نَصَارَى﴾. كلمة صهيون اسم لليهود لأنَّها نسبة إلى جبل صهيون المشرف على مدينة القدس، ونسبتهم إلى الصهيونية فكرة لها اتجاه ديني واتجاه سياسي هدفها المباشر هو الاستيلاء على فلسطين وإعادة بناء معبدهم الديني المسمَّى هيكل سليمان وممارسة العبادة فيه وإقامة عرش داود في القدس ثانية. وأمَّا الهدف الآخر فهو الكيد للإِسلام والمسلمين والعمل على هدم كيان دين الإِسلام، فقد مزقوا المصاحف التي توصلت إليها أيديهم وهدموا منابر الخطب في المساجد التي هي بيوت الله وقد أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه وجرى منهم أذية للمسلمين كما في قصة بني قينقاع لما راود اليهودي الصائغ امرأة مسلمة على كشف وجهها فأبت فعمد إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فصاحت فضحكوا منها فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فحشدت اليهود على المسلم فقتلوه ووقع الشر بينهم وبين المسلمين والتجأوا إلى حصونهم. فسار إليهم رسول الله ﷺ بعد أن استخلف على المدينة أبا لبابة وسار معه المسلمون. فحاصرهم رسول الله ﷺ ﷺ أشد الحصار ١٥ ليلة حتى نزلوا على حكمه بأنَّ له أموالهم ولهم النساء والذرية، وشفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول بعدما أمر الرسول بتكتيفهم ... وَأَلَحَّ فقال الرسول ﵊: "خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم". فأجلاهم ولحقوا بأذرعات. وكما وقع عن يهود بني النضير لما أرادوا الكيد برسول الله ﷺ حينما خرج إليهم في نفر من أصحابه ليستعين بهم في دية قتيلين منهم وقع القتل عليهما من بعض الصحابة خطأ. فكلموه كلامًا لينًا حُلْوًا وهم بخلاف ذلك وخلى بعضهم ببعض يقولون: إنَّكم لن تجدوه على مثل هذا الحال، وكان حوالي جانب جدار من بيوتهم، فعزم أحدهم على أن يلقي عليه صخرة من فوق السطح، فجاء الخبر من السماء وقام كأنَّه يريد أن يقضي حاجة فرجع إلى المدينة واستعمل عليها ابن أم مكتوم ثم سار بالنَّاس فحاصرهم وتحصنوا ﴿وَظَنُّوا
стр. 1682
أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. فوقع الصلح بعدما خضعوا لحكم رسول الله ﷺ بأن يجليهم ويكف عن دمائهم وأن لهم ما حملت الإِبل من أموالهم إلَّا الحلقة وقاموا يهدمون بيوتهم حسدًا للمسلمين ويحملون أبوابها وأخشابها إلى الشام. وكذلك ما وقع من يهود بني قريظة لما انضموا إلى الأحزاب ونكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وحاربوا الله ورسوله فحاصرهم ﷺ بعدما انفك الأحزاب وهزمهم الله حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ بأن تقتل معَاملتهم وتُسْبى ذراريهم وتغنم أموالهم. فأبادهم ﷺ بالسيف ودفنوا بأخاديد حُدَّثْ لهم في المدينة. وهكذا ما زالوا مشردين ومطرودين ولكنهم لا يزالون يسعون في الأرض بالفساد ويكيدون للإِسلام. وقد دخلوا فلسطين حينما كانت يسكنها الكنعانيون مع يوشع بن نون بعد أن عصوا نبي الله موسى ﷺ . ثم جاءهم عهد داود ﵊ الذي انتصر على جالوت وجنوده الكنعانيين، وتلاه عهد نبي الله سليمان بن داود فأظهر القوة عليهم باستمرار. فهذه العادة في معاملة اليهود منذ أن وجدوا قوم لا يجدي معهم غير القوة وبها وحدها يمكن السيطرة عليهم.
وبعد وفاته دب الخلاف بينهم كما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿وَأَلْقَينَا بَينَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. ولما زادوا في عصيانهم سخر الله عليهم الدول المجاورة كالأشوريين والكلدانيين وغيرهم فقضوا عليهم وشتتوا شملهم. وبعد زوال اليهود استولى الفرس على فلسطين ثم اليونان والرومان الذين طردوا بقيتهم من فلسطين وشتتوهم لسوء أعمالهم وخبث نواياهم. ولمَّا جاء الإِسلام وفتح الله الشام على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخليفة الراشد استسلمت اليهود ووضعت عليهم الجزية وسمح المسلمون لهم بأن يعيشوا في فلسطين رعايا مواطنين في ظل السيادة الإِسلامية. وهكذا
стр. 1683
حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. ولقد كان الروس يقتلون اليهود نساء ورجالًا وأطفالًا وكانوا يشنقون الرجل وإلى جانبه رجل آخر ويشنقون بينهما كلبًا مبالغة في الاحتقار. ويروي لنا التاريخ ما صنعه بهم رئيس الحكومة الألمانية لما جمع ثلاثة ملايين من اليهود وصهرهم بأفران الغازات السامة حتى أعدم جزءًا منهم كبيرًا. ومن خبثهم ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في إغاثة اللهفان أنهم في العشر الأول من الشهر الأول في كل سنة يقولون في صلاتهم: (انتبه كم تنام يا رب استيقظ من رقدتك). فكيف تجرؤوا على الله هذه الجرأة ويزعمون بأنَّ الله ندم على خلق البشر الذين في الأرض لما رأى فساد قوم نوح ويقولون: إنَّه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة وأنَّه عضَّ على أنامله حتى جرى الدم ولم يقبلوا التوراة ولم يخضعوا لأوامر الله استكبارًا وعتوًا حتى أمر الله جبريل فقلع جبلًا من أصله ثم رفعه فوق رؤوسهم وقيل لهم: إن لم تقبلوها ألقيناه عليكم. وهذا مذكور في القرآن. وقد أتينا بكتابنا الدرر البهية في يوم السبت من شأنهم ما فيه كفاية. ولقد أكرمهم الخليفة العثماني عبد الحميد بن عبد المجيد لما وفدوا إلى الحكومة العثمانية ونزلوا بضيافته مطرودين من روسيا وغيرها وذلك بعدما قامت روسيا تسومهم سوء العذاب وأعملوا فيهم أشنع القتلات رجالًا ونساءً وأطفالًا. وفي سنة ١٧٦٧ ميلادي حرقوهم بالنَّار وأعدموا بالحرق ألوفًا دون أن يرحموا صغيرًا أو كبيرًا ولقوا هناك الفضائع. وبهذا يتضح بطلان مزاعم ادعاءات اليهود في أحقيتهم بامتلاك فلسطين بل عاشوا مطرودين مشتتين. ذلك بأنَّهم لا يرتبطون بأي مجتمع يعيشون فيه بل كانوا دعاة فتن وأهل دسائس ومؤامرات جبلوا عليها وعاشوا طوال حياتهم بلا وطن، وتكرههم الشعوب وتنبذهم أينما حلوا. وقد انضموا إلى بريطانيا وحليفاتها خلال الحرب العالمية الأولى وقدموا لهم جميع إمكاناتهم المادية والعلمية والرشا مقابل تأسيس وطن قومي في فلسطين فوعدهم بلفور بإنشاء
стр. 1684
وطن لهم في فلسطين وأخذت بريطانيا تنفذ مخططاتها لتحقيق وعد بلفور وعينت هربرت صموئيل اليهودي المتعصب كأول مندوب سامي بريطاني على فلسطين عام ١٩٢٠ م فقام بإرغام الفلاحين العرب على بيع أراضيهم وأملاكهم لليهود، وبشتى الوسائل شجع اليهود من جميع أنحاء العالم للهجرة إلى فلسطين وعين عددًا كبيرًا من اليهود في المناصب الكبرى وبذلك كان بين الرماد وبيض جمر، وما أحسن ما قاله القائل:
أرى بين الرماد وبيض جمر ... فيوشك أن يكون لها ضرام
فإن النَّار بالعيدان تذكى ... وإن الحرب أولها كلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فقلت من التعجب ليت شعري ... ءَأَيْقَاظ أمية أم نيام
ولمَّا أن نزلوا في الدولة العثمانية جاؤوا إلى السلطان عبد الحميد بكل وسيلة واستعانوا بوزراء بريطانيا بأن يجعل لليهود موطنًا في فلسطين ولكنه رفض طلبهم واستعانوا أيضًا بسفيري بريطانيا وأمريكا على إقناع السلطان لتغيير موقفه ولكنه رفض وآخر ذلك أن منع في عام ١٨٩٣ م من إقامة مملكة لليهود في فلسطين وكان لدهاء السلطان عبد الحميد لم ينخدع لتعطفات رجال بريطانيا واليهود وأصدر أوامر جديدة بمنع اليهود من شراء الأراضي في فلسطين، وحينما قال أحدهم: إنَّ عبيدك اليهود يا صاحب الجلالة مدينون لكم ولأجدادكم العظام وللشعب التركي المجيد بحسن الضيافة والمعاملة التي يلقونها، ولن ينسى التاريخ ما لقيه الشعب اليهودي من العطف والرعاية التي رأوها وهم يدعون لكم بطول العمر، لم يكترث ولم يعبأ بنفاقهم. وآخر ذلك أن قال أحدهم لما قال السلطان: هل لكم شكاية من معاملة غير عادلة كانت في مملكتنا، أجابه بخشوع ورهبة: استغفر الله يا صاحب الجلالة إن رعاياكم اليهود يتمتعون بكل طمأنينة وامتنان ولا يوجد لهم أي شكاية وكل ما هنالك أننا نسترحم منكم ولو قطعة
стр. 1685
أرض رمزية تكون لهم مركزًا ويحجون إليه في ظل دولتكم وليقيموا فيه بالصلاة والدعاء والشكر لسدتكم، وآخر ذلك أن قالوا للسلطان: إنَّا نعرض على جلالتكم بأن تقدروا أن تحسبوا ما تستنسبونه من ثمن للأراضي التي تعود ملكيتها إلى جلالتكم يشرط أن يدفع اليهود بدلها نقدًا مع الزيادة مهما بلغ وارتفع الثمن من ملايين الليرات الذهبية. فثار الدم وغلا في عروق السلطان وصاح بالمتفاوضين: هل وصل بكم الأمر لتعرضا عليَّ ثمنًا لقطعة أرض عزيزة من الوطن. ولما أيسوا من مراودته ولم يخضع لمنحهم شيئًا ولم ينخدع لأطماعهم عدلوا إلى اللجوء إلى اغتياله والقيام بالمؤامرات ضده عليه. وهذا عندما فشلوا في محاولاتهم وسعوا بمؤازرة من استجاب لهم إلى خلع السلطان عبد الحميد. وفعلًا جرى خلعه بمؤامراتهم، وكانوا قد ألقوا قنبلة قبل ذلك في عربته للقضاء عليه، وذلك بعد ظهر يوم الجمعة ٢١ تموز عام ١٩٠٥ م ولكنه قد توقف يتحدث مع أحد العلماء ويبادله بعض الحديث، فتأخر عن الوقت الذي انفجرت القنبلة فيه وسلم. ولمَّا لم يصلوا إلى غرضهم لفقوا حكايات وقصصًا يستميلون بها النَّاس وألصقوها به واستعانوا عليه بحزب الاتحاد والترقي حتى خلع وأبعد عن العرش بأن أوفد البرلمان العثماني في ١٤ نيسان ١٩٠٩ م هيئة لإِبلاغه قرار الخلع. فأجاب عبد الحميد: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وكان قد علم بتمرد بعض الجيش وأخبره الصدر الأعظم وسألوه مقاومة المتمردين، ولكنه رفض. ولقد جدَّ اليهود واجتهدوا في أذية المسلمين وبالغوا بالعداوة. وهكذا فعل مستعمر خسيس عداوته في الدين كما قيل:
كل العداوة قد ترجى مودتها ... إلَّا عداوة من عاداك في الدين
فيا أمة الإِسلام ويا أمناء العرب ويا فوارس محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أمَّا فيكم من غيرة على وطن استلب من أربابه وتحكم فيه عدو الإِسلام أين شجاعتكم. أين شهامتكم. أين دفاع الأسود عن عرينها؟ أمَّا
стр. 1686
كنتم أبناء التبابع. أما كنتم أمة العروبة؟ أما كنتم فوارس العرب المغاوير أبناء خالد بن الوليد وقتيبة بن مسلم ومحمد بن القاسم وموسى بن نصير؟ إنَّ العزة لله جميعًا ولرسوله وللمؤمنين، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾. ويا أيها الرجال البواسل يجب عليكم أن تفتكوا بالمستعمرين وتطردوهم عن أراضكم شر طردة وتستردوا كل ما أخذوه ثم عودوا عليهم فدكدكوا عروشهم واحتلوها وأقيموا فيها شرائع الله وعدالة دين الإِسلام. فلن يخرج هؤلاء المستعمرون إلَّا بحرب ضروس. ولن تقيموا دولة القرآن إلَّا بغزو طويل مرير. فكيف يكون وعد بلفور مسوغًا لأخذ فلسطين واستلابه من العرب فيكون ذلك الوطن السليب ملكًا لإِسرائيل نتيجة صك من إنجلترا قام به وزير خارجيتها بتصرف رجل أجنبي في أرض عربية. إنَّ هذا ليدعو إلى الدهشة على أن بريطانيا لتنظر بعين الرضا إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين العربية. أما كان اليهود يعرفون باليهود؟ فمن سماهم إسرائيل؟ أما كان أسطول بريطانيا يجول مياه العالم يرسو حيث شاء، فكل ميناء له مرسى، وكل بلد له تابع، وكل أمَّة له مستعبدة. واليوم هذا تحطم تاج الأسد البريطاني ونتف الزمان لبدته فتحررت الهند وعظمت الصين فصارت دولة عظمى ولم تعد بريطانيا بقادرة على شن الحرب عليها وتثاءبت إفريقيا بعد طول سبات فصارت تطارد بريطانيا. كما أن مصر قامت بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر وأجلوا جيوش إنجلترا. وقامت العراق وتحررت منها. وتنفست الأردن الصعداء بعد طرد اجلوب والاستعمار عن ديارها. وهكذا تغير وجه الكون وحار الأسد البريطاني. وإذا كانت بقايا فلسطين مهددة من إسرائيل في اعتداءاتها على الأهالي بسفك الدماء وإخافة الآمنين وملئت السجون منهم فما هو المانع من إيقاف إسرائيل على حدها ولم لا يحل مجلس الأمن هذه المشكلة طيلة هذه الأزمان وآخر ذلك أخذ اليهود يذيقون العرب من سكان الأراضي المحتلة صنوف التعذيب والتنكيل
стр. 1687
ليحملوهم على الهجرة من بلادهم التي عاشوا بها وهي مسقط رؤوسهم وبلاد آباءهم وأجدادهم. وقد سبق في سنتي ١٣٦٧ و ١٣٦٨ هـ ما يشفى عن مطامع اليهود وخيانتهم والحرب التي بينهم وبين العرب، وسيأتي على ممر السنين ما حصل منهم والعياذ بالله من الأذى وسوء المعاملة للعرب بتأييد أمريكا وبريطانيا لها.
الحرب بين الجزائر وفرنسا
أما ما كان من الحروب بين فرنسا والجزائر فقد استمرت ست سنوات ذهب ضحيتها ما يزيد على مليون من أهل الجزائر واعتقل في السجون والتعذيب بأقسى معاملة ما يزيد على مليونين. هذا إلى العدد الكبير من المشردين واللاجئين في تونس والمغرب وغيرهما ذلك بأنَّ فرنسا المزود جيشها بأنواع الأسلحة الحديثة الفتاكة والمعدات الرهيبة لم تكتف بهذه المعدات القوية الرهيبة وإنما جاؤوا بمساندة الأوروبيين المسلحين واستطاعت الجزائر أن تحارب هذه الجنود المتظافرة التي هي عبارة عن حلف الأطلسي بكامله بطائراته ودباباته وجنوده ومساعداته المختلفة، ذلك الحلف المشؤوم الذي يناصر فرنسا الباغية ويضع تحت تصرفاتها قواته الضخمة لتنكل بالأحرار المجاهدين وليمعن في حرب الإِبادة التي تشنها في الجزائر. ومع هذا فلم يهنوا ولم يستكينوا وإنما ناضلوا بقوة إيمان وثبات جنان دفاعًا عن حقوق مسلوبة وصمودًا أمام النساء أن تنتهك والذراري أن تعدم لم يتخاذلوا ولم يتقاعسوا وقد رأوا من الوحشية وصنوف العذاب والتعذيب ما لا يصدقه العقل. ولقد كانت الطائرات تصب عليهم القنابل كما فعلت بالسنين التي قبل هذه، فيقتلون النساء والأطفال والشيوخ بلا حساب، ويدكون القرى بكاملها. ولكنه خاب وفشل أمام صرختهم القوية السفاح ديجول وثبت أولئك الأسود الكاسرة الذين أدخلوا الرعب في قلوب الفرنسيين حتى في قلب عاصمتهم باريس الآمنة بتضحياتهم في سبيل الدفاع
стр. 1688
عن بلادهم وتطهير أرضهم من الدخلاء والأنذال وامتشقوا الحسام وثبتوا في الحروب وكانوا يلاقون صنوفًا من العذاب على أيدي زبانية ديجول ولم يكونوا أمام خصم شريف يرعى للعهود والمواثيق حرمة بل كان غادرًا. فلقد مضي على كفاح الجزائريين سنون طوال، وكان من الواجب أن يعطف عليهم من ليس في قلبه رحمة ولا إنسانية، وإنما خشية من العار، ومع هذا فإنَّ هيئة الأمم المتحدة لم تتخذ إزاء هذه المشكلات أي قرار من شأنه رد الحق إلى صاحبه وإعادة الجزائر عربية حرة. ولم تتحرك الأمم المتحدة وتضع حدًّا للدماء في الجزائر. فأين الحرية التي تزعم أنَّها تسعى لها؟ وأين الاسم الذي سموا به أنفسهم. هذا وقد قال العلي العظيم، الإله الملك الحكيم في محكم كتابه العزيز ومبرم كلامه البليغ الوجيز: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾. نعم أخرجوا من ديارهم وأوذوا وقتلوا وشردوا وسجنوا، ولم يكن أمام العدو الباغي من يذود عن أولئك الضعفاء المغلوبين الذين تغلب عليهم عدو لئيم منتقم كأنَّه جاء إلى فلسطين ليأخذ بالثأر لأصحابه الهالكين الذين أخرجتهم شجاعة رسول الله ﷺ وشجاعة أصحابه من المدينة المنورة لسوء فعالهم وقبح نواياهم فكأنهم بفعالهم بأهالي فلسطين في القرن الرابع عشر منتقمون. وإنَّ الله على نصر أولئك الضعفاء لقدير. وهذا إظهار القوة والمنعة والغلبة من جانب الله لمن كان معه والتجأ إليه. فهو القادر على نصرة المغلوبين وفيه البشارة بأنَّه وإن ضعف عدد المؤمنين وعددهم وقوي عدد الكافرين وعددهم فإنَّه ركن المؤمنين والثائر لهم والمنتقم من عدوهم. فعليهم بذل الأسباب ومنه النصر. وقد يتأخر النصر لتبذل الأمة ما في طاقتها من قوة وما تملكه من
стр. 1689
منعة لتعلم أن النصر إنَّما يأتي من قبل الله . وقد يتأخر النصر لحكمة يريدها الله لتقوى صلة المؤمنين بربهم وليعرفوا أنَّه لا يجيب المضطر إلَّا هو ولا يدفع البلوى سواه. وقد يتأخر النصر لكون الجهاد قد لا يكون دينيًّا بل يكون وطنيًّا أو يكون عن حمية أو يكون إظهارًا للشجاعة أمام العدو. ولهذا لما سُئل ﷺ عن الرجل يقاتل حمية أو يقاتل شجاعة أو يقاتل ليرى مَكَانَهُ أيها في سبيل الله. فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وقد تكون الأمور مرهونة لأوقاتها حتى تظل الحيلة ويعلم المغلوبون أنَّه لا نصر حتى يأذن الله به وإنَّ الله لقوي عزيز. فمن قوته وعزته تعالى ما قابل به قوم حبيب النجار مؤمنِ آل ياسين من العقوبة لما قتلوه شر قتلة حينما قال: إني آمنت بربكم فاسمعون بحيث ما كانوا بحاجة إلى أن ينزل الله عليهم جندًا من السماء أو ترسل عليهم حجارة من السماء أو جبال تدكهم وتهلكهم أو بحار تغرقهم. ما كان إلَّا أن بعث الله ملكًا صاح بهم صيحة فتقطعت قلوبهم في صدورهم وأصبحوا خامدين. وقد يكون الانهزام بسبب الإِعجاب بالكثرة والاتكال عليها لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهذا شيء معلوم.
وفيها في مساء السبت الموافق ٣/ ٤ وصل إلى مطار الرياض رئيس جمهورية غينيا أحمد سيكوتوري بناء على الدعوة الموجهة إليه وكان في استقباله صاحب الجلالة الملك سعود وأصحاب السمو الأمراء ومعالي الوزراء والأعيان.
وفيها في حادي وعشرين رجب جلبت أسرة الراشد خبراء لمشروع الدغمانيات في البطين وهذه الدغمانية أو الدغمانيات عبارة عن رياض وفياض في البطين استولت عليها عن طريق المنحة. وتقدر مساحتها بدائرة مساحتها ٢٣ كيلو متر أراضي زراعية غرسوا فيها الأشجار والنخيل والخضر وما إلى ذلك ممَّا سخروا له الملايين في سبيل إحيائه وإظهارها بمظهر لم
стр. 1690
يسبق له نظير في نجد بل في الشرق الأوسط، وعمدوا إلى السعي بالطريقة الحديثة وهي المطر الصناعي ويرجى إن تمَّ ذلك أن يكون له موقع عظيم، وقد كثر السقي في هذا وأمثاله في فياض البطين وغيرها مما أوجد أنواع البطيخ والقثاء والبقول وغيرها كالباذنجان والبطاطس واليقطين بأنواعه والكوسة وأشياء في القصيم لم يكونوا يعرفونها فيما قبل. وقد رأيت في إحدى مزارع عنيزة مزرعة سليمان بن حمد بن حويس مملوءة بالأترج والحمضيات التي هي البرتقال الحسن وكانت قناطر ممتدة مملوءة بهذا النعيم الكبير. وقد يجد المار بها والجالس فيها من صاحبها الترحيب والبشاشة والخلق الحسن. أمَّا عن آل راشد فلهم فضل كبير في الصبر على ما ينالهم من مضايقات أهل النزهة والفرجة ويُشكرون على ذلك. كما أن شركة الكهرباء هم الأصل في تأسيسها وقد قامت مزارع البطين والباطن من أعمال بريدة تصدر شحنات البطيخ والبرسيم واليقطين العسلي والبصل إلى الحجاز والرياض والظهران والكويت وغيرها وبيع بصل القصيم في بيروت والشام وغيرها. وكان البطيخ أعني الحبحب يباع بقيمة زهيدة. وختمت هذه السنة بمشاكل كثيرة في العالم ولا سيما الكنغو فإن فيها مجازر بشرية.
ثم دخلت سنة ١٣٨١ ه ـ
ففيها أعلن الكويت استقلاله عن بريطانيا وأنَّ الكويت بلد حرة عربية وذلك ليحصل على الاستقلال من سيطرة النفوذ البريطاني واستطاع الكويت الحصول على أعز متطلباته وهو الاستقال بدون سفك قطرة دم. ولمَّا شاع هذا النبأ قام زعيم العراق عبد الكريم قاسم يظهر نواياه من أن الكويت جزء من العراق وسيضمه إليه وأن ضم الكويت إلى العراق أمر لازم. ويا حبذا لو حصل ذلك للعراق فإنَّها غنيمة باردة ولكن دون الحياض من يذود عنها. فلقد صاح العرب بعبد الكريم قاسم وأجلبوا عليه وأنها بادرة سوء تبدر من العراق. وقام الملك سعود بن عبد العزيز ببعث قوات إلى الكويت فوصلت
стр. 1691
طلائع القوات السعودية إلى إمارة الكويت لحمايتها كما بعثت الحكومات العربية قواتها إلى الكويت لتحل مكان القوات البريطانية المرابطة هناك عند جلائها. ولما كان في غاية محرم من هذه السنة جرت محاولة لاغتيال ديجول في باريس، لكنها فشلت بسبب عدم تكامل انفجار القنبلة تحت سيارته وكتبت له النجاة. هذا ولا يزال الوفد الكويتي يطوف بالبلاد العربية ليعرض وجهة نظر بلاده على المسؤولين العرب. وقد أيدت الدول العربية التي زارها استقلال الكويت. أمَّا عن الجزائر فقد شنوا حملات عديدة على البوليس الفرنسي في العاصمة الفرنسية وألحقوا عدة إصابات به. ويعتبر هذا نصرًا مؤزرًا للجزائر.
وقف الحرب في الجزائر
لمَّا أبت أن تلين قناة أهل الجزائر للاستسلام لفرنسا، بل استمروا مناضلين ومكافحين معتمدين على الله ، ثم على الحق لأنَّ الحق يعلو ولا يعلى عليه بصفتها مظلومة معتدى عليها لم تجد الأمم المسؤولة إلَّا أن تؤيد موقفها فتقرر وقف إطلاق النار فيها وإعلان اتفاقية استقلالها. فتوقف القتال واستقلت الجزائر في هذه السنة بعد جهاد طويل مرير. وكان الملك سعود قد تبرع لها في هذه السنة بمبلغ مليون جنيه إسترليني مساعدة لها. وكان قد دعى الرئيس أبو رقيبة مستر همر شولد سكرتير الأمم المتحدة لزيارة تونس للاطلاع عن كثب على وحشية الفرنسيين للتباحث معه حول الأزمة القائمة بين تونس وفرنسا التي نشبت على أثر مطالبة تونس لفرنسا بإجلاء قواتها عن قاعدة بنزرت. وكان صاحب الجلالة الملك سعود من أول المسارعين إلى إبلاع الحكومة التونسية تأييد المملكة العربية السعودية في كفاحها ضد الاحتلال الفرنسي. وقد طلب الملك سعود إلى وزير الدفاع السعودي ورئيس أركان حرب الجيش السعودي أن يكونا على استعداد في تأهب دائم نصرًا للموقف الحرج بين تونس وفرنسا.
стр. 1692
استقلال الجزائر
في كلام الحكمة: من عرف الحق عزَّ عليه أن يكون مهضومًا. لما كان في شهر شوال من هذه السنة في الساعة الثانية عشرة تزيد ثلاثين دقيقة ليلة ١٥ من الشهر المذكور نالت الجزائر استقلالها بعد حرب استمرت سبع سنوات وخمسة أشهر. وكان ابتداء الثورة في ٤ نوفمبر عام ١٩٥٤ م الموافق ٣/ ٩ / ١٣٧٤ هـ. كتب لها ذلك النضال صحيفة من المجد في وجه التاريخ. قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وقالت الحكماء: إياك والسآمة فتقذفك الرجال خلف أعقابها. وقد أثنى الله على الصابرين وبشرهم وحث على الصبر وأخبر أنَّه مع الصابرين.
وفيها تأسست رابطة العالم الإِسلامي وذلك في اليوم الرابع عشر من شهر ذي الحجة واتخذ مقرها في مكة المكرمة وجعل لها مجلس مؤلف من كبار العلماء ورجال التفكير الإِسلامي وأمين عام، وذلك لتوحيد صفوف المسلمين ضد كل من أراد الإِسلام وأهله بسوء.
وفيها في يوم الأربعاء ٢٢ شوال صباحًا نزل الشيخ عبد الله السالم حاكم الكويت في مطار الرياض زائرًا المملكة السعودية فكان في استقباله صاحب الجلالة وولي العهد وأصحاب السمو الأمراء ومعالي الوزراء وكبار رجال الدولة.
وفيها في غرة ربيع الأول تأسست بلدية مدينة بريدة برئاسة الرجل الطيب عبد الله بن حمود البراك. كان معروفًا بالأمانة والإِخلاص والنزاهة. ولقد باشر مهمته بجد ونشاط وجعل يواصل أعماله الإِصلاحية في المدينة ويلقي نظرته على الشارع الرئيسي في الخبيب تمهيدًا لإِجراء التعديلات عليه بحيث يكون متناسبًا مع أوضاع البلد الحالية.
стр. 1693
وفيها قام آل الراشد متبرعين بإصلاح مطار مؤقت لبريدة يبعد عنها شمالًا بخمس كيلو مترات لأنَّ المطار الأول أصبح قريبًا من البلد، كذا يقول الموجهون. ووافقت مصلحة الطيران على ذلك فشرع في تمهيد الأخير وتعبيده وذلك في يوم السبت ١٨/ ٣ من هذه السنة. وبعدما تمَّ إصلاحه كان البريد الجوي ينزل فيه.
تأسيس الجامعة الإِسلامية في المدينة
كانت الدولة العثمانية قد فكرت في جعل كلية علمية إسلامية في المدينة لشباب الحجاز وغيرهم ووفدت لذلك وفدًا لارتياد موضع لها وأرادوا الشروع في العمل. غير أن خلع السلطان عبد الحميد ووقوع الحرب العالمية الأولى ثم الحرب بينها وبين الشريف حال بينها وبين هذه الخطوة وأدخرها الله للحكومة السعودية. فقد دارت المشاورات بين الملك سعود بن عبد العزيز وبين سماحة المفتي فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم حول إنشاء الجامعة الإِسلامية في المدينة المنورة وتبرع جلالته ببعض قصوره في المدينة لهذا الغرض. والجدير بالذكر أن جلالة الملك المعظم قد أمر بافتتاح هذه الجامعة على حسابه الخاص وهي الآن تستقبل عددًا كبيرًا من الطلاب وما زالت تتطور حتى اتسعت رقعتها وزاد في بنايتها الملوك بعد سعود واتسعت حتى لقد حدثني بعض الموظفين فيها أنَّها بلغت مساحتها سبعة ملايين متر مربع وأنَّ صالة الطعام اتسعت لثلاثة آلاف طالب. وإليك النشرة التي تتعلق بميزانيتها حالة التأسيس: بعونه تعالى نحن سعود بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية تقديرًا منَّا لما لنشر العلوم الإِسلامية من أثر نافع في تثبيت دعائم الدين والنهوض بالأمة الإِسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، ورغبة في إبلاغ الرسالة الإِسلامية من حيث أننا استهدينا لهذه الغاية ما زلنا عاملين على تشجيع التعليم ونشر المعارف، وحرصًا منَّا على السير على هدي القرآن وسنة رسول الله وسيرة السلف الصالح وابتغاء
стр. 1694
مرضاة الله وثوابه، أمرنا بما هو آت:
المادة الأولى: إنشاء جامعة إسلامية بالمدينة المنورة تسمى الجامعة الإِسلامية.
المادة الثانية: تعتمد الجامعة الإِسلامية في مواردها على الأموال التي تقرر لها من خاصتنا الملكية.
المادة الثالثة: تقررت ميزانية الجامعة الإِسلامية في العام الدراسي ٨١ - ٨٢ بمبلغ ثلاثة ملايين ريال سعودي تؤدى من خاصتنا الملكية.
المادة الرابعة: يكون القبول للطلاب السعوديين وغير السعوديين بالجامعة الإِسلامية وسير الدراسة ومناهج العلوم التي تدرس فيها حسب الشروط والأوضاع الواردة في النظام الأساسي للجامعة الإِسلامية ولوائحها.
المادة الخامسة: يعمل بأمرنا هذا من تاريخ صدور ونشره في الجريدة الرسمية. التوقيع الملكي الكريم: سعود.
جرت تعديلات وزارية حسب الأمر الملكي يعين فيصل بن تركي بن عبد العزيز وزيرًا للداخلية، ويضم إلى نجل الملك محمد بن سعود وزير الدفاع مهام وزارة المالية والاقتصاد الوطني بالنيابة لحين صدور أمر آخر، ويعهد إلى ناصر المنقور بوزارة العمل والعمال والشؤون الاجتماعية إلى جانب عمله، ويعين عبد الله السعد وزيرًا للمواصلات، ويعين إبراهيم السويل وزيرًا للخارجية، ويعين بدر بن سعود نجل الملك أميرًا لمنطقة الرياض. وذلك بتاريخ ١/ ٤.
стр. 1695
ذكر من توفي فيها من الأعيان
الشيخ عبد الله الخليفي وهذه ترجمته: هو الشيخ عبد الله بن صالح بن عبد الرحمن بن منصور الخليفي قيل إن قبيلة المترجم ينتمون إلى الأكراد وهي عشيرة في البكيرية. فخاله الشيخ محمد الخليفي وابن خاله الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي إمام المسجد الحرام بمكة المكرمة. ولد المترجم ﵀ في مدينة البكيرية عام ١٣٠٠ فتعلم في مسقط رأسه على مقرئ فيها كتاب الله ومبادئ الكتابة. وأخذ يتعلم على خاله محمد ثم أنَّه سار إلى مدينة حائل فأخذ عن علمائها ومن أخذ عنه الشيخ عبد الله بن مسلم التميمي، وهو وإن كان عالمًا ويصفه بعض العلماء بالعلم والمعرفة أعني شيخه ابن مسلم هذا فإن بعض العلماء يصفه بمنافرته لعلماء نجد وميوله إلى آل رشيد لأنَّه كان قاضيًا في حائل ومخلصًا لهم. وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن صالح المرشدي نزيل حائل وجد واجتهد حتى أدرك وجلس في مسجد العليا بحائل للتدريس ونشر العلم وكان مرحًا دمث الأخلاق حسن العقيدة والسلوك حنبلي المذهب. ولمَّا أن راوده الملك عبد العزيز على القضاء لأول مرة أبدى اعتذارًا لدين كان عليه فقال له: يا الخليفي إني إنَّما وظفتك رأفة بك، وإلَّا فإني أجد سواك. أليس شيخك ابن مسلم. فانقاد ونال من حكومته كمال الثقة فقد جعل قاضيًا في المدينة المنورة ثم نقل إلى قضاء الجوف ثم نقل إلى قضاء الطائف. وكان إلى جانب القضاء يدرس في مسجد الهادي بالطائف. ولمَّا أن أسست دار التوحيد عُين مدرسًا فيها ثم كان مدرسًا في المعهد العلمي، وآخر وظيفة نالها قضاء حائل. وكان قد اعتذر لكبر سنه ثم خضع لأوامر حكومته وبقي في القضاء حتى مرض في مدينة حائل فسافر إلى المنطقة الشرقية للعلاج، وتوفاه الله في الخامس والعشرين من شعبان رحمة الله عليه. وله مؤلفات منها تكملة الرحبية في الردّ وذوي الأرحام والقسمة ومنها مؤلف في
стр. 1696
الفرائض مطبوع كما أن له معرفة بعلم الفلك. أمَّا تلامذته الذين أخذوا عنه فخلق كثير وجم غفير نذكر بعضًا من كل: فمنهم عبد الكريم الخياط، وعلي بن محمد بن هندي، وعبد الرحمن بن محمد بن شعلان إمام المسجد الحرام وقاضي المستعجلة، وسليمان بن عطية، وعبد العزيز بن محمد العريفي صديق أخينا عبد المحسن وقاضي بارق، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن مسند، وعثمان بن إبراهيم الحقيل، ومحمد الصالح المرشد، وعبد الرحمن بن محمد الدخيل، وصالح الناصر المفتي بالإِذاعة، وصالح بن عبد الرحمن العدل، وعبد العزيز بن عبد الله بن عبدان، وعبد الله بن جبير، وعبد الله بن خزيم، وعبد الله بن عبد الرحمن بن شلاش، وسليمان بن عبد الرحمن بن شلاش، وعبد الله بن عبد الرحمن البسام، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله بن عبد اللطيف، وحمد بن محمد الشاري، وأناس كثيرون. أمَّا عن صفته فكان طويل القامة، نحيف الجسم، قمحي اللون، حلو المناقشة، جم التواضع، ولديه فكاهات مع الأحباب، ولديه علم غزير ومعرفة بأحكام الشريعة ولا سيما الفقه وله تمسك بالدين ومعرفة بعلم العروض فكان قارعًا للشعر. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ ابن حسين، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفقيه الزاهد المتعفف أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حسين بن صالح بن حسين بن عبد الله بن إبراهيم آل أبالخيل من المصاليخ من قبيلة عنزة. ولد عام ١٣٠٨ هـ في قرية المريدسية من قرى بريدة في القصيم فعاش في أحضان والديه، فأبوه عبد الله الحسين عالم مشهور في القرية المذكورة. ولمَّا أن تمَّ له من العمر عشر سنين أدخله عند مؤدب القرية حتى حذق القراءة والكتابة ثم أنَّه لازم والده الشيخ عبد الله بن حسين وأخذ عنه مبادئ العلوم وجدّ واجتهد وأخذ عن الشيخ عيسى بن محمد الملاحي وكانت هناك فتن وزعارع ومحن وحروب حالت دون استمراره في مواصلة
стр. 1697
الدراسة. ولما هدأت الأحوال وأمن الله أهل نجد بولاية الملك عبد العزيز لم يلبث والده أن توفي فانتقل المترجم إلى مدينة بريدة حيث أخذ يطلب العلم ويدرس القرآن على الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ولازمهما في تعلم التوحيد والفقه والحديث واللغة والنحو والفرائض وغيرها من سائر العلوم، وما زال يدأب في الطلب حتى بلغ الغاية القصوى في ذلك. وكان الشيخ عمر يستخلفه في القضاء في حال غيابه. أمَّا الوظائف التي نالها فقد جعل في هجرة تسفي وجعل في قرية الجعلة إمامًا وخطيبًا ومرشدًا ويحل مشاكلها. ولمَّا أن توفي قاضي عنيزة عبد الله بن محمد بن نافع سنة ١٣٦٠ هـ ولاه الملك عبد العزيز قضاء عنيزة ولكنه لم تدل إقامته فيها لخلاف حصل بينهم، فقد أعفي من قضائها في منتصف شعبان من العام المقبل بحيث رجع إلى بريدة. والباعث لذلك أنَّه أراد أن يقيم جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمر بتفقد الجماعات في صلاة الفجر وسلك طريقة الحزْم من دون حكمة فتوترت العلاقات وكثرت الشكايات ضده. وبعدما قدمت لجنة من الرياض للنظر في الموضوع طلب الإِعفاء من تلك الوظيفة، وذلك لائه كان صريحًا قويًّا. وقد أسف لفراقه رجال من الأهالي. ثم أنَّه لما توفي الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم طلب كبراء مدينة بريدة من الملك عبد العزيز أن يولى قضاء القصيم فجاءت الموافقة على ذلك وباشر مهمته في ١٨/ ٤ عام ١٣٦٣ هـ وشغل هذه الوظيفة واستمرَّ إلى شهر رمضان من السنة المذكورة أي أربعة أشهر و ١٥ يومًا تقريبًا حيث عزل عن القضاء وجعل مكانه الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد. فاختار لنفسه العافية وأن يكون معتزلًا ليقضي بقية حياته في إمامة مسجده بجوار بيته. وكان صريحًا في الحق لا يخشى ملامة لائم مع قوة وقلة مداراة وذا هيبة لأنَّ له شخصية بارزة. وقد لا تكفي القوة وحدها في بعض الأحيان لإِدراك المقصود. وكانت هذه الخصال هي السبب
стр. 1698
الذي جعله لا يستمر في قضاء المدينتين بريدة وعنيزة وكان قليل الغضب سمح الخلق مقلًّا من الدنيا من يجالسه لا يمل حديثه وكريمًا يتفقد الضعفاء من جيرانه وأقربائه ويتعهد الفقراء والمساكين ويحب الموحدة والجلوس في المسجد والتفرغ للعبادة ويحج كل عام. وكان لما ترك القضاء في عنيزة وانسحب من دون تعزيز لموقفه رأى ولي الأمر من ذلك أنَّه بخلاف ما يظن فيه من الدهاء والمعرفة فلم يوافق على جعله قاضيًا في العاصمة إلَّا إجابة للأهالي الذين طلبوا ذلك. وفعلًا كثرت الشكايات والمخالفات ضده. ولمَّا أعفي من قضاء بريدة أجرى له الملك عبد العزيز مساعدة شهرية لتأمين معيشته وإكرامًا له واحتفاظًا بكرامته. ثم أنَّه أخذ يؤلف حاشية وزوائد لزاد المستقنع وجعل من ذلك كتابًا ضخمًا خدمة للعلم وطلاب العلم. ولمَّا أن أوشك أن يتمه عرض عليه بعض الأجواد أن يطبعه على نفقته وألح عليه آخرون، غير أنَّه أحب أن يطبع الكتاب من حاله الخاص وقام بجمع لطبعه نفقات منذ مدة طويلة ودفع النفقة كلها قبل وفاته وأمر أن يكون الكتاب وقفًا لوجه الله تعالى وأن يوزع على طلاب العلم وقد بدئ بطبع الكتاب قبل وفاته لشهر وأقر الله عينه بذلك لأنَّه عمل صالح. وفي الحديث عن النبي ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". وقد جمع شوارد في كتابه هذا المسمى الزوائب وبذل جهودًا يشكر عليها وأبرزه على وضعه ذلك ولكل إنسان نظر وذوق، وقد أعيد طبعه ولكنه لم يجد عناية وخدمة بحيث لو كان في ثلاث مجلدات بالحرف الكبير لكان أحسن. وجزى الله من أعاد طبعه. وقد ذكر المؤلف أنَّه فرغ من حاشية الزاد في ١٣٧٢ ومن حاشية الزوائد في ١٣٧٣ هـ. وكانت وفاة المترجم في يوم الجمعة ثالث عشر شعبان من هذه السنة في مدينة بريدة فصلَّى عليه المسلمون في الجامع الكبير ودفن فيها. وأبدى المسلمون أسفهم الشديد لذلك. وقد خلف من الذرية بعد مماته
стр. 1699
ذكرًا واحدًا وهو عبد الله وأربع بنات. رحمة الله على الشيخ محمد الحسين وغفر له وتغمده بمغفرته.
وممن توفي فيها من الأعيان الأجانب السكرتير العام للأمم المتحدة. داج همر شولد. كانت وفاته في شهر ربيع الثاني في عشره الأولى وتصف آلامه مصرعه بأنَّه كارثة قابلها العالم بصفته رجلًا محبًّا للسلام وموسومًا بالعدل بالحزن والأسى. ويذكرون له مواقف في العدل وخدمة قضية السلام وأن من خدماته التي لا تنسى وأبرزها موقفه الرائع العظيم في الحرب الثلاثي العدواني على قناة السويس في سنة ١٣٧٦ هـ حينما قدم استقالته من منصبه إذا لم ينفذ وقت إطلاق النَّار على مصر في ذلك القرار الذي اتخذته الأمم المتحدة يومذاك، هذا إلى جانب مواقفه الكثيرة من قضايا السلام. وقد حامت الظنون حول مقتله لأن قتله فيما يزعم أهل الآراء خسارة لقضية السلام بصفته الأمين العام للأمم المتحدة ومن أين يكون مثله لمقامه.
وفيها سقط بيت في حارة الخبيب من بريدة في آخر الليل على أهله فكانوا ضحية لهذا الحادث وماتوا كلهم سوى صبي كتبت له النجاة وكان الذين هلكوا تحت أنقاض البيت أربعة وذلك في ليلة ٢٢/ ٧ الموافق للجمعة منتصف الليل يصلى على جنائزهم جميعًا في جامع بريدة الكبير بعد صلاة الجمعة. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
إضاءة مدينة بريدة بالكهرباء
في هذه السنة بعدما أصدرت شركة كهرباء بريدة في مستهلها بعض التعليمات الخاصة بتسليك المنازل موضحة الوسائل التي يجب على المواطنين اتباعها في تسليك منازلهم وتجنبهم أخطار الكهرباء وذلك لقوة خط ٢٢٠ وتمهيدًا لإِيصال التيار الكهربائي إلى المنازل نظرًا للانتهاء من تركيب المكائن الخاصة بالشركات وقرب العمل في انتهاء الشبكة. فكانت
стр. 1700
الأمة جادة كل في تسليك منزله وكانت فرصة للعمال الأجانب الذين انتهزوا هذه الفرصة. أمَّا الذين يجلبون المعدات من أسلاك وقسامات وأكواع وطبلونات وأفياش وطفايات فهي فرصة أيضًا. وجلبت إلى القصيم لأول مرة أنواع الثريات والنجفات والمكيفات والثلاجات، وقام المهندسون يدأبون في مواصلة الأعمال. ولمَّا أن كان في أوائل شهر ذي القعدة عام ١٣٨١ هـ لمعت أنوار الكهرباء في مدينة بريدة واستصبح النَّاس بها في الأسواق والشوارع والبيوت ورؤوس المنائر واستخدمت مكبرات الصوت للخطب والأذان. وقد لعب تجار الكهرباء وذوو التوريدات دورًا في ذلك وأصبحت المدينة تتمتع بضياء في الليل كضياء النهار واستوت المساجد والبيوت في هذه المصلحة كما استخدمت المراوح والبرادات والغسالات والدفاءات ومكبرات الصوت في النوادي والاحتفالات وجلبت الديموات لرفع الماء من الآبار ومن أسفل إلى علو، وخطت مدينة بريدة بذلك خطوات تقدمية. وبهذا تصبح مكائن الخياطة لا تحركها الجوارح بل يحركها التيار الكهربائي كما كان صالحًا لتشغيل المذياع وغيره فتكون الأفياش قابلة لأن تخرج البرودة والحرارة وتشغيل كل آلة تتصل بها من مخض الألبان وطحن البن والبهارات وأصبحت الكهرباء من ضروريات الحياة بحيث إذا انطفأت الكهرباء فإنَّها تتوقف المصالح. وقد سبق استخدام الكهرباء بمدينة الرياض والمنطقة الشرقية والحجاز في مكة المكرمة والمدينة المنورة وانتشر في سائر الجزيرة لوقت قريب. فقد رأيت في عام ١٣٥٢ هـ في مكة المكرمة رحى يدوَّر بها حمار قد حزمت عيناه بخرقة وهو يحرك تلك الرحى لطحن القمح وإخراج الدقيق لأنَّه لم يكن إذ ذاك فيها، وهي المتقدمة في الحضارة، شيء من هذه المستحدثات. فما كان إلَّا عشية أو ضحاها حتَّى جلبت هذه المستحدثات التي وفرت للأمة راحتها. والله على كل شيء قدير وكانت السيارات قبل ذلك الوقت بسبع سنين لا يركبها إلَّا الملوك والأمراء
стр. 1701
والمعظمون فقد حدثني الثقة الأخ عبد العزيز بن محمد بن مضيان أنَّه في حال كونهم وعاظًا ومرشدين في المسجد النبوي عام ١٣٤٥ هـ ينهون عن الحلف بالأمانة وينهون عن التوسل بالنبيِّ أو ندائه كما هي حالة الحجازيين قبل ولاية الملك عبد العزيز إذا أراد شيوخهم النهوض للقيام يقول: يا رسول الله أن يقول بالنبي فكانوا ينهونهم عن ذلك ويبينون أن الإِستغاثة تكون بالله والحلف به أو بأسمائه وصفاته. قال: فقال لي أحدهم للهِ دركم يا أهل نجد حلفكم بالله واستغاثتكم به فوالله وبالله وتالله ليدخلن فساقكم الجنَّةَ على أتَنْبِيلات بكرامتهم عند الله . وبما أن الكهرباء والماء قد توفروا في القصيم فهم يطالبون بوضع مصلحة التليفونات ومد خطوط تربط المدن بعضها ببعض. ونسأل الله تعالى أن يقوي جانب الدين ويرشد المسلمين لما فيه قوة الإِسلام. وما تقدمت أمة إلَّا بتحكيم كتاب الله وسُنة رسوله محمد ﷺ . ولو أخذ النَّاس بتعاليم الدين وثبتوا على مبادئهم وتركوا تعشق آراء الغربيين والمنحرفين عن الشريعة المحمدية لأفلحوا ونجحوا وقهروا عدوهم ولأصلح الله شأنهم. وأملنا عظيم في ملوك الإِسلام أن ينشروا دعاية للإِسلام وتحبيذ نهجه ويسيروا في أممهم على ما كان عليه سلفهم الصالح.
وفيها في أواخر السنة تمَّ تركيب المخطوط التليفونية ووضع السنترال في مدينة بريدة وأصبحوا يتخاطبون بها في الدوائر والمحطات والبيوت وغيرها ولا تزال الأمة تطلب التوسع في مصلحة التليفون. وقد أوجدت في هذه السنة أنواع المسجلات والمستحدثات الحديثة.
هذا ولا تزال العمادة مستمرة في المسجد الحرام زاده الله تشريفًا وتكريمًا وقد أتى المقاول محمد بن عوض بن لادن بجميع ما يتطلبه الموقف من مهندسين وعمال واستقدم لذلك معدات تقوم بعمل جبار لإِكمال الخطة التي رسمت له، ولا يزال العمل قائمًا على قدم وساق وصرفت مبالغ لأصحاب
стр. 1702
العقارات التي هدمت لتوسعة المسجد الحرام بما كانت مساحة التوسعة ٧٥٠٠٠ متر مربع ليتسع الحرم لحوالي نصف مليون من المصلين. ولقد أحس النَّاس من تلك الآونة بالراحة أثناء أدائهم للشعائر الإِسلامية في تلك المواضع المقدسة ولا سيما المسعى الذي كان داخل الحرام مقامًا من طابقين وبفتوى العلماء كان الحجاج والعمار يسعون في الطابق الأعلى مع الأسفل وبلغت التعويضات التي دفعت لأصحاب الأملاك هناك ما يزيد على مائتي مليون ريال سعودي وسيأتي لذلك بقية.
أمَّا عن الإصلاحات الأخرى في هذه السنة والتي قبلها فمنها مستشفيات متنقلة وعددها أربعة بلغت قيمتها مليون وثمانين ألف ريال وذلك للبادية والقرى النائية وبلغت تكاليف هذه المستشفيات المتنقلة سنويًّا أربعمائة ألف ريال. أمَّا الابتعاث إلى الخارج فقد نفذت سياسة جديدة في العام الماضي من ابتعاث الطلبة إلى دول مختلفة فتوجهت بعثات علمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وألمانيا وسويسرا والجمهورية العربية حتَّى بلغ مجموع الطلاب السعوديين في الخارج حتَّى يوم ٢٠/ ٤ من العام الماضي ١٠٦٧ طالبًا.
وفيها شرع في عمارة ثلاثة مساجد في القصيم أقيمت من الأسمنت المسلح.
وفيها جرت محاولة لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر ولكنها فشلت وذلك لأنه قام ستة من الضباط المصريين أثناء إبحار جمال والرئيس تيتو على ظهر اليخت لتنفيذ هذه الخطة. وقد أُلقي القبض على الضباط الستة وأعدموا فورًا رميًا بالرصاص. وقد تقدم هذه المحاولة محاولتان في العام الماضي لكنهما أيضًا فشلتا، إحداهما في اليوم ٢٦ يوليو وهو يوم ذكرى الثورة المصرية. وقد أُعدم زعيم هذه المحاولة طارق مسعود والثانية بعد
стр. 1703
انفصال سوريا عن مصر، وأُعدم الثائرون وعددهم خمسة عشر ضابطًا.
وفيها عاد الملك سعود بن عبد العزيز من سفره للعلاج. وكان قدومه في يوم الأربعاء ٢/ ١٠ فهرعت جموع الشعب واستقبل استقبالًا حافلًا وأقبلت إليه في جدة عن طريق الجو أصحاب السمو الأمراء كما أنه استقبل في مكة والرياض ولما أن كان في اليوم التاسع من شوال أصدر جلالته خطابًا إلى ولي عهده فيصل بن عبد العزيز برقم ٤٢: من سعود بن عبد العزيز إلى حضرة صاحب السمو الأخ المكرم فيصل بن عبد العزيز السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فإننا نحمد الله الذي أعادنا إلى هذا الوطن بالصحة والعافية بعد أن قمتم عنَّا بالنيابة مقامًا محمودًا أنتم جديرون به، ثم إننا رغبة منَّا في التعاون على ما فيه مصلحة الدولة، ونظرًا لما نعهده فيكم من إخلاص ودراية وحكمة، وبالنظر لما تقتضية المصلحة العامة، فأمر بما هو آت: أولًا: يشكل مجلس الوزراء برئاستنا. ثانيًا: أن يكون سموكم نائبًا عنَّا في مجلس الوزراء وشؤون الدولة في حضورنا وغيابنا. والله ولي التوفيق. التوقيع سعود؟
وصدر أمر ملكي أيضًا رقم ٤٣ تاريخ ٩ شوال من هذه السنة بأنه بناء على ما تقتضيه المصلحة العامة بعد الاطلاع على المادة ١١ من نظام مجلس الوزراء الصادر بالمرسوم رقم ٢٨ تاريخ ٢٢ شوال سنة ١٣٧٧ هـ، أمرنا بما هو آت ... أولًا: يشكل مجلس الوزراء برئاستنا على الوجه الآتي. ثم قال: يكون فيصل نائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرًا للخارجية، ومساعد بن عبد الرحمن وزيرًا للمالية والاقتصاد الوطني، وفيصل بن تركي وزيرًا للداخلية، ومحمد بن سعود وزيرًا للدفاع، وأحمد جمجوم وزيرًا للتجارة والصناعة وأحمد يماني وزيرًا للبترول والثروة المعدنية، ومحمد المرشد الزغبي وزيرًا للمواصلات، ومحمد الحمد الشبيلي وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية، وحسن بن عبد الله بن الشيخ وزيرًا للمعارف وعبد الرحمن بن الشيخ وزيرًا للزراعة، وحامد هرساني وزيرًا للصحة، وحسين عرب وزيرًا
стр. 1704
لشؤون الحج والأوقاف ثم قال ثانيًا: يلغي أمرنا هذا جميع ما يتعارض معه من أوامر سابقة ويعمل به من تاريخ صدوره. التوقيع الملكي سعود.
ثم أصدر أمرًا ملكيًّا رقم ٤٥ تاريخ ١١ شوال منها بتعيين عبد الرحمن أبالخيل وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية.
وفيات الأعيان ذكر من توفي فيها فمنهم الأمير محمد بن سعود بن عبد الرحمن آل سعود بعد ظهر يوم الأحد الموافق ٢٠/ ١٠ ويوصف بالصلاح وحب الخير وقد شيعه العلماء والأمراء والأعيان إلى المسجد للصلاة عليه وإلى مثواه الأخير ﵀ وعفا عنه.
وفاة علم في الحكومة لما كان في صباح يوم الخميس الموافق ١٥ ذي القعدة توفي يوسف ياسين ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو العالم الأديب الحي النبيل ذو المعرفة والنباهة والإِخلاص للحكومة السعودية يوسف ياسين اللاذقي السوري من أهالي سوريا سكرتير جلالة الملك الخاص ورئيس الشعبة السياسية الذي يسعى في عقد الاتفاقيات بين المملكة السعودية وسائر الدول. فقد عقد وأبرم أربعًا وستين اتفاقية مع الدول والحكومات ما كان به موضع الثقة والتقدير من جلالة الملك عبد العزيز. وناهيك به ناهية وعلمًا وسياسة. وكان الشيخ يوسف قد عرف بالإِخلاص للدولة السعودية وله جولات في السياسة والأدب تذكرها له المحافل الدولية وجريدة أم القرى حيث قام بإدارتها والإِشراف عليها في أول عهد الملك عبد العزيز بالحجاز وقد سجل له التاريخ خدمة عظيمة لهذه البلاد أكثر من أربعين عامًا لم يعرف خسارة كبرى في حق المملكة، أضف إلى ذلك أنَّه نزيه العرض مخلص لدين الإِسلام مع أنَّه كان متفانيًا في حب الملك الراحل عبد العزيز وعقبه وكان رفيق الملك عبد العزيز في أسفاره ومهماته كما في طلب الدويش لما فرَّ إلى الإِنكليز للاحتماء بها. وقد وضع مقدمة لفتاوى
стр. 1705
شيخ الإِسلام ابن تيمية في طبعتها الأخيرة، ورأيت له كتابًا أدبيًا عن المرحلة الملكية من الرياض إلى مكة المكرمة في فتحها ونزول الملك منزلًا منزلًا وشده ورحيله بموكبه الكريم. أمَّا عن حياته فهو يوسف ياسين بن محمد ياسين كانت ولادته في موطن آبائه وأجداده وعشيرته في اللاذقية من أعمال سوريا. أخذ في الدراسة بمدرسة ابتدائية ولما بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة وذلك في عام ١٣٢٢ هـ دخل في دراسة دينية على عالم أزهري قدم إلى وطنه من مصر فتعلم منه القرآن والتجويد والنحو والصرف ثم أنَّه ذهب إلى مصر والتحق في مصر بدار الدعوة والإِرشاد التي كان المشرف على إدارتها العلامة محمد رشيد رضا. ولما أن وقعت الحرب العالمية الأولى وأغلقت هذه الدار رجع إلى سوريا حيث درس في الجامع الأموي ثم التحق بمدرسة صلاح الدين الأيوبي ثم اشترك في الثورة على الأتراك لتخليص بلاد الشام من حكمها والتفَّ مع الحسين ثم ذهب إلى ابنه عبد الله في شرق الأردن وبعد ذلك التحق بجلالة الملك عبد العزيز وذلك في أوائل سنة ١٣٤٣ هـ وظل في خدمته ونال منه الثقة وجد وجاهد وعمل في الحقل السياسي منذ أن خدم في الدولة السعودية وشارك الملك في جهاده وشارك رجال الملك في جهادهم وعمل أعمالًا يشكر عليها في تقدم البلاد ونهضتها. وما زال في نشاطه ودهائه وإخلاصه حتَّى ثقل في هذه السن فتوفاه الله تعالى بمدينة الدمام على إثر نوبة قلبية فنقل جثمانه إلى الرياض وصلَّى عليه جمع من العلماء والأوامر يتقدمهم سمو الأمير فيصل ولي العهد المعظم إذ ذاك وحضر جنازته جمع كثير من الأعيان وكان وزيرًا مفوضًا في حكومة جلالة الملك ومستشارًا معظمًا أكثر الله رجال الإِخلاص وغفر له. ثم أنَّه صدر أمر ملكي بتعيين إبراهيم السويل مستشارًا خاصًّا لجلالة الملك المعظم ورئيسًا للشعبة السياسية بالديوان الملكي وذلك برقم ٥١ تاريخ ٢٤ ذي القعدة من هذه السنة؟ .
стр. 1706
وفاة رجل من الرجال والرجال قليل
ففيها في ليلة الجمعة يوافق ٢٨ ربيع الأول توفي إبراهيم البليهي رحمة الله تعالى عليه. وهذه ترجمته: هو الأديب الحافظ النبيه أَبو صالح إبراهيم بن محمد بن مانع بن محمد بن عبد الله البليهي من قبيلة الدواسر نسبة إلى دوسر من الفخذ المشهور بالوداعين وينتهي نسب دوسر إلى قحطان على ما ذكره كثير من علماء النسب. وهذا الفخذ نزلوا قديمًا في بلد الشماس شمال بريدة منفصلًا عنها قديمًا. أمَّا في هذا الزمان فقد اتصلت به بريدة وكان هذا الموضع له شهرة عظيمة بحيث يقول شاعرهم:
لي ديرة عنها الموازين قبله ... شر فيها المرقب ومجرى الفواجر
يا ما دخلنا غبة الموت دونها ... ويا ما ضربنا بالسيوف البواتر
ويبالغ بعض الرواة عن قوة بلد الشماس وقد يجري بينهم وبين أهالي بريدة قتال وذلك لأن أهالي بريدة في بعض القتال كمنوا في المقطر لأهل الشماس في يوم عيد الأضحى وقتلوا من أهل الشماس عدة رجال من مشاهيرهم ويقول الشاعر الدريبي أمير بريدة يفتخر على أهل الشماس:
حنا ضحايانا مهنا وكديان ... وأنتم ضحياكم كباش سمان
ويقول أيضًا:
ضحية المقطر مهنا وكديان ... وعثمان الشيخ الشجاع العقيدة
والمراد بكديان جد البليهي بحيث نقول عبد الله بن بليهي بن كادي بن شماس بن فطاي الودعاني الدوسري وعثمان هو أمير الشماس وبقايا مرقب الشماس الذي ظل قائمًا ما يقرب من مائتي سنة تدل على قوة أهله وأن فيهم عبرة بحيث لم يبق من آثار بلد الشماس بقية كأنَّهم ما أكلوا فيه ولا شربوا.
стр. 1707
وقد قدمنا عن الفواجر واحدها فاجرة (١) وهي وادي يجري إذا ما كثرت الأمطار كما في عام ١٣٦١ هـ. أمَّا عن الشماس فيقول ابن غنام في حوادث ١١٩٦ هـ إنَّهم قاموا على أميرهم علي بن حوشان وقتلوه وقتل أهل الخبراء إمامهم في الصلاة منصور أبالخيل يوم الجمعة وهو ذاهب للصلاة، قطعوا منه الوريد وهو للصلاة مريد، وقتل أهل الجناح رجلًا من أهل الدين مكفوف البصر وصلبوه بعصبة رجله وفيه رمق من الحياة ويقول ابن عيسى في مقتطفاته: إنَّ الرجل الذي قتله أهل الجناح يقال له البكري وعلقوه بعصبة رجله في خشبة وأن حجيلان بن حمد خرج بأهل بريدة إلى بلدة الشماس فقاتل من وجده فيها وهرب أهلها ولما أن هرب آل بليهي من حملة الهاربين انتقلوا منه إلى الشماسية. رجعنا إلى ذكر المترجم فنقول: ولد سنة ١٣٠١ هـ في بلد الشماسية التابعة لمدينة بريدة ثم إن والده طلق زوجته والدة المترجم فتزوجها بعده عبد العزيز بن حنيشل من أهالي مدينة بريدة فكان المترجم مع والدته ونشأ نشأة طيبة فتعلم القرآن الكريم والكتابة في إحدى مدارس بريدة الأهلية وذلك في زمن قصير لما له من الذكاء والفطنة والفهم المتوقد ونال حظًا جسيمًا من تقدير بني جنسه له ثم أخذ يتعلم في الأصول الثلاثة وكتاب التوحيد ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه على علماء القصيم الأجلاء محمد بن عبد الله بن سليم وعبد الله بن فداء وعبد الله بن محمد بن سليم وعمر بن محمد بن سليم، ونهل من معين هؤلاء المشائخ العلماء، وأخذ عن الشيخ ناصر بن سليمان بن سيف. وقد راوده الأمير صالح الحسن بن مهنا على أن يكون له كاتبًا لأنَّ خطه كان جميلًا فلم يوافق. ولما أن توفي زوج والدته ابن حنيشل
стр. 1708
المذكور رجع إلى مسقط رأسه قرية الشماسية فأقام فيها يمارس البيع والشراء، وقد يتولى أعمال الزراعة والحراثة والفلاحة ويزاول أعمالها لأن أسرته إذ ذاك فيها. ولمَّا أن كان في سنة ١٣٣٨ هـ انتقل بعائلته إلى مدينة بريدة لأنَّه قد تزوج إذ ذاك وولد له أولاد، فعمر بيتًا في جنوبي بريدة وسكنه وفتح دكانًا للبيع والشراء يسترزق الله ويستمطر سحائب كرمه، ثم أنَّه ترك ذلك وانتقل إلى الحراثة والمساقاة فسكن في مزرعة في صباخ بريدة المسمى فيحان وكانت هذه المزرعة من أكبر ضيعة إذ ذاك في فيحان، وتعرف بمزرعة عيسى فكان فيها ما شاء الله ثم أنَّه عَنَّ له بعد ذلك أن يمارس التجارة في السفر والضرب في الأرض لطلب الرزق فترك الزراعة وجعل يسافر بالتجول من بريدة إلى الرياض والإحساء وإلى الخليج العربي، وذلك في عام ١٣٤٦ هـ. واستمرَّ على ذلك أربع سنوات ويصحبه نجله صالح بن إبراهيم. ولما أن كان في سنة ١٣٥٠ هـ انتدبه الملك عبد العزيز لخرص نخيل الإحساء فكان يزاول هذا العمل بتمام المقدرة والعلم والمعرفة ثم أنه ترك ذلك ورأى أن يعمل في الحراثة والفلاحة لأنَّه يؤثر ذلك وله حظ من الزراعة والفلاحة ولما في ذلك العلم الخيري من صدقات وإحسان يجود بها الضمير وقد لا يجود لأنَّ بعضها يخرج بالغلية ويثيب الله صاحبه وتصل إلى كل ذي كبد رطبة من البشر والطيور والبهائم. ولما منحه الله تعالى من سخاوة النفس ورحابة الصدر في وقت كانت الأمة بحاجة إلى ذلك ففلح النخل المسمى بالشقيري ملكًا كان لمنصور بن رميح على ضفة مدينة بريدة الغربية. وبصفته كذلك فإنَّه أصبح مأوى لطلاب العلم وأهل الفضل ينتابونه للوضوء والاغتسال والزيارة والذكرى لأحاديث الرسول وسيرة السلف الصالح. وكان الشيخ عمر بن محمد بن سليم يخرج مساء في تلك الآونة فيتوضأ ويغتسل من تلك المياه وكان الفلاح إبراهيم بشوشًا بكل من يراه في النخل ثم أنَّه رأى أن يغرس غراسًا وأشجارًا عملًا بقوله ﷺ : "من نصب
стр. 1709
شجرة فصبر على حفظها والقيام عليها حتَّى تثمر كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة عند الله ". فمن توفيق الله له أن اشترى موضعًا في التغيرة من محمد السديري وهو نصف ملك العدوان بقيمة زهيدة ستين ريالًا وذلك لما سمع برغبتهم قبل ذلك في حفر بئر إرتوازية ليأتوا بمعدات من بعض الجهات الخارجية، ولعله أن يكون ذلك من أسبابه هو وكانت التغيرة المعروفة ببريدة إذ ذاك صحراء قاحلة تقع في الجهة الشمالية على مسافة نصف ساعة للراجل وفي سبيل الذين يذهبون إلى شعيب الودي للنزهة أوقات الأمطار، فاحْتفر بها بئرًا عام ١٣٥٦ هـ وعزم على حرثها وسكناها وكان يقول: كنت أخجل من أن يراني الناس في ذلك الموضع الذي لا أنيس فيه ولا ساكن وكانت مأوى للوحوش والسباع حتَّى انتقده بعض أهل الآراء والمعرفة قائلًا: (يا إبراهيم إنّك لما خرجت من الشقيري قالت الأمة: لقد حلق هذا العقاب فعلى أي فريسة يقع فلم نشعر إلَّا بك تهبط على صعيد تسكنه الوحوش). وقال لي مرة: ائها بلغت بي الحال حينما تبدَّى أناس يريدون شعيب الودي وكنا نحفر البئر إن ألقينا فيها الزنابيل والفؤوس والمساحي واختفينا بها حتَّى جاوزونا ثم خرجت وأولادي من البئر نعمل فعجب الله له وحقق أمنيته وسدد رميته وقارنه السعود فيها وأصبحت منظرًا رائعًا تهتز نخيلها وأشجارها وتكفئ الرياح زروعها "واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنَّه يحيي الموتى وأنَّه على كل شيء قدير". وبنى فيها القصور وحدث ولا حرج، وكانوا يبذرون فيها أنواع البذور فتأتي آية في الصلاح والنمو وفجرت فيها الأنهار وكانت الأرض قابلة لكل ما يودع فيها من القمح والبطيخ والقثاء والرمان والذرة والدخن وغير ذلك، ولا سيما النخل وسائر الفواكه. وقامت الأمة يتسابقون إلى مثل ما عمل، وهؤلاء كآل رواف وصالح بن عبد الكريم بن طويان. وما زالت العاصمة تزحف إليها حتَّى أصبحت إحدى حاراتها، وكانت عائلته لا تزال
стр. 1710
مجدة في خدمته وطلب مرضاته ثم أنَّه بعث إليه جلالة الملك عبد العزيز ليكون مراقبًا على إحدى فرق العمال الذين يقبضون الزكاة من قبائل عتيبة، فسافر ليكون مراقبًا لهذه المهمة واستوعب هذا السفر قريبًا من ثلاثة شهور ثم جعله أمير بريدة عبد الله بن فيصل بن فرحان مخططًا لشوارع الخبيب لما أقطعه أهالي بريدة بيوتًا وذلك في سنة ١٣٦١ هـ.
ولما أسند إليه هذه المهمة خطط شوارعه على أحسن وضع وجعلها معتدلة واسعة على حسب ذلك الوقت ومنظمة تفوق على سائر شوارع المدينة وقد كان الشيخ عمر بن محمد بن سليم قدس الله روحه، وهو القاضي في القصيم، ينتدبه لمهام الأمور وقد يتولى الفصل بنفسه بين المتخاصمين إذا كان للصلح موضع وإلَّا فيأتي بالقضية إليه لحكم الشرع. وبقي رئيسًا في هيئة الأراضي حتَّى توفاه الله تعالى. وكان ينتدبه أمراء عاصمة القصيم في صدقات جلالة الملك وولي عهده لتقسم النقود والأرز والدقيق على القرى وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين. وبذلك كان موضع الثقة لصرفها على الوجه المطلوب. وله إلمام ومعرفة بالتاريخ وأنساب العرب والقبائل وشعوبها وقبائلها ويحفظ كثيرًا من أشعار العرب. وقد كتب نبذة في التاريخ والوقعات لأنَّه يحب البطولة والشجاعة وهو من شجعان الرجال وذوي الرأي والمعرفة. وهذا الموضوع في الوقائع التي شاهدها غير أنَّه لم يواصل ذلك العمل وتوقف عنه حوالي عام الوباء الذي يدعى بسنة الرحمة ١٣٣٧ هـ لكثرة أشغاله وطلب معيشة. وما زال موضع الإِعجاب والثقة من أمته وحكومته لما كان متصفًا به من الرجولة والتواضع وعزة النفس والشجاعة والمروءة وقوة العزيمة والنزاهة والعقل. وهذه صفته: كان ربعة من الرجال مهيبًا قوي البنية قليل اللحم إذا رأيته في نشاطه تظنه ابن عشرين، شثن اليدين والرجلين، أبيض قد لوحته الشمس، ولم يفرش طريقه بالرياحين، بل كان صابرًا على صدمات الأحجار وملاقات الأهوال، ذا لحية
стр. 1711
حسنة، عليه صفات الرجل العربي، ولا يتخلى دائمًا عن لبس المشلح، ومقدمًا لدى الملوك والحكام والقضاة، وكان ذا محبة لأهل الدين والفضل والخير والصلاح، ويقدر العلماء، ويوالي في الله، ويعادي فيه، وله معرفة بالعقيدة وبصيرة في دينه ودنياه، ويبغض أهل البغي والزيغ والضلال ولا يألفهم مع حنو على الفقراء والضعفاء. وبالجملة فإنَّه يعتبر من خيرة أهل زمانه رجولةً ودينًا وكرمًا ومعرفةً وبصيرةً. ويعتمد عليه في المهمات وحل المشكلات، ويقوم بقضاء الحاجات وتفريج الأزمات على حسب المقدرة البشرية ويقرض المحتاجين، وينظر المعسرين، ثم أنَّه مرض في آخر عمره مرضًا أورثه ضعفًا في قواه وهو لا يزال يثني على ربه ويديم الشكر له ويلهج بذكره وتلاوة كتابه. ثم إثه توفي في اليوم المذكور والتاريخ المتقدم عن عمر يناهز الحادية والثمانين ﵀ برحمته الواسعة. وكان قد أوصى أن يدفن في مقبرة له قد أوقفها في التغيرة وقد خلف ثلاثة بنين صالحًا ومحمدًا وعبد الله. فأمَّا صالح فهو عالم فقيه وله محاضرات يلقيها بين الأمة في المجامع والجوامع ومواعظ وإرشادات. وأمَّا محمد وعبد الله فرجلان صالحان متمسكان بدينهما.
وفيها وجهت وزارة المواصلات إلى أعيان العواصم والمدن في المملكة دعواتها لحضور حفل افتتاح ميناء الدمام الجديد الذي أقيم على شرف حضرة صاحب الجلالة الملك سعود بن عبد العزيز. ولمَّا أن قدم هناك وفد مدينة بريدة تقدموا إلى الملك ببعض الطلبات التي تهم منطقة القصيم منها إنجاز خط الرياض إلى القصيم الذي سبق أن أمر جلالته بتعبيده وسفلتته، ومنها تشكيل لجنة لدراسة مهام مشاريع المنطقة وغير ذلك.
стр. 1712
سفر الملك سعود لأوروبا
كان الملك قد عاد إلى مملكته ليحج بالمسلمين بالرغم من أن الأطباء نصحوا له باستمرار الراحة استكمالًا للعلاج، ثم أنَّه بعدما تمَّ الموسم سافر إلى أوروبا لتوفر الحمامات الخاصة التي نصح الأطباء بها هناك فغادر مطار جدة في تمام الساعة الثانية والنصف عربي من صباح ٢٨/ ١٢ من هذه السنة إلى أوروبا لإِكمال العلاج.
وفي موسم الحج ألقيت مناشير كثيرة بين الحجاج من أهالي مصر وغيرها ووزعت بين الأمة إظهارًا لما يكنه جمال عبد الناصر ويبطنه من الكيد للإِسلام وأهله وبيانا لما كان يتعاطاه من الأعمال المضادة لدين الإِسلام. وأذاعت بعض الصحف العربية بأنَّه يخشى من انقلاب في مصر لما كان عليه رئيسها من الاستبداد وكثرة الناقمين عليه. وقد انضاف إلى ذلك أنَّه صد باخرة مصرية عن الحج بعدما أحرموا ولبسوا ثياب الإِحرام ولما رجعوا محصرين إلى السويس أَبوا أن ينزلوا عن الباخرة وجعلوا يناشدونه أن يعودوا. فبعثت الحكومة السعودية طائرات لنقلهم وإعادتهم إلى مكة للحج.
ثم دخلت سنة ١٣٨٢ ه ـ
استهلت هذه السنة بتحسن العلاقات بين الحكومتين السعودية والحكومة السورية. وعلمت الأمة على التحقيق ما يقوم به الرئيس جمال عبد الناصر من الأعمال السرية ضد العرب وما يسعى به في إذاعاته من التحريش وما يعمله من تقتيل الأبرياء وبذله مئات الملايين في دعاياته. وقد نشرت إحدى الصحف مقالًا بعنوان: (الاشتراكية كفر بالله) للشيخ محمد بن صالح بن سليم رئيس هيئة التمييز في مكة المكرمة وتوابعها. وهذا المقال طويل أطنب فيه وساق فيه الأثر عن عمر وابن يثرب الضمري. قال: (شهدت خطبة رسول الله ﷺ بمنى فكان فيما خطب به أن قال: "ولا يحل لامرئ
стр. 1713
من مال أخيه إلَّا ما طابت به نفسه". قال: لما سمعت ذلك قلت: يا رسول الله أرأيت لو لقيت غنم ابن زعمي فأخذت منها شاة فاجتزرتها هل عليَّ في ذلك شيء. قال: "إن لقيت نعجة تحمل شفرة وزنادًا فلا تمسها"). والمعنى إن وجدتها معها آلة الذبح والنَّار بحيث لا تتكلف لذبحها ولا لشيها فلا تأخذها ولا تمسها. وهذا مبالغة في عدم جواز أخذها. قلت: ويستفاد منه المبالغة في اجتناب ما ليس لك ولهذا ورد في الحديث الآخر: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النَّار وحرم عليه الجنَّةَ". فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله فقال: "وإن كان قضيبًا من أراك". رواه مسلم. ولما خطب ﷺ يوم النحر في حجة الوداع بمشهد عظيم من الله ومن خلقه قال: "أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فسكت حتَّى ظنوا أنَّه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس ذا الحجة؟ قالوا: بلى. قال: فأي بلد هذا. قالوا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتَّى ظنوا أنَّه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس البلدة قالوا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتَّى ظنوا أنَّه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. ألا فليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه. ثم قال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت"، أما قال مدبر الأزمان ومصرف الأكوان في محكم آيات القرآن: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. فقل للذين غيروا نظم السماء وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله: لقد اتبعتم أهواءكم وضللتم إذًا وما أنتم من المهتدين. فراجعوا دينكم وتمسكوا بشريعة نبيكم
стр. 1714
عليه الصلاة والسلام. وفي قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾. وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. فهل قال: وإلَّا وضعنا عليكم الاشتراكية؟ .
حادثة
في ليلة الثلاثاء من شهر محرم توافق ليلة ثالث الشهر المذكور الموافقة لرابع عشر من برج الجوزاء من هذه السنة، وفي الليلة التي بعدها ليلة الأربعاء هبت رياح شديدة بسموم محرق في منتصف الليلتين وكانت تلك الموجات العنيفة عجيبة بحيث تحدث الشيوخ أنَّهم لم يشاهدوا مثل تلك الموجات منذ ثمانين سنة. وذكر الذين شاهدوا تلك الحادثة في الليلتين أنَّهم رأوا ضوءًا في الأفق من آثار تلك الإِعصارات النارية، غير أن الله لطف بالمسلمين فلم يحصل من جراء ذلك هلاك أو شيء من الوفيات في تلك الليلتين على أحد من المخلوقين. كما أنَّها لم تهلك شيئًا من الأشجار أو من أكوام الزروع التي في البيادر. فللَّه الحمد. وكانت تلك الرؤية في بريدة.
خسف حوالي بلدة المذنب
لما كان في يوم الأربعاء ٢٧/ ٤ من هذه السنة سمعت وجبة عظيمة اهتزت لها الأرض ثم ثار غبار على أثرها يشاهد على البعد فخرج أهالي المذنب وما حواليه لذلك وكان موضعه في جنوبي البلد إلى منتهى المزارع في الجهة الشرقية في الجبل. ولما أن خرجت الأمة ليشاهدوا الواقعة إذا بموضعه كالبئر يخسف بخسف منحنى ولا يرى له منتهى قعر بل يُلقى فيه الحجارة ولا تبلغ قعره بحيث لا يسمع لها منتهى. وقد شاهدته رؤية فوجدته مظلمًا بانحناء لا يتوصل إلى قعره وكان قد خرج القاضي والأعيان لمشاهدة تلك الحادثة التي أفزعت السكان.
стр. 1715
ثورة في سوريا
بتاريخ ١٤/ ١٠ وذلك بأنَّه لما انفصلت عن مصر وأنقذت نفسها لم تأمن الدسائس والكيد لها ولكنها فشلت وقد كثرت الثورات في آخر القرن الرابع عشر الهجري. ولا ريب أن ذلك من أسباب النقص والعقوبات التي نهى عنها الشارع صلوات الله وسلامه عليه. وسنأتي عن قريب بثورة اليمن وانقلاب الحكم فيه بعد وفاة عاهله.
ثورة العراق
ففيها في ليلة ١٤/ ٩ قتل رئيس جمهورية العراق عبد الكريم قاسم قام عليه أعداؤه بهجوم عنيف وأعدم بالرصاص ثم أنَّه تولى بعده الرئاسة عبد السلام محمد عارف واتخذ وضعًا جديدًا. نسأل الله تعالى أن يوفق المسلمين لما فيه صلاحهم ويكفيهم شر شرارهم. وقد نجم عن ذلك إزهاق أنفس كثيرة في العراق ما بين ١٤/ ٩ إلى ٢٩ منه حتَّى قيل: إن الذين قتلوا في هذه الأيام تسعة وخمسون ألفًا.
هزة في إيران
وقع في شمالي إيران زلزال عظيم دمر أكثر من خمسين قرية وعلم أن الوفيات بسبب هذا الزلزال قد بلغت خمسة آلاف وأن الإِصابات أربعة آلاف ولم تحصر بعد جميع الوفيات والإِصابات التي زادت عن هذا القدر بسبب انقطاع المواصلات بين مكان الزلزال والعاصمة الإِيرانية لأنَّها انقطعت. والله على كل شيء قدير.
البقاء لله وكل شيء هالك إلَّا وجهه
هلك إمام اليمن. ففيها في اليوم ٢٠ الموافق ليوم الأربعاء من شهر ربيع الثاني توفي أحمد بن يحيى. وهذه ترجمته: هو الملك البطل الهمام
стр. 1716
الشجاع الذي لا يوقف في طريقه صرامة وسياسة وبصيرة في أمور الملك وأمور المعرفة أحمد الناصر لدين الله ابن الإِمام يحيى حميد الدين بن محمد بن يحيى بن محمد بن يحيى بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن الحسين بن القاسم بن محمد. تولَّى زمام الحكم لما اغتيل والده فقام بهجمات عنيفة بصفته رجلًا عاطفيًّا لا يقف أحد في طريقه وقضى بالإِعدام على قاتل أبيه وقلب عرشه المزعوم وكان الخصم قد استعدَّ بجميع ما في مقدوره غير أن أحمد لا يقعقع له بالشنان ولا يروع بشيء من الأهوال فشنَّ عليه حربًا ضروسًا وأضرمها نارًا وسياسة على ابن الوزير حتَّى أظلها ليلًا في سادسة النهار، وما زال يضرب بالقنابل ويثير قتام الحرب حتَّى سلمت صنعاء واستسلم الجاني، ذلك بما لديه من كمال المقدرة وعلو الكعب. وتربع على عرش تحت الحكم وأخضع كل مزاعم وأذل كل مراغم. ولقد استعان خصمه ابن الوزير بكل عربي غير أنَّهم خذلوه وهكذا فرس الباغي عثور ولم يفلح ولم ينجح وتجلت الغمامة بأن كان المترجم استطاع أن يقضي على جميع حركاته وقد قال الشاعر العربي:
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم
متى تجمع القلب الذكي وصارمًا ... وأنفًا حميًا تجتنبك المظالم
تحالف أقوام علي ليسلموا ... وجروا علي الحرب إذ أنا سالم
أفي اليوم أدعى للهوادة بعد ما ... أجيل على الحي المذاكى الصلادم
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذايال همدان ظالم
فلا صلح حتَّى تقدع الخيل بالقتا ... وتضرب بالبيض الحفاف الجماجم
ولا أمن حتَّى تغشم الحرب جهرة ... عبيدة يومًا والحروب غواشم
امستبطئ عمرو بن نعمان غارتي ... وما يشبه اليقظان من هو نائم
وكيف ينام الليل من جلَّ ماله ... حسام كلون الملح أبيض صارم
ولد المترجم في عام ١٣١٤ هـ وهو بكر أبيه والقائد العام للجيش
стр. 1717
اليماني وولي عهده. وتولى الإِمامة سنة ١٣٦٧ هـ وكانت العاصمة قبل ذلك صنعاء فاتخذ العاصمة تعز. وما زال قائدًا عظيمًا طوال سنوات حكمه متقدمًا بأمته وبلاده. ولما قام أخوه عبد الله بانقلاب عسكري ضده ليغتصب به عرش اليمن استطاع أحمد القضاء على ذلك الإِنقلاب وينكل بجميع الذين قاموا به. ولقد فجعت الأمة العربية والإِسلامية بوفاته لأنَّه أحد قادتها وزعمائها وذلك لما أذاع راديو صنعاء بمزيد من الأسى وفاة هذا القائد العظيم. واستقبل العالمان العربي والإِسلامي نبأ هذه الفاجعة بكثير من الأسى والحزن. فلقد كان من الزعماء الذين قدموا للأمة العربية والإِسلامية جهودهم الكبرى وأعمالهم البناءة في سبيل الرفعة للعرب والمسلمين. وقد قيل إن سبب وفاته أنَّه أطلق عليه الرصاص في العام الماضي بأيدي بعض القواد الذين يفسدون في الأرض فتأثر من رصاصة لم تخرج من بين لحمه وعصبه إلَّا بشدة. وبينما الأمة في الوقت الذي نعي فيه خبر وفاته إذا هي تتطلع إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المنصور بالله أمير المؤمنين محمد البدر ابن الإِمام أحمد داعين الله تعالى أن يجعله خير خلف لخير سلف وانهالت برقيات التعازي إلى حضرة صاحب الجلالة الملك الجديد وإلى أفراد العائلة الملكية اليمنية وإلى الشعب اليمنى. وبعث الملك سعود ببرقية إلى جلالته: "حضرة صاحب الجلالة الأخ الإِمام المنصور بالله أمير المؤمنين محمد ابن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أحمد. كان لوفاة المغفور له جلالة والدكم الإِمام أحمد وقع أليم في نفوسنا ولدى شعبنا وحكومتنا. فنبادر بالإِعراب ولجلالتكم والشعب اليمنى الشقيق عن مشاعر تعازينا الحارة راجين للمغفور له الملك الراحل الرحمة والرضوان ولجلالتكم طول العمر والصبر والسلوان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". التوقيع الملكي الكريم: سعود.
فأجاب عليها ردًّا متبادلًا: "من أمير المؤمنين محمد ابن أمير المؤمنين
стр. 1718
الناصر لدين الله أحمد إلى حضرة صاحب الجلالة الأخ الملك سعود بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية ... أرجو الله أن تكونوا مع الأسرة الكريمة في خير. أحيط جلالتكم والأسرة ما قد وصل إليَّ بما قضاه الله من وفاة والدنا صاحب الجلالة الإِمام أحمد بن يحيى حميد الدين في الساعة الثالثة من ليلة الأربعاء العشرين من ربيع الثاني. وإني، في الوقت الذي أنقل إلى جلالتكم وأنتم الأب والأخ والساعد، أعزيكم وأعزي جميع أسرتكم الكريمة بوفاة والدنا وأحيطكم أن علماء البلاد ومشائخها ورؤساءها وأبناء البيت المالك قد أجمعوا على اختياري خليفة وإمامًا لليمن. وإنني أسأل الله أن يأخذ بيدي لما فيه صالح اليمن والمسلمين أجمعين منتظرًا لكريم عونكم كما كانت الحال وكما يجب منكم دائمًا. والله نعم المولى ونعم النصير والسلام عليكم". وبعث الملك سعود إليه ببرقية قال فيها: "تلقيت برقية جلالتكم المعبرة عن مشاعركم الأخوية وقد بعثت لجلالتكم برقية لما بلغني الخبر تعزية ومواساة في فقيد الجميع تغمده الله برحمته. يا صاحب الجلالة إننا وأسرتنا نشارككم في السراء والضراء والصدق والمساندة وسالكون معكم إن شاء الله. فلزام علينا كإخوة وجيران أن نبذل كل عون ومساندة لجلالتكم ولبلادكم الشقيقة. هذا وأرجو الله أن يوفقكم لما فيه خير بلادكم وأمتكم ويمنحكم البطانة الصالحة. كما سرني وأثلج صدري ما نقله إلينا جلالة الأخ من التفاف أسرتكم وعلماء البلاد ومشائخها ورؤساء البيت المالك حول جلالتكم وإجماعهم على اختياركم خليفة وإمامًا لليمن. فنهنئ أنفسنا وجلالتكم حفظكم الله وأبقاكم". التوقيع الملكي الكريم: سعود.
وبعث الملك سعود أيضًا ببرقية ثالثة من هذا البيان والشعور مهنئًا له بذلك. ثم أذاع راديو صنعاء أن جلالة الملك محمد البدر ملك المملكة المتوكلية قد قبل الليلة استقالة مجلس الوزراء ثم كلف المجلس بالاستمرار
стр. 1719
في الحكم دون إجراء أي تعديل. ثم وصل إلى صنعاء بعد ثلاثة أيام الوفد السعودي لتقديم التعازي، يرأس الوفد الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز وعضوية حسين فطاني ممثلًا لوزارة الخارجية والشريف محمد الحارثي ممثلًا لمجلس الشورى. وستقوم البعثة بتقدم تهاني حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم لجلالة العاهل اليمنى بمناسبة توليه عرش اليمن الشقيق. ثم أنَّه أصدر جلالته مرسومًا ملكيًّا بإلغاء نظام الرهائن كما أصدر مرسومًا ملكيًّا بزيادة رواتب الضباط والجنود بالجيش والبوليس ثم أعلن جلالته أن أَبواب اليمن مفتوحة أمام كل يمني يقيم في الخارح كلاجئ أو مغترب للمشاركة في بناء اليمن، كما أمر جلالته بإطلاق سراح المساجين المحكوم عليهم لأسباب مختلفة. ولما أن استبشرت الأمة بذلك بحيث لم يكن إلَّا أن غاب نجم الناصر لدين الله وتولى المنصور بالله ما كانت إلَّا ومضة خفيفة أعقبها الظلام فقد ثار عليه الثوار بقيادة السلال وأطاحوا به وبحكومته. وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
فمنهم الشيخ ناصر الوهيبي قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الفاضل القاضي ناصر ابن الشيخ محمد بن ناصر بن حسن الوهيبي. ولد عام ١٣٢٤ هـ فنشأ في تربية والده حيث تعلم القرآن الحكيم عند كُتَّاب في بلدته التي ولد فيها، وهي الخبراء من أعمال بريدة في القصيم. وأخذ في الدراسة على والده الذي كان يدرس في جامع الخبراء حيث كان فيه إمامًا أخذ عنه علم التوحيد في ثلاثة الأصول وكتاب التوحيد وآداب المشي إلى الصلاة وكشف الشبهات وغيرها من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حيث كان والده مثالًا في العقيدة ومحبًا لطريقة السلف الصالح وأخذ عنه علم الفقه والفرائض والحديث وغيرها من كتب الحنابلة. وكان الشيخ ناصر نبيهًا وذكيًا وله نهمة في تحصيل العلم حيث
стр. 1720
كان متوقد الفهم، وأخذ عن الشيخ العالم العلامة عبد الله بن سليمان بن بليهد حينما كان يدرس في تلك الجهات ولازمه ملازمة وأكثر الأخذ عنه، وأخذ عن آل سليم عبد الله وعمر الشيخين الإِمامين الجليلين. ثم أنَّه ذهب إلى المدينة المنورة فأخذ عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن العمري وعن غيره من علماء المدينة، كما قد أخذ عن علماء مكة المكرمة. وقد تقلب في عدة وظائف في ضبيا وأم لج وتبوك ويتولى الوعظ والخطابة فيها والتدريس. ثم أنَّه جعل في قضاء مدينة الطائف، ثم كان عضوًا في رئاسة القضاء بمكة، ثم إلى عضوية ديوان المظالم في الرياض، ثم كان نائبًا للرئيس. وقد لبث في القضاء ما يزيد عن عشرين عامًا كان موضع العفة والعدل، ويصفه زميله الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل بالعقل والمقدرة والثبات. وقد رأيته عام ألف وثلاثمائة واثنتين وسبعين هجرية حينما استقدمتني الحكومة لقضاء تيماء في مكة المكرمة. وكانت الحكومة قد انتدبته لصحبة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد للنظر في مشكلات القضايا بمكة والمدينة وجدة والبت في مشكلاتها، فكان لبثهم وما يلحقهما من الكتاب ثلاثة شهور بمكة وشهرين في جدة وشهرين في المدينة. ولكمال الثقة كلفت الرجلين بهذه المهمة فكان المترجم في صفته إذ ذاك أشمط الشعر مربوع القامة نحيف البدن حنطي اللون يعلوه تلويح الشمس، عليه آثار الزهد والتقشف ويوقف المتخاصمين عند حد العدالة بهيبة وحسن تدبير. وقد كشفت مشكلات متعقدة هناك ببركة إنصاف الحكومة وإيصال الحقوق إلى أهلها (١).