في خارج المملكة بعيدًا عن البلاد العربية فأمر الملك فيصل بن عبد العزيز أن يؤتى بجثمانه إلى مقابر آبائه وأجداده فغسل وكفن وصلي عليه في الحرم الشريف في مكة المكرمة ثم نقل جثمانه بطائرة إلى مدينة الرياض فدفن مشيعًا في جانب أبيه فالله المستعان وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون، وقد خلف أولادًا كثيرين وأموالًا طائلة.
وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ محمد بن ناصر الوهيي إمام جامع رياض الخبراء وهو محمد بن ناصر بن حسن الوهيبي ولد في بلدة الخبراء عام (١٢٩٩ هـ) وأخذ عن علماء بلده منهم الشيخ محمد بن عمر العمري ثم ذهب إلى مدينة بريدة فأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم كما أخذ عن ابنه الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم في حال إقامته في البكيرية وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد وجدّ ونافس فكان في عداد العلماء العاملين ومن جملة الأتقياء الصالحين وكان لم يتول القضاء بعدما عرض عليه بل كان زاهدًا متعففًا ومدرسًا أخذ عنه علماء أفاضل منهم ابنه ناصر الذي تقدمت ترجمته وكان عالمًا فاضلًا وأخذ عنه حمد الناصر القبل وأخذ عنه إمام أحد مساجد رياض الخبراء محمد بن علي الوهيبي وأخذ عنه عبد الرحمن بن صالح الغماس المدرس في إحدى مدارس رياض الخبراء وإمام قرية الغماس وأخذ عنه فهد بن عبد العزيز السعيد وأخذ عنه ناصر المحمد الخزيم وأناس آخرون. وقد قيل أنه لبث في الإمامة ستين سنة تقريبًا ويقوم بعقد الأنكحة والإصلاح بين الناس والإفتاء والتدريس وكتاب الوثائق بين الناس.
وممن توفي فيها من الأعيان محمد أبو بكر باخشب وكانت وفاته في ليلة الخميس ٥ ذي القعدة حيث وافته النية وهو في منزله في حالة حيوية ونشاط وقد حزنت عليه الأمة ونعته جامعة الملك عبد العزيز في جدة فقالت فقدت جامعة الملك عبد العزيز الأهلية بجدة عضوًا من أبرز أعضاء هيئتها التأسيسية وأبعدهم أثرًا في حياتها ونعني به سعادة الشيخ محمد أبو بكر باخشب الذي كان في طليعة المؤمنين
стр. 1857
بفكرتها والعاملين على دعمها سواء بذلك المبلغ الكبير الذي قدمه لها وقدره مليون ريال وبجهده الشخصي في متابعة خطواتها وملاحقتها وتقول عنه إحدى الجرائد السعودية كان لوفاته رنة أسف واسعة هذا وقد تم دفن جثمان المترجم في مكة المكرمة بعد ظهر يوم الخميس حيث شيع من المسجد الحرام إلى في موكب مهيب اشترك فيه عدد كبير من المواطنين الخ.
وممن توفي فيها من رجال الدين والصّلاح والفضل عبد العزيز بن حسين وهذه ترجمته: هو العابد البصير في العقيدة عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن حسين ﵀ وعفا عنه ولد في قرية العكيرشة التي كانت إذ ذاك ضاحية من ضواحي مدينة بريدة في عام (١٢٩٨ هـ) ونشأ في رعاية والديه حيث كانا يزاولان الحراثة والزراعة ولانشغاله في طلب المعيشة وخدمة والديه كان لم يتمكن في الدراسة من تحصيل العلم غير أنه كان من أصل طيب يوالون في الله ويعادون لله فكان من أهل البصيرة والنقد والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان محبًا لأهل الدين مبغضًا للمنافقين والكافرين والظالمين فلذلك كان يلهج بذكر الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وآل سليم ويختصه الشيخ عمر بن محمد بن سليم لأسراره ويقدره ويعرف له فضله كما أن والدة الترجم من ذوات الدين والبصيرة فقد أقامت وليمة مكونة من جزور وما إليها لما رجع أولياء الله معززين من قبل الأمير سعد الحازمي لما أحضر لديه أناسًا من المشائخ وطلاب العلم بأمر من ابن رشيد بسبب الوشاية بهم فوبخهم الأمير أفرادًا وكانت الأمة قد خافت عليهم وترقبوا ماذا يحله بهم وآخر شيء تراجع الأمير عن رأيه وقلبهم إلى أهاليهم بخير واعتذر إليهم بأنه مأمور وكان المترجم صبورًا على حلو الزمان ومرِّه وله ذاكرة وحفظ ويحب الخلطة بالعلماء الأفاضل ومديمًا على الحج والعمرة في رمضان المعظّم سريع الدمعة عند الوعظة وتذكر العلماء وكانت أسرته متأصلة من بلد وشيقر من قبيلة النواصير وينتمون إلى بني تميم وما زال يزاول مهنة الزراعة ويسعى في اكتساب المعيشة في مزارع آبائه شرقي مدينة بريدة وفي أراضي النقع حتى عجز وكل عن العمل وعجزت قواه
стр. 1858
وأسن وأرهقته الشيخوخة فاستراح في نفس مدينة بريدة ملازمًا للصلاة مع الجماعة خلف الإمام ويتردد إلى حلق الذكر حتى أتاه اليقين وانتقل إلى رحمة أرحم الراحمين وكانت وفاته في اليوم الثاني من شهر رجب عن عمر يناهز التسعين فالله المستعان، أما عن قصة أولياء الله التي أشرنا إليها ها هنا فقد تممت في حوادث (١٣١٩ هـ) فلتراجع مبسوطة هناك.
وفاة عالم ديني
ففي هذه السنة وفاة الشيخ سليمان الناصر السعدي وهذه ترجمته: هو العالم العامل ذو المناقب والفضائل الزاهد الورع المتعفف شيخ قرية المريدسية ومفتيها وإمام الجامع الخطيب المتمسك بدين الله والصابر على الكروب والشدائد أبو محمد سليمان بن ناصر بن علي السعدي قبيلته عنزة فهو من أحد أفخاذها كان ﵀ إمامًا واعظًا وخطيبًا وموضع الثقة من القضاة والأمراء وصاحب إصلاح وإخلاص ونية قام بأهل قريته وما حواليها فأدخل في قلوبهم نور التوحيد ومعرفته والثبات عليه ومنعهم من الانخراط في الرذائل وكان لدعوته أثر في النفوس وكان محبوبًا عند الخلائق ومرموقًا في أعينهم خلا منافقًا أو زندميقًا أو عدوًا للشريعة وإذا أخذ في الخطبة فإنه يبكي ويبكي من حوله وقد قدمنا إشارة عن صلاحه ودينه وتوفيقه وكان يدرس ويعظ ويرشد وانتفع به في العقيدة والصلاح خلائقا كثيرون وقد ناهز السادسة والثمانين من عمره وهو في وعظه وإرشاده وأسباب مرضه أن أصهاره دعوه لزيارتهم فامتطى حمارًا وسار في صحبته أحد أحفاده غير أنه أسرع به حماره فتعثر الحمار وسقط على الأرض فتأثر يعد رجوعه بيوم بأن أصيب بعطش شديد وغثيان ثم أنه حج بعد ذلك غير أنه لما يزال يشكو لزوجة ريقه ويبوسة في فمه وكان قد أحب أن لما يتداوى ثقة بالله وتفويضًا لأموره إليه لعلمه أنه وإن تداوى فما قدر فسيكون كما صنع ذلك الصديق أبو بكر ﵁ شعرًا:
قل للذي صنع الدواء بكفه ... أترد مقدورًا عليك قد جرا
стр. 1859
مات المداوى والمداوي والذي ... صنع الدواء بكفه ومن اشترا
ولما قيل لأبي بكر الصديق حينما مرض وعاده الناس ألا ندعو لك الطبيب فقال قد رآني قالوا فأي شيء قال لك فقال إنه قال إني فعال لما أريد. وقيل للربيع بن خثيم لو تداويت وكان قد أصيب بفالج فقال لقد عرفت أن الدواء حق ولكني ذكرت عادًا وثمودًا وقرونًا بين ذلك كثيرًا كانت لهم أطباء فما بقي المداوي ولما المداوى، ولما أن كان المترجم في يوم الأربعاء ١٨ جمادى الثانية توضأ وذهب إلى المسجد صباحًا وبعد رجوعه من التدريس في المسجد في الساعة الخامسة قبل الظهر بساعة وافا ضيوفًا من خب العريمضي جاءوا لزيارته فأخذ في الوعظ والإرشاد حتى كل لسانه عن النطق وشق عليه الكلام فطلب من أبنائه أن يذهبوا به إلى الجابية ليتوضأ ويغتسل فلم يتمكن من ذلك لضعفه ثم أنهم ساعدوه على الغسل والوضوء وطلب منهم أن يذهبوا به المسجد وجعل يهذو بالصلاة والتدريس ويلهج بذكر الله واستغفاره ولما ذهبوا به عجز عن وصول المسجد فرجعوا به إلى البيت وشق عليه الكلام بحيث لم يفهموا كلامه إلا بشدة وذهل عن صلاة الظهر ثم أنه أمسك على لسانه ولم يكلم أحدًا من أحبابه وإخوانه وذلك من عصر يوم الأربعاء المذكور حتى توفاه الله تعالى في الساعة السادسة قبل صلاة الجمعة من اليوم ٢٥ من جمادى الثانية فتأخر تجهيزيه وصلى عليه المسلمون بعد صلاة العصر من يوم الجمعة وحضر للصلاة عليه خلائق خرجوا من مدينة بريدة ونزلوا من القرى والضواحي الغربية والشمالية والجنوبية وبكوه وترحموا عليه وأصيب به المسلمون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
أخلاقه وشمائله
كان ربعة من الرجال أو أقل، متقشفًا في لباسه متواضعًا في جلوسه وهيئته كعادة العربي الذي لما يهمه لباسه وترفه إنما يهمه دينه وأخلاقه متواضعًا اجتماعيًّا يجيب الدعوة ويعود الرضى ويشهد الجنائز ويدارى ويأكل من كسب يده فكان رزقه في الحراثة والزراعة على قدر استطاعته يصعد إلى فرع النخلة وينزل من
стр. 1860
ثمرها حتى تصدعت يداه ورجلاه في طلب المعيشة ليستغني عن الناس وكان عليه عباءة بيضاء لما تساوي عشرين درهمًا قد لبسها ومر عليها عشر سنين وليس ذلك عن قلة ولكنه متواضع ويصدع بالحق لما تأخذه لومة لائم وإذا أخذ في الخطبة والوعظ والإرشاد فإنها تكاد تفصم أوصاله مما يجده من فشو المخالفات والإكباب على الدنيا وذهاب الصالحين بصوت عالي جميل وترتيل وتخنقه العبرة ويحشرج صدره غير أنه يتمالك فلا يظهر منه ما يجرح العواطف ويسيء السمعة وذلك لسعة عقله وحسن معالجته للمشاكل فلا يؤذى كوعظته على جهة التخصيص بل كان لما يوجه أحدًا بما يكره وهذه حالة النبي الأعظم في خطبه صلوات الله وسلامه عليه فإنه كان يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وما بال أقوام يفعلون كذا" ولما يعنيهم خشية أن يحصل لهم خجل واستحياء بين الناس وهذه هي الضالة المنشودة والغاية المطلوبة نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لحسن الإرشاد والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا عكس ما كان يفعله العابد الزاهد أخونا في الله عبد الله بن محمد أبا الخيل فإنه زميل للمترجم ويجمعهما بلد واحد وكان عبد الله يغضب غضبًا شديدًا ويحمل في موعظته وإرشاده على المسافرين إلى مصر والشام والعراق حملة شعواء وعبارة جافة جدًّا وهو وإن كان مصيبًا في ذلك ويقوم بعمل يشكر عليه غير أن المنحرفين قد لما يفيد فيهم العنف وقصة الحسن والحسين مع الشيخ الكبير الذي لما يحسن الوضوء معروفة ونصيحة الرسول ﵊ وتوجيهه للرجل الذي أسلم وقال إني لا أترك الزنا مشهورة بحيث قبل إسلامه وبعدما لبث بين له الرسول مفاسد الزنا فعاهد الله على ترك الزنا وكذلك قصة صلة بن أشيم وعبد الله بن محمد بن عائشة معلومة ولما توفي الشيخ سليمان بن ناصر طلب مني أحد أنجاله أن أرثاه فكتبت هذه مرثية أنشأها الفقير إلى الله تعالى إبراهيم بن عبيد العبد المحسن في الأخ في الله والمحب فيه سليمان بن ناصر بن سليمان السعوي قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه:
على علم أمسى رهين المقابر ... نريق دموعًا من جفون المحاجر
стр. 1861
وحق لذي لب يديم بكاءه ... وحق على الأحباب سكب المواطر
وحق على الإخوان يبكوا ويندبوا ... وحق على قلب دهي بالفواقر
يريق دموعًا وكفها مترادف ... لخطب دهى من معضلات الزواجر
فما حل في ذا العام قط مصيبة ... ورزء كفقد للسليم السرائر
لعشرين يومًا ثانيًا لجمادها ... لست من الساعات في حر هاجر
ثمانٍ تلاها من ثمانين حجة ... ثلاث مئين بعد ألف لسابر
فأعظم بها هدًا أصيبت معالم ... هاك تعزى أمة من معاشر
إمام به أهل الفضائل قد قضوا ... واشفوا على الفقدان يا عظم باتر
وأعني به من كان لله مخلصًا ... تقيًّا نقيًّا صابرًا ذا بصائر
أبا ناصر لقد قضى اليوم نحبه ... هلموا بنا يا قوم نبكي للمفاخر
أبا ناصر أمسى رهينًا للحدِه ... وساروا به نحو القبور الدوائر
أبا ناصر هل كان إلا بقية ... لقوم على عهد وفوا بالتناصر
يدين بقال الله قال رسوله ... وأقوال أهل الحق من كل صابر
على هذه الدنيا فليس بعاشق ... وما همه جمع وحب التكاثر
بلى إنه مُذ شب في العلم مولعًا ... بوعظ وإرشاد وكشف لضائر
يحب ذوي الإيمان طبعًا وفطرة ... ويبغض من لا يرعوي عن جرائر
وكان لأهل الدين كهنًا ومعقلًا ... وثقلًا على الأعداء أهل التنافر
له في الولا باع وفي الكره مثله ... لقوم تولوا عن طريق المفاخر
وينشر للتوحيد في الخلق معلنًا ... يصيح به فوق الربا والمنابر
وما صده عن ذاك لومة لائم ... ولما خاف مخلوقًا عظيم البوادر
بقية قوم عاهدوا الله وحده ... على نصرة الإسلام أعلى المفاخر
ينادون بالتوحيد جهرًا بنيه ... ولم يثنهم عن دينهم كل زاجر
وكان لعمري آية في ثباته ... على الحق والإيمان غير مقامر
يجادل في الحق المبين تبصرًا ... ويرشد حيرانًا بحكمة سابر
стр. 1862
ويفتح في حسن الدعاية جهده ... قلوبًا لعمري مقفلات البصائر
يخالط خلق الله ليس كعجب ... بآرائه فعل الغواة الأخاسر
ويصبر فيما قد دهى من جهولهم ... يريد من المولى جزيل المآثر
على حسن أخلاق ولين عريكة ... أديب أريب ليس يومًا بطائر
وقد كان في الأهوال خير مساعد ... وكان أخًا في الله خير مناصر
لإن كان في الدنيا على خير حالة ... بعيدًا من الأهواء وليس بغادر
صبورًا على أقدار من جل ذكره ... ويثني على المولى مديبًا وشاكر
فنرجو له الزلفى من الله والرضا ... بدار العلى والله أقدر قادر
فيا من له كل الخلائق قد عنت ... على عرشه استوى عليم السرائر
ويا من هو الجبار ﷻ ... له الأخذ والأعطاء وجبر الأكاسر
أنله الرضا والعفر فضلًا ورحمة ... ومن بإحسان لضيف مجاور
ألست الذي ربيته وخلقته ... وأنعمت في أوقاته في التذاكر
يخافك دومًا في الحياة وأنه ... ليرجوك في ذا الوقت يا خير جابر
وصلّ إلهي كلما هل ماطر ... وما اهتزت الأغصان في كل زاهر
وما انبعثت تبكي على الأيك طيرها ... وما حج بيت الله من كل سائر
على أحمد أعلى الأنام وظيفة ... وأفضل مخلوق شفى البصائر
وآل وأصحاب ومن كان قابضًا ... على إثرهم في دينه بالخناصر
وفاة أمير القصيم سابقًا
ففيها في شهر ذي الحجة توفي الأمير مبارك بن مبيريك ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الأمير العاقل البصير المحبوب الذي أعماله مشتقة من اسمه مبارك بن ناصر بن عبد الله بن مبيريك أبو صالح الذي شهرته تغني عن ذكره وكان فيه مؤهلات قضت له أن أوسد إليه الأعمال فقد انتدبه الملك عبد العزيز لزيارة تركيا صحبه صالح العذل سنة (١٣٢٤ هـ) وفي صحبتهما محمد بن دافع من أهالي عنيزة
стр. 1863
ومحمد بن حمدان مدير مالية بريدة وقد أشرنا إلى ذلك في تلك السنة ولد الأمير مبارك عام (١٢٩٩ هـ)، وكان عاقلًا رزينًا مداريًا، له سمت عظيم ثم ولاه الملك عبد العزيز إمارة القصيم وكان في قصر الحكم في بريدة وكيلًا بالنيابة لما نقل الأمير عبد العزيز بن مساعد إلى إمارة حائل، وذلك في عام (١٣٤٠ هـ) فقام بهذه الوظيفة خير قيام ولبث في الإمارة فيها موضع الإعجاب إلى عام (١٣٤٦ هـ) حيث أنها لما تطورت مشكلة الدويش وابن بجاد ومن تبعهما من البادية فجعلت الحكومة في إمارة القصيم الأمير مشاري بن جلوي لأنها مركز الدائرة ولأن تلك المنطقة كانت مهددة من أولئك الأشقياء ولما زالت تلك السحابة وتوفي الأمير مشاري ﵀ وولي بعده تركي بن عبد العزيز بن ذعار لم يلبث في الإمارة إلا يسيرًا بحيث أعيد الأمير مبارك إلى الإمارة فيها وذلك في آخر سنة (١٣٤٨ هـ) فباشر عمله فيها وكان حليمًا عاقلًا فاستمر في الإمارة ست سنين لم يشاغب ولم يحدث في إمارته تشويش ثم نقل وجعل مكانه الأمير عبد الله بن فيصل بن فرحان وذلك في سنة (١٣٥٤ هـ).
وكان المترجم أسمر اللون طوالًا عليه آثار السيادة والرجولة لا يضحك ولما يمزح ولما يغضب ومرضيًا للجميع ويذكر بالحلم والصفح مع هيبة ووقار رأيته في سنة (١٣٤٦ هـ) وقد خرج لاستقبال صاحب الجلالة لما قدم لمهمة الغزو فكان ممتطيًا الفرس ميممًا روضة الربيعية عليه زبون من الكشمير فوق القميص والشال الصوفي المزركش وأرخى السراويل الذي خرجت أكمامه من أسفل والعقال على رأسه ورأيته قبل وفاته بسنتين إلى جانب فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز في بيت الشيخ بالرياض فسلم علي لما عرفه بي فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز.
عفوه وتجاوزه
خرج مرة في الساعة الرابعة ليلًا من دعوة أحد الأعيان ومعه أحد رجاله فرأى أحمالًا في الماقفة في بريدة في طريقه إلى القصر كان أصحابها قد هربوها وهي من البن والهيل فلما رأوا الأمير وجلوا وسقط في أيديهم ووجموا عن الكلام فوقف
стр. 1864
عليها وجعل ينكتها بالعصا ويقول هذا كرمع (قرض) فزال الخوف عنهم وقالوا نعم يا طويل العمر فهمس الخادم بأذنه يقول إنها قهوة وهيل فقال اسكت فمن سألك وذهب كأن لم يرها فهنيئًا لك يا أبا صالح وأمن الله خوفك وهكذا الرجال يعفون مع القدرة.
ومن عطفه ورأفته التي سيجازيه الله عليها أنه نزل عليه أوامر من جلالة الملك بأن يقبض على رجل يدعى جميعان قدم إلى قرية من قرى القصيم فيسجنه ويصادر أمواله ذلك بأنها تكررت تهريباته ومخالفائه فسأل عن بيته وأمر الخدم والرجال أن يقبضوا عليه في وقت صلاة الفجر ثم ركب الفرس على خفية بعد صلاة العشاء الآخرة حتى طرق الباب عليه في قريته وقال له انجُ بنفسك أتعرفني قال نعم وأشكرك فاخبره بأنها نزلت عليه الأوامر من سيده ولما يسعه إلا تنفيذها وأرشده بأن يوزع البضاعة عند معارفه ويخرجها من بيته في ليلته ويفر إلى جهة غير معلومة فقام الرجل من فوره يسعى في خلاص نفسه لأنه إن وجد فإنه سيعاقب بما يستحقه من التأديب في نفسه وماله ونجى تحت ظلام الليل، ولما أن جرى التفتيش امتثالًا للأوامر في الوقت المعين كتب المحضر بأنه ليس موجودًا ولم يكن في بيته شيء هذا شيء من رحمته وعطفه ونزل عليه أمر من أحد أمراء البيت المالك بأن البندقية الموجودة بيد فلان قد سرقت من أحد رجالنا فاقبضها وكان هذا الرجل الموجودة بيده يدعى عبد الله بن علي الحمادي من أطايب الرجال فدعى به وقال يا ولدي هكذا جرى وإن فيصل بن عبد العزيز أقوى مني ومنك فأجاب بأنه لم يسرقها وإنما اشتراها بحر ماله من أعرابي بحضرة شهود فقال نعم، ولكن ما هو اسم ابنك فأجاب بقوله اسه صالح فقال يا أبا صالح أخبرتك بأن فلان ضلع حديد إن سقط علينا أهلكنا وإن سقطنا عليه هلكنا ولا بد من حضورها وسنعوضك بعض الشيء ونبعث لسمو الأمير يعوضك البقية إن شاء الله فقبضها ودفعها مرضيًا لصاحبها فكان الرجل يمتدح الأمير ويثني عليه بحسن تصرفه، وقد أنجب أولادًا فمهم صالح النجل الأكبر وكان رصينًا عاقلًا ويجعله والده بالوكالة عنه إذا غاب وكان موظفًا
стр. 1865
في مالية بريدة وعبد الله وعبد العزيز وناصر وسعد وقد توفي الأخير في حياة والده وله أسباط من بناته منهم مدير المعهد الزراعي في القصيم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز بن مشيقح كان شابًّا أديبًا ومن أسباطه بعض أبناء سليمان بن علي بن حجي صاحب الأدب والرجولة في مدينة بريدة وكان مزارعًا في الجهات القريبة من بريدة وكان عمر المتوفى يناهز التسعين فالله المستعان.
وفيها وفاة الأديب الصري حبيب جامالي وقد أقيم له مأتم هناك كبير اشترك فيه جمهور كبير وكان مشتغلًا بالصحافة وكاتبًا ومحررًا في مجلة المقطف ثم انتقل إلى مجلة الهلال ثم شمل نشاطه الأدبي والصحفي جميع صحف دار الهلال كالاثنين والمصور وحواء وإيماج وكانت وفاته عن عمر يناهز السبعين قضى منها أكثر من نصف قرن يعمل في الصحافة المصرية.
أخبار عن وزير الدولة شلهوب
ننقل ما أثبته الريحاني وغيره من المؤرخين بالمعنى كان شلهوب واسمه أبو صالح محمد بن صالح بن شلهوب وزير الدولة ثلاثًا وأربعين سنة ولا يزال حتى هذه السنة يتقلب بالمرح والسرور مع تقدمه في السن فهو يهزأ بروح الشباب مرح ضاحك روحه شابة بل وأكثر من ذلك يجمع أبنائه ليحدثهم عن ذكرياته الحلوة ويضحك مع الجميع صغيرًا وكبيرًا وكان طويل القامة هذه صفته يقول: (بعد منتصف الليل نشعل الشمعدان ونعد السجادة والمصحف للملك عبد العزيز) ويقول عن حياته مع الملك: (ملأت المزاود بالحصا والجبخان للتخلص مما نحن فيه) ما هو شلهوب كان يجلس على الكرسي الكنب وعليه شماغ وعقال وبشت وقد أرخى وجهه وضم فمه مرور السنين وتقدم السن غير أنه في حديثه ملتفتًا متشجعًا كأنه الصقر فيقول جميع الأشياء في المالية مرتبطة في وهذه كلها من مهماتي في الدولة الشابة آنذاك الأمر يتحول رأسًا من الملك عبد العزيز إلي ويقول عنه المؤرخ أمين الريحاني هو وزير المالية ووزير التموين عند السلطان عبد العزيز، وما الوزارة
стр. 1866
هماك غير صدى الإرادة السلطانية وآلة من آلات أحكامها إلا أن الشلهوب هو علم الشيوخ فيه عذاب وفيه خلاص وفيه إخلاص ولا ريب فيه مهماته متعددة تشمل الكبيرة والصغيرة من الدفع إلى عود الكبريت فهو يتولى أمر التوزيع العام الشامل يوزع الحطب ويوزع السمن ويوزع المال طريقته في الإدارة أولية يدوية وحساباته قروية قال لا فض فوه الذي يجيء نقيده والذي يروح نقيده والنتيجة لا شيء وليس في طريقته محاباة وتفضيل طوف بي ذات يوم في مخازنه فدهشت لما في ذمته من الأموال وفي ذاكرته من الأشياء هذا مخزن السلاح والذخيرة، وهذا بيت التموين وهذه الخوابي صنع الهند للسمن، وهذا التِمن (١) الأرز مئات من الأكياس مرصوصة بعضها فوق بعض ثم أدخلني غرفة كبيرة ذكرتني بمخازن الرهون بلندن وبنيويورك كل ما فيها مهمل مجهول ومكدس بعضه فوق بعض سألت شلهوب عنها فقال غنمناها في إحدى المواقع ولا أدري ما فيها هذا هو الشلهوب رجل الدولة كل شيء في الدولة يصرفها بعد أمر السلطان عبد العزيز ويواصل الأستاذ الريحاني يقول: مثل يوسف في مصر ادفع يا شلهوب وزع يا شلهوب رأيت العربان والإخوان ينتظرون في الرواق وشلهوب جالس وراء منضدته يعد الروببات وإخوانه في المخازن حوله يوزعون الثياب وكنت أرى كل يوم عند غروب الشمس صفًّا طويلًا من العبيد ساسة الخيل كل يحمل وعاءه ينتظر عند باب من أبواب شلهوب ليملأه شعيرًا، إن لشلهوب منازل كثيرة ومهمات متعددة هو مثل يوسف في مصر الفراعنة ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾، ﴿قَال اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ إلى آخر كلامه. نعم إنه رجل الدولة وأدى واجبًا يشكر عليه، حدثني أحد الأخوان من أهل الرياض وكان ثقة رزينًا قال: دخلتُ مع الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ على شلهوب للزيارة في بيته فجلس يتحدث معنا وجعل يقص علينا أيامًا مضت بينه وبين الملك عبد العزيز حيث كان ينفذ أوامر الملك،
стр. 1867
قال كنت أختال إذا لم يكن في الخزائن شيء وأستسلف من التجار فدعى بي مرة وقال يا شلهوب هذا ابن عائض تدم من الجنوب وهو من الأعيان ولا أقل من مائتي جنيه ذهبًا فاعتذرت بأنها غير موجودة يا طويل العمر، فقال يا شلهوب التفت يمنة ويسرة لعل الله أن يأتي برزق من هنا أو هناك، قال: فأخذت صندوقًا من الخشب وملأته حصًا وذهبت به إلى غني في الرياض وقلت له نريد مائتي جنيه وهذه خمسة آلاف من الجنيهات في هذا الصندوق إننا نخشى فتحه فكل نجل من الأنجال والأقرباء يستشرف لحقه فتذهب جميعًا فنرجو سلفة مايتين وترهن الصندوق فناولنيها وأدخل الصندوق في مخزنه وبعد مضي ثلاثة شهور جئته بها وأخذت الصندوق وما علم بما فيه، ولقد دخلتُ عليه مرة بعد العصر وقد أرخى الشماغ على وجهه وهو يتلو القرآن من الصحف ويبكي فسألته عن ذلك البكاء فقال يا شلهوب إن الوالدة سألتني خرجية قليلة وليست عندي فالتفت يمنة وشمرة يا شلهوب فعملت حيلة حتى حصلت عليها كما أن المكافآت التي تصرف لطلاب العلم يتولى صرفها وقد يتأخر الصرف فيقفون للملك ويشكون عليه فيأمرهم أن يراجعوا شلهوب.
وفيها في سابع ذي القعدة أصدر الملك فيصل بن عبد العزيز أمره السامي بتشكيل لجنة ثلاثية لدراسة أوضاع السيول في المنطقة الغربية والجنوبية فقامت اللجنة تباشر مهمتها في جدة ومكة لأنها هطلت يوم الأربعاء الموافق ٤ ذي القعدة من هذه السنة أمطار وسيول جارفة لم تشهد لها مثيلًا منذ ثلاثين عامًا استمر هطول الأمطار أكثر من ثلاث ساعات ونصف متواصلة داهمت السيول جميع الشوارع والطرق وغمرتها بالمياه وقد شلت حركة السير في الشوارع وانصرف الطلاب وموظفو المصالح والمؤسسات والدوائر إلى منازلهم وخلت الشوارع من المارة بعدما كانت مياه السيول تتدفق بغزارة من شرقي مدينة جدة وقد تهدمت بعض الدور القديمة وارتفع منسوب مياه السيول في الشوارع فجأة مما تعذر معه السير ولا تزال مياه السيول راكدة في بعض المناطق وقام أمير مكة الكرمة مشعل بن عبد العزيز حفظه الله بالإشراف شخصيًا على أعمال الإنقاذ في شوارع مكة والطريق إلى جدة
стр. 1868
وأمر بتجنيد كافة الإمكانيات لشفط المياه من المسجد الحرام وبذل رئيس البلديات جهودًا في ذلك وكان يتصل بالرياض هاتفيًا لمتابعة الأوضاع وقد وقعت عدة حوادث من جراء هذه السيول بحيث انهار عدد من المنازل القديمة وتقلبت سيارات ولم ينفتح الطريق بين مكة وجدة إلا بعد جهد شديد لأن الرمال والحجارة قد غطت خط الإسفلت وخلفت هذه السيول بعدها حفرًا ومطبات في شوارع جدة.
وفيها في وقت العصر من يوم العشرين من شعبان وصل إمبراطور إيران الشاهنشاه محمد رضا بهلوي إلى المملكة العربية السعودية زائرا وكانت زيارة أريا مهر لتوطيد الصلات وتبادل الرأي والمحبة لما سيكون في صالح قضية العرب وقد استقبل استقبالًا عظيمًا في جدة وأطلقت له المدفعية إحدى وعشرين طلقة.
وفي ٢/ ٨ قام وزير المعارف ووزير الصحة بالنيابة حسن بن عبد الله بن حسن آل الشيخ بزيارة لمنطقة القصيم لتففد سير الدراسة وتفقد مستشفى بريدة فأقيم فيه احتفال رائع في بريدة وأقام له أمير منطقة القصيم سعود بن هذلول حفل عشاء تكريمي كما أقامت مدارس القصيم حفلات أخرى وقد اشتملت ريارته على مدينة بريدة وعنيزة والرستور البكيرية وقد قام بجولات تفقدية وفي يوم الجمعة ٢٤/ ٨ سار إلى منطقة الأفلاج إلى منطقة السليل وإلى وادي الدواسر.
مصائب تنزل بالعالم
إن العالم البشري يكابد آلامًا من المصائب في هذه الآونة فمن هذه المصائب التي لم توفق لحل ما أصبح به أهل فلسطين في وضعهم ذلك من هذه المجازر الدموية بينها وبين اليهود ولحقت الأضرار بالقدس والأردن ومصر والعراق وسوريا وتكلفت الجهات الأخرى بالنفقات ليقفوا أمام هذا التيار الجارف بالشر والويلات ولا ننسى الماساة التي جرت في لبنان فوالله لو كانت هذه الدماء تهراق من الكلاب والخنازير أو من أخس الحيوانات مثلًا لكان من يستطيع وضع حد لها ولا يقوم بذلك قد عدم الرحمة والإنسانية وكذلك حرب فيتنام وما سببت من
стр. 1869
الأضرار الوحشية بحيث استمرت طوال هذه السنين والطائرات تضرب وتدمر وتفسد وتخرب وضحايا هذه الحرب قد جاوزت العد والحسبان وقد تهدمت الأماكن وتخربت الطرق وأصبح أهل تلك المناطق في حالة يرثى لها وكان نصيب مجلس الأمن أن يقف موقف المتفرج فلا وساطة ولا صلح ولا قدرة لإيقاف المعتدي فما فائدة هذا الجلس الذي هو اسم لا حقيقة ولا يدير الأمور بنفسه إنما تدمره الأيادي العاملة لهواها ومصالحها وكذلك ما جرى في نيجيريا من الحرب المشؤومة التي تركت غالب الأهالي عراة جياعًا لا يجدون ما يسدون به رمقهم ولا ما يسترون به عوراتهم حتى هلكت أطفالهم جوعًا وأكلوا الجرذان والجيف ولم يزالوا صامدين حتى كتب لهم النصر واستقلت بيافرا وهذا من عقوبات الله الدنيوية بحيث سلط الله بعضهم على بعض فأصبحوا يتاجرون وكان بأسهم بينهم، وكذلك ما جرى على اليمن من العذاب والتخريب والتقتيل والعبث بالأهالي المدنيين الآمنين فعياذًا بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، هذا ولا ننسى ما جرى بين الجزائريين وبين فرنسا من تلك الحروب التي تركت الذراري أرامل والوالدين ثكالًا واستمرت الحال بضع سنين حتى كتب لهم النصر بعد جهاد مرير وواصلوا القتال لإحدى الحسنيين الشهادة أو الظفر كما قيل:
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل
وفي هيروشيما يقيمون المأتم في كل سنة عند ذكرى الضربة الساحقة الماحقة التي سببتها القنبلة الذرية في مدينتهم لما رمتها بها أمريكا بتدبير (ترومان) بحيث أهلكت ٧٨١٥٠ قتيلًا وجرحت وشوهت مائة ألف وعشرين ألفًا وذلك في ٦ آب (١٩٤٥ م / ١٣٦٤ هـ) وكذلك الحرب في كوريا وما جرى من الشيوعيين بحيث تجلت عن قتل اثنين وعشرين ألف أمريكي ومائتين وتسعة وجرح واحد وتسعين ألف جريح وسبعمائة وثلاثة وفقد عشرة آلاف وثمانمائة وخمسة عشر وبلغت
خسائر الشيوعيين مليون وستمائة وتسعة وخمسين ألفًا وكذلك ما جرى في مصر
стр. 1870
وسوريا من تقتيل العلماء والتشهير بالأولياء وما يعامل به الإخوان المسلمون هناك وهنا في هذه السنة تقع تلك الفظائع بأهالي فلسطين وما جاورها.
ذكر ما جرى فيها من الحوادث
ففيها ولدت امرأة طفلة لها رأسان وأربع أيدي كان هذا الرأس الزائد في يمين صدر البنت بعينين وأنف وأذنين وهو من قفاه إلى الأرض ووجهه إلى جهة الفوق على صفة الوجه الأصلي والله على كل شيء قدير وهذه أغرب ظاهرة ولادة تشهدها المملكة حدثت هذه الولادة في مدينة الرياض في شهر رجب وسميت المولودة سعاد وهي حية ترزق لها رأسان ملتصقان بالصدر برقبتين وأحد الرأسين كامل النمو واضح المعالم ذو عينين واسعتين وأنف عادي، وأما الوجه الآخر فيبدو فيه التشويه وهو مواجه للرأس الآخر ولا يلتصق به أما الأعضاء فللطفلة رجلان اثنتان، وكما قدمنا.
فيها حدثت هزات أرضية في إيران واستمرت الزلازل حتى ذكر الإحصائيون هناك أنه بلغ عدد القتلى اثني عشر ألفًا وعدد الجرحى ثمانية آلاف جريح وبلغ عدد المشردين سبعين ألفًا ولا يزال الزلازل حتى يوم الخميس ١٩ جمادى الثانية ابتداءً من ١٣ الشهر المذكور تهز الأرض في منطقة خراسان وأصيبت قريتا فردوس وطفس بحيث لم يبق في تلك المنطقة بناء واحد يخشى سقوطه لأن عامة الأبنية قد زالت من الوجود، وقام شاه إيران (أريا مهر) وزوجته بجولة تفقدية وقضيا الليل هناك يشرفان على أعمال الإنقاذ ويتفقدان الأسر المصابة ويصدران الأوامر والتوجيهات اللازمة من أجل إغاثة الجرحى والمشردين كما أن دولة رئيس الوزراء ووزير البلاط الدكتور علم وعددًا آخر من الوزراء شوهدوا هناك للتفقد وأقمت جمعية الأسد والشمس الأحمرين مستوصفات سيارة لإغاثة الجرحى ومستشفيين صحراويين وتستمر طائرات الجيش في إلقاء سيل من الأطعمة والأدوية من الجو فوق القرى المنكوبة وأعلنت الوزارة تقرير جمع التبرعات والمساعدات وتبرعت الملكة الوالدة بمليون ريال وخصصت الحكومة مبلغ مالي مليون ريال لإعادة تعمير
стр. 1871
المناطق المصابة وتجديد بنائها كذلك تبرع جميع أفراد الجيش من ضباط وجنود بيوم من رواتبهم وكانت قرية تدعى سربايان قد قتل جميع سكانها تقريبًا ويبلغ عددهم ١٥٠٠ وقد ارتفعت صرخات الأمم ونداءات تفتت الأكباد مطالبة بإعادة المنازل المهدمة وألقت نساء باكيات أنفسهن عند أقدام المشاه فوعد بالقيام كما يرام وواصلت الطائرات عملية إسقاط العقاقير الطبية والخيام والأغذية فوق المناطق المنكوبة طوال ساعات اليوم الرابع والعشرين وبدأت مواد الإغاثة والأموال تتدفق على إيران المنكوبة من مختلف أنحاء العالم.
ذكر شيء من إصلاحات الملك فيصل
تقدم تكوين لجنة ثلاثية لإصلاح ما جرفته السيول وخربته وما نجم عن تلك الفادحة في الحجاز.
وفيها عزمت الحكومة السعودية على تشييد مستشفى أتوماتيكي في العاصمة الرياض وبلغت تكليف هذا المستشفى خمسة ملايين وخمسمائة ألف جنيه إسترليني ويمتاز هذا المستشفى بأحدث الأجهزة للمعاجلة بالأكسجين التي جاءت نتائج برنامج فيكرز للابحاث وأجهزة العالجة وتساند المرضى على البقاء على قيد الحياة بعد العمليات الجراحية الكبرى، وستقوم مجموعة شركات فيكرز الطبية البريطانية بتصميم هذا المستشفى الأوتوماتيكي وبنائه، هذا وقد أقيم مشروع مياه الرياض وتقدر تكاليفه بحوالي تسعين مليون ريال أن مدينة الرياض قد أخذت في التطور ولضخامة السير فيها جعلت جسور وكَباري للزحمة فيها وكانت مترامية الأطراف متسعة الأرجاء حتى حدثني من سافر إلى الغرب أنها تعتبر ثاني مدينة بعد لندن ومن نظر في تلك الحارات فيها ومواضع النزهة والحدائق وسعة الشوارع وما تحتوي عليه من الأشجار والنخيل وما أقيم فيها من المساجد والجوامع والدارس والمعاهد والكليات والثانويات والمستشفيات والمستوصفات والفنادق والقصور الملكية والوزارات والسفارات فإنه يعلم علم اليقين أنها الوحيدة في الشرق الأوسط والجزيرة.
стр. 1872
ثم دخلت سنة (١٣٨٩ ه ـ)
استهلت هذه السنة والعرب في اشتباكاتها مع إسرائيل وقد لحقت خسائر بالأردن واستهدفت عمان لضربات إسرائيل كما قد أصيبت سوريا ومصر بغارات مقلقة وقد طرد ستة وخمسون ألف سوري عن أراضيهم التي استولت عليها اليهود خلال عدوانها الأخير على سوريا، ولجأ إلى الضفة الشرقية من اللاجئين مائتا ألف أردني وخمسة آلاف لجاوا في لبنان لحقهم تسعة آلاف فمايتان وسبعون ألفًا من العرب أصبحوا مشردين بلا مأوى السماء غطاؤهم والأرض فراشهم، واستعملت اليهود في سيناء قنابل النابالم فاحترق منها تسعون جنديًّا وقد بعث إلى أناس من المنتدبين للدراسة في عمان بمدرسة الشوبك الزراعية الثانوية يروون ما أصبحوا فيه من الأهوال وأحاط بهم من الأخطار تالوا إننا ندرس بوادي اليابس وعلى الخط الأول من اطلاق النار لقد لبثنا في هذا المكان مدة شهور وفي آخرها كثرت الاشتباكات عندنا وكنا معرضين للخطر حيث أنه ردم القرى المجاورة لنا يمينًا وشمالًا ولم يبق إلا مكاننا بالضبط وخلال هذه الاعتداءات كنا نعيش في الجبال والخنادق والملاجئ حيث أنه في آخر الوقت استمرت طائرات العدو تقصف منطقتنا بالضبط حيث أننا مرات نوقن باليأس من الحياة وذلك من القنابل والمدافع واستمرت هذه الحالة لمدة أكثر من أسبوعين والدراسة عطلت أسباب عدم حضور المدرسين من هذه المخاوف والطلاب يعيشون في الجبال والمغارات وبعض منهم هاجروا إلى المدن وأصبحنا مشتتين هذا كله حصل في عشر ذي الحجة وعند قرب العيد بيومين سمعنا بوقوع أخطار على مكاننا بالضبط وكل المزارعين وأهل الأملاك هاجروا فهاجرنا مثلهم إلى المدن نقضي أيام العيد وفي ليلة عيد الأضحى استمر العدو بالقصف على مكاننا باليابس ونتيجة ذلك قتل ستة أشخاص وجرح كثيرون من جيراننا أجمل البيوت. وفي صباح العيد كانت تقربة ودفن أموات ولا نستطيع بالليل الجلوس في البيت لا بد نكون في خندق أو مغارة في الجبال أو نختبئ
стр. 1873
بأي طريقة كانت هذا ولا تزال الطائرات فوق رؤوسنا تدور وقد وصلت بنا الأحوال إلى شكل ما أحد يتصوره ولكن والحمد لله مقسوم لنا بقية حياة مهما كانت الأخطار وبعد هذا بأيام سمعنا وأخبرنا أن فيه تحشدات وكنا نشاهدها أمامنا على بعد خمس كيلو غربًا ثم استمر يصف قصف الطائرات اليهودية فقال إنها تقدمت أربع طائرات يهودية فاستمرت تقصف إحدى المدن التي حوالينا حتى كانت الأرض كأنما أصيبت بالزلزال هدموا العمائر وحطموا الآلات والسيارات كلها فكنت لا تعرف حطائم العمائر من حطائم السيارات ونحن قد ساد علينا القلق والخوف الشديد وبعد عدة مرات نوقن باليأس من الحياة واستمرت هذه الأحوال هائجة مائجة.
عدوان صارخ أثيم
المسجد الأقصى يحرق بالنار لما كان في يوم الخميس الموافق ٨/ ٦ من هذه السنة عمل اليهود عملًا لا تستك له أسماع المؤمنين وتنكره فطر العالمين ذلك بأن اليهود حرقوا المسجد الأقصى وقع الحريق في جهته الجنوبية الشرقية وتجرؤوا هذه الجراءة العظمى ولما جرت تلك الجريمة الشنعاء اهتز لها العالم الإسلامي وشارك رجال الدين المسيحي العرب والإسلام في استنكار الحادث وصاحوا بأنه حادث جلل وعقدت على الفور اجتماعات طارئة في معظم العواصم العربية والأجنبية لدراسة نتائج الحادث وبكل حال فإن الله تعالى وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة لم ينتقم من أعداء الله وأعداء رسله ولم يأذن بنصر للعرب حتى كتابة هذه الأحرف، وهذا النصر ليس مجرد الإذاعات والأقوال فقط إنما النصر هو سحق اليهود وطردهم وقتلهم حيثما وجدوا وأخذهم وحصرهم ولا بد إن شاء الله من أن ينصر الله المسلمين والعرب وكان ذلك اليوم يوافق ٢١ أغسطس (١٩٦٩ م). قال الأستاذ غازي فتحي محمد سليم أحد المنتدبين للتدريس في السعودية من فلسطين هذه القصيدة وأهداها إليّ يشكو زمانه وما توصلت الأحوال إليه:
стр. 1874
كيف السبيل إلى السعادة والربى ... عاثت بها الأنذال والجبناء
كيف السبيل إلى النعيم وأرضنا ... تاهت بها الكفار والسفهاء
كيف السبيل إلى سعادتنا ولم ... تشمل عدوي غارة شهواء
تنقض مضجع جيشه وجنوده ... وتفر رعبًا غادة غذراء
والكهل يشكو صارخًا ومولولًا ... يبغي فرارًا ليس منه نجاء
والأم تذهل عن صغار رضع ... لم يجدها يوم الفرار عناء
فتعوم أرض بالدماء وترتوي ... من غلة الصادي بها الآباء
والجند تقتل بكرة وعشيه ... وحريمهم خدم لنا وإماء
يا مسجد الأقصى وأول قبلة ... جابت حماك رجالنا البسلاء
حرم الخليل أتتك جند محمد ... جاءوك شعثًا ما بهم خيلاء
وغدت زحوف المسلمين منارها ... دين وبر والوفاء وفاء
ويظلها التوحيد ليس يضيرها ... أسطولهم وعنادهم وفضاء
الله أكبر صيحة جبارة ... إن أطلقت خرت لها سيناء
الله أكبر نملأ الدنيا بها ... رعبًا تخر لهولها الجوزاء
وتزلزلت أركان صهيون لها ... وتصدعت جنباته الركناء
يكفيك إسرائيل منا نومة ... طالت وطال جحيمها وشقاء
هذي جحافلنا بمعترك الوغا ... ضجت بها أرض وضج سماء
وقال مسلم غيور من موظفي المعهد العلمي ببريدة:
أتطفئ نور الله نفخة كافر ... تعالى الذي بالكبرياء تفردا
إذا جلجلت الله أكبر في الوغا ... تجادلت الأصوات غرد لك الندا
هناك التقى الجمعان جمع يقوده ... غرور أبي جهل كهرٍ تأسدا
وجمع عليه من هداه مهابة ... وحاديه بالآيات في الصبر قد حدا
وشمر خير الخلق عن ساعد الندا ... وهز على رأس الطغاة المهندا
وجبريل في الأفق القريب يكبر ... ليلقى الونا والرعب في أنفس العدا
стр. 1875
وسرعان ما فرت قريش يجمعها ... وعاتت أبا جهل هناك ممدا
منكسة الرايات مغلولة العرى ... جريحة كبر قد طغى فتبددا
ولما أن جرى من اليهود ذلك الأجرام وهو تحريق المسجد الأقصى قام العرب وفقدوا وبعثوا صرخاتهم إلى العالم الإسلامي في مشارف الأرض ومغاربها ورن صداء هذه الجريمة وطلبوا إنقاذ ثالث المسجدين وأولى القبلتين وطالبوا بحقوق المسلمين ومقدساتهم وحقوق الإسلام وطار صدى هذه الفعلة الذميمة والجريمة الشنيعة واهتم لذلك العاهل السعودي ملك الملكة العربية السعودية فيصل بن عبد العزيز ووجه نداء دعا فيه إلى الجهاد القدس ثم توالت النداءات والتصريحات من كافة أرجاء الوطن الإسلامي الكبير من باكستان والصومال وتونس وتركيا وماليزيا وكشمير وموريتانيا وسيلان وقطر والكويت وقد لبى نداء الملك فيصل بن عبد العزيز سائر دول الإسلام وانهالت برقيات التأييد وهذه برقية من وزير الدفاع سلطان بن عبد العزيز (حضرة صاحب الجلالة مولاي القائد الأعلى للقوات المسلحة الملك فيصل بن عبد العزيز المعظم يتشرف الخادم بأن يرفع إلى علم جلالتكم بأنه ما أن سمعت قوات جلالتكم السلحة للنداء الذي أعلنتموه بشرف الجهاد في سبيل الله بغية تخليص القدسات في فلسطين المحتلة وحمايتها من بغي الظالمين المعتدين حتى انهالت علينا مئات البرقيات من رئيس أركان حرب الجيش وجميع قادة المناطق والأسلحة المختلفة في كافة أنحاء المملكة العربية السعودية وقد هبوا جميعًا لتلبية النداء وتأييد الدعوة التي تمتثلون فيها لأمر الله وتنصرون فيها دين الله وتعلون بها كلمة الحق ولواء التوحيد وهم بهذا إنما يعبرون لقائدهم ولمليكهم عن شعور إسلامي صادق وعقيدة راسخة متينة في ولاء وإخلاص لنتاج المفدى وللوطن العزيز أعز الله الإسلام ونصر المسلمين وحفظ جلالتكم وأيدكم بالنصر والتوفيق مولاي المعظم سلطان بن عبد العزيز).
فأجابه الملك شاكرًا لهذا الاستعداد وقال في الجواب أبلغوا الجيش العربي أن يكونوا دومًا على أهبة الاستعداد ليوم الجهاد بعد أن طال الانتظار وبعد المصير الإمضاء فيصل.
стр. 1876
أما ما كان عن إسرائيل أو اليهود فإنها زعمت بأنها لم تقدم على حريق المسجد الأقصى وأنه لا يمكن أن يصدق بهذا إنسان في رأسه قليل من عقل وإنما جرى الاحتراق بقضية التماس كهربائي ثم عدلت عن هذا وزعمت أن شابًّا مسيحيًّا أستراليًا خجولًا يحمل الإنجيل معه ويقرأه طوال الليل وآناء النهار من أتباع كنيسة الله وهم جماعة بروتستانتية متطرفة هو الذي قام بهذا العمل الإجرامي وأن هذا الشاب قضى بضعة أشهر في إسرائيل ويعمل في إحدى المستعمرات بالقرب من تل أبيب! أما عن الحسين بن طلال ملك الأردن فكما قيل:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت يومًا به الحرب شمرا
كليث هزبر كان يحمي ذماره ... رمته المنايا قصدها فتقطرا
وكان قد تقدم من اليهود في مستهل هذه السنة أعمال سيئة ففي ١٣ محرم أصيبت العرب بمحن منها واعتقل ١٢٠٠ ما بين شاب وفتاة في القدس ضمن حملة إرهابية شنتها سلطات الاحتلال وكذلك اعتقلت أربعين طالبة وفتاة ومن ضمن هؤلاء فتاة توفيت في إحدى السجون نتيجة التعذيب الذي تعرضت له على أيدي جنود الاحتلال، وكذلك اعتقلت سلطات الاحتلال أكثر من سبع عشر فتاة وشابًا من عائلة واحدة من ضمنهم شاب في العشرين من عمره وقد سئمت السلطات من تعذيبه وعدم اعترافه بالتهم الموجهة إليه فأخذوه إلى منزله وبدأ جنود الاحتلال بضربه أمام والدته العجوز وقد حاول الشاب القفز من نافذة المنزل فأطلق عليه الجنود النار وأصابوه بجروح مختلفة. هذه بعض من كل من قساوة اليهود وشدة عداوتهم للإسلام وأهله مما يدمي القلوب ويثير الأشجان ويبعث الأحزان ومما أنشده أحد الموتورين من هذه الأعمال في وقت عيد الفطر وأيامه:
في العيد يرقص كل قلب ناعم ... إلا قلوبًا بالعراء دوامي
اتخذت من الغبراء متفرشًا لها ... وتسربلت بالعري والأسقام
تشكو ولكن لا يحس شكاتها ... غير المليك الواحد العلام
تتعاقب المحن الشداد عليهم ... كتعاقب الأيام والأعوام
стр. 1877
قد أثرت تلك المآسي فيهم ... شرقوا بدمعهم من الآلام
هم يأكلون الجوع من أملاقهم ... ويجرعون الذل كأس حمام
نثروا كما ينثر النجوم وشردوا ... سيقوا إلى البأساء سوق سوام
كم صعدوا من حسرة ملتاعة ... قد أضرمت في القلوب أي ضرام
البرد يلسعهم ويلذع جسمهم ... يثير فيهم كامن الأسقام
يا مسلمون تفكروا إخوانكم ... يتجرعون مرارة الأيام
وتفقدوا أحزانهم وشقاءهم ... كي تكرموا فيهم أبا الأيتام
أعمال الفدائيين
لما استولت اليهود على فلسطين بالقوة والقهر قام فدائيون كانوا موتورين من أفعال اليهود الذين سلبوهم أراضيهم وأموالهم وساموهم سوء العذاب فجعلوا ينتقمون من اليهود وكانت العرب تمدهم بالقوات والذخائر وتشجعهم ليسترجعوا أوطانهم فكان للفدائيين صولات ومغامرات للانتقام من اليهود ولا سيما إذا قامت الإذاعات العربية تحمسهم وتستجيشهم فيلقون بأنفسهم ويغامروا وكان لهم هيبة وأخافوا العدو ..
نحن للدنيا دماء خزنت ... في جفون عينها لم تحجب
فإذا ما صاح يومًا أمتي ... جاوب الجرح بماء سكب
أنت فينا يا فلسطين هوى ... رغم أنف الظلام المغتصب
وإذا العلياء أضيناها الظما ... نعصر الجرح يناديها اشربي
قد يموت الموت قد تفنى الدنا ... حقنا في أرضنا لا يختبي
فقد قام الفدائيون بتنفيذ مائة عملية وعشر عمليات ناجحة داخل الأرض المحتلة وقتلوا وجرحوا حوالي ستمائة من جنود العدو ودمروا ثمانيًا وثمانين ما بين دبابة وسيارة وكاسحة ألغام وعشرين محطة كهربائية مائية ومصنعين كبيرين ودمروا المبنى الرئيسي في مطار اللد وأشعلوا النار فيه ودمروا خمسة أبراج مراقبة ونسفوا
стр. 1878
السكك الحديدية وجسورًا دمروها في ستة مناطق ودمروا أربعة عشر مدفعًا ثقيلًا ومتوسطًا وعشرة منشآت عسكرية ودمروا عددًا كبيرًا من المنشآلت المدنية في عدة مستعمرات ومدن العدو ودمروا عدة منشآت بترولية بين خزانات وأنابيب وقتلوا وجرحوا آخرين وكان الفدائي يقذف نفسه في المهالك مما أحدث القلق والفزع في إسرائيل وملوا من تلك الحالة الراهنة وقامت مائة ألف وأربعون ألف عائلة في إسرائيل تطلب الهجرة من فلسطين لتعيش بسلام وأمن وعزموا على مغادرة منازلهم الأخيرة واللجوء إلى تل أبيب ذلك لأن أعضاء حركة التحرير الفلسطينية فتح شددت الوطأة بهجومها العنيف على حركة اليهود فقد توقف عدد كبير من مصانعها عن العمل بالنسف والتدمير وتخريب الآلات وأمسى الكثير من اليهود يفضلون سهراتهم في بيوتهم ومنازلهم لأن دور السينما واللاهي تعاني أزمة عمل عنيفة حتى أن الشوارع أصبحت خالية من جموع المشاة والتنزهين في أيام العطل وساعات الراحة حيث أن جميع الإسرائيليين أصبحوا يعيشون في حالات عصبية مرهقة ولكن اليهود اقترحوا تعد ذلك بأن قابلوا تلك الأعمال بأن أخذوا الأدنى بالأقصى وقبضوا على بعض المدنيين الآمنين بجرائم غيرهم وكانوا يقبضون على الفلسطينيين بأعمال الفدائيين ولاحقوا أهالي فلسطين ملاحقة بكل وسيلة وبكل جهة كانوا، وهدموا مساكنهم وحملوهم على الرحيل من فلسطين ولم يكتفوا بذلك بل هاجموا لبنان وهاجموا حكومات المغرب بدعوى أن الفلسطينيين يلجؤون إليهم وحدثت زعازع واشتد أذاهم على أهل فلسطين معتقدين أن وجودهم يهدد أمن إسرائيل وسيأتي لذلك بقية إن شاء الله تعالى.
ذكر ما جرى فيها من الحوادث
ففيها في الساعة الحادية عشر غروبي من يوم الاثنين مساء ١٨/ ٢ هبت رياح شديدة في منطقة القصيم واقلعت بعض الحيطان وأخذت برجل قوي كان إذ ذاك في سطح بيته فألقته إلى بعد مسافة نصف كيلو واقتلعت أخرى فألقتها في أقاصي
стр. 1879
الخبيب من موضعها حوالي خزان الماء أمام محطة التلغراف وكادت لقوتها أن تقلب بعض السيارات ويحدثنا الذين شاهدوها عن أمر عظيم.
إمارة فهد بن محمد بن عبد الرحمن
ففي هذه السنة اقتضت الإرادة الملكية بتعيين صاحب السمو فهد بن محمد بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود أميرًا على سائر مقاطعة القصيم فقدم بريدة في الساعة الثانية نهارًا من يوم الأربعاء ١٣/ ٧ / ١٣٨٩ هـ وقام الأعيان يهرعون للسلام عليه والترحيب فلقوا من سموه حفاوة وتقديرًا وقرر أوقاتًا للاجتماع بالعلماء والأعيان وعزل الأمير السابق سعود بن هذلول فرحل إلى الرياض بعدما أدى واجبًا وسمعة طيبة وقام الأمير الجديد بزيارات وتفقدات للإمارات وطلب تأثيثًا لها.
وفيها في اليوم الرابع والعشرين الموافق للخميس من جمادي الأولى شهدت مدينة بريدة مهرجانًا كبيرًا اشتركت فيه أندية منطقة القصيم كلها وهذا هو السباق في السياكل وعلى الأقدام والإبل ورصدت جوائز للفائزين وقد غصت قاعة السياق بالحاضرين وامتلأت ساحة السباق في الموضع الكائن مطارًا في السابق المعروف بالعودة حوالي التغيرة وكان من أبرز السباق الذي جرى سباق الجيش الذي كان له أبهة وتم وفق شروط من بينها موافقة المتسابقين على المسافة الحددة لهذا السباق وقدرها خمسة كيلوات وثلاثمائة متر مع ضرورة إحضار موافقة أولياء أمور المتسابقين لمن أعمارهم دون السابعة والعشرين وأن يقوم المتسابق بإحضار الجمل الذي سوف يمتطيه في السباق على أن إدارة المركز لن تكون مسوؤلة عما ينجم له أو لراحلته من حوادث، وشوهدت الإبل في السباق يظهر عليها البهاء والحسن والهيبة لما أشرقت على الحاضرين قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ ولما انطلقت من الميدان بعلامة جعلت هناك وهي طلقات نارية من المسافة التي ذكرنا جعل المذياع ينادي بأعلى صوته قد شرعت الإبل في
стр. 1880
السباق فرجاء عدم التصفيق من الحاضرين رجاء عدم التصفيق لأن لا يجفل الإبل وتشرد فيتأذى ركابها وذلك لأنه إذا ند البعير فيكون من الصعب وقوفه وجعل يتعالى صوته ويبكي ووقفت الأمة على الأتدام لترى سباق الإبل حتى تهافتت ولها روعة عظيمة وكان السباق ناجحًا للغاية.
وفيها انتهى العمل من الخط الذي أقيم مسفلتًا يربط الخبراء بالبدايع الذي يتفرع من خط المدينة إلى بريدة ويمتد جنوبًا حتى يتصل بخط عنيزة والرس وكان قد واجه صعوبات بحيث يمر بوادي الرمة فاضطرت المواصلات إلى إقامة كوبري يقدر طوله شمالًا وجنوبًا كسافة كيلوين وكان ذلك الكوبري في وضعه وتركيبه وهندسته بديع النظر بحيث بلغت تكاليفه إلى عدة ملايين وأن حكومتنا أيدها الله تعالى لا تزال جادة في خدمة الشعب والسعي في راحة المواطنين.
وفيها عاشر ربيع الأول من هذه السنة انتهى العمل من سفلتة طريق القصيم إلى المدينة المنورة وقد بلغت تكاليفه مائة مليون وثلاثين مليون وسبعمائة ألف وأربعة وثلاثين ألفًا وأربعمائة وتسعة وثلاثين ريالًا وكان بدأ العمل في أول مراحله في الرابع عشر من ذي الحجة عام (١٣٨٤ هـ) وبلغ طوله سبعمائة وأربعة وعشرين كيلو مترًا وهو يربط بين الرياض بطريق يتفرع من خط الحجاز بالقرب من الدوادمي وبين عنيزة بريدة الرس عقلة الصقور النقرة الحناكية المدينة المنورة.
ذكر من توفي فيها من الأعيان
في ذمة الله تنعى الملكة السعودية رجلًا من دعاة الخير وهو عبد الله بن محمد القرعاوي ذلك الرجل الداعية إلى دين الله وشريعة رسوله وقام بأعمال في جنوبي الملكة يدعو سكان تلك الجهات إلى توحيد الله ولقد بث دعوة في عسير وما يلي تلك الجهات وفتح مدارس ونشر دعوته هناك فظهر له تلامذة كثيرون ومن هؤلاء الشاب العالم الأديب حافظ بن أحمد حكمي وكان لدعوته تأثير عظيم. وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم المعلم الموفق الداعي إلى الله تعالى عبد الله بن محمد بن حمد
стр. 1881
بن محمد بن عثمان بن علي بن محمد بن نجيد، ولد في ١١ ذي الحجة (١٣١٥ هـ) كان محمد بن نجيد في عنيزة بالجناح ثم باع أملاكه بعنيزة واشترى بدلها أملاكًا في القرعا وجاور أهلها وكان يسمى فيها ابن نجيد وكذلك أولاده وأولاد أولاده ثم أنه انتقل حمد بن محمد جد المترجم إلى عنيزة وكان لا يعرف إلا بابن نجد وذلك في مكاتباته وأسانيده فلما بنى بيوته في عنيزة وغرس نخله المشهور بالقرعاوية لقب بالقرعاوي لقبًا بلفظ النسب ولكن في المكاتبات والأسانيد كان يكتب (ابن نجيد) فلما وقعت حرب عنيزة قلع الأشجار والنخل وباع الأرض والبئر وانتقل إلى جنوب بريدة وغرس تحله المشهور الآن بالفيضة. قال المترجم وهي ملكنا حتى الآن وبقيت بيوته وأولاده في عنيزة وهناك فروع لآل نجيد غيرهم كثيرون في عنيزة وبريدة والبكيرية والخبراء والبدايع وفي بغداد والشام لأن أجداد المترجم كانوا دائمًا يسافرون إلى بغداد وإلى الشام وحلب جمالين يحملون البضائع من هناك ولم يشتهر أحد منهم بالقرعاوي إلا جد المترجم حمد المحمد لما ذكرنا آنفًا وفي عنيزة حمد العلي القرعاوي وإخوانه صالح وعبد الله وذريتهم أهل بيت كل واحد منهم يطلق عليه لقب القرعاوي، وهم منتقلون من القرعاء ولكنهم ليسوا من آل نجيد بل يرجعون إلى آل المطوع وأولئك آل نجيد وكان حمد جد المؤلف أولًا فلاحًا بالقرعاء ثم جمالًا ببغداد ثم في حلب ثم فلاحًا بعنيزة ثم فلاحًا بالجنوب ثم توفي في شهر رمضان سنة (١٣١٥ هـ) بعد أن مرض بالفالج وبقي على فراش المرض أربع سنين.
وفي تلك السنة أيضًا توفي والد المترجم محمد بن حمد ولما أن كان بعد وفاة والده بشهرين تقريبًا ولد المترجم في ١١ ذي الحجة (١٣١٥ هـ) فنشأ اليتيم في عنيزة مسقط رأسه وقام بتربيته والدته وعمه عبد العزيز بن حمد وتأيمت والدته عن الزواج لرعايته فأدخل على مقرى في عنيزة ثم أنه أخذ في طلب العلم وكان دائب الحركة خفيف الروح نشيطًا وتبدو في ملامحه إمارات الرضا والغبطة ويقول طلب العلم من المهد إلى اللحد ويتحدث أنه مع شبيبته لا يستنكف من تلقي دروس الحساب والخط مع صغار التلاميذ في مدرسة الأستاذ إبراهيم حلواني في مكة المشرفة.
стр. 1882
وهذه صفته كان متواضعًا بشوشًا ربعة أصفر اللون مستطيل الوجه أقنى الأنف ناتئ الجبهة أزج الحواجب أقرنها غير واسع العينين وقد رأيته في العقد السابع من العمر وقد وخطة الشيب في عارضيه ولحيته أخذ العلم عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ وأخذ عن الشيخ عبد الله بن مانع في عنيزة وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان القاضي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان القاضي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وذهب إلى الهند وهو كبير السن لاستكمال الدراسة ورحل إلى الأحساء فأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن بشر وذهب إلى المجمعة فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز القنقوي وكان في رحلته إلى الهند وإقامته هناك قد بلغه مرض والدته فرجع لذلك لأنها طلبت حضوره ولكنها توفيت قبل وصوله فرجع إلى الهند للمرة الثانية ليأخذ عن علماء الحديث هناك ثم رجع وكرر الدراسة على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وعرض عليه في سنة (١٣٥٧ هـ) إدارة مدرسة المجمعة ثم عرض عليه إدارة مدرسة بريدة وعرض عليه أن يكون مدرسًا في عنيزة وفي دار الحديث بمكة وأن يكون إمامًا في أحد مساجدها فأبى وعزفت نفسه عن الوظائف أيًا كانت أهلية أو حكومية وفضل أن يكون داعية إلى الله وإلى سبيله وأصبح كذلك بصفة لا يشاركه فيها أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بيده وله هيبة عند من يراه متخلفًا عن الصلاة أو امرأة متبرجة ويقول إني أستطيع أن أغير المنكر بيدي وله مكانة عند الناس ولما أن كان في اليوم العشرين من شهر صفر سنة (١٣٥٨ هـ) توجه إلى جيزان وأخذ منه بضاعة وتوجه إلى سامطة فنزل دكانًا فيها وجعل يبيع ويعلم فيه وكان ذلك الدكان أول مدرسة فتحها ثم استمر في فتح المدارس في تلك الجهات في سامطة والجرادية وسائر أبها وبيشة وفيفا والدرب وجيزان وصبيا ولما أن كان في سنة (١٣٥٩ هـ) ذهب إلى مكة فاستحصل كتبًا كثيرة في الحديث والتفسير والتوحيد والأحكام ثم توجه بها إلى جيزان وذلك في ١٨ صفر وذهب إلى سامطة فبنى مدرسة في بيت
стр. 1883
ناصر خلوفه وهي من الخشب والجريد والحبال والحشيش واتخذ للكتب خزانة ولما أن قدم خالد بن أحمد السديري أميرًا على جيزان قدم على القرعاوي طلاب علم وطلب منه أهل مخلاف أن يتجول في جهاتهم لنشر الدعوة فذهب وكبار تلامذته يعظون ويرشدون ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكان هو الموجه للدعوة يبني لتلامذته طريقة التيسر والرفق واللين والبصيرة والبعد عن العنف والشدة والتعسير والتنفير وهذا ما أمر الرسول ﵊ أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل لما بعثهما إلى اليمن بأن قال لهما "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا" ولما تجول هو وتلامذته أزالوا هناك أمورًا من البدع المخالفة للشرع من تعظيم القبور والأشجار والأحجار وفر أناس من الدجالين والسحرة وأهل التنجيم والكهانة والتزوير والخط والشعوذة وأكثر هؤلاء أو كلهم من خارج المملكة السعودية وكان لجولته أثر عظيم بحيث أن الناس كأنهم راقدون فانتبهوا، قال ﵀ وكان أمير سامطة يومئذ (سند الحماد) وكان مساعدًا للدعوة ومحبًا لها من كل وجه.
وفي هذه السنة وفد إلى سامطة طلبة علم من غامد وزهران ورجال المع وأتى إلى القرعاوي محمد بن أحمد الحكمي أخو حافظ بن أحمد برسالة من أخيه يطلب كتابًا في التوحيد ويعتذر عن عدم القدوم لاشتغاله في خدمة أبويه في رعي الغنم ويطلب من المترجم أن يزور تلامذته للقرية التي هو ساكن فيها فذهب الشيخ وإخوانه إليها وجعل يلقي الدروس ويتعلم منه حافظ أحمد تارة يذهب إليه القرعاوي وتارة يذهب هو إليهم في قرية الجاضع ومرض الشيخ بالجرادية مرضًا شديدًا وقد عرض عليه الأمير خالد السديري قضاء سامطة واعتذر وعوض عليه قضاء السارحة فأبى وكان الشيخ يبني مساجد ومدارس هناك لما أن كان في سنة (١٣٦٠ هـ) تفرغ حافظ حكمي وطلب العلم بإذن من والديه لأن الشيخ استأجر راعيًا للغنم بدلًا عن حافظ وبنى الشيخ مدرسة سامطة مرة أخرى بدلًا عن البناية الضعيفة وجعل فيها ستين مدرسًا من كبار الطلبة واجتمع فيها تلامذة كثيرون
стр. 1884
فاختتن كثيرًا من الأطفال وفيهم حافظ وقد أو لم الشيخ وليمة لختانه وقال للأولاد كل من اختتن وترك اللعب واللهو واختلاط الرجال بالنساء والإسراف بالنفقات الفارغة فإني مستعد له بإقامة وليمة وكان لهذه الدعاية والختان الذي جرى في المدرسة أمر عظيم ترك العادات القبيحة السيئة وأقبل الناس من كل جهة يدخلون أولادهم الدرسة يقرؤون ويتعلمون ويختتنون ومن كان من الطلبة محتاجًا يجد الكل والمشرب والملبس وما زال يفتح الدارس ويبني المساجد ولما أن كان في هذه السنة تأخر بإذن الله خريف تهامة فأوجب الحال انتقال أهل تهامة لتتبع مساقط الأمطار في الوديان وكان الطلبة مع أهليهم وفي انتقالهم يبثون الدعوة فيما يتنقلون إليه من البلاد فكان لذلك أثر عظيم في تلك الجهات وكان بعضهم يفتح مدرسة ويعلم فيها وبعضهم يبني مسجدًا ويؤذن فيه ويدعو الناس للصلاة ولما رأى الأمير خالد السديري إثر تلك الدعوة المباركة تسبب عند الحكومة لجملة من الطلبة بثلاثمائة ريال إكرامية توزع عليهم شهريًا وهذا من عام مساعداته التي يشكر عليها ولما أن كان في سنة (١٣٦٢ هـ) تزوج الشيخ عبد الله من بيت محمد بن عثمان وكثر في هذه السنة الوافدون على الشيخ من الليث وتهامة وعسير وبيشه وبعث الملك السابق سعود بن عبد العزيز حال كونه ولي العهد بإعانة كبيرة للقرعاوي في السنة التي بعدها واستمر دفعها كل سنة ثم أشار الشيخ على حافظ حكمي أن ينشئ نظمًا في التوحيد على موجب ما قرأه من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، ولما كان في سنة (١٣٦٤ هـ) حج الأمير خالد وجاء بعده لإمارة جيزان محمد بن محمد السديري وسلك خطة الأمير خالد بمساعدة الدعوة وطلب أمراء مقاطعة جيزان وقضاتها ومشائخ القبائل من الشيخ عبد الله القرعاوي أن يبعث إليهم معلمين يفتحون المدارس وهم يساعدونهم على نشر الدعوة ففتح مدارس كثيرة جدًّا وكان لمحبته نشر الدعوة لا يتوقف عن فتح الدارس إذا طلبوا منه وفي تلك الآونة أشار على الشيخ الشاب حافظ أحمد الحكمي أن ينشئ نظمًا في الفقه والآداب ونظمًا في ذم الدخان والقات
стр. 1885
وأشباهها وفعلًا قام بذلك غفر الله له وطبعت ولما أن بلغ أسماع جلالة الملك عبد العزيز خبر نهضة القرعاوي وما فتحه من المدارس أرسل هيئة تكشف حقيقة الأمر ولما أن قدمت الهيئة في سنة (١٣٦٥ هـ) أعجبت بتلك المدارس ورأوا من ثمراتها ما يسر الخاطر ووفقت بأن رجعوا يروون لجلالته ما شاهدوا وأخبروه بالوضع فأمر بأن يقرر للمعلمين والمتعلمين رواتب شهرية وقد كان الباعث لذلك هو أن أهل الأهواء يغزلون لإطفاء هذه الدعوة وإلغاء المدارس غير أنها خسرت في هذه المرة صفقتهم وخاب أملهم كما أشرنا إلى ذلك لطيفة فيما تقدم غير أنهم لا يزالون في ملاحتقها حتى أطفاوا تلك الشعلة فضمت المدارس إلى المعارف ولكنها لا تزال آثارها باقية والحمد لله وكان الشيخ إذ ذاك يتجول على تلك المدارس ويراقب سيرها ممتطيًا الحمر حتى دبرت من كثرة سيرها في تلك الجبار وكان الأمير تركي السديري هناك يساعد القرعاوي وتلامذته مساعدة واسعة بحيث أمر صاحب دكان لديه أدوات المدارس بأن يسلم القرعاوي كل ما يريده على حسابه بدون حصر ولا قيد فكان لنهضته أمر عظيم في جهات أبها هذا وقد تعرضت دعوته عقبات وبعث أناس ضده يدعون أن هذه المدارس في صرفيتها غير معقولة وكانت الحكومة تبعث للكشف عن حقيقتها غير أن الله ينصره ويظفره بكل مرة ولكن الهيئة الأخيرة لم تفلح وغلبت على أمرها وكانت وفاة المترجم في ٢٣ جمادى الأولى الموافق ليوم الأربعاء من هذه السنة غفر الله له وتغمده برحمته والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وممن توفي فيها من الأعيان الرجل الهمام عبد الله بن سليمان بن عيسى البطل الشجاع كانت وفاته في آخر ليلة الأربعاء ١٩/ ٧ كان من بني زيد أهل شقراء ويلتحقون بقحطان وكان عبد الله قد اشترك في غزوات الحسين بن علي الشريف ولبث في خدمته مدة من الزمن ويروي لنا قصته في ليلة هجوم الإخوان بقيادة سلطان بن عباد بن حميد وأمير الخرمة خالد بن لوي علي عبد الله بن الحسين الشريف في قرية. قال: أنه جاءنا نذير وهي امرأة دخلت على قائد الجيش عبد الله في المجلس العام بين العشائين فقالت له تحذر يا شريف فقد أقبلت السلاطين إليك
стр. 1886
سلطان بن بجاد وسلطان أب العوالي وجعلت تعدد السلاطين قال فكانت لفظاتها في الكلام أعظم علينا من قنابل المدافع وألقى الله الرعب في قلب القائد عبد الله بن الحسين ولكنه أظهر التجلد ثم أن الترجم بعدما فتح الله مكة لآل سعود ووضعت الحرب الحجازية أوزارها سكن في مكة فانضم إذ ذاك إلى الأمير فيصل بن عبد العزيز حال كونه نائبًا هناك وهو لصرامته ينازع ابن سليمان الشرف حينما كان الأخير وزيرًا في المالية فقضت الظروف بأن يكون ابن عيسى مزارعًا لنفع قومه وأمته ومنحته الحكومة ماكنة مائية فقدم إلى مدينة بريدة موطنه سابقًا وذلك لمحبته لوطنه فكانت لأول مرة يستخدمها الفلاح في بريدة ونزل في السياج المعروف وذلك في سنة (١٣٥٠ هـ) ثم أنه انتقل بعد ذلك إلى موضع أوسع وهو المعروف بالنقع وكان أمير بريدة عبد الله بن فيصل صديقًا له فبذل جهودًا في الزراعة وحصل على شيء كثير ثم إن الحكومة جعلته في فرع الزراعة في القصيم ثم رأت أن تجعله في قيادة النظام كمدير أمن في المنطقة الشرقية الظهران تحت إمارة سعود بن جلوي فسار ولبث هناك ما شاء الله ثم رأى أن يتعاطى في الأعمال الحرة مفضلًا لها على الوظائف وطلب من حكومته السماح له وأن تمنحه أرضًا واسعة في وطنه بريدة فحصل على أراضٍ في الباطن في الموضع الجنوبي الشرقي عن مدينة بريدة واتخذها منزلًا وضيعة عظيمة تفيض على العاصمة بأنواع البرسيم والبطيخ والقثاء وكان في كل أعماله وتنقلاته عزيزًا شريفًا وجيهًا ومهابًا ومعظمًا لماله من الهيبة وحسن التدابير وكان صريحًا وسياسيًا لا يوقف في طرقه ومعه عزة نفس فلا يصبر على الضيم كما أنه جهوري الصوت مصقع لا يخلو من الجبروت وما زال يعمل في الحراثة ويستخدم الآلات لذلك حتى كان لديه أكبر ضيعة ثم أنه تجاوز الثمانين من العمر وكلت قواه وضعفت بنيته ولآثار نكبة جرت عليه حدث منها شجاج في الرأس وكسر في إحدى يديه ثم أصيب بمرض ألزمه الفراش حتى توفي في هذه السنة. وكان في صفته مربوع القامة قوي الإرادة شديد البأس ولا يتأثر لشيء من الأمور ولا يهاب أحدًا ولا تلين قناته لمخلوق كائنًا من كان ﵀ وعفا عنه.
стр. 1887
وفيها في آخر شهر ذي القعدة وفاة الوجيه عبد العزيز بن علي بن منصور الرجيفي رحمه الله تعالى كان من قبيلة سبيع من بني ثور ومن رجال الوطن في مدينة بريدة الذين لهم شرف خدمة بلادهم فهو أحد رجال هيئة الأراضي حيث يتمتع بالعقل الرزين والقلب الواعي وله غور بعيد ومعرفة وذو تجارب أتاه الله عقارًا وسعة في الرزق ويحب الفلاحة ولم يك ذا فخفخة إنما كان مقتصدًا وثابتًا في الدين وملازمًا للصلوات الخمس مع الجماعة وما زال في نشاطه وذاكرته مولعًا بالحج والعمرة حتى هرم وكلت قواه قبل وفاته بخمس سنين وتوفي عن عمر يناهز المائة عام وقد يشيع جثمانه إلى قبره المشائخ والعلماء فالله المستعان. وقد كان من أحبابنا ولديه خبرة بالأمور حتى كان يراها من وراء الحجاب نسأل الله أن يتغمده برحمته.
وممن توفي فيها من الأعيان للشيخ عبد الرحمن الخاقان كان قد تعلم القرآن الكريم ثم أخذ في الدراسة على أيدي مشائخ نجد فأخذ عن الشيخ سعود بن رشود قاضي وادي الدواسر سابقًا ثم التحق كدينة الرياض مواصلًا دراسته العلمية على يد رئيس القضاة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وبعد ذلك انتقل إلى مكة المكرمة مواصلًا دراسته العلمية فأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسن رئيس القضاة هناك ثم عين الترجم رئيسًا للهيئة الدينية بعسير ثم رئيسًا لهيئة الوعظ والإرشاد بعسير أيضًا ثم قام بتدريس العلوم الدينية في المدرسة الثانوية بابها ثم عين مفتشًا للعلوم الدينية في وزارة المعارف كنطقة الطائف ثم عين أمينًا للمكتبات بوزارة المعارف بمنطقة الطائف إلى أن وافته المنية عن عمر يناهز اثنتين وخمسين سنة لأن ولادته في سنة (١٣٣٧ هـ) في وادي الدواسر في بلدة اللدم وكان موصوفًا بحب المجد وأهله وحب الصدق وأهله وكان يعيش مع الحقيقة لا مع الخيال ويحب فعل الخير والعمل به ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في المنزل وفي الدكان وفي الشارع وفي المسجد لا يهمه إلا الإصلاح ما استطاع وله عدة رسائل وكراريس مخطوطة في الفقه والأدب، وله كتاب ضخم أسماه (تاريخ ما أهمله التاريخ) وكان عنده قدرة ومعرفة بعلم الأنساب العربية وخلف ابنين وأربع بنات تركهم على التربية
стр. 1888
الإسلامية وعلمهم الأمانة وحسن الأخلاق واعلم أني كمؤرخ وجدت هذه الترجمة له في إحدى الجرائد السعودية فأثبتها وإلا فليس لدي إحاطة بترجمته.
اعتداء أثيم
لما كان في أواخر شهر رمضان قامت حكومة عدن باعتداء على مركز الوديعة تريد احتلاله والاستيلاء عليه وأخذت الحامية فيه على حين غرة ودون سابق إنذار فقام السلاح الجوي اللكي السعودي يوم الأربعاء الموافق لليوم الرابع والعشرين من رمضان ثالث ديسمبر (١٩٦٩ م) بثلاث غارات جوية على مواقع القوات المعتدية وكان من نتائج هذه الغارات تدمير إحدى وعشرين سيارة نقل محملة بالمؤن والذخائر وسيارة مصفحة وصهريج الوقود وثلاثة مدافع من عيار ٢٥ رطلًا وقد عادت جميع الطائرات إلى قواعدها سالمة واتخذ الملك فيصل إجراءات جبارة لاسترداد ما سولت لحكومة عدن نفسها من الاستيلاء على تلك الأراضي فاستردها ونكل بحكومة عدن وضربها ضربة قاضية وإنها لخسارة عظيمة جسيمة على العرب في هذه التصرفات السيئة من حكومة عدن بينما تكون العرب في وقت أحوج ما يكونون فيه إلى الالتفاف والاجتماع في مواجهة العدو المشترك وإذا بالأيادي العابثة تعمل في الخفاء لتمزيق الصف العربي وتغتنم فرصة المفاجأة على غرة وغفلة ولكنه يكفي العدو ما أصابه.
المبنى الكبير للجامعة الإسلامية
في هذه السنة لا يزال العمال والمهندسون يكدحون في مواصلة الأعمال في بناية الجامعة المذكورة ولا نبالغ في هذه البناية إذا كان مباني مهاجع النوم مخصصة لأربعة آلاف طالب وبالقرب منها يوجد مطعم يضم أربع قاعات تتسع لألفي طالب وإلى الجهة الجنوبية من مباني المهاجع تمتد الأماكن المخصصة للملاعب المختلفة وبينها مستشفى يتسع لمائة سرير وهناك مباني سكنية وغير ذلك من المباني بحيث بلغت تكاليف المباني التي أنجزت لغاية جمادى الأولى من هذه السنة أربعة
стр. 1889
ملايين وخمسمائة ألف ريال وتقدر المبالغ المختصة لإنجاز بقية المباني بحوالي ستة ملايين وأقيمت بين المباني بصورة عامة فسحات كي تغرس الأشجار وكي يساعد ظل هذه الأشجار في تعديل جو الغرف والمكاتب والفصول ولقد روعي في تصميم المباني بصورة عامة أن يكون توجيهها صحيًا ومفيدًا وغطيت بعض الفتحات بعاكسات حرارة الشمس بحيث يدخل من بينها ضوء الشمس دون أشعتها وأشياء أخرى تفوق الذكر ولا تزال الجامعة الإسلامية تتوسع ولا يستغرب بهذا إذ كانت في المدينة المنورة تعتبر إحدى قلاع التعليم الديني في المملكة السعودية.
مصاب عظيم وركن ينهل في عاصمة المملكة السعودية
ففي الساعة الرابعة تمامًا في التوقيت الغروبي من صباح اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان الموافق ليوم الأربعاء (١٣٨٩ هـ) ثالث ديسمبر كانون الأول (١٩٦٩ م) اختلست أيدي المنون روح الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو العالم العلامة رئيس القضاة ومفتي الديار السعودية الشيخ النبيل والحبر الجليل محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ولد في مدينة الرياض ١٧/ ١ من عام (١٣١١ هـ) بمنزل قرب منزل الشيخ حمد بن فارس في دخنه وكان من بيت أصيل آباؤه وأجداده على الطريقة المثلى فنشأ في العبادة والتقى ولم يرضَ لنفسه سوى الاقتفاء بآثار أولئك السلف الكرام فأخذ في الدراسة واجتهد في طلب العلم وتلقيه من أهل ذلك البيت وغيرهم من أئمة العلماء إلى أن نبغ وبزغ ونال المنى وبذل النفس في إعلاء كلمة الله ورفع شأنها وإدحاض كل ما يثار حولها من شكوك وشبهات، نبكيك لا نبكي عليك نبكيك يا فقيد الإسلام ولا نبكي عليك نبكيك لأنا خسرنا بوفاتك وانتقالك إلى الدار الآخرة عالمًا عظيمًا هو من أئمة العلماء ومصلحًا من أخلص المرشدين لقد كنت مصباحًا أنستضيء بعلمه في هذا العصر الذي تكاثرت فيه المذاهب الهدامة وتفشى الإلحاد كتفشي النار في الهشيم
стр. 1890
فلقد انطفأ ذلك السراج وفجعت الأمة بوفاتك وتركت أعمالك التي لا زلت تتعاهدها في أمة الإسلام فلقد كانت وفاتك خسارة عظمى لأن افتقار الأئمة ورجال العلم والرجال قليل خسارة لا تصل إلى مستواها آية خسارة أخرى لقد غيب في لحده علم من أعلام الإسلام الذين كرسوا حياتهم لخدمة دينهم ونشره فلتبك الأمة الإسلامية فقيدها الذي وافته المنية وهو يكافح البدع وينصر الإسلام قرابة نصف قرن وقد بذل مهجته في سبيل العلم ونشره والذياد عن حمى الإسلام وكان مرضه ﵀ متساهلًا فيه أولًا ولكنه قضى عليه.
دروسه وتدريساته
درس القرآن على أحد الفراء وهو عبد الرحمن بن مفيريج فأكمله قراءة وحفظه غيبًا عن ظهر قلب وهو ابن تسع سنين كأحسن ما يكون في الحفظ والتجويد ودرس على أبيه إبراهيم بن عبد اللطيف في كتب التوحيد والفقه ومنذ ذلك الحين وبوادر الذكاء وعلامات العبقرية تبدو واضحة على تصرفاته وعند بلوغه السابعة عشرة من عمره فقد بصره على إثر رمدٍ أصابه فلم يفت ذلك من عزمه بل واصل الدراسة فأخذ عن عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق أخذ عن هؤلاء علم التوحيد والفقة والنحو والحديث والأصول وأخذ عن الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود العنزي علم الفرائض وأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود وأخذ عن غيرهم من علماء العصر في شتى العلوم كما أنه حاز على إجازات من كثير من علماء نجد ومن مشائخ الأقطار الأخرى كالهند ومنهم الشيخ حسين بن محسن الأنصاري والشيخ عبد الستار الهندي الدهلوي اتصل به في حج عام (١٣٤٨ هـ) وأجازه في رواية الحديث عنه وكذلك أجازه الشيخ سعد بن حمد بن عتيق كإجازة علماء الهند له وأجازه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري أجازه تضمين لإجازة الشيخ سعد بن عتيق وأجازه كذلك الشيخ محمد بن عبد القادر الزلالي العراقي، وكان يذهب في حياة عمه عبد الله بعد صلاة الفجر إلى بيت الشيخ ليحضر مجالس
стр. 1891
الدروس والتحصيل ويقضي بقية النهار في مراجعة ما أخذ سلك هذه الطريقة مع زملائه إلى أن نوفي عمه وهذا يدل على شغفه بالعلم حيث كان رئيس تلامذة عمه عبد الله ولما أن مرض الشيخ عبد الله مرضه الأخير أشار على صاحب الجلالة الملك عبد العزيز به وأنه يتوسم فيه مؤهلات العلم والعقل والإدراك وسعة الرأي فولاه الملك عبد العزيز أمامة المسجد المشهور في دخنه والتدريس في أغلب أوقات يومه ثم أسندت إليه بعد وفاة عمه وظيفة الإفتاء لعموم نجد اختاره الملك عبد العزيز لذلك ثم عينه قاضيًا للفطفط عام (١٣٤٥ هـ) أبان سطوة الأخوان وجبروتهم لما غلوا في الدين وتجاوزوا الحد فمكث عندهم شهورًا يبين لهم الحق وينهاهم عن الجهل والغلو حتى ألان شكيمتهم ثم بعد ذلك رجع إلى الرياض.
مقامات المترجم في الإسلام
كان قلعة يهابها كل مبطل وأخذت بيده هذه الحكومة وفقها الله تعالى ومنحته ما يريد لينهض بهذه البلاد ويهتم بأمورها الدينية والإصلاحية وما أكثر المجالات التي أشرف عليها ووجهها وقامت في عهده في القضاء والإفتاء ورابطة العالم الإسلامي والجامعة الإسلامية والمؤتمرات التي لا تحصى انعقدت برئاسته واشرافه وهذه الوظائف التي كان يشغلها:
(١) رئاسة القضاء. (٢) رئاسة دار الإفتاء. (٣) رئاسة الكليات والعاهد العلمية. (٤) رئاسة الجامعة الإسلامية. (٥) رئاسة دور الأيتام والتي ضمت إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية. (٦) الإشراف على رئاسة تعليم البنات. (٧) رئاسة المعهد العالي للقضاء. (٨) رئاسة المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي. (٩) رئاسة المكتبة السعودية. (١٠) رئاسة المعهد الإسلامي في نيجيريا. (١١) رئاسة المجلس العالي للقضاء. (١٢) رئاسة معهد إمام الدعوة العلمي. (١٣) خطيب الجامع الكبير. (١٤) إمام مسجد دخنة الكبير من مدة خمسين سنة. (١٥) الإشراف على نشر الدعوة الإسلامية في إفريقيا. (١٦) رئيس مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية والتي تصدر عنها الآن جريدة الدعوة. (١٧) بدء
стр. 1892
الإعداد لإنشاء مجلس هيئة كبار العلماء والذي اعتمد في ميزانية هذا العام ٨٩ - ٩٠ غير أن المنية وافته قبل أن يباشر المجلس أعماله. (١٨) الإشراف على ترشيح الأئمة والمؤذنين. (١٩) تعيين الوعاظ والمرشدين. (٢٠) إمامة العيدين والاستسقاء فهذه عشرون وظيفة كان تقلدها ولعمري لقد كانت الجبال تنوء عن حملها لو حملتها بجمعها هذا الذي تصدر منه الأهلة والصيام والإفطار والحج والأعياد وفتح المعاهد والكليات والتوظيفات والأمور الدينية فهو المسؤول الوحيد عنها وخدمته الليالي والأيام وخضعت الدولة لتوجهاته الشرعية وقلدته الأمة أمور دينها وناهيك به من يقظ فهم يباشر الأمور بنفسه ويسهر لكشف المشكلات ويزيل المظالم ويوقف كل معتد عند حده وكان لما رجع من قضاء الفطفط إلى الرياض جعل يدرس تدريسات من صلاة الفجر إلى أن يوتر وينام ليلًا في جميع فنون العلم توحيدًا وفقهًا وأصولًا وحديثًا ونحوًا وفرائض وغيرها قد جعل للطلاب ما يناسبهم فكبارهم في الأمهات والكتب الكبار وألفية ابن مالك ونحوها ومتوسطوهم بأقل من ذلك وصغارهم على ما تتحمله أفكارهم ويبتدئ الطلاب في بداية الأمر بكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثلاثة الأصول والتوحيد وكشف الشبهات وآداب المشي إلى الصلاة ومفيد المستفيد وما تحتوي عليه مجموعة التوحيد ومجموعة الحديث والأجرومية وقطر الندى حتى تتقوى معلوماتهم فاقبل إليه الطلاب من كل حدب وصوب وتخرج عليه علماء أفاضل ولما أنشئت دار الإفتاء والإشراف على الشؤون الدينية أسندت إليه رأستها وكان ذلك في سنة (١٣٧٣ هـ) ولما أنشئت رئاسة القضاء في نجد وملحقاتها والنطقة الشرقية والشمالية وذلك في سنة (١٣٧٦ هـ) أسندت رئاستها إليه وبعد وفاة الشيخ عبد الله بن حسن ضمت رئاسة القضاة في الحجاز إليه وألقي على كاهله أعباء جسام تنوء بها العصبة من أولي القوة فنهض بها بحزم المؤمن وصبر المجاهد وروية الحكيم وبذل للمهام التي نيطت به نفسه فدانت له ومنحها وعيه وأولاها نصحه فسارت رشيدة شديدة لا تنحرف ولا تنحرف ولا تنحاز هذا وقد كان يمتاز لقوة عقله وسعة براعته أنه لم يكن إذنًا سامعة فتستفزه
стр. 1893
أهل الوشاية والتدجيلات بل يتبين ويتثبت وشحرى وما أصيب الإسلام وأهله في هذا الزمان بل وكل زمان إلا من العجلة والتسرع بأخذ الأقوال من غير تثبت ولقد أدبنا الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ وكان يعرف للناس أقدارهم وينزلهم في منازلهم فلا يرفع من لا يستحق الرفعة مهما كانت الملابسات ولا يضع من لا يستحق الوضع مهما كانت المؤثرات فأدرك بذلك درجة عالية من الحكمة ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا﴾ وكان أخواله هم آل هلالي لأن جده لأمه هو عبد العزيز الهلالي أمير عرقه آنذاك وأحد أخواله هو محمد بن عبد العزيز الهلالي من أدباء عصره وشعراء زمانه وقد تولى إمارة عرقة بعد والده.
تلامذة الشيخ محمد
أما تلامذة الشيخ محمد بن إبراهيم الذين أخذوا عنه فخلق كثير وجم غفير فنذكر بعضًا من كل فمنهم الشيخ الزاهد العلامة الورع عبد الرحمن بن قاسم، وستأتي ترجمته، ومنهم الشيخ محمد بن عبد الله بن خنين العابد الورع، وقد تقدم ذكره في سنة وفاته، ومنهم الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان العالم المجتهد الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، ومنهم العالم العلامة الذي نشر العلم في جنوبي المملكة وهو الشيخ عبد الله بن يوسف بن وابل قاضي الحلوة ثم كان في قضاء أبها ومنهم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز نائبه في الجامعة الإسلامية وقد تولى عدة مناصب ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قاضي المجمعة وبعدها في بريدة وتولى الإشراف على الحرمين ومنهم الشيخ عبد الله بن عمر دهيش قاضي حائل ثم كان عضوًا في هيئة التمييز ثم كان رئيسًا للمحكمة الشرعية بمكة الكرمة ومنهم الشيخ سليمان بن عبيد آل سلمي رئيس محاكم مكة وهو الشرف العام على الحرمين الشريفين، ومنهم العالم الداعية إلى دين الله الذي نشر الدعوة وسعى في هداية جنوبي الملكة وإزالة البدع عنها الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي
стр. 1894
وتقدمت قريبًا ترجمته وأخذ عنه الشيخ راشد بن صالح بن خنين النائب عن المترجم في رئاسة القضاء وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد العزيز بن هليل تولى عدة وظائف في القضاء واخرها التحقيق في ديوان المظالم وأخذ عنه الشيخ سعود بن محمد بن رشود وأخذ عنه الشيخ محمد بن حمد بن فارس وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن فارس وأخذ عنه الشيخ صالح بن جارد وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن هويمل وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن مقرن من أهل القرن وأخذ عنه عبد الرحمن بن مقرن وأخذ عنه الشيخ حمود بن عبد الله التويجري الذي تصدى لرد البدع وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عباد مؤلف دواء القلوب وأخذ عنه أخوه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم وأخذ عنه أخوه الشيخ عبد الملك بن إبراهيم وأخذ عنه الشيخ فالح بن مهدي وأخذ عنه الشيخ محمد بن مسلم بن عثيمين وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن مقرن آل سعود وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سحمان وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن فريان وأخذ عنه فهد بن حمين العتيي وأخذ عنه الشيخ علي بن دخيل وأخذ عنه محفوظ بن معيذر وأخذ عنه عبد العزيز السحيباني وأخذ عنه محمد بن صالح السحيباني وأخذ عنه صالح بن مرشد وأخذ عنه حمد بن راشد وأخذ عنه راشد بن فهد التويجري وأخذ عنه ابناه الشيخ عبد العزيز بن محمد والشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ وأخذ عنه الشيخ صالح بن سليمان بن سحمان وأخذ عنه الشيخ صالح بن علي بن غصون رئيس محاكم الإحساء وأخذ العلم عنه الشيخ عبد العزيز بن ناصر الشعيبي قاضي السيح في الخرج وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن سليمان المسعري وأخذ عنه الأديب الرحالة الشيخ حمد الجاسر وأخذ عنه عبد العزيز بن ناصر بن رشيد وأخذ عنه صالح بن محمد بن لحيدان وكان هذا يعتبر من العلماء بحيث أنه نال وظيفة في المجلس الأعلى للقضاء وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الرحمن البليهي وأخذ عنه الشيخ علي بن فايز الدغيري وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم وأخذ عنه الشيخ زيد بن فياض وأخذ عنه عبد العزيز بن محمد بن صالح بن
стр. 1895
شلهوب وأخذ عنه الشيخ محمد بن مهيزع وأخذ عنه الشيخ ناصر الحناكي وأخذ عنه الشيخ سعد بن محمد بن فيصل آل مبارك وأخذ عنه خلق كثير ممن لا يحضرني ذكرهم كأحفاد حمد بن عتيق وما زال يعلم ويرشد ويوجه ويرأس ويفصل في المنازعات ويدعو إلى الله حتى ألم به مرضه الأخير الذي وافته فيه المنية عن عمر يناهز التاسعة والسبعين ولا ريب أنه شمس انكسفت ومشكاة انطفأت نعم انطفات مشكاة طالما كانت تنير للأمة طريق حياتها وذلك بأنه ألمعي سريع البديهة طويل الباع في علوم الشريعة والأدب ويحقق الكتب وينشرها ويحل للناس ما استعصى على العلماء والقضاة وغيرهم زرته مرة وكنت لا أزال إذا وصلت إلى الرياض أسلم عليه فدخل عليه رجل من أهل حوطة بني تميم وجلس أمامه على كرسي إلى جانب الاصة فقال يا شيخ إن القاضي فلان ظلمني وأنست منه تحديًا فتكلم الشيخ بصوت جهوري وانتهره قائلًا إن فلانًا ليس بطاغوت يظلمك إنما هو قاضٍ فقال اسمع مني يا ابن إبراهيم أنا لا أعرف القاضي بل أعرفك أنت فاحذر من تعلقي بك يوم القيامة فبكى الشيخ وقال كفانا الله شرك يرددها ثم قال: راجعني في دار الإفتاء بعد العصر، وكان إذ ذاك في كتب رئاسة القضاء وكان مع ما أوتي من العلم وما نتجت مجالسه من العلماء الذين سدت بهم الآفاق وملأ الأقطار أديبًا ومحبًا للشعر وله قصائد في المناسبات كقصيدته في مراسلاته لأخيه عبد اللطيف لما سافر إلى المدينة المنورة وما وراءها وانقطعت أخباره فقال في ذلك قصيدة. وكرثائه لعمه الشيخ عبد الله ورثائه للشيخ عمر بن محمد بن سليم وتقدمت. ولما توفاه الله تعالى جرى للمسلمين رنة أسف عليه وخسرته البلاد السعودية وخرجت الأمة كلها لا هزتها وفاته لتشييع جثمانه على أكتافهم يتقدم الجمع صاحب الجلالة الملك فيصل والعلماء والأعيان والوزراء وكان الذي تولى الإمامة في الصلاة عليه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز وأقبل الناس يعزي بعضهم بعضًا وانهالت القصائد والكلمات الرثائية في الصحف والمجلات والجرائد فمما قيل فيه قصيدتنا الرثائية التي باحت بفضله ومناقبه: