← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يعلم من معنى الصفة على ما يليق بالله فيقال استواء لا يشبه استواء المخلوقين ومعناه ثابت لله كما وصف به نفسه، وأما الكيف فلا يعلمه إلا الله، فتنبه لمثل هذا فالإمام مالك تكلم بلسان السلف، فانظر إلى سعة علومه ودقة انتباهه. ثم ذكر بن بشر ﵀ رسالة للشيخ المترجم بعثها إلى بلدان نجد في ذكر ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما كابده من عدم قبول الملأ والكبراء والفسقة لدعوته وهي عجيبة غريبة، ولولا خشية الإطالة لسقناها بكمالها. وكتب إلى الإمام فيصل بنصيحة يحرضه على إقامة الدين قال بعد البسملة: من عبد الرحمن بن حسن إلى إمام المسلمين وخليفة سيد المرسلين في إقامة العدل والدين وهو سبيل المؤمنين والخلفاء الراشدين فيصل بن تركي جعله الله في أعدادهم متبعًا لسيرهم وآثارهم آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم أخذ يقذف بالحق علي الباطل ويرمي الغي بسهام الرشد ولا تأخذه في الله لومة لائم، فكان جوابها من الإمام بعد البسملة: من فيصل بن تركي إلى من تصل إليه هذه النصيحة ويسمعها أن يعمل بما ذكر فيها ولا لأحد عذر لا من منع أو ردع، فلا يعذر حتى يبلغنا فإذا بلغنا من منعه فهو معذور والموجب أن حوائج الناس ما تقف عنا القوي يوصل حاجة الضعيف ويعين عليه بذكر حاله ولا بأس في هذا ويثاب عليه فتوكلوا على الله وافعلوا ما أمركم به وتأمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ويكون ذلك على علم وحلم، فإن جبنتم فالله حسيب عليكم وهو حسبنا ونعم الوكيل وصل الله على محمد وآله وصحبه وسلم. ولما نكبت نجد في ولاية عبد الله بن سعود وجرى على الحكومة السعودية ما جرى بقضاء الله رب العالمين من تسليط الأعداء العثمانية والجنود المصرية، وكان أمر الله قدرًا مقدورا، فابتلي أهل نجد وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وهدمت البلدان وقتل الأبرياء وهتك العلماء فتشتت الشمل وفرَّ العلماء إلى الأقطار، كان من جملة الراحلين إلى مصر فبعث إليه الشيخ العالم عبد العزيز بن الشيخ أحمد بن ناصر بن معمر وهو إذ ذاك في البحرين بقصيدة رائعة يذكر فيها العهد القديم وما جرى

стр. 212

بعده من المحن والأحن والزلازل والكوارث وما حل في نجد من الدمار والخراب وتسلط الأعداء وشتات الشمل واذية أهل الدين بالقتل والأسر والنفي مطلع القصيدة: سلام عليكم دونه عدد الرمل ... يجدد ما تبقى البواكر والأصل وعدتها خمسة وعشرون بيتًا، فأجاب الشيخ عبد الرحمن عليها بهذه القصيدة التي أهاجت السواكن، وهي قوله: تخطت إلينا حين عنَّ لنا الوصل ... مفاوز نجد كلما انخفضت تعلو فتاة كمياس الغصون تمايلًا ... وقد أكملت فيها الملاحة والدل لها فاحم ضاف على الردف سابغ ... ووجه يضاهي البدر هابه العقل لها منزلٌ من بين حزوى ورامة ... ومن دون مرباها الصوارم والأسل أناخت إلينا عند إدراكنا المنى ... لعسر مضت من بعدها أربع تتلو فضمت وحيت ثم بشت وأسفرت ... عن الورد والياقوت واللؤلؤ المحل فقلت لها أهلًا وسهلًا ومرحبًا ... سلام عليكم دائمًا أبدًا يعلو الذ وأحلى من زلال على الظما ... وأبهى من الروض الذي صابه الوبل تحية مشتاق على البعد والجلا ... ولم يسله عنكم نعيم ولا أهل لأنكمو أهل الفضائل والتقى ... بكم قام فرع الدين وأغدودق الأصل فعادت وأبدت بالثنا لابن أحمد ... أبي وفي عالم فاضل سهل تخبر عن ذلك الفتى بفضائل ... تنبئ عنها الرسائل والرسل يناد مني بالبعد عنه كتابه ... لقد طاب ذاك الفرع أيضًا كذا الأصل وذكرتني يا ابن الإمامين معشرًا ... هم السادة الأنجاب والأوجد النبل صحبناهمو دهرًا نعمنا بظلهم ... علينا غمام بالغنائم تنهل وأيدلت منهم أوجها لا تسرني ... وجسمي بأرض ليس فيها لنا شكل فلما افترقتا ضل قلبي بأرضهم ... سوى عصبة قلوا فكنت بهم أسلو فيا لهف نفسي بأذكاري ولوعتي ... على أنجمٍ غابت فغاب بها العدل

стр. 213

فصبرًا على بعد المدى واغترابنا ... عسى باعتلاء الحق أن يجمع الشمل ويبدو محياها بنور مشرق ... ويرجع عقد الشرك والظلم ينحل وصل على المختار ربي وآله ... وصحب له والمقتفى نهجم يتلو وما زال مقيمًا لدين الله باذلًا جهده في نصرة التوحيد حتى أتاه اليقين، وكانت وفاته عشية يوم السبت ١١ ذي الحجة من هذه السنة. ولما توفاه الله تعالى وانتقل إلى جواره رثاه الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع الوهيبي التميمي بهذه القصيدة، وكان تلميذًا له: ترد رداء الصبر في حادث الأمر ... وفوض بتسليم مع الحمد والشكر فنعم احتساب المرء في حال رزئه ... ونعم أدراع الصبر في العسر واليسر لقد ساءنا ما جاءنا من مبلغ ... مشيع بها يهدي إلى السمع الوقر فصخت له سمعًا وألححت سائلًا ... بماذا ينادي والفؤاد على جمر فقيل ينادي أخطأ الله شره ... فإن إمام الدين أوفى على العمر فأزعج من ألبابنا كل ساكن ... وحرك أشجانًا بها عيل من صبر وأيقنت أن الأرض مادت بأهلها ... وإن الفضا مما بنا صار كالشبر لقد ظل أهل الحق من بعد موته ... حياري كأيتام أصيبوا على صغر فيا مهجتي حقًا عليه تفتتي ... ويا عبرتي خلي غرور الأسى تجري مضى عابد الرحمن نجل محمد ... مجدد دين الله عن وصمة الكفري فلا يبعدنك الله من شيخ طاعةٍ ... بعيد عن الأدناس ناء عن الكبر قوي بأمر الله شهم مهذب ... أشد لدى هتك الحدود من النهر تجرد للتدريس والحفظ دائبًا ... وأسقى غراس العلم في سائر العمر ففي الفقه والتوحيد بحر غطمطم ... وفي بحثه التوحيد نادرة العصر وفي النحو والتأصيل قد صار آية ... وكل فنون العلم أربى على البحر يجيب على التقوى جوابًا مسددًا ... يزيح به الإشكال عن مرتع الفكر فيضحي عويص المشكلات موضحًا ... بتحقيق أبحاث أدق من الشعر

стр. 214

فسل عنه في التوحيد تهذيبه الذي ... غدا بين تيك الكتب كالكوكب الدر وفي رده تشبيه كل مشبه ... من الملحدين المعتدين أولي الغدر إذا مبطل يأتي بتزويق شبهةٍ ... جلاها كما يجلي دجى الليل بالفجر ففي كل أقليم له الرد فانتهت ... تصانيفه في كل مصر وفي قصر ولما طغى علج العراق بجهله ... وغرره من لفقوه من الهذر رماه كما يرمي الرجيم بثاقب ... فراح ابن جرجيس على الذل والصغر وباء ابن منصور بإرغام حجةٍ ... ودحض فولى بالبوار وبالخسر وفي كل معنى وفر الله قسمه ... وفضل إله العرش يسمو على الحصر فلو كان يفدي لافتدته نفوسنا ... بأرواحها لو كان ذلك من أمر أو الأجل المحتوم يدفع برهة ... لزدناه من وقت به منتهى العمر ولكن أطواق المنايا قلائد ... بأعتاقنا لا نفتديها من الأسر لقد بان فيها النقص من بعد موته ... وموت أهل العلم قاصمة الظهر فكانوا كسلك قد وهى من نظامه ... فلهفي على أهل النهي الجلة الطهر فهذي علامات القيامة قد بدت ... ونقل خيار الناس من أعظم النذر فنرجوا إله العالمين يثيبنا ... ويجبر منا ما تصدع من كسر ويسكنهمو جنات عدنٍ مع الأولى ... سعوا في بيان الدين في العسر واليسر وما مات من كان المبجل شيخنا ... خليفته عبد اللطيف بن ذي القدر سمى رتبةً في العلم لم يتصل بها ... سواه ولم يبلغ سناها ذوو الصدر فكانوا أحق الناس في قول من مضى ... إذا ما انتدى للقوم في محفل الذكر إذا قال لم يترك مقالًا لقائلٍ ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر وأقلامه تجري على متن طرسه ... فتشفى أورام الصدر عن مغلق الحصر وإن طالب يأتيه يبغي إفادةً ... أزاح له الإشكال بالسبر والخبر وأنهله من بحره الجم نهلةً ... فراح بها يدري وقد كان لا يدري فلا زال يولي الطالبين من الهدى ... ويمنح أهل العلم من سيبه الغمر

стр. 215

يجدد منهاج الأئمة جددوا ... لدين الهدى فانضاح في البر والبحر هم القوم أحيوا سنة الدين واقتفوا ... منار طريق الحق بالسر والجهر فأحيوا سبيل الرشد بعد اندراسه ... وقد بذلوا فيه النفيس من العمر فأصبح منهاجًا قويمًا لسالكٍ ... وبعد الخفا أضحى يضاهي سنا البدر أولئك أشياخي وقومي وسادتي ... وهم قدوتي حتى أوسد في قبري لئن أصبحوا قد ضمهم بطن ملحدٍ ... وماتوا كرامًا موت ذي نجدة حر فقد خلفوا فينا تقارير ديننا ... ولم يغفلوا منه أقل من الظفر تغمدهم رب البرايا بفضله ... وأسكنهم من جنة الخلد في القصر وأحيا إله العالمين منارهم ... بسلطاننا الميمون بالمجد والفخر إمام الهدى عبد الإله بن فيصل ... سمام العدي نجل الغطارفة الغر كثير الأيادي في البوادي وحضرهم ... مبيد الأعادي بالمهندة البتر تولى أمور الخلق حقًا فساسهم ... سياسة عدلٍ غير جور ولا غشر يبيت إذا نام الهدان بهمةً ... يدبرها بالحرم والعزم والفكر وألبسه الرحمن جلباب هيبةً ... كما ألبس الفاروق بالباس والصبر وأن يأته ذو رفعةٍ وتكبر ... تضاءل كالعصفور أبصر بالحر إذا سار ينوي قريةً أو قبيلةً ... تقدمه جيش من الرعب بالنصر أدام له المولى الكريم اعتزازه ... وأيده بالنصر والعزم والقهر وبلغه من كل خير قوامه ... مع الأمن والتوفيق والسعد واليسر وسدده في كل حال وقاده ... بتوفيقه في ظاهر الأمر والعسر وأحسن حتم النظام صلاتنا ... على المصطفى والآل مع صحبه الطهر صلاة وتسليمًا يدومان ما سرا ... نسيم الصبا أو ناخ في أيكه القمري وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ أحمد بن علي بن مشرف ﵀ وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الأديب الحجة الثقة المحدّث الفقيه المتقن

стр. 216

الأثري السلفي حسان السنة في وقته أحمد بن علي بن حسين بن مشرف الوهيبي التميمي المالكي، ولد ﵀ في الأحساء، وأخذ العلم فيها عن الشيخ حسين بن غنام وغيره، وكان راسخًا في العلم متفننًا في الأدب متقفيًا لآثار السلف، قارضًا للشعر، درّس في الأحساء، ونظم رسالة بن أبي زيد، وله الديوان البديع المعاني الذي أتى فيه بالقصائد الفريدة، وقد تقدم شيء منها فما أحسن أرجوزته في العقيدة، وأعذب قصيدته اللامية التي سماها الشهب المرمية علي المعطلة والجهمية، ورثاءه للعلم وذكر شرفه وفضله، وقد أتى في ديوانه بالعجب العجاب، وقد تولى قضاء الأحساء في أواخر أيام الإمام فيصل وأوائل ولاية ابنه عبد الله، وكانت وفاته في بلد الأحساء. وممن توفي فيها من الأعيان الأمير جلوي بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود. وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ سعود بن محمد بن سعود بن حمد بن محمد بن سلمان بن عطية قاضي بلد القويعية ﵀ وعفا عنه. ولما توفى تولى قضائها بعده ابنه محمد بن سعود. وممن توفى فيها أيضًا الشيخ عثمان بن علي بن عيسى قاضي بلدان سدير، وكان قد تخرج على الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين رحمة الله عليه، وكان من قبيلة سبيع. وممن توفى فيها من الأعيان أمير عنيزة عبد الله بن يحيى آل سليم، وكانت مدة إمارته فيها خمس عشرة سنة قضاها في صرامة وشجاعة، وتولى بعده إمارة عنيزة زامل بن عبد الله بن سليم، ففي هذه السنة تولى زامل إمارة عنيزة. وممن توفى فيها أيضًا من الأعيان متعب بن عبد الله بن رشيد قتله ابنا أخيه طلال وهما بندر وبدر. ثم تولى إمارة الجبل بعد متعب بندر بن طلال بن رشيد وذلك بممالات من عمه عبيد بن علي بن رشيد على قتله، فالله المستعان.

стр. 217

وكان أخو المقتول محمد بن عبد الله بن رشيد قد ركب من الجبل وافدًا على الإمام عبد الله بن فيصل، فجائه الخبر بقتل أخيه متعب وهو إذ ذاك في الرياض، فاسرّها في نفسه، وكان عاقلًا، وأقام هناك عند الإمام بقية تلك السنة. ثم دخلت سنة ١٢٨٦ ه ـ ففيها ولد الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب الدهلوي، ويعرف بصاحب المكتبة، لأن له مكتبة في مكة المشرفة بمحلة الشامية بقاعة الشفا وتحتوي على ألف وسبعمائة كتاب وأربعة عشر كتابًا، ومن نفائس محتوياتها تواريخ مكة المخطوطة. وفيها توفى الشيخ عبد الرحمن بن عدوان تغمده برحمته الكريم المنان وأسكنه فسيح الجنان، وكان رحمة الله عليه ممن أخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وعن الشيخ محمد بن مقرن بن سند بن علي بن عبد الله بن فطاي الودعاني، وهو من الغراغير من تميم، وكان قد تولى قضاء الرياض للإمام عبد الله بن فيصل. وفيها أغار أمير الجبل بندر بن طلال بن رشيد على الصعران من برية، وهم على الشوكي، فأخذهم وقتل رئيسهم هذال بن عليان بن غرير بن بصيص. هذا ولا يزال محمد بن عبد الله بن رشيد مقيمًا في الرياض لدى الإمام عبد الله، وفيها زحف الإمام عبد الله بن فيصل بجنود المسلمين من الحاضرة والبادية، فقصد جهة الأحساء ونزل على دعيلج المعروف هناك، وكان سعود بن فيصل إذ ذاك في عمان فأقام الإمام عبد الله هناك نحو أربعة أشهر، ثم بعث في ذي القعدة سرية إلى قطر مع مساعد الظفيري والعسعوس وأمرهم بالمقام هناك، وبعث سرية إلى الأحساء مع فهد بن دغيثر وأمرهم بالمقام عند ناصر بن جبر الخالدي، وعدا بمن معه من المسلمين علي الصهبة من مطير وهم على الوفرا، فأخذهم ثم قفل راجعًا إلى الرياض، وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. وفيها وفد الأمير بندر بن طلال بن رشيد على الإمام عبد الله ومعه له هدية ثمينة، فأكرمه الإمام ومن معه وأحسن وفادته، ثم طلب الأمير بندر من عمه محمد

стр. 218

بن عبد الله أن يرجع معه إلى حائل وأعطاه العهود والمواثيق على أنه لا يناله منه مكروه، وأقاموا في الرياض أيامًا، ثم رجع بعمه إلى حائل وحصل على الأمير بندر من محمد بن عبد الله ما سنذكره إن شاء الله تعالى؛ وفي كلام الحكمة: "اتق شر من أحسنت إليه". وفي هذه السنة ابتدئ بحفر خليج السويس ليتصل بحر الروم ببحر القلزم، وكان تمام ذلك بعد تلك السنة بست سنين، وكان القائم بهذه المهمة دولة الفرنسيس والأنكليز، وإسماعيل باشا والي مصر، وبعد تمامه جعلوا على المراكب التي تمر منه رسومًا معلومة على قدر ما فيها من الحمل، وقد كان هذا العمل إرادة أمير المؤمنين هارون الرشيد ليتهيأ له غزو الروم إذا اتصل البحران، فمنعه وزيره يحيى بن خالد البرمكي وقال له: إن فعلت ذلك تختطف الأفرنج للمسلمين من المسجد الحرام، فامتنع الرشيد عن ذلك وكف عنه عملًا بنصائح الوزير. ثم دخلت سنة ١٢٨٧ ه ـ وفيها أقبل سعود بن فيصل من عمان وتوجه إلى البحرين، فقدم على آل خليفة رؤساء البحرين، وطلب منهم النصرة والقيام معه، فوعدوه بذلك وقدم عليه في البحرين محمد بن عبد الله بن ثنيان بن سعود بن مقرن، واجتمع على سعود خلائق كثيرة فتوجه بهم إلى قطر لقتال السرية المرابطة فيه من جهة الإمام عبد الله، وحصل بينه وبينها وقعة شديدة صارت الهزيمة فيها على سعود وأتباعه وقتل منهم عدة رجال، من أعيانهم محمد بن عبد الله بن ثنيان، ورجع سعود بعد هذه الوقعة إلى البحرين وأخذ يكاتب العجمان، فقدم عليه منهم خلائق كثير. ولما كان في رجب من هذه السنة سار سعود من البحرين ومعه أحمد بن الغنيم بن خليفة وعدة رجال من أهل البحرين، وتوجهوا إلى الأحساء بتلك الجنود، ولما وصلوا إلى العقير اجتمع عليهم من عامة العجمان وآل مرة وممن معهم من البوادي جم غفير، وكان رؤساء العجمان يكاتبون سعود بن فيصل ويعدونه بالنصرة

стр. 219

ويسألونه القدوم عليهم في الأحساء، ويأمرون عامتهم بالمسير إليه والقدوم عليه والقيام معه ومناصرته مع ما كانوا يتملقون به عند أمير الأحساء ناصر بن جبر وعند فهد بن دغيثر أمير السرية المرابطة في الأحساء من قبل الإمام، يظهرون السمع والطاعة للإمام ويبطنون المكر والغدر. ثم إنه زحف سعود من العقير وتوجه إلى الأحساء بمن معه من الجنود، ولما أن وصل إلى الجفر البلد المعروف هناك، أراد أهلها أن يمتنعوا من تلك الجنود المتضافرة، غير أنهم عجزوا عن ذلك لكثرة العدو وقلة المساعد، فدخلت تلك الجنود البلد ونهبوها وعاثوا في قرى الأحساء بالنهب، وقام ابن حبيل أمير بلد الطرف مع سعود واشتد الخوف واضطرب البلد، فقام حزام بن حثلين وابن أخيه راكان بن فلاح بن حثلين، ومنصور بن منيخر لدى الأمير ناصر بن جبر وفهد بن دغيثر ورؤساء الأحساء وطلبوا منهم الخروج لقتال سعود ومن معه من الجنود، وحلفوا لهم الأيمان المؤكدة على التعاون والتناصر، وأن يكونوا يدًا على من ناواهم، فخرج أهل الأحساء يتقدمهم العجمان المناصرون، ولما وصلوا الوجاج الموضع المعروف غدرتهم العجمان وانقلبوا عليهم فأخذوهم وقتلوا منهم نحو ستين رجلًا، من أعيانهم عبد الله بن محمد بن ملحم وسليمان بن ملحم، وانهزم بقية أهل الأحساء إلى بلد الهفوف وهم ما بين جريح وسليب، فتحصن أهل الهفوف بعد هذه الوقعة في بلدهم واستعدوا للحرب، ثم زحف سعود بعد هذه الوقعة بجنوده ونزل على بلد الهفوف، فثار الحرب بينه وبينهم وأقام لهم محاصرًا أربعين يومًا. وأما ما كان من أمر الإمام عبد الله، فإنه لما بلغه مسير سعود من البحرين إلى الأحساء، أمر على جميع بلدان نجد بأن يتجهزوا للغزو، وأن يقدموا عليه في الرياض، فقدم عليه غزو أهل ضرما والمحمل وسدير، فجعل عليهم أخاه محمدًا وضم إليه غزو أهل العارض وسبيع والسهول، فزحف محمد بن فيصل بتلك الجموع إلى الأحساء وقد كان أهل الهفوف يتابعون الرسل إلى الإمام يطلبون منه النصرة، ولما علم سعود بمسير أخيه محمد لنجدة أهل الأحساء فك الحصار عن الهفوف وسار بجنوده للقاء أخيه محمد.

стр. 220

ذكر واقعة جودة (١) سنة ١٢٨٧ هـ قد تقدم ذكر شيء من انهزام أهل الأحساء، وذلك بتدبير الحيل من العجمان الذين لا يزالون منابذين للإمام للأوغاد التي في صدورهم قبل ذلك. ولما قرب الأمير محمد بن فيصل إلى جودة، وجد أخاه سعودًا قد سبقه إليها، فنزل محمد وجنوده بالقرب منها، وكان قد انضم مع سعود خلائق كثيرة من العجمان وآل مرة ومعه المبرز وأحمد بن الغنيم بن خليفة وابن حبيل. فما كان إلا قليل حتى نشبت الحرب بين الفريقين، وتقاتلوا قتالًا شديد، وذلك في اليوم السابع والعشرين من رمضان، فحصلت خيانة من العربان الذين مع محمد بن فيصل والعياذ بالله وهم سبيع، وانقلبوا علي أصحابهم ينهبونهم، فصارت الهزيمة على محمد بن فيصل وجنوده فانهزم جيش الإمام وقتل من الجيش خمسمائة مقاتل، من أعيانهم عبد الله بن بتال المطيري ومجاهد بن محمد أمير بلد الزلفي وإبراهيم بن سويد أمير بلد جلاجل وعبد الله بن مشاري بن ماضي من رؤساء روضة سدير، وعبد الله بن علي آل عبد الرحمن أمير بلد ضرما، وقتل من أتباع سعود عدد كبير وقبض سعود على أخيه محمد بن فيصل وأرسله إلى القطيف فحبسه هناك. ولم يزل في حبسه ذلك إلى أن أطلقه الأتراك في السنة التي بعدها. واستولى سعود ومن معه على ما كان مع أخيه محمد من السلاح والقوات والركاب والأمتعة، وكانت شيئًا كثيرًا، وهذا يعد ظفرًا ونصرًا مؤزرًا، وأقام على جودة بعد هذه الواقعة، وكتب إلى رؤساء أهل الأحساء يأمرهم بالقدوم عليه والمبايعة، فقدموا عليه هناك وبايعوه.

стр. 221

ثم ارتحل بعد ذلك من جودة وسار إلى الأحساء فاستولى عليها وأخذ من أهلها أموالًا عظيمة ففرقها على العجمان، وأقام هناك، ولما جاء الخبر إلى الإمام عبد الله بن فيصل وأن أخاه محمدًا حبس وقتل رجاله وغنمت أموالهم وخيلهم وركابهم، خرج من الرياض وقصد ناحية جبل شمر ومعه عبد العزيز بن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، وناهض بن محمد بن ناهض، فلما وصل إلى البعيثة وهي ماء معروف في العروق، نزل عليه وضرب خيامه هناك وأرسل عبد العزيز بن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين برسائل وهدايا لباشا بغداد وباشا البصرة النقيب محمد، وطلب منهم النصرة والمساعدة على أخيه سعود، فوعدوه بذلك وأخذوا في تجهيز العساكر إلى الأحساء والقطيف، وأقام عندهم عبد العزيز بن الشيخ عبد الله أبي بطين ليأتي بتلك العساكر. ولما أن كان في شهر شوال من هذه السنة وفد محمد بن هادي بن قرملة ومعه عدة رجال من رؤساء قحطان على سعود بن فيصل في الأحساء فلم يلتفت إليهم ولم يعبأ بهم، فخرجوا منها وتوجهوا إلى الإمام عبد الله وهو على البعيثة، فعاهدوه علي السمع والطاعة، وارتحل معهم راجعًا إلى الرياض فدخلها في شهر ذي القعدة. ولما أن كان في آخر الشهر المذكور خرج سعود من الأحساء يريد بلد الرياض، ولما أن كان في أثناء الطريق بلغه الخبر اليقين أن أخاه عبد الله بن فيصل قد رجع إليها ومعه قحطان، فرجع سعود إلى الأحساء. وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع بن إبراهيم بن حمدان بن محمد بن مانع بن شبرمة الوهيبي التميمي، كانت وفاته رحمة الله عليه في بلد الأحساء، كان من أهالي شقرا، ثم انتقل إلى الأحساء واستوطنها، ثم ولاه الإمام عبد الله بن فيصل القضاء في القطيف وقت الموسم، فإذا انقضى الموسم رجع إلى الأحساء، وكان عالمًا فاضلًا أديبًا لبيبًا بارعًا، أخذ العلم عن أبيه الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع وعن جده لأمه الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، وعن الشيخ العالم العلامة القدوة

стр. 222

الفهامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ العالم الكبير والعلم الشهير عبد اللطيف بن عبد الرحمن وغيرهم، وكان كثير المطالعة سديد المباحثة والمراجعة، مكبًا على طلب العلم منذ نشأ إلى أن مات، وجمع كتبًا كثيرة بخطه الحسن المتقن المضبوط النير، وجرد حاشية جده الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين على المنتهى من هوامش نسخته، فجاءت في مجلد ضخم، ولديه قدرة وصلاحية، وهذا هو الذي مرّ بنا مرثيته في الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فالله المستعان. ولقد ظهر من بيت آل مانع رجال عظماء علماء تبتهج البلاد بذكرهم، وتلهج الألسنة على الدوام بشكرهم، منهم الشيخ محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم والد المترجم، ومنهم مدير عام العارف السعودية الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع، ومنهم قاضي عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع ومنهم صاحب الترجمة، فبهذا يتبين أن بيتهم بيت علم غفر الله لهم. وفي هذه السنة وقع القحط في نجد واشتدت المؤونة وحصل غلاء شديد واستمر القحط والغلاء، وفيها قتل سلطان بن قنور في عين بن قنور المعروفة بالسر قتلة محمد بن عويد بن قنور ورجاله من عشيرته ومعهم فوزان الصوينع، وسبب قتله هو أنهم اتهموه أنه يميل إلى آل ربيع المعروفين من آل شقراء في السر لما بين آل قنور وآل ربيع من الشرور، وكان سلطان المذكور حين أرادوا قتله جالسًا إلى جنب ابن أخته عبد الله العطيفة، فلما رآهم سلطان دخل على عبد الله المذكور واستجار به، فقام عبد الله ينهاهم عنه فلم يلتفتوا إليه وقتلوه، ولم يرعوا لعبد الله حرمة فغصب عبد الله لذلك وسار إلى الرياض ومعه ثوب خاله سلطان بن قنور مضرجًا بالدماء، فقدم على بني عمه العطيفات في بلد الرياض وهم فالح وحطاب وحجاب وراشد، فصاح عند وبكى وقال إن آل عويد قتلوا خالي ظلمًا وعدوانًا وهو في وجهي ونهيتهم فلم ينتهوا بل هتكوا حرمتي وقطعوا وجهي وجعل يبكي حتى استجاش سوكنهم، فغضبوا لذلك وكانوا من جملة خدام الإمام عبد الله بن فيصل ومن المقربين لديه لشجاعتهم، وكانوا معروفين بالشجاعة طلبوا الإمام عبد الله أن يسمح

стр. 223

لهم في قتل محمد بن عويد، فإذن لهم وركبوا سائرين من الرياض حتى قدموا آل ربيع في بلد شقراء، فركبوا معهم وتوجهوا إلى السر، فلما وصلوا إلى بلدهم الطرفية المعروفة بالسر، لم يجد فيها سوى النساء، والصبيان فسألوا النساء عن الرجال، فأجبن بأنهم خرجوا للصيد فركب المنعطفات ومن معهم من آل ربيع وأتباعهم من أهل شقراء نحو من عشرين رجلًا وتوجهوا إلى النفود في طلبهم، وأقام بقيتهم في الطرفية يترقبون مجيئهم، فوجدوهم في نفود السر، ولما رآهم محمد بن عويد ركب حصانه وانهزم وكان مشهورًا بالرماية، لم يكن في زمنه من يماثله، وسار إلى السر وترك أصحابه فأحاطوا بهم وقام آل ربيع على فوزان الصوينع فقتلوه لأمور بينهم وتركوا الباقين ثم ساروا خلف محمد بن عويد وطلبوه فأدركوه في عين الصوينع فقتله العطيفات، ثم رجعوا إلى شقراء وسار العطيفات منها إلى الرياض وختمت هذه السنة بفتن وزلازل ومحن واحن فالله المستعان. ثم دخلت سنة ١٢٨٨ ه ـ استهلت هذه السنة والحرب قائمة بين أبناء فيصل عبد الله وسعود. هذا ومحمد بن فيصل محبوس في القطيف حبسه سعود، واستضعف جانب الإمام عبد الله لما بذله سعود من المشاغبة له والمنازعة. وفيها اشتد القحط والغلا والجوع، وكثرت الملاحم. وفيها قتل أمير الجبل بندر بن طلال، قتله عمه محمد بن عبد الله، وقتل معه أربعة من إخوته، منهم بدر وكان في قتله لهؤلاء الخمسة نبؤ عجيب بحيث أنه لما قتلهم صب ميزاب السطح الذي قتلهم فيه دمًا، ثم إنه جعل يقيم الأعذار بعد ذلك تارةً يزعم أنه خاف على نفسه منهم فقتلهم قبل أن يقتلوه، وتارةً يزعم أنه أخذ بثأر أخيه ابن متعب بن عبد الله فالله أعلم. وفي هذه السنة تولى محمد بن عبد الله بن رشيد إمارة حائل، واستمر له النصر وكان عاقلًا سياسيًا مداريًا يعد من أفذاذ الرجال في الدها والسياسة.

стр. 224

وفيها في محرم خرج سعود بن فيصل بجنوده من الأحساء، وجعل على إمارة الأحساء فرحان بن خير الله، ثم زحف إلى الرياض، فلما قرب من الرياض خرج الإمام عبد الله الفيصل منها وقصد بوادي قحطان، وكان قد أرسل قبل خروجه منه أمتعته وأثاثه ومدافعه وتبوسه مع سرية قائدها حطاب بن مقبل العطيفة، وأمرهم أن يتوجهوا إلى عربان قحطان فصادف السرية سعود في الجزعة وأخذ جميع ما معهم من الركاب والسلاح والأناث بعد قتال شديد جري بينهم، فلما حصلت الهزيمة على حطاب وأصحابه قتلهم وأخذهم. ومن أعيانهم حطاب المذكور وفلاح بن صقر العطيفة وعويد بن حطاب العطيفة ومحمد بن راشد الفقيه. ثم دخل سعود بلد الرياض ومعه خلائق كثيرة من العجمان وغيرهم فعاثوا في البلد ونهبوا بلد الجبيلة وقتلوا جماعة من أهلها وقطعوا النخيل وخربوها، وتبروا ما علو تتبيرا، ففر أهل الجبيلة وتفرقوا في بلدان العارض، ولم يبق فيها ساكن، وانحل نظام الملك وكثر الهرج واشتد الغلاء والقحط، وأكلت جيف الحمير والكلاب، ومات خلائق كثيرة من الجوع، وحل بأهل نجد من القحط والجوع والمحن والنهب والقتل والفتن والموت الذريع ما الله به عليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وابتلى الله أهل نجد بالحروب والملاحم في سبب الاختلاف بين أبناء فيصل، ولما استقر سعود في الرياض كتب إلى رؤساء البلدان يأمرهم بالقدوم عليه للبيعة فقدموا عليه وبايعوه وأمرهم بالتجهز للغزو. ذكر واقعة البره لما كان في ربيع الأول من هذه السنة خرج سعود من الرياض غازيًا بجنوده من العجمان وآل مرة وسبيع والسهول والدواسر وأهل الرياض والجنوب والخرج، ومعه عمه عبد الله بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، وكان عمه عبد الله يميل إلى عبد الله بن فيصل، فزحف سعود بتلك الجنود يريد أخاه عبد الله ومن معه من

стр. 225

قحطان, فلما وصل إلى ثرمداء جاءه الخبر بأنهم ارتحلوا من موضعهم الأول وهو الأنجل، ونزلوا على البره، فسار سعود بجنوده إليها لقتال أخيه عبد الله بن فيصل ومن معه من قحطان، وأرسل عمه عبد الله بن تركي إلى شقراء ومعه عدة رجال فأمرهم بالمقام فيها وكان بينه وبين عمه وحشة. ولما كان في سابع جمادى الأولى وصل سعود ومن معه البره فلما تراءى الجمعان والتقى الفريقان جرى بينهما ما لا يحسن ذكره، فاقتتل الفريقان قتالًا شديدًا يطيش له الجليد ويشيب لهوله الوليد، فانهزم عبد الله بن فيصل ومن معه من قحطان وغيرهم، وقتل منهم قتلى كثيرة، من أعيانهم عبد العزيز بن محمد بن ناهض وبراك بن عبد الله بن براك وقتل من جنود سعود عدة رجال منهم منصور الطويل من رؤساء العجمان ونهبت تلك الجنود بلد البره، وتوجه عبد الله بن فيصل ومن معه إلى بلد الرويضة، رويضة العرض فنزلوا عليها وأقام عند قحطان هناك. وأما سعود فإنه دعى بعمه عبد الله من شقراء بعد انتهاء الواقعة، ثم قفل راجعًا إلى الرياض وأذن لمن معه من الجنود التي من النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. ذكر قدوم العساكر العثمانية والجنود التركية لما كان في ربيع الأول من هذه السنة، سارت العساكر من البصر إلى الأحساء والقطيف يقودهم فريق باشا ومعهم عبد العزيز بن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أباطين، وقد جاءوا باسم النصرة للإمام عبد الله بن فيصل على أخيه سعود، وليس الأمر كذلك بل لما رأوا الحرب في بلاد العرب، وتضعضع ملك آل سعود طمعوا في نجد. ولقد كان من المعلوم الذي لا يمتري فيه عاقل أن الدولة العثمانية لا تسعى مع أحد لحظ نفسه، وإنما تسعى لحظ نفسها، فقدمت الأحساء والقطيف في تلك السنة، واستولت عليها لا أقل ولا أكثر. ثم اطلقوا محمد بن فيصل من حبسه وأكرموه، فأقام عندهم في الأحساء وأخرجوا فرحان بن خير الله أمير سعود وطردوه، وأظهروا أنهم جاءوا لنصرة

стр. 226

الإمام عبد الله بن فيصل، وكتبوا إليه وهو إذ ذاك عند قحطان، فقدم عليهم في الأحساء، فأكرموه ظاهرًا والله عليم بما يبطنون، فأقام عندهم هناك. وأما سعود فإنه لما أذن لأهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم بعد واقعة البره، لم يبق عنده في الرياض غير شرذمة قليلة من العجمان، فقام عليه أهل الرياض وساعدهم عمه عبد الله فحصروه وجنوده في القصر، وثار الحرب بينهم ثم إنهم أمنَّوه ومن معه من أولاده وخدمه، وأخرجوهم وطردوهم ثم بايعوا لعمه عبد الله بن تركي، فتولى عبد الله على الرياض وكان من الذين أذن لهم سعود بعد هذه الغزوة عبد الله بن إبراهيم بن نشوان من رؤساء أهل أشيقر وإبراهيم بن سليمان الصبي، ومحمد بن سعد بن معيقل، وسعود بن حمد من أهل الشعراء، وعبد الله بن عثمان من أهل الدوادمي لما ذهبوا إلى أوطانهم، ومروا بالبكرات بالقرب من ثادق صادفهم ركب من آل عاطف من قحطان، كبيرهم فريج بن مجحود فحصل بينهم وقعة شديدة وصارت الهزيمة على قحطان، وقتل منهم عدة رجال، منهم شناز بن فريج بن مجحود، وقتل في هذه الوقعة عبد الله بن إبراهيم بن نشوان، وكان هذا فيما يقال عنه كريمًا مقدامًا شجاعًا، وعبد الله بن عثمان وكان معروفًا بالشجاعة والرماية رحمة الله على أموات المسلمين. وكان سعود لما أخرج من الرياض ذهب إلى بلد الدلم فأقام فيها. ولما كان في آخر جمادي الآخرة سار من الدلم يريد الأحساء، فقدم على بوادي العجمان وآل مرة فرغبوه في أخذ الأحساء والقطيف من أيدي العساكر العثمانية، واجتمع عليه خلائق كثيرة فعاثوا في قرى الأحساء بالنهب والتخريب، وذلك في رجب من هذه السنة المذكورة. ذكر وقعة الخويرة لما اجتمع على سعود أصحابه والتئم عليه شمله، جعل يستنهضهم على الترك،

стр. 227

فالتف حوله جنود كثيرة وعزم على قتال الأتراك ولكن أين هم من عساكر الدولة، وفي كلام الحكمة الكثرة غلبت الشجاعة، فلما اجتمع على سعود أولئك الجنود، زحف بهم ونزل الخويرة الماء المعروف بالأحساء قريبًا منه، وأكثروا النهب والفساد، فخرجت عليهم عساكر الترك وأهل الهفوف يقودهم عبد الله بن فيصل فحصل بين الفريقين ملحمة عظيمة ووقعة جسيمة تجلت عن هزيمة سعود وأصحابه، وقتل في هذه الوقعة خلائق كثيرة من بين الفريقين، وجلهم من أصحاب سعود فانهزم وأقام مع العجمان. ولما كان بعد هذه الوقعة بأيام وصل إلى بندر العقير مدحت باشا بعساكر كثيرة يريد أن يتولى على الأحساء والقطيف من قبل الدولة العثمانية، وكان فيما يقال عنه أنه والي بغداد، فجاء رجل من أعيان العسكر الذين في الأحساء إلى عبد الله بن فيصل وقال له: إن مدحت باشا قد وصل إلى العقير، وهو يريد القبض عليك ويرسلك إلى بغداد، وقد التزم بذلك للدولة اعترافًا لها وكان مدحت باشا قد وعده بأن يعينه قائم مقام ولاية نجد، ولكن عبد الله خشي أن تكون خدعة وقيل له إن قدرت على الهرب فافعل. فأخذ عبد الله بن فيصل يدبر الحيلة في ذلك، فحضر عند فريق باشا وطلب منه أن يأذن له في الخروج بعد العصر إلى عين نجم المعروفة هناك للاغتسال فيها والفرجة، فأذن له في ذلك، فلما خرج من عند الباشا أمر علي بعض خدمه أن يجهز خمس ركائب ويأخذ معه رفيقًا من العجمان ورفيقًا من آل مرة، وواعده الجبل المعروف بأبي غنيمة، ففعل الخادم ما أمره به. ولما كان بعد العصر من يومه ذلك خرج بابنه تركي وأخيه محمد بن فيصل علي خيل وخرج معه ثلاثة من عسكر الترك علي خيلهم، فلما أن وصلوا إلى الصفيا المعروفة، أخذوا يتطاردون ويلعبون على تلك الخيل، وعند غروب الشمس انهزم عبد الله وابنه وأخوه على خيلهم فلحقهم الثلاثة الموكلون بهم من العسكر على خيلهم، وشدوا في طلبهم ففاتوهم ورجعوا إلى البلد.

стр. 228

ولما وصل عبد الله وابنه وأخوه إلى الجبل المذكور ووجدوا الركائب هناك، فركبوها وقصدوا بلد الرياض، فلما وصلوا إلى الرياض دخلوها واستبشر بهم أهل الرياض، وحصل لهم الفرح والسرور، وفيها نزل ثقل بن رويضان ومن معه من عربان السهول بالقرب من بلد شقراء، وكثر منهم النهب والفساد فخرج عليهم أهل شقراء وحصل بينهم وبين السهول قتال شديد، فصارت الهزيمة على السهول، وقتل منهم عدة رجال من أعيانهم ثقل بن رويضان، وأخذ منهم أهل شقراء من الأغنام والأمتعة شيئًا كثيرًا. وقتل من أهل شقراء في هذه الوقعة محمد بن سعد البوادري. وفي آخر هذه السنة في ذي الحجة غزا الإمام عبد الله بن فيصل بأهل الرياض وضرما، وأخذ آل شامر بالقرب من عليا وقتل منهم عدة رجال وقتل في هذه الواقعة محمد بن عبد الله بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ١٢٨٩ ه ـ استهلت هذه السنة والفتن في نجد تغلي مراجلها، وكان الأمير في حائل محمد بن عبد الله بن رشيد والأمير في عنيزة زامل بن عبد الله بن سليم، وكان الأمير في بريدة مهنا الصالح أبا الخيل. أما الرياض فكان فيها الإمام عبد الله بن فيصل، وأما الأحساء والقطيف فقد استولت عليها عساكر الدولة العثمانية، وفيها اشتد الغلا والقحط في نجد وأكل الناس الميتة وجيف الحمير، وصار كثير من الناس يأكلون الجلود البالية بعد حرقها بالنار، ويدقون العظام ويأكلونها، ويأكلون البرسيم (القت) وأكل ورق الزرع والأشجار، فأثّر ذلك في وجوه الناس وأرجلهم نفخًا وأورامًا ثم يموتون بعد ذلك، وعظم الأمر ومات لذلك خلائق كثيرة جوعًا، فمن لم يمت بالسيف مات من الجوع وجلى كثير من أهل الوشم وسدير والرياض إلى الأحساء والزبير والبصرة والقصيم، واستمر الغلاء والقحط إلى آخر السنة التي بعدها وهذا من آثار الذنوب والمعاصي.

стр. 229

فإن أهل الإسلام اليوم في رغد وخصب ونعمة، فيجب أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحل بهم عقاب الله فما أهون الخلق علي الله إذا أضاعوا. رجعنا إلى قصة سعود بن فيصل وما جرى بينه وبين أخيه عبد الله من الاختلاف، فنقول: بعدما انهزم في واقعة الخويرة ما كان هذا الفشل ليثني عزمه، فقد عاد يقطع الدهنا إلى الأفلاج. وفي شوال قدم سعود بن فيصل إلى وادي الدواسر بمن معه من الجنود وقصد الخرج، وكان الإمام عبد الله بن فيصل قد أمر أخاه محمدًا وعمه عبد الله بن تركي وعدة رجال من أتباعه أن يسيروا على بلد الدلم ويضبطوها خوفًا من أخيه سعود، فسار إليها محمد بن فيصل وعمه عبد الله بغزو من الرياض وضرما، فدخلوها وأقبل سعود بن فيصل بجنود كثيرة من العجمان والدواسر وأهل الجنوب، وقام معه أيضًا ابن قنيان والعجالين والهزاني وأهل الحوطة، فنزل على البلد وحصرها حصرًا شديدًا، فخان أهل البلد الأمير محمد بن فيصل وأصحابه وفتحوا الباب لسعود فدخلها وجنوده، ولما رأى البوار محمد بن فيصل ركب فرسه وانهزم إلى الرياض، ثم قبض سعود علي عمه عبد الله بن تركي وأمر بحبسه، وأخذ ركاب أصحاب أخيه وسلاحهم، وقتل منهم عدة رجال، وبعد أيام قليلة توفى الأمير عبد الله بن تركي بحبس سعود ذلك، وكان شهمًا شجاعًا صارمًا فرحمة الله عليه. ولما جرت هذه الفتن العمياء، قام الشيخ الإمام العالم الألمعي عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ فبث الرسائل والنصائح، وباح بما عنده من النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، واستعظم جدًا ما فعل سعود بن فيصل من خروجه على الأمة وإمامها يضرب برها وفاجرها إلا من أطاعه وانتظم في سلكه. وذكر ﵀ أن لعبد الله بن فيصل بيعة وله ولاية شرعية في الجملة، ثم رد علي سعود وسفه رأيه بمفارقته لجماعة المسلمين وخروجه على أخيه، وكان الشيخ قد بعث أولًا نصيحة لابن عائض أمثاله من الرؤوساء والأمراء ينهاهم فيها عن متابعته والإصغاء إليه ونصرته، وفعلًا قد امتثلوا وما رفعوا لسعود رأسًا.

стр. 230

وكان الشيخ قدس الله روحه قد ذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بتحريم ما فعل والتغليظ على من نصره. ولما جرت واقعة جودة وثل عرش الولاية وانتثر نظامها وحبس محمد بن فيصل وخرج الإمام عبد الله شاردًا وفارقه أنصاره وأقربائه، وجفاه أعوانه وجلساؤه، أوصاه الشيخ عبد اللطيف بالاعتصام بالله وطلب النصرة منه وحده وعدم الركون إلى الدولة الخاسرة. ولما كاتب الإمام عبد الله بن فيصل الدولة الخاسرة واستنصرها واستجلبها على ديار المسلمين، خاطبه الشيخ عبد اللطيف مشافهةً بالإنكار عليه والبراءة، وأغلظ له بالقول وبين له أن هذا هو هدم الأصول الإسلام وهدم لقواعده العظام، فأظهر الإمام عبد الله التوبة والندم وأكثر الاستغفار. ثم إن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رفع الله منازله في الجنان وجعله في زمرة سيد ولد عدنان، كتب على لسان الإمام عبد الله بن فيصل كتابًا لوالي بغداد، إن الله قد أغنى ويسر وانقاد الناس من أهل نجد والبوادي ما يحصل به المقصود إن شاء الله ولا حاجة لنا بعساكر الدولة، وكلامًا من هذا الجنس، فارسل الإمام الكتاب فيما يرى وتبرأ مما جرى. فلما قدم سعود على الرياض ودخلها بجنوده من العجمان والدواسر وأهل الفرع وأهل الحريق وأهل الأفلاج وأهل الوادي، وقطع الثمار وأخاف الأرامل والمحصنات بمن معه وخيف من انتهاك حرمة اليتامى والأيامى، أضف إلى ذلك أن الإمام عبد الله فرّ من الرياض قبل دخوله البلد وأهلها أن يستبيحها سعود ومن معه من الأشرار وفجار القراء، نسأل الله العافية، حيث كانوا يحثون على ذلك ويتفوهون بتفكير بعض رؤساء البلد، فخرج إلى سعود قبل دخوله إليها خشية أن يأخذها عنوة فتسفك الدماء وتستباح النساء، لأن أسباب ذلك متوفرة فواجهه وخاطبه فيما يصلح الحال بينه وبين أخيه الإمام، فاشترط سعود الشروط الثقال

стр. 231

على أخيه ولم تتفق الحال، فصارت الهمة فيما يدفع الفتنة ويجمع الكلمة ويلم الشعث ويستدرك البقية، فرأى الشيخ بثاقب رأيه ونبل معرفته النزول إلى هذا المتغلب والتوثق منه ودفع صولته، وخرج رؤساء البلد والمعروفون من رجال الرياض بأمر الشيخ فبايعوا سعودًا بعدما أعطاهم على دمائهم وأموالهم محسنهم ومسيئهم عهد الله وميثاقه وأمانه عهدًا مغلظًا، وقد بذل الشيخ جهده ودافع ما استطاع حتى حصل أهل الرياض على ذلك. ثم كتب الشيخ إلى العالم العلامة حمد بن عتيق في بلاد الأفلاج يأمره بلزوم الجماعة وعدم التفرق والاختلاف فوقَ الله شر تلك الفتنة ولطف بالمسلمين، فلما أتى الفادح الجليل والخطب العظيم الذميم الذي طمس أعلام الإسلام ورفع الشرك بالله وعبادة الأصنام في تلك البلاد التي كانت بالإسلام ظاهرة، ولأعداء الملة قاهرة، وذلك بوصول عساكر الأتراك واستيلائهم على الأحساء والقطيف، يتقدمهم طاغيتهم داود بن جرجيس لا حيَّاه الله ولا بيَّاه، فأهون به من ما ذق ما أقبحه، ومن جهول ما أمقته، ومن خبيث ما أفسده، قدم بهم داود بن جرجيس داعيًا إلى الشرك بالله وعبادة إبليس منتهزًا فرصة هذا الخسيس، فانقادت لهم تلك البلاد وأنزلوا العساكر بالحصون والقلاع، ودخلوها بغير قتال، وتوفرت منهم أقبح الفعال، فطاف بهم إخوانهم من المنافقين، وظهر الشرك بالله رب العالمين، وشاعت مسبة أهل التوحيد والدين، ويرقص في هذه الفتنة الشيطان، ولم ينطح لذاك شاتان، فلا حول ولا قوة إلا بالله الملك الديَّان. ذكر ما حل ودهى وما حصل وجرى من قدوم العساكر العثمانية والجنود التركية قد ذكرنا في السنة التي قبلها قدوم عساكر الدولة العثمانية إلى الأحساء والقطيف وأنهم جاءوا بزعمهم لنصرة الإمام عبد الله بن فيصل، فاستولوا بهذه الدعوى على الأحساء والقطيف، وعزموا على قبض الإمام عبد الله وإرساله إلى بغداد.

стр. 232

ولما هرب عبد الله ووصل إلى الرياض واستقبله أهلها، واتفق به الشيخ عبد اللطيف وذاكره النصيحة وعظه بآيات الله وحقه وإيثار مرضاته والتباعد من أعداء الله وأعداء رسوله ودينه، أظهر الإمام التوبة والندم، واضمحل أمر سعود فصار مع شرذمة من البادية حوالي آل مرة والعجمان، وصارت الغلبة للإمام عبد الله. ثم إن الله تعالى ابتلى المسلمين مرةً ثانية بسعود بن فيصل، فها هو ذا أقبل واستولى على الخرج غير أن مصيبة العثمانين أنست ذلك كله، فتذكر هنا القصيدة التي أنشأها الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه فيما يتعلق بذلك، وهي جواب لقصيدة وردت عليه فأنشأ هذه القصيدة ذاكرًا فيها العهد الذي سبق قبل ذلك من ظهور الإسلام بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، فانتشرت بدعوته الملة الإسلامية والطريقة المحمدية، واستقام الإسلام وانتشرت أعلام الجهاد، وانمحت آثار الضلال والفساد. ثم ذكر ما وقع من مفاسد العساكر، وكانت هذه القصيدة من غرر القصائد وبدائع الفوائد، وأشد ما يكون على الأعداء وثباتها، فتعين لذلك إيرادها وإثباتها، وكان إذ ذاك في شدة مقاسات أهوال تلك الفتن، ومعاناة أثقال تلك الحوادث والمحن، وقلة من المساعد، وكثرة من المكايد والمعاند، تغدو عليه الأرجيف وتروح، وتظهر أنياب النفاق إذ ذاك وتلوح، وثم من يقود المشركين ويؤزهم على عباد الله الموحدين. وقد ابتلى الناس مع ذلك بجور الأئمة والولاة واستباح الأموال والدماء أشرار طغات من الحضر والبوادي العتات، وأصبح أهل الحق ما بين معاقب مكبل في الحديد، وما بين شريد في القبائل طريد، فاشتد البلاء وأعضل اليأس، وكثر الجهل وعظم الإلتباس، وقلت الديانة في كثير من الناس، وسار والي البلاد التي هجمت عليها العساكر، وظهرت بها أنواع الفسوق والمناكر، وصار لأهل الرفض والشرك بها الصولة، وكان لهم في تلك الجهات الغلبة والدولة، وضيعت بها أحكام الشريعة المطهرة، وظهرت بها أحكام الكفرة الفجرة، فبذل الشيخ الجد والاجتهاد بإرسال الرسائل والنصائح والتحذير من أسباب الندم والفضائح، كما يعرف ذلك من أمعن

стр. 233

النظر في رسائله من التغليظ والنهي عن السفر إلى بلدان الشرك وقبائله، وأبان الخفايا بواضح الحق ودلائله، وهذا نص الأبيات التي وردت عليه: رسائل شوق دائم متوتر ... إلى فرع شمس الدين بدر المنابر سلالة محمد من كرام عشائر ... يعيد بديعًا من كنوز المحابر ويبدي لك التوحيد شمسًا منيرةً ... ولكن أهل الزيغ عمى البصائر سقى عهدكم عهد الشريعة والتقى ... وتعظيم دين الله أزكى العشائر مدارس وحي شرفت بأكابر ... على ملة بيضاء تبدو لسابر فيا راكبًا بلغ سلامي وتحفةً ... تعزية فيما قد مضى في العشائر وأعظم من ذا يا خليلي كتائب ... تهدم من ربع الهدى كل عامر ويبدو بها التعطيل والكفر والخنا ... ويعلو من التأذين صوت المزامر فقد سامنا الأعداء في كل خطة ... واحتل من الإسلام سوم المقامر أناخ لدينا للضلالة شيعةٌ ... أبا حوا حمى التوحيد من كل فاجر وقابلهم بالسهل والرحب عصبةً ... على أمة التوحيد أخبث سائر يقولون لكنا رضينا تقيةً ... تعود على أموالنا والذخائر فضحك ولهو واهتزاز وفرحة ... وألوان مأكول ونشوة ساكر مجالس كفر لا يعاد مريضها ... يراح إليها في المسا والبواكر ويرمون أهل الحق بالزيغ ويحهم ... أما رهبوا سيفًا لسطوة قاهر وأما رباع العلم فهي دوارس ... نحن إلى أربابها والمذاكر مصاب يكاد المستجن بطيبةٍ ... ينادي بأعلي الصوت هل من مثابر فجد لي برد منك تبرد لوعتي ... ويحدى به في كل ركب وسامر وتنصر خلافي هواك مباعدًا ... ولولاك لم تبعث به أم عامر فأكثر وأقلل مالها الدهر صاحب ... سواك فقابل بالمنى والبشائر فأجابه الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن قدس الله روحه بما يثلج الصدور ويبعث الانشراح والسرور وهذا نص الجواب: -

стр. 234

رسائل إخوان الصفا والعشائر ... أتتك فقابل بالمنى والبشائر تذكرنا أيام وصل تقدمت ... وعهد مضى للطيبين الأطاهر ليالي كانت للسعود مطالعا ... وطائرها في الدهر أيمن طائر وكان بها ربع المسرة آهلًا ... تمتع في روض من العلم زاهر وفيها الهداة العارفون بربهم ... ذووا العلم والتحقيق أهل البصائر محابرهم تعلو بها كل سنة ... مطهرةٍ أنعم بها من محابر مناقبهم في كل مصر شهيرةٌ ... رسائلهم يغدو بها كل ماهر وفيها من الطلاب للعلم عصبة ... إذا قيل من للمشكلات البوادر وفيها الحماة الناصرون لربهم ... معاقلهم شهب القنا والخناجر وهندية قد أحسن القين صقلها ... مجرية يوم الوغى والتشاجر وروميةٍ خضراء قد ضم جوفها ... من الجمر ما يغري صميم الضمائر وكانت بهم تلك الديار منيعةً ... محصنةً من كل خصم مقامر غدت بهمو تلك الفنون وشتتوا ... فلست ترى إلا رسومًا لزائر وحل بهم ما حل بالناس قبلهم ... أكابر عرب أو ملوك الأكاسر وبدل منهم أوجها لا تسرني ... قبائل يام أو شعوب الدواسر يذكر فيهمو كل وقتٍ وساعةٍ ... كتائب هلكى من وليلدٍ وكابر وأرملةً تبكي بشجو حنينها ... لها رنةٌ بين الربى والمحاجر وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... تفوز بها يوم اختلاف المصادر فصل فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي ودارت على الإسلام أكبر فتنةٍ ... وسلت سيوف البغي من كل غادر وذلت رقاب من رجال أغزةٍ ... وكانوا على الإسلام أهل تناصر وأضحى بنو الإسلام في كل مأزقٍ ... تزورهمو غرث السباع الضوامر وهتك ستر للحرائر جهرةً ... بأيدي غوات من بواد وحاضر

стр. 235

وجاءوا من الفحشاء مالا يعده ... لبيب ولا يحصه نظم لشاعر وبات الأيامي في الشتاء سواغبًا ... يبكين أزواجًا وخير العشائر وجاءت غواش يشهد النص أنها ... بما كسبت أيدي الغوات الغوادر وجر زعيم القوم للترك دولةً ... على ملة الإسلام فعل المكابر ووازره في راية كل جاهل ... يروح ويغدو أثمًا غير شاكر وآخر يبتاع الضلالة بالهدى ... ويختال في ثوب من الكبر وافر وثالثهم لا يعبأ الدهر بالتي ... تبيد من الإسلام فعل المكابر ولكنه يهوى ويعمل للهوى ... ويصبح في بحر من الريب عامر وقد جاءهم فيما مضى خير ناصحٍ ... إمام هدى يبني رفيع المفاخر وينقذهم من قعر ظلماء مضلةٍ ... لسالكها حر اللظى والمساعر ويخبرهم أن السلامة في التي ... عليها خيار الصحب من كل شاكر فلما أتاهم نصر ذي العرش واحتوى ... أكابرهم كنز اللهى والذخائر سعوا جهدهم في هدم ما قد بنى لهم ... مشائخهم واستنصحوا كل داغر وساروا لأهل الشرك واستسلموا لهم ... وجاءوا بهم من كل أفك وساحر ومذ أرسلوها أرسلوها ذميمةً ... تهدم من ربع الهدى كل عامر وباءوا من الخسران بالصفقة التي ... يبوء بها من دهره كل خاسر وصار لأهل الرفض والشرك صولةٌ ... وقام بهم سوق الردى والمناكر وعاد لديهم للواط والخنا ... معاهد يغدو نحوها كل فاجر وشتت شمل الدين وأنبت حبله ... وصار مضاعًا بين شر العساكر وأذن بالناقوس والطبل أهلها ... ولم يرض بالتوحيد حزب المزامر وأصبح أهل الحق بين معاقب ... وبين طريد في القبائل طائر فقل للغوي المستجير بظلهم ... ستحشر يوم الدين بين الأصاغر ويكشف للمرتاب أي بضاعةٍ ... أضاع وهل ينجو مجير أم عامر ويعلم يوم الجمع أي جنايةٍ ... جناها وما يلقاه من مكر ماكر

стр. 236

فيا أمة ضلت سبيل نبيها ... وآثاره يوم اقتحام الكبائر يعز بكم دين الصليب وآله ... وأنتم بهم ما بين راض وآمر وتهجر آيات الهدى ومصاحف ... ويحكم بالقانون وسط الدساكر هوت بكمو نحو الجحيم هوادةٌ ... ولذات عيش ناعم غير شاكر سيبدو لكم من مالك الملك غير ما ... تظنون أن لاقي مزير المقابر يقول لكم ماذا فعلتم بأمةٍ ... على ناهج مثل النجوم الزواهر وواليتمو أهل الجحيم سفاهةً ... وكنتم بدين الله أول كافر نسيتم لنا عهدًا أتاكم رسولنا ... به صارخًا فوق الذرى والمنابر فسل ساكن الأحساء هل أنت مؤمنٌ ... بهذا وما يحوي صحيح الدفاتر وهل نافع للمجرمين اعتذارهم ... إذا دار يوم الجمع سوء الدوائر وقال الشقي المفتري كنت كارهًا ... ضعيفًا مضاعًا بين تلك العساكر أماني تلقاها لكل متبر ... حقيقتها نبذ الهدى والشعائر تعود سرابًا بعدما كان لامعًا ... لكل جهولٍ في المهامة حائر * * * فإن شئت أن تحضي بكل فضيلةٍ ... وتظهر في ثوب من المجد باهر وتدنو من الجبار ﷻ ... إلى غايةٍ فوق العلى والمظاهر فهاجر إلى رب البرية طالبًا ... رضاه وراغم بالهدى كل جائر وجانب سبيل العادلين بربهم ... ذوي الشرك والتعطيل من كل غادر وبادر إلى رفع الشكاية ضارعًا ... إلى كاشف البلوى عليم السرائر وكابد إلى أن تبلغ النفس عذرها ... وترفع من ثوب من العفو ساتر ولا تيأسن من صنع ربك أنه ... مجيب وأن الله أقرب ناصر الم ترَ أن الله يبدي بلطفه ... ويقف بعد العسر يسرًا لصابر وأن الديار الهامدات يمدها ... بويل من الوسمي هام وماطر فتصبح في رغدٍ من العيش ناعم ... وتهتز في ثوب من الحسن باهر

стр. 237

وله أيضًا قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه قصيدة أخرى من هذا النمط أنشأها لما اشتدت الكربة، واستحكمت الغربة، وقل المعاون والمساعد، وكثر المخالف والمعاند، ودهمت فوادح معضلات الحوادث، وهجمت بكلاكلها الخطوب الأثائث، التي تشيب من أهوالها النواصي، وتعجز عن حملها الحبال الرواسي، ذلك لما دهى أهل الإيمان والإسلام وهتك قواعد الدين من أفعال أولئك الطغام بانتشار المشركين بين أظهر عباد الله المؤمنين، وظهور البغي والفساد، وتلاطم بحار الشر والأنكاد، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فأول ذلك الفتنة التي وقعت بين المسلمين وأنثل بها عرش الملة والدين، وانهدم بها سور الإسلام، وصار الأمر بأيدي البوادي الطغام، فتفجرت ذات البين وانكشفت العورة لأهل الكفر والمين، فعند ذلك فدحت المعضلات العظام وانهدمت أصول الدين والإسلام، وانطمست المعالم والإحكام، فقدمت العساكر إلى البلاد الإسلامية، وانكشفت شمس الرسالة المحمدية، وافتتن كثير من جهلة الناس بفتوى من ينتسب إلى العلم من أهل الجهل والإفلاس بان تلك العساكر التي هجمت على بلاد أهل الإسلام إنما جاءوا لنصرة ذلك الإمام، فأنشأ الشيخ المرسوم بالعرفان، عبد اللطيف بن عبد الرحمن، هذه المنظومة التي نشأت من حرارة الجوى، خوفًا على الناس من سلوك مفاوز إلتوى، وأساء على من هلك بشبهة المشبهين وتمويهات الأئمة المضلين، ويذكر مآثر أهل الإسلام، الذين استجابوا لله ولرسوله بدعوة شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما كانوا عليه من المعتقد وحسن السيرة وخلوص الطوية والسريرة، ويحذر من طريقة أقوام، إنما نشؤوا في ظل عافية الإسلام، ولم يعرفوا ما عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان. والأصنام، والذرائع المفضية إلى الدخول في ولاية من حاد الله ورسوله وموالاتهم والرضا بأحكامهم وقوانينهم وقد حملت فيهم الأثقال، ورحلت الرواحل، واستفاء بظلمهم من آثر العاجل، وغمض الطرف عن الآجل، فكم هلك بسببهم من هلك، وانتظم في سلكهم من شك في دينه وارتبك، فنعوذ بالله من الجور بعد الكور ولا حاجة إلى الإطالة فيما وقع من مفاسد العساكر العثمانية، فأصبحت عين الدين تسح أجفانها، وأصبح أهل التوحيد ما بين مأسور

стр. 238

ومقتول، ومقيد في الحديد مكبول، وما زال شيخنا يسكن الثوائر، ويقمع أهل الضلال بالنصوص الظواهر، ويبذل الوسع بكتب الرسائل والنصائح، والتحذير من أسباب الندم والفضائح، حتى أبان الحق الذي بعث به خاتم النبيين، وأوضح حكم الإقامة بين أظهر الكافرين، من أنها لا تصدر والحالة هذه ممن يؤمن بيوم الدين، ويراقب مولاه رب العالمين. والقصيدة المشار إليها هذا نصها وقد وجدت مسودة: دع عنك ذكر منازل ومغاني ... وبدور أنس قد بدت وغوان وجؤذرا في روضة يشدو بها ... صوت النديم وشادن فتان لا تصغ للعشاق سمعك إنما ... منادمهم بين البرية عان والعشق داء قاتل وداؤه ... في السنة المثلى عن الأعيان قطع الوسائل والذرائع والتي ... بين الورى أحبولة الشيطان واقرأ كتاب الله إن رمت الهدى ... أو رمت ترقى ذروة الإحسان واعكف بقلبك في أرائك روضةٍ ... مملؤةٍ بالعلم والإيمان وانظر إلى تركيبه واعمل به ... إن كنت ذا بصر بهذا الشأن هذا ولا بنجيك طب في التي ... ترجو بغير مشيئة الرحمن واسأله في غسق الليالي والدجا ... يا دائم المعروف والسلطان وانظر إلى ما قاله علم الهدى ... عند ازدحام عساكر الشيطان أشكو إليك حوادثًا أنزلتها ... فتركتني متواصل الأحزان من لي سواك عند شدائدي ... إن أنت لم تكلأ فمن يكلاني لولا رجاؤك والذي عودتني ... من حسن صنعك لاستطير جنان واذكر مآثر أقوام قد انتدبوا (١) ... يومًا لنصر الدين بالإحسان

стр. 239

من صالحي الإخوان أعلام الهدا ... من أطدوا التوحيد ذا الأركان قامت بهم أعلام شرعة أحمد ... وعلت سيوف الحق والإيمان وغد الزمان بذكرهم متبسمًا ... يبدي سنا للطالب الولهان سارت بهم أنباء مجد في الورى ... يغشى سناها عابد الأوثان قد جددوا للدين أوضح منهجٍ ... يبدي ضيا للسالك الحيران حتى علا في عهدهم شأن الهدى ... وانقض ركن الشرك في الأديان أما العقائد أن ترد تحقيقها ... عنهم بلا شك ولا كتمان إن الإله مقدسٌ سبحانه ... رب عظيم جلي عن حدثان حقًا على عرش السما قد استوى ... ويرى ويسمع فوق ست ثمان يعطي ويمنع من يشاء بحكمةٍ ... في كل يوم ربنا ذو شأن خضعت لعزة وجهه وجلاله ... حقًا وجوه الخلق والأكوان بل كل معبودٍ سواه فباطلٌ ... من دون عرشٍ للثرى التحتان (١) فاحذر توالي في حياتك غيره ... من كل معبودٍ ومن شيطان واحذر طريقة أقوامٍ قد افتتنوا ... في حب أدنى أو خسيس فان واقطع علائق حبها وطلابها ... إذ قطعوا فيها عرى الإيمان لهفي عليهم لهفةً من والهٍ ... متوجعًا من قلة الأعوان قد صاده المقدور بين معاشر ... في غفلةٍ عن نصرة الرحمن واستبدلوا بعد الهدى طرق الهوى ... لما عموا عن واضح البرهان واقطع علائق حبهم في ذاته ... لا في هواك ونخوة الشيطان واهجر مجالس غيهم إذ قطعوا ... فيها عري التوحيد والإيمان لا سيما لما ارتضاهم جاهل ... ذو قدرة في الناس مع سلطان لما بدا جيش الضلالة هادمًا ... ربع الهدى وشرائع الإحسان قومٌ سكارى لا يفيق نديمهم ... أبد الزمان يعود بالخسران قومُ تراهم مهطعين لمجلس ... فيه الشقاء وكل كفر دان

стр. 240

بل فيه قانون النصارى حاكمًا ... من دون نص جاء في القرآن بل كل أحكام له قد عطلت ... حتى الندا بين الورى بأذان ويرون أحكام النبي وصحبه ... في شرعه من جملة الهذيان ويرون قتل القائمين بدينه ... في زعمهم من أفضل القربان والفسق عندهم فأمر سائغ ... يلهو به الأشيخ كالشبان المنع في قانونهم وطريقهم ... غصب اللواط كذاك والنسوان فانظر إلى أنهار كفر فجرت ... قد صادمت لشريعة الرحمن بل لا يزال لجريها بين الورى ... من هالك متجاهلٍ خوان والله لولا الله ناصر دينه ... لتقصمت فينا عرى الإيمان فالله يجزي من سعى في سدها ... من أمة التوحيد والقرآن والله يعطي من يشاء بفضله ... فوق الجنان عطية الرضوان وكذا يجاري من سعى في رفعها ... ما قد أعد لصاحب الكفران يا رب واحكم بيننا في عصبةٍ ... شدوا ركائبهم إلى الشيطان فسلوا سيوف البغي من أغمادها ... وسعوا بها في ذلةٍ وهوان واستبدلوا بعد الدراسة والهدى ... بالقدح في صحب وفي أخون حرفوا نصوص الوحي عن أوضاعها ... وسعوا بها في زمرة العميان فتحوا الذرائع والوسائل للتي ... يهوى هواها عابدو الصلبان وسعوا بها في كل مجلس جاهلٍ ... أو مشركٍ أو أقلفٍ نصران وقضوا بأن السير نحو ديارهم ... في كل وقتٍ جائزٍ بأمان لم يفقهوا معنى النصوص ولم يعوا ... ما قال أهل العلم والعرفان ما وافق الحكم المحل ولا هو استوفى ... الشروط فصار ذا بطلان فادرأ بها في نحرهم تلق الهدى ... وارجمهموا بثواقب الشهبان واقعد لهم في كل مقعد فرصةٍ ... واكشف نوابغ جهلهم ببيان حتى يعود الحق أبلج واضحًا ... يبدو سنا للسالك الحيران

стр. 241

وقضوا بأن العهد باق للذي ... ولي الولاية شيعة الشيطان تبًا لهم من معشرٍ قد أشربوا ... حب الخلاف ورشوة السلطان وقضوا له بالجزم أن متابه ... قد هدما أعلى من البنيان وطلابه للأمر والحرب الوفي ... فعلى طريق العفو الغفران وفي هذه السنة جرت واقعة بين حاج أهل شقراء وبين ناصر بن عمر بن قرملة ومن معه من قحطان، قتل فيها من أهل شقراء عبد الله بن عبيد. وفيها جرت واقعة أيضًا بين أهل شقراء وبين أهل وثيثية. وسبب ذلك أن أبناء محمد بن عبد الكريم البواردي، جاءوا بأمتعةً لهم من شقراء يريدون بلد وثيثية، وكانوا إذ ذاك ساكتين فيها فلما أن وصلوا إلى بلد صادفهم ركب من السهول خارجين من البلد، فأخذوهم خارج البلد فدخل الأبناء المأخوذون بلد وثيثية، فوجدوا فيه رجلًا من الركب فأمسكوه وربطوه في المال الذي أخذه أصحابه، فقام بعض أهل البلد يريدون إطلاقة وكثر النزاع في شأن هذا الرجل فأهل البلد يحامون دونه وهؤلاء يريدون مؤاخذته بقبيلته، فسار أحد أبناء البوارذي إلى شقراء مستفزعين لأهلها، وجاء هذا بعدة رجال منها ليسيروا بالرجل المذكور إلى شقراء إلى أن يأتي المال الذي أخذه أصحباه فمانع أهل البلد من ذلك وأخذه بجريمة غيره، فحصل بين أهل شقراء وأهل وثيثة وقعة في وسط البلد، قتل فيها من أهل وثيثية عبد الله بن الأمير سعد بن عبد الكريم بن زامل وعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن زامل، فالله المستعان. ثم دخلت سنة ١٢٩٠ ه ـ في هذه السنة ابتلى الله الناس بسعود بن فيصل للمرة الثانية، وعاد يريد الرياض، ففي المحرم منها خروج سعود من بلد الدلم معه جنوده وسار يريد بلد ضرما، فدخلها وأخذ من أهلها أموالًا عظيمة، فقسمها على جنوده، ثم سار منها إلى بلد حريملا، ولما وصل إليها خرج أهلها لقتاله فنشب القتال بينهم وبينه، فأوقع

стр. 242

بهم وهزمهم وقتل منهم ثلاثين، منهم ناصر بن حمد آل مبارك وابنه وسليمان السياري من رؤساء أهل ضرما، وكان سليمان إذ ذاك في حريملا فحضر الوقعة. ثم تحصن أهل البلد في حريملا، فأمر سعود جنوده بقطع نخيل حريملا، فقطعوا منها كثيرًا، ثم إنهم صالحوه فارتحل عنهم وسار إلى الرياض متغلبًا، ولما قرب منها خرج عليه أخوه عبد الله بن فيصل بأهل الرياض فحصل بينه وبينهم وقعة شديدة في الجزعة وجرى بين الفريقين قتال شديد وجلاد أكيد، وصارت الهزيمة على عبد الله بن فيصل وأهل الرياض، وقتل منهم عدة رجال، منهم مساعد بن سلمان الظفيري وأخوه فهد، ثم دخل أهل الرياض بلدهم. وأما عبد الله بن فيصل فإنه فر متوجهًا إلى عربان قحطان، وهم على موضع المستوي فأقام عندهم أيامًا قليلة ثم توجه إلى بلد الرس وأقام هناك أيامًا، وكان معه أخوه محمد. فلما أن وصل حاج عنيزة إلى الرس خرج محمد بن فيصل من الرس فتفاوض مع أهل عنيزة في إقامة الإمام عبد الله بن فيصل وأتباعه فيها، فاتفقوا على مراجعة أميرها زامل، فلما راجعوه لم يوافق على ذلك خوفًا عليه أن يقتل أو يصاب ببلدهم، ثم ارتحل الإمام عبد الله بن فيصل إلى الخبراء ثم إلى عربان عتيبة إلى جهة الكويت وأقام هناك على الصبيحية. ولما اقبل سعود بن فيصل يؤم الرياض قد خلى له الجو خشي الإمام العالم الشيخ عبد اللطيف من البادية الذين معه أن يحلوا بأهل الرياض مالا تحمد عقباه، فبعث كتابًا إلى سعود معجلًا في طلب الأمان لأهل الرياض، وكف البادية عنهم وباشر بنفسه مدافعة الأعراب معه شرذمة قليلة من أهل البلد، فدخل سعود البلد وبايعه أهل البلد على السمع والطاعة. ثم كتب سعود إلى رؤساء البلدان يأمرهم بالقدوم عليه، وبايعوه على السمع والطاعة، وأمرهم بالتجهز للجهاد، وتم لسعود مقصوده وجرت له هذه الفتوحات كلها وملك الرياض وبايعه أهلها للمرة الثانية.

стр. 243

ولما أن كان في ربيع الثاني، خرج سعود من الرياض يحنوده واستنفر من حوله من العربان، وجمع غزو البلدان فاجتمع إليه خلائق كثيرة، فلما جمع هذه الجنود زحف بها لقتال مصلط بن ربيعان ومن معه من عتيبية، وكانوا على ماء طلال المعروف فصبحهم بتلك الجنود، فلما توافوا حصل بين الفريقين قتال شديد تقارعت له الأبطال، ثم إنها صارت الهزيمة على سعود وجنوده، فقتل منهم خلق كثير وجم غفير، وأخذ العتبان غالب سلاحهم وركابهم وفرشهم وأمتعتهم، وكان من أعيان القتلى سعود ين صنيتان ومحمد بن أحمد السديري الأمير المشهور أمير بلدة الغاط إذ ذاك وأخوه عبد العزيز وعلي بن إبراهيم بن سويد أمير بلد جلاجل، وقتل من أهل شقراء فهد بن سعد بن سدحان وسعد بن محمد بن عبد الكريم البواردي وصالح بن إبراهيم بن موسي بن فوازن بن عيسى وسليمان بن عبد الله بن خلف بن عيسى وعبد العزيز بن أحمد بن منيع. وفيها قام السادة من أهل صنعاء على الإمام واستعانوا بالأتراك، فدعوهم إلى صنعاء، ففازوا هذه المرة ووطدوا في الجبال العالية حكمهم إلى حين، لأن أهل اليمن الذين يثورون على ساداتهم، والسادات الذين يتمردون على إمامهم لا يوالون الأجنبي طويلًا. وفيها تم عمل الكسوة الباطنة الداخلية الحمراء للكعبة المشرفة زادها الله تشريفًا وتكريمًا, وكانت من الحرير الأحمر مكتوب فيها بالنسيج الأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله، الله ﷻ ثم سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، يا حنان يا سلطان يا منان يا سبحان، فاستمرت هذه الكسوة من هذه السنة في آخر ولاية السلطان عبد العزيز خان إلى نهاية ٦٣ سنة لم تغير حتى استحال لونها رمادي.

стр. 244

ذكر قيام عبد الرحمن بن فيصل يريد الملك لنفسه وهذا أصغر أبناء فيصل ففي هذه السنة قام عبد الرحمن هذا معه فهد بن صنيتان وسار يريد الأحساء فجرى بينه بين العساكر ما سنذكر بعدها إن شاء الله تعالى، فهذا سعود قد ذكرنا تغلبه وعبد الله بن فيصل يجمع أمره للقتال. وفي هذه السنة قام عبد الرحمن فلا تسأل عما أصبح الناس فيه من المحن والابتلاء من تشتت شمل المسلمين وتجسم المحن بين العالمين، وقد جرت الحوادث الكوارث، والفتن المضلات الأثائث، من تفرق الإخوان في البلاد وحلول الأهوال وأنواع الأنكاد، أضف إلى ذلك ما نجم من أولئك الأعراب الذين عاثوا في البلاد وأكثرا فيها الفساد، وساموا أهل الإسلام سوء العذاب، وباءوا بالخزي والتباب، وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ قصيدة تتعلق في ذلك ويتأسف على ماضي زمانه وتشتت أصحابه وإخوانه: ألا ليت شعري هل لماضي زماننا ... رجوع فترتاح النفوس وتأنس فيحلو مرير العيش بعد رجوعه ... وتقضي ليانات هوتهن أنفس عسى ينقضي هذا الزمان وينتهي ... وتعفو علامات عليه وتدرس وينجاب هذا الليل بعد ظلامه ... ويبدو سنا صبح الهنا يتنفس فلهفي على العهد القيدم الذي انقضى ... فمن بعده فالحق يمحى ويطمس وياليت شعري هل يعود كما مضى ... فما مثله مثل به يتأنس أعلل نفسي بالرجا فأريحها ... ويطرقها طيف الأسى فتنكس اقلب طرفي بين صحبي فلا أري ... سوى من بأكبال الأساء مكوكس غريب بعيد الدار تعروه ذلة ... إذا ما رأى المكروه يغضي ويخرس فقد عيل صبري عن مقاسات حادث ... من الهم ما خلق لذاك منفس عسى فرج يأتي به الله عاجلًا ... فيهدم ما يبني الأسى ويؤسس

стр. 245

عسى وعسى أن لا يدوم لنا الأسى ... فقد طالما هذا الأسى يتنكس فصبرًا فما الأحداث إلا كما ترى ... وفي الزمن الماضي أساء مؤنس فقد غرت الأحداث من كان قبلنا ... وما مرهم منها أمر وأشكس فلسنا بحمد الله بدعا من الورى ... وللصبر للمقدور أعلى وأنفس فعاقبة الصبر الجميل حميدة ... ومن يخطه الصبر الجميل فمفلس فثق واعتصم بالله ربك وليكن ... رجاءوك في مولاك ما منه مأيس فما خاب من في الله كان رجاؤه ... وملجاه في الحادثات ومؤنس وأزكا صلاة الله ما هبت الصبا ... وما لاح نجم بعد أن كان يكنس على المصطفى والآل ما فاض بارق ... وما أظلم الديجور حين يعسعس ثم دخلت ١٢٩١ ه ـ ففيها قتل عبد الله الغانم في سباخ بريدة وسبب قتله أنه من جملة القاتلين لعبد الله بن عبد العزيز بن عدوان أمير بريدة سابقًا، فقام عبد المحسن بن مدلج وابناه عبد الله ومدلج مدعين أنهم أقرب عاصب له، وكانوا أيضًا من آل أبي عليان من عشيرته فقاموا على عبد الله الغانم وقتلوه بالفؤوس والعياذ بالله حتى سمع له رغاء كرغاء البعير. وفيها حدث في عنيزة وجع يصيب الرؤوس، وتوفى منه عدد كثير، ومن أعيان من توفى فيه الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع رحمة الله عليه، وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم العلامة الفاضل محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع بن إبراهيم بن حمدان بن محمد بن مانع بن شبرمة الوهبي التميمي، وكانت وفاته في ليلة الأحد الموافق تاسع جمادى الآخرة في بلد عنيزة، ولد في شقراء سنة ١٢١٠ هـ، فنشأ على الديانة والعفاف والزكاء نشأةً حسنةً وحفظ القرآن في صغره وطلب العلم وجدّ ونافس، وأخذ عن الشيخ الإمام الورع الزاهد عبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري التميمي، ولما انتقل الشيخ العالم عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين

стр. 246

العائذي من روضة سدير إلى بلد شقراء لازمه المترجم وأخذ عنه وتزوج ابنته، وكان لا يفارقه إلا وقت النوم، فانتفع به وقرأ عليه في التفسير والحديث والفقه وأصوله وأصول الدين وفي النحو حتى ظهر مظهرًا حسنًا، وناهيك برجل شيخه أبي بطين علمًا وورعًا وذكاءً. ولما تولى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن قضاء عنيزة وارتحل إليها بأهله وأولاده، ذهب معه المترجم المذكور بأهله وأولاده، فنزل في عنيزة وأحبه أهلها وأكرموه واحترموه وقدروه تقديرًا لم يعهد مثله ذلك لما قام به من حسن الأخلاق ومعاني الشيم وتحببه الخاص والعام، وكان الشيخ محمد ذكيًا فاضلًا أديبًا مكرمًا لطلاب العلم وموقرًا للغرباء الطالبين، وأخذ عنه جماعة من الفضلاء. ومن أنجاله عبد العزيز وحفيد المترجم هو الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع مدير العارف السعودية سابقًا، وكان المترجم حسن الحظ كثير التصحيح والتحرير والضبط والتهميش، وغالب كتبه عليها رموزه وتقريراته وضبطه، وما زال على الاستقامة إلى أن توفاه الله في هذه السنة. وقد رثاه تلميذه الذكي الفاضل النجيب، والشاب الأديب صالح بن عبد الله بن بسام بهذه المرثية: أيا قلب دع تذكار سعدي فما يجدي ... وأيام أنس سالفات بذي الرند فليس بذي الدنيا مقام ترومه ... ولكنها كالحلم تمضي على العبد ولما شجاني أن قضى حتف أنفه ... محمد المحمود في العلم والزهد عنيت به الحبر الجليل ابن مانعٍ ... ومن هو في دنياه عاش على الحمد سقى الله قبرًا قد حواه ثرى له ... سحائب فضلٍ فاضح البرق والرعد لقد كان بحرًا للعلوم وعارفًا ... وفي علمه يهدي إلى منهج الرشد وقد كان في أمر العبادة يحتذي ... مسالك للأسلاف كانوا على قصد وقد كان لي شيخًا نصوحًا بعلمه ... محبًا لفعل الخير يهدي ويستهدي

стр. 247

ولازمته منذ سنين عديدة ... فلم أره إلا على سالف العهد فيا عين لا تبقي دموعًا ذخيرةً ... فما بعده أرجو شبيهًا له عندي ويا قلب لا تبقي قليلًا من الأسى ... على عالمٍ قد حل في غامق اللحد وأنشد ما يبري من الصدق والوفا ... مقالًا صحيحًا صادقًا فيه من جد ولست بناسٍ ما حييت لصاحبٍ ... صفوح عن الزلات خالٍ من الحقد سابكيه ما جاء الحديث بذكره ... بكاء محبٍ للحبيب على فقد جزاه إله العالمين برحمةٍ ... ينال بها المطلوب في جنة الخلد فجئت بنظم للوفاة مؤرخٍ ... مقيم بدار الحمد في منتهى القصد وفيها أمر سعود بن فيصل على أهل البلدان أن يتجهزوا للجهاد ويقدموا عليه في الرياض، فلما حضرو عنده توجه بهم إلى بلد القويعية ونزل هناك وأقام عدة أيام، ثم ارتحل عنها، وتوجه إلى الرياض وأذن لمن معه بالرجوع إلى أوطانهم، ولما رجع أهل النواحي منه كل يريد وطنه وقع في بلد أشيقر فتنة بين آل نشوان من المشارفة من الوهبة وبين الحصانا والخراشا من آل بسام بن منيف من الوهبة. وسبب ذلك أن أمير بلد أشيقر محمد بن إبراهيم بن نشوان لما أمر سعود بن فيصل بهذا الجهاد، جهز غزو أهل أشيقر وأمرَّ عليهم بن عمه محمد بن علي بن نشوان، ثم سافر الأمير إلى بلد بريدة ليقضي بعض حاجاته، ولما قدم الغزاة على سعود بلغ الخراشاء والحصانا أن محمد بن علي بن نشوان قد تكلم في حقهم لدى سعود، فلما رجع بالغزو خرج إليه عبد الرحمن بن إبراهيم الخراشي وأخوه عبد الله وعلي بن عثمان الحصيني وابن أخيه عبد العزيز بن إبراهيم الحصيني، فأمسكوا محمد بن علي بن نشوان خارج البلد وضربوه ضربًا شديدًا، فرجع إلى بلد الفرعة وأقام عند أصهار له فيها. ولما بلغ الخبر عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن نشوان، وكان إذ ذاك في الجعريفة، سار إلى بلد الحريق وطلب منها النصرة لأن آل نشوان وأهل الحريق

стр. 248

كلهم عشيرة من المشارفة من الوهبة من تميم، فسار معه عدة رجال منهم يريدون أن يشفوا غليله، فدخلوا بلد أشيقر آخر الليل ورصدوا على باب عبد الرحمن لصلاة الفجر، ألقوا القبض عليه وضربوه ضربًا شديدًا، وأمسكوا علي بن عثمان وضربوه وجرحوه جراحًا شديدًا، فثار عليهم أهل البلد مع آل بسام وحصل بينهم وبين أهل الحريق قتال، فانهزم أهل الحريق إلى بلدهم وقتل منهم عثمان بن عبد الله بن مقحم. ذكر شيء من أذكار عبد الرحمن بن فيصل قد قدمنا فيما مضى والتاريخ يعيد نفسه إن عبد الرحمن هذا سار إلى بلد الأحساء وذلك بأنه لما مرج الملك بين آل سعود وكثر الهرج وأصبح كل ابن من أبناء فيصل لا يخضع للآخر ما خلا محمدًا، فإنه لا يزال مقيمًا على الولاء لأخيه عبد الله. ولما كان في شهر رمضان من هذه السنة، قدم عبد الرحمن بن فيصل من بغداد إلى الأحساء يصحبه فهد بن صنيتان، فلما قدم عبد الرحمن قام معه أهل الأحساء وأخذوا يبرمون الحيلة في تدمير العساكر التركية، فقاموا على العسكر الذين عند أبواب الهفوف فقتلوهم، ثم حصروا العساكر الذي في خزام القصر المعروف خارج البلد، ونصبوا عليه السلالم وأخذوه عنوةً وقتلوا جميع من فيه من العسكر، وتحصن أهل الكوت فيه هم ومن عندهم من عسكر الترك الذين في كوت إبراهيم، وفي كوت الحصار فحاصرهم عبد الرحمن بن فيصل ومن معه من أهل الأحساء والعجمان وآل مرة، واشتد الحصار عليهم وكاد أن يظفر ببغيته لولا نجدة جاء بها ابن سعدون من العراق فكسرت العجمان وشتتت شملهم، وذلك لأن العساكر أرسلوا إلى والي البصرة وباشا بغداد يطلبون النصرة، فأمر باشا بغداد على ناصر بن راشد بن ثامر بن سعدون رئيس المنتفق أن يسير إلى الأحساء، وعقد له على إمارة الأحساء والقطيف وجهز معه عساكر كثيرة من بغداد، واستنفر ناصر بن

стр. 249

راشد رعاياه من المنتفق وغيرهم من بادية العراق، فاجتمع عليه جنود عظيمة، فسار بهم إلى الأحساء، فلما قرب من بلد الهفوف خرج إليهم عبد الرحمن بن فيصل ومن معه من العجمان وآل مرة وأهل الأحساء، ووقع بين الفريقين قتال شديد، فانكسر لذلك أهل الأحساء وانهزموا إلى بلادهم وتتابعت الهزيمة على العجمان ومن معهم من العربان، وعاد عبد الرحمن بن فيصل إلى بلد الرياض معه فهد بن صنيتان، وهرب رؤساء الأحساء إلى البحرين. ثم دخل ناصر بن راشد بلدة الهفوف بمن معه من الجنود ونهبوها وأباحوها ثلاثة أيام، وخرج عسكر الترك الذين في الكوت، فصاروا مع تلك الجنود فعاثوا في البلد نهبًا وقتلًا وفسادًا، حتى قتلوا كل من ظفروا به من أهل السنة من ساكني الأحساء وممن كان فيه من أهل نجد، ولم يتعرضوا للرافضة، فقتل خلائق كثيرة ونهبت أموال عظيمة لا يحصيها إلا الله تعالى، وكان أكثر من باشر القتل عسكر الترك طلبًا لثأر من قتل منهم، وكان من أعيان الذين قتلوا في هذه الفتنة الشيخ عبد العزيز بن نعيم. أما الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الوهبي فإنه ضرب ضربًا شديدًا وأخرجوه من الكوت، وكان ساكنًا فيه قبل ذلك، وقتل محمد بن عبد الرحمن بن عامر وعمه أحمد ورشيد بن عبد العزيز الباهلي ومحمد بن حسين الباهلي، وجرى في هذه الأيام محن عظيمة وخطوب جسيمة تشيب لها النواصي، وتعجز عن حملها الجبال الرواسي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي آخر هذه السنة بل في شهر ذي القعدة خرج سعود بن فيصل من بلد الرياض غازيًا فلما وصل صوار الموضع المعروف في أسفل بلد البير من بلدان المحمل مرض فرجعوا به إلى الرياض فوافاه أخوه عبد الرحمن لما رجع من الأحساء مريضًا في قصره، فلبث سعود أيامًا قليلة وتوفي في ثامن عشر الحجة من هذه السنة فالله المستعان.

стр. 250

وهذه ترجمته رحمة الله عليه: هو العاهل المقدام والأسد الضرغام وسلالة الأمجاد والكرام سعود بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود آل مقرن، كان شجاعًا ومشهورًا بالجراءة والإقدام، قد ظهرت فيه علامات السيادة وهو قد التف في مهاده، وكان له كرم عظيم وبذل وعطايا كثيرة حتى اشتهر جوده واعتلى صيته، وقد ساعده التقدير، مع ماله من الهمة العلياء والأمر الخطير، والقدر السامي والشأن الكبير، فلما رآه والده أهلًا للرئاسة استعمله أميرًا في ناحية الخرج وكان مقرونًا به الظفر، وله سبق في الفضل، غير أنه قام ينازع أخاه الإمام عبد الله الملك، فحصل بسبب ذلك محن على أهل الإسلام وفتن كبيرة على الآنام، وهذا يعد من سيئاته والله يغفر له، فأنتج خلافه ومنازعته فتنًا مظلمة وحوادث مدلهمة، وكان أمر الله قدرًا مقدورا، ولولا ما يسره الله من قيام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وسعيه في تسكين بعض الحوادث الثائرة بحسب جهده وطاقته، مع أنه لا يستطيع وليس في إمكانه قطع مواد الشر من أصله لعدم سلطانه وقلة معاضديه وأعوانه، لكان الأمر أدهى مما وقع وأجسم مما حصل، ولكنه ما زال يدأب في قمع الفساد ويبث نصائحه في العباد حتى رمم بعض ما تفتق، وهذه الدنيا جعل الله صاحبها يعيش في كيد ويفشوا بين أهلها النكد والحسد، أضف إلى ذلك ما إذا كان للإنسان أعوان لا يساعدونه على فعل الخير مع ما بلى به العبد من الهوى والنفس والإمارة بالسوء، وتسويل الشيطان وغرور الدنيا، كما جرى ذلك في القرون السالفة والله ولي التوفيق. ولما توفى قام بالأمر من بعده أخوه الإمام عبد الرحمن بن فيصل وكان عبد الله بن فيصل إذ ذاك هو وأخوه محمد بن فيصل مع بادية عتيبة. ثم دخلت سنة ١٢٩٢ ه ـ ففيها أمر عبد الله بن فيصل على أخيه محمد بن فيصل أن يسير إلى شقراء، وكتب معه بكتاب إلى رؤساء أهلها، وكتب أخرى على رؤساء بلد الوشم يأمرهم
следующие страницы →