← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

العائذي من روضة سدير إلى بلد شقراء لازمه المترجم وأخذ عنه وتزوج ابنته، وكان لا يفارقه إلا وقت النوم، فانتفع به وقرأ عليه في التفسير والحديث والفقه وأصوله وأصول الدين وفي النحو حتى ظهر مظهرًا حسنًا، وناهيك برجل شيخه أبي بطين علمًا وورعًا وذكاءً. ولما تولى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن قضاء عنيزة وارتحل إليها بأهله وأولاده، ذهب معه المترجم المذكور بأهله وأولاده، فنزل في عنيزة وأحبه أهلها وأكرموه واحترموه وقدروه تقديرًا لم يعهد مثله ذلك لما قام به من حسن الأخلاق ومعاني الشيم وتحببه الخاص والعام، وكان الشيخ محمد ذكيًا فاضلًا أديبًا مكرمًا لطلاب العلم وموقرًا للغرباء الطالبين، وأخذ عنه جماعة من الفضلاء. ومن أنجاله عبد العزيز وحفيد المترجم هو الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع مدير العارف السعودية سابقًا، وكان المترجم حسن الحظ كثير التصحيح والتحرير والضبط والتهميش، وغالب كتبه عليها رموزه وتقريراته وضبطه، وما زال على الاستقامة إلى أن توفاه الله في هذه السنة. وقد رثاه تلميذه الذكي الفاضل النجيب، والشاب الأديب صالح بن عبد الله بن بسام بهذه المرثية: أيا قلب دع تذكار سعدي فما يجدي ... وأيام أنس سالفات بذي الرند فليس بذي الدنيا مقام ترومه ... ولكنها كالحلم تمضي على العبد ولما شجاني أن قضى حتف أنفه ... محمد المحمود في العلم والزهد عنيت به الحبر الجليل ابن مانعٍ ... ومن هو في دنياه عاش على الحمد سقى الله قبرًا قد حواه ثرى له ... سحائب فضلٍ فاضح البرق والرعد لقد كان بحرًا للعلوم وعارفًا ... وفي علمه يهدي إلى منهج الرشد وقد كان في أمر العبادة يحتذي ... مسالك للأسلاف كانوا على قصد وقد كان لي شيخًا نصوحًا بعلمه ... محبًا لفعل الخير يهدي ويستهدي

стр. 247

ولازمته منذ سنين عديدة ... فلم أره إلا على سالف العهد فيا عين لا تبقي دموعًا ذخيرةً ... فما بعده أرجو شبيهًا له عندي ويا قلب لا تبقي قليلًا من الأسى ... على عالمٍ قد حل في غامق اللحد وأنشد ما يبري من الصدق والوفا ... مقالًا صحيحًا صادقًا فيه من جد ولست بناسٍ ما حييت لصاحبٍ ... صفوح عن الزلات خالٍ من الحقد سابكيه ما جاء الحديث بذكره ... بكاء محبٍ للحبيب على فقد جزاه إله العالمين برحمةٍ ... ينال بها المطلوب في جنة الخلد فجئت بنظم للوفاة مؤرخٍ ... مقيم بدار الحمد في منتهى القصد وفيها أمر سعود بن فيصل على أهل البلدان أن يتجهزوا للجهاد ويقدموا عليه في الرياض، فلما حضرو عنده توجه بهم إلى بلد القويعية ونزل هناك وأقام عدة أيام، ثم ارتحل عنها، وتوجه إلى الرياض وأذن لمن معه بالرجوع إلى أوطانهم، ولما رجع أهل النواحي منه كل يريد وطنه وقع في بلد أشيقر فتنة بين آل نشوان من المشارفة من الوهبة وبين الحصانا والخراشا من آل بسام بن منيف من الوهبة. وسبب ذلك أن أمير بلد أشيقر محمد بن إبراهيم بن نشوان لما أمر سعود بن فيصل بهذا الجهاد، جهز غزو أهل أشيقر وأمرَّ عليهم بن عمه محمد بن علي بن نشوان، ثم سافر الأمير إلى بلد بريدة ليقضي بعض حاجاته، ولما قدم الغزاة على سعود بلغ الخراشاء والحصانا أن محمد بن علي بن نشوان قد تكلم في حقهم لدى سعود، فلما رجع بالغزو خرج إليه عبد الرحمن بن إبراهيم الخراشي وأخوه عبد الله وعلي بن عثمان الحصيني وابن أخيه عبد العزيز بن إبراهيم الحصيني، فأمسكوا محمد بن علي بن نشوان خارج البلد وضربوه ضربًا شديدًا، فرجع إلى بلد الفرعة وأقام عند أصهار له فيها. ولما بلغ الخبر عثمان بن عبد الله بن إبراهيم بن نشوان، وكان إذ ذاك في الجعريفة، سار إلى بلد الحريق وطلب منها النصرة لأن آل نشوان وأهل الحريق

стр. 248

كلهم عشيرة من المشارفة من الوهبة من تميم، فسار معه عدة رجال منهم يريدون أن يشفوا غليله، فدخلوا بلد أشيقر آخر الليل ورصدوا على باب عبد الرحمن لصلاة الفجر، ألقوا القبض عليه وضربوه ضربًا شديدًا، وأمسكوا علي بن عثمان وضربوه وجرحوه جراحًا شديدًا، فثار عليهم أهل البلد مع آل بسام وحصل بينهم وبين أهل الحريق قتال، فانهزم أهل الحريق إلى بلدهم وقتل منهم عثمان بن عبد الله بن مقحم. ذكر شيء من أذكار عبد الرحمن بن فيصل قد قدمنا فيما مضى والتاريخ يعيد نفسه إن عبد الرحمن هذا سار إلى بلد الأحساء وذلك بأنه لما مرج الملك بين آل سعود وكثر الهرج وأصبح كل ابن من أبناء فيصل لا يخضع للآخر ما خلا محمدًا، فإنه لا يزال مقيمًا على الولاء لأخيه عبد الله. ولما كان في شهر رمضان من هذه السنة، قدم عبد الرحمن بن فيصل من بغداد إلى الأحساء يصحبه فهد بن صنيتان، فلما قدم عبد الرحمن قام معه أهل الأحساء وأخذوا يبرمون الحيلة في تدمير العساكر التركية، فقاموا على العسكر الذين عند أبواب الهفوف فقتلوهم، ثم حصروا العساكر الذي في خزام القصر المعروف خارج البلد، ونصبوا عليه السلالم وأخذوه عنوةً وقتلوا جميع من فيه من العسكر، وتحصن أهل الكوت فيه هم ومن عندهم من عسكر الترك الذين في كوت إبراهيم، وفي كوت الحصار فحاصرهم عبد الرحمن بن فيصل ومن معه من أهل الأحساء والعجمان وآل مرة، واشتد الحصار عليهم وكاد أن يظفر ببغيته لولا نجدة جاء بها ابن سعدون من العراق فكسرت العجمان وشتتت شملهم، وذلك لأن العساكر أرسلوا إلى والي البصرة وباشا بغداد يطلبون النصرة، فأمر باشا بغداد على ناصر بن راشد بن ثامر بن سعدون رئيس المنتفق أن يسير إلى الأحساء، وعقد له على إمارة الأحساء والقطيف وجهز معه عساكر كثيرة من بغداد، واستنفر ناصر بن

стр. 249

راشد رعاياه من المنتفق وغيرهم من بادية العراق، فاجتمع عليه جنود عظيمة، فسار بهم إلى الأحساء، فلما قرب من بلد الهفوف خرج إليهم عبد الرحمن بن فيصل ومن معه من العجمان وآل مرة وأهل الأحساء، ووقع بين الفريقين قتال شديد، فانكسر لذلك أهل الأحساء وانهزموا إلى بلادهم وتتابعت الهزيمة على العجمان ومن معهم من العربان، وعاد عبد الرحمن بن فيصل إلى بلد الرياض معه فهد بن صنيتان، وهرب رؤساء الأحساء إلى البحرين. ثم دخل ناصر بن راشد بلدة الهفوف بمن معه من الجنود ونهبوها وأباحوها ثلاثة أيام، وخرج عسكر الترك الذين في الكوت، فصاروا مع تلك الجنود فعاثوا في البلد نهبًا وقتلًا وفسادًا، حتى قتلوا كل من ظفروا به من أهل السنة من ساكني الأحساء وممن كان فيه من أهل نجد، ولم يتعرضوا للرافضة، فقتل خلائق كثيرة ونهبت أموال عظيمة لا يحصيها إلا الله تعالى، وكان أكثر من باشر القتل عسكر الترك طلبًا لثأر من قتل منهم، وكان من أعيان الذين قتلوا في هذه الفتنة الشيخ عبد العزيز بن نعيم. أما الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الوهبي فإنه ضرب ضربًا شديدًا وأخرجوه من الكوت، وكان ساكنًا فيه قبل ذلك، وقتل محمد بن عبد الرحمن بن عامر وعمه أحمد ورشيد بن عبد العزيز الباهلي ومحمد بن حسين الباهلي، وجرى في هذه الأيام محن عظيمة وخطوب جسيمة تشيب لها النواصي، وتعجز عن حملها الجبال الرواسي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي آخر هذه السنة بل في شهر ذي القعدة خرج سعود بن فيصل من بلد الرياض غازيًا فلما وصل صوار الموضع المعروف في أسفل بلد البير من بلدان المحمل مرض فرجعوا به إلى الرياض فوافاه أخوه عبد الرحمن لما رجع من الأحساء مريضًا في قصره، فلبث سعود أيامًا قليلة وتوفي في ثامن عشر الحجة من هذه السنة فالله المستعان.

стр. 250

وهذه ترجمته رحمة الله عليه: هو العاهل المقدام والأسد الضرغام وسلالة الأمجاد والكرام سعود بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود آل مقرن، كان شجاعًا ومشهورًا بالجراءة والإقدام، قد ظهرت فيه علامات السيادة وهو قد التف في مهاده، وكان له كرم عظيم وبذل وعطايا كثيرة حتى اشتهر جوده واعتلى صيته، وقد ساعده التقدير، مع ماله من الهمة العلياء والأمر الخطير، والقدر السامي والشأن الكبير، فلما رآه والده أهلًا للرئاسة استعمله أميرًا في ناحية الخرج وكان مقرونًا به الظفر، وله سبق في الفضل، غير أنه قام ينازع أخاه الإمام عبد الله الملك، فحصل بسبب ذلك محن على أهل الإسلام وفتن كبيرة على الآنام، وهذا يعد من سيئاته والله يغفر له، فأنتج خلافه ومنازعته فتنًا مظلمة وحوادث مدلهمة، وكان أمر الله قدرًا مقدورا، ولولا ما يسره الله من قيام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وسعيه في تسكين بعض الحوادث الثائرة بحسب جهده وطاقته، مع أنه لا يستطيع وليس في إمكانه قطع مواد الشر من أصله لعدم سلطانه وقلة معاضديه وأعوانه، لكان الأمر أدهى مما وقع وأجسم مما حصل، ولكنه ما زال يدأب في قمع الفساد ويبث نصائحه في العباد حتى رمم بعض ما تفتق، وهذه الدنيا جعل الله صاحبها يعيش في كيد ويفشوا بين أهلها النكد والحسد، أضف إلى ذلك ما إذا كان للإنسان أعوان لا يساعدونه على فعل الخير مع ما بلى به العبد من الهوى والنفس والإمارة بالسوء، وتسويل الشيطان وغرور الدنيا، كما جرى ذلك في القرون السالفة والله ولي التوفيق. ولما توفى قام بالأمر من بعده أخوه الإمام عبد الرحمن بن فيصل وكان عبد الله بن فيصل إذ ذاك هو وأخوه محمد بن فيصل مع بادية عتيبة. ثم دخلت سنة ١٢٩٢ ه ـ ففيها أمر عبد الله بن فيصل على أخيه محمد بن فيصل أن يسير إلى شقراء، وكتب معه بكتاب إلى رؤساء أهلها، وكتب أخرى على رؤساء بلد الوشم يأمرهم

стр. 251

أن يجهزوا غزوهم معه، فسار محمد إليها ومعه عدة رجال من الخدم وعتيبة وأقام في شقراء مدة أيام، ثم سار منها يغزو واستجابوا له وأطاعوا من أهل الوشم، فتوجه إلى ثرمدا، وكان أخوه الإمام عبد الرحمن بن فيصل لما جاءه الخبر بوصوله إلى بلد شقراء قد خرج من الرياض ومعه جنود كثيرة من أهل الرياض والخرج والجنوب والعجمان ومعه الدويش ومن معه من مطير وسبيع، ومن ضمن اتباعه أولاد أخيه سعود بن فيصل، فزحف بهذه الجنود وتوجه إلى الوشم فالتقى بمحمد بن فيصل ومن معه في ثرمدا فحصرهم الإمام وحصل بينه وبين أهل ثرمدا ومحمد بن فيصل قتال شديد، قتل فيه من أهل ثرمدا ثمانية رجال ومن العجمان خمسة، ثم إنهم تصالحوا على أن محمد بن فيصل يخرج إليهم ويدفعون إليه ركائب أصحابه وسلاحهم، فلما خرج محمد قبضوا عليه وهرب من معه من الجنود، ثم إن الإمام عبد الرحمن وأبناء أخيه ومن معهم من الجنود حاصروا شقراء فأعياهم أمرها فارتحلوا عنها وفر الأمير محمد بن فيصل إلى الرياض فدخلها ومن معه، ثم أن عبد الله بن فيصل حاول الرجوع إلى الرياض لكنه هاب أخاه عبد الرحمن لما معه من كثرة الجنود. ولما سار الإمام عبد الرحمن بجنوده توجهوا إلى الدوادمي، ولما أن وصلوا إليه وإذا مصلط بن ربيعان ومحمد بن هندي بن حميد وهذال بن فهيد الشيباني ومن معهم من قبائل عتيبة قد أقبلوا يريدون النزول على بلد الدوادمي، فوقع بين الفريقين قتال شديد وكانت الغلبة لعتيبة، فرجع الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلى الرياض. ثم إنها وقعت الشحناء بين آل مقرن كل يرى أنه أولى بالولاية وله الأولية، فأصبح المسلمون يتوقعون كل يوم فتنة، وإنما قدموا عبد الرحمن بعد وفاة أخيه سعود خوفًا من عتاة الأعراب والغزاة الذين قدموا إلى الرياض، وقد حدثتهم أنفسهم بنهبها، فبايعوا الإمام عبد الرحمن لغيبة أخيه عبد الله، وتعذر مكاتبته، ومن ذكره إذ ذاك يخشى على نفسه وماله.

стр. 252

فرأى الشيخ عبد اللطيف بثاقب رأيه أن يحاوله على ترك الإمامة لأخيه عبد الله لكبر سنه ولما له من الأولوية في الإمامة، وجعل يكرر عليه ويشير فكان من تنازل عبد الرحمن عنها لأخيه ما سنذكره إن شاء الله تعالى في السنة التي بعدها. ذكر قتل مهنا الصالح أمير بريدة رحمه الله تعالى قد قدمنا أن مدينة بريدة كانت قبل ذلك ماء لآل هذال من شيوخ عنزة، فاشتراها منهم راشد العنقري التميمي من آل عليان، ثم عمرها وسكنها ومن معه من عشيرته، وكان آل أبي عليان من العناقر من بني سعد بن زيد مناة بن تميم خرجوا من بلد ثرمدا في الحروب التي وقعت بين العناقر في ثرمدا وفي بلد مرات لطلب الرئاسة، وسكنوا ضرية ورئيسهم راشد المذكور، وهو جد حمود بن عبد الله بن راشد الذي فتك في عشيرته آل أبي عليان، وقتل منهم ثمانية رجال في مسجد بريدة سنة ١١٥٥ هـ، ولحمود هذا ابن يسمى راشد، ولم تزل الرئاسة لهم في بريدة لأنهم الذين أسسوها وهم أصحاب الحق الشرعي فيها إلى أن غلبهم عليها مهنا الصالح وأجلى رؤساءهم منها إلى عنيزة، فجعلوا يدسون الدسائس لآل مهنا ويستنجدون بهذا وبذاك عليهم، فأفضى الأمر إلى قتل مهنا في هذه السنة. ولما كان مهنا قد استمال أعيان أهل بريدة وكثر أنصاره، أضف إلى ذلك أنه صاحب ثروة وغنى وقد أجلى عن البلد كل من يخافه ويخشى شره من آل أبي عليان، لم يستطيعوا قتله إلا غيلةً، فاتفق اثنا عشر رجلًا من آل عليان وساروا على خفية من عنيزة حتى دخلوا بلد بريدة آخر ليلة الجمعة ١٩ محرم، فدخلوا في بيت على طريقه إلى المسجد الجامع يريدون قتله إذا ذهب لصلاة الجمعة، فلما مر من عندهم قتلوه تحت منارة جامع بريدة، ثم ذهبوا مسرعين إلى قصر مهنا الجديد المعروف فيها، فدخلوه وتحصنوا فيه، فقام عشيرته مستفزعين أهالي بريدة ووفق أنه لم يكن في البلد سوى ابنه عبد الله، وذلك لأن محمدًا وصالحًا قد بعثهما بغزو لقتال أهل الرس لمنافرة كانت بينه وبين أهل الرس، وقد وصلا إلى الشقة، كما أن ابنه حسنًا إذ ذاك عند الرعاة، فقام عبد الله معه أهالي بريدة وشيعتهم وحصروا آل أبي

стр. 253

عليان في القصر، ثم كتبوا إلى محمد وصالح يأمرونهم بالقدوم في الحال، فقدموا وجنودهم وحصل بينهم وبين أهل القصر قتال، وكان آل أبي عليان قد أرسلوا إلى زامل وأهل عنيزة يريدون النصرة منهم فامتنعوا. ولما ثار الحرب بين الفريقين كان أول من باشر القتال علي بن محمد الصالح أبا الخيل ومعه رجل يدعى السولة، فجعل علي بن محمد يتهدد ويتوعد ويقول والله لنقتلكم قتلةً ما قتل بها أحد، فأجابه آل عليان وأنذروه أن ينجو بنفسه لئلا يلحقوه به، فلم ينته فضربوه برصاصة قضت عليه، وكان قد جاء ومن معه بأبواب تقيهم السهام ثم ضربوا حسن بن عودة آل أبي الخيل برصاصة فوقع ميتًا ثم قام أهل بريدة وآل مهنا فحفروا لغمًا من تحت الأرض إلى أن وصلوا المقصورة التي فيها آل أبي عليان فحشوه بارودًا وثوروه، فثار وسقطت المقصورة بمن فيها، فهلك بعضهم تحت الهدم وأمسكوا بقيتهم فقتلوهم، ولم ينج غير إبراهيم بن عبد الله بن غانم وزيد الحائك لأنه الذي ذهب إلى أهل عنيزة، وكان من أعيان المقتولين صالح بن عبد العزيز آل محمد، وابن أخيه عمر بن تركي بن عبد العزيز آل محمد، وابن أخيه الثاني إبراهيم بن علي بن عبد العزيز آل محمد، وعبد الله بن حسن آل عبد المحسن آل محمد. ثم تولى إمارة بريدة حسن بن مهنا لما وصل بعد الحادثة إليها. وهذه ترجمة مهنا: هو الأمير الخطير والبطل الشهير أبا الخيل مهنا الصالح الحسن آل أبي الخيل من عنزة أمير الإمام فيصل على بريدة. وكان رسول أهل القصيم إلى الإمام فيصل بن تركي لما خرجوا عن طاعته وطلبوا الصلح، فلما قدم رسولًا من أهل القصيم انتظم على يده الصلح، وما زال يتودد إلى الإمام حتى كتب معه أنهم يدفعون الزكاة ويركبون معه غزاة ويدخلون في السمع والطاعة والجماعة، فرجع مهنا إليهم بذلك وكان شجاعًا مقدامًا وتاجرًا كبيرًا من كبار التجار، ولما أراد الإمارة أشار عليه أحبابه وذوو

стр. 254

الرأي أن لا يتأمر لعلمهم أن سيحدث نزاع بينه وبين آل أبي عليان، بل يكون من زعماء البلد فإنه أرفع لشأنه وأحسن لمستقبله لأن الرأس مستهدف للآفات، فلم يصغ وصمم على مراده. فأما شجاعته فكانت الأمة تضرب الأمثال باتعابه للخيل إذا ركبها فإذا ما استهزلوا دابة قالوا هذه قد ركبها مهنا، وله معاملة في التجارة للفلاحين فكان يقول لوكيله لا تعامل من يكون أقوى منا، فقال له الوكيل مرة ومن أقوى من الأمير، فأجاب قائلًا أقوى منه الفقير إذا ادعى العسرة فإنه يجب أنظاره، وكان يعطي أهل الشرق عشرهم اثني عشر ويعطي أهل الغرب عشرهم أحد عشر فاشتكى إليه الشرقيون قائلين ما بالنا نغلب في المعاملة، فهل يساوي بيننا، فقال لا يستوي من إذا دخل المدينة فالشمس في وجهه وإذا خرج فكذلك في وجهه يشير إلى أن الفلاح يدخل من أول النهار ويخرج من آخره ويلاقي الغربيون معاناة الشمس عكس الشرقيين، فإنها إذا لوحت وجوههم تنقمع أبصارهم وتسود ألوانهم. ولما مات خلف من البنين أربعة مشهورين، وهؤلاء الأمير حسن ومحمد وصالح وعبد الله. وفيها قتل فهد بن صنيتان، وصنيتان لقب على عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن. وكان قتله يوم الجمعة في جامع الرياض، قتله محمد بن سعود بن فيصل رحمه الله تعالى، وكان لما أهوى عليه محمد بالسيف اتقاها بعمود من عمد المسجد فجعل يدور عليه حتى قتله، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. ولما قتل فهد هذا وخرج ابن جلوي من البلد، قام الشيخ عبد اللطيف مقدمًا على محاولة الإمام عبد الله في تركه الولاية لأخيه، وأشار عليه وكرر طلبه في ذلك وألح عليه فأجاب إلى ذلك حقنا لدماء المسلمين، هذا وأولاد أخيه سعود معه، فلما علموا بذلك انقلبوا على عبد الرحمن ووقع الصلح على أن عبد الرحمن بن فيصل قد

стр. 255

تنازل عنها لأخيه عبد الله ذلك لأنه الأكبر وأقدم في الولاية، وقد ندم على ما سلف منه من جر العساكر إلى نجد. ولما تنازل عبد الرحمن وحصلت بينه وبين أبناء أخيه سعود منافرةً، خرج من الرياض وقدم على أخيه عبد الله بن فيصل وهو إذ ذاك في بادية عتيبة، فلما قدم عليه أكرمه إكرامًا عظيمًا وقدره تقديرًا بالغًا، وأخذ عبد الله في جمع الجنود من البادية والحاضرة وجمع جموعًا ثم توجه بها إلى قتال أبناء أخيه في الرياض الثائرين، وكانوا قد انسحبوا من الرياض إلى الخرج وأقاموا فيها. ولما نزل الإمام عبد الله بساحة أهل الرياض أمر الشيخ عبد اللطيف على محمد بن فيصل أن يظهر إلى أخيه فيأتي بأمان لأهل البلد وسعى الشيخ في فتح الباب لعبد الله واجتهد، ثم إنه خرج الشيخ للسلام عليه وتلقيه. وإذا أهل الفرع وجهلة البوادي ومن معهم من المنافقين يستأذنوه في نهب النخيل والأموال، ووجد معه بعض التغير والعبوس فكلمه الشيخ فأظهر له الكرامة ولين الجانب، ومن عامل الله فما فقد شيئًا، ومن ضيع الله ما وجد شيئًا وزال عنه بعض ما يجده من الانقباض، وزعم أن الناس قالوا ونقلوا وبئس مطية الرجل زعموا، ثم أظهر التوبة والاستغفار والندم بين يدي الشيخ الإمام والجهبذ الهمام، وبايعه الشيخ على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتتابع الناس في البيعة. ثم دخل عبد الله بن فيصل بلد الرياض واستقر فيها، ثم قدم عليه رؤساء البلدان وبايعوه على السمع والطاعة، وكان جديرًا أن يقال صفى الجو لعبد الله بن فيصل فاصبح أخواه محمد وعبد الرحمن مطيعين له منقادين، وهلك سعود الذي كان لا يدعه يستريح، ولكن ماذا يصنع بأبناء سعود الذين ظلوا في الحياد عاصين متمردين يحرضون القبائل عليه، وهناك أيضًا غيوم أخرى أخذت تتلبد في الأفق الشمالي لها رعود وبروق. وفيها قام أمير بريدة حسن بن مهنا فقبض على عبد المحسن بن مدلج وابنيه

стр. 256

عبد الله ومدلج من آل أبي عليان وحبسهم، وكان قد نمي إليه بأنهم يكاتبون من بقي من عشيرتهم في عنيزة بعد توليه، يحسنون له السطوة على بريدة، فلما أودعهم السجن ولبثوا فيه هربوا منه ذات ليلة، فانتبه لفرارهم الأمير حسن وبعث في طلبهم برجال من المهنا فأدركوهم وألقوا القبض على عبد المحسن وابنه عبد الله فقتلا، وفاتهم مدلج بن عبد المحسن فلم يتمكنوا منه، بل فرّ إلى عنيزة. وفيه أيضًا قام عثمان بن عبد الله بن نشوان على عبد الرحمن بن إبراهيم الخراشي في بلدة أشيقر فرماه بمسدس فوقعت الرصاصة في رأس عبد الرحمن وسقط على الأرض فظن عثمان أنه قضى عليه، فذهب عنه، فأتى عشيرة المقتول إليه ووجدوا به رمقًا فحملوه إلى مكان وأخفوه إلى الليل، فبلغ الخبر عثمان المذكور، فأخذ يفتش عليه سائر يومه ذلك ليجهز عليه فلم يجده، ولما كان من الليل جاء إليه عشيرته البسام وكانوا قد اختفوا في النهار خوفًا على أنفسهم من آل نشوان، فحملوه إلى بلد شقراء وجارحوه وأخرجوا الرصاصة من رأسه فشفاه الله تعالى. ولما كان بعد ذلك بأيام، سطى آل بسام على آل نشوان في أشيقر وأخرجوهم منه إلى بلد الحريق بغير قتال، ثم قام آل نشوان في رجب من هذه السنة فسطوا في أشيقر ومعهم سبعون رجلًا من أهل الحريق كبيرهم الأمير محمد بن إبراهيم بن نشوان، فدخلوا في داره المعروفة في جانب البلد، فعندما حصرهم آل بسام في الدار حتى أشرفوا على الهلاك، فلما دخل الناس في صلاة المغرب هربوا إلى بلد الحريق بعد جهد شديد، وقتل منهم عثمان بن إبراهيم الطويل ومحمد بن عبد العزيز بن حسن بن نشوان، ثم بعد ذلك قامت الشرور بين آل نشوان المذكورين وبينهم وشمرت الحرب عن ساق. وفيها كتب آل مهنا إلى الإمام عبد الله يشكون آل أبي عليان، فلم يسمع شكايتهم بل انحاز إلى آل أبي عليان يريد مناصرتهم، فلما لم يسمع من آل مهنا شكاية ولم يروا منه مساعدة بل انحاز إلى نصرة عدوهم، قطعوا العلائق منه وذهبوا يستنجدون الأمير محمد بن رشيد، والتجئوا إليه فلباهم بن رشيد ليضعف جانب

стр. 257

آل سعود، فإذا حصل له ذلك فإن آل مهنا ليسوا بذوي أهمية، وما كان محمد بن عبد الله ليناصرهم لحظ أنفسهم إنما ذلك منه لأمر يريده، وكان ميل الإمام عبد الله بن فيصل إلى نصرة آل أبي عليان أضرم حقدًا عظيمًا في قلوب آل مهنا على عبد الله بن فيصل وإخوانه، وصار هذا الحقد كامنًا في نفوسهم كالنار في الزناد. وفيها توفي والي الحجاز محمد رشدي باشا ومن مناقبه أنه كان له مكتبة أوقفها وجعل فيها كتبًا وموضعها عن يمين الخارج من باب أم هانيء من أبواب المسجد الحرام رحمة الله على أموات المسلمين. ثم دخلت سنة ١٢٩٣ ه ـ في هذه السنة قدم على الإمام عبد الله بن فيصل آل أبي عليان رؤساء بلد بريدة في الماضي، وهؤلاء عبد الله بن عبد المحسن آل محمد ومحمد بن عبد الله بن عرفج وحمد بن غانم، وإبراهيم بن عبد المحسن بن مدلج آل عليان، وكان قدومهم من عنيزة، لأن مهنا قد أجلوهم عن بريدة؛ وكان معهم كتاب من زامل بن عبد الله آل سليم أمير عنيزة يطلب من الإمام القدوم عليه في عنيزة ويعده القيام معه ومساعدته على استيلائه على بريدة وطلب عبد الله بن عبد المحسن آل محمد المذكور ومن معه من عشيرته القيام معهم والمساعدة في أخذ بريدة من أيدي آل أبي الخيل، وذكروا للإمام أن لهم عشيرة في البلد وأنهم إذا وصلوا إلى البلد ثاروا فيها وقاموا معهم وفتحوا الباب. فسار معهم الإمام عبد الله الفيصل بجنوده من المسلمين بادية وحاضرة وقدم بلد عنيزة، ولما أن قدمها كان حسن بن مهنا لما بلغه مسيرهم قد كتب إلى محمد بن رشيد أمير الجبل يستحثه في المناصرة فخرج بن رشيد من حائل بجنوده واستنفر من حوله من بادية حرب وشمر وهيثم وبني عبد الله نزح بهم متوجهًا إلى بلد بريدة، فنزل عليها بمن معه من الجنود وكان ابن رشيد قد أرسل إلى أهل عنيزة يلتمس منهم أن لا يساعدوا عبد الله بن فيصل فلم يرجع منهم الرسول بجواب ثم إنه حصل الاتفاق على أن ابن رشيد يرجع إلى الجبل وأن الإمام عبد الله بن فيصل يرجع إلى الرياض وتبقى الأمور على ما هي عليه، وهذا يعتبر أول مسير حصل

стр. 258

بين ابن سعود وابن رشيد، فأما عبد الله بن فيصل فإنه يرجع إلى الرياض، وأما ابن رشيد فإنه أقام على بريدة مدة أيام ثم رجع إلى الجبل. وفيها توفي الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمة الله عليه، وسبب علته لما سطى محمد بن سعود على فهد بن صنيتان تلك السطوة بمسجد الجامع وهو قريبه من ذوي رحمه فلم يرع حق القرابة ولا حق المسجد. وتلك القتلة أثرت صدعًا في قلب الشيخ حتى توفي ﵀. وهذه ترجمة الشيخ الإمام النبيل، والعالم العلامة الجليل، الألمعي الماهر الهمام، والحبر السميدع المقدام، البحر الزاخر، والعلم الظاهر، ذو الأخلاق الزكية، والمناقب الجلية، شيخ الإسلام، وقدوة العلماء الأعلام، عبد اللطيف بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله فسيح جنته وصب عليه في لحده شابيب رحمته، فلله دره من إمام تحلى بذكره المجالس ويحذى بمناقبه على ممر الهواجس، كساه الله ثوبًا من البهاء والإجلال ما كان يملأ ذكر المسامع ويقنع الباحث والمراجع: فيا حي يا قيوم يا من له الثنا ... ويا من على العرش استوى فهو بائن أنله الرضا والعفو فضلًا ورحمةً ... فإن الفتى يجزي بما هو دائن وقد بذل المجهود في نصرة الهدى ... وإعلائه حتى علالًا يداهن وأبدى كنوزًا في العبادة للورى ... لكي يستبين الرشد من هو مائن أماط القذى عنها وصفى معينها ... لوا ردها للصادي وما هو شائن قرد منهلًا عذبًا زلالًا فإنه ... يزيل الصدى والحق كالشمس بائن كان عبد اللطيف معظمًا محترمًا تهابه الملوك وسائر الرعية، ولما حمل إلى مصر مع من نقل إليها على أثر نكبة نجد، أخذ عن علماء من أهل مصر فمنهم الشيخ العلامة مفتي الجزائر محمد بن محمود الجزائري الحنفي، وأخذ أيضًا عن الشيخ إبراهيم البيجوري شيخ الجامع الأزهر، وأخذ عن الشيخ مصطفى الأزهري، والشيخ أحمد الصعيدي وغيرهم.

стр. 259

ونقل عنه أن بعض الأزهريين قال له: مسيلمة الكذاب من خبر نجدكم، فقال مجيبًا له وفرعون اللعين رئيس مصركم، فبهت القائل له وسكت، وصدق الشيخ ﵀ فإن كان مسيلمة قد ادعى النبوة فإن فرعون قد ادعى الربوبية وأين كفر مسيلمة من كفر فرعون لو كانوا يعلمون، مع أن سيئات مسيلمة وفرعون تحمل على ظهورهما. وأخذ العلم عن الشيخ والده عبد الرحمن بن حسن، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد الحنبلي، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله. أما ولادته فكانت في سنة ١٢٢٥ هـ في الدرعية، فلزم طلب العلم وجد واجتهد حتى كان آية من آيات الله، باهرةً في الحفظ والذكاء وكثرة المطالعة وحتى أصبح عالمًا بارعًا محققًا فاضلًا ملازمًا للتدريس مرغبًا في العلم معينًا عليه، وما زال يتقدم حتى كان سباقًا في العلوم لا يبارى، وجوادًا في نيل الفضائل لا يجارى، وكان قد تفود بوالده في مصر وتخرج عليه حتى أنار الله قلبه بنور العلم والإيمان ومنحه طرائف التوفيق والعرفان فأنعم به من ماهرٍ متكلم وحافظ تتقاصر عنه سورة كل متقدم ولا غرو ولا بدع، فقد كان أصله طيبًا وسلسلته زاكية، فرحمة الله عليه من إمام بلتع وفاضل فصيح مصقع حاز قصب السبق في الفروع والأصول وحوى منها ما سمق وسبق به الأئمة الفحول، فلقد تبحر في جميع فنون العلم وبلغ شأو العلى في رصانة المنثور والمنظوم؛ وهذه رسائله المفيدة وأجوبته القاطعة السديدة قد اشتملت على أصول أصيلة ومباحث قيمة جليلة تدل على فضله وتطلعك على ما هنالك، وثواقب علومه يهتدي بها السائر عن سلوك المعاطب والمهالك. ثم إنه لما قدم من مصر إلى نجد في سنة ١٢٦٤ هـ، قدم معه بكتب كثيرة فانتفع الناس بعلمه وجلس لديه حلق للتدريس كبرى، واستعمله الإمام فيصل قاضيًا في الأحساء ثم كان قاضيًا مع أبيه في الرياض، وكان الإمام فيصل يختصه ويسافر به معه، كما خرج به في خروجه لغزو أهل القصيم، فكان الشيخ في معيته إمامًا

стр. 260

وقاضيًا له، وإذا جلس الإمام فيصل في الصيوان وجلس المسلمون حوله قد حفوا به كان الشيخ إلى جهته، فيأمر القارئ بالقراءة بين يديه، وكان على شيء عجيب من البصيرة في الدين وسعة الحلم وكمال الأدب، كما كتب إليه الشيخ حمد بن عتيق في بعض الأيام بكتاب أغلظ فيه القول كعادته يحضه فيه على الصدع بالحق وأساء الأدب معه في الكلام ولم يرع حق من تزدحم على نيل فوائده الآنام، وتثبت فوائده الأقلام، ويحتاج إلى تفريغ منطوقه أولو الإفهام ويقرّ بفضله الخاص والعام، والباعث للشيخ حمد شدة الغيرة كعادته في المراسلات، ولم يمعن النظر فيمن يخاطبه، فبعث إليه الشيخ برسالة أفصحت عما لديه من الميراث النبوي، وبين له فيها الخلق العظيم وسجية المصطفى الكريم، وقال في معرض الجواب: وبعد فإني أحمد إليك الله سبحانه على نعمه، والخط وصل وصلك الله بما يقربك إليه، وما أشرت إليه صار معلومًا لا سيما الإشارة الخفية والنكت الأدبية التي منها تشبيه أخيك بالطير المبرقع وإيراد المواعظ وأنت بمكان أعلى وأرفع وكنت حال وصوله قد قرأته بمرئى من أهل الأدب ومسمع، فمن قائل عند سماعه هذا الرجل طبعه الغلظة والجمود، وآخر يقول كانه لا يحسن الدعوة إلى ربنا المعبود، فقلت كلا إنه ابن جلا؛ وله سبق في مضمار الديانة العلى، لكن من عادته أن يتجاسر على أحبابه؛ ويزدري رئب أخدانه وأترابه، والمحب له الدلال، والمرء يشرق بالزلال، ثم بين له بعد ذلك طريق الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإن الشدة والغلظة إنما تستعمل بعد اللين، ثم أفاده بألطف عبارة وأوجز إشارة. ثم قال في آخر الرسالة: هذا وقد كنت أظن أنكم تحبون من هاجر إليكم وتراعون حق أسلافه في المشيخة عليكم ومكان العلم وتعليمه. ولقد جرى في وقته فتن ومحن وشقاق في شأن الإمامة بين أميرين من آل سعود لكل منهما أنصار، وكلاهما يرى أنه أحق بالإمامة من الآخر، وتطلع في هذه الفتن ما كان قد قبع من أتباع الشيطان، ورفع رأسه فيها كل مارد فتان، وفرح بها أهل النفاق والطغيان، فقام ﵀ بأعباء الدفاع عن بيضة الإسلام وبث رسائله

стр. 261

ونصائحه؛ ولم يأل جهدًا في تسكين تلك الثوائر، ونصر دين الله باللسان والحجة واستعمل ضروبًا من الحكمة كل ذلك لتحذير المعتدين، وتذكير المسلمين، وإفادة السامعين، يصول بشرع الله المطهر، وينهى عن كل ابتداع ومنكر، حتى أتاه اليقين وانتقل إلى رحمة أرحم الراحمين. فيا طوبى له من إمام قرر التوحيد ونهى عن الشرك بالله والتنديد، وأبان الحق لكل طالب ومستفيد، فنسأل الله تعالى أن يشكر سعيه ويعظم أجره ويجازيه على إحسانه وأن يتغمده برحمته وغفرانه. ذكر تلامذته والآخذين عنه تعلم منه فحول من العلماء وتخرج عليه جهابذة من الأئمة والعلماء، وضربت إليه أكباد الإبل من مشارق الأرض ومغاربها، ويكفي تلامذته عزًا وبهاءً وشرفًا أنهم ينتمون إليه، وها أنا أذكرهم: فمنهم نجله الشيخ العالم النحرير، والبحر الغزير، الذي افتخرت به الأواخر على الأوائل، وسبق في المكارم الأقران والأماثل، الإمام عبد الله بن عبد اللطيف وحيد زمانه وقدوة إخوانه وفائق أقرانه علمًا وذكاءً وعفةً وبراعةً حتى كان رئيس قضاة نجد. ومنهم نجله الشيخ البارع الذي تضرب الأمثال بمؤهلاته للعلم وعليه سيما العلم والبهاء والذكاء الحافظ إبراهيم بن عبد اللطيف. ومنهم نجله الفاضل الكبير الشيخ محمد بن عبد اللطيف. وأخذ عنه العالم النبيل والفاضل الجليل أخوه الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ. وأخذ عنه ذو المعارف الإلهية والأسرار الربانية من كان بالعلم ارتدى وتأزر، ونصر الحق وما قصّر، المجاهد بالحجة واللسان، وحسان السنة في ذلك الزمان، الشيخ سليمان بن سحمان ذو المؤلفات العديدة والأجوبة السديدة.

стр. 262

وأخذ عنه الشيخ حسن بن حسين آل الشيخ. وأخذ عنه الشيخ العالم الألمعي والفاضل الذكي قاضي القصيم محمد بن عبد الله بن سليم، وناهيك بفضله. وأخذ عنه الشيخ المعظم محمد بن عمر بن سليم. وأخذ عنه الشيخ الزاهد الورع الإمام عبد الله بن محمد بن فدا. وأخذ عنه الشيخ صعب التويجري. وأخذ عنه الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى. وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن مانع. وأخذ عنه الشيخ الناسك عبد الله بن عبد العزيز الدوسري. وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي بلاد المحمل. وأخذ عنه الشيخ إبراهيم بن عبد الملك. وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز الخطيب. وأخذ عنه عبد الرحمن بن إبراهيم أبو الغنيم وعثمان بن مرشد. وأخذ عنه إبراهيم بن راشد، وأخذ عنه زيد بن محمد آل سليمان. وأخذ عنه أيضًا صالح بن محمد الشتري، وعلي بن حمد بن سلمان. وأخذ عنه أيضًا حسن بن عبد الله آل الشيخ، ومحمد بن راشد الجابري. وأخذ عنه عبد الله بن معيذر، وصالح بن عثمان بن عقيل. وأخذ عنه إبراهيم بن مرشد، وأخذ عنه أيضًا عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وعبد الله بن علي بن جريس، وعبد الرحمن بن محمد بن جربوع، ومنيف بن نشاط، وأخذ عنه أيضًا غير هؤلاء مما لا يحضرني ذكرهم الآن، ورحل إليه الطلاب من كل جهة يؤمونه وأقبلوا نحوه من كل قطر يقصدونه.

стр. 263

ذكر مؤلفات الشيخ الملحوظ بعين التشريف الحبر الإمام عبد اللطيف وأما مؤلفاته ورسائله فكانت منهلًا عذبًا يردها الموحدون، ويأخذ بها أهل المعرفة المتقون، فما هي إلا روضةٌ حفت بنور ربيعها تسرح فيها الأفكار، وتتمتع فيها الأنظار، لما لها من القبول عند الأتقياء والأخيار، وكانت مملؤة بالنكت والفوائد توحيدًا وفقهًا وأصولًا وفروعًا ونحوًا وصرفًا وغير ذلك من فنون العلم. فمنها "مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام" وهو رده على المرتاب عثمان بن منصور لما أقذع في مسبة علم الأعلام ومشيد دعائم الإسلام ومردي عبادة الأوثان والأصنام، فقام هذا الملحد وألف مؤلفًا سماه جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة والمراد بالأمة عنده هم عبدة الأصنام، فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، وانتصر فيه لعبادة الأصنام وذبّ عن أهلها وضلل أهل التوحيد وذمهم. فلما جرى منه ذلك انتدب له هذا السميدع وأوهى شبهه وخزعبلاته وترهاته حتى عادت كنسيج العنكبوت وأصبح بنيانها في العرى ضعيف الثبوت وقطع كلما يتعلق به المبطل وأزال بالبراهين والدلائل كل مشكل، ونصب دبوس الحق على أم رأسه ليرتدع من هو من أجناسه ليعلم من في قلبه مرض أن في الحياض من يذود عنها وأن الحمى فيه من قعد بثغرة المرمى. وكان ﵀ قد بعث إليه رسالة قبل أن يتبين من أمره ما تبين، وقبل أن يتضح شأنه وتعين ما تعين، وقبل أن يظهر للناس حاله وتنتشر مصنفاته ويتلون بالخبث مقاله، لكنه قد يظهر من حاله ويلوح من صفحات وجهه وفلتات لسانه ما يغمص به، وتنسب إليه هفوات وشيء من البدع والمعضلات، فبعث إليه رسالة يحذره فيها من ورود تلك المعاطب وارتكاب ما يبدو منه من المثالب مع أنه تقدم له مقامات في الدين كشرحه لكتاب التوحيد وانتمائه إلى صالح العبيد، فيا له من رجل لو استقام، وصارم لولا ما عراه من الأنثلام، فلما تبين أمره

стр. 264

وأضغانه وانهد من القواعد بنيانه وأبان للناس ما لديه، وكشف عورته بيديه، تصدى له الشيخ ودحض حجته. ومن مؤلفات الشيخ ﵀ رده على داود بن جرجيس، وكان داعية للكفر وعبادة الأوثان، فرد عليه بما شفى وكفى، ولما وقف الشيخ عبد القادر أفندي البغدادي الحنفي في رده على داود بن جرجيس أثنى عليه ثناءً جميلًا وقرظّ عليه بهذه الأبيات: عبد اللطيف جزاه الله خالقنا ... يوم الجزاء بأجرٍ غير ممنون هو الهمام الذي شاعت فضائله ... في الشرق والغرب من نجد إلى الصين بحرٌ من العلم يبدي من معارفه ... بديع رد غزير القدر مكنون حمى طريق رسول الله عن شبه ... منسوبةٍ لجهولٍ غير مأمون وساوس وأقاويل ملفقةً ... كأنها بعض أقوال المجانين ظن ابن جرجيس من جهل ومن سفهٍ ... لم يبق في الناس ذو علم وتمكين فقال ما قال من زورٍ ومن كذبٍ ... ومن خرف قد تبدي غير موزون ولم يكن عنه يغني الظن فانعكست ... ظنونه في مجالٍ غير مظنون إذ رده ناكصًا يدعو النجأ على ... أعقابه بخسر الدنيا مع الدين أن ابن جرجيس برذون وذا أسدٌ ... وهل تقاس أسود بالبراذين دلائل تعتلي كالشهب أرسلها ... عبد اللطيف رجومًا للشياطين جزاه مولاه عنا كل صالحةٍ ... من جنة الخلد في يوم الموازين أما رسائله ونصائحه فقد جمعها الشيخ الموفق المعاصر سليمان بن سحمان وجعلها منسوقة واعتنى بضبطها والتعريف بها، وجعل لكل رسالة مقدمة فيما تحتوي عليه، ولم يفته منه إلا النادر، ويا ليته اعتنى بترتيب الرسائل وذكر وقت التاريخ لوضع المؤلف لها، وها هي منشورة في مجموع الرسائل والمسائل النجدية، فعلى من أحب مراجعتها فليراجعها فإن فيها مالا عين رأت ولا أذنٌ سمعت، بيد أنه يجمل ترتيبها ووضع تاريخ لكل رسالة أن تيسر ذلك، وساقها

стр. 265

الله إلى خبير بتلك البضاعة، فيا حسنها والإخلاص قد كساها، وعلم القبول يلوح بين أسطرها وجلاها، ويباهي شمس الضحى حسنها وسناها، وقد وضعها الشيخ المعاصر في نحو من عشرين كراسة سماها عيون الرسائل والأجوبة على المسائل، فناهيك بها أمارات أعربت عن قدر منشئها ومنزلته، وأجوبة أفصحت عن براعته ودرجته. فمنها رسالته إلى علماء الحرمين الشريفين زادهما الله تشريفًا وتعظيمًا إلى يوم الدين، وسبب ذلك لما ورد أمر السلطان العثماني بأن يعطل الأذان في الحرمين الشريفين، وأن تكشف النساء عن وجوههن للفجرة والفاسقين، فغار الشيخ لهذا النبأ الفادح وحملته الغيرة الدينية والحمية الإسلامية والأنفة العربية على مكاتبتهم في شأن هذا الأمر العظيم والحدثان الفظيع الذميم. ودفع مفاسد ما أراده أعداء الله رب العالمين، وما أحدثه أضداد الملة والدين، وما انتحلوه من تغيير شعائر الإسلام وهدم معالمه العظام، فصدر هذه الرسالة بالحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وجعلها بعد إهداء التحية لأنصار الملة الحنيفية والحماة للشريعة المحمدية ولم يعين إنسانًا بعينه وحثهم على نصرة الدين وأنهم إذا تخلوا عنه فكيف ينصر. كفى حزنًا للدين أن حماته ... إذا خذلوه قل لنا كيف ينصر وتلطف في هذه الرسالة لعلماء الحرمين لعل الله أن يبطل ما أسس من هذه الضلالة، فانظر إلى ما أعطاه الله من الحكمة وحسن التخلص بأن جعلها لحماة الشريعة والمدافعين عن كيانها، وإن هذه الفادحة ملقاة على عاتقهم. ومنها رسالة وضعها ﵀ وتغمده بإحسانه وصب عليه من شأبيب بره وامتنانه، وهذه إلى سائر المسلمين أرسلها يحرضهم فيها على الجهاد في سبيل الله والتزام أصول الدين والاعتصام بحبل الله المتين، ويذّكرهم نعمة الله التي أمنن بها عليهم بدعوة شيخ الإسلام وقدوة العلماء الأعلام الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" أجزل الله له الأجر والثواب إذ كانوا قبله على جاهلية جهلاء وضلالة عمياء وبدعة صماء لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه.

стр. 266

ومنها رسالة إلى محمد بن عون من أهل عمان، وذلك أنه أورد عليه جهمي من ضلال الجهمية النفاة أسئلة شنيعة تدل على قلة بضاعة متعسفها، فبعث بها إلى الشيخ الإمام عبد اللطيف، فلما وردت عليه أجاب وأفاد وقرر وأجاد: إفادة لمحمد بن عون إذ كان من أهل التوحيد والإثبات، وممن جاهد الجهمية في تلك الجهات، وإلا فليس هذا الجهمي الكافر كفوء للجواب لأنه من العجم الطغام وأضلّ من سائمة الأنعام، وقدموه هذا الجهمي الكافر بهذه السفسطة والجعجعة وهرقع بهذه المخرقة والقعقعة، وظن أن ليس في حمى التوحيد من أهله ضيارم ولا لتلك الشبه المتهافتة من عالم مصارم كلا والله إن الليث مفترش على براثنه لحماية حمى التوحيد وقاطنه، فأجاب الشيخ وأبان وأوضح الحق حتى علا واستبان، فرحمة الله عليه من إمام جهبذ ألمعي ومقول بارع لوذعي أحكم وأبرم من الشريعة المطهرة أمراسها، وأوقد منها للورى نبراسها، وسقى عللًا بعد نهل غراسها، فأورقت وبسقت أشجارها وأينعت بحمد الله ثمارها، فجنى من ثمارها كل طالب مسترشد، وورد من معينها الصافي كل موحد. ومنها رسالة له قدّس الله روحه ونور مرقده وضريحه في توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة، أبلغ فيها غاية البلاغة وأفصح في ترصينها وترصيعها بأوضح عبارة، فحقيق لمن نصح نفسه ولها عنده قدر وأحب سعادتها وسعى في نجاتها وتخليصها، وأراد إفادتها أن يتحقق بما اشتملت عليه من العلوم النافعة واللطائف، ويسيم ثاقب فكره في مروج معانيها وما احتوت عليه من الحقائق والمعارف لأن ما اشتملت عليه هو أهم الأشياء وأجلّ العلوم، وعليه المدار وعنه السؤال يوم القيامة. وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى عليه الخناصر ويعضّ عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر، فحقيق بالمؤمن أن يتدبرها فإن فيها مالا يوجد في المطولات بأتم عبارة، وأوضح بيان لأهل العقول المستنيرات. ومنها رسالته إلى زيد بن محمد آل سليمان وهو من أعيان المسلمين وعلمائهم

стр. 267

يعاتبه فيها بعض المعاتبة، وهذه الرسالة بديعة أودعها من الفصاحة والبلاغة ما يعجز عنه فحول الرجال وتتضاءل عندها أفهام أولي النهي من الأمثال. ولقد أثنى الشيخ سليمان على المترجم وأثنى على آبائه وأجداده الذين قاموا في نصر هذا الدين وأشادوا معالمه وأبادوا الشرك وأهله ومظالمه، وذلك لما أراد إدراجها مع رسائله فباح بالأبيات الآتية، وكان الشيخ عبد اللطيف في بعثه لهذه الرسالة إلى زيد قد وجد منه عند تلك الحوادث والكوارث فتورًا، ورأى منه في حق من تجانف أو تساهل في ذلك تقصيرًا أو قصورًا، وقد وضح الحق في ذلك واستبان، وكان من ذوي المعرفة والإتقان وخاصةً خلاصة الإخوان، فعاتبه الشيخ بهذه المعاتبة الرصينة المباني وأفصح له بهذه الرسالة البليغة المعالني، قال الشيخ سليمان في مقدمة هذه الرسالة يمتدح المترجم: - معاني مبانيها الطوامح في العلا ... لآليء أصداف البحور الزواخر ويحتار في مهما مطاوح ما انطوت ... عليه من الترصين قس المحاضر وأبدى بديعًا من عويص غويصه ... لئام المعاني المحكمات لسابر لقد جد في نصر الشريعة والهدى ... وسد ينابيع الغواة الأخاسر وإعلاء دين الله جل ثناؤه ... وتأسيس أصل الدين سامي الشعائر وإحياؤه بعد الدروس ونشره ... وقمع لمن ناواه من كل غادر وإبعاد أعداء الهدى وجهادهم ... وتحذيره عنهم بكل الزواجر وقد رد بل قد سد كل ذريعةٍ ... تؤول إلى رفض الهدى من مقامر ففي أثر آباء كرام أئمةٍ ... أولى العلم والحلم الهداة الأكابر ببذلهمو للجد والجهد في الدعا ... إلى الله من قد ند من كل نافر همو أظهروا الإسلام من بعدما عفى ... من الأرض فاستعلى به كل ناصر فكم فتحوا بالعلم والدين والهدى ... قلوبًا لعمري مقفلات البصائر وكم شيدوا ركنًا من الدين قد وهى ... وأقوى ففازوا بالهنا والبشائر وكم هدموا بنيان شركٍ قد اعتلى ... وشادوا من الإسلام كل الشعائر

стр. 268

وكم كشفوا من شبهةٍ وتصدروا ... لحل عويص المشكلات الكوادر وكم سنن أحيوا وكم بدع نفوا ... وكم أرشدوا نحو الهدى كل حائر لقد أطدوا الإسلام بالعلم والهدى ... وبالسمر والبيض المواضي البواتر تغمدهم رب العباد بفضله ... ورحمته والله أقدر قادر وكان بين الشيخ عبد اللطيف وبين الشيخ أحمد بن علي بن مشرف صحبة أكيدة فكتب إليه الشيخ المترجم رسالة يعتب عليه فيها وينادمه وضمنها هذا البيت المنسوب لضمرة بن ضمرة التميمي وهو قوله في قصيدة: وإذا تكون كريهة ادعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب وبعضهم ينسب هذا البيت لعمرو بن الغوث بن طيء فبعث إليه الشيخ أحمد يقول: بعد التحية، وبعد فقد وصلنا كتابك وهيجنا بديع خطابك واستشهادك بالبيت القديم الذي هو لبعض بني تميم إلى نظم أبيات على تلك القافية، وهي في الاعتذار كافية ثم نسج الشيخ أحمد كعادته في القريض أبياتًا على هذا البيت من بحر الكامل مدحًا للشيخ المترجم ومنادمةً فقال: الود أصدق والتوهم أكذب ... فعلام تلحقنا الملام وتعتب أتظن أنا قد جفوناكم فلا ... أدري أظنك أم عتابك أعجب الدين يأبى والمروءة والإخا ... ما قد ظننت فبرق ظنك خلب أتظن في أهل الحفيظة والنهى ... هجر الصديق بغير ذنبٍ يوجب أو كفرهم بعض الأيادي بعدما ... وجب الجزاء لها بما تستوجب أو ينكرون أخوة قد أكدت ... بقرابة ومناقب لا تحسب أو لم تكن في الحلم طودًا راسيًا ... والعلم بحرًا طاميًا لا ينضب وأبوك حبر فاضل من علمه ... ترجى الهداية والمقال الأصوب إن خاض في علم الحديث فمسلمٌ ... أو علم فقه قلت هذا أشهب ولمن مضى منكم فضائل جمة ... كدنا بها فوق المنابر نخطب أتقول إذ قد لمتني متمثلًا ... بقديم الشعر قاله من يعتب

стр. 269

وإذا أتتك كريهةٌ ادعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب فلكاهما تدعى إليه بحول من ... وهب الجزيل ووعده لا يكذب فاصفح ولاحظنا بعين الرضا ... وأقبل إذا اعتذر المحب المذنب وانظر إلى درر القريض نظمتها ... يزهى بها العقد النفيس المذهب وفي جيد غانيةٍ حكت شمس الضحى ... فإذا تجلت كل نجمٍ يغرب تهدي إليك تحيةً من مولعٍ ... من نشرها فاح العبير الأطيب وبها تأرجت الرياض وأزهرت ... فيها الرياض فطيرها يتناوب ثم الصلاة على النبي محمدٍ ... ما لذ في الأسماع صوت مطرب وعليه تسليم الإله وروحه ... ما جاد في الإثنا عليه المطنب وآل والأصحاب ما مزن بكى ... فاهتز يضحك بالنبات المجدب واعلم أن رتبة هذا العالم رفيعة ومنزلته شريفة، قد تبحر في العلم حتى كأن العلوم نصب عينيه وأثنى عليه العلماء والرؤوساء. ولما مات بكى لمصابه الشيخ حمد بن عتيق وأشتد نحيبه وظهر عليه الحزن فقيل له يرحمك الله، لقد مات الشيخ أبي بطين فلم نر منك هذا التأثر ومات الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فما وجدت عليه وجدك بالشيخ عبد اللطيف فقال بوفاة الشيخ أبي بطين ووفاة الشيخ عبد الرحمن نسلوا بهذا الخلف، فلما مات هذا الشيخ من أين لنا منه خلف. وقد قال الشيخ العارف سليمان بن سحمان يمتدحه ويثني وذلك لما أراد جمع رسائله وأعجبته واستحسنها ذكر مقدمة لها وباح بهذه القصيدة التي خرجت من لواعج الإحشاء: فيا من هو العالي على كل خلقه ... وسوى السموات العلى وبناها وكان لها سبحانه جلّ ممسكًا ... بغير عماد في الوجود نراها وزين أدناها بشهب ثواقب ... مصابيح في ديجورها ودجاها

стр. 270

وأطد بالأطواد أرضًا بسيطة ... وأحكمها سبحانه ودحاها بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى ... أذقه من الفردوس طيب جناها وأول الرضا هذا الإمام الذي له ... مآثر يزهو في الأنام سناها وبوأه في الفردوس والخلد منزلًا ... وألبسه من أثوابها وحلاها فقد قام في نصر الشريعة جاهدًا ... ولم يأل جهدًا في ارتفاع ذراها ويرد على من ندَّ من كل ملحد ... على السنة الغراء ورام حفاها وقد شيدت أركان سنة أحمد ... رسائله اللاتي أضاء ضياها فأشرف منها الحق للخلق ناصعًا ... وأعشى عيون الملحدين سناها وأجوبةٌ تسمو وتسمق بالهدى ... لأسئلةٍ قد أشكلت فجلاها يضوع لأهل الحق منها نواشر ... يفوق عبير المسك طيب شذاها إذا أرسل النحرير ثاقب فكره ... بفيح معانيها وشأو ذراها أقر له بالفضل والعلم والحجى ... وإن قد تسامى للعلى فعلاها وقال الشيخ سليمان بن سحمان يرثاه لما توفى في هذه السنة وانتقل إلى جوار الغفور التواب وفارق الأحباب والأصحاب بلَّ الله ثراه بوابل الغفران وأسكنه شامخ الغرف في أعالي الجنان. وهذه المرثية قوية المباني، بديعة المعاني، أنشأها لما فجعت الخلائق برزئه وبكته محابر العلماء وطروس الكتاب وعمت مصيبته الآفاق، فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها: تذكرت والذكرى تهيج البواكيا ... وتظهر مكنونًا من الحزن ثاويًا معاهد كانت بالهدى مستنيرةً ... وبالعلم يزهو ربع تلك الروابيا وآراضها بالعلم والدين قد زهت ... وأطواد شرع الله فيها رواسيا وقد أينعت منها الثمار فمن يرد ... جناها ينلها والقطوف دوانيا وأنهارها للواردين شريعةً ... مناهلها كالشهد فعم صوافيا وقد غردت أطيارها برياضها ... يرجعن ألحان الغواني تهانيا

стр. 271

وكنا على هذا زمانا بغبطةٍ ... وأنوار هذا الدين تعلو سواميا فما كان إلا برهةً ثم أطبقت ... علينا بأنواع الهموم الروازيا فكنا أحاديث كأخبار من مضى ... وننبيء عنها في القرون الخواليا لعمري لأن كانت أصيبت قلوبنا ... وأوجعها فقدان تلك المعاليا لقد زادت البلوى اضطرامًا وحرقةً ... فحق لنا إهراق دمع المآقيا فقد أظلمت أرجاء نجد وأطفأت ... مصابيح داجيها لخطبٍ وداهيا لموت إمام الدين والعلم والتقى ... مذيق العدى كاسات سم الأقاليا فعبد اللطيف الحبر أوحد عصره ... إمام هدى قد كان لله داعيا لقد كان فخرًا للأنام وحجةً ... وثقلًا على الأعداء عضبًا يمانيا إمامًا سمى مجدًا إلى المجد وارتقى ... وحل رواق المجد إذ كان عاليا تصدى لرد المنكرات وهدمها ... بنته عداة الدين من كل طاغيا فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها ... ويحمي حماها من شرور الأعاديا حباه إله العرش في العلم والنهى ... بما فاق أبناء الزمان تساميا وقد جد في ذات الإله بجهده ... ولم يأل في رأب الثنى والمناهيا ولما نمى الركبان أخبار موته ... وأصبح ناعي الدين فينا مناديا رثيناه جبرًا للقلوب لما بها ... وحل بها من موجعات التأسيا لشمس الهدى بدر الدجى علم الهدى ... وغيض العدا فاليبك من كان باكيا لأن ظهرت منا عليه كآبةً ... وحل بنا خطب من الرزء شاجيا فقد كسفت للدين شمس منيرةٌ ... يضيء سناها للورى متساميًا سقى الله رمسًا حله وابل الرضا ... وهطال سحب العفو من كل غاديا ولا زال إحسان الإله وبره ... على قبره ذي ديمة ثم هاميا وأسكنه الفردوس فضلًا ورحمةً ... وألحقه بالصالحين المهاديا عليه تحيات السلام وإن نأى ... وأضحى دفينًا في المقابر ثاويا يفوق عبير المسك عرف عبيرها ... ويبهر ضوء الشمس أزكى سلاميا

стр. 272

فيا معشر الإخوان صبرًا فإنما ... مضى لسبيل كلنا فيه ماضيا فإن أفل البدر الفريد وأصبحت ... ربوع ذوي الإسلام منه خواليا فقد شاد أعلام الشريعة واقتفى ... بآثار آباءٍ كرام المساعيا همو جددوا الإسلام بعد اندراسه ... وأحيوا من الأعلام ما كان عافيا وكم لهمو من منحةٍ وفضيلةٍ ... يقصر عن تعدادهن نظاميا مناقبهم لا يحصها النظم عدةً ... وليس يواريها غطاء المعاديا فيا رب جد بالفضل منك تكرمًا ... وبالعفو عنهم يا مجيب المناديا وأبق بينهم سادةً يقتدى بهم ... إلى الخير يا من ليس عنا بلاهيا ونسألك اللهم ستر عيوبنا ... ومحو الذنوب المثقلات الشواحيا فعفوك مأمول لكل مؤمل ... وسترك مسدول على الخلق صافيا وأحسن ما يحلو القريض بختمه ... صلاةً وتسليمًا على خير هاديا وأصحابه والآل ما ماضٍ بارقٍ ... وما أنهل صوب المدجنات الغواديا خلف الشيخ عبد اللطيف أنجالًا فضلاء وهم: عبد الله وإبراهيم ومحمد وعبد الرحمن وعمر وصالح وعبد العزيز وأحمد وسيمر في هذا التاريخ ذكرهم إن شاء الله تعالى. وفيها تولى الخلافة السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد خان العثماني، ويعد في خلفاء الدولة العثمانية كأحسن خلفائها لأنه لجأ إلى سياسة جمع المسلمين تحت لواء الخلافة، ومحاسنه معاملة العرب وخصص المبالغ الطائلة لإنشاء التعميرات وبناء دور الحكومة التي لا تزال موجودة حتى الآن، وله همةٌ ونشاط في تقدم الدولة، وامتدت سلطته قدرًا من ثلث قرن، وبعدها بات الفشل في الدولة العثمانية. وفيها جرت وقعة بين أهل شقراء وبين الشيابين من عتيبة وقتل في هذه الوقعة رجل من الشيابين، وقتل من أهل شقراء صالح بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وهذه القبيلة من عتيبة يسكنون أراضي الحجاز ولهم نهمة في الاختلاس ممن مر بهم من الحجاج وغيرهم قبل عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود.

стр. 273

ثم دخلت سنة ١٢٩٤ ه ـ ففيها ولد الأمير محمد بن علي الإدريسي وهذا نسبه: هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إدريس وكان سيدًا كبيرًا في عشيرته؛ ولما ولد جيء به وهو شاب إلى مصر فدخل كلية الأزهر وتخرج فيها ثم سافر إلى كفره بالمغرب فقرأ هناك على السيد السنوسي، وجاء منها إلى السودان فأقام في أرجوبد نقله وتزوج بابنة هارون الطويل شيخ الطريقة الأحمدية هناك، وكان له نفس كبيرة شريفة أبت عليه الخمول والاستعباد، وكانت الأسفار قد زادت بعلومه ومداركه، ثم عاد بعد ذلك إلى عسير مسقط رأسه، وكان الأتراك جنوبًا يحكمون حيثما يستطيعون ويستغوون روؤساء العشائر بمشاهرات لا يدفعون غير اليسير منها فانقلبت عليهم أصحاب الديون واستمالهم الإدريسي إليه، وما زال يحتال حتى ساد أكثر أهل عسير. وفيها ظهر الجراد في نجد وكثر جدًا ثم أعقبه دباء أكل الزروع والثمار والأشجار وتأذى أهل نجد بتلك الجنود. وفيها صلفت رعود الأمير حسن بن مهنا أمير بريدة وبروقة وأكثر الغارات على أهل شقراء وغيرهم من أهل الوشم، فارسل سرية في المحرم تغير على بلد شقراء، ولما أن أغارت هذه السرية فزع لذلك أهل شقراء وحصل فيما بين الفريقين قتال شديد انهزمت له سرية ابن مهنا، وأخذ أهل شقراء جملةً من ركابهم وقتل من أهل شقراء عبد الله بن عبد الرحمن بن جماز رحمه الله تعالى. ولما وفد في هذه السنة وفد من آل أبي عليان على الأمير محمد بن رشيد في الجبل، وهؤلاء الوفد مؤلفون من ثلاثة أعضاء هم: حمد بن غانم وإبراهيم بن عبد المحسن بن مدلج آل أبي عليان روؤساء بلد بريدة في الماضي وعبد الله الجالس المعروف من موالي آل أبي عليان، علم بهم الأمير حسن بن مهنا فبعث في آثارهم ابن عمه صالح آل علي أبا الخيل يقود سرية لطلبهم، فوجدوهم في الموضع المسمى بقرية راجعين من عند بن رشيد يريدون عنيزة فقتلوهم.

стр. 274

وفيها في ١٤ من جمادى الآخرة توفى الشريف عبد الله بن محمد بن عبد المعين بن عون، وكان عمره إذ ذاك ستًا وخمسين سنة ومدة إمارته نحوًا من عشرين سنة، وكان له من الذكور اثنان وهما علي ومحمد رحمة الله على أموات المسلمين. وتولى بعده إمارة مكة أخوه الشريف حسين بن محمد بن عبد المعين بن عون. وفيها أيضًا غزا محمد بن عبد الله بن رشيد أمير الجبل ومعه الأمير حسن بن مهنا أمير بريدة يريدان بادية عتيبة فزحفا وجعل ابن رشيد طريقهما على بلد أشيقر، فكان وقتًا لصرامة النخيل فجرى من تلك الجنود فسادٌ عظيم، نهبوا البيوت وصرموا النخيل وأخذوا ما وجدوا فعياذًا بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن. ثم دخلت سنة ١٢٩٥ ه ـ ففيها أمر السلطان عبد الحميد خان بن عبد المجيد خان الخليفة العثماني بأن يفرش سطح الكعبة المشرفة بألواح المرمر، ففرش في هذه السنة، هذا والأمير إذ ذاك في مكة المشرفة حسين بن محمد الشريف عم الحسين صاحب الثورة العربية. وفيها ولد ملك إيران الدستوري وهو رضا ابن عباس علي خان، وكانت ولادته في قريت الأشت من قرى سوادكوه، وكان أبوه حين ولادته حاكمًا على سوادكوه وقائدًا للقوة العسكرية فيها. وفي هذه السنة في ربيع الآخر أرسل الإنذار الدولي للباب العالي في الدولة العثمانية من قبل المؤتمر الذي سعت به روسيا إلى عواصم أوربا حيث زار المندوب عاصمة عاصمة، وكان هذا الإنذار يقتضي أنه يجب على الدولة العثمانية أن تتم عقد الصلح مع الجبل الأسود وأن تترك له الأراضي التي يطالب بها وأن تنفذ الإصلاحات التي طلبتها منها الدول وأن تقلل عدد عساكرها العظيم في حالة السلم فلا يكون كحالة الحرب. وأرسلت روسيا بانفرادها إنذار آخر للباب العالي فعرض الباب العالي هذين

стр. 275

الإنذارين على مجلس البعوثات ليرى رأيه فيهما ذلك بأن السلطان عبد المجيد يعرض مهام الأمور على المجلس الذي لا يقل عدد أعضائه عن مائة وثمانين عضوًا من عظماء الدولة ورجالها. ولما كان في تاسع أبريل من هذه السنة رفض هذين الإنذارين وأعلن الباب العالي في حادي عشر أبريل للدولة الأوربية رفضه لهما، ومن ذلك اليوم صارت الحرب على أبواب تركيا، وأخذت تركيا من جهة وروسيا من جهة أخرى تتم تجهيزاتها الحربية وترسل جيوشها على الحدود، ولما رأت روسيا أنها لا تستطيع التغلب على تركيا والفوز عليها إلا إذا عبرت جيوشها بلاد رومانيا عقدت في ١٦ أبريل مع هذه الإمارة اتفاقية تسمح للجنود الروسية بالعبور في أراضي رومانيا وأعلنت روسيا في ٢٤ أبريل من هذه السنة رسميًا الحرب على تركيا مبينة في إعلانها أن غرضها بالحرب نصرة المسيحيين، وأعلنت رومانيا استقلالها التام عن الدولة العثمانية واتفقت روسيا مع رومانيا في ١٤ مايو اتفاقًا دفاعيًا هجوميًا، وانضمت جنودها إلى جنود روسيا، ثم إنها أخذت الجنود الروسية تهاجم مدينة (بلفنة) المرة بعد الأخرى وارتدوا على أعقابهم خاسرين، لما أقام حولها عثمان باشا من المعاقل والحصون المنيعة، ولكن سوء حظ الدولة العثمانية قضى عليها بأن لا ترسل ما يلزم من المدد للغازي مختار باشا بعد أن فقد جيشه الرجال الأبطال، فسقطت منه لذلك قارص في أيدي الروسيين في هذه السنة وقد أعيت معاقل بلفنة وحصونها الروسيين فحاصروها حصارًا شديدًا وشهدوا قوة الأتراك وشهامتهم، وأعجب قيصر الروس نفسه بمهارة الغازي عثمان باشا وقوة إدراكه. وقد طالت محاصرة بلفنة حتى انقطع المدد على الأتراك ونفد كل ما عندهم من الذخائر، فعزم الغازي عثمان باشا على الخروج من بلفنة مع جنوده الأشداء، فخرج في آخر هذه السنة بالفعل، ومرت الجنود العثمانية من وسط الأعداء غير خائفة نيرانهم ولا مقذوفاتهم بل جاعلةً وجهتها الاستحكامات التي كان أقامها الروسيون حول بلفنة على ثلاثة خطوط متعاقبة واستولت على مدافع الخط الأول

стр. 276

والثاني وكادت أن تستولي على الخط الثالث غير أن الغازي عثمان باشا وقع جريحًا فظنه قومه ميتًا وانتشر خبر موته بين الجنود العثمانية فثبطت هممهم وانحلت عزائمهم، ودخل الروسيون في هذه الأثناء بلفنة واضطر قواد الجيش العثماني للتسليم والإتفاق مع قوات الجيش الروسي على إيقاف الحرب بإلقاء الجيش العثماني للسلاح، وقد فقد الجيش الروسي في محاصرة بلفنة ٣٨٠٨٠ قتيلًا وفقد الجيش العثماني ١٥٣٠٠ قتيلًا، ولم يعتبر رجال العسكرية في أوربا سقوط بلفنة انتصارًا للروسيين على العثمانيين، بل أعجب كل إنسان بالعثمانيين أكثر من إعجابه بالروسيين، فإن الروسيين عددهم كان مائة ألف وخمسين ألفًا والعثمانيين كانوا ثلثهم أي خمسين ألفًا، وكانت روسيا تأمل انتصارًا أعظم منها. ذكر الفظائع التي فعلتها روسيا والأعمال الوحشية لما انتصرت روسيا على العثمانيين صنعت أنواع الفظائع بالجنود العثمانية، ففي هذه السنة وجدت معسكرًا يحتوي على مائة ألف من نساء الأتراك نازلا ببعض الأمكنة فما كان من جنود روسيا وأتباعها إلا أن فتكو بهن وطردوهن أمامهم على ثلوج نهر ميرتزا إلى جبال دورب حتى مات أكثرهن من البرد والجوع، وأصبحت بعض الأماكن التي تبلغ سبعين ميلًا، وكانت بالأمس مرتعًا للآلاف من العائلات، فأصبحت قاعًا صفصفًا خاوية على عروشها ليس فيها سوى جيف الموتى وعظام القتلى وبقايا المقتولين، فتحولت نضارتها السابقة إلى منظر مخيف وأطلال دواثر، وذلك من الفضائح المنكرة التي تقشعر من هولها الأبدان وينكرها أهل العقول من ذوي الأديان، حتى جاء في بعض الجرائد المتعلقة بهذا الموضوع. وكانت هذه الجريدة تميل إلى روسيا غير أن هذه المرة تسخط من هذا الصنيع، قال وكنا نرى جثث الفلاحين مغطاة بالثلوج ولا شك أن بعضها قد لبث على هذه الحالة الشنيعة المحزنة أسبوعين أو ثلاثة ولم نزل آثار الدماء على ملابسهم وهكذا كنا نسير بين رمم القتلى وآثار الخيام والأرض حولها مغطاة بالجثث وبقايا المعسكرات كما تغطى بالفرش والبسط.

стр. 277

وكنا نخترق صفوفًا من جثث القتلى ورمم الحيوانات مسافة لا تقل عن خمسة وثلاثين ميلًا، فرأينا نساء ملقاة في الثلوج وأولادًا وأطفالًا مرماة في البرك ورجالًا ممزقة أجسامهم مما أصابهم من الجراحات القتالة ورأينا الثلج محمرًا من أثر الدماء المنهطلة، وأظن أن أغلب النساء متن من البرد القارص لأن نضارة الحياة كانت بادية على وجوههن، أما الأطفال والأولاد فهم كالنساء مات أغلبهم من شدة البرد القارص والثلوج المتراكمة، هذا ويرى عليهم آثار النضارة الطفولية وبعضهم بادية وجوههم وبعضها مغطاة بالثلوج، لأن مما لا شك فيه أن أمهاتهم لما رأينهم أمواتًا على صدورهن من شدة البرد وأن لا أمل في عودتهن للحياة رمينهم في الثلوج ليخففن حملهن وفارقن حشاشات أكبادهن بالرغم منهن والدموع تسيل من عيونهن، حتى إذا أدركت الخدود تحولت بردًا من شدة الزمهرير. ولقد وصف بعضهم امرأة تسير بجانبها طفلة تناهز العاشرة من عمرها وهما تجدان في المسير فرارًا من معاملة الروسيين وقساوتهم وفظاعتهم، ولكن الابنة لم تقو على المشي لأن أقدامها العارية تعبت غاية التعب من المسير على الثلج فسقطت ميتة بين أمها الحنونة ولقد داهم الأم الليل بظلامه الحالك وبرده الفاتك فسقطت طريحة بجانب ابنتها. وكانت جيف القتلى من الأتراك يقوم عليها فلاحو البلغار فلا يكتفون بما أصابها من القتل بل يرجمونها بالحجارة ليفنوا عظام أولئك القتلى، ولما سئلت إحدى العائلات التركية من أين جاءت وإلى أين تسير، قالت لها تركت بلفتة من خمسة شهور مضت وهي على مثل حالها من الفقر المدقع تسير ليلًا ونهارًا ليس لديها إلا ما تجده من لحوم الحيوانات التي تموت في الطرق، كانت هذه العائلة مكونة من أب وأم على صدرها طفل صغير وولد لا يبلغ العاشرة من العمر وكلهم حفاة عراة، الأرض فراشهم؛ والسماء غطاؤهم وليس لديهم سوى بعض خرق يسترون بها سوءاتهم وقدر يطبخون به اللحم من تلك الميتات، وكلما سرت رأيت مناظرًا أبشع وأفظع، فهذه امرأة وزوجها مقتولان نائمين بجانب بعضهما وطفلان بقربهما على الثلوج، وشيوخ متكسرة جماجمهم.

стр. 278

ومن المناظر التي تولّد الحسرة وتحزن الفؤاد، رؤية شيخ هرم من الترك ملقى على الأرض إلى جانبه مصحف قد تلوث بدمه حتى ترك خمسة وسبعون ألف بيت خالية من السكان، وكان الأتراك شيوخًا وأطفالًا ونساءً يفرون فلا يستطيعون الفرار فينقض عليهم البلغاريون فيفتكون بأغلبهم حتى سميت بعض الطرق التي يفرون معها طريق الموتى لكثرة ما فيها من القتل. ثم دخلت سنة ١٢٩٦ ه ـ استهلت هذه السنة والكلمة متفرقة والجماعة مختلفة والأحوال تنذر بشرها وويلاتها، فكان على الخرج أبناء سعود بن فيصل، وعلى بريدة حسن بن مهنا، وعلى عنيزة زامل بن عبد الله، وعلى الرياض وما يليه الإمام عبد الله بن فيصل ومعه أخوه محمد وعبد الرحمن، هذا وعلى ناحية جبل طي الأمير محمد بن رشيد وقد اشتعلت بروقه وصلفت رعوده، يريد الاستيلاء على نجد كلها فأصبح يخطب الملك لنفسه وما كانت حائل لتقنعه إماراتها ولكن أين من ينتبه له، فهل كان آل سعود نيامًا أم يقظانًا أم قد اختلفوا فيما بينهم حتى ينفذ فيهم المقدور، فإن كان الإمام عبد الله قد أطاع له أخواه واستقروا في الرياض فكانوا يدًا واحدة، ففي الجو مكدر فهؤلاء أبناء أخي الإمام في الخرج مصرين على الخلاف والعناد، وهذا الأمير بن رشيد قد طمع في نجد لما تضعضع ملك آل سعود، فقد خسروا القصيم وجبل طي والأحساء والقطيف وغالب بلدان الجنوب، فأنشأ الشيخ سليمان بن سحمان رحمة الله عليه قصيدةً يمتدح فيها الإمام عبد الله بن فيصل ويحرضه على الانتباه والأخذ بالحزم في كبح ابن رشيد وينهضه لانتهاز الفرصة، وأن لا يغفل أمر العدى فمن نام عن غنمه تولى رعيها الأسد وكيف تنام العين في السفينة وقد شرع العابثون في أكل أحبالها: أدم بالعوالي الطعن في الضدان جدا ... وبالبيض قد للعدى تعتلي مجدا ألا إنما العز الموطد والعلى ... بظل المواضي والطلا للعدى غمدًا فما أوهن العدو سوى البيض والقنا ... وصيرهم الأبها آلة جندا

стр. 279

فلن تدرك الفوز الموطد بالمنى ... ولكن أدم غزو العدا وأبذل الجهدا وأعمل هديت اليعملات بداجنٍ ... من الليل جوبًا للفلى وأحثت الوخدا وفي ربعها عمدًا أنخها ولا تهب ... وقد نحوهم جهرًا علانية جردا لتدرك عزًا باذخًا متثلقًا ... ويكبو حسيرًا خاسئًا ضدك الأردا وليس ينال الفخر عاشق راحةٍ ... ومستوطئ فرش التكاسل ما اعتدا وليس شديد النخوة اليوم راضيا ... بثوب الهوينا والعدا تلبس الحمدا ويعتاض هونًا بالهوادة لابسًا ... مهاودة الأبها جهرةً يردا فعجز مدارة العدى بعد ما بدت ... مظاهرةً منهم إذا لم تجد بدا وإياك أن تغتر منهم بمنطقٍ ... لبيبٍ فإن السم قد يمزج الشهدا فليس يرجى صفو ودٍ لحاسدٍ ... وهل يرجى صفو من الممتلي حقدا ففيما مضى من مكرهم وخداعهم ... دليلٌ وإرشادٌ لمن يتبع الرشدا فبادر فهذي فرصة قد تمكنت ... وعين العدا يقضا فلا تغتمظ رقدا ومن لم تخف منه العدى في بلادها ... أخافته في أوطانه واختضت غمدًا ومن لم يشاركهم على كل ما هوى ... فإن لهم قيمًا حوى ذلك القصدا ومن طلب العليا تفضل وانتضا ... لكل العدا عزمًا وعضبًا له قدا وجانب لذات النفوس ولم تكن ... له همةً دون العلى فارتقى مجدا ومن رام عزا للرعايا وراحةً ... أخاف الأعادي فانثنى فيهم رشدا فإن رمت أن تحيا عزيزًا مؤيدا ... وكل الرعايا بالفلى رتعًا رغدا فجرد بحد سيف عزمك صاعدا ... لنيل العلى قصدًا ورم هامها عمدا وإن لها ساميًا على ذاك ينبي ... لمن رام تشييدًا لما انحل وانهدا ملازمة التقوى على كل حالة ... فإن بها تقوى على كل من صدا ومن أمعن النظر في الدولة الأموية وأسباب سقوطها التي قضت على عرشها بالذل والسلب، وجد ذلك راجعًا إلى أمور من أهمها إهمال أمر العدو وعدم المبالات بشأنه والاتكال إلى ما لدى الإنسان من القوة وعدم الأخذ بالفرصة

стр. 280

والحزم، فعلى الملك أن يأخذ بالحزم وينتهز الفرص ولا يغفل أمر العدو حتى يستفحل، فإن إطفاء الشرارة أهون من إطفاء الحريق، ولقد أحسن زهير بن أبي سلمى حيث يقول في معلقته التي لا يزال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يلهج بها: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم وفيها وقفت الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا، وذلك لأنها لما رأت الدولة العثمانية أن أوربا ضدها وأن لا نصيب لها بين الدول وأن إطالة الحرب مضرة بها، طلبت من روسيا إيقاف الحرب وعقد هدنة للمخابرة في شروط الصلح، فقبلت روسيا ذلك بغاية الامتنان وعقدت الهدنة بين المتحاربين في [أدرنة] بتاريخ ٣٠ يناير سنة ١٨٧٨ م. واشترطت روسيا عند عقد الهدنة أن القواعد الأولية للصلح يجب أن تكون استقلال المغرب ورومانيا وتنازل الدولة العثمانية لهما وللجبل الأسود عن بعض الأراضي، وجعل بلغاريا مستقلة استقلالًا إداريًا وجعل الإدارة في البوسنة والهرسك مستقلة، وتقدير غرامة حربية تدفعها تركيا لروسيا. وما انتشر خبر هذه الإتفاقية التي عقدت في [أدرنة] بين المتحاربين حتى هاجت الخواطر في النمسا ضد روسيا، ورأت حكومة الأمبراطور فرنسو جوزيف أن هذه الشروط التي جبرت روسيا الدولة العثمانية على قبولها ماسة بحقوقها ومصالحها في البلقان وعلى شواطئ نهر الدانوب، فأعلنت الدول الأوربية بأنها تعتبر كل اتفاق يقع بين المتحاربين لاغٍ لا عمل له، وأن أوربا كلها يجب عليها أن تجتمع في مؤتمر للفصل بين تركيا وروسيا. أما أنكلترا فقد أظهرت عندئذٍ ميلها للدولة العثمانية وتظاهرت بالمحبة والصداقة لملك آل عثمان، وأرسلت بأسطولها إلى ميناء البوسفور وهددت روسيا بإنزال العساكر الإنكليزية إلى الأستانة. وسيرى القارئ إلى أي غاية كانت ترمي إنكلترا عندئذٍ، وهل كانت صادقة في

стр. 281

تظاهرها بالمودة للدولة العثمانية أو غير صادقة، وقد أجابت الحكومة الروسية على إعلان النمسا بأن ليس لأوربا حق في أن تتداخل في أمور لا تمس مصالحها مطلقًا، وأن روسيا تعرض على الدول عقد مؤتمر أوربي للنظر في شروط الصلح، وبعد هذا المؤتمر الذي عقد ببريل وعرضت فيه شروط الإتفاق التي منها أن الدولة تدفع لروسيا غرامة حربية قدرها ١٤٠٠ مليون من الروبل وأنها قد تنازلت روسيا إلى ١١٠٠ مليونا من الروبل، فاعترف سواس الدول الأوربية لما علمت بهذه الشروط باعتداء روسيا على الدولة العثمانية شر اعتداء، وكان أشد الدول تهيجًا على روسيا هي النمسا لاتفاقية بينها وبين روسيا عقدت في السنة التي قبلها، فخابرت إنكلترا واتفقت معها على معارضة روسيا كل المعارضة، غير أن القيصر أجاب بأنه لا يرضى بأن دول أوربا تناقش في الشروط التي لا تخص إلا روسيا وتركيا. ولما رأت روسيا أنه لا استطاعة لها على محاربة النمسا والإنكليز بعد محاربتها تركيا وقعت الإتفاقية، وبهذا خسرت الدولة العثمانية شيئًا كثيرًا من ممالكها، وسبب ذلك هو انخداعها للدول الأخرى بأنها ناصحة لها وهي غير ناصحة، لا سيما إنكترا فإنها لم تسعف الدولة العثمانية بشيء من الإسعافات في هذه الحروب سوى أن اشترطت على روسيا عند الشروع فيها بأنه لا يصل إلى الإنكليز ما يضر بمصالحها فيا عجبًا لهذه المناصرة. وفيها عزم القاضي الشيخ سليمان بن علي بن مقبل على أن يسافر إلى مكة المشرفة يريد الحج وأظهر أنه سيستقر فيها مجاورًا بدعوى أنه كبر سنه وسئم من القضاء، وكان إذ ذاك قاضيًا في بريدة، ثم إنه أشار على أمير بريدة حسن بن مهنا أن يجعل على قضاء بريدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الله بن سليم، وذكر للأمير ما لهذا الشيخ من المواهب والفضائل وأنه لا يقوم بأعباء هذه المسألة غيره، فبعث ابن مهنا إلى الشيخ محمد بن عبد الله وأحضره لديه وطلب منه القيام بهذه المهمة كما تقتضيه الظروف، فتولى الشيخ محمد القضاء في بلد بريدة، وكان موفقًا في أقضيته وتصديراته.

стр. 282

وكان من أعيان العلماء في بريدة الذين اشتهروا بالعلم والدين إذ ذاك ابن عمه الشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ العارف الزاهد عبد الله بن محمد بن فداء رحمة الله عليهم. ثم دخلت سنة ١٢٩٧ ه ـ استهلت هذه السنة والأمور على ما هي عليه في نجد من الاختلاف والتفرق وقد تعرقلت المساعي عن الإتفاق وتجسمت المعضلات وأصبح أمراء البلدان كل لا يعدو أمره وتدبيره عن بلده، سوى أنه ما كان لأمير أن يعتدي على الآخر. وفي هذه السنة شرع الأمير حسن بن مهنا أمير بريدة في تفجير العيون وإنشاء العقارات والآبار لما له من النهمة في ذلك، وأخذ في إصلاح قصر الحكم في بريدة وشرع في عمارة مسجد عودة الرديني المعروف في بريدة، وكان يقول أني آليت على نفسي أن لا أجعل فيه إلا نفقة طيبة فكان يأتي بخشبة وجريد سقفه من روضة مهنا، ويقول هذه من أرثي الذي خلفه لي والدي مهنا قبل أن يتولى الإمارة ولم يجعل فيه شيئًا من بيت المال. ولما فرغ هذا المسجد كان لا يزال منيرًا بالعبادة ومعمورًا بالتدريس والتلاوة، وكان خارص الأمير حسن الذي يبعثه عاملًا للزكاة جدنا من قبل الأم وهو عبد الرحمن بن سلمي وقد امتاز بالعدل والإنصاف في خرصه لا يظلم الناس لا يجور في الخرص، ولما وشى به بعض الأعداء إلى الأمير حسن بن مهنا بأنه يتسامح ولا يأخذ الزكاة كاملة، بعث إليه من يفتش عليه في خرصه ويدقق، وكان ذلك بعد ما جعل الصدقات في سجلها وتصرف الفلاحون بالثمار فغار لذلك عبد الرحمن ومزق السجلات واشتد غضبه ورجع إلى الأمير قائلًا كنت أتيك بها نقية، فبعثت إلى من يأتي بها قذرة فالعفو أريد أيها الأمير. ولما خرج من عنده غضبان آسفًا جاء المفتش إلى الأمير وجلس قائلًا: أيها الأمير إنه مزق الأوراق خشية أن أعرضها على الثمار، فأرى عمله وعلاوةً على

стр. 283

ذلك يقول اذهب إلى سيدك يجعلك عاملًا فما لدي له خبر، فعند ذلك أحضره الأمير لديه واسترضاه، وقال له: قم يا عبد الرحمن فلا معارض لك بعد هذا اليوم، ولكن كيف نصنع بالذين ضاع حسابهم ولم نقف على خبرهم، فقام العامل عبد الرحمن وكان حافظًا يجيد سرد الزكوات من حفظه فأملاها على البديهة كما كانت، وذكر كاتبه أنها على وفق وضعها في السجل، وكان سكرتير الأمير حسن بن مهنا والدنا السعيد قدس الله روحه، وذلك لجودة خطه وأمانته، فكتبها كما ألقاها الخارص. أما عبد الرحمن هذا فمن نكته أنه خرص مرةً ثمرة مزارع، فضج المزارع يقول ظلمتني يا خارص فإنه لا يبلغ الزرع هذا القدر، فأجابه قائلًا بعه علي فقد اشتريته بخرصي، فخجل المزارع وسكت. وفيها اشتد البرد جدًا وحصل من ذلك البرد أن ماتت الأشجار لشدة البرد وأصرعت النخيل؛ وكان ذلك في أيام أربعانية الشتاء، وجمدت المياه والله على كل شيء قدير. وكانت دموع الإبل تسقط على الأرض فما تصل حتى تكون جامدة كالثلج والجليد فسميت هذه السنة في نجد سنة البردة، وكانت القرب لا ينتفع بها حتى تجعل في الشمس فتذوب بعد الظهر، وكانت المياه التي تتسرب من أعلاها إلى أسفل جامدة كالأعمدة. وفيها في اليوم ٢٩ من ذي الحجة ولد صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن سعود ملك المملكة العربية السعودية، وكانت ولادته طلوع فجر ذلك اليوم المبارك فأكرم بطلعته يمنًا وسعدًا. (١)

стр. 284

وهذه ترجمته نأتي بنسبه وإلا فيأتي بقيتها في سني هذا التاريخ: هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن مانع بن الحارث بن سعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن بكر بن وائل بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فهذا نسب آل سعود، وقد اشتهروا بهذا الاسم وبآل مقرن حماة الدين والقائمين بإصلاحه، وأول من تولى الإمامة منهم محمد بن سعود لقيامه بنصرة الشيخ الكبير والعلم الشهير الشيخ محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى دين الله تعالى، فلما قام محمد بن سعود بنصرته ومساعدته على قلة من المعاون والمساعد وكثرة من المعاند والمكايد صاح عليه الجو وقام عليه الأعداء من كل حدبٍ وصوب، ونشأت بينهم الحروب والمعاطب، وشمرت الحرب عن ساقها، وما زال محمد بن سعود يبتلى إلى أن جعل الله العاقبة له ولذريته من بعده فإن العاقبة للمتقين. فلما مات محمد بن سعود قام بالأمر بعده ابنه عبد العزيز بن محمد وجمع بين الملك والعلم والدين، وقام لقتال الأعداء أتم قيام حتى أمن الله به العباد والبلاد، فلقد كان الرعية في زمنه إذا سافروا يجعلون أكياس الدراهم أطنابًا للخيام ولا يخشون عليها وتوفر الأمن في وقته شيئًا عظيمًا، فلما قتل وهو ساجد في صلاة العصر رحمة الله عليه قام بالأمر بعده سعود بن عبد العزيز الذي سمي سعود الكبير نجل عبد العزيز، وكان شبلًا شجاعًا من ذوي الحجى، وعلى غاية عظيمة في الحظ والتوفيق واتسعت في وقته رقعة الملك، فلما مات ﵀ قام بالأمر بعده ابنه عبد الله بن سعود وكان ذا سيرة حسنة مقيمًا للشرائع ثبتًا في اللقاء ومصابرة الأعداء، سوى أنه تولى الإمامة وتركيا تضرم نيرانها للسعوديين فلم يساعده القدر، وكتب عليه البوار، وتسلط العثمانيون على أهل نجد فعاثت الدولة العثمانية في نجد فسادًا حتى وصلوا إلى الدرعية، وبعد حروب ووقعات شديدة احتلتها ونكلت بأهل نجد وأخذت الإمام عبد الله بن سعود وسيرته إلى مصر، فهلك هناك بالشنق، رحمة الله على روحه.

стр. 285

فهؤلاء عضو من أعضاء أولاد محمد بن سعود، فلما تضعضع الملك وانتشرت الفوضى وتشتت الشمل، قام بالأمر تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود ووفق وملك وساس الرعية وأذعنت له العباد، وتأسست الدولة السعودية مرةً ثانية فقتله ابن عمه مشاري بن عبد الرحمن، ثم قام بالأمر بعده نجله فيصل بن تركي وسدد وطالت مدته في الملك، فلما توفاه الله تعالى قام بعده أولاده كلٍ يخطب الملك لنفسه، وكاد الأمر أن يستقيم للإمام عبد الله لولا معثرات قامت في نحره ومنازعات ومشاغبات بين أمراء آل سعود في الملك، حتى كانت الفتن تغدو على الناس وتروح ونياب الأهواء تظهر إذ ذاك وتلوح، وكلٌ قد استعد بسلاحه يتوقع الغوائل، ولا يدري في أي موضع نصبت له الحبائل، فضاع الملك بين آل سعود حتى قبضه محمد بن رشيد. فلما شب هذا العاهل العظيم والضرغام المقدام استلم هذه الوديعة من يد مغتصبها وكان لما بلغ الحادية والعشرين من عمره تجرد لنزع الملك، وتقلد سيفه يفلق الهام ويزيل الأعناق حتى قال عن نفسه ما في المملكة من شبر إلا وقاتلت عليه، فأخذ الملك بالسيف ما زال يجند الجند ويجيش الجيوش حتى كان ما بين البحر الأحمر إلى خليج فارس وما بين الشام إلى اليمن يدين له بالسمع والطاعة، وهؤلاء العضو الثاني من أولاد الإمام محمد بن سعود وسيأتي بقية ترجمته إن شاء الله تعالى. وفيها أيضًا جدد فرش الكعبة المشرفة، ففرش سطحها وغير بعض أخشاب سقفها وأصلح بعضها، وذلك في عهد السلطان عبد الحميد لأن له همة عالية في الإصلاحات لا سيما في الحرمين الشريفين كعادة سلاطين آل عثمان في عمارة الحرمين الشريفين وبذل الأسباب وبث الأموال ونحت الطرق، ولقد اعتنت في أعمدة المسجدين وزخرفتها، فالله المستعان. وختمت هذه السنة بتقوية الصلات بين ابن رشيد وابن مهنا.
следующие страницы →