من يأتي عين -أي بئر- كلها حلوة ذكرتني بالنيل الذي لم أذق ماءه منذ ثمانية أعوام ونصف حتى عادني الحنين إلى السودان ومنابع النيل العظيم ومرتع الأهل والأحباب شاهدت تلك العيون والماء يندفع من مواسيرها من غير أي قوة دافعة مواسير كان كل قطر لها ستة بوصات والماء ينساب من فوهاتها في قوة هائلة على امتداد الأرض يبلغ مداه الأدنى خمسة عشر مترًا ومداه مرتفعًا إلى السماء إلى خمسة وثلاثين مترًا ويقيني لو كانت هناك قوة دافعة كالكهرباء مثلًا لما فعلت واستطاعت أن تنقل مثل هذه الطبيعة الخارقة للعادة ولا أشك أبدًا أن هذه القوة المائية الطبيعية إذا اجتمعت في صعيد واحد لولدت قوة كهربائية عظيمة يحسدها مشروع السد العالي المزمع بناؤه بمصر. ومن هذا الماء النمير ومن هذه العيون الدافقة قامت مزارع ومشاريع زراعية كبيرة ورياض وبساتين لم تحلم بها بريدة من قبل وسوف يأتي الحديث عن هذه المزارع ومن هذه العيون تسعة عيون فقط يشرب منها سكان بريدة خمسة منها حكومية وأربعة أهلية فلم يخل أي بيت هناك من ماسورة ماء وبثمن بخس جدًّا ٣٥ ريال فقط في السنة من العيون الأهلية ثم قال: وكانت هناك حوالي خمس عيون معدنية كبريتية كشفت عليها السلطات الحكومية الصحية وتأكدت من أنَّها كبريتية. وهنا تذكرت حلوان الحمامات بمصر وتذكرت حماماتها المعدنية التي يؤمها عدد كبير من المصابين ببعض الأمراض الجلدية للاستحمام فيها من أجل الشفاء. والحالة هذه فإنَّ بريدة اليوم هي أعظم من حلوان مصر بعيونها الكبريتية هذه ولكنها لم تجد العناية بهذه الناحية والدعاية لها فقد تكون المدينة الأولى لا في الشرق فحسب بل المدينة الأولى في العالم الغنية بالمياه الكبريتية القاضية على الأمراض الجسدية. . . إلخ. هذا ما ذكره الصحفي عثمان شوقي السوداني ولا تظن أيها المنصف أنَّ في كلامه مجازفة فهي المدينة المجهولة المحسودة وأراك إذا تجولت فيها ورأيت تلك الدوائر والمؤسسات والشركات والأمم من
стр. 1647
الشام واليمن والهند والسند والفيليبين والكوريين والمصريين والعراقيين يطلبون الرزق فيها ويخدمون ويبنون تصدقني وأنَّها أصبحت الآن موضع الإِعجاب. ولله در الحافظ ابن القيم ﵀ حيث يقول في بعض المناسبات والأمثال تضرب للناس:
فيا محنة الحسناء تهدي إلى امرئ ... ضرير وعنين من الوجد خاليا
فقل للعيون الرمد إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا
خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل باديا
وقال أبو الأسود الدؤلي الذي وضع علم النحو بأمر الإمام علي بن أبي طالب له ﵁ من قصيدة عظيمة:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
وترى اللبيب محسدًا لم يحترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم
وكذلك كل من عظمت عليه نعمة ... حساده سيف عليه صروم
ومن تأمل قصائد الشاعر العوني ولا سيما الخلوج فإنَّه يتبين له عظمة المدينة وقد قدمنا في ديباجة التاريخ شيئًا من ذكرها وتطورها.
رجعنا إلى ما نحن في صدده.
وفيها عين عبد المحسن الحمد التويجري مديرًا لفرع الزراعة في القصيم بدلًا عن عبد المحسن بن محمد بن سيف نظرًا إلى ما لعلَّ العناية في الزراعة تتحسن بمنطقة القصيم.
وفيها أعيد فتح المدرسة العسكرية في بريدة وافتتح باب القبول للطلاب حتى في السنة الخامسة الدراسية والسادسة وللطالب مكافأة مقدارها مائة ريال مع الإِعاشة والملابس في القسم الابتدائي ومائتا ريال عدا الإِعاشة والملبس للقسم المتوسط وكان رئيس المدرسة الأستاذ حسن مستور من أهالي مقاطعة عسير وفيه مؤهلات وقد اتسم بالأخلاق الفاضلة رأيته لما
стр. 1648
زرت المدرسة وفي صحبتي الشيخ علي بن سليمان الضالع وأحد المشائخ ممتطين سيارتي الهيئة والمحكمة للوعظ والإِرشاد والتوجيه فكان مستوى طلبة المدرسة العسكرية حسنًا في الأدب والتقدير لمَّا صفهم على الكراسي وجلسوا منصتين وشاكرين، فعجبت لأدبهم ونجابتهم ولا ريب أنَّ الفضل للمربي والمشرف على أعمال المدرسة كما أننا إذ ذاك نذهب إلى المستشفى المركزي للاجتماع بالأطباء والممرضين والمراقبين والبوابين بتكليف من المحكمة الشرعية للتوجيه الديني والوعظ والإرشاد وقد وافقنا قبولًا وامتثالًا وذلك للخضوع لهذه المواد الثلاث المحافظة على الصلاة في الجماعة في مسجد المستشفى وعدم دخول النساء في المستشفى إلَّا بذوي محرم وعدم شرب الدخان جهرة، وجزى الله حكومتنا خيرًا في كمال المساعدة والتنفيذ.
هذا ولا تزال الأمة في سبيل النشاط والنهضة المدنية الثقافية وقد دبت الحياة في الشعب السعودي وأقبل الأفراد يلتمسون الأعمال الهندسية من تلحيم في الأوكسجين وتصليح السيارات والمكائن وتصريف الحديد والقيام بالأعمال المهمة من النجارة الحديثة والصناعة وفتحت المعامل الحرة لصناعة الشبابيك والأبواب والديكور وأصبحت المدن والقرى تطالب وزارة الصحة ووزارة المعارف ووزارة الزراعة ووزارة المواصلات بحقوقها.
وحج بالنَّاس في هذه السنة الملك سعود.
استدراك:
ذكرنا عودة طاهر الدباغ ومحمد عبد الله صادق وعبد الرؤوف الصبان وكيف نالوا العفو والثقة من جلالة الملك عبد العزيز فقد عاد أيضًا في تلك السنة المتقدمة كل من محمد الطويل رئيس الحزب الوطني الحجازي فشمله جلالة الملك بعطفه وأكرم مثواه وعينه ناظرًا لعموم جمارك الإحصاء وأقطعه أراضي زراعية واسعة وعاد أيضًا عبد الوهاب قزاز وعبد القادر غزاوي من
стр. 1649
سجناء الطائف فشملهما الملك برعايته وعين عبد القادر رئيسًا لنقابة السيارات ثم عضوًا في مجلس الشورى كما أن عبد الرؤوف الصبان نال من جلال الملك كل عطف وتقدير وعينه عضوًا في مجلس الشورى وكان لما قال صاحب الجلالة لطاهر الدباغ ومحمد عبد الله صادق: عفوت عنكم عن الماضي وإني أريد منكم أن تعاهدوني على الإِخلاص للدين والوطن، وأمَّا شخصي فدعوه جانبًا أجاباه إنَّا نعاهدكم على الإِخلاص لجلالتكم قبل كل شيء لأنَّ الإِخلاص لكم هو إخلاص للدين والوطن فسر بذلك جلالته ولا غرو أن تكون أعتاب الملك وأهل بيته مهوى أفئدة المؤمنين ومحط آمال طلاب المنعة من الموحدين كما ذكر هذه العبارة طاهر الدباغ في خطبته.
بيان عن حج الماضي والحاضر
إنَّ الله تعالى سهل الحج في آخر الأمر بل أنَّ الله تعالى سهل السفر ويسر طريقه وأنا أتكلم عن حجتنا للفرض عام ١٣٥٢ هـ ذلك بأنَّا لما أن عزمنا على الحج في تلك السنة أخذنا في الاستعداد منذ ٨/ ١١ إلى أن امتطينا الإِبل في ١٥/ ١١ ثمانية أيام ونحن نعد العدة بخرز القرب وإصلاح الهوادج وكسيها بالستائر وإصلاح ما ينبغي حمله للمسافر من زاد ومزود وحبال ودلاء وخيام ورحل وإبل وغير ذلك ولا تزال الأمة منشغلة في السفر تسهر ليلها وتستعد في الهاون ومدقته وأواني الطعام والقهوة من أباريق ودلال حتى ظهر اليوم المذكور فسرنا والرفقة جميعهم أحد عشر نسمة أمَّا رفقة السابلة الآخرين الذين يجمعنا وإياهم الطريق فمجموعهم سبعة عشر مؤلفين من خمس خبر ولمَّا أن سرنا على بركة الله شيعنا بعض الأحباب إلى جهة الغرب مولين وجوهنا شطر الكعبة نزلنا في موضع يعرف بالمدوية ولمَّا أن أقمنا في ذلك القاع آخر اليوم بتنا فيه وكنت أذكر أن بعض الرفقة نسي بعض الحاجيات فرجع أحدهم إلى المدينة ليأتي بها وبعد ما بتنا في ذلك الموضع سرنا من الغد حتى انتهينا مساء إلى قرية البدائع فنزلنا حواليها ونحن
стр. 1650
مطمئنون بوجود الماء وشراء علف للإِبل التي كانت تحملنا إذ لا يشق في الأسفار كقلة الماء فهو الذي قد تجري المنازعات في تحصيله وربما حصل من بعض الأعراب أذى لدى الآبار ومصانع طريق مكة وقد كانت السابلة من الحجاج كذلك يسيرون وتختلف الأمة باليسر والعسر والركوب والمشي كل على حسب مقدرته. فمن الخلائق من يكون راكبًا على الكور ورحله خرج مزركش ومزين بذباذب وميركه وخطام جميل ومنهم من هو أقل من ذلك حتى قد يكون الفقير يسير إلى مكة راجلًا فلا يحصل على الركوب بل يسير مع الأمة راجلًا. وقد نبه الله على ذلك بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ ومنَّا من يحتطب ومنَّا من يستقي الماء وآخرون يصلحون الطعام والقهوة ويحزمون العرى ويعلقون على الإِبل. ولمَّا أن كان في غداة ١٦ سرنا متوجهين إلى وجهتنا كان الحجاج هناك تسمع منهم إذا مشوا صياحًا وقطعوا مسافة ثلاث ساعات أو أقل أو أكثر ينادون ضحوا يرددون هذه الكلمة فينزلون إلى الأرض والمطايا واقفة على ظهورها الحمول ويتناولون ما تيسر من القهوة وشيئًا من الأكل القليل ثم يواصلون السير. فوصلنا إلى الحجناوي وهذه ثالث مرحلة فنزلنا هناك حوالي مزرعة، هذا والحجاج في أتم أهبة لتكبد المشاق. وقد وافق هذا الوقت من الفصول آخر الشتاء وشدة البرد في أوائل برج الحوت، ثم سرنا من ذلك الموضع إلى شعيب الأرطاوي بعدما مررنا بالقشيعين وعبيل المرو، ثم سرنا من ذلك الموضع حتى جزنا بجبل غير والمرة فوصلنا إلى الشبيكية وكانت هجرة ضعيفة لما قدمنا إليها كانت إبل السانية هزيلة فأبدلها بإبل أخرى وذلك كمساعدة ليشرب النَّاس وإبلهم ونجتاز في تلك الطريق باللعاعة وطفخة وضرية وكانت هجرة للبادية ويوجد فيها إذ ذاك شيء قليل من بيع الأغراض في دكان أو دكانتين فتجد الحجاج إذا مروا بهَا يتغنمون تفقد زادهم ليأخذوا زيادة أو يُودّعوا عند المطوع فيها ما كان مثقلًا
стр. 1651
لهم فيأخذوه في الرجعة لأنَّها آخر موضع يوجد فيه جلب الطعام والشراب لأن ما بينها وبين مكة المكرمة إذ ذاك صحارى لا يوجد فيها شيء من الموجودات وهناك نمر بعريق الدسم وهو عبارة عن كثب من الرمال ثم الغثمة. أمَّا الشعب فإنّها آبار بعيدة القعر بين جبال حجارتها سود ثم إذا سرنا فإنّا نمر بالخال ثم الدفينة وكانت إذ ذاك آبارًا لا قاطن فيها. وها قد مرَّ علينا عشرة أيام من حين خروجنا من بريدة وبعدها قباء وكانت آبارًا في قطع من الصحاري يمتاز ماؤها بكثرة، وإذا تجاوزناها فإنَّا نصعد مع الحرة وكانت طريقًا ضيقًا صعب المرتقى قد يصعد في جزء منها بدرج. وإذا ما وصلها الحجاج فإنَّهم يعانون منها شدة ومشقة فإنَّها بحجارتها العظمى تكاد أن تحطم قوائم الإِبل وكم قد هلك فيها من جمل وحفيت منها من مطية وسقط من راكب وخاف من شجاع فإذا ما جاوزها النَّاس فإنَّهم يقفون يستريحون كأنَّما خرجوا من بحر لجي وبما أنَّ هذه الحرة هي مجمع الطرق إلى مكة فإنَّ الحجاج يأخذون في حفر الوسوم في روضة هناك ليعلم من يمر من أقربائهم بأنَّهم حجوا حتى يطلبوهم في مكة المكرمة ويرى آثار تنقية للطريق نوعًا ما قد قامت بها زبيدة زوج أمير المؤمنين هارون الرشيد وآثار جوابي من أعمالها أيضًا وآثار أعلام قد امتدت من العراق إلى ذلك الموضع يسميها المسافرون المنقى وهذه الآثار موجودة حوالي الوجه أيضًا ومركز بدى التي خلف مدائن صالح إلى جهة الشمال وتدل رؤيتها على عظم أسباب قامت بها زبيدة ثم انتهت بإجراء العين المنسوبة إليها لسقيا أهل مكة فندعو لها بالغفران ونترحم عليها. وهكذا نسير مع المنقى إلى موضع يسمى أم الصلابيخ ثم إلى مران المشهور بكثرة مياهه الغزيرة وفيه أشجار نخيل تنبت الدوم بكثرة. وفي سبيل الله ما يلاقي الحاج من الكلفة والمشقة تارة راكبًا على الكور ويمل الركوب لطول السفر وربما انزعجت الراحلة فسارت على غير نظام حتى يخشى الراكب من السقوط على الأرض وهذا إذا ما
стр. 1652
درهمت الراحلة ففي الصعود تسير ببطء وفي النزول تسير سيرًا همجيًّا وتارة يمشي المسافر فيتعب جسمه وتتقرح قدماه من نسف الحجارة وصدمها وتتعرض للشوك والأذى ولا يضيع لدى الله عمل عامل. كيف وقد قال الرسول ﵊ لعائشة في أمر الحج: "إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك". وهذه عادة الله التي أجراها في الحج قبل وجود السيارات وقد وافق لذلك جدب وقحط ويبست الأشجار فغالب زاد الإِبل من قوت الحجاج الذي تحمله على ظهورها ومن مورد مران يستعد الحجاج لركبه ويأخذون أهبة من الماء لاستقبال ركبة التي لا يوجد فيها ماء إذ هي فلات من الأرض وقد تكون مرحلتين فإذا بدت جبال ذات عرق -الظريية-.
فقد تمَّ للمسافر ستة عشر يومًا. وإن ركبة لمرتفعة جدًّا كان الأمة من مبتدأ السير يصعدون وقد ذكر بعض الجغرافيين أنها أعلى بقعة في الأرض ثم نأخذ في النزول إلى الميقات ذات عرق المذكورة وهي التي وقتها عمر بن الخطاب ﵁ لأهل العراق فإذا ما أحرم المسلمون منها كما قال العراقي في قصيدته:
ونادى مناد للحجيج ليرحموا ... فلم يبق إلّا من أجاب ولباه
وجردت القمصان والكل أحرموا ... ولا لبس لا طيب جميعًا هجرناه
فمن الميقات نسير إلى عين الليمون أو المضيق وهناك عقبة يجتازها ثم إلى البرود وإلى العدل ثم نصل مكة المشرفة فعشرون يومًا والحاج في شد ورحيل. أمَّا ما كان عن ركبة فهي أرض مستوية واسعة جدًّا وخالية من الجبال لا ترى فيها إلَّا شجر الطلح والسلم وفيها نوع من الشجر المذموم في القرآن وهو الضريع وشجر العشر ولله الحكمة في جعل مكة من بين تلك الجبال والمضايق ولو شاء لكانت في ذلك المتسع. ولكن الحكمة قضت أن لا يكون الحج في موضع زراعة وموضع رفاهية بل موضع عبادة وزهادة بحيث يكون من قضى نسكه فإنَّه لا يقيم بل يرحل ويترك الموضع
стр. 1653
للآخرين. وكان عدد الحجاج قليلًا بحيث لا يتجاوز ثلاثمائة ألف من سائر المعمورة وبذلك يتمكن الحاج من تقبيل الحجر الأسود ومسح الركن اليماني، وأنَّ الحج إذ ذاك لترق فيه القلوب وتذرف العيون ويوجد هناك تحنف وطمأنينة وذلة بين يدي الله . وإذا كان آخر يوم عرفة في الوقوف أمام جبل الرحمة فإنَّك ترى عشرات الألوف من المطايا مشاهدة للجبل تحمل الحجاج الخاشعين فوق ظهورها. أمَّا في هذه الأزمان فقد يعزم الإِنسان على الحج صباحًا فما يكون من شأنه في الليلة المقبلة إلَّا وقد وصل إلى مكة المكرمة ولا أعبر عن الطائرات التي تقطع المسافة في ساعتين من الوقت.
هذه نبذة عن حجتنا في هذه السنة فقد التفَّ حولي من الرفقة أربعون رجلًا للحج فاستأجرنا سيارة من ذوات النقل تصميم الشام من صاحبها سليمان الحبيب وكان أديبًا عاقلًا صموتًا فكانت أجرة الراكب إلى مكة المشرفة خمسة عشر ريالًا ما عدا التندة فقد أخذتها بـ ٤٥ ريالًا. وكان من الرفقة الأخ عبد الكريم بن عبد الرحمن الفداء وابن حماد أمير ضيده ومحمد بن سليمان بن بليهد ومحمد بن عامر وسليمان بن إبراهيم بن شريدة وعبد الله بن إبراهيم الدوسري في أناس آخرين. فسرنا في آخر نهار يوم الخميس الموافق ٥/ ١٢ وكان عزمنا للحج ضحى ذلك اليوم فكان من الرفقة الذين فاتني ذكرهم من يحمل زاده خبزًا قد هيأه أهله ومنهم شبيبة يحملون زمزمية شاي وشيئًا من البسكوت. فجاء أحد الرفقة وهو الرجل المثقف عبد العزيز بن سليمان بن سلامة يشتكي من الشبيبة أنَّهم يدخنون ولا يحافظون على الصلوات مع الجماعة فبحسن توجيه ووعظ انقادوا وتركوا الدخان وأصبحوا كأحسن الرفقة جزاهم الله خيرًا فكانوا يسابقون إلى أن يكونوا خلف الإمام. فبتنا ليلة الجمعة في الماء المعروف بالأشعرية وفي الصبح جزنا نشق البيد حتى بلغنا قرية عفيف وسط النهار فصلينا بها الظهر
стр. 1654
والعصر جمع تقديم ولمَّا أن كان في الساعة التاسعة غروبي سرنا حتى بلغنا الدفينة الموضع المعروف وقت الغروب ومنها إلى المويه حتى ألجأنا المبيت إلى ركبة. ولمَّا أن صبحنا في ذلك الموضح سرنا بعدما تناولنا ما تيسر من قهوة البن والشاي وما يضاف إليها من وجبة الإِفطار في سكينة وهدوء سرنا متوجهين إلى الميقات السيل الكبير حيث نمر بعشيرة ذات الطلح الحسن الكثير ونزلنا مع الريع وكان ذلك قبل تعبيد الخط وسفلتته فلبثنا في الميقات أربع ساعات من وسط النهار ثم أحرم الحجاج وسرنا تقبل الله من الجميع فنزلنا في مكة المشرفة في محلة جرول ليطوف الحجاج ويسعوا ويكملوا العمرة. ثم سرنا إلى الأبطح وكان صاحب السيارة قد تعاقد مع إحدى العائلات للذهاب إلى منى وعرفات فنزلنا آسفين واستأجرنا سيارة لرجل سوداني اسمه محمد بن عثمان وله رفيق يدعى محمد خير الله يساعده وكنت لم أر مثل الرجلين في صلاحهما وشيمتهما فكنا في حشمة وراحة. ووافق أن نزلنا في منى بجوار سمو الأمير مشعل بن عبد العزيز فأكرم مثوانا وقدم لنا خيمة فاخرة كبيرة جلسنا فيها وقام خدمه بإكرامنا أنَّه كان لدينا خيام لكنه رأى أن يتحفنا بها جزاه الله خيرًا. وبعد نزولنا من عرفات ومزدلفة رأينا دعوته إلى مجلسنا وتشريفنا فأجاب مشكورًا وطلب مني أن أصلي به وبرفقته كجملة رفقتنا حيث خصص للصلاة سرادق في الوسط. وبعد انقضاء الحج سلمنا تلك الخيمة شاكرين وتمت مناسك الحج من وقوف ورمي وحلق ونحر وطواف وسعي. وبعد انقضاء الحج سرنا إلى المدينة المنورة ورجعنا بخير ولله الحمد بحيث لم تستكمل أيام الحج والزيارة سوى أقل من اثني عشر يومًا وإذا أردنا أن نقارن بين حج الماضي والحاضر فإنَّا نجد بونًا بعيدًا ومما يجمل بنا ذكره توفر الأمن والراحة في مكة والمدينة وسائر الطرق وهناك قد سفلت الطريق بين مكة وجدة وبين جدة والمدينة وهناك قهاوٍ أعدت في الطريق ليستريح الحجاج والمسافرون فيها وكانت أجرة الركوب
стр. 1655
للحج وإلى المدينة ذهابًا وإيابًا خمسة وأربعين ريالًا غير أننا في الوقت الحاضر نكابد المشقة في مكة وشعابها من كثرة الحجاج الذين يقدمون من مشارق الأرض ومغاربها فكان الحاج لا يصل إلى الحجر الأسود للتقبيل أو الاستلام إلَّا بكلفة ومشقة. أمَّا رمي الجمار ولا سيما يوم العيد عند جمرة العقبة فحدث عن المشقة ولا حرج. وإذا كان عدد الحجاج فيما مضى لا يتجاوزون ثلثمائة ألف فكيف به إذا تجاوز سبعمائة ألف في هذه السنة ولا يزال العدد في زيادة والله ولي التوفيق.
ثم دخلت سنة ١٣٧٩ هـ استهلت هذه السنة والعالم على العموم يتقلب في مشاكل جمة. فهذه الجزائر تصليها فرنسا نيرانها المتوالية والأهالي ثابتون في جهادهم وديارهم رغم ما يصب عليهم من القنابل المدمرة وما تعاملهم به هذه الدولة الخاسرة من المعاملة القاسية وإني لأعجب لمجلس الأمن الذي كان تأسيسه لإِزالة المشاكل كيف لم تحظ الجزائر المظلومة منه بلفتة نظر وما كان باستطاعة العرب في مددهم إلَّا بالتبرعات المالية ومن ملوك العرب من قطع علاقاته السياسية مع فرنسا.
هذا ولا تزال مشكلة فلسطين تتطور وأهلها يقاسون أنواع الأذى من اليهود وأصبحوا ما بين شريد وسجين، كما أن مشكلة البريمي السعودي لا تزال في تعقيد ولم توفق لحل صريح. أمَّا ما كان من أمريكا وروسيا فلا تزال هاتان الدولتان في اختلاف عنيف -أن روسيا وإن كانت تظهر في مظهر الغالب المتعاظم فإنَّها لا تريد الحرب الشاملة التي قد تفقدها ما كسبته من توسع وازدياد إلى اليوم بل تنادي بالسلم لأحبابه. وهذا هو الذي جعل زعيم الكرملين يكون هو البادئ في زيارة إيزنهاور. أمَّا أمريكا التي خرجت من عزلتها واشتبكت مصالحها بمصالح العالم كله فهي تنظر إلى التوسع الروسي على أنَّه ابتلع أسواقًا عظيمة وحصل على موارد لا تنضب في آسيا وأوروبا وحرمها من موارد الصين وإمكانياتها. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنَّ
стр. 1656
أعمال روسيا أصبحت خطرًا على مصالح أمريكا وتلاحقها وتهددها في كل مكان. أمَّا بريطانيا وفرنسا فقد وقعتا بالنتيجة بين توسعين أحدهما روسي والثاني أمريكي، وبكل حال فإن أمريكا مع عظمتها لا تستطيع مهاجمة روسيا واستئصال النظام الشيوعي كما استئصلت النازية من ألمانيا وذلك لتفوق الاتحاد السوفياتي بالعنصر البشري وتوزيع قواته توزيعًا طبيعيًّا متماسكًا من الداخل باتجاه أوروبا والشرق الأوسط والأقصى وكذلك أيضًا خوف الشعب الأمريكي من احتمال ضرب المدن الكبرى ومراكز الصناعة الهامة المحتشدة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة بالقنابل الذرية والصواريخ الموجهة وذلك لعدم تكامل الأسباب السياسية والعسكرية لدى أمريكا التي تستطيع بها أن تفصل الصين الشعبية ودول شرقي أوروبا عن روسيا فلذلك خافت كلتا الدولتين من حرب طاحنة سلاحها الصواريخ والقنابل الهيدروجينية التي تكاد أن تقضي على غالب سكان المعمورة فبذلك يتعين إيراد قول الشاعر:
ولابدَّ من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
وفي هذه السنة يقسم خروتشوف زعيم روسيا فيقول: أقسم بإله أمريكا ويقول: إن كان لها إله أنَّها لحكيمة وذلك لما رأى ضبطها النفس وحكمتها في تجنب العنف الذي بدأ من روسيا والذي نتيجته يوم شره مستطير.
وفي هذه السنة في أوائل جمادى الآخرة تمَّ عقد اتفاقية اقتصادية بين الولايات المتحدة وبين حكومة ألمانيا الغربية على ٥٠ ألف طن من البترول تصدرها أمريكا إلى ألمانيا.
وفيها في ١٢ من هذا الشهر قامت جمعية عمومية بعقد شركة الغاز الأهلية بالدمام وقد طلب بعض من الأعضاء المساهمين إدماج هذه الشركة في شركة الغاز والتصنيع السعودية المحدودة بالرياض فوافقت الجمعية العمومية على ذلك.
стр. 1657
شركة كهرباء بريدة وضواحيها
تأسست هذه الشركة من قبل آل راشد الأثرياء وقد فتح باب الاكتتاب بعد أن تمت الإجراءات من قبل الحكومة السعودية ولما أن كان في مفتتح هذا العام قدم ثلاثة مهندسين للقيام بمسح البلد ووضع خريطة لها ولشوارعها والضواحي التي بالقرب منها ومدى احتياطاتها من الطاقة الكهربائية، فاستمرَّ أولئك المهندسون يدرسون الموضوع أربعين يومًا وبعد ذلك سافروا إلى هولندا لأنَّ الشركة الهندسية كانت هولندية تدعى شركة إتيم وهناك وضعوا مواصفات المشروع بعد الدراسات الضافية التي أجروها في بريدة بتاريخ ٢٨ محرم من هذه السنة، ولمَّا درست الشركة الاستشارية جميع العروضات أوصت بالاتفاق مع الشركة الهولندية لصناعة الكهرباء التي قدمت أنسب وأفضل عطاء وتمَّ ذلك في ٨/ ١٢ / ١٣٧٩ هـ. ولا تزال هذه الشركة تولي هذه المهمة اهتمامًا. وقد اتخذ لذلك أرض واسعة في الجهة الشرقية من بريدة وفي مكان مناسب لتقام عليها منشآت الشركة وذلك بجعل ثلاث فلل كبيرة لسكنى المهندسين. كما تمَّ حفر بئر إرتوازية بالأرض المذكورة لإمداد المساكن والمنشآت بالمياه العذبة الغزيرة وسورت الأرض جميعها بالحجر والأسمنت وامتدَّ العمل من مضي أربعة أشهر من السنة التي قبل هذه ولا تزال الأيدي تشتغل في تكميلها في طرف ثلاث سنين. وسيأتي لذلك بقية إن شاء الله تعالى.
وفي ربيع الثاني افتتحت المدرسة الصناعية ببريدة وبدأت تستقبل أفواج الطلاب الذين هرعوا جماعات للالتحاق بها. غير أن وزارة المعارف حددت العدد إلى ٤٥ طالبًا بينما تقدم من العدد ما يبلغ مائة طالب. وقد افتتح عدة مدارس صناعية بالمملكة السعودية وشوهد نشاط وتقدم في العمل.
هذا ولا يزال تدفق المياه العذبة في مقاطعة القصيم من الآبار الإرتوازية.
стр. 1658
ومما يجدر ذكره انفجار عين إرتوازية في قرية الشقة المعروفة شمالي بريدة بسعي رجل مواطن من أهل الخير تبرع بنفقتها وجعلها وقفًا على المسلمين جزاه الله خيرًا. ولقد انتفع أهالي تلك الجهات بها بعد ما كانوا محرومين من المياه العذبة.
وفيها افتتاح مستشفى مدينة عنيزة وذلك في ٢٩ من ربيع الثاني. وقد وافق افتتاحه تشجيعًا من الأهالي وتعاونًا وقبولًا وذلك لما قام به أهالي عنيزة من التكاتف والتعاضد والتساند والبشاشة ودماثة الأخلاق وإظهار الحسن، وقديمًا ما قيل:
إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
وفيها في ٢٤/ ٤ الموافق ليوم الإثنين فرغ من عمارة المسجد الجامع في بريدة فجاء آية في الحسن والجمال وقوة التركيب وكان له منظر جميل وكانت عمارته قد امتدت في سنتين ويعتبر حسنة خالدة في ميزان صاحب الجلالة الملك سعود ... ولمَّا أن فرغ من عمارته أضيئ بالكهرباء وجعل فيه ميكرفون مكبر الصوت لسماع الخطب والتكبير. كما أقيم في شرقيه الشمالي منارة بديعة في الحسن والقوة وفرش وجعل له موظفون يقومون بتنظيفه وتهيئة الفرش وتعاهدها والقيام بدورة المياه وبما يتطلبه الوضع. فجزى الله المحسنين خيرًا. وقد أقيم في أسفل المسجد دكاكين كثيرة تستغل ويصرف محصولها على مصالح المسجد. وكان ذلك عن إِشراف الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد. وقد قدمنا شيئًا من ذكر هذه العمارة وقدرها.
زيارة ملك الحبشة
ففي يوم السبت الموافق ١٠ رجب قدم إلى الرياض ضيف زائر هو الإمبراطور هيلا سيلاسي إمبراطور الحبشة في زيارة رسمية وقد احتفلت به المملكة العربية السعودية بصفته العاهل الوطني المكافح وكانت ولادته في
стр. 1659
هرر ٢٣ يوليو ١٨٩٢ م وأعلن إمبراطورًا في عام ١٩٣٠ م وتخلف بعد ذلك فترات غادر فيها أديس أبابا بعد غزو إيطاليا للحبشة ١٩٣٥ م، ثم أعيد تنصيبه في أديس أبابا عام ١٩٤١ م. وقد حصل على عدد ضخم من الأوسمة والنياشين من دول كثيرة وعليه مآخذ سنذكرها في سنة وفاته.
هذا ولا تزال العمارة مستمرة في الحرم الشريف فقد قامت الحكومة السعودية في عمارة المسجد الحرام كما قدمنا وكانت هذه العمارة تبين من خلال العمل أنها أعظم عمارة كانت للمسجد منذ خلق الله الدنيا. وكان العمال الذين يكدحون في العمل ثلاثة آلاف عامل وخمسمائة مهندس فني وهدم لذلك بيوت كثيرة ودكاكين غير قليلة وستصبح مساحة المطاف ١٠٠٠٠ متر مربع ويكون عرض المسعى عشرين مترًا.
وفيها قدم الملك محمد الخامس ملك المغرب إلى مدينة الرياض عاصمة المملكة بدعوة رسمية لزيارة المملكة وذلك في ٢٠ رجب الموافق ليوم الثلاثاء. فهبت الرياض تحيي هذا القادم الكريم، وكان على رأس المستقبلين صاحب الجلالة الملك. ولمَّا قضى يومين في الرياض سار إلى أم القرى ليعتمر ويطوف بالبيت. وإن هذا الملك محمدًا ليمتدح بكونه أرغم الاستعمار على أن يحني له الرأس وأن يحمل عصاه ويرحل.
ذكر زيارة الملك سعود للقصيم في هذه السنة
ففي ٢٥/ ٤ الموافق للثلاثاء قدم الملك سعود إلى مدينة بريدة. فهبَّ أهالي القصيم واستقبل استقبالًا فخمًا وخرجت الأمة عن بكرة أبيها للاستقبال. وبعدما زار الهيئات الرسمية وتناول إكراميات الأهالي وفرق النقود، لبث بها حتى صلَّى بالنَّاس صلاة الجمعة في الجامع الكبير، ثم سار إلى عنيزة ثم إلى الرس والبكيرية والهلالية. ثم رجع يوم الإِثنين ١/ ٥ إلى بريدة فلبث بها آخر ذلك اليوم، ثم سار بالطائرات إلى مدينة حائل ثم إلى
стр. 1660
شقراء، ثم سار في يوم الخميس والساعة في العاشرة تزيد ٣٠ دقيقة إلى الرياض فقدمها بعد العصر. وكان لما أن نزلت ست طائرات في صحن مطار بريدة القريب على مسافة ثلاثة كيلومترات في الجهة الشرقية الشمالية من مدينة بريدة وهو مطارها الفسيح القريب الجميل، كان بوجود ثمانين ألفًا من المستقبلين فيه وما يزيد على خمسة آلاف سيارة وما بين ذلك من الخيام والسرادق والكراسي وما إلى ذلك لم يضق على الطائرات بالنزول والصعود. ثم أنَّه نقل المطار عن مكانه لقربه من البلد إلى جهة المليداء ليكون عالميًّا بين مدن القصيم وكان مسافة ما بينه وبين المدن تتراوح ما بين عشرين كيلو فما فوق.
ذكر ما جرى فيها من الحوادث
ففيها تكالبت الثعالب والكلاب وأصابها السعار فكانت تصول على من أمامها من نوع الإِنسان والحيوان والبهائم، وأحدث ذلك نوعًا من الأذى. وقد ينهش الثعلب ستة أشخاص في لحظة، وإذا لم يجد حيوانًا فإنَّه يعض على أصل شجرة أو شيئًا من الإجرام ثم يهلك الثعلب. أمَّا عن المصاب فإذا لم يعالج فإنَّه بعد مضي أربعين يومًا يهلك وقد استمرت الحالة كذلك آخر هذه السنة وستة أشهر من السنة التي بعدها. ولا ريب أن هذا من عقوبات الله التي يعاقب الله بها خلقه. وذكر العلماء العارفون أن هذا السعار داء يصيب الكلاب والثعالب وتقول العرب: عضه المقلوث لأنَّهم يسمون الكلب المصاب أو الثعلب المقلوث وتقول العرب: كلب كَلِب. ولمَّا اشتكى الأنصار إلى رسول الله ﷺ جملهم الذي كانوا يسيرون عليه ويسقون وقالوا: إنَّه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل. فقال لأصحابه: "قوموابنا إليه فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبيُّ ﷺ نحوه فقالت الأنصار: يا نبيَّ الله إنَّه قد صار مثل الكلب الكَلِب وإنَّا نخاف عليك صولته، فقال: ليس عليَّ منه بأس فلما نظر الجمل إلى
стр. 1661
الرسول أقبل نحوه حتى خرَّ ساجدًا بين يديه فأخذ بناصيته أذل ما كان قط حتى أدخله في العمل". وفي الحديث عنه ﷺ إنَّه قال: "سيخرج من أمتي قوم تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلَّا دخله" وهذا العارض يصيب الكلاب كالجنون وهو مرض سوداني علامته أن تحمر عيناه وتسترخي أذناه ويندلع لسانه ويكثر لعابه وسيلان أنفه كأنَّه سكران ويطأطئ رأسه ويتحدب ظهره ولا يزال يدخل ذنبه بين رجليه فإذا عقر إنسانًا عرض له أمراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشًا وإذا استحكمت هذه العلة فقعد للبول خرج منه على هيئة الكلاب الصغار ويرى وجهه في المرآة صورة كلب وربما إذا تمَّ له أربعون يومًا يطلب الماء فإذا شرب نبح ومات. وكانت الأعراب يتعالجون لذلك بدم البرزاني وهم طائفة من الأعراب يزعمون أن دم أحد هذه القبيلة علاج لعضة الكلب الكَلِب. وقد طالبت الأمة بإبادة تلك الفئة المسعورة وإيجاد علاج لهذه الكارثة.
وفيها كسدت الأراضي وأصبح الذين يتاجرون في المساهمات وكانت رأس ماليهم بتدهور شديد جدًّا ونقص كبير وأرادت الجهات المسؤولة أن تسعى لتحسين الموضوع فلم توفق المسألة لحل. والله على كل شيء قدير. وهذا في الرياض وعم ذلك لجميع الذين ساهموا.
وفيها ولدت امرأة من أهل مطرية بالجمهورية العربية المتحدة أربع بنات توائم واسمها مبروكة كانت دعت الله أن يهبها بنتًا فاستجاب الله دعاءها ووهب لها أربع توائم والله على كل شيء قدير.
وفيها عزمت الحكومة على فتح مدارس للبنات وصدر الأمر الملكي بما نصه -الحمد لله وحده وبعد فقد صحت عزيمتنا على تنفيذ رغبة علماء الدين الحنيف في المملكة في فتح مدارس لتعليم البنات العلوم الدينية من
стр. 1662
قرآن وعقائد وفقه وغير ذلك من العلوم التي تتمشى مع عقائدنا الدينية كإدارة المنزل وتربية الأولاد وتأديبهم مما لا يخشى منه عاجلًا أو آجلًا أي تغيير على معتقداتنا لتكون هذه المدارس في منأى عن كل شبهة عن المؤثرات التي تؤثر على النشء في أخلاقهم وصحة عقيدتهم وتقاليدهم وقد أمرنا بتشكيل هيئة من كبار العلماء الذين يتحلون بالغيرة على الدين لتسرف على تنشئة المسلمين في تنظيم هذه المدارس ووضع برامجها بمراقبة حسن سيرها بما أنشئت له وتكون هذه الهيئة مربوطة بوالدهم حضرة صاحب السماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم.
وفيها وفاة الشيخ عبد الله بن عونة رحمه الله تعالى وهذه ترجمته: هو العالم الزاهد ذو العقيدة والمعرفة الشيخ عبد الله بن عونة بن عبد الله بن علي بن سليمان آل سعوي يرجع نسبه إلى قبيلة عنزة وكان منشأه من قرية المريدسيّة من أعمال بريدة. ولد سنة ١٣٠٨ هـ وفي السابعة من عمره أدخل مدرسة أهلية للدراسة وتعلم القرآن فأخذ يتعلم حتى ختم القرآن ثم تعلم مبادئ الكتابة والحساب على حسب سير الدراسة إذ ذاك. ولمَّا حفظ القرآن وكان قد بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة أخذ يطلب العلم من المشائخ فأخذ عن الشيخ عيسى الملاحي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسين أبا الخيل وأخذ عن الشيخ عبد الله بن فداء العالم الزاهد وجعل يتردد إلى مدينة بريدة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وعن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وكان ورعًا ناسكًا وعليه السكينة والوقار وله سمت حسن. وفي عام ١٣٤٦ هـ عين إمامًا وواعظًا ومرشدًا في قرى بني مالك ولمَّا أن كان في ١٣٥٣ هـ وطلبت الحكومة من الشيخ عمر بن محمد بن سليم قضاة وأئمة ووعاظًا إلى جهة عسير وجيزان كان من ضمن الذاهبين فكان قاضيًا في صبياء ثم نقل إلى قضاء جيزان فكان رئيسًا لمحاكمها هناك ثم أنَّه نقل إلى الدمام في المنطقة الشرقية فكان رئيسًا للمحاكم هناك واستمرَّ على
стр. 1663
سيرته وكان مسددًا في أقضيته ويحرص على الصلح لِيُرضي الخصمين وكان متأنيًا ومعه خوف من الله تعالى مديمًا على ذكره وصولًا لرحمة ويجب الإِصلاح بين النَّاس متحريًا العدل والإِنصاف إلى أن شعر بالشيخوخة فتقدم بطلب إحالته إلى المعاش فأجابت الحكومة طلبه وعاد إلى وطنه بريدة. كان له حظ في الوظائف التي نالها ومع مزاولة هذه الأعمال فإنَّه لم يشاغب أحدًا ولم يتقدم خصم بشكاية ضده متظلمًا بل كان موضع الإِعجاب من حكومته وأمته. وأسرة الشيخ عبد الله مشهورة في القصيم وكان للشيخ عبد الله أخ يدعى عبد العزيز بن عونة له تمسك في الديانة ومحبة لأولياء الله من أهل الدين والفضل وثبات في العقيدة السلفية وكان فلاحًا يأكل من كسب يده ويصل الفقراء ويواسيهم بماله. وفي بعض السنين أصيبت الأمة بسنة وجدب فقام وقسم مزرعته من البر والشعير نصفين بحبل فقال هذا الشطر لي ولمن أمونه والشطر الثاني لله ثم وزعه على الفقراء والمساكين وكان في زمنه عالم كبير السن متعطل الأسباب ذو عائلة فكان يقوم بنصف مؤنته على الدوام وكان يبش بزواره من أهل الخير والصلاح ويقدم لهم ما تيسر من الموجود لديه في وقت كان قليل التمر واللبن والقهوة والبر أكبر ضيافة. والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. وكان يزار ولا يزور أحد لأنَّه معتزل عن النَّاس إذا رأيته وجدته متقشفًا في لباسه وقد تصدعت يداه ورجلاه من مكابدة الأعمال مع تقدمه في السن ثم يذهب وقت العبادة إلى المسجد فيكون واقفًا أو راكعًا أو ساجدًا بين يدي الله وللبيت حظ من عبادته لله تطوعًا ولبث ثماني عشرة سنة لم يقدم مدينة بريدة. لمَّا توفرت فيها المصنوعات المستحدثة لا لتحريمها ولكن للسلامة من المشتبهات وقد قدمنا أنَّه من زملاء محمد بن مقبل وصالح اللهيمي وسليمان بن ناصر السعوي. ومن أسرة المترجم رجال متمسكون بالديانة يوالون في الله أهل طاعته ويعادون أهل معصيته وينتمون إلى الفضل والصلاح من أشهرهم
стр. 1664
الشيخ سليمان الناصر السعوي. كان محبًا لأهل الدين ومواليًا للمؤمنين ومقبولًا لدى أهل زمانه وهو إمام القرية ويأتي ذكر ترجمته إن شاء الله تعالى. أمَّا سبب وفاة المترجم فإنَّه أصيب بمرض مخوف فرأت الحكومة أيدها الله بعزه وتوفيقه أن تبعثه إلى مصر للعلاج ولكنه وافاه أجله المحتوم فيها فتوفي في يوم الاثنين سادس ذي القعدة من هذه السنة عن عمر يناهز ٧٢ سنة ودفن فيها. ومن صفاته أنَّه غر كريم دمث الأخلاق متواضع طلق المحيا ومما جرى بينه وبين واضع التاريخ من الاتصال أني زرت قريته منذ سبع وعشرين سنة لقبض كمية من التمر من إنسان يتعامل مع الوالد فوافيت المترجم وحصلت بيني وبينه ألفة ومحبة فكان يتواضع لي في المجلس وإن كنت إذ ذاك صغيرًا ويخدمني وإن كان هو الأحق بالخدمة وينصح لي ويبشر بالاجتماع ووافيته حينما أراد السفر للحج عام ١٣٥٣ هـ لمَّا ابتعثته الحكومة لقضاء صبياء ضمن الذين بعثوا في تلك السنة فرأيته في حال استقامة وصلاح ووافيته لما رجع من تلك الجهات وكان لبيبًا وغرًا كريمًا لا يحمل الحقد، ووافيته مرة في الحرم الشريف بمكة لدى مجلس علوي المالكي بعد المغرب في إحدى ليالي ذي القعدة من عام ١٣٦١ هـ وجلسنا نستمع لتدريس الشيخ وهو يتكلم في حالة الأغنياء حيث يقول: إن صدقوا في المعاملات وسلموا من الرياء فقد قال ﵊: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين، وإن كذبوا وغشوا فيصدق عليهم حديث أن التجار هم الفجار". قالو يا رسول الله ﷺ : أليس قد أحلَّ الله البيع. قال: "بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون". وذكر الجمع بين الحديثين بما فسراه من الأمر.
وفي الحرم وافيته عام ١٣٦٢ هـ مساء بعد المغرب من اليوم الذي توفي فيه الشيخ عمر بن محمد بن سليم فأخبرني بوفاته وأنَّه تأثر لذلك وقال: إني بكيت كثيرًا لهذا النبأ وكان يزورني في بيتي ويوصيني بأولاده خيرًا
стр. 1665
لانَّهم إذ ذاك يدرسون عليَّ وكان في صفته متواضعًا غير متزمت ولا متعاظم نحيفًا ولا يمل مجلسه.
وممن توفي فيها من الأعيان عبد الله الراشد الحميد وكانت وفاته على إثر سكتة قلبية من غير ما مرض في شهر ذي الحجة من هذه السنة فأحْدث ذلك رنة أسف في قلوب أحبابه وذويه وكان من أسرة الراشد الأثرياء وأخًا لإبراهيم وعبد العزيز وسليمان أبناء راشد المشهورين الذين تقدم نشاطهم في الزراعة والمشاريع. ويمتاز عبد الله بالكرم والسخاء ولقد رثاه بعض الشعراء النبطيين بمرثية باح فيها بما في مكنونه وأظهر أسفه الشديد لفقده ودعا له وأثنى عليه وعزى قرابته ونفسه بموته وكانت وفاته عن عمر يناهز السادسة والأربعين. نسأل الله تعالى أن يغفر له ويحسن عزاء المصاب. فمن أبيات القصيدة قول الشاعر وهو علي بن حمد الصفراني:
مرحوم يا من كل الأعيان تبكيك ... وكل القصيم اهتز من شد فرقاك
مرحوم يا شيخ إلى حل طاريك ... تبكى عيوني والحشا فيه تكاك
مرحوم يا من لا تعد حسانيك ... وكل الخصال الطيبة ما تعداك
عبد الله الراشد عسى الله يجازيك ... بالجنة الخضراء مقرك وسكناك
أنت الشهيد وربنا ما يخليك ... عساك بالجنة مقرك ومثواك
في جنة الفردوس والحور تتليك ... هذا جزاك وما عملته بدنياك
لو مت في قبرك فلا مات طاريك ... يحيون ذكرك من مشوا مثل ممشاك
وفيها ارتفعت مهور النساء إلى حد عظيم وطالب أهل الأدب والعلم بوضع حد لهذا الأمر ونشرت المقالات في الصحف والمجلات والجرائد ونادى الخطباء على رؤوس المنابر بالتزام أوامر الشريعة. غير أنَّها لم تجد أذنًا صاغية وطال النقاش حول هذه المهمة التي لا تزال متطلبات المهور في ازدياد وبما أن تكاليف الزواج منذ خمسة وعشرين عامًا لا تتجاوز مائة وخمسين ريالًا فقد بلغت في هذه السنة اثني عشر ألفًا من الريالات ولا تزال
стр. 1666
في ارتفاع. وقام العلماء يفكرون في درس هذا الموضوع مما اضطر صاحب السماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم إلى وضع نشرة عظيمة أصدرها في النهي عن ذلك وغلظ وذكر أنَّه ينبغي جعل رقابة على من تجاوز الحد وأنَّ لولي الأمر أن يضع حدًّا وسيأتي ذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وإنَّه لمما يؤسف ويندي له الجبين أن تكون المسألة تتطور إلى هذا الوضع وتقف الأمة هذا الموقف أمام تلك المشاكل التي ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. أما قال الرسول المشرع ﷺ : "لو أن رجلًا أعطى امرأة صداقًا ملء يديه طعامًا كانت له حلالًا". أما قال لمن قال له: تزوجت امرأة على أربع أواق مُنكِرًا عليه تزوجه بهذا المهر "كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل ما عندنا ما نعطيك". ولمَّا جاءت المرأة الواهبة إلى صفوة الخلق تهب نفسها له رغبة في صهره الشريف وكان إذ ذاك لم يكن له بها حاجة فقام رجل من الصحابة وطلب من الرسول أن يزوجه إياها. قال له الهادي صلوات الله وسلامه عليه: "هل عندك من شيء تصدقها". فقال: ما عندي إلَّا إزاري هذا فقال: "إزارك إن أعطيتها إيَّاه جلست ولا إزار لك فالتمس شيئًا". فقال: "فالتمس ولو خاتمًا من حديد". فالتمس فلم يجد شيئًا. فقال له رسول الله ﷺ : "زوجتكها بما معك من القرآن". وفي رواية "هل معك من القرآن شيء". قال: نعم سورة كذا أو سورة كذا لسور سماها. فقال: "قم فعلمها عشرين آية". وإنَّ بسبب غلاء المهور يكثر الفساد وتفسد الأخلاق وتذهب المروءات ويقل الحياء والشيمة من جانب الرجال والنساء وعلى من سن هذه البدعة ما يستحقه. ومن العجائب تجميد هذه المعضلة فلا الأولياء يزوجون ولا الأمة من ذلك يضجون ولا يوجد حل لهذه الأزمة. كيف وقد قال الهادي ﵊: "إذا أتاكم من ترضونه دينه وخلقه فزوجوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". وأملنا عظيم بأهل العقد والحل أن يلفتوا النظر إلى
стр. 1667
ذلك. ولكن الذي يفت العزم ما أخرجه عبد الرزاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا تغالوا في مهور النساء فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر إنَّ الله يقول: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا مِنْ ذَهَب﴾. وكانت هذه قراءة ابن مسعود. فقال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته. وفي رواية أنَّه قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ. فهذا هو الذي حمل الجهات المسؤولة وأهل الحل والعقد من عدم الإِلزام بذلك.
وفيها في رمضان ابتدى بإطلاق مدفعين للإِفطار والإِمساك في عاصمة القصيم وقامت المدن الأخرى إذا لم يكن هناك مدافع فإنَّهم يجعلون ألغامًا في الجبال تطلق وقت الحاجة للإِعلام بالإِمساك والإِفطار.
وفيها قام الأدباء من أهالي القصيم يطالبون الحكومة بجعل بلديات في مدنهم وقسم مرور وغير ذلك مما تطلبه البلاد ويساوون بقية مدن المملكة، ذلك لما دبَّ في نفوسهم من معرفة المصالح العائدة عليهم في بلدانهم ومعيشتهم، وأن اليوم ليس كالأمس. ونشرت جريدة القصيم في العدد ٢٤ ما يأتي- إنَّ مدينة بريدة تلك المدينة التي تعد من أكبر مدن القصيم والتي تزخر بالسكان الذين يقدرون بمائة وعشرين ألف نسمة (١) وذلك كما جاء بإجابة سمو أمير القصيم سعود بن هذلول على سؤال سكرتير هذه الصحيفة الفتية والمنشور بالعدد الثالث من هذه الجريدة، ومع ذلك فإنَّه لا يوجد فيها بلدية تقوم برعاية شؤونها ومراقبة الجزارين وبائعي الفواكه إلى آخر المقال. كما أن من المثقفين من يطالب بإيجاد مدارس للبنات فيها. ولا ريب في أن الحكومة قد فتحت أبوابها لكل من يقترح اقتراحًا وجيهًا لا سيما إذا كان يعود على مصلحة البلاد فإنَّ الحكومة تؤيد ذلك غير أنَّه يوجد في البلاد من لا يحبذ هذه الفكرة وسنعود عن قريب.
стр. 1668
وفيها في يوم الجمعة الموافق ٢٦/ ٥ وفاة الشيخ محمد الذبيب قاضي بلدة رحيمة ومدير المدرسة الأولى بالزلفي سابقًا وذلك على إثر سكتة قلبية أصابته. وكان لموته رنة حزن وأسى في القلوب لما ذكر عنه من الأخلاق الفاضلة والصفات النبيلة ﵀ وعفا عنه.
هذا ولا يزال مستشفى بريدة فاتحًا أبوابه لكل المراجعين والمرضى وكان يوجد فيه ثلاث حكيمات وخمس ممرضات وتسعة ممرضين منهم ثلاث سعوديون ومساعد فني للأشعة ومساعد فني للمختبر كما يوجد فيه ثمانية عشر موظفًا إداريًّا وستة وخمسون خادمًا منهم خمس خادمات اختصاصهم لقسم النساء وأناس مناوبون وكانت معداته من أحدث ما يوجد في العالم كما يوجد هناك بعض الأجهزة والمعدات الأخرى احتياطية في المستودع ويعمل فيه ستة أطباء اختصاصهم كما سيأتي: طبيب جراح للرجال وطبيبة جراحة للنساء وطبيب أطفال وطبيب باطني وطبيب عام وطبيب أسنان بالإِضافة إلى صيدلي قانوني يعاونه اثنان من مساعدي الصيادلة وطبيب ألماني أخصائي بأمراض العيون من بينهم الطبيبة الدكتورة الألمانية جي توياولترز. وقد قرر الأطباء أن جو بريدة وطقسها جيد جدًّا حيث هو معتدل صيفًا وشتاءً وهواؤها عليل حتى في أيام شدة الحر وخصوصًا بالليل وحالتها الصحية بوجه عام جيدة. أمَّا مساحة المستشفى من الشمال إلى الجنوب فتبلغ خمسمائة متر ومن الغرب إلى الشرق قريبًا من ذلك هذا وإنَّ الأمة لتعلق آمالها بالله ثم بحكومتهم في استجلاب الأطباء الماهرين المخلصين الذين يسهرون لمصلحة الأمة وإيجاد ممرضين نزيهة أكفهم وأخلاقهم. وما ذاك على الله بعزيز. ومما يندى له الجبين ويجرح العواطف أن يؤتى بالمريض المدنف إلى بعض المستشفيات فلا يجد مباشرة ولا رأفة ولا رحمة ولا عطفًا. فلا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
ثم دخلت سنة ١٣٨٠ هـ استهلت هذه السنة والرئيس في أمريكا كندي
стр. 1669
ويوصف بالقوة والشهامة والسياسة المتفوقة كما أن رئيس الجمهورية السوفييتية هو خروتشوف وكان عظيمًا في تلك الجهات وصاعقة في إذاعاته وخطبه. وقد زار أمريكا ويعتبر هذا الاجتماع الأول بين الرئيسين كما أن الرئيس في السودان هو إبراهيم عبود. أمَّا رئيس الجمهورية العراقية فهو عبد الكريم قاسم، ورئيس الجمهورية المصرية جمال عبد الناصر. أمَّا عن الهند فكان الرئيس في الوزراء جواهر لال نهرو. ويقدرون شخصيته هناك لما فيه من المؤهلات. وكان على المملكة اليمانية الإِمام أحمد بن يحيى حميد الدين، وعلى أفغانستان الملك محمد ظاهر شاه، وفي الباكستان رئيسًا على جمهوريتها الرئيس محمد أيوب خان، وعلى حكم الكويت الأمير عبد الله السالم بن صباح. هذا ولا تزال الحرب بين أهل الجزائر وفرنسا. وقد صمدت الجزائر وثبتت لتحقيق استقلالها ونضالها لا يزال مستمرًا رغم ما تصليها فرنسا من التقتيل والأعمال الوحشية وكانت المعركة دامية مستمرة. وقد عينت العرب أسبوعًا للتبرع كل سنة للجزائر المظلومة واستمرت الدفعات للجزائر تقوية لها ومساندة من العرب.
وفيها في اليوم التاسع من ربيع الثاني توفي (فلبي) رحمة الله على أموات المسلمين وهذه ترجمته: هو هادي سانت جون فلبي ولد في جزيرة سيلان في ٣ من شهر أبريل ١٨٨٥ م الموافق لسنة ١٣٠٠ هـ، وكان أبوه إذ ذاك يعمل مزارعًا للشاي وعندما كبر قليلًا أدخله والده كلية دستمنستر بلندن وكلية ترينتي التابعة لجامعة أوكسفورد. وفي أوكسفورد تخصص في دراسة اللغات وفي عام ١٩٠٧ م تخرج بشهادة بكالوريوس علوم. وفي نفس العام اجتاز اختبار الجامعة المدنية ثم سافر إلى الهند وتقلب فيها بعدة وظائف حتى وصل إلى منصب مساعد تفتيش مركز ثم إلى سكرتارية مقاطعة البنجاب. وبعد ذلك بعام عين عضوًا بسكرتارية لجنة الامتحانات بكلكتا في الهند ثم نقلته حكومة بلاده إلى العراق حيث عين ضابطًا سياسيًّا في القوات
стр. 1670
البريطانية في الشرق الأوسط. وكان مركز علمه البصرة وهناك وصلت بداءة صلته بالعالم العربي وتنقل في عدة مناصب منها منصب مساعد خاص لكبير الضباط السياسيين السير برسي كوكس. ولمَّا أن كان في عام ١٩١٧ ميلادي وقد أتى إلى المملكة العربية السعودية لأول مرة ضمن وفد بريطاني مرسل إلى الرياض وقابل جلالة الملك عبد العزيز. وأعجب بشخصية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن وبطولته وشجاعته ومن هناك سافر المستشرق فلبي إلى جدة ومكث فيها بعض الوقت. وفي أثناء بقائه هناك اختلف مع حكومته في السياسة التي كانت تريد اتباعها في الشرق الأوسط فترك جدة وعاد إلى الرياض عن طريق مصر وفلسطين. وبعد ذلك رجع إلى العراق ليقدم تقريرًا عن مهمته التي أوفد من أجلها، ولنتيجة خلافه مع حكومته في سياستها في الشرق الأوسط استقال من وظيفته وعاد إلى إنجلترا بعد أن قضى أحد عشر عامًا بعيدًا عنها. وهناك انتدبته الحكومة البريطانية ليرافق الوفد الدبلوماسي السعودي برئاسة صاحب السمو الملكي إذ ذاك الأمير فيصل إلى إنجلترا وألقى أثناء إقامته بإنجلترا عدة محاضرات بالجمعية الجغرافية وعمل على إنجاز خرائط كان قد أعدها أثناء تنقلاته في المملكة. وفي عام ١٩٢٠ م رجع إلى الشرق الأوسط واشترك في مؤتمر العقير الذي عقد بين الملك عبد العزيز والسير برسي كوكسن. وفي السنة التالية عمل مستشارًا لوزارة الداخلية في حكومة العراق الانتقالية كما عمل أربع سنوات في منصب كبير ممثلي بريطانيا في شرق الأردن وتقدم إلى جدة أثناء حصارها مع السيد طالب كوسيط للصلح بين الملك عبد العزيز وبين الشريف علي. ولم تنجح الوساطة كما قدمنا. وقد قيل إنَّه مستشار غير رسمي للملك عبد العزيز. والصحيح أنَّه لم يكن كذلك بل كان صديقًا للملك عبد العزيز. وقد استقال من منصبه لخلافاته المستمرة مع حكومته حول سياستها في الشرق الأوسط ثم عاد مرة أخرى إلى إنجلترا وبعد أن
стр. 1671
قضى عامًا هناك عاد إلى جدة كمواطن إنجليزي وذلك عام ١٩٢٦ م وعاد بصفته مواطنًا عاديًا يعمل في التجارة وقام بشركات وجعل يؤلف تاريخًا لإِلمامه بالممكة العربية السعودية. ولمَّا أن كان في عام ١٩٣٠ م أسلم وسمَّى نفسه عبد الله وقام في ظرف عشر سنوات بعدة رحلات استكشافية في المملكة العربية السعودية منها عبوره الربع الخالي. وقد ألف المستشرق عبد الله عن المملكة العربية السعودية حوالي اثني عشر مجلدًا منها قلب الجزيرة، ومنها: جزيرة العرب في عهد الوهابيين، وجزيرة العرب والربع الخالي وبنات سبا وحاج في الجزيرة العربية وأيام العرب. وفيه سرد قصة حياته وتجاربه منذ طفولته وأعماله وتجولاته واكتشافاته في صحراء الجزيرة وأخيرًا تخليه عن العمل مع الحكومة البريطانية. ومن مؤلفاته: مرتفعات الجزيرة العربية ومنها يوبيل الجزيرة العربية ومنها المملكة العربية السعودية ومنها أرض مدين ومنها أرض الأنبياء ومدائن صالح. ولا ريب أنَّه سياسي ماهر ومن أعيان القرن الرابع عشر. فالله المستعان.
وفيها شرع المهندسون في تركيب مكائن شركة الكهرباء لبريدة وضواحيها ولا يزال العمل مستمرًا لإِنهاء المشروع. وكان هذا العمل جبارًا بالنسبة إلى تأخر مقاطعة القصيم عن سائر المملكة. وأمَّا بالنسبة إلى التطوُّر الحديث فلم تتقدم المملكة إلَّا في تلك الآونة كانت قبل ذلك أي منذ خمس عشرة سنة من هذه السنة، تضاء شوارع مكة المكرمة بالفوانيس. ولم تدخل الدورات المائية في كثير من بيوتها. كما أن بئر زمزم يستخرج ماؤها بالدلاء. وكانت مكائن الكهرباء في بريدة لما وضعت متقنة التصميم جدًّا. وكانت الشبكة الكهربائية يركبها مهندس ألماني. هذا وقد كانت الأمة بحاجة إلى الكهرباء لتطور الحياة وكانوا قبل ذلك بقليل يستخدمون مواتير صغيرة. كما قامت شركة الغاز بإيجاده في المملكة العربية السعودية لتوفير الراحة للأهالي. فكان لذلك أحسن وقع. وبما أن العمال والمهندسين شرعوا في
стр. 1672
مد الشبكة الكهربائية في مدينة بريدة ورفعت الخزانات الكهربائية على خط ٢٢٠ وخطت المدينة خطوات متقدمة. فقد شرع العمال الآخرون أيضًا في مد شبكة خطوط التليفونات السلكية لربط جهات ما يلي بريدة إليها كعنيزة والرس والبكيرية والخبراء ورياض الخبراء والبدائع وغيرها. وبهذا يسهل الاتصال بين أجزاء تلك المنطقة. وبما أن الأمة قامت بتركيب أسطوانات الغاز وأجهزته المختلفة وبدأت الشركة بالتوزيع فإنَّ حوادث الانفجارات قليلة ولله الحمد.
وفيها تفضلت الحكومة بتجهيز أناس من الجنود لقتل الثعالب المسعورة وجعلت الحكومة مثوبة لمن قتل ثعلبًا وإن من جاء إلى أمير بلدة من البلدان أو أمير قرية برأس ثعلب فله مكافأة. ولقد ضحت الأمة من أذى الثعالب وأصبحت تهدد حياة الإِنسان وقد ظهرت نتائجه عندما بدأت بالهجوم على الفلاحين ومن استهدف لها وقد كان أحد المواطنين نائمًا بإحدى المزارع في قرية البدائع بقرب مسكنه وإذا به يفاجأ وهو نائم بالثعلب يعضه فأدخل المستشفى وأصيب آخرون في مدينة الرس ماتوا نتيجة ذلك.
وفيها وفاة الشيخ ابن تركي، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد محمد بن علي محمد بن منصور بن عبد الله بن تركي بن حميدان من قبيلة بني خالد. ولد المترجم عام ١٢٩٩ م في مدينة عنيزة بلده وبلد عشيرته وأخذ في أول نشأته في الدراسة واشتغل في التجارة مع أخيه إبراهيم وذلك لأنَّه لم يكن لأهل نجد إذ ذاك ما يساعد على الدراسة من تأمين للمعيشة فكان ذلك حافزًا له على طلب الرزق لأنَّه انشغل بها في سن مبكرة قبل بلوغه. ولمَّا تمَّ له من العمر ما يقارب الأربعين قام برحلات إلى الشرق فزار الهند وما يضمه من المدن ومرَّ في سفره هذا عائدًا على الخليج وذلك لأنَّه مولع في الأسفار والتعرف في الأمصار وذهب إلى فلسطين ومصر وألقى دروسًا هناك، فأعجب به من رآه كما ذهب إلى سوريا ولبنان وما
стр. 1673
حواليها من القرى والبلدان وقام بتجولات كثيرة في الإحساء والقطيف وما إلى ذلك من مدن الخليج. وقد أخذ العلم عن علماء مكة وأخذ عن علماء عنيزة. وكان له بحث ومناقشة في العلوم مع الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ومع الشيخ صالح بن عثمان القاضي في عنيزة وغيرهما ويقدرونه لما يرون من حرصه واجتهاده وكان يحب كثرة المناقشة والجدل وله إلمام في الفقه والتفسير في الحديث وسائر العلوم العربية وله استشهادات بأبيات الشعراء والأدباء المتقدمين. ونال قضاء المدينة المنورة ووظيفة مساعد قاض في مكة المكرمة. وبما أنَّه كان صريحًا في القول ولا تأخذه لومة لائم ولا يداري فإنَّه لم يساعده الزمان بل تخلى عن الوظائف. وقد طلب للتدريس في معهد الرياض العلمي وكان إذ ذاك يدرس في مدرسة العلوم الشرعية. فاعتذر لأنَّه أبدى أن بقاءه في المدينة المنورة مدرسًا في المدرسة المذكورة أكبر نفعًا وأجدى مصلحة وكان يحرص على إطابة مطعمه وطلب أن يكون زرقه من المالية من مصلحة البريد ويصل إليه مساعدات من أجواد الأمة داخل المملكة وخارجها ويفرق كثيرًا منها على الفقراء والمحتاجين. وقد رأيت له ترجمة بقلم الشيخ فيصل بن محمد بن مبارك لما توفي فقال: مات العالم الزاهد طيب الله ثراك أيها المتوفَّى الحبيب وأسكنك فسيح جناته. حقًّا لقد مات الشيخ محمد العلي التركي وواروه في التراب. إنَّها سُنة الله في خلقه، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. حقًّا لقد مات الشيخ بعد عمر مديد وسعيد قضاه في خدمة العلم وأهله. نعم مات بعد عمر مديد سعيد لم تلطخه المشاحنات على هذه الدنيا الفانية ولم ينخدع ببريق المناصب الرفيعة والرواتب الضخمة والمراكب الفارهة والقصور الأنيقة والعقار الفني بالدخل الثري. كل هذه وأكثر منها أتت إليه منقادة، فركلها برجله الطاهرة، مفضلًا عيش القناعة، متلذذًا بما ملأ الله به جوفه من جواهر العلوم النافعة متخذًا الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر
стр. 1674
بطريقته المعهودة والمحببة إلى النفوس حتى نفوس مرتكبي الخطيئة، كان يرسلها إشارات عامة في دروسه العامة فكم معروف قام، وكم منكر زال بتلك الإِشارات الحكيمة. ﵀ رحمة الأبرار. حقًّا لقد مات الشيخ العالم العامل الورع الزاهد ذو اليد البيضاء التي ترفعت عن أكل الحرام أو المشتبه كما ترفع قلبه الكبير ونفسه الزكية عن الحقد والحسد وصغرت في عينيه الدنيا بما فيها. حقًّا لقد مات العالم القدوة في الأعمال قبل الأقوال. حقًّا لقد مات الشيخ محمد العلي التركي الذي يفخر الطالب بالانتساب إليه ولو لم يجلس معه إلَّا مجلسًا واحدًا. مات الشيخ الذي يرى فيه طلابه أبًا ودودًا ويراهم أبناء بررة. نعم غيب الشيخ محمد العلي ﵀ في الثرى وغيبت معه كنوز العلم. وإنَّ موته خسارة لا تقدر كما قيل:
إذا ما مات ذو علم وتقوى ... فقد ثلمت من الإِسلام ثلمه
مات الشيخ الذي لا يجابي ولا يخدع. كان ﵀ صريحًا في أمره صريحًا في نهيه صريحًا في نصحه شجاعًا في ذلك كله. نعم إنَّك لتعجب إذا رأيته أمامك في أطمار وعباءة عمرها عشرون سنة ودريهمات حمر في جيبه يقتات بها قوت الزاهدين. نعم تعجب عندما ترى ذلك الجسد النحيل الذي لا يزن أكثر من ستين رطلًا في تلك الأطمار البالية كيف يضم بين جنبيه ذلك البحر العباب من العلم وذلك القلب الكبير والصدر الرحب الذي لا يضيق بالسائلين وما أكثرهم، فلا يخرج من بيته معتمدًا المسجد ولا غيره إلَّا ترى هذا عن يمينه وهذا من شماله يتناوبه السائلون في شتى الأسئلة حتى مشاكل دنياهم فيصدرون عن معين لا ينضب وهكذا حاله في المسجد ما أن يلتفت من صلاته إلَّا هذا قائم من عنده وهذا جالس لديه فلست تراه إلَّا مصليًا أو تاليًا كتاب الله أو ذاكرًا حزبه أو مجيبًا على سؤال. وهذه ثروته ولم يخلف ﵀ دينارًا ولا درهمًا ولا عقارًا ولا شيئًا يقتنى، وإنَّما خلف الذكر الحسن الذي ستتناقله الأجيال ويبقى ما بقي ذكر أهل الخير.
стр. 1675
وصفت جنازته في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام بأنَّها أضخم جنازة عرفت في العصور الأخيرة. اللَّهُمَّ وفقنا تكثر من المصلين علينا والحاملين لنا إذا متنا واحرسنا من فتنة الدنيا وغرورها. إنَّ هذا الذي خرجت المدينة بأسرها مع جنازته لم يكن ثريًّا ولا أميرًا ولا وزيرًا ولا قاضيًا ولا موظفًا مرموقًا بل كان رجلًا فقيرًا معدمًا وصالحًا إذا ذكر الصالحون أو العباد والزهاد والأدباء والعلماء الصرحاء:
فلو كان الفداء يرد ميتًا ... فديتك بالطريف وبالتلاد
ولو كان البكاء يفيد شيئًا ... بكاك الأكثرون من العباد
ولكن البكاء يزيد نحوًا ... يسر الشامقين من الأعادي
هكذا وجدت بقلم واضع هذه الترجمة فيصل المبارك وإني لأثني على من قامت به هذه الصفات التي هي الزهد والورع والتقشف وخفض الجناح والإِحسان إلى من قصده للسؤال والاسترشاد ولم يكن مشاحنًا ولا حقودًا. فالله المستعان. وقد رأيته مرة في سباخ بريدة النخيل المسمى فيحان لأنَّه كان يزور القصيم في كل سنة إذا ما أينعت الثمار في الصيف ويوضع له بالليل فوق تلك الرمال العذبة مجلس حافل ويخرج إليه بالليل والنهار أناس يفرحون به ويحبون الاجتماع به فيكون موطوء العقب لأنَّه لا يقل عدد الذين يمشون خلفه إذا زار تلك المنطقة عن مائة وخمسين رجلًا فكان نحيف الجسم قصير القامة محدودبًا أصفر الوجه، وذلك في عام ١٣٥٦ هـ. والصحيح أنَّه أقل مما رفعه إليه في الدرجة بعض أحبابه وأفْرطوا في مديحه وغلوا فيه وأرفع درجة عما تنقصه بعض المتفرضين لأنَّه كان والله يغفر له معاندًا ولا يبالي في مجالسة أحد من الخلق سواء كانوا صالحين أو طالحين، ولكل جواد عثرة. ومن جهة أخرى فقد كان يضرب في الأرض كثيرًا ويسافر إلى الأمصار ويجلس بها ويجتمع بعلماء غير محققين، وعليه مآخذ، كان يلبس العقال فوق رأسه لأنَّه لا يداري ولا يبالي بأحد ومدارات
стр. 1676
النَّاس أمر مطلوب وأيضًا كان اتصاله بآل سليم ضعيفًا بل معدومًا مضافًا إلى ما تقدم من الأشياء الأخيرة التي ذكرناها.
وفيها ارتفع مستوى الماء في الأرض المنخفضة في مدينة بريدة وتقدم الأهالي بطلب الإِغاثة من الحكومة عن خطر يهددهم منذ زمن بين الحين والآخر بسبب تكاثر المياه التي غمرت الكثير من المنخفضات. فأمر جلالة الملك بإرسال لجنة تتكون من وزير الصحة ووزير الزراعة يرافقهما خبراء فنيون وذلك لوضع حد لتسرب المياه التي أخذت كل عام تزداد وتهدد المدينة وليس هذا بالأمر الهين إذا كان بيوت المدينة من الطين والتّبن فإنَّه إذا ارتفع منسوب الماء إلى سطح الأرض فسيأتي على البيوت من قواعدها. وبعدما قدم أولئك أعضاء الوفد أخذوا يدرسون الوضع ولكنه لم ينته بصورة قطعية وسيأتي بقية ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وفيها في اليوم الخامس من شهر ربيع الثاني هبطت طائرة خاصة تقل هيئة نظر منتدبة من قبل مصلحة الطيران للبحث عن موضع مناسب لأن يكون مطارًا للقصيم بالجملة وقررت الهيئة بعد التفكير وقضاء مهمتها أن يكون في المليداء وعادت لعرض المهمة على الجهات المختصة.
وفيها غارت المياه بمنطقة سدير ونضب أكثر الآبار فأصبح السكان يكابدون مصاعب الحياة ومتاعب جمة ويعيشون ظروفًا قاسية جدًّا مما أدى إلى عطش الزروع وموت الخضروات وهلاك النخيل والأشجار. والله على كل شيء قدير. ووصلت الحالة بهم إلى أن عدمت في تلك المنطقة بعض النخيل أو أكثرها وأصبح لها منظر مُؤلم ومُحزن.
وفيها في الساعة الثالثة عربي تزيد ثلاثين دقيقة من ليلة الأحد سادس ربيع الأول انقض كوكب فاستضاء له الجو حتى كان له أثر عظيم ولبث عشر دقائق ثم وقع على الأرض فسمع له وجنة عظيمة جدًّا لما وقع غير أننا لم
стр. 1677
نصل إلى أي جهة وقع وكانت رؤية مخيفة لمَّا رمى به من الجهة الشرقية فطاف إلى الغربية.
وفيها أمر جلالة الملك سعود بطبع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية لجعلها في مجموعة لتسهل مراجعتها وندب لذلك فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم فقام الشيح بأعباء هذه المهمة وساعده ابنه محمد بن عبد الرحمن. ولمَّا أن منَّ الله بإحياء هذا التراث كان من المتبادر إلى تأليفها وجمع شواردها لتكون مرتبة على ترتيب الفقهاء. إنَّ فتاوي شيخ الإِسلام يوجد منها أجزاء طبعها مقبل الذكير من ضمن مطبوعاته بمطبعة كردستان العلمية. كما أنَّه طبع منها أجزاء العالم محمد رشيد رضا ولقد سار الشيخ ابن قاسم إلى بيروت ودمشق والعراق ومصر وباريس وغيرها يتطلب من سائر مكاتب العالم فرتبها وطبعت بمطابع الرياض وقد تكلفت الطباعة فيها لعدد خمسة آلاف نسخة كل نسخة أربعة وثلاثون مجلدًا والخامس والثلاثون، وبعده مجلدان للفهارس طبعت بمطبعة الحكومة فبلغ مجموعها سبعة وثلاثين مجلدًا بلغت قيمة طبع الأربعة والثلاثين مليون ريال. وساهم جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز بطباعة الثلاثة الأخيرة. "والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا". فظهرت المجموعة كأحسن ما يكون في الحرف والورق وتقدم قبلها طباعة كتاب الإنصاف الذي بلغ اثني عشر مجلدًا ووزعت على طلاب العلم، وإنَّها لحسنات خالدة لمن قام بها وبذل النفقات في طباعتها. ولا ننسى ما نشره آل ثاني حكام قطر جزاهم الله خيرًا فقد جادوا بطباعة مجموعة التوحيد ومجموعة الحديث وغاية المنتهى وشرحها وكتاب المقنع والكافي لابن قدامة وتاريخ العصامي والفروع لابن مفلح ومشكاة المصابيح وتفسير ابن الجوزي وطباعة كتب أخرى كثيرة جليلة. وهذا بتوجيه من الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع. فيا أيها المحسنون ليهنكم ما بذلتموه في سبل الخيرات وأبشروا بالخلف من الله وحسن ثوابه،
стр. 1678
وإنَّا لنرجو من أهل الثروة والجدة إنشاء الملاجئ وفتح أبواب التبرعات في سبيل الخير من عمارات المساجد وإعانة تدريس القرآن وتشجيع لطبع الكتب الشرعية والإِحسان إلى العجزة البائسين والضعفاء المستحقين: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ وجاهدوا يا ذوي الأموال في سبيل الله ببناء المدارس والمساجد والمستشفيات وكفالة الأيتام وتشغيل العاطلين. وعلى ذوي الأموال أن ينفقوا في سبيل الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة التي سببها الجبن والبخل وأن يساهموا في المشاريع الخيرية والأعمال الجليلة ويواسوا الفقراء والضعفاء ويقضوا حوائج النَّاس ويعينوا الملهوف وينصروا المظلوم ويحسنوا. إنَّ الله يحب المحسنين. فكم من عجوز وشيخ كبير وطفل صغير ومقعد وضرير ومريض لا يفارق فراشه تظنه بمظهره ومنظره من الأغنياء المياسير ويده فارغة وبطنه جائع وليس في محصوله غير ما يجمع من كراء البيت الذي لو تأخر عن دفعه لكانت الفرصة السانحة لإِخراجه من بيته وحمله لفراشه وأثاثه على ظهره. وهؤلاء هم الذين تكون عليهم الصدقة وتمد إليهم يد المساعدة وإن الله ليدفع بالصدقة على مثل هؤلاء البلاء عن صاحبها. وقال ﷺ : "باكروا بالصدقة فإنَّ البلاء لا يتخطاها وكم من فقير متعفف يحسبه الجاهل بحالته غنيًّا من التعفف". ويروي لنا التاريخ أن خالد بن عقبة باع داره بسبب دين كان عليه على عبد الله بن عامر وكانت دارًا في السوق بتسعين ألفًا وأمر أهله بالرحيل فلما كان الليل وجعل أهل خالد ينقلون متاعهم ويبكون قال لأهله: ما لهؤلاء قالوا: يبكون على دارهم. فقال يا غلام: ءاتهم فاعلمهم أن الدار والمال لهم جميعًا. وكان لعبد الله بن المبارك جار يهودي فأراد أن يبيع داره فقيل له بكم تبيع قال: بألفين. فقيل له: إنَّها لا تساوي إلَّا ألفًا. قال: صدقتم، ولكن ألف للدار وألف لجوار عبد الله.
فأخبر ابن المبارك فدعاه وسأله. قال: علي دين فأعطاه ثمن الدار وقال:
стр. 1679
لا تبعها. فرحمة الله على ابن عامر وعلى ابن المبارك، وما أحسن ما قالته عائشة أم المؤمنين ﵂ يا ويح لبيد حيث يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
قالت: فكيف لو أدرك زماننا هذا.
وممن توفي فيها من الأعيان ملك المغرب محمد الخامس، وكانت وفاته ليلة الخميس ١٢ رمضان على إثر عملية أجريت له. وكان موصوفًا بالمواقف الصلبة في وجه الاستعمار والمستعمرين بحيث تحمل بسببها الطرد والتشريد عن وطن ومواطنيه. فلا حول ولا قوة إلَّا بالله ورحمة الله على أموات المسلمين. وكان قد عاد إلى العرش بعد ما سطر له التاريخ صحيفة من الفخر والشهامة. وإنَّها لمصيبة عظمى أن تفقد البلدان رجالها ورؤساءها المخلصين.
وفيها أعلنت الحكومة السعودية القرار رقم ٣٨٩ بتاريخ ١٥/ ٨ بمنع أعمال الحفر لأبيار إرتوازية حتى تنظر في شأن المياه لما أصبحت المياه لغزارتها تهدد بالأخطار المحيطة في مدينة بريدة ورحبت من جميع الأهالي وأرباب الحفارات التعاون مع مجلس الوزارة حول هذا الطلب.
وفيها تولى عرش إمارة قطر الحاكم أحمد بن علي بن عبد الله بن ثاني. فتنازل له والده عن العرش ليأخذ راحته فباشر الحاكم الجديد عمله.
وفيها في سادس عشر من شوال قام صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية بزيارة للكويت بدعوة من أميرها عبد الله السالم بن صباح فكانت هذه الزيارة رمزًا للصداقة ودليلًا على حسن الصلات إذ كان مسقط رأس الملك سعود وفرصة سانحة لتقوية روابط الإِخاء والود بين البلدين وأنَّه لا يوجد بينهما فوارق وأظهرت الحكومة والشعب فرحتهم وغبطتهم بهذا الاجتماع. نسأل الله تعالى أن يوفق العرب
стр. 1680
والمسلمين للصداقة والتضامن والمحبة وأن يجعل المسلمين يدًا واحدة على من سواهم.
وفيها عزمت الحكومة السعودية على فتح مدارس للبنات في بقية المدن السعودية ومن ضمنها مدينة بريدة وتقدم آل الراشد إلى مدير عام مدارس البنات بخطاب ضمنوه تقديم أحد بيوتهم فيها وتأثيثه ليكون مقرًا لمدرسة البنات المزمع افتتاحها. فشكر المدير لهم ذلك وهيأوا البيت المذكور الذي كان موقعه في قلب مدينة بريدة، ويعرف ببيت راشد الحميد.
وفيها نبعت في شمالي بريدة عين إرتوازية جديدة فوارة في موضع مزرعة سمو الأمير سعود بن هذلول. وتعتبر من أقوى الآبار الإرتوازية.
وفي هذه السنة قررت الاشتراكية في مصر عن أمر الرئيس جمال عبد الناصر واستمرَّ موضوعها هناك.
وفي هذه السنة اعترفت إيران بدولة إسرائيل وشق ذلك على العرب وعقد اجتماع في ١١ صفر الموافق ٤ أغسطس بمبنى الجامع الأزهر في مصر يضم علماء المسلمين للبحث في موقف الإِسلام نحو ذلك استنكارًا لاعتراف إيران بها بصفة أن العرب لم يرتضوا اتخاذ فلسطين موطنًا لليهود وأن يتخذ مهاجرًا لهم. وقد طال النقاش ونشر في الصحف والجرائد تركنا إيراده لأنَّه موجود.
بيان عن الصهاينة ومشكلة الشرق الأوسط
فنقول: إنَّ مقام اليهود في فلسطين ليهدد أمن العرب ويبعث الأحزان والهموم والغموم ذلك بأنَّها أمة مغتصبة وجبلت على البغي والكيد لأهل الإِسلام. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾. وقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا
стр. 1681
نَصَارَى﴾. كلمة صهيون اسم لليهود لأنَّها نسبة إلى جبل صهيون المشرف على مدينة القدس، ونسبتهم إلى الصهيونية فكرة لها اتجاه ديني واتجاه سياسي هدفها المباشر هو الاستيلاء على فلسطين وإعادة بناء معبدهم الديني المسمَّى هيكل سليمان وممارسة العبادة فيه وإقامة عرش داود في القدس ثانية. وأمَّا الهدف الآخر فهو الكيد للإِسلام والمسلمين والعمل على هدم كيان دين الإِسلام، فقد مزقوا المصاحف التي توصلت إليها أيديهم وهدموا منابر الخطب في المساجد التي هي بيوت الله وقد أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه وجرى منهم أذية للمسلمين كما في قصة بني قينقاع لما راود اليهودي الصائغ امرأة مسلمة على كشف وجهها فأبت فعمد إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فصاحت فضحكوا منها فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فحشدت اليهود على المسلم فقتلوه ووقع الشر بينهم وبين المسلمين والتجأوا إلى حصونهم. فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد أن استخلف على المدينة أبا لبابة وسار معه المسلمون. فحاصرهم رسول الله ﷺ ﷺ أشد الحصار ١٥ ليلة حتى نزلوا على حكمه بأنَّ له أموالهم ولهم النساء والذرية، وشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول بعدما أمر الرسول بتكتيفهم ... وَأَلَحَّ فقال الرسول ﵊: "خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم". فأجلاهم ولحقوا بأذرعات. وكما وقع عن يهود بني النضير لما أرادوا الكيد برسول الله ﷺ حينما خرج إليهم في نفر من أصحابه ليستعين بهم في دية قتيلين منهم وقع القتل عليهما من بعض الصحابة خطأ. فكلموه كلامًا لينًا حُلْوًا وهم بخلاف ذلك وخلى بعضهم ببعض يقولون: إنَّكم لن تجدوه على مثل هذا الحال، وكان حوالي جانب جدار من بيوتهم، فعزم أحدهم على أن يلقي عليه صخرة من فوق السطح، فجاء الخبر من السماء وقام كأنَّه يريد أن يقضي حاجة فرجع إلى المدينة واستعمل عليها ابن أم مكتوم ثم سار بالنَّاس فحاصرهم وتحصنوا ﴿وَظَنُّوا
стр. 1682
أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. فوقع الصلح بعدما خضعوا لحكم رسول الله ﷺ بأن يجليهم ويكف عن دمائهم وأن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلَّا الحلقة وقاموا يهدمون بيوتهم حسدًا للمسلمين ويحملون أبوابها وأخشابها إلى الشام. وكذلك ما وقع من يهود بني قريظة لما انضموا إلى الأحزاب ونكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وحاربوا الله ورسوله فحاصرهم ﷺ بعدما انفك الأحزاب وهزمهم الله حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ بأن تقتل معَاملتهم وتُسْبى ذراريهم وتغنم أموالهم. فأبادهم ﷺ بالسيف ودفنوا بأخاديد حُدَّثْ لهم في المدينة. وهكذا ما زالوا مشردين ومطرودين ولكنهم لا يزالون يسعون في الأرض بالفساد ويكيدون للإِسلام. وقد دخلوا فلسطين حينما كانت يسكنها الكنعانيون مع يوشع بن نون بعد أن عصوا نبي الله موسى ﷺ . ثم جاءهم عهد داود ﵊ الذي انتصر على جالوت وجنوده الكنعانيين، وتلاه عهد نبي الله سليمان بن داود فأظهر القوة عليهم باستمرار. فهذه العادة في معاملة اليهود منذ أن وجدوا قوم لا يجدي معهم غير القوة وبها وحدها يمكن السيطرة عليهم.
وبعد وفاته دب الخلاف بينهم كما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿وَأَلْقَينَا بَينَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. ولما زادوا في عصيانهم سخر الله عليهم الدول المجاورة كالأشوريين والكلدانيين وغيرهم فقضوا عليهم وشتتوا شملهم. وبعد زوال اليهود استولى الفرس على فلسطين ثم اليونان والرومان الذين طردوا بقيتهم من فلسطين وشتتوهم لسوء أعمالهم وخبث نواياهم. ولمَّا جاء الإِسلام وفتح الله الشام على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخليفة الراشد استسلمت اليهود ووضعت عليهم الجزية وسمح المسلمون لهم بأن يعيشوا في فلسطين رعايا مواطنين في ظل السيادة الإِسلامية. وهكذا
стр. 1683
حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ولقد كان الروس يقتلون اليهود نساء ورجالًا وأطفالًا وكانوا يشنقون الرجل وإلى جانبه رجل آخر ويشنقون بينهما كلبًا مبالغة في الاحتقار. ويروي لنا التاريخ ما صنعه بهم رئيس الحكومة الألمانية لما جمع ثلاثة ملايين من اليهود وصهرهم بأفران الغازات السامة حتى أعدم جزءًا منهم كبيرًا. ومن خبثهم ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان أنهم في العشر الأول من الشهر الأول في كل سنة يقولون في صلاتهم: (انتبه كم تنام يا رب استيقظ من رقدتك). فكيف تجرؤوا على الله هذه الجرأة ويزعمون بأنَّ الله ندم على خلق البشر الذين في الأرض لما رأى فساد قوم نوح ويقولون: إنَّه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وأنَّه عضَّ على أنامله حتى جرى الدم ولم يقبلوا التوراة ولم يخضعوا لأوامر الله استكبارًا وعتوًا حتى أمر الله جبريل فقلع جبلًا من أصله ثم رفعه فوق رؤوسهم وقيل لهم: إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم. وهذا مذكور في القرآن. وقد أتينا بكتابنا الدرر البهية في يوم السبت من شأنهم ما فيه كفاية. ولقد أكرمهم الخليفة العثماني عبد الحميد بن عبد المجيد لما وفدوا إلى الحكومة العثمانية ونزلوا بضيافته مطرودين من روسيا وغيرها وذلك بعدما قامت روسيا تسومهم سوء العذاب وأعملوا فيهم أشنع القتلات رجالًا ونساءً وأطفالًا. وفي سنة ١٧٦٧ ميلادي حرقوهم بالنَّار وأعدموا بالحرق ألوفًا دون أن يرحموا صغيرًا أو كبيرًا ولقوا هناك الفضائع. وبهذا يتضح بطلان مزاعم ادعاءات اليهود في أحقيتهم بامتلاك فلسطين بل عاشوا مطرودين مشتتين. ذلك بأنَّهم لا يرتبطون بأي مجتمع يعيشون فيه بل كانوا دعاة فتن وأهل دسائس ومؤامرات جبلوا عليها وعاشوا طوال حياتهم بلا وطن، وتكرههم الشعوب وتنبذهم أينما حلوا. وقد انضموا إلى بريطانيا وحليفاتها خلال الحرب العالمية الأولى وقدموا لهم جميع إمكاناتهم المادية والعلمية والرشا مقابل تأسيس وطن قومي في فلسطين فوعدهم بلفور بإنشاء
стр. 1684
وطن لهم في فلسطين وأخذت بريطانيا تنفذ مخططاتها لتحقيق وعد بلفور وعينت هربرت صموئيل اليهودي المتعصب كأول مندوب سامي بريطاني على فلسطين عام ١٩٢٠ م فقام بإرغام الفلاحين العرب على بيع أراضيهم وأملاكهم لليهود، وبشتى الوسائل شجع اليهود من جميع أنحاء العالم للهجرة إلى فلسطين وعين عددًا كبيرًا من اليهود في المناصب الكبرى وبذلك كان بين الرماد وبيض جمر، وما أحسن ما قاله القائل:
أرى بين الرماد وبيض جمر ... فيوشك أن يكون لها ضرام
فإن النَّار بالعيدان تذكى ... وإن الحرب أولها كلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فقلت من التعجب ليت شعري ... ءَأَيْقَاظ أمية أم نيام
ولمَّا أن نزلوا في الدولة العثمانية جاؤوا إلى السلطان عبد الحميد بكل وسيلة واستعانوا بوزراء بريطانيا بأن يجعل لليهود موطنًا في فلسطين ولكنه رفض طلبهم واستعانوا أيضًا بسفيري بريطانيا وأمريكا على إقناع السلطان لتغيير موقفه ولكنه رفض وآخر ذلك أن منع في عام ١٨٩٣ م من إقامة مملكة لليهود في فلسطين وكان لدهاء السلطان عبد الحميد لم ينخدع لتعطفات رجال بريطانيا واليهود وأصدر أوامر جديدة بمنع اليهود من شراء الأراضي في فلسطين، وحينما قال أحدهم: إنَّ عبيدك اليهود يا صاحب الجلالة مدينون لكم ولأجدادكم العظام وللشعب التركي المجيد بحسن الضيافة والمعاملة التي يلقونها، ولن ينسى التاريخ ما لقيه الشعب اليهودي من العطف والرعاية التي رأوها وهم يدعون لكم بطول العمر، لم يكترث ولم يعبأ بنفاقهم. وآخر ذلك أن قال أحدهم لما قال السلطان: هل لكم شكاية من معاملة غير عادلة كانت في مملكتنا، أجابه بخشوع ورهبة: استغفر الله يا صاحب الجلالة إن رعاياكم اليهود يتمتعون بكل طمأنينة وامتنان ولا يوجد لهم أي شكاية وكل ما هنالك أننا نسترحم منكم ولو قطعة
стр. 1685
أرض رمزية تكون لهم مركزًا ويحجون إليه في ظل دولتكم وليقيموا فيه بالصلاة والدعاء والشكر لسدتكم، وآخر ذلك أن قالوا للسلطان: إنَّا نعرض على جلالتكم بأن تقدروا أن تحسبوا ما تستنسبونه من ثمن للأراضي التي تعود ملكيتها إلى جلالتكم يشرط أن يدفع اليهود بدلها نقدًا مع الزيادة مهما بلغ وارتفع الثمن من ملايين الليرات الذهبية. فثار الدم وغلا في عروق السلطان وصاح بالمتفاوضين: هل وصل بكم الأمر لتعرضا عليَّ ثمنًا لقطعة أرض عزيزة من الوطن. ولما أيسوا من مراودته ولم يخضع لمنحهم شيئًا ولم ينخدع لأطماعهم عدلوا إلى اللجوء إلى اغتياله والقيام بالمؤامرات ضده عليه. وهذا عندما فشلوا في محاولاتهم وسعوا بمؤازرة من استجاب لهم إلى خلع السلطان عبد الحميد. وفعلًا جرى خلعه بمؤامراتهم، وكانوا قد ألقوا قنبلة قبل ذلك في عربته للقضاء عليه، وذلك بعد ظهر يوم الجمعة ٢١ تموز عام ١٩٠٥ م ولكنه قد توقف يتحدث مع أحد العلماء ويبادله بعض الحديث، فتأخر عن الوقت الذي انفجرت القنبلة فيه وسلم. ولمَّا لم يصلوا إلى غرضهم لفقوا حكايات وقصصًا يستميلون بها النَّاس وألصقوها به واستعانوا عليه بحزب الاتحاد والترقي حتى خلع وأبعد عن العرش بأن أوفد البرلمان العثماني في ١٤ نيسان ١٩٠٩ م هيئة لإِبلاغه قرار الخلع. فأجاب عبد الحميد: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وكان قد علم بتمرد بعض الجيش وأخبره الصدر الأعظم وسألوه مقاومة المتمردين، ولكنه رفض. ولقد جدَّ اليهود واجتهدوا في أذية المسلمين وبالغوا بالعداوة. وهكذا فعل مستعمر خسيس عداوته في الدين كما قيل:
كل العداوة قد ترجى مودتها ... إلَّا عداوة من عاداك في الدين
فيا أمة الإِسلام ويا أمناء العرب ويا فوارس محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أمَّا فيكم من غيرة على وطن استلب من أربابه وتحكم فيه عدو الإِسلام أين شجاعتكم. أين شهامتكم. أين دفاع الأسود عن عرينها؟ أمَّا