِسلام ولقد امتدح المترجم شيخ الإِسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية وانتصر له وصاح ينادي أعوانه وذكر ما من الله به عليه من المقامات الدينية. وأشاد بذكره حتى أخرش والبنية من لا يكون في صفه وساق له ترجمة حافلة في مقدمة اقتضاء الصراط المستقيم وذكر أنَّه خرج في زمان أطفئت فيه أنوار الرسالة فقام بجد واجتهاد ولنصرة دين الله ورسوله وما زال هذا شأنه حتى أتاه الله الإمامة ليهدي النَّاس بأمر ربه إلى صراطه المستقيم. ولكنَّ النَّاس تلقوه بمثل ما تلقى سلفهم رسل الله لأن دعوته هي دعوة رسول الله إلى توحيد عبادة الواحد وإلى تخليص الإنسان من ذل عبادته

стр. 1631

للإِنسان وإلى رفع الإِنسان إلى درجات الكمال بتخليصه من أغلال ظلم الإنسان وهوى الإِنسان إلى أن قال: فصبر شيخ الإسلام وجاهد ونزل الميدان متسلحًا بقوة الحجة وذخائر كنوز الكتاب والسنة وفصاحة اللسان وثبات الجنان وشجاعة القلب وصدق العزيمة وقوة الإِرادة وإخلاص القصد لوجه ربه. ثم ذكر نبذة مما جرى من أعداء الشريعة عليه إلى أن قال: أمَّا بعد فهذا كتاب اقتضاء الصراط المستقيم قنبلة من أقوى ما ألقى شيخ الإسلام على حزب الشيطان من قنابل الحق والهدى ثم أطال بذكر فضله إلى أن قال فيها: أيها الناصح لنفسه الحريص على نجاتها من غضب الله ولعنته في الدنيا والآخرة اقرأ كتاب اقتضاء الصراط المستقيم واحرص على قراءته بتدبر وفهم وعقل سليم لتعرف ما عمَّ مجتمعك من شرور البدع والأهواء والشهوات فتنفيها عن نفسك وتنأى عنها بجانبك وتنجى بعد ذلك إلى الركن الوثيق والحصن الحصين. . . إلخ. وكذلك أيضًا امتدح الإمام ابن القيم رحمة الله عليه وبما أن هذين الإِمامين هما الميزان لمعرفة صلاح العباد من فساده فلا يحبهما إلَّا مؤمن ولا يبغضهما إلَّا منافق فإنَّا نشكر المترجم على مسلكه ذلك وقد لقي في سبيل الدفاع عن السُّنَّة وانتصاره لها أذىً ومحنًا فصبر واحتسب وظلَّ في كفاحه مستمرًا وأنشأ مجلة الهدي النبوي فكان لها أثرها الفعال بين المنتسبين إلى الدين في مصر والسودان وغيرهما من البلاد الإِسلامية كما أنَّه أقام في المملكة السعودية مدة من الزمن وأسهم عمليًّا في رفع مستوى الثقافة الدينية فيها بإصدار مجلة دينية أدبية اجتماعية كما أنَّها تهتم بنشر أخبار الحركة العلمية والأدبية في البلاد وكذلك اضطلع بهمة التدريس في المعهد العلمي الإِسلامي والوعظ والإِرشاد في الحرم الشريف زمنًا طويلًا. وزود المكتبة العربية الإِسلامية البعيدة عن شوائب البدع والخرافات بكتب قيمة نادرة قديمة وتصحيحها وإعادة طبعها ونشرها في العالم العربي

стр. 1632

الإِسلامي ولقد حضرت وعظه وإرشاده في المسجد الحرام أوقات الموسم غير مرة فلم أنتقده بشيء بل كان سلفي العقيدة مجتهدًا غير أنَّه والله يغفر له يتعاظم ويرى نفسه بالمكان الأسمى أضف إلى ذلك أني رأيت له كلامًا ذم به الشيخ الإمام العالم العلامة محمد منير آغا الدمشقي وسماه متعنتًا أو متطفلًا على العلماء وما حق محمد منير أن يسمى متعنتًا أليس الذي قد وقف نفسه لله تعالى وأشاد مباني السنة ونشر مؤلفات أهلها وعلق عليها تعليقات يشكر عليها وفسر مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتصر لها فهذه مآخذه بسيطة عليها ولكننا نقيم له عذرًا بأنَّه كغيره من العلماء الذين يحسد بعضهم بعضًا وبما أنَّنا لا نسمع بالمترجم فكذلك لا نسمع تنقصه لغيره قال ابن عباس ﵄ استعملوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغاورًا من التيوس في زربها رحمة الله على أموات المسلمين. وممن توفي فيها من الأعيان فوزان العثمان من الشخصيات البارزة في مدينة بريدة وهو فوزان بن عثمان بن فوزان بن صالح بن عبد العزيز بن سابق بن صالح بن فوزان من قبيلة الوداعين من الدواسر كان عاقلًا ممتلئ الجسم أبيض اللون شهد الطرفية والبكيرية وجراب في صفوف المسلمين وكان في تجارة عقيل إلى الشام والعراق ومصر ومن رجالهم الذين يتقيدون بالصلوات الخمس وكان صاحب الجلالة الملك عبد العزيز يقدر له مواقفه ويواسيه. ومن أنجال المترجم سليمان بن فوزان الذي سبق ذكره في المقاولات للمعهد العلمي ببريدة والمسجد الجامع الكبير والمستشفى المركزي فيها والمكتبة العلمية. وكانت وفاة المترجم في آخر ذي الحجة من هذه السنة رحمة الله عليه. إنَّ عقيلات المشهورين في تجارة الإِبل وغيرها يسافرون على ظهور الإِبل مستصحبين المواشي من الإِبل والخيل كل بحسبه ويتخذون ما يتطلبه

стр. 1633

السفر من قرب الماء والأحواض والمحال والحبال والخيام والأعمدة والفرش وأواني الطبخ وما إلى ذلك من الخدم كل على حسب مقدرته. فقد قيل إنَّ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام بلغت إبله التي ذهب بها مرة إلى الشام ستمائة رعية وكان زعيم العقيلات أو من زعمائهم ولكن الله سبحانه قدر على هذا التاجر بأن أصبح غنيًّا وأمسى فقيرًا في لحظة ذلك بأنَّها كسدت السكة المتعامل بها وهي أكثر ثروته فكان لا شيء ويروي لنا التاريخ أنَّ رجلًا اسمه ابن رومي من أكبر تجار اللؤلؤ بين الكويت والبحرين وقطر وما إلى ذلك يبيع ويشتري فقدر أنَّهم لما توسطوا في اللجة وحان وقت الغداء قدموا طعام الغداء الذي كان مؤلفًا من أنواع القثاء والبطيخ وما إلى ذلك فوضع صرة عظيمة من اللؤلؤ أمامه ولمَّا أن فرغوا من الطعام وقام لتغسيل يديه ورجع إذا بالخادم قد احتمل الخوان لم يظنها فيه ولم يعلم بها وقد اختفت من بين القشور وألقى جميع الفضلات في اللجة فسأل الخادم عن الفضلات فأفاد بأنَّه رماها في البحر فأسرها في نفسه ولما أن قربوا من الساحل قال لرفقته الذين كانوا في السفينة معه ما ينبغي أن نكون فريسة للأمة فتكسد بضاعتنا بيعوا علي أو اشتروا مني فلمعرفتهم بغناه باعوا عليه جميع ما لديهم وأخبرهم أن الوفاء بعد التصفية ولمَّا أن نزلوا في البحرين نفقت البضاعة لأنَّها لم توجد إلَّا عنده وباع بأسعار باهظة جدًّا حتى أعاد الله له الكرة وجعل أصحابه يعجبون من حظه ويقولون: إنَّ الأموال تتبع الأموال وحسدوه فوفاهم حقوقهم بعدما أخبرهم بنكبته وكيف أنَّه جلس يتغدى من أغنى الخلق ثم رجع لا يملك من مال الله شيئًا. وكثيرًا ما يجري على العقيلات مخاوف ومهالك فقد سار أناس من عقيل في زمن أسفارهم إلى مصر والشام والعراق فلما أن كانوا في الصمان وكانت إذ ذاك مهلكة ومقطعة لا ماء فيها ذهبوا لبعض حوائجهم وخلفوا أحد الرفقة وهو إبراهيم بن عمير الحجيلان في رحلهم ليحفظه وجعلوا بين يديه إبريقًا من

стр. 1634

الماء لأنَّ الصمَّان مضماة في لغة العامة فمرَّ به راكب بعير يحمل ماء كثيرًا فاعترض له إبراهيم وسأله قليلًا من الماء في إناء كان يحمله وقال له: انظر لحالتي في هذه الأرض المهلكة فردَّ عليه ردًّا قاسيًا وأبى أن ينعشه بشيء من الماء فقال: أحسن إليَّ فقد ذهب رفقتي ولا أعلم متى يرجعون فلم يعره اهتمامًا بل ذهب وتركه فرجع إلى رحله مكسوف البال ولمَّا أن وصل وجد كلبًا قد خلفه واحتفر حفرة يتمرغ في الثرى من شدة العطش فعلم ما أصابه ورق لحالته وصب له من الإِبريق رحمة له وثقة بالله بأنَّه لا يضيعه فقدر أن غمامة ساقها الله إلى المخيم فصبت ماءها بقدر منزلهم وجعل يغترف من الماء حتى ملأ جميع ما بين يديه من الأوعية ثم نشفت الأرض. أمَّا عن صاحب الجمل فقد عثر جمله بعد ذهابه ورجع إلى إبراهيم يقول: اشتروا الجمل فقد عثر وانكسرت بعض قوائمه فقال: إليك عني فلا رغبة لنا بالجمل وإنَّك معاقب بتركك رحمتي بهذه الأرض المهلكة فلما أيس الأعرابي من حياة الجمل تركه مسيبًا وذهب لعلمه أنَّه سيهلك ولمَّا أن رجع الرفقة من آخر الليل وجدوا الجمل بآخر رمق فنحروه وأكلوه وفي ذلك عبرة لمن كان له قلب وأنَّ المسلم ينبغي له مساعدة أخيه إذا احتاج إليه ونظرًا إلى أنَّ الله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا. رجعنا إلى ما نحن في صدده، فممن توفي فيها أيضًا من الأعيان الشيخ طاهر الدباغ وكانت وفاته في رجب وطاهر هذا هو الذي جعل يكلم الحسين الشريف بالتليفون ويتحدث معه بشأن تنازله بينا أنَّ الحسين يضرب أخماسًا بأسداس بين مصدق ومكذب وكان طاهر مناصرًا للبيت الهاشمي في أيام الحسين بن علي ولمَّا أن أرادوا خلع الحسين وتولية ابنه علي وتأسس الحزب الوطني الحجازي كان طاهر هو سكرتير الحزب ولمَّا أدار الله دوائر السوء على الحسين وأولاده ونزحوا عن الحجاز فرَّ طاهر وبعض الشخصيات الكبرى إلى الخارج إلى مصر وبورتسودان ومصوع وذلك لما

стр. 1635

سلم علي بن الحسن لابن سعود فأقام مبعدًا إلى ١٣٥٤ هـ ولمَّا أن استصدر الوزير المفوض في بغداد إبراهيم بن معمر من صاحب الجلالة الملك عبد العزيز عفوًا عامًا لطاهر وأصحابه لم يرَ الملك عبد العزيز بذلك بأسًا فأصدر في ١٣٥٣ هـ مرسومًا ملكيًّا برقم ٢٣/ ١ / ١٩ بالعفو عن جميع المبعدين وإلغاء التدابير المتخذة ضد بعض الممنوعين من دخول البلاد والإِقامة بها أو العودة إليها فهاب جميع المبعدين خوفًا من أن ينكل بهم صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن غير أن طاهر الدباغ ومحمد عبد الله صادق رجعا ليلقيا بأيديهما إلى ابن سعود وينطرحا بأعتابه وذلك بعد ما نشر في الصحف المصرية حل حزب الأحرار الحجازي وإنَّما خافوا قياسًا على ما طبع عليه أمراء الحجاز من التنكيل بالمجرم ولكن رئيس الحزب طاهر الدباغ استعدَّ بأن يضحي بنفسه فيكون هو أول المسافرين ولما أن قدما على صاحب الجلالة تلقاهما بالعفو والترحيب وهكذا الرجال يعفون عند القدرة فخطب طاهر خطبة بليغة بين يدي صاحب الجلالة وعاهد على السمع والطاعة وأعرب بها عما قضاه الله وقدره عليه من الغواية وإن الخجل بلغ به إلى حد بعيد وأن الحيرة وسوء التدبير قضت بذلك وأنَّه تاب ونزع وقال في خطبته: إن هذا الخادم المخلص الماثل الآن بين يدي جلالتكم والخجل أخذ منه كل مأخذ ليعترف في كثير من الأسف بأنَّه كان بعيدًا عن معرفة ما خصَّ الله به جلالتكم من مزايا سامية وأخلاق عالية وسجايا علوية وشمائل مصطفوية جعلتكم أحق الناس طرًا بتبوء هذا العرش العربي العزيز على الأمة العربية. وأطال إلى أن قال: فإذا أخطأنا محجة الصواب فيما مضى فوالله لنتمسكن بها إن شاء الله بعد إذ هدانا الله إليها تمسك من يعتقد أن في الخروج عنها خسران الدنيا والآخرة وأنا منذ وفقنا الله للعودة إلى أحضان الحق قد عرضنا عهدنا بالسمع والطاعة والإِخلاص خطيًا لا عتاب جلالتكم السامية بواسطة خادم جلالتكم المخلص القائم بأعمال مفوضية

стр. 1636

جلالتكم ببغداد. واسمحوا لي يا صاحب الجلالة بأن أعيد هذا العهد بين يدي جلالتكم تقريرًا لغرض ديني محتم وواجب وطني لازم فأقول لكم علي يا صاحب الجلالة عهد الله وميثاقه على السمع والطاعة في السر والعلن فيما أحببت وكرهت وعلي أن أكون مخلصًا لجلالتكم ولأولياء عهودكم ولهذا البيت السعودي الكريم إخلاصًا تامًّا ظاهرًا وباطنًا في السراء والضراء في كل الأحوال أوالي من واليتم وأعادي من عاديتم وأسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم والله على ما أقول وكيل وهو حسبي وكفى بالله شهيدًا إلى آخرها، والخطبة عجيبة غريبة. أمَّا ما كان من خطبة الشيخ عبد الرؤوف الصبان بين يدي جلالة الملك فإنَّه باح بما لديه من الاعتراف بخطئِه وأعرب عن صفات الملك عبد العزيز وقال في معرضها: إني يا مولاي الخادم المقر بذنبه والمعترف بإثمه والمذعن لأمر مولاه وها أنا بين يدي جلالتكم فإن عاقبتم فبعدلكم وإن عفوتم فبفضلكم وجلالتكم على كلتا الحالتين محمود العمل مشكور الفضل، وهي طويلة عظيمة لولا خشية الإِطالة لأتينا بها. وقال فيها: وإنَّا لنود يا مولاي لو كشف لكم عمَّا جعله الله في قلوبنا لجلالتكم من حب صادق وإخلاص تام وإجلال وإكبار لما خصكم الله به من مواهب عظيمة وأخلاق رضية كريمة حتى ننال الشرف الأعظم بنيل ثقتكم ورضاكم وهما غاية أمنيتنا ومنتهى ما نرجوه. إلى أن قال: والله على ما نقول وكيل، وأتى بشيء عظيم من الترحم والاستعطاف على ما تستطيعه الطاقة البشرية ولله در القائل: رايتك محض الحلم في محض قدرة ... ولو شئت كان الحلم منك المهتدا وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وقد بعث الأمير عبد الله من شرق الأردن إلى وكيل حزب الأحرار عبد الحميد الخطيب يستنكر هذا وهل رجوع طاهر على علم منه وأن ذلك

стр. 1637

يجرح عواطف الهاشميين فبعث عبد الحميد للأمير يقول: نعم سافر لأن ابن سعود عرف كيف يستميل خصومه بينما إنكم لم تستطيعوا الاحتفاظ بأصدقائكم. ولما أن قدم طاهر الدباغ ومحمد عبد الله صادق ووقفا أمام حضرته مستغفرين ونادمين قال لهما: عفوت عنكما عن الماضي وإنِّي أريد منكما أن تعاهداني على الإخلاص للدين والوطن وأمَّا شخصي فدعوه جانبًا. وبعد المعاهدة قال: لا شك إن المعارف هي أساس نهضة الأمة وهي قلب الدولة النابض ولذلك فقد أمرت بإسناد مديرية المعارف العامة في المملكة العربية إليك ليعلم الناس إنا وضعناك في قلوبنا ثم أسند أيضًا مديرية إحصاء النفوس العامة في المملكة العربية إلى محمد عبد الله صادق. ولمَّا أن تولى المترجم إدارة المعارف أدارها إدارة حسنة وفي إدارته تأسست أول مدرسة ثانوية باسم تحضير البعثات ومهمتها إعداد شباب البلاد المتعلم للتعليم الجامعي وقد نمت هذه الدوحة وأثمرت وأنتجت جيلًا من الشباب المتعلم الذي شغل أعلى المناصب وأهم المراكز في الدولة وكان قد عُيِّن بعد ذلك عضوًا في مجلس الشورى فشغل هذه الوظيفة. وما زال من أعيان الحجاز حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة. وممن توفي فيها من الأعيان الأستاذ رشدي ملحس وكانت وفاته في يوم الأربعاء ١٢ رجب وكان وزيرًا مفوضًا ومدير الشعبة السياسية ويسمى رشدي بك ملحس كان أديبًا بحاثة بدأ حياته في هذه المملكة العربية السعودية كمدير ورئيس تحرير في جريدة أم القرى وكان مولعًا بالأبحاث التاريخية فنشر في جريدة أم القرى أبحاثًا تاريخية عن تاريخ هذه البلاد وحقق كتاب تاريخ مكة للأزرقي وأعاد طبعه ونشره بين الناس بعد أن كان الكتاب نادرًا لا يحصل عليه إلَّا عند من يقتني المخطوطات النادرة وكانت مدته التي قضاها في جريدة أم القرى معبرة عن نشاطه وبعد أن انتقل إلى الشعبة السياسية بديوان الملك انصرف بكليته للأعمال الرسمية والشؤون السياسية

стр. 1638

وبالرغم من انهماكه في الأعمال السياسية كان على صلة تامة بالمطبوعات الحديثة لا سيما ما يتعلق بالتاريخ. فالله المستعان. وممن توفي فيها من الأعيان الدكتور عبد الوهاب عزام ذكر عنه أنَّه كان شخصية علمية راقية في العلم العربي والإِسلامي وأنها حزنت عليه الأمة العربية عامة لأعماله التي قام بها في حقول الإِسلام والعروبة والسياسة لكونه من القلائل الذين جمعوا بين ثقافة الشرق والغرب وإتقانه اللغات الغربية والشرقية والفارسية والأردية ويوصف بأنَّه كأول مدير لأول جامعة في البلاد السعودية إلى غير ذلك مما عرف عنه من الثقافة والوعي فالله المستعان. وفيها في آخر يوم من محرم سافر رئيس مجلس الوزراء وولي العهد فيصل بن عبد العزيز إلى القاهرة فوصلها واستقبل استقبالًا حافلًا فاجتمع بالرئيس جمال عبد الناصر وأمّل المسلمون من هذه الزيارة كل خير كما أنَّ العرب في شتى الأقطار ليعلقون على هذه الرحلة بعبد الله أكبر آمالهم لخير بلادهم. وفيها في يوم الاثنين ١٥ ذي الحجة نبعت عين في جنوبي مدينة بريدة وكان ظهورها والحفر في ١٤٠٠ دراع وكانت قوة الماء باهرة ونفقة هذه البئر مساهمة من بين القائمين والمشتركين فيها وهم أهل المحلة لسقيا بيوتهم وقد ساعدهم على ذلك بعض الأجواد من خارج المقاطعة. والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وتكلفت مصروفات هذه البئر وشبكتها التي مدت إلى البيوت بتسعين ألفًا من الريالات كما أنَّها نبعت عين في واحة النخيل الجنوبية الغربية التي تتصل في موضع السباخ وكانت آية في قوتها وكثرة مياهها العذبة المتدفقة رغم أنَّها انفجرت من مبلغ ١٢٠٠ ذراع فللَّه الحمد على ذلك لا نحصي ثناء عليه. وفيها وقع حوادث مؤسفة منها أنَّ الملك حسين بن طلال كان متوجهًا

стр. 1639

من الأردن بطائرته الخاصة إلى سويسرا لقضاء ثلاثة أسابيع في أوروبا للاستجمام وقد توغلت طائرته قليلًا عرضًا في الأراضي السورية وهناك قامت بعض من طائرات الميج للجمهورية العربية المتحدة بالهجوم على طائرته مما اضطرها للعودة إلى الأردن. ولمَّا أن وصل إلى عمان أذاع بيانًا حارًّا يستنكر منه هذه المحاولة التي فهم منها كثيرًا أنَّه سيتخذ إجراءات حاسم لرد اعتباره واعتبار مملكته ثم دعى إلى البرلمان للاجتماع حالًا والنظر في هذا الموضوع الخطير. أمَّا راديو القاهرة فقد أذاع مكذبًا هذا النبأ زاعمًا أن طائرات الجمهورية العربية المتحدة كانت تقصد فقط إبعاد طائرته من سمائها حيث ولجتها من غير استئذانها ولا ريب أن هذا النبأ يؤسف لصدوره بين ملوك العرب ورؤسائها. وفيها عثر على أناس يقطعون السبيل ويأخذون أخاوة على الحجاج وغيرهم وكانوا يلبسون ثيابًا رسمية فألقت الحكومة القبض عليهم وحوكموا ثم أعدموا وهكذا يصنع بمن فقد الإِنسانية وعصى الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين. ومن الأمور المؤسفة ذهاب رجال خدموا الدولة بإخلاص وصدق ورجال دين وعلم خسرتهم الدولة وخسرتهم البلاد في هذه السنة وأصبحوا هدفًا للموت مضافًا إلى ذلك استمرار الأذى والتقتيل والتشريد على أهل الجزائر الذين كانوا فريسة لمخالب فرنسا في هذه السنة والتي قبلها ولكن أهل الجزائر لا يزالون صامدين ولنصر الله منتظرين يدافعون عن النفس والأهل والوطن. أمَّا ما يتعلق بالإصلاح والعطف فقد سار الملك سعود لزيارة المقاطعة الشرقية في ربيع الثاني ولمَّا أن وصل تفقد أهل تلك الجهة وأصدر عفوًا شمل المسجونين بتلك المنطقة في قضايا الحقوق الشخصية والديات حيث

стр. 1640

أمر جلالته بدفع المبالغ المطالبين بها من حسابه الخاص وأطلق سراحهم ولمَّا أن رجع إلى الرياض توافدت الجموع عليه وفي الساعة الثانية من صباح ٢١/ ٥ استقبل جلالته كبار المهنئين يتقدمهم رجال الدين وعلى رأسهم مفتي الديار السعودية صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم وأخوه عبد اللطيف وكان الحديث بينه وبين الشيخ محمد حول الجولة الملكية وكان يفيض بجميع ملاحظاته القيمة وفيما لاحظه أنَّ رجال الدين بحاجة إلى المزيد من المرشدين وذكر أنَّ كل شيء إلى زوال وما دمنا والحمد لله في نعمة جزيلة يجب علينا أن نشكر الله عليها وأن نحافظ على ديننا ونتمسك به لتدوم علينا. وبعد ما أديرت القهوة غادروا المكان فتلقاهم فوج آخر من الوافدين للسلام من بينهم وفد علماء الإحساء برئاسة فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم المبارك فتشرفوا بلقاء الملك وألقى الرئيس كلمة تضمنت التماس الفلاحين من أهالي الإحساء العفو عن القرض الملكي الذي منح لهم ١٣٧٤ فما كان من العاهل السعودي إلَّا أن تفضل وأمر بإعفائهم من دفعه وقد شمل هذا العفو كل فلاح سبق أن اقترض في المملكة ويقدر هذا القرض بسبعة ملايين ريال وبعد ذلك تقدم عدد كبير من رجال القبائل للتشرف بالسلام على جلالته ومن بينهم ماجد بن فهد أمير الشيتين وسجدي الهضل أمير الدعاجين ثم تلا هؤلاء جماهير الشعب الذين اصطفوا على جانبي الطريق يرحبون ويهتفون بحياته وقد رفع المزارعون برقيات الشكر له على هذه المنحة التي ساعدتهم على الزراعة وشجعتهم على المثابرة عليها. سد وادي حنيفة ففيها قامت وزارة الزراعة بإنشاء سد وادي حنيفة وتخزين مياه السيول ويقع السد في وادي حنيفة غرب الرياض بمسافة ١٢ كيلو تقريبًا عند تقابل وادي وبير بوادي حنيفة وقد كان ذلك السد محكمًا ويتكون من خرسانة عادية بمؤنة الأسمنت والبطحاء يعلوها ديش بمؤنة الأسمنت أيضًا ويعلوها

стр. 1641

طبقة من الخرسانة المسلحة ويمتد الفرش أمام السد ٢٩.٥ متر ويمتد الفرش خلف السد ٤٣٠.٠٠ مترًا والطول كله شاملًا أساس الفيض ٧٨ كما أنَّ العرض ١٥٦ مترًا وأنَّها لخطوة تشكر عليها وزارة الزراعة تحت أمر صاحب الجلالة الملك سعود أيده الله. نشاط الحركة الزراعية قد أشرنا فيما تقدم إلى نشاط الزراعة ونتكلم الآن عنها فنقول: لما كانت الأمة تعيش من أربع مواد في الغذاء وهي اللبن واللحم والماء ونوابت الأرض وها قد توفر الماء وأنبعته القدرة الإِلهية من أسفل أطباق الأرض حتى ملأ الصحاري وكثرت المستنقعات لذلك بادرت الأمة إلى استثمار هذه الثروة ولكن ويا للأسف أن هذه المياه لم تجد من يستغلها فأصبحت ثروة ضائعة بين الأمة لا يوجد من يهتدي إلى تصريفها سبيلًا. ولمَّا إن كان في صباح اليوم ٢٠ من ٤ في هذه السنة قام وكيل وزارة الزراعة المعروف بالشواء بجولة تفقدية لمنطقتي القصيم وحائل وقد رافقه فريد طه خبير الإرشاد الزراعي والمهندس الزراعي منير العجمي والمهندس الزراعي الشربيني وأنور زعلوك رئيس تحرير مجلة الزراعة، وما أن وصلوا إلى بريدة حتى اجتمعوا بأمير القصيم وأعيان البلاد ثم بمدير الموحدة الزراعية بالقصيم ثم توجه وكيل الوزارة لتفقد مزرعة الوزارة بالقصيم وكانت قد تأسست هذه المزرعة قبل هذه السنة بثلاث سنين غير أنَّها لا تزال متأخرة وتقع في أرض حكومية تجاور مدينة بريدة من الجهة الغربية وتمتد شمالًا وجنوبًا ويحدها من الغرب والشرق كثبان من الرمال وتدعى أرضها الموطأ وللوزارة أهداف عديدة في إنشاء المزارع النموذجية في المملكة منها إجراء التجارب الزراعية العملية على أنواع الأشجار لمعرفة أجودها، ومنها إرشاد المزارعين ليأخذوا من ذلك درسًا ومنها إجراء التجارب باستعمال الأدوية الزراعية المختلفة لمكافحة الأمراض والحشرات التي تصيب الزروع على اختلاف أنواعها إلى

стр. 1642

غير ذلك وأن مساحة الأرض التي أمكن إصلاحها واستثمارها وريها بالمياه المذكورة حوالي عشرة أفدنة ٤٠٠٠٠ متر مربع زرعت فيها أنواع الخضار كالطماطم المعروف بالبندورة والباذنجان والفلفل والباميا والبطيخ الحبحب والخيار وغير ذلك. ولقد حفر فيها بئر إرتوازية أخرى في زاوية الأرض الشمالية الغربية لعمق ٢١٦٠ قدمًا وتفجرت المياه ساخنة نوعًا وكبريتية ووزعت الزراعة من المساعدات نوعًا ما وقد تفقد الوكيل مزارع البدائع والرس والخبراء ورياض الخبراء والهلالية والدغمانية حيث مزارع آل الراشد التي حازت كثيرًا من الإِعجاب بحيث أنَّها أنتجت من الحبحب وحده ما مقداره ١٠٠.٠٠٠ ريال في هذه السنة. ولقد قام آل الراشد بالقصيم بمشاريع زراعية واهتموا بذلك واستطاعوا أن يثبتوا ماديًا وعلميًّا لمَّا رأوا أن استثمار الأموال في الزراعة يحقق أكبر الفوائد والأرباح وقد خصصوا جهازًا كاملًا يتكون من ٨ حفارات لأعماق ٢٣٥٠ قدمًا و ٢ حفارة لأعماق ٥٠٠٠ قدم وتعمل هذه الحفارات العشر بين الخبراء إلى بريدة وثلاثين تراكتور للحرث وإقامة العقوم و ٤ حصادات كبيرة و ٦ آلات تسوية وأراضيهم الزراعية في بريدة والبطين ولا تزال توسع تلك المعدات. إن القصيم والحق يقال بلاد متفرقة واسعة الأرجاء مترامية الأطراف مجهولة القدر لم تعرها المواصلات في هذه السنة اهتمامًا لكنها بعد ذلك لفتت النظر إليها لذلك شق في تلك الآونة على طريق سكان هذه المنطقة المواصلات لحيلولة الرمال بين بلدانها ولمَّا أن كان في هذه السنة طلبت الأمة من الحكومة منع الاستقطاعات وأن لا تكون تلك الرياض في البطين غنيمة قوم دون قوم بعدما رأت إقبال الأعيان على الرياض المجاورة لبريدة ورغبوا في أن تكون رياض البطين تباع على الأقوياء وترصد قيمتها لإِصلاح الطرق وتوسعة الشوارع وتعبيد الطرق وإحاطة المقابر فأسس مكتب لبيع أراضي البطين في هذه السنة وبيع بعض مما تبقى منها وشرعوا في إحاطة المقابر وتوسعة بعض الشوارع وتعبيد

стр. 1643

الطرق والعقبات التي لا تسلكها السيارات إلَّا بنصب ومشقة وقامت سيارات البريد بين العاصمة والبلدان الأخرى من القصيم تتردد وتجيء وتذهب إلى الأسياح وعيون الجوى وعنيزة والبدائع والمذنب والرس والبكيرية والشحية والهلالية والنبهانية والقوعي والشماسية وروضة الربيعي ووثال والشقة والقرعا وغير ذلك كالمريدسية والقصيعة واللسيب وحويلان وفيحان أو السباخ وخضيراء وإنَّها لخطوة متقدمة ونهضة عالية أن تكون بلدان القصيم مرتبطًا بعضها ببعض لجلب الأطعمة ونقل الخضروات والذهاب والإِياب سريعًا (١) وإذا كان غويمض والطعميات والمتنيات ورياض البطين قد امتلئت بالحبوب من قمح وذرة ودخان وغير ذلك فإنَّ حملها إلى العاصمة يشق على أهلها لصعوبة الطرق ومشقتها ولا سيما في أوقات الأمطار والسيول إذ البطيخ والقثاء واليقطين يكون هدفًا للخراب والتمزق ولقد حظي القصيم بميل الأسرة المالكة إليه وحفر آبار إرتوازية في الباطن والبطين وغيرها ولقد كان لسمو الأمير محمد بن سعود الكبير بئر إرتوازية في الباطن تسقي مزارع عظيمة هناك حيث تتدفق المياه العذبة يمنة ويسرة ولسمو الأمير متعب بئر هناك تقع في شرقي الباطن وتسقي زراعة عظيمة له هناك قد ضمت شيئًا عجيبًا من البرسيم والحبحب وشيئًا كثيرًا من الأشجار على اختلاف أنواعها كما أنَّ لسمو الأمير مشعل آبارًا في رياض القصيم مستقبلها زاهر كما قد احتفر الأمير فهد بن فيصل بن فرحان في البطين آبارًا إرتوازية وقد رأيت بئرًا إرتوازيًا في روضة أم زهر في البطين للأمير محمد بن عبد الله بن بتال جاءت على أحسن ما يرام في المنتوجات حتى لقد حدثني المزارع فيها عن آيات عجيبة ظهرت في تلك الروضة من البطيخ والعنب والرمان والقثاء والطماطم والباذنجان والدباء وغير ذلك ونحن نشير لرحلة ساقها الأديب عثمان شوقي

стр. 1644

الصحفي في زيارته للقصيم بحيث امتدح المواطنين السعوديين وأنَّه لم يرَ مثل مالهم ونحلهم وأخلاقهم الكريمة وعواطفهم فقال في يوم السبت الموافق ٤/ ٤ يعني من هذه السنة ٧٨ تسنى لي أن أقوم في رحلة صحفية إلى بريدة رحلة خاصة إلى العين التي ظهرت فيها بعض البوادر التي تدل على أنَّ في جوفها شيئًا من البترول أو ما يشبه البترول فامتطيت السيارة الخاصة إلى هناك لهذا الغرض فمكثنا يومًا وبعض يوم وقد كان بودنا أن نمكث أسبوعًا بعد أن رأينا بريدة وما تستحقه من طول الرحلة ولكن ظروفي الخاصة حالت دون ذلك فعدت أدراجي إلى الرياض مسرعًا ولكن بعد أن جلت فيها بعض الشيء وأخذت عنها فكرة وصورة موجزة عن واقعها ولذا سنكتب عنها بقدر إلى أن تتاح لنا الفرصة مرة أخرى لزيارتها وزيارة أكبر جزء ممكن عن منطقة القصيم العظيم وقد رأيت الأستاذ عثمان شوقي وزارني وجلس معي وكان سوداني الأصل والوطن لكنه يفيض أدبًا وبشاشة وعقلًا قال عن بريدة لما قدمها ورأى فيها ما يعجبه. بريدة جنة فيحاء ولكنها مجهولة ليست بريدة بحديثة العهد فيما نعتقد فإنها على أقل تقدير يرجع تاريخها إلى العهد القديم وإن لم يأت ذكرها في معجم البلدان والكتب التاريخية وربما جاءت هناك باسم آخر كما ذكرت بعض البلدان الأخرى القريبة منها. ويرجح بعض المطلعين على أن تاريخها يرجع إلى القرن العاشر ثم قال: تبلغ مساحة القصيم ٩٠٠٠٠ كيلومتر مربع كما يبلغ عدد سكانه برمته اليوم مليونًا بالتقريب أو يزيدون أو ينقصون قليلًا منهم مائة ألف يقطنون العاصمة بريدة التي كانت ولم تزل منذ عهد بعيد مرموقة المكانة في عالم الاقتصاد والتجارة والصناعة في أسواق الحبوب وصناعة النحاس والأحذية وإنتاج التمور وبيع الإِبل والأغنام. ولهذه المناسبة فإني أذكر أن كثيرًا من إخواننا السعوديين من أبناء القصيم ومنذ عهد طويل كانوا يزورون السودان زيارات

стр. 1645

تجارية كثيرة لشراء الإِبل من هناك وتصديره إلى المملكة بل يكادون أن يكونوا هم وحدهم من أبناء هذه البلاد الذين يزورون ذاك القطر العربي الشقيق المجهول من كثير من المواطنين على الرغم من الجيرة القريبة والقريبة جدًّا لهذه البلاد ولذا فلا بدع إذا كان كثير منهم يعلم شيئًا عن السودان على الرغم من جهل الآخرين له ثم ذكر اتصاله بالأمير سعود بن هذلول أمير منطقة القصيم وذكر من أخلاقه الأمر الذي جعله يؤمن كثيرًا بأنَّ شعب القصيم بأسره وأهل بريدة خاصة من ألمع نجوم شعب هذا البلد الكريم إلى أن قال: والماء في كل زمان ومكان من أهم العناصر التي تعني بها الحكومات والمسائل التي يهتم لها وبها حياة سائر الناس وقصة الماء في المملكة العربية السعودية من أكبر القصص التي تعتني السلطات الحكومية والجماعات والأفراد خاص عنايتها فانشغلت بها الأذهان ولا زالت منشغلة بها في كثير من المدن والقرى. ومنذ عهد ليس بالبعيد قرر بعض الخبراء الذين استقدمتهم السلطات الحكومية أن ليس بأرض بريدة الماء الذي يكفي حاجتها أكثر مما كان عليه فخاب أمل أهلها وحزنوا كثيرًا لهذه النتيجة وهم الذين يتطلعون إلى حياة أفضل وأوسع في مجال التطوير العمراني والزراعي. وما هي إلَّا أعوام قصيرة حتى انبثقت أرض بريدة وتفجرت منها المياه الغزيرة دافقة أدهشت النَّاس جميعًا وخاصة عندما يتذكرون تقرير أولئك الخبراء القاطع بأن ليس ببريدة الماء الكافي لسد حاجتها المطلوبة وعلى العكس من ذلك حدثني أحد أعيان بريدة البارزين في أنَّ لديه تقريرًا خطيًّا من أحد المهندسين الجيولوجيين البريطانيين اجتمع به منذ عشرة أعوام تقريبًا يشير إلى أن بريدة تنهض على نهر جار من الماء تحت الأرض وقد صدق عزم هذا المهندس بل كان أقل من الحقيقة التي شاهدتها بعيني وإني وإن لم أعرف شيئًا عن علم طبقات الأرض إلَّا أني أكاد أجزم أن أرض بريدة تقوم على سطح إحدى المحيطات العذبة الحلوة هناك ببريدة لأن أكثر

стр. 1646

من يأتي عين -أي بئر- كلها حلوة ذكرتني بالنيل الذي لم أذق ماءه منذ ثمانية أعوام ونصف حتى عادني الحنين إلى السودان ومنابع النيل العظيم ومرتع الأهل والأحباب شاهدت تلك العيون والماء يندفع من مواسيرها من غير أي قوة دافعة مواسير كان كل قطر لها ستة بوصات والماء ينساب من فوهاتها في قوة هائلة على امتداد الأرض يبلغ مداه الأدنى خمسة عشر مترًا ومداه مرتفعًا إلى السماء إلى خمسة وثلاثين مترًا ويقيني لو كانت هناك قوة دافعة كالكهرباء مثلًا لما فعلت واستطاعت أن تنقل مثل هذه الطبيعة الخارقة للعادة ولا أشك أبدًا أن هذه القوة المائية الطبيعية إذا اجتمعت في صعيد واحد لولدت قوة كهربائية عظيمة يحسدها مشروع السد العالي المزمع بناؤه بمصر. ومن هذا الماء النمير ومن هذه العيون الدافقة قامت مزارع ومشاريع زراعية كبيرة ورياض وبساتين لم تحلم بها بريدة من قبل وسوف يأتي الحديث عن هذه المزارع ومن هذه العيون تسعة عيون فقط يشرب منها سكان بريدة خمسة منها حكومية وأربعة أهلية فلم يخل أي بيت هناك من ماسورة ماء وبثمن بخس جدًّا ٣٥ ريال فقط في السنة من العيون الأهلية ثم قال: وكانت هناك حوالي خمس عيون معدنية كبريتية كشفت عليها السلطات الحكومية الصحية وتأكدت من أنَّها كبريتية. وهنا تذكرت حلوان الحمامات بمصر وتذكرت حماماتها المعدنية التي يؤمها عدد كبير من المصابين ببعض الأمراض الجلدية للاستحمام فيها من أجل الشفاء. والحالة هذه فإنَّ بريدة اليوم هي أعظم من حلوان مصر بعيونها الكبريتية هذه ولكنها لم تجد العناية بهذه الناحية والدعاية لها فقد تكون المدينة الأولى لا في الشرق فحسب بل المدينة الأولى في العالم الغنية بالمياه الكبريتية القاضية على الأمراض الجسدية. . . إلخ. هذا ما ذكره الصحفي عثمان شوقي السوداني ولا تظن أيها المنصف أنَّ في كلامه مجازفة فهي المدينة المجهولة المحسودة وأراك إذا تجولت فيها ورأيت تلك الدوائر والمؤسسات والشركات والأمم من

стр. 1647

الشام واليمن والهند والسند والفيليبين والكوريين والمصريين والعراقيين يطلبون الرزق فيها ويخدمون ويبنون تصدقني وأنَّها أصبحت الآن موضع الإِعجاب. ولله در الحافظ ابن القيم ﵀ حيث يقول في بعض المناسبات والأمثال تضرب للناس: فيا محنة الحسناء تهدي إلى امرئ ... ضرير وعنين من الوجد خاليا فقل للعيون الرمد إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل باديا وقال أبو الأسود الدؤلي الذي وضع علم النحو بأمر الإمام علي بن أبي طالب له ﵁ من قصيدة عظيمة: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم وترى اللبيب محسدًا لم يحترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم وكذلك كل من عظمت عليه نعمة ... حساده سيف عليه صروم ومن تأمل قصائد الشاعر العوني ولا سيما الخلوج فإنَّه يتبين له عظمة المدينة وقد قدمنا في ديباجة التاريخ شيئًا من ذكرها وتطورها. رجعنا إلى ما نحن في صدده. وفيها عين عبد المحسن الحمد التويجري مديرًا لفرع الزراعة في القصيم بدلًا عن عبد المحسن بن محمد بن سيف نظرًا إلى ما لعلَّ العناية في الزراعة تتحسن بمنطقة القصيم. وفيها أعيد فتح المدرسة العسكرية في بريدة وافتتح باب القبول للطلاب حتى في السنة الخامسة الدراسية والسادسة وللطالب مكافأة مقدارها مائة ريال مع الإِعاشة والملابس في القسم الابتدائي ومائتا ريال عدا الإِعاشة والملبس للقسم المتوسط وكان رئيس المدرسة الأستاذ حسن مستور من أهالي مقاطعة عسير وفيه مؤهلات وقد اتسم بالأخلاق الفاضلة رأيته لما

стр. 1648

زرت المدرسة وفي صحبتي الشيخ علي بن سليمان الضالع وأحد المشائخ ممتطين سيارتي الهيئة والمحكمة للوعظ والإِرشاد والتوجيه فكان مستوى طلبة المدرسة العسكرية حسنًا في الأدب والتقدير لمَّا صفهم على الكراسي وجلسوا منصتين وشاكرين، فعجبت لأدبهم ونجابتهم ولا ريب أنَّ الفضل للمربي والمشرف على أعمال المدرسة كما أننا إذ ذاك نذهب إلى المستشفى المركزي للاجتماع بالأطباء والممرضين والمراقبين والبوابين بتكليف من المحكمة الشرعية للتوجيه الديني والوعظ والإرشاد وقد وافقنا قبولًا وامتثالًا وذلك للخضوع لهذه المواد الثلاث المحافظة على الصلاة في الجماعة في مسجد المستشفى وعدم دخول النساء في المستشفى إلَّا بذوي محرم وعدم شرب الدخان جهرة، وجزى الله حكومتنا خيرًا في كمال المساعدة والتنفيذ. هذا ولا تزال الأمة في سبيل النشاط والنهضة المدنية الثقافية وقد دبت الحياة في الشعب السعودي وأقبل الأفراد يلتمسون الأعمال الهندسية من تلحيم في الأوكسجين وتصليح السيارات والمكائن وتصريف الحديد والقيام بالأعمال المهمة من النجارة الحديثة والصناعة وفتحت المعامل الحرة لصناعة الشبابيك والأبواب والديكور وأصبحت المدن والقرى تطالب وزارة الصحة ووزارة المعارف ووزارة الزراعة ووزارة المواصلات بحقوقها. وحج بالنَّاس في هذه السنة الملك سعود. استدراك: ذكرنا عودة طاهر الدباغ ومحمد عبد الله صادق وعبد الرؤوف الصبان وكيف نالوا العفو والثقة من جلالة الملك عبد العزيز فقد عاد أيضًا في تلك السنة المتقدمة كل من محمد الطويل رئيس الحزب الوطني الحجازي فشمله جلالة الملك بعطفه وأكرم مثواه وعينه ناظرًا لعموم جمارك الإحصاء وأقطعه أراضي زراعية واسعة وعاد أيضًا عبد الوهاب قزاز وعبد القادر غزاوي من

стр. 1649

سجناء الطائف فشملهما الملك برعايته وعين عبد القادر رئيسًا لنقابة السيارات ثم عضوًا في مجلس الشورى كما أن عبد الرؤوف الصبان نال من جلال الملك كل عطف وتقدير وعينه عضوًا في مجلس الشورى وكان لما قال صاحب الجلالة لطاهر الدباغ ومحمد عبد الله صادق: عفوت عنكم عن الماضي وإني أريد منكم أن تعاهدوني على الإِخلاص للدين والوطن، وأمَّا شخصي فدعوه جانبًا أجاباه إنَّا نعاهدكم على الإِخلاص لجلالتكم قبل كل شيء لأنَّ الإِخلاص لكم هو إخلاص للدين والوطن فسر بذلك جلالته ولا غرو أن تكون أعتاب الملك وأهل بيته مهوى أفئدة المؤمنين ومحط آمال طلاب المنعة من الموحدين كما ذكر هذه العبارة طاهر الدباغ في خطبته. بيان عن حج الماضي والحاضر إنَّ الله تعالى سهل الحج في آخر الأمر بل أنَّ الله تعالى سهل السفر ويسر طريقه وأنا أتكلم عن حجتنا للفرض عام ١٣٥٢ هـ ذلك بأنَّا لما أن عزمنا على الحج في تلك السنة أخذنا في الاستعداد منذ ٨/ ١١ إلى أن امتطينا الإِبل في ١٥/ ١١ ثمانية أيام ونحن نعد العدة بخرز القرب وإصلاح الهوادج وكسيها بالستائر وإصلاح ما ينبغي حمله للمسافر من زاد ومزود وحبال ودلاء وخيام ورحل وإبل وغير ذلك ولا تزال الأمة منشغلة في السفر تسهر ليلها وتستعد في الهاون ومدقته وأواني الطعام والقهوة من أباريق ودلال حتى ظهر اليوم المذكور فسرنا والرفقة جميعهم أحد عشر نسمة أمَّا رفقة السابلة الآخرين الذين يجمعنا وإياهم الطريق فمجموعهم سبعة عشر مؤلفين من خمس خبر ولمَّا أن سرنا على بركة الله شيعنا بعض الأحباب إلى جهة الغرب مولين وجوهنا شطر الكعبة نزلنا في موضع يعرف بالمدوية ولمَّا أن أقمنا في ذلك القاع آخر اليوم بتنا فيه وكنت أذكر أن بعض الرفقة نسي بعض الحاجيات فرجع أحدهم إلى المدينة ليأتي بها وبعد ما بتنا في ذلك الموضع سرنا من الغد حتى انتهينا مساء إلى قرية البدائع فنزلنا حواليها ونحن

стр. 1650

مطمئنون بوجود الماء وشراء علف للإِبل التي كانت تحملنا إذ لا يشق في الأسفار كقلة الماء فهو الذي قد تجري المنازعات في تحصيله وربما حصل من بعض الأعراب أذى لدى الآبار ومصانع طريق مكة وقد كانت السابلة من الحجاج كذلك يسيرون وتختلف الأمة باليسر والعسر والركوب والمشي كل على حسب مقدرته. فمن الخلائق من يكون راكبًا على الكور ورحله خرج مزركش ومزين بذباذب وميركه وخطام جميل ومنهم من هو أقل من ذلك حتى قد يكون الفقير يسير إلى مكة راجلًا فلا يحصل على الركوب بل يسير مع الأمة راجلًا. وقد نبه الله على ذلك بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ ومنَّا من يحتطب ومنَّا من يستقي الماء وآخرون يصلحون الطعام والقهوة ويحزمون العرى ويعلقون على الإِبل. ولمَّا أن كان في غداة ١٦ سرنا متوجهين إلى وجهتنا كان الحجاج هناك تسمع منهم إذا مشوا صياحًا وقطعوا مسافة ثلاث ساعات أو أقل أو أكثر ينادون ضحوا يرددون هذه الكلمة فينزلون إلى الأرض والمطايا واقفة على ظهورها الحمول ويتناولون ما تيسر من القهوة وشيئًا من الأكل القليل ثم يواصلون السير. فوصلنا إلى الحجناوي وهذه ثالث مرحلة فنزلنا هناك حوالي مزرعة، هذا والحجاج في أتم أهبة لتكبد المشاق. وقد وافق هذا الوقت من الفصول آخر الشتاء وشدة البرد في أوائل برج الحوت، ثم سرنا من ذلك الموضع إلى شعيب الأرطاوي بعدما مررنا بالقشيعين وعبيل المرو، ثم سرنا من ذلك الموضع حتى جزنا بجبل غير والمرة فوصلنا إلى الشبيكية وكانت هجرة ضعيفة لما قدمنا إليها كانت إبل السانية هزيلة فأبدلها بإبل أخرى وذلك كمساعدة ليشرب النَّاس وإبلهم ونجتاز في تلك الطريق باللعاعة وطفخة وضرية وكانت هجرة للبادية ويوجد فيها إذ ذاك شيء قليل من بيع الأغراض في دكان أو دكانتين فتجد الحجاج إذا مروا بهَا يتغنمون تفقد زادهم ليأخذوا زيادة أو يُودّعوا عند المطوع فيها ما كان مثقلًا
следующие страницы →