في واشنطن وثائق سرية للبيت الأبيض الأميركي جاء فيها أن المسؤولين الأمريكيين لم يكن لديهم أمل في أن تستطيع الأمم المتحدة وقف الحرب الهندية الباكستانية وكان ترتيب الجبهات هي أربع فرق هندية وثمان فرق هندية وأربع عشرة فرقة هندية وتسعمائة ألف وثمانين جندي، أما الباكستان فكانت ثلاث فرق وثماني فرق وأربع عشرة فرقة وثلاثمائة ألف واثنين وتسعين ألف جندي وكانت الهند تقوم في غالب الأيام بمائة غارة على الباكستان وقد صمدت الباكستان ووقفت تجاهد حتى قال بعض الأدباء في أحد أعداد جريدة المدينة من أيام شوال ليتنا نحن العرب نيأس من مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ووساطات يارنج ويوثانت ولا نستجدي الحلول السلمية من أعدائنا أحباء إسرائيل وحلفائها ومباركي قيامها وبقائها واعتدائها علينا ونقتدي بباكستان المؤمنة المجاهدة المدافعة عن عقيدتها وأرضها وشعبها وحريتها واستقلالها فنثبت ونصبر ولا نطلب الهدنة ولا نقبل وقف إطلاق النار حتى تتحرر أرضنا من أرجاس العدوان اليهودي اللئيم.
موقف المملكة العربية السعودية
لما قامت الهند بهذا العدوان الأثيم أصدر الديوان العالي ما يلي: (إن العدوان الغادر الذي تشنه الهند ضد باكستان يخالف بشكل فاضح جميع المواثيق الدولية والقيم الإنسانية التي ينبغي أن يتحلى بها المجتمع البشري وإن المملكة العربية السعودية لتستنكر بشدة هذا العدوان الصارخ وتهيب بجميع دول العالم أن توقف الهند عن الاستمرار في هذا العدوان الذي ليس له من مبرر إلا رغبة الهند في تفتيت وحدة الباكستان والنيل من العقيدة الإسلامية التي تدين بها ثم إنه بعث صاحب الجلالة الملك فيصل إلى نائب رئيس وزراء الباكستان ووزير الخارجية: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حضرة صاحب الفخامة الرئيس ذو الفقار علي بهوتو رئيس جمهورية الباكستان أبعث بخالص تمنياتي لفخامتكم بالصحة والتوفيق راجيًا من الله العلي القدير أن يمدكم بنصره وتأييده في هذا الظرف العصيب الذي تمر به الشقيقة الإسلامية الكبرى الباكستان بعد أن تألبت عليها قوى الشر والعدوان لتفتيت
стр. 1962
وحدتها والنيل من عقيدتها الإسلامية الراسخة في نفوس أبنائها وإننا لنؤيد موقفكم وسنكون دومًا إلى جانبكم للحفاظ على وحدة الباكستان وسلامة أراضيه من عبث العابثين وكيد الكائدين وفقكم الله ورعاكم وأخذ بيدكم بنصرة دينه وإعلاء كلمته إنه سميع مجيب). التوقيع فيصل، وكانت الهند تقوم في غالب الإغارات بأعمال العنف فقد ضربت الباكستان بقنابل النابالم فأصيب عدد من الأشخاص بجروح وحروق واستهدفوا المدنيين الباكستانيين وهاجمت مدرسة للتدريب وجرح بعض الطباخين في مطعم الطيارين السعوديين وقتلت أحد رجال السلاح الجوي السعودي الذي كانت تحت التدريب. وبالرغم من صمود الباكستان فإنها باءت بالهزيمة وخسرت بنجلادش التي تزعمها مجيب الرحمن وحصل القتال بينه وبين الرئيس السابق محمد يحيى خان وقسمت الباكستان إلى شطرين وكانت فائدة هذه الهزيمة للباكستان هو الاستفادة لإيقاف الهزيمة على امتدادها وسريانها إلى باقي الجسم الواهن وتوقف إطلاق النار بين الفريقين على الاعتراف بدولة بنجلادش وإطلاق سراح مجيب الرحمن وانسحاب الهند وهذه الهزيمة كهزيمة العالم الإسلامي والعربي في عام (١٩٦٧ م) فلا حول ولا قوة إلا بالله. وبكل حال فإن الهند إذا كانت خمسمائة مليون أو تزيد فإنها تتغلب على الباكستان البالغ عددها ٦٥ مليونًا إذا لم يكن هناك عدل وإنصاف ولم يقم مجلس الأمن بما ينبغي من إيقاف كل معتد عند حده.
ضرب فيتنام
لما أن كان في ١٠ ذي القعدة من هذه السنة قامت الغارات الجوية الأمريكية بألف غارة على فيتنام الشمالية واستمرت هذه الغارات خمسة أيام وقد قامت الطائرات الأمريكية التي بلغ عددها ثلائمائة وخمسين طائرة بضرب قواعد طائرات الميج والصواريخ التي تطلق من الأرض للجو وبطاريات المدافع وقواعد الرادارات الخاصة بالدفاع الجوي وخزانات الوقود ومستودعات التموين بين المنطقة المنزوعة السلاح وخط العرض ٢٠ وقعت معظم الغارات على بعد ١٢٨ كيلومترًا من
стр. 1963
هانوي وهذا يعتبر أعنف هجوم جرى على فيتنام الشمالية منذ ما يزيد على ثلاث سنوات فقامت موسكو تعرب رسميًا عن استنكار القصف الأميركي ووصفتها بأنها شبيهة بأعمال القراصنة واختتمت الحكومة السوفياتية بيانها بأنها بالوعد بمد المساعدة لفيتنام.
المعهد الفني في الظهران
قد قدمنا الجولة التي قام بها الملك فيصل في الإحساء ثم أنه واصل جولته إلى الظهران وقام بزيارة في اليوم ١٦ من شوال في الساعة العاشرة صباحًا لمعهد سلاح الطيران الملكي السعودي في قاعدة الظهران الجوية وكان يرافقه وزير الدفاع والطيران سمو الأمير سلطان وعدد من الأمراء السعوديين وفي بداية هذه الزيارة شاهد جلالته أسرابًا من طائرات سلاح الطيران الملكي السعودي في قاعدة الظهران الجوية وأشاد بالكفاءات السعودية المدربة والمؤهلة تأهيلًا علميًّا كبيرًا للذود عن حياض الوطن وإعلاء كلمة الله والمساهمة في أداء الواجب المطلوب وبعد ذلك توجه الملك إلى مبنى المعهد الفني حيث كان في استقباله الأمير تركي نائب وزير الدفاع والطيران والزعيم طيار أسعد زهير قائد سلاح الطيران والزعيم طيار أكرم خوجة قائد قاعدة الظهران الجوية ووكيل القائد طيار علي أحمد الغامدي قائد المعهد وكبار القادة والضباط.
ذكر ما جرى فيها من الحوادث
فيها جرت محاولة اغتيال ياسر عرفات لما عاد من تفقد القواعد الفدائية في الجولان المحتلة على الحدود السورية وكان معه في سيارته عدد من قادة الفدائيين عندما تعرضت السيارة فجأة لوابل من النيران من كمين لعناصر غير معلومة وقد قتل السائق في الحال وكتبت النجاة لياسر عرفات وقد قيل أن المهاجمين قد يكونون أردنيين أو أعضاء في المجموعات الفدائية المنشقة وقد اعتقل عدد منهم بواسطة
стр. 1964
السلطات السورية وأنه يجري استجوابهم وذكرت إحدى التقارير أن الدلائل تشير أن الرجال المسلحين هم من الفدائيين الساخطين على الحالة العامة في الحركة.
وفيها انفجرت قنبلة في حقيبة ملابس أحد المسؤولين الأردنيين قبل وضعها على طائرة أردنية كانت متجهة إلى عمان عبر القاهرة وقد تأخرت الطائرة لأسباب فنية مما أنقذها من تلك الكارثة وقد جرى التحقيق بأنه لا يعرف كيف وصلت القنبلة إلى داخل حقيبته وفي أمثال هذه الأعمال السيئة تتجلى عدم إنسانية نفوس جبلت على الخبث والإفساد للمجتمع وإلا فكيف في هذه الأحوال الحرجة المخيفة في الجو يتسبب لإهلاك نفوس بريئة ولكن أعداء الفضيلة فطروا على الفساد.
وفيها حرقت السفارة البريطانية في دبلين إيرلندا وذلك بأن حاصر المتظاهرون الجمهوريون السفارة البريطانية ليلة ١٥ ذي الحجة وأشعلوا فيها النيران بإلقاء القنابل البترولية.
وفيها حصلت فيضانات بأفغانستان فقتلت تسعة أشخاص وهدمت خمسمائة منزل وأغرقت حوالي ستمائة ألف رأس من المواشي في إقليم فرح بأفغانستان وقد اجتاحت الفيضانات ذلك الإقليم في يناير الموافق لذي الحجة من هذه السنة ويبعد الإقليم حوالي ثمانمائة كيلومترًا إلى الجنوب الغربي من العاصمة كابول.
وفيها في ٢٢ يناير الموافق ٧ ذي الحجة قتل في السودان ستة عشر متمردًا في هجوم على معسكرهم في إقليم النيل الأعلى واستولى الجيش السوداني على كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة وبعض الوثائق الهامة، وقال اللواء محمد عبد القادر في بيان آخر أن مجموعة أخرى من ١٦ متمردًا قد استسلمت وأنه قد صدر العفو عنها.
وفيها وفاة الشاعر الكبير حمزة شحاتة كان شاعرًا ورائدًا من رواد الأدب القلائل ومن طلائع الأدباء والشعراء وقد وافاه الأجل بالقاهرة ونقل جثمانه إلى
стр. 1965
المملكة العربية السعودية ليشيع إلى قبره في مكة المكرمة وكان دفنه في يوم ١٤/ ١٢ من هذه السنة.
وفيها وفاة إبراهيم إسلام عن عمر يناهز الخامسة والستين عامًا وقد خدم أمته في وظائف كثيرة كان آخر أعماله مديرًا للمالية ثم وكيلًا مساعدًا للوزارة في عهد عبد الله بن سليمان بن حمدان.
وفيها في ١٤ شوال أعلنت ست إمارات في الخليج العربي ارتباطها في اتحاد الإمارات العربية، وانتخب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبو ظبي أول رئيس للاتحاد وهذه الإمارات هي أبو ظبي ودبي والشارقة والفجيرة وعجمان وأم القوين وتبلغ مساحتها ثمانية وستين ألف كيلومترًا مربعًا وأربعمائة وثمانين كيلومترًا مربعًا ولم ينضم إلى الاتحاد إمارة رأس الخيمة وطلبوا الانضمام إلى الجامعة العربية والأمم المتحدة.
وفيها دعا رئيس هيئة الإشراف الديني على المسجد الحرام فضيلة الشيخ عبد الله بن حميد زينب الغزالي إلى إلقاء دروس إسلامية يومية على النساء في المسجد الحرام فبدأت دروسها الإسلامية للنساء في الحرم المكي نشرت ذلك جريدة المدينة في عددها ٢٣٧٢.
إنشاء الهاتف الآلي
لما كان للهاتف الآلي مكانة في راحة الأمة إذ كان الهاتف في بداية أمره يعرف بالتلفون ولم يتوصل الأفكار إلى هذه الغاية ليكون الاتصال مباشرة بدون واسطة بين المتخاطبين فشاءت القدرة الإلهية أن تتوفر هذه المصلحة ابتداءً في كل من الرياض ومكة والمدينة والمنطقة الشرقية وقد بلغت تكاليف مشروع الهاتف بالمملكة السعودية حتى وضع هذا الحوادث لهذه السنة ثلاثمائة مليون وثمانية وخمسين مليونًا وأربعمائة ألف وثلاثمائة وأربعين ألف ريال وسيوضع الهاتف الآلي في سائر المدن الأخرى وتم الاستغناء عن العادية وأنها لخطوة تخطوها هذه المملكة من ضمن
стр. 1966
المشاريع التي خدمت الأمة وبكل حال فإن الصناعة تقدمت تقدمًا غريبًا وقد طلب مني أحد موظفي جريدة الندوة في مكة الكرمة أن يطلعني على أعمال المطابع فيها ومما وجدته في الطابق الثاني أرصادًا جوية تختطف الكلام وتثبته في سجلات لنشر الأخبار فماكنة تلتقط اللغات الأجنبية وأخرى تثبت الكلمات العربية فطال عجبي لذلك فأخبروني أن الجامعة الأمريكية تحتوي على أربعة وعشرين ألف طالب وأن أوراق الامتحان تلقى في أماكن معدة لها فيخرجها الكمبيوتر مع جهة أخرى مصححة. وفي يوم الثلاثاء الموافق ١٩ شوال من هذه السنة الموافق ٦ كانون الأول ديسمبر (١٩٧١ م) فتح بجامعة الرياض معرض للصخور القمرية التي رجع بها رواد الفضاء بمركبة أبولو ١٥ واستمر لمدة أربعة أيام واستدعي لمشاهدة العرض مجمعات من الموظفين والطلبة كما ستتاح الفرصة للنساء في صباح كل يوم في عرض خاص بهن ويتم خلالها مناقشة مختلف جوانب غزو الفضاء من قبل الدكتور وليام جرنبود أحد علماء تحليل الصخور القمرية والذي قدم خصيصًا لهذا الغرض والدكتور محمد عبده يماني أحد الدكاترة السعوديين المتخصصين في العلوم وأحد أسرة التدريس بجامعة الرياض والقصد من ذلك إطلاع الأمة على نوع أحجار القمر الذي أخذه رواد الفضاء من القمر ونزلوا به إلى الأرض هذا ما جرى لأول مرة ونشرته إحدى الجرائد السعودية ونشرت الأفلام صور لرئيس الولايات المتحدة نيكسون وهو واضع التلفون بين أذنه وفمه يكلم من الأرض من في سطح القمر بعدما هبطوا من مركبة الفضاء على سطح القمر وهذا يعتبر من غرائب هذا الزمان لأن العقول لا تصدق بذلك.
النظر إلى الماضي والحاضر
إذا نظرنا إلى حالة الفلاح من لدن نزول آدم إلى الأرض من ذلك الوقت الذي تخلله عاد وثمود وعفاريت سليمان بن داود ﵇، فإنا نجد أثارهم يحتفرون الآبار العظيمة في سعتها وقد ينحتونها أو ينضدونها بالحجارة العظام لاستخراج
стр. 1967
الماء إلى ظهر الأرض إلى حال وضع التاريخ ويأتون بالبكرات المعمولة من الخشب الثمين على ما تقتضيه إرادة النجارين من كبرها وضخامتها وما تكلف من القيم الباهظة ويكون من أسفل هذه بكرات أخرى يطلق عليها الدراج مصنوعة أيضًا من الخشب الغليظ لا تتكلف هندسة إنما غرضها أن تكون قطعة من الخشب قطر دائرتها ٧٠ سنتمترًا وطولها كذلك في كلا طرفيها محور من حديد ويكون للبئر أربعة قرون يمد عليها أخشاب تحمل البكرات مرتفعة وهنا أعمدة بين البكرات ليتسنى للغرب أن يخرج من بينها ولا تتحمل واجهة المبخات الذي طوله ذهابًا وإيابًا بقدر قعر القليب عن أربعة دلاء كل غرب من جلود الإبل قد يتكلف كمه وقبته وخرازته بقيمة باهظة فيكون في أعلاه الرشا في البكرة العالية وفي أسفله الكم وهو السريح للدراجة السفلى ويؤتى بالجمال القوية للساقية ثم يؤتى بالعامل الذي يسوق الجمال مقبلة ومدبرة يسوقها برفق إذا هي نزعت الماء وتارة بعنف إذا هي رجعت إلى البئر وحوالي البئر قد وكلوا من يحزم لقمات البرسيم والتبن ليقف الجمل ريثما يمتلئ الغرب وهكذا ويكن العامل محترمًا يطعمونه مما يأكلون ويسقونه مما يشربون خشية أن ينتقم منهم بأذى يصيب الجمال فتهلك وبينما هم في برهة من الزمن إذا بالأخطار تهدد باندفاع الرمال من أسفل البئر فتدفن الماء فيأتون لذلك بجذوع النخل أو بأخشاب غلاظ وتجعل كدائرة على أسفلها أو مربعة إن كان الوضع كذلك ثم يؤتى بأشجار الأشنان على ظهور الحمر من البر فتوضع فيما بين تلك الجذوع لتحفظ الرمال أن تنهد ويأخذون في احتفار قاعة البئر وقد تفور البئر من كثرة ما ينهد من أسفلها فتسقط وتأخذ مساحة من الأرض فتصبح هاوية ويخسرون ما وضعوا فيها من الأحجار ولا يتخلص من تلك الهاوية إلا بردمها ودفنها ولقد خرجت مرة في صحبة والدنا ﵀ وعمري إذ ذاك لا يتجاوز العاشرة لزيارة مدين لنا وقبض دين السلم من التمور فركبنا حمرًا وسرنا إلى تلك القرية التي أظنها القصيعة على مسافة ميلين غربًا، وكنا نسير بين تلك المرتفعات والمنخفضات من الرمال إذ كان الصعود مشقة والهبوط مشقة نمر بأشجار الإثل في
стр. 1968
كل مهبط ومنخفض ومرتفع تمثل غابات عظيمة تتقي بها الذئاب والكلاب والثعالب حتى تبدت لنا أعلام القرية حيث نمر بخب القصباء ولما أن وصلنا إلى صاحبنا فيها إذ هو بمنظر عجيب وحالة يرثى لها قد اسودت ثيابه من أوساخ الحيوانات حافي القدمين قد تصدعتا من البرد والشوك ومن صدمات الحجارة وفوق رأسه قلنسوة من وبر الإبل والله لو غسلت يومًا كاملًا بالصابون والماء لما ذهبت أوساخها، فرحب بنا وذهب بنا إلى مجلس القهوة ولما أن دخلنا ذلك المجلس وجدنا حيطانه وسقفه قد اسودت من طول ما تلاقيه من دخان كرب النخل واخثاء البقر والإبل فجلسنا وكنت ألاحظ حبلين مربوطين كانا بأذنيه أظن أنه يشد بهما القلنسوة على رأسه لثقلها فقدم لنا رطبًا شهيًا أمام القهوة وحوالينا هناك حجر منحوت كالإناء الكبير مربعًا يسع مائة وسبعين لترًا من الماء قد وضع في المجلس فكنا نأكل ونلقي النوى في ذلك الإناء ويقول نخمر للبهائم فتأكله فلا يضع شيء جزاكم الله خيرًا من النوى فعجبت لتلك الحالة هذا وأنا في جهد عظيم مما أعانيه من عاقبة الركوب على الحمار بحيث أن قدمي والساقين قد تأثرت من حالة الركوب الأمر الذي عاد بالمشقة لا بالنزهة والفرجة وكانت الأرض يسعى فيها أنواع القراد الذي ثبت به المواشي قال الأعشى ميمون بن قيس الشاعر الجاهلي أبو بصير:
ذريني لك الويلات أتى الغوانيا ... متى كنت زراعًا أسوق السوانيا
سأوصي بصيرًا إن دنوت من البلى ... وكل امرئ يومًا سيصبح فانيا
بأن لا تدان الود من متباعد ... ولا تنأ إن أمسى بقربك راضيا
وإن بشر يومًا أحال بوجهه ... عليك فحل عنه وإن كان دانيا
وقوله بصيرًا يريد ابنه لأنه كان أبا بصير والمقصود أن السواني متعارف بها في قديم الزمان، وقوله لا تدان الود إلى آخره فيه من الحكم أن من تباعد عنك لا ينبغي لك أن تطلب وده بل تدعه وقربه كما قال الشافعي ﵀:
стр. 1969
إذا المرء لم يرعاك إلا تكلفا ... فدعه ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال وفي الترك راحة ... وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه يهواك قلبه ... ولا كل من قد صافيته لك قد صفا
ثم إننا خرجنا إلى النخيل والجذاد فتقدم رجل من الحاضرين وكان شابًّا نشيطًا وبين يديه الكرأي (راقول) آلة يجعلها الجداد من فوق ظهره وطرفه الآخر في جذع النخلة ثم يمسك بطرفيه بيديه ويقفز قفزات فإذا هو بفرع النخلة سواء قصيرة أو طويلة فإذا قطع القنو بالمنجل جعله في محجان بطرف حبل معه ثم يدليه إلى أسفل فكانوا يتلقونه بأيديهم ويجعلون القنوات في الزنابيل لفرطه من الشماريخ وهناك أمم يحضرون لذلك وللأكل فنجد الفقير يفرط الشماريخ ويدعو بهذه الكلمات لا جعلك الله تهملين أي تتركين بلا سقي خطابًا للنخلة ثم إنه أتى الفلاح إلينا بحبات من القثاء وألقاها بين أيدينا وإذا غالبها قد نقبت ولم يكن فيها شيء سالمًا فسئل عن ذلك فأجاب بأن الثعالب تمر بها ليلًا فتفسدها فرفعت يدي ولم أتناول منها شيئًا فتكلم قائلًا مالك يا ابن عمي لا تأكل فلم أستطع أن أقول لا تقبله نفسي بعد الثعالب فقال كلوا يا جماعة فهذا لا يقبل سؤر الثعالب ووالله لو وجدنا الثعالب لأكلناها فلا إله إلا الله ماذا يعانيه الفلاح من المشاق والأتعاب في هذا الزمان تتغير الأحوال إلى وضع تلك الأتعاب والمشاق ويأتي الله بهذه المكائن المائية التي وفرت للناس تمام راحتهم وتفجرت الأرض عيونًا بمخاريق أخرجت الماء عذبًا فراتًا وقد يخرج بطبيعته بإذن الله من دون دوافع فيخرج الله به زرعًا وأشجارًا تأكل منها أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون وقد قدمنا شيئًا عن المواصلات وتقارب البلدان وصدق الله ﵎ حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
وفيها في يوم الاثنين الموافق ٢٥ محرم احتفل رسميًا بتمام سد جيزان وقام بافتتاحه سمو الأمير فهد بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير
стр. 1970
الداخلية الذي ضبط المملكة من البحر إلى البحر ومن حدود اليمن إلى حدود الشام وحضر لذلك وزير الزراعة والمياه حسن المشاري.
وفيها في الساعة الواحدة بعد غروب الشمس من ليلة الجمعة تزيد خمسين دقيقة الموافق ١٥/ ٦ خسف القمر خسوفًا ثقيلًا وانطمس بظل الأرض بحيث كاد أن لا يرى له أثر مع الصحو ولم ينجل إلا بعد صلاة الكسوف بكثير.
وفي آخر هذه السنة تم هدم شارع الملك عبد العزيز في مدينة بريدة للتوسعة وأنير بالكهرباء كما أنه تم هدم شارع المياه الكائن بين المدينة المذكورة وبين الشقيري وأضيء بالكهرباء.
وفاة عالم من العلماء
تندب كلية الشريعة في مدينة الرياض عالمًا من علمائها ومدرسًا من مدرسيها وهو فالح بن مهدي قدس الله روحه أصيب بمرض مخوف في أيام الحج من العشر الأولى من ذي الحجة وتوفاه الله تعالى في ٢٣/ ١٢ من هذه السنة وهذه ترجمته: هو فالح بن مهدي بن سعد بن مهدي بن مبارك المهدي ولد في ليلى حاضرة إقليم الأفلاج عام (١٣٥٢ هـ) وكان من قبيلة الدواسر وكان جده سعد في قرية الهدار يكابد هموم الحياة وضيق العيش فانتقل بأسرته إلى ليلى قاعدة الأفلاج فقرت بها أعينهم واطمأنت قلوبهم ورضيت نفوسهم بما نالوا فيها من رغد العيش وطيب المقام عن طريق الكدح والعمل ولما أن ولد المترجم نشأ كغيره من الأطفال يقضي أوائل النهار في تعلم القرآن الكريم لدى أستاذه الأول عبد العزيز بن يحيى بن سليمان البواردي ويقضي أواخر النهار في مرح الطفولة وألعابها ولما بلغ من العمر عشر سنين أي في عام (١٣٦٢ هـ) أصيب برمد فقد منه البصر فحزنت الأسرة لذلك كثيرًا غير أن حزنها تضاءل عندما رأته يسير في قراءة القرآن بجد ونشاط فختمه عن ظهر قلب خلال سنوات قليلة ولم يثبط من عزيمته وهمته أن كف بصره بل دفعه ذلك إلى أن يهجر مسقط رأسه إلى الرياض ليدرس على مشائخها فدرس
стр. 1971
على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم النحو وثلاثة الأصول والفرائض ثم أخذ في الدراسة على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية بكتب منها كتاب التوحيد وكشف الشبهات والعقيدة الواسطية ولمعة الاعتقاد وبلوغ المرام وقطر الندى كما درس في فترات على كل من الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والشيخ سعود بن رشود والشيخ إبراهيم بن سليمان في علم التوحيد والنحو ثم إنه التحق بمعهد الرياض العلمي لما فتح فيها عام (١٣٧١ هـ) فالتحق في السنة الثانية الثانوية ودخل صفوف الدراسة النظامية فسار فيها فكان في طليعة أقرانه على أيدي صفوة من علماء الفقه والتوحيد واللغة والتفسير والحديث حتى أنهى دراسته العالية وكلية الشريعة وذلك في عام (١٣٧٧ هـ) حيث ودع دنيا الدراسة إلى دنيا العمل فعين مدرسًا في المعهد العلمي بالرياض ومكث فيه حتى عام (١٣٨١ هـ) حيث دفع للتدريس في كلية الشريعة بالرياض ولا يزال فيها حتى توفاه الله تعالى.
أخلاقه وصفاته
كان أسمر اللون قصير القامة نحيف البدن ضرير البصر وكان إلى ذلك مجدًا ومجتهدًا ولم يكن من المترفين ممن فرش طريقهم بالورود بل كان عصاميًا حافظًا طموحًا متقدمًا بين أقرانه وزملائه دمث الأخلاق متواضعًا سمحًا لينًا متفاهمًا مع من يسأله بلين عريكة وخفض جناح ويحب العلم وطلابه وهذه أبيات نظمها ووجهها إلى أبنائه مهدي وسعد ومبارك يحثهم فيها على طلب العلم والتحلي بمكارم الأخلاق والتأدب بالآداب الشرعية والعمل وحفظ الوقت:
تعلم بني العلم واتعب لنيله ... وزاحم ذوي التحصيل عند التعلم
ولا ترضين بالجهل ما عشت صاحبًا ... ذوو الجهل أشباه لموتى ونوم
فبادر لأخذ العلم عن كل فاضل ... حريص على الطاعات خاشي التألم
وصاحب من الطلاب برًا مهذبًا ... وباعد من الشرير واحذره تسلم
وكن عاملًا بالعلم فالعلم خشية ... لذي العرش والتقوى أساس التفهم
стр. 1972
وكن عارفًا حق المعلم ناطقًا ... بحسن سؤال منصتًا للتكلم
وكن حافظًا للوقت واعلم بأنه ... ثمين على الإنسان فاشغله تغنم
أمهدي وسعد والمبارك فاسمعوا ... ولا تعدلوا عن نهج أهل التعلم
سألت إله العرش ربي وخالقي ... جزيل العطايا راحمًا ذا ترحم
يهبكم بني العلم والزهد والتقى ... وصل إله العالمين وسلم
على المصطفى الهادي إلى خير شرعة ... وأصحابه أهل التقى والتقدم
وكان للمترجم شرح واف على كتاب التدمرية جلى فيه غموضها وبين عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيها وكتابه نفيس خدم فيه العقيدة السلفية جزاه الله خيرًا وغفر له.
تنبيه
قد ذكرنا فيما تقدم وفاة علوي عباس، وبما أنه رئيس جماعة تحفيظ القرآن فقد اختارت الجماعة لها رئيسًا جديدًا وهو الشيخ حسن بن محمد المشاط فقبل هذه الرئاسة ورفعت الجماعة إلى أعتاب جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز برقم ١٠٢٥ تاريخ ١٩/ ٥ من هذه السنة ما نصه (إلى حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز أمد الله في حياته ووفقه لما يحب ويرضى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإن جماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة تتشرف بأن ترفع إلى مقام جلالتكم أنه بناء على وفاة رئيسها (السيد علوي مالكي) ﵀ فقد اختارت فضيلة الشيخ حسن المشاط المدرس بالمسجد الحرام رئيسًا لها وقد قبل فضيلته هذا الاختيار وإننا إذ نعرض هذا الموضوع لجلالتكم نرجو من الله أن يحفظ لنا جلالتكم ذخرًا للإسلام والمسلمين وأن يديم عليكم توفيقه ونعمه الوافرة وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته ووقع عليه الأعضاء كما أن الجماعة اختارت الشيخ محمد بن سبيل أحد أئمة وخطباء المسجد الحرام ونائب الرئيس العام للإشراف الديني بأن يكون عضوًا في هذه الجماعة كما اختارت أيضًا
стр. 1973
للعضوية محمد بن علوي المالكي متطوعًا بالقبول ومن جملة هؤلاء الأعضاء رجل كريم الشمائل والأخلاق وهو محمد صالح القزاز زرته لما قدمت مكة المكرمة لأداء العمرة في ٣/ ٧ من هذه السنة في مكتبه الذي كان مزينًا بالآيات القرآنية وسمعت تلاوة القرآن لا تفتر لأنه محبب إليه سماع القرآن ولا يتخلى ذلك المكتب الواسع عن التلاوة وكان ذلك المكتب مرادفًا للمسجد الحرام إلى الجهة الجنوبية. أما عن الشيخ محمد صالح القزاز فإنه يعمل إذ ذاك أمينًا للرابطة الإسلامية وكان متسمًا بسمات أهل الدين ويعلوه الخشوع ومكارم الأخلاق ورحابة الصدر وقد استقبلنا استقبالًا يدل على شعوره وفضله ويعتبر من رجالات الحجاز الذين لهم خدمة في أعمال الدولة وأهدى إلي الموسوعة القرآنية البالغ عددها ستة جلود ضخمة تأليف إبراهيم الأبياري كما أنه قدم إلي مذكرة تتضمن البيان عن توسعة المسجد الحرام وعن ذلك المشروع العظيم وقدم إلي تقرير جماعة تحفيظ القرآن محلى بأول سورة العلق وأول سورة الرحمن في رسم مصحف فتناولتها شاكرًا وإنا لنثني على رجال الأعمال الطيبين المخلصين ونسأل الله أن يكثر من أمثالهم).
وفيها تقدم الأمير فهد بن سعد بن عبد الرحمن بطلب نقل من إمارة عسير إلى إمارة حائل كان الطقس والمناخ لم يلائم صحته فنقل وصدر القرار بتعيين صاحب السمو الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز أميرًا في منطقة عسير فذهب الأمير الشاب إلى تلك الجهة وباشر أعماله فيها واستبشر الأهالي بهذا الأمير، أما عن الأمير فهد بن سعد فقد عاجلته المنية في ٥/ ٧ من السنة القادمة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة (١٣٩٢ ه ـ)
ففيها خلع الحاكم في بلاد قطر أحمد بن علي بن عبد الله آل ثاني وجعل مكانه ولي عهده خليفة بن حمد آل ثاني وذلك في يوم الثلاثاء صباح ٨ محرم من هذه السنة الموافق ٢٢ فبراير شباط عام (١٩٧٢ م) فصفقت الأمة هناك واستبشروا به
стр. 1974
وكان الحاكم الجديد محبوبًا لديهم لما كان متصفًا به من الكفاءة والمقدرة واعتبر حاكمًا لقطر التي نالت استقلالها في ١٧ رجب من السنة الماضية.
وفيها وفاة الشيخ محمد بن سالم البيجاني ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته: هو الشيخ العلامة الفاضل محمد بن سالم بن حسين الكرادي البيحاني نسبة إلى بيحان اسم لمخلاف بجنوب اليمن ولد في مدينة القصاب بحصن هادئ سنة (١٣٢٦ هـ) من سلالة عربية وأسرة عريقة وتلقى علومه الدينية في حجر أبيه العالم الفقيه الفلكي الناسك، ثم هاجر إلى حضرموت مع صنوه الشيخ عبد الله بن سالم البيحاني وتلقى العلوم هناك على أستاذه الكبير الشيخ عبد الله بن عمر الشاطري العلوي وعدة مشائخ هناك، وكان مكفوف البصر لكنه ساعده على الحفظ فقد بصره ويقول فيه الشاعر:
يقولون الضرير فقلت كلا ... بلى والله أبصر من بصير
سواد العين قِدْمًا زار قلبي ... ليجتمعا على فهم الأمور
ثم رجع من حضرموت إلى بلده مشبعًا بالروح الدينية عالمًا مطلعًا محدثًا بارعًا ومكث في بلده نحو سنتين تقريبًا ثم رحل إلى بلد الشيخ عثمان عدن وتأهل فيها وصادف هناك عالمًا جليلًا هو الشيخ أحمد محمد العبادي وأخذ عنه معلومات كثيرة، وقد كان هذا العالم المذكور يتوسم في الشيخ البيحاني خلال دراسته عليه الذكاء والتقدم على بني جنسه وأنه سيصبح عالم عدن الأوحد ثم ذهب إلى مصر والتحق بالأزهر وكان إذ ذاك زاخرًا بالعلم والعلماء فجد واجتهد حتى تخرج منه حاملًا شهادتين أهلية وعالمية ثم رجع إلى عدن وقد تركت تلك الدراسات أثرها العميق في نفسه فألف الكتب الدينية ونظم الشعر وحبر المقالات والمحاضرات ذات الطابع الممتاز ولم يكن الشيخ محمد بن سالم البيحاني عالمًا دينيًّا فحسب بل كان إلى جانب ذلك أديبًا شاعرًا محنكًا وناثرًا مقولًا وصالحًا لأن يكون عضوًا عاملًا في شتى ميادين الحياة يشهد له بذلك مؤلفاته التي منها كتاب إصلاح المجتمع، وديوان خطب
стр. 1975
منبرية عظيمة تحث على الاستقامة وتنهى عن سفاسف الأمور بعبارة العالم الناصح الفصيح البليغ وهي تنادي بفضله ونباهته وأنه رجل اجتماعي سياسي وقد سلك فيها عبارة حرة وأشعة الأنوار قصيدة في المرأة في الإسلام، وله ديوان شعر وغير ذلك من المقالات التي تنشر له في الصحف والمجلات والمحاضرات التي تلقى في المساجد والنوادي وقد اجتاز على غيره في تلك الجهة بالحلم والورع وصلابة الرأي والصراحة في القول والتريث والثبات على المبدأ وقد انتشر صيته في الآفاق وعم سماع شهرته الأطباق وكان يحج ويوالي بين الحج والعمرة وتعقد له حلقات المحاضرات والدروس في المسجد الحرام فيفيد السامعين ويغذي الطالبين ويحث على كل فضيلة وينهى عن كل رذيلة وما زال على هذا الوضع حتى توفاه الله عن عمر يناهز السادسة والستين، هذه الترجمة بعث بها إلي أحد مترجميه وهو سليمان عثمان زين اليمنى المكي وقال عنه أحد مترجميه كان ضخم الجسم معتدل القامة تجلس إليه فيتحدث إليك حديثًا له حلاوة وطلاوة فتتمنى مجالسته على الدوام وله كتاب سماه أستاذ المرأة فيه توجيهات للمرأة ونصائح للنساء وأقول عنه أنه كان مع سعة علمه له عثرات بسيطة والله يغفر له ولكنها تختفي بجانب علمه وفضله فمن المآخذ عليه أنه لا يرى تحريم القات ومنها قوله ما أشد حاجتنا إلى العلماء بالدين الصحيح الذين لا يحرِّمون إلا ما حرَّمه الله ولا يحلون إلا ما أحله الله يغشون بالخير في مجالسهم وعاداتهم عليهم في مطاعمهم ومشاربهم وملابسهم وعاداتهم إلا بما تظهر فائدته وتحمد عاقبته لا يجعلون الكفر وترك الإسلام في الأكل بالشوكة والملعقة والجلوس على المنضدة ولبس السراويل القصيرة. نعم وصحيح ما قاله لكنه تعدى إلى غير ذلك فقال: والسترة والبنطلون والتالو وحلق اللحية وما إلى ذلك من أمور لا طاعة ولا معصية فيها وإنما هي من العادات والتقاليد القومية التي يحسن الاحتفاظ بها ويعتز بها ذووها. هذا كلامه بحروفه وفي آخره أخطاء فكيف يباح حلق اللحية والشارع أمر بإكرامها والاحتفاظ بها وأخبر أن حلقها موافقة للمجوس كما أن الملابس الإفرنجية نهى عنها الرسول لأنها مشابهة لهم ويقول الله
стр. 1976
عزَّ وجلَّ في وحيه الذي أنزله على بعض أنبيائه: قل لقومك لا تلبسوا ملابس أعدائي. فهذه الملابس التي ذكرها هي ملابس الإفرنج بالذات كما أنني رأيت له كلامًا في مسبة الوهابيين، ومن هم الوهابيون؟ أيكون المقتدون بشريعة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه يرمون بالألقاب السيئة وتشوه سمعتهم! كما أنني رأيت له كلامًا في مسح الحجر الأسود، وأنه يؤخذ منه جواز التبرك بالأحجار وقد نبهته على ذلك برسالة فلعله رجع عن رأيه فهذه بعض أشياء انتقده بها أئمة الجرح والتعديل وإنا لنشكره على ما بذله في خطبه من النصيحة والإرشاد وهداية الخلق جزاه الله خيرًا ونسأل الله أن يغفر له ويتجاوز عنه.
رحلتنا إلى الجهة الشمالية الغربية
في هذه السنة قمنا من مدينة بريدة برحلة نحو تبوك ومدائن صالح ومدين بلاد شعيب بصحبتنا بعض الرفقة قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾.
لقد قمنا في الساعة العاشرة تزيد ٤٥ دقيقة من شروق الشمس يوم الجمعة ثاني رجب (١٣٩٢ هـ) الموافق ١١ أغسطس آب (١٩٧٢ م) نسير في طريق المدينة المنورة ولما أن كنا محاذين لقرية الحناكية أدركتنا صلاة الجمعة هناك فملنا إلى اليمين لندرك صلاة الجمعة، فعنّ لنا أن نتجاوز إلى النخيل لزيارة بعض الأحبة هناك، وكانت الطريق إذ ذاك غير معبدة وكانوا أهل بادية على فطرهم وقد هاجر إليهم بعض من أهالي القصيم لأن الموضع قابل للزراعة ولمن كان يحب العزلة والوحدة فبتنا في ذلك الموضع واجتمعنا بالأمير وبعض الأحبة فوجدنا لديهم شوقًا ومحبة جزاهم الله خيرًا ومن الغد سرنا إلى المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وبعد الصلاة في مسجد الرسول وزيارته وزيارة صاحبيه رضوان الله عليهما سرنا إلى جهة تبوك حيث كانت المسافة من نفس المدينة إليها ستمائة وأربعة
стр. 1977
وثمانين كيلومترًا، وبعد قطع ١٥٤ كيلو بلغنا الصلصلة وكانت قرية في واد تحتوي على آبار قليلة ومبانٍ صغيرة وساكنوها من قبيلة هيثم، ثم بعدها قرية شريف بقدر تسعة كيلوات ثم الجرة فيها شجر الإثل ومساكن قليلة مترامية الأطراف وهناك الثمد وتبعد عن الصلصلة بـ ٣٠ كيلو ويوجد في ذلك الوادي شجر الدوم، وما زلنا نواصل السير حتى قدمنا خيبر وكانت بلادًا في حرة تكسوها الحجارة السوداء وفيها منخفضات تحيط بها آكام صخرية وخيبر من أخصب واحات الجزيرة وتقع في مجتمع أودية تنحدر من سلسلة جبال فتتسرب مياه هذه الأودية في وهدة منخفضة من الأرض بحيث تكون ينابيع جارية وتبعد عن مدينة الرسول ﵊ بقدر من ١٨٣ كيلوًا وبعد تجاوزها بـ ٣١ كيلو نصل إلى مفرق الطريق إلى العلا يسارًا فانتهينا إلى وادي عشاش مارين بقهاوى عشاش وبناياته اليسيرة بحيث يبعد عن خيبر بـ ٤٩ كيلولما أن تجاوزنا ذلك بقدر من ١١٣ قريبًا من تيماء إذا قد أرهقنا السير فنزلنا بالبعد من قهوة هناك لا تزال أنوارها مضيئة وكانت الساعة تشير إلى الثالثة ليلًا بالغروبي وكانت الشقة بعيدة ولا نسمع سوى صوت كلب ينبح فيها وكان نباحه يتردد في ذلك الفضاء فبتنا في ذلك الموضع بخير ليلة من الرفقة من نام للتعب ومنهم من جعل يصلح لنا طعام العشاء ولما أن كان من آخر الليل فزعنا للصلاة ومواصلة السير حتى قدمنا تيماء وكانت المسافة بينها وبين منزلنا ٧٤ كيلو مترًا وإذا هي آثار السموأل القديم وبلدة عبد الكريم بن رمان الحديث وكان وصولنا إليها في الساعة الحادية عشرة تزيد ٥٠ دقيقة صباحًا فطفقنا نسأل عن هداج تيماء أو بئر السموأل وبينما نحن نسير في أحد شوارعها الضيقة إذا بشاب من الأهالي لا يتجاوز عمره العشرين عامًا فاستقبلنا ورحب بنا ودعانا إلى تكرمته في بيته غير أننا اعتذرنا إليه وإنا على جناح السفر فقبل عذرنا على مضض بعد ما غلبناه على إرادته جزاه الله خيرًا فقلنا نفضل علينا بالهداية إلى بئر هداج ولما أن رأى أن لا فائدة في الإلحاح لإجابة دعوته قال انطلقوا إليها فسار ونحن نتبعه حتى وقفنا عليها كانت هداج تيماء بئرًا مشهورة تضرب الأمثال بسعتها فيبالغ
стр. 1978
الرواة بأنه قد كان يستقي منها تسعة وتسعون بعيرًا كل بعير له غرب كبير ولا ينزح ماءها ويقول الشاعر عبد الله بن ربيعة يمتدح بندر بن سعدون الذي تولى إمارة المنتفق بعد وفاة أخيه عيسى سنة (١٢٥٩ هـ):
بالله يا ركب تقلل هميما ... عوجوا رقاب الهجن يا ركب لمقيم
لابن الكرام الهاشمي الكريما ... يا ركب روحوا بالتحية وتسليم
سلام من طي الخوافي سليما ... ما خاشره ونوع الريا والتواهيم
إلى قيل من هو قلت هداج تيما ... عد قراح الملتجي للدواهيم
يا ناشدي ما هو خفي لا تعيما ... مفهوم أبو فرحان من غير تفهيم
بندر إلى لز الحقب للبريما ... حامي جوانب دار من شا عن الضيم
هذا الفحل واجد فحول الحريما ... الفحل الي يلقح برايه معاقيم
إلى تغشم لا تظنه غشيما ... مخلف طنون أهل الفكر بالبراهيم
وكانت على صفة مثلث الشكل أحد الزوايا متقوس وهي وإن كانت عظيمة الوضع واسعة الشكل لكنها أقل من سمعتها وقد سررنا كثيرًا برؤية بئر السموئل، وشرح الدليل لنا شيئًا من شأنها وذكر أن جميع أهالي تيما يسقون منها كما مر وركب عليها تسعة وتسعون غربًا كانت منضودة بالحجارة وتقدر إحدى جهاتها بعشر أمتار والجهة الأخرى كذلك، أما الجهة الثالثة فمتقوسة بقدر خمسة عشر مترًا وتعتبر هي البئر الوحيدة في الجزيرة العربية وكان هذا دأبهم إلى أن زارها الملك سعود وتبرع لها بأربع مضخات ركبت عليها.
تيما والحديث عنها
بما أن تيما بلدة قديمة فيوجد فيها آثار كثيرة عجيبة تتبعها فلبي وبذل في سبيل تلك الكتابات والآثار والأحجار فيها مادة كثيرة فنقول عنها أنها تقع في منخفض من الأرض ويحيط بها سور هي بين تلال مرتفعة وأشهر أسرها آل رمان وآل سلامة وآل خلف بن عمر. وتعتبر تيماء من أقدم مدن المملكة العربية السعودية
стр. 1979
وهي وإن كانت ذات أهمية عظيمة فإن سكانها لا يتجاوزون في العدد عن أربعة آلاف نسمة وأكثر أهلها يعيشون عيشة البادية ولكنها فشت فيها الحضارة كغيرها من المدن السعودية وكان فيها في هذه السنة قهاو وأمكنة لبيع محروقات السيارات وبعض مطاعم يعمل فيها أناس من اليمنيين. وقد ذكر علماء التاريخ أنه تولى إمارتها من آل رمان رمان بن هتيمي (١٢٨١ هـ) وبعده عبد العزيز بن رمان (١٢٩٨ هـ) وبعد ذلك تولى إمارتها عبد الكريم بن علي بن رمان (١٣٢٩ هـ) وذكر أن صلة هذه الأسرة بحكام حائل حسنة حتى كان عام (١٣٣٥ هـ) حينما قتل عبد الكريم بن رمان شخصًا يدعى ناصر بن عتيق وكان ممثلًا للأمير ابن رشيد قتله مع جميع حرسه واستقل بإمارة البلد ويقول فلبي عن عبد الكريم أنه خير من حكم الراحات خلال النصف الأول من هذه القرن مع أنه دمر الضاحية الغربية والقسم الأكبر من الضاحية الشرقية في تيماء، وبهذا دمر الأهمية الاقتصادية للمنطقة التي يحكمها وذلك ليؤمن منطقة مفتوحة أمامه ليرى غزاته وهم على بعد ليحافظ على استقلال منطقته في حالة تعرضها لغزو خارجي وكان لما أن تولى عبد الكريم بن رمان بنى قصره في سنة (١٣٣٨ هـ)، وكان ذلك القصر قد أعد على الطريقة المألوفة قديمًا في المدن الكبيرة كالرياض وغيرها من مدن نجد حيث بني بجوانب الجدران مقاعد من الطين مرتفعة عن الأرض وكان الأمير عبد الكريم شديدًا صعب الشكيمة ولم يخضع لإمارة قط، قدم إليه أعرابي وجعل يخاطبه باسمه ويومئ بيده فاعتقله الأمير بالسيف وجب يمينه التي يشير بها له، وله سطوة عظيمة ويبدو أنه كان كثير الشك في جيرانه فلم يأمنهم ولم يغب عن باله اهتمام ابن سعود بمنطقته وكان الملك عبد العزيز عاقلًا فلم يشأ أن يضم هذه المنطقة بالقوة في حين أنه يدرك أنها ستنضم إلى مملكته آجلًا أو عاجلًا ولعله كان يظن أن وضع تيماء لا بد وأن ينتهي بوفاة عبد الكريم الذي كان بالرغم من طغيانه وظلمه ما يزال يعتبر من أبطال الصحراء ومما لا شك فيه أنه كان شخصية من شخصيات أبطال الصحراء وقد حكم تيماء فترة تقدر بأربعين عامًا تقريبًا وبما أنه أسن ويشاهد
стр. 1980
أتباعه في أواخر أعوامه والتطورات التي جرت في المناطق وهم غافلون طيلة أيامه الماضية غير عالمين بها فأخذوا يشعرون بالقنوط لحياتهم المزرية التي يعيشونها نتيجة تعسف الأمير عبد الكريم.
صفة قتل أمير تيماء
بينما كان عبد الكريم خارجًا من المسجد الذي في قصره وكان هذا المسجد صغيرًا بالنسبة إلا أنه تقام فيه صلاة الجمعة كان خروجه وقت يلاقي حتفه بعد صلاة الجمعة إذ فاجأه ابن عم له يدعى فارس بن عبيد الله بن ثويني بن رمان وكان من جملة الناقمين عليه فأطلق عليه النار وأرداه قتيلًا ولكنه قام على فارس عبيد القصر فقتلوه شر قتلة ومزقوا جثته شر ممزق ففي مسجد هذه القلعة لقي الحاكم الأخير من أسرة آل رمان مصرعه وذلك في اليوم السادس من شهر أكتوبر تشرين الأول عام (١٩٥٠ م) الموافق يوم الجمعة ٢٣/ ١٢ / ١٣٦٩ هـ، ولما أن جاءت الأنباء البرقية إلى صاحب الجلالة الملك عبد العزيز باغتيال أمير تيماء أصدر أوامره بإعدام القاتل على الفور ولكن القاتل كما ذكرنا لقي حتفه وقتل شر قتلة وكان من الطبيعي أن يخلف عبد الكريم ابنه الأكبر عبد العزيز إلا أنه بالنظر للاضطرابات التي اجتاحت المنطقة فقد أصدر الملك عبد العزيز بن سعود أوامره إلى خالد بن أحمد السديري أمير تبوك أن يتوجه بقوة كافية إلى تيماء في الحال وذلك ليتأكد من أن النظام قد استتب هناك وبما أن الظروف يقتضي برأي من يقول أن برجس بن محمد بن ثويني بن رمان بن عم القتيل هو الذي يتولى زمام السلطة في تيماء وذلك بعد وقوع الكارثة فإنه هو الذي سلم منطقة تيماء إلى حكومة ابن سعود لدى وصول خالد السديري. هذا وقد دعي برجس المذكور مع أبنائه الثلاثة وشقيقه وحفيده وابن أخي عبد الكريم الإقامة بالرياض كضيوف على الملك أما الابنان الصغيران للمرحوم عبد الكريم، فقد أقاما في مدائن صالح حيث سمح لهما بالبقاء هناك وسمح لأخ القاتل سعود بن عبيد الله بالبقاء في تيماء ولما أن قدم
стр. 1981
الأمير خالد إلى تيماء أشرف على تهدئة الأحوال فيها وكان ذلك في التاسع من شهر أكتوبر تشرين الأول ثم أنه شق في وسطها شارعًا تصل منه السيارات إلى القصر ورتب شئون الحكم فيها حتى بعث الأمير عبد العزيز بن مساعد أمير حائل أحد رجاله وهو الأمير عبد الله بن إبراهيم الشنيفي فتولى إمارة تيماء في أوائل سنة (١٣٧٠ هـ) ولما أن كان في سنة (١٣٨٤ هـ) تولى الإمارة بعد المذكور في تيماء الأمير سليمان بن يوسف الشنيفي واستمر في إمارتها. ومن العجائب أن الأمير عبد الكريم قد دمر الضاحية الغربية وتركها خرابًا يبابًا لا يرى من أن في وجودها هناك تهديدًا لسلامته ثم أنه عاد على الضاحية الشرقية وأصابها ما أصاب أختها بعد خمس سنوات ودمر هذه الضواحي عمدًا حتى لا يمكن أن يختبئ فيها غاز طامع أو يختفي آية جموع يقوم بها ابن سعود لغزو المنطقة بقصد احتلال الواحات وفعل تلك الأفاعيل ليوطد مقامه ودمر هذا الطاغية آبارًا ونخيلًا ولم يقدر المسئولية عندما أقدم على تلك الأفعال خشية من عدو بعيد فأقدم على اغتياله في عقر داره ابن عمه وما أغنى حذر من قدر. أما عن الناحية الدينية والإدارية والتعليمية ففيها جامع كبير أنشئ حديثًا على الطراز الحديث ومساجد أخرى سوى مسجدها الأثري. وفيها محكمة شرعية راودتني الحكومة أيدها الله أن أتولى رئاستها عام (١٣٧٢ هـ) لكني رفضت الذهاب إليها لبعد المسافة بينها وبين الوطن وقد امتدت المعالجة في هذا الشأن قرابة خمسة شهور وأخيرًا سامحتني الحكومة جزاها الله خيرًا لما رأت أن لا رغبة لي فيها. وفيها إدارة شرطة وإمارة عامة واطلعت على مدرستين ابتدائيتين فيها إحداهما للأولاد والأخرى للبنات ويبالغ بعض الرواة من جهة إقبال الأولاد على التعليم وارتفاع منسوب التلاميذ. أما عن الناحية الصحية فإن مناخها جيد جدًّا وصحي وجوها قابل للزراعة وموضعها الاستراتيجي قابل للسكنى وبكل حال فإنها مدينة قابلة للتقدم لو وافقت عناية ولكن أهلها يعيشون على الطريقة البدائية بحيث كانت الحديقة الصغيرة يشترك فيها أفراد كثيرون ويسقيها على العموم بئر هداج المتقدم ذكرها. أما عن قصر السموئل فهو كائن في موضع
стр. 1982
مرتفع من الأرض يقع في غربي المدينة وقد بقي منه بقية آثار الحيطان العامة من الحجر وهو واسع جدًّا محاطة بقدر المدينة العظيمة وكان مساحة عرض الحائط ثلاثة أذرع بقدر ١٥٠ سنتيمتر وأطلاله تدل على القوة والعظمة وهذا القصر هو حصن الأبلق الذي تضرب الأمثال بمنعته فتقول الأمة تمرد مارد وعز الأبلق وكان لهذا الحصن شهرة عظيمة وهو الذي كان يسكنه السموئل وكان فوق تل مطل على تيماء ولا يستطيع أحد إذ ذاك الدنو منه وقد تهدم على مر السنين ويظهر لي أن مبانيه الداخلية مقامة من الطين فآثار اللبِن بادية آثارها وفي هذا الحصن يقول الأعشى:
كن كالسموئل إذ سار الهمام له ... في جحفل كسواد الليل جرار
جار بن حيا لمن نالته ذمته ... أوفى وأمنع من جار ابن عمار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار
والأبلق الذي ذكره هو حصن السموئل بناه أبوه عاديًا بن رفاعة بن ثعلبة بن حيا ابن عاديا بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عمرو بن مزيقياء اليهودي والدليل على أن داخله من لبن وصف صاحب معجم البلدان له بأن فيه آثارًا مبنية من لبن فرؤيتنا لهذا القصر العظيم دليل على أنه يضم غرفًا ومباني وذكر أن أول من بناه عاديًا أبو السموئل، فأما السموئل فهو المعروف صاحب الحماسة والفخر المتوفى في سنة ٦٢ قبل الهجرة وتضرب الأمثال بوفائه وذلك لأنه لما أراد امرؤ القيس الشاعر الذهاب إلى قيصر ملك الروم أودع عند السموأل دروعًا فلما مات امرؤ القيس غزاه الحارث بن ظالم أر الحارث بن أبي شمر الغساني بقوة وطلب منه تسليم الدروع وكانت مائة درع مزخرفة فتحرز منه السموأل فأخذ الحارث ابنه وكان قد خرج للصيد وهدده بقتل ابنه إن لم يسلم الدروع وقال بعدما صاح بالسموأل فأشرف عليه هذا ابنك بين يدي فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ابنك فقال أجلني فأجله فجمع أهل بيته وشاورهم فأشاروا كلهم بدفع الدروع وكان الحارث قد ادعى أن امرؤ القيس ابن عمه ومن عشيرته وهو أحق بميراثه فلما
стр. 1983
أصبح أشرف على الحارث وقال ليس إلى دفع الدروع من سبيل فاصنع ما أنت صانع فقتل الحارث الابن الشاب والأب مشرف ينظر إليه ثم انصرف بالخيبة فوافى السموأل بالدروع الموسم ودفعها إلى ورثة امرئ القيس وقد امتدحه الأعشى وذكر قصة ذبح ولده وهو ينظر إليه في القصيدة الرائية التي تقدم بعضها قال السموأل بن عاديا يفتخر بقومه وما لديهم من الفخر والحماسة:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيّرنا إنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيره ... منيع يرد الطرف وهو كليل
رسى أصله تحت الثرى وسمى به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل
هو الأبلق الفرد الذي شاع ذكره ... يعز على من رامه ويطول
إذا سيد منا خلى قام سيد ... قؤل لما قال الكرام فعول
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
وفي هذا الموضوع قال الشاعر الأعشى مشيرًا إلى سليمان بن داود:
أرى عاديًا لم يدفع الموت ماله ... وفرد بتيماء اليهودي أبلق
أقام ذراه بن داود حقبة ... له أزج سام وطي موثق
براري كبيدات السماء ودونه ... بلاط ودارات وكلس وفندق
له درمك في رأسه ومشارف ... ومسك وريحان وراح تصفق
وحور كأمثال الدمى ومناصف ... وقدر وطباخ وصاع وديسق
فذاك ولم يعجز من الموت ربه ... ولكن أتاه الموت لا يتأبق
стр. 1984
وحديثي عن تيماء وتاريخها القديم طويل لا تتسع له هذه الأوراق، ولما أن سرنا من تيماء إلى جهة الشمال كان الخط مسفلتًا كما بينها وبين المدينة المنورة لأن الحكومة أيدها الله رأت أن يمر بها الطريق لتستفيد حياة ونشاطًا وكان مسيرنا بعد مغادرتها في أرض واسعة الأرجاء فيها حزوم وأودية صغار إذا قد تبرَّت القليبة وبينها وبين تيماء ١٢٨ كيلومترًا كان أميرها سابقًا هو عبد العزيز بن عبد الله بن وائل التويجري من أهالي بلدة الطرفية في القصيم، وكان فيه رجولة وآداب وذو همة عالية وكرم لذلك كان أمير تبوك يختصه ونقله إليه ليقوم بمهام الأمور هناك وكان من أسرة كريمة فأخوه محمد بن عبد الله بن وائل من رجالات القصيم وفيه شهامة وله عقل راجح وميل إلى الدين والعقيدة، ومن إخوانه عبد الرحمن بن عبد الله بن وائل إمام قرية الطرفية ومن رجال الفضل والدِّين، أما عن إمارة القليبة فوكالة يقوم بها الوكيل وإمام القرية عبد الله بن محمد بن عريض بالعين المهملة المضمومة من أهالي مدينة بريدة وفيه أخلاق وكرم دعانا في رجوعنا إلى ضيافته فوجدنا لديه كفاءة ومقدرة إضافة إلى ذلك دين وعبادة مع ما كان يتعاطاه من الأعمال المنوطة به، والقليبة تحتوي على مركز للشرطة ومحطة تلغراف لاسلكي وعلى مستوصف ومدرسة ابتدائية وفي الجبال الغربية منها يوجد آثار كتابات بالعبرانية ويسقيها على العموم بئر ارتوازية انفجرت من قعر ٢٠٠٠ قدم وأدخلت دورة المياه في البيوت وحوالي القليبة مركز فجر يقع إلى الجهة الشرقية بمسافة ٧٠ كيلو وإلى جهة الغرب مركز الأخضر بمسافة ٩٠ كيلو، وفي هذه الجهة الغربية الجنوبية مركز المعظم بمسافة ١٠٠ كيلو وعشرة كيلوات وإلى جهتها الشرقية الشمالية مركز الجبعاوية بمسافة ١٢٠ كيلو وكل مركز فإنه قد ملئ بجنود ودوريات لإحلال الأمن وراحة المواطنين وكلها يسودها الأمن والطمأنينة وذلك بفضل عناية أمير العاصمة تبوك سليمان بن تركي السديري بعد عناية الله ولما أن سرنا منها مسافة ١٣٥ كيلومترا في تلك الفيافي إذ بانت لنا أعلام مدينة تبوك التي تبعد عن القليبة بـ ١٣٦ كيلومترًا قدمنا إليها والساعة تشير إلى الساعة الرابعة عربي من
стр. 1985
ضحى اليوم الثالث من شهر رجب المحرم عام (١٣٩٢ هـ) وفي هذه المناسبة جادت القريحة بهذه القصيدة تبين شيئًا عن تلك الرحلة:
ففي صبح يوم السبت عجنا بموضع ... به خاتم الرسل الكرام الأطاهر
محمد المبعوث للناس رحمة ... عليه صلاة من عظيم وغافر
وأزكى سلام إذ يحف مباركًا ... يعم ضريحًا حله خير طاهر
نزلنا به وقت الضحى في مسيرنا ... فأكرم بدار حلها ذو المفاخر
بثالث أيام لشهر محرم ... أصم له فضل أتى في المخابر
تزيد على تسعين مثنى لهجرة ... ثلاث مئين بعد ألف لساطر
فاصغ لما أبدي كفيت نوائبًا ... وقاك إله الخلق من كل ضائر
ومن بعد ذا سرنا إلى نحو وجهة ... نريد تبوكًا نبتغي للمآثر
وفي خيبر عجنا لرؤية موقع ... سمعنا به يروى قديمًا لآخر
ففيها جرى من سيد الخلق وقعة ... رواها رجال من ثقات أقادر
يقولون سارت أمة الحق جهرة ... لفتح حصون شادها كل كافر
وفيها عتاة من خلائق ربنا ... دهتهم جنود خصمهم غير ضائر
أولئك أصحاب النبي وحزبه ... فأكرم بهم قومًا حظوا بالمفاخر
فسبحان ربي من عظيم مهيمن ... أعاد وأبدى قاهرًا كل قاهر
وفي بعض ضرب الأرض للناس عبرة ... ليطلعنا ربي على فعل غابر
وآثار أقوام تولوا وأعرضوا ... فعاقبهم ربي بسطوة قاهر
أولئك عاد مع ثمود ومن مضوا ... وأمة لوط إذ سعوا في المناكر
كذا مدين إذ أمطروا وابل الردى ... فصب عليهم جاحمًا ذا سعائر
فأما ثمود قد مررنا بدارهم ... فقد عمهم ربي بصيحة قاهر
وكم من أناس قد أبيدوا بظلمهم ... فأمسوا وقد باءوا بإحدى الفواقر
عياذًا بربي من أليم عقابه ... وصولة عز من عظيم المقادر
وكنت أنادي صحبنا أن تمهلوا ... لكي نر من أطلال تلك المآثر
стр. 1986
ومن بعد ذا سرنا على الدرب غدوة ... على مركب هايلكس في صبح باكر
مررنا بتيما إذ سمعنا بذكرها ... قديمًا وقد كانت بلاد مآثر
وفيها لعمري من مرائي سموئل ... وبئر عظيم شادها فعل قادر
وجدنا كريمًا من شباب مثقف ... يسير أمام الركب ليس بغادر
فقلنا له رفقًا فمثلك محسن ... تفضل علينا يا كريم العناصر
أولئك قوم قد أتوا لمهمة ... ورؤية أوطان ورصد مآثر
نريد لهداج إذا قد دللتنا ... ومن أين مأتاها يا كريم العشائر
فأبدى سرورًا باللقاء تفضلًا ... يقول هلموا مبديًا للبشائر
فقلنا له يا قوم نحن أعزة ... شمائلنا بذل الندى في المحاضر
نحب ذوي الإيمان طبعًا وفطرة ... ونهجر من لا يرعوي عن مناكر
فسار إمام القوم يشرح درسها ... وينبأ بأخبار تفيد لسابر
يقول انظروا فعل القرون التي مضت ... وما قد أشادوا من حصون الدساكر
وقفنا بها وقتًا نقلب طرفنا ... مضخاتها قد أبدلت عن أباعر
وفيها رسوم من جسور تبقيت ... وفيها عديد من بقايا القناطر
وقصر عظيم قد أشيد مشرف ... وكم قد رأينا من رسوم دوائر
ألا أيها الصحب الكرام ألا اصبروا ... نشاهد آثارًا لنأتي بالمصادر
ونرجع من أخبارها نرتوي لها ... فليس سماع كالوقوف بناظر
وسرنا نشق البيد نحو مرامنا ... نؤم ديارًا صاعبات القناطر
نسير وما زلنا نتابع سيرنا ... إلى أن قدمنا موطنًا ذا مفاخر
فقام أمير القوم يبدي كرامة ... وهيا من مطلوبنا كل حاضر
سليمان من يدعى السديري مقدم ... هو ابن لتركي ماهر وابن ماهر
فقد قام في بذل الجهود بسيرنا ... وتسهيل مطلوب وخدمة سائر
رجالًا وأموالًا تحف بقوة ... لنا أمننا بين الربى والقناطر
فأكرم به شهمًا وأنعم به أخًا ... أديب أريب ما له من مناظر
стр. 1987
لقد بذل المجهود في سد ثغره ... وأَمَّن أوطاننا بحكمة قادر
فهذا قليل من كثير تركته ... وحسبي لقد جئنا بعشر العشائر
ولما أن قدمنا العاصمة تبوك طفقنا نسأل عن بيت رئيس المحاكم هناك الشيخ صالح بن محمد بن عبد الله التويجري أن الشيخ صالح كان من زملائنا في الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم وفي الدراسة على الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، وما أن علم بقدومنا حتى جاء يحيينا لأنه كان في إجازة تلك الأيام وأعد لنا مائدة دعا إليها الأعيان وعلى رأسهم سعادة الأمير سليمان بن تركي السديري ووجدنا لديه ضيوفًا من قرابته وكان الأمير سليمان شابًّا نشيطًا يستقبل الأعمال الشاقة ويحلها بسعة صدر ورحابة جأش لا يتأثر لشيء من الأعمال وما يرد إليه من مهام الأمور ودعانا إلى مأدبة العشاء في قصره وأطلعنا على أشياء من الأواني القديمة التي يدخرها الرجل العربي ويحافظ على تقاليد أمته فكان لديه متحف يضم عمودًا من الحجر الأخضر الذي تدق به القهوة والبهارات في مهراس من الحجارة المهندسة وبكرة من آلات السانية ودلو كبير وهو الغرب ولما أن علم بأنا سنلقي موعظة تناول الهاتف ودعى إلى المسجد رؤساء الدوائر من بينهم مدير الأمن في المنطقة (الزعيم توفيق خالد علندا) وكانت مائدة الأمير حافلة تدل على كرمه وبعد مضي ثلاث ساعات من الليل ذهبنا إلى بستان الشيخ صالح فاستقبلنا الحارس وكان يمنيًّا يعمل في البستان ويحمل سراجًا لتقلبه بين الأشجار في ظلمة الليل فوضعه أمامنا وجعل أصحابنا يناولونه فناجين القهوة وأكواب الشاي ويتحدث معنا وأهدينا له بعض الإرشادات والبيان عن التبغ والقات ومفاسدها وقد أنسنا منه قبولًا ويعتذر عما كان عليه بعض اليمنيين من الجهل لعدم وجود تعليم لديهم. أما عن القات فإنه لا يزال يمتدحه ويقول إنه يقوي العروق وينعش النفس وغير ذلك من مقتضيات ما يوحي إليه عقله وهواه، وكنت أعجب من إخلاصه في سقي البستان طوال الليل وقد يرسل صوته في الفضاء على ألحان اليمانيين ولغتهم ولو قلت أنه ما نام ساعة من الليل لكنت صادقًا وكان في معيته اثنان من العمال لكنه
стр. 1988
عجيب في شأنه ولغته وحديثه وسهره على عمله وبعد ما أصبحنا قام في معيتنا عبد العزيز التويجري أميرًا القليبه سابقًا ليطلعنا على الآثار في مدينة تبوك، فمن الآثار هناك قلعة السكر وكانت بنايتها ترجع إلى سنة (١٠٦٤ هـ) جددها وعمرها السلطان محمد خان العثماني وقد وضعت حماية على السكر يسكنها إذ ذاك الجنود التركية الموجودون في تبوك وتقع الآن في وسط البلد وعين السِّكر تقع في غربيها وكان عرض حائطها متر ونصف متر إلا قدرًا من عشر سانتم مدارًا عليها مربعًا وفي هذه العين يذكرون أنه ﷺ وضع أصابعه فيها فكان الماء يفور من بين أصابعه وذكر العلماء عن هذا الفوران أنه لم يخرج من نفس أصابعه وإنما كان يخرج من بينها. ومن الآثار القديمة فيها المسجد الأثري ويعرف لدى العامة بمسجد أبي خيشة ولا أعرف معنى هذه التسمية، وكانت بنايته محكمة من مباني تركيا وقد أقيم على قواعد حجرية يذكر أنه صَلّى فيها رسول الله ﷺ ويقع هذا المسجد حوالي العين وللمسجد عريش قد وضع عليه كتابة تركية في أربعة أسطر معها تاريخها سنة (١٣٢٥ هـ).
محتويات تبوك
إن مدينة تبوك قد حظيت في الزمن الحديث ونالت درجة عالية في التقدم البنائي والزراعي والتجاري ما أصبحت بها تفاخر البلدان الكبرى في السعودية وكانت بذاك ذات أهمية فكان بها مركز هام للدفاع وهو المدينة العسكرية ويقدر طولها باثني عشر كيلومترًا وعرضها بعشر كيلومترات فيها قسم المخارط ٣ عادية، (١) مخرطة كرنك، (١) أس ندل مقشطة مطاحة وقسم الكهرباء خاص ومخرط تجليخ رأس البسر تدل قسم النجارة قسم الخردات، قسم السمكرة، قسم المراتب، قسم الأسلحة، وفيها عمال مخلصون فنيون منهم عبد الرحيم بديوي والملازم عبد الله السالم الشهري وأحمد حنفاوي حجازي وتحتوي على رجال المظلات والأسلحة والصواريخ والمدافع وكنا نتجول في تلك الفلل فيها ونرى ما يسرنا من النشاط أو ما أعد في المدينة من قوة باهرة وقد أعدت الفلل لرجال الأمن منها الكبار والصغار
стр. 1989
فيها الثلاجات والبرادات والغسالات وما تحتاجه كل فلة من التطريز والخدمة وممن وجدناه من العمال في المدينة محجوب حسن سوداني عليه ثياب العمل فيها آثار الزيوت وأوساخ الحديد وقد تلقانا بصدر رحب وجعل يشرح لنا أعماله التي يقوم بها ويقول إنها تربطنا بكم أواصر الأخوة الإسلامية، وفي تبوك إدارة الجمارك والمالية ورئاسة المحاكم ومكتب العمل والعمال والشئون الاجتماعية والزكاة والدخل والصحافة والنشر والمباحث والاستخبارات والبرق والبريد وفيها التعليم بأنواعه من مدارس ابتدائية ومتوسطة وثانوية والمعهد العلمي ومعهد إعداد المعلمين ومدارس البنات ابتدائية ومتوسطات للبنات ومعهد للبنات وتحتوي مدينة تبوك على مستشفيات وفرع أوقاف وفرع للزراعة والهلال الأحمر والجوازات ومصلحة الأشغال العامة وفرع لوزارة الأعمال والإشراف على قلم المطبوعات ورئاسة لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زرنا هذه الرئاسة وجلسنا مع الرئيس وأناس من الأعضاء وكانوا يستقبلوننا بصدور رحبة وممن زرنا من الأعيان الشيخ محمد الغُريّض بضم العين المعجمة وتشديد الياء وإخوانه وكانوا من قبيلة الحميدات وجدناه في معرضهم الكائن بتبوك وكان من أكبر المعارض هناك ويحتوي على مواد البناء بأنواعها على وجه العموم وفيه ثلاثة مكاتب ويرأسه أحمد الغُريّض فقد كان يعتبر من رجال الوطن هناك لما قام به من أدب ورجولة وكان يستقبل الزوار بصدر رحب، وفي ذلك المعرض شيخ بلدة تبوك عناد بن غريض كان من الأشخاص البارزين، ومن أعظم رجال الوطن ومررنا بسوق الخضار فوجدناه مملوء بالخضراوات والفواكه الشهية وكانت أسواق تبوك غاصة بجميع البضائع ولا سيما سوق البيع والشراء والأخذ والإعطاء هذا ونحن ممتطين سيارة الأمير عبد العزيز بن عبد الله التويجري يقودها بنفسه.
رحلتنا إلى الحجر
أما ما كان عن ديار ثمود فقد طلبنا من الأمير سليمان أن يسهل لنا الطريق بالمسير إليها ورؤيتها فقام بإعداد سيارة ورجال لخدمتنا وما تدعو الحاجة إليه إذ
стр. 1990
كان الطريق إلى مدائن صالح والعُلى والوجه وضبا ومدين يتطلب عناية لما في تلك الجهات والمفاوز وسلوكها من المشقة وقد يوجد فيها وحوش من النمور والذئاب وغيرها من الحيوانات المفترسة وأصحبنا باثنين من الخويا وهما خالد بن عماش بن سليمان الفقير العنزي وهو رئيس أحد المراكز هناك والآخر هو محمد بن ناصر نصر الله الحويطي رجل آتاه الله بسطة في الجسم والمعرفة فقام الرجلان بسلاحهما يحملان البنادق والمسدسات مزودين بالحزم ولا ننساها لصاحبنا محمد ناصر فقد كان جعفنًا بالحديد للحراسة والخدمة وما تدعو الضرورة إليه، أما خالد فهو الوكيل المقدم في تلك الرحلة وكنا قد قمنا بدراسة الموضوع قبل المسير وكان خالد يعد من أفذاذ الرجال في الصيد وكان خِرِّيتًا ماهرًا في الدلالة يحمل أم خمس القصيرة ومسدسين، أما ما كان عن السائق فهو المدعو سعد خالد الزيادي من أهالي الطائف ويمتاز بحسن القيادة ولا يتجاوز التسعين في سيره، وكان قد قام بمهمته في شأن السيارة التي أتحفنا بها أمير تبوك تويوتا ٧٢ مزودة بالماء الكافي والوقود والمحروقات وما تحمله على ظهرها من الأطعمة والأشربة وزاد السفر شكر الله للأمير ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ولما أن سرنا من تبوك سلكنا طريق الإسفلت حتى أخذنا عنه إلى الحجر مع خط غير معبد إذ ذاك والجأنا البيت إلى أرض فلاة والساعة تشير إلى السادسة والنصف بعد منتصف الليل حيث سمعنا نباح كلب فاستأنس الرفقة بصوته بحيث كنا على مسافة كيلو ونصف وبعد شروق الشمس قام الرفقة لإعداد طعام الإفطار ومواصلة السير بين تلك الجبال في أرض رملية كأن تلك الجبال قد هندست بممر الزمان يميل لونها إلى الصفرة نمر بالجهراء ثم عروة ثم بواء وكانت السيارة تسير في طرق ضيقة لا يكاد يهتدي بها إلا الدليل الماهر ويقول خالد هذه قيعان الصنيع وهذا السريط وهذه المزيلقات حتى وصلنا إلى طرق بين جبلين يسمى المضيق يزعمون أن ممر ناقة صالح معه ويقدر عرضه بتسعين مترًا وحافتاه يمنة ويسرة قد تملستا من جنبي الناقة التي تملؤه إذا مرت وما أشبه ذلك بخرافة يذكرون أن ذلك الطريق هو الذي عقرت فيه الناقة ﴿إِذِ انْبَعَثَ
стр. 1991
أَشْقَاهَا (١٢)﴾ وقصة الناقة وعقرها مذكورة في كتب التفاسير والتواريخ مما لا تتسع له هذه العجالة. وقد أفردنا هذه الرحلة بكتابة مطولة ووضعنا رسومًا لبيوت أمة نبي الله صالح ﵊ في تلك الجبال والدموس بحيث كانوا ينحتون الصخر ويجعلونها بيوتًا حاذقين ومتجبرين، وكانت تلك البيوت آية تدل على قوة القوم وما مكن الله لهم بحيث ينحتون الصخر وينقشون الحجارة وهنا تصاوير منقوشة لم تتغير على مر الدهور والأزمان، أما ما كان من بيوت المدر ففي بطن ذلك الوادي قد سقطت أكوامًا على مر السنين وعلى أثر أمطار غزيرة هطلت في هذه السنة المذكورة في فصل الشتاء اجترفت بعض الآثار فخرجت أواني من الفخار على ظهر الأرض يشاهد منها آثار البوم والرحى، أما عن آبار ثمود فلا تزال موجودة منحوتة كبيوتهم استخدمها العصريون بعدما اندفنت وجعلها أربابها الحاضرون لسقي نخيلهم ودوابهم وأشجارهم، وكل واحد من المزارعين يزعم أن بئره هي بئر الناقة التي أقر الرسول ﵊ أصحابه في الاستقاء منها، ونهاهم عن أن يشربوا من سائر بلاد الحجر ولا يتوضئوا منها للصلاة وما كان من عجين عجنوه فيعلفوه الإبل وكان ﷺ لما مر بمدائن صالح قال لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم مثل ما أصابهم، وفي رواية أنه قال فإن لم تبكوا فتباكوا وقد حامت أفكار العلماء ودارت الآراء حوالي هذه المشكلة ولا سيما في هذه الأزمان التي سكنها أناس وأزالوا الأتربة عن الآبار وغرسوا النخيل والأعناب وسائر الأشجار وكانت الأرض قابلة للزراعة ولكن هنا معوق وهو ما ذكرناه والحديث رواه البخاري ومسلم وقد تكلم ابن حجر والنووي شارحا الصحيحين وأجادا وأفادا كل منهما على مقدرته وكان من العلماء من يشدد في الموضوع وآخرون تسامحوا في هذا الشأن وقد كونت الحكومة الإسلامية الشرعية السعودية لجنة من العلماء للنظر في ذلك والبتّ فيه وذكر لي فضيلة الشيخ رئيس المحاكم هناك صالح التويجري أنه أحد أعضاء اللجنة ولا أدري على أي وضع انتهت المشكلة بجواب قطعي، وقد
стр. 1992
لاحظت بعيني رأسي أن ساكني تلك المنطقة أشباحهم ليست جميلة المنظر والجبال موحشة جدًّا ولا سيما بالليل فقد شاهدت البعوض تلسع بشدة كأنما وكلت بالليل بالأذى، أما عن بعض الرفقة الذين خرجوا من البيت وناموا في الفضا فقد شاهدوا وحشة شديدة. وقال القسطلاني في شرحه للحديث من صحيح البخاري عن هذا الحديث وفي الحديث كراهة الاستقاء من آبار ثمود، وهل هي للتحريم أو للتنزيه وعلى الأول هل يمنع صحته التطهير بذلك الماء والظاهر أنه لا يمنع وذكر أنه رواه النسائي في التفسير وقد أشبع الكلام وأسهب في الموضوع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره فذكر عن طائفة من العلماء أنها لا تجوز الصلاة ولا تصح الطهارة بمائها واستدلوا بحديث علي المرفوع أن حبيبه ﷺ نهاه عن الصلاة في خسف بابل لأنها أرض ملعونة قالوا والنهي يقتضي الفساد واحتجوا لعدم الطهارة بمائها بأن النبي ﷺ منع من استعماله في الأكل والشرب وهما ليسا بقربه، فدل ذلك على منع الطهارة به من باب أولى ثم رجح الشنقيطي أن من مر عليهما ينبغي له أن يسرع في سيره حتى يخرج منها كفعله ﷺ وفعل صهره وابن عمه وأبي سبطيه ﵃ جميعًا وأنه لا يدخل إلا باكيًا للحديث الصحيح، فلو نزل فيها وصلى فالظاهر صحة صلاته إذ لم يقم دليل صحيح بدلالة واضحة على بطلانها إلى آخر كلامه. فإذا كان ينبغي لمن مر بها أن يسرع وأن يكون باكيًا فما حكم ساكنيها والمتقلبين في حراثتها والبناء فيها ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رفع الله مقدمه في دار الآخرة في مسائل أحد أبواب التوحيد الثانية أن المعصية قد تؤثر في الأرض وكذلك الطاعة وقد ألف الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود رئيس المحاكم الشرعية القطرية كتابًا في هذا الموضوع أسماه ... (١).
وبما أن السكان هناك قد تحرجوا لهذا الخلاف فقد طلبوا من الحكومة ألبت في الموضوع فإما أن يتركوا بأملاكهم التي توارثوها أبًا عن جد ولا مانع من بقائهم
стр. 1993
فيها، وأما إن كانت ممنوعة شرعًا فإنهم يبعثون رجاءهم بأن تقوم خسائرهم التي بذلوها ويرحلون عنها، وكنت وأنا واقف في تلك الجهات أنكر في الموضوع بعدما أبدى السكان لي هذه المسألة فرأيت سائلًا الله التسديد والتوفيق أنها لا تجوز سكنى المنازل والبيوت المنحوتة في الجبال والدموس، فأما هجر سائر الفضاء وعدم السكون فيه فلا يلزم الأمة الرحيل عنها والتباعد منها ولو أن كل موضع نزل فيه عذاب وجب هجرته لهجرت مكة وضواحيها لنزول حجارة من سجيل على أهل الفيل فيها ولتركت مدين بعدما كانت جنات وعيونًا لسحاب الظل الذي أمطرت به مدين لما كذبوا شعيبًا وكذلك مصر ومنازل قوم نوح وغيرهم قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وقال جل ذكره: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ ونحمل كلام الرسول ﵊ لأصحابه في نزول الحجر وما حدثهم به من التهديدات والتخريفات تحذيرًا لهم من تكذيبه ورد دعوته وليتفكروا ويتذكروا عاقبة المكذبين أن في تلك البيوت المنحوتة في الجبال لآثار كالزباء أو القبور فيها بقية من المنسوجات القديمة وبقية عظام دميمة الله أعلم بحالتها، ولكن لبرودة تلك البيوت ورفرفة الرياح فيها ما يدل على أنها قد تكون قبورًا وكان هناك في الحجر محطة لقطار تركيا الذي يمر بها إلى المدينة المنورة، وقد تعطل سيرها وكانت في غاية عجيبة في قوة البناء قد أقيمت من حجر مسنمة السطح ممتدة في سكة القطار التي تمتد شمالًا وجنوبًا وإلى يمنة المحطة مواضع حجر متماسكة تحتوي على ماكنات وأفران حديد عظيمة الشكل قوية الوضع كذلك عن يسرة هذه المحطة نوافذ، وهي تدل على قوة بناء الأتراك بحيث لم تتأثر على طول ممر السنين وقد أشرنا إلى هذه السكة في أوائل الجزء الثاني من هذا التاريخ، وقد تعطل سيرها لما انفصلت الحجاز عن الشام وقام الأعراب يقتلعون تلك الصفائح من السكة ويجعلونها سقفًا لبيوتهم هناك ولأبوابهم، أما عن الكاتبة وهي الصخرة التي خرجت منها الناقة بإذن الله فهي صخرة جبلية شاهقة في السماء ملساء عظيمة لا
стр. 1994
يستطيع الصعود إليها بقدر ارتفاعها بمائة وخمسين مترًا يزيد حجمها عن مسافة كيلوين وهي التي صعد إليها سقت ناقة صالح لما قال نبي الله أدركوا سقبها فإن حصلتم عليه نجوتم لكنه دعا ثلاث مرات يقول يا رب أين أمي ثم غاب ولم يستطيعوا الحصول عليه وكانت الكاتبة بأرض رملية ولما أن سرنا من الحجر إلى جهة الجنوب الغربي مررنا بموضع يدعى ثربة ومنه إلى شلاش ثم العذيب وفيه زراعة ونخيل وأشجار كما أننا جزنا إلى جبل يسمى معلق الحمادي قيل كان هناك صقور وكان أصحابه يدلون بحبل من أعلى الجبل ليصطادها من أوكارها وكان الحبل قد انتشب في موضع فلم يستطيعوا جذبه ولبث معلقًا بين السماء والأرض حتى هلك ومزقته الرياح والأمطار هذا ونحن نسير إلى العلا حيث مررنا بحجر منحوت أحمر اللون مستدير مهندس كأنه من نحاس مساحة حائطه اثنان وثلاثون سنتيمترًا كالإناء العظيم عمقه ثلاثة أمتار ودائرته عشرة أمتار وخمسة وسبعون سنتمترًا يزعمون أنه الإناء الذي تحلب فيه ناقة صالح ﵇ وكان وضعه عجيبًا ونحته غريبًا ولا تظن إذا رأيته إلا أنه من نحاس لكنه حجر منحوت وحوالي ذلك الإناء الغريب الوضع أكوام من الحجارة كأنها مدينة قد تداعت فكانت أكوامًا من الحجارة وقد جعلنا له رسمًا في تلك الرحلة، وبعدما تجاوزناه مررنا بمدينة العلى وهي عبارة عن نخيل بين جبلين يقدر طولها بمسافة خمسة عشر كيلو ويحف النخيل إلى جهة الغرب مساكن الأهالي يتخللها أسواق من جملتها سوق البيع والشراء ورأيت العمال ينسفون في الجبل الغربي بالديناميت لتوسعة الشارع. وبالجملة فسوق البيع والشراء ضعيف ومناخ العلى على العموم غير صحي، وما زلنا نواصل السير في أراضي وطرق غير معبدة قد غمرتها حجارة سوداء بين تلك الجبال التي لونها حديدي حتى ألجأنا المقيل إلى ظل سمرة هناك فألقينا رحالنا وقام الرفقة يصنعون ما يصلحهم حيث كان لديهم ذبيحة من المعز وشيء من الفاكهة وكنت غير مرتاح من أتعاب السفر ومشقته. وبعد الغداء والمقيل سرنا حتى جزنا وادي الجُزُل وكان مملوء بشجر الفضاء وكانت السيارة رغم قوتها تكاد توقف عن
стр. 1995
السير لكثرة الرمال وصعوبة ذلك الوادي لكننا لما سرنا بقدر من ثلاثين ميلًا وصلنا إلى أرض صخرية ويتخللها أودية كثيرة فلا تسمع إلا قعقعة الحجارة في ساعة ولى فيها النهار مدبرًا ومنذرًا بحر شديد وتشابهت الطرق وضل العارف الخريت الطريق فبينا كنا كذلك تبدى لنا بيت من شعر أسود فيه امرأة سألها بعض الرفقة فأشارت يمنة تقول هناك الطريق وقد كان جبل عويرض يصرفنا كيف شاء في منحنيات غير معبدة نسينا فيها سهل الأرض لحزونتها وقد غابت الشمس فنزلنا لأداء الصلاة جمعًا وقد قلّ الماء وخيف من المهالك لا من جهة وقود السيارة فقد كانت مؤمَّنة ولا من جهة قلة الماء فقد كنا في حالة يرثى لها إذ كنا نسير إلى غير جهة معينة وقد واصلنا السير إلى أن وصلنا إلى أرض ذات غابات كثيفة قد تكون مأوى للهوام حتى كانت الساعة تشير إلى الثلاثة غروبي فقام صاحبنا محمد ناصر يستنبح الكلاب إذا كان ثم كلاب بأن جعل يصفر ببندقيته فسمع نباح كلب على بعد فما فرح محمد ناصر بشيء فرحه بذلك بحيث اهتدينا إلى ذلك الصوت فاستقبلنا أعرابي يتبدى من بين تلك الجبال حواليه غنمه كان أسمر اللون من الرياح ولفح الهواجر شاخص البصر عليه أثواب وأطمار فسلمنا عليه وجعل يرحب بنا وقلنا مساك الله بالخير فأجاب حياكم الله تفضلوا انزلوا عندنا هذه الليلة فإن الأرض هذه أرض سباع ووحوش وفيها النمور والضباع والسمتاح فقلنا له تفضل معنا إلى طعام العشاء وأرنا الطريق فقال على رسلكم وإن الطريق قريب وجعل يصفه لنا وأنه يحف تلك الهضبة الحمراء ويمر من عند الهضبة السوداء، وجلس معنا على تكرمتنا فما فرحنا بشيء فرحنا بذلك الأعرابي الذي أنسنا به وأنس بنا وطلبنا منه أن يبيت عندنا وكانت تلك الجهة من مساكن بلي لأنها في ضفتي وادي الجُزْل وتمتد مساكن بلي في تلك السلسلة من الجبال ولما أن أكل وشرب اعتذر عن المبيت بأنه لا يقدر على أن يترك غنمه فريسة للسباع وجعل يذكر أشياء عن تلك الوحوش فقلنا له صف لنا بارك الله فيك السمتاح الذي تذكره فقال إنه حيوان على صفة الآدمي قد غاص رأسه بين كتفيه وهو مفترس وقد عجزت عنه الخيل والقوات
стр. 1996
وقد افترس رجلًا وامرأتين وبعدما فرغ من العشاء قام مودعًا يقول أستودعكم الله وكانت حالته يرثى لها فسبحان من ألقى عليه الصبر في مكابدة تلك الفلوات والأودية وقد بدت مرفقاه وأسفل ثوبه إذا عصفته الرياح كأذناب البقر وبما أن تلك الجهة موحشة فإنا لا ننساها لخالد ومحمد في حراستنا تلك الليلة العجيبة، ولما أن تبدت أشعة الفجر قمنا للأذان والصلاة وسرنا سالكين الطريق المسمى (بالنجد) حتى تبدى بعد شروق الشمس بساعة وثلاثين دقيقة مركز بدي كان رئيس ذلك المركز رجل يدعى طويلع بن محمد النويعم وما أن علم بنا حتى وقف في الطريق وطلب من جميع أهل المركز أن لا يسبقوه في ضيافتنا فجلسنا لديه وكان عنده كتب منها رياض الصالحين وشرح موطأ مالك بن أنس في كتب أخرى وقدم لنا قهوة البن والحليب والشاي وتمرًا جديدًا يابسًا وقد ألح بالجلوس لتناول طعام الغداء غير أننا لا ينقصنا شيء من نعم الله التي زودنا بها أمير تبوك وكان يغتنم الفرصة ليطول الجلوس عنده وتظهر عليه آثار الوفاء ومحبة أولياء الله، وكان المركز مقامًا من الخشب ومسقوفًا بالسينكو كغيره من ساكن (بدي) أي أنها صنادق وذكر لنا مشاحة الأهالي فيما بينهم من جهة الماء والمساكن وهذه كعادة البدو يزدحمون في موضع وإن وكان الفضاء واسعًا وكان الماء فيه عذبًا قراحًا ويوجد هناك شجر الدوم بكثرة وبعد تبادل الحديث ذكروا لنا عن النجد وموضع مبيتنا الذي بتنا فيه الليلة الماضية أنه مخوف جدًّا من الغيلان والأشباح المستكرهة والحقيقة أني لو قلت أنها منازل الجن والشياطين والسعالي والوحوش والسباع لكنت غير مبالغ. أما عن جو بدى فمتسع وفيه زراعة ضعيفة ويوجد فيه من الآثار القديمة جابيه من وضع زبيدة زوج هارون الرشيد التي كانت في طريق حجاج العراق إلى مكة المكرمة، وقد رسمت الأرض وفيها نزاع بينهم ذكروا لنا أن الهيئات دائمًا بعثها للمشكلات هناك ولو أنهم قاموا بعمارات تلك المتسعات والفيافي القفر وقاموا بحفر الآبار وأبقى القنوات لكان أحسن من تلك المشاحة، وأملنا عظيم في حكومتنا أن تفتح المجال وتبذل المساعدات ليتسع العمران هناك فقد كانت الصحاري قاحلة ومن أعجب ما
стр. 1997
رأيت انتشار الأمن وهيبتهم لأوامر الحكومة في تلك الجبال والمواضع وقام رئيس المركز يشيعنا لما رأى عزمنا على مواصلة السير وقدم لنا ذبيحة من المعز، غير أننا كنا متوجهين إلى جهة ناصر السديري في بلدة الوجه ولا تسمح الظروف بحمل تلك الهدية بحيث رددناها شاكرين وسرنا من طريق فيها أودية على رأس السر والدثنة وحويرب حتى وصلنا إلى الوجه فنقول عنه.
الوجه وموقعه والحديث عنه
الوجه بلاد على شاطئ البحر وطقسه طيب ومناخه جميل وهواه عليل فيه بلدية وإدارة جوازات وإدارة شرطة كان رئيس الشرطة فيه هو القائد حسن رضا مشهدي، ويحتوي على مدرسة ابتدائية يبلغ طلابها ٤٠٠ طالب تأسست عام (١٣٣٠ هـ) ومدرسة متوسطة تحتوي على ٦٠ تلميذًا ومدرسة للبنات ابتدائية تحتوي على ٣٠٠ طالبة أسست عام (١٣٨٢ هـ) ومدرسة متوسطة للبنات تحتوي على ٦٠ طالبة وفي مدينة الوجه عشرة مساجد منها اثنان تقام فيهما صلاة الجمعة وفيه من الآثار قلعة الزريب وبنايتها تركية وقشلة الدفاع وكان قدومنا إلى الوجه في تمام الساعة الرابعة نهارًا بالتوقيت الغروبي اتصلنا حال وصولنا بالأمير في تلك الجهة ناصر بن عبد الله السديري وكان كهلًا قد علاه المشيب غير أنه يتمتع بحركة ونشاط كشاب نشيط فقام بالترحيب والتعظيم كغيره من الأمراء وأجلسنا معه في المكتب حتى خلص الخدم من تهيئة دار الضيافة التي تقع على ساحل البحر وكانت بنايتها تركية مزودة بالأسرة والفرش والنمارق وكانت غرفها ممتازة لما فيها من تمام الراحة وتشرف النوافذ على البحر وفي الطابق الأسفل أناس من الخدم يقومون بالحشمة من كل أنواعها وكان الأمير ناصر السديري رجلًا طيبًا متواضعًا جاء بعد صلاة الظهر يقود سيارته بنفسه إلينا وذهب بنا إلى مائدة الغداء التي كانت فخمة دعى إليها رؤساء البلدة وكبراء الموظفين في قصره، وكان رجلًا اجتماعيًا يحادث ضيوفه ويمازحهم، وفي غرائب صفاته أنه لم يسمح لأحد أن يضيفنا رغم طلبهم
стр. 1998
لذلك بل أقام وليمة أخرى للعشاء كانت أكبر من الأولى دعا إليها الكبراء، ولقد قمنا بعد صلاة العصر برؤية مشروع التحلية في الوجه وكان المشروع يقوم على شاطئ البحر في بناية حجرية تحتوي على المكائن والمضخات والتكرير قد أسس عام (١٣٩٠ هـ) وفيه من العمال والمهندسين عشر، ويدعى كبيرهم محمد أفضل خان باكستاني أطلعنا على تلك المعدات ويقول أن السحب من البحر ثمانون فتصفي المكائن عشرة أي الثمن وترجع البقية وإن كان واحد من الخزانات يتسع لمائتي ألف وخمسة وستين ألف جالون (٢٦٥٠٠٠) فبذلك تحتوي على خمسمائة ألف جالون وثلاثين ألف جالون وجعل يروي لنا عمله وإخلاصه واستعداد المشروع لتأمين البلاد خمسة أيام لو تعطل العمل لا سمح الله، وكان يجيد اللغة العربية ويتكلم بأدب فسألته عن دينه فأجاب بأنه مسلم ويحمد الله على أن هداه للإسلام فهو يؤدي الصلاة في وقتها وسألته لو زادت الصرفية أكان يؤثر ذلك على المشروع فأجاب بأن غالب القصور الكبار فيها بساتين ولا ينقصنا ذلك من شيء، أما عن البيع والشراء فإن الأسواق هناك كافية للسكان، وقد وجدنا على مائدة سعادة الأمير الأطباء في ضمن المدعوين، وجرى بحث نحن نسألهم وهم يجاوبون وربما كانوا يستمعون إلى فوائد نلقيها من جهة الطب نرويها عن بقراط والحارث بن كلدة، وكان قد حضر لمائدة العشاء مشائخ القبائل ورؤساء الدوائر وكنا طلبنا من الأمير ناصر السماح لنا بالسفر غير أنه أبدى أسفه لسفرنا ليلًا وطلب منا البيتوتة في الوجه ويكون السفر صباحًا فبتنا بخير ليلة وسرنا بعد الإفطار في قصره العامر وعرض علينا كل ما نحتاجه غير أننا لم يقصرنا من شيء نحمد الله، وزودنا بكتاب فلبى أرض الأنبياء لنستعين به في مهمتنا فشكرناه وكان الكتاب مفيدًا في الموضوع غير أن الذي نقله إلى اللغة العربية وترجمه إليها قد لا يكون قديرًا لذلك نراه كثيرًا ما يسقط اللام القمرية وهنا تغييرات في بعض الكلمات، وكذلك أقول عن كتاب فلبي الثاني المسمى تاريخ نجد فإن فيه بعض أخطاء وفي كل حال من حلنا ورحيلنا فكنا موفقين.
стр. 1999
مسيرتنا إلى ضباء
لما أن غادرنا بلد الوجه شاكرين لأميره وموظفي الدولة هناك حثثنا السير متوجهين إلى ضبا التي كنا قديمًا نسمع بها وذكرنا أشياء عنها في أواخر الجزء الثالث من هذا التاريخ بمناسبة حركة حامد بن رفادة والقضاء عليها. فنقول: في أثناء مسيرنا مررنا بواد قد أجدبت أرجاؤه ويبست أشجاره وتحطمت من قلة الأمطار وتكفأت فكنا نسير فيه بقدر من ثلاث كيلوات ونحن لا نرى إلا هشيمًا أسود، لكننا لما جزناه مررنا بحرة فيها بيوت من الشعر ضعيفة ووجدنا من بين تلك البيوت أعرابيًّا يرعى غنمه قد جعل الحنجر في محزمه، لكنه لما رأى على بعد سيارة فيها السيفان والنخلة أدار خنجره إلى جهة دبره واستقبلنا متواضعًا فدعوناه وقدم ذبيحة معز إكرامًا لنا وتقديرًا لرجال الحكومة، لكننا رفضنا قبولها إلا بقيمة فاشتريناها مقدرين له أدبه وسرنا بقدر من ست كيلوات حيث أوقفونا على آثار آبار قد اندفن بعضها وهي أربعة يطلقون عليها اسم آبار عنتر بن شداد وفي الحجارة حولها آثار حفر في الصخر يزعمون أنها آثار فرسه في حوافرها ولكنها فيما يظهر خرافة ولا يمكن أن تبقى له هذه الكرامة، وكان بعض تلك الآبار فيها مياه وهو إليها جابية للماء تدرها ثلاثة عشر مترًا مربعة كل جهة بهذا القدر مطوية بالحجارة وإلى جانبها جابية أخرى بقدرها قد تهدم بعض حيطانها مساحة الحائط أربعة وعشرون سنتم وحوالي تلك الآبار أعراب يسقون أغنامهم ففرحوا بنا وهم خائفون لرؤية تلك الأبهة من أن نكون مصدقين أو عمال التزكية وجعلوا يعرّضون يضعف الحلال غير أنا أخبرناهم أننا غير مصدقين ثم تجاوزناها حتى ألجأنا المقيل إلى ظل شجرة فنزلنا بها لنستريح وبينا نصلح طعامنا جاء أحد الرفقة بشيخ هرم قد لفحته الشمس وتركه الزمان ممزق الثياب يحمل مزوده على ظهره ويمشي على قدميه قد عصب رأسه بغترة من الصوف الأبيض الزركش، وكان يسير فإذا ما تعب جلس يستريح على المزود حتى وصل إلينا فسلم وقلنا له وعليكم السلام
стр. 2000
ومرحبًا، ما هو الاسم الكريم فأجاب يقول عياد بن حمد الحر القرعاني ولي أنجال يعملون في وظائف الحكومة وأنا هنية أرعى الإبل والغنم وإني عارف بالتاريخ قد مر علي أيام الخديوي والأتراك والشريف ثم استلمها ابن سعود وكان عمره يقدر بالثمانين غير أنه يتمتع بنشاط وحيوية لأنه قليل اللحم مربوع القامة ويكنى أبو محمود فقلنا حياك الله أبا محمود وجعل يروي لنا أشياء من أخبار تركيا والحرب الجارية بينها وبين الشريف الحسين، وبينا هو يحدثنا أقبل صبي لا يتجاوز عمره السابعة معه ناقتان ومحتزم بحزام من الليف فربط الناقتين بشجرة وسلم علينا وكان شجاعًا ذكيًّا يتكلم بكلام الرجال بالرغم من صغر سنه فقال أبو محمود هذا ابني وكان أبو محمود يروي أخبارًا أدركها لكنه كعامي في قصصه وأخباره، وكان يتمتع برحابة صدر فشاركنا هو وابنه في طعامنا وكنت أعجب من وجوده في تلك الشعاب وقد سأله محمد بن ناصر بحيث كان بينهما معرفة هل لديه من يانس به فقال لدي أم محمود وأما البنت فقد تزوجت منذ سنتين وبعدما تناولا طعام الغداء انصرفا شاكرين يحملان بقية الطعام ولما أن أدينا الصلاة جمعًا قمنا نواصل سيرنا والساعة تشير إلى الثامنة ظهرًا فمررنا بقصر الأزنم وكانت قلعة من مباني تركيا قد تهدم بعضها وبقيت أطلال من بقايا الحجارة والجص وحواليها بئر ووجدنا أعرابيًّا ضخم الجثة قد ألقى كساء على شجرة وجلس في الظل كأنه على شاطئ النيل أو الفرات قد تخلل لحيته خيوط من الشيب وانك لتعجب لحالته في تلك الأودية والشعاب وكنا نتمشى في تلك القلعة التي غادرناها إلى وادي داما وما زلنا نواصل السير حتى وصلنا إلى ضبا في الساعة الحادية عشرة قبل الغروب بساعة تمامًا من يوم الجمعة ٩/ ٧ / ١٣٩٢ هـ وكان جبل شار الذي يبالغ بعض الرواة في ارتفاعه يتبدى لنا وكانت ضبا تابعة في القضاء والإمارة لتبوك وكان أميرها إذ ذاك محمد بن عبد الله بن سعدون من أهالي ضرما ويقوم بالوكالة عنه عبد الرحمن بن محمد بن عقيل الأصل فيه من أهالي القصيم وهو من اليد ضياء ومن أشهر رجال القبائل فيها الشيخ محمد بن إبراهيم أبو طقيقة وفريح بن عمرية وسلامة بن