← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تظاهرها بالمودة للدولة العثمانية أو غير صادقة، وقد أجابت الحكومة الروسية على إعلان النمسا بأن ليس لأوربا حق في أن تتداخل في أمور لا تمس مصالحها مطلقًا، وأن روسيا تعرض على الدول عقد مؤتمر أوربي للنظر في شروط الصلح، وبعد هذا المؤتمر الذي عقد ببريل وعرضت فيه شروط الإتفاق التي منها أن الدولة تدفع لروسيا غرامة حربية قدرها ١٤٠٠ مليون من الروبل وأنها قد تنازلت روسيا إلى ١١٠٠ مليونا من الروبل، فاعترف سواس الدول الأوربية لما علمت بهذه الشروط باعتداء روسيا على الدولة العثمانية شر اعتداء، وكان أشد الدول تهيجًا على روسيا هي النمسا لاتفاقية بينها وبين روسيا عقدت في السنة التي قبلها، فخابرت إنكلترا واتفقت معها على معارضة روسيا كل المعارضة، غير أن القيصر أجاب بأنه لا يرضى بأن دول أوربا تناقش في الشروط التي لا تخص إلا روسيا وتركيا. ولما رأت روسيا أنه لا استطاعة لها على محاربة النمسا والإنكليز بعد محاربتها تركيا وقعت الإتفاقية، وبهذا خسرت الدولة العثمانية شيئًا كثيرًا من ممالكها، وسبب ذلك هو انخداعها للدول الأخرى بأنها ناصحة لها وهي غير ناصحة، لا سيما إنكترا فإنها لم تسعف الدولة العثمانية بشيء من الإسعافات في هذه الحروب سوى أن اشترطت على روسيا عند الشروع فيها بأنه لا يصل إلى الإنكليز ما يضر بمصالحها فيا عجبًا لهذه المناصرة. وفيها عزم القاضي الشيخ سليمان بن علي بن مقبل على أن يسافر إلى مكة المشرفة يريد الحج وأظهر أنه سيستقر فيها مجاورًا بدعوى أنه كبر سنه وسئم من القضاء، وكان إذ ذاك قاضيًا في بريدة، ثم إنه أشار على أمير بريدة حسن بن مهنا أن يجعل على قضاء بريدة الشيخ الإمام محمد بن عبد الله بن سليم، وذكر للأمير ما لهذا الشيخ من المواهب والفضائل وأنه لا يقوم بأعباء هذه المسألة غيره، فبعث ابن مهنا إلى الشيخ محمد بن عبد الله وأحضره لديه وطلب منه القيام بهذه المهمة كما تقتضيه الظروف، فتولى الشيخ محمد القضاء في بلد بريدة، وكان موفقًا في أقضيته وتصديراته.

стр. 282

وكان من أعيان العلماء في بريدة الذين اشتهروا بالعلم والدين إذ ذاك ابن عمه الشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ العارف الزاهد عبد الله بن محمد بن فداء رحمة الله عليهم. ثم دخلت سنة ١٢٩٧ ه ـ استهلت هذه السنة والأمور على ما هي عليه في نجد من الاختلاف والتفرق وقد تعرقلت المساعي عن الإتفاق وتجسمت المعضلات وأصبح أمراء البلدان كل لا يعدو أمره وتدبيره عن بلده، سوى أنه ما كان لأمير أن يعتدي على الآخر. وفي هذه السنة شرع الأمير حسن بن مهنا أمير بريدة في تفجير العيون وإنشاء العقارات والآبار لما له من النهمة في ذلك، وأخذ في إصلاح قصر الحكم في بريدة وشرع في عمارة مسجد عودة الرديني المعروف في بريدة، وكان يقول أني آليت على نفسي أن لا أجعل فيه إلا نفقة طيبة فكان يأتي بخشبة وجريد سقفه من روضة مهنا، ويقول هذه من أرثي الذي خلفه لي والدي مهنا قبل أن يتولى الإمارة ولم يجعل فيه شيئًا من بيت المال. ولما فرغ هذا المسجد كان لا يزال منيرًا بالعبادة ومعمورًا بالتدريس والتلاوة، وكان خارص الأمير حسن الذي يبعثه عاملًا للزكاة جدنا من قبل الأم وهو عبد الرحمن بن سلمي وقد امتاز بالعدل والإنصاف في خرصه لا يظلم الناس لا يجور في الخرص، ولما وشى به بعض الأعداء إلى الأمير حسن بن مهنا بأنه يتسامح ولا يأخذ الزكاة كاملة، بعث إليه من يفتش عليه في خرصه ويدقق، وكان ذلك بعد ما جعل الصدقات في سجلها وتصرف الفلاحون بالثمار فغار لذلك عبد الرحمن ومزق السجلات واشتد غضبه ورجع إلى الأمير قائلًا كنت أتيك بها نقية، فبعثت إلى من يأتي بها قذرة فالعفو أريد أيها الأمير. ولما خرج من عنده غضبان آسفًا جاء المفتش إلى الأمير وجلس قائلًا: أيها الأمير إنه مزق الأوراق خشية أن أعرضها على الثمار، فأرى عمله وعلاوةً على

стр. 283

ذلك يقول اذهب إلى سيدك يجعلك عاملًا فما لدي له خبر، فعند ذلك أحضره الأمير لديه واسترضاه، وقال له: قم يا عبد الرحمن فلا معارض لك بعد هذا اليوم، ولكن كيف نصنع بالذين ضاع حسابهم ولم نقف على خبرهم، فقام العامل عبد الرحمن وكان حافظًا يجيد سرد الزكوات من حفظه فأملاها على البديهة كما كانت، وذكر كاتبه أنها على وفق وضعها في السجل، وكان سكرتير الأمير حسن بن مهنا والدنا السعيد قدس الله روحه، وذلك لجودة خطه وأمانته، فكتبها كما ألقاها الخارص. أما عبد الرحمن هذا فمن نكته أنه خرص مرةً ثمرة مزارع، فضج المزارع يقول ظلمتني يا خارص فإنه لا يبلغ الزرع هذا القدر، فأجابه قائلًا بعه علي فقد اشتريته بخرصي، فخجل المزارع وسكت. وفيها اشتد البرد جدًا وحصل من ذلك البرد أن ماتت الأشجار لشدة البرد وأصرعت النخيل؛ وكان ذلك في أيام أربعانية الشتاء، وجمدت المياه والله على كل شيء قدير. وكانت دموع الإبل تسقط على الأرض فما تصل حتى تكون جامدة كالثلج والجليد فسميت هذه السنة في نجد سنة البردة، وكانت القرب لا ينتفع بها حتى تجعل في الشمس فتذوب بعد الظهر، وكانت المياه التي تتسرب من أعلاها إلى أسفل جامدة كالأعمدة. وفيها في اليوم ٢٩ من ذي الحجة ولد صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن سعود ملك المملكة العربية السعودية، وكانت ولادته طلوع فجر ذلك اليوم المبارك فأكرم بطلعته يمنًا وسعدًا. (١)

стр. 284

وهذه ترجمته نأتي بنسبه وإلا فيأتي بقيتها في سني هذا التاريخ: هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن مانع بن الحارث بن سعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان بن بكر بن وائل بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فهذا نسب آل سعود، وقد اشتهروا بهذا الاسم وبآل مقرن حماة الدين والقائمين بإصلاحه، وأول من تولى الإمامة منهم محمد بن سعود لقيامه بنصرة الشيخ الكبير والعلم الشهير الشيخ محمد بن عبد الوهاب الداعي إلى دين الله تعالى، فلما قام محمد بن سعود بنصرته ومساعدته على قلة من المعاون والمساعد وكثرة من المعاند والمكايد صاح عليه الجو وقام عليه الأعداء من كل حدبٍ وصوب، ونشأت بينهم الحروب والمعاطب، وشمرت الحرب عن ساقها، وما زال محمد بن سعود يبتلى إلى أن جعل الله العاقبة له ولذريته من بعده فإن العاقبة للمتقين. فلما مات محمد بن سعود قام بالأمر بعده ابنه عبد العزيز بن محمد وجمع بين الملك والعلم والدين، وقام لقتال الأعداء أتم قيام حتى أمن الله به العباد والبلاد، فلقد كان الرعية في زمنه إذا سافروا يجعلون أكياس الدراهم أطنابًا للخيام ولا يخشون عليها وتوفر الأمن في وقته شيئًا عظيمًا، فلما قتل وهو ساجد في صلاة العصر رحمة الله عليه قام بالأمر بعده سعود بن عبد العزيز الذي سمي سعود الكبير نجل عبد العزيز، وكان شبلًا شجاعًا من ذوي الحجى، وعلى غاية عظيمة في الحظ والتوفيق واتسعت في وقته رقعة الملك، فلما مات ﵀ قام بالأمر بعده ابنه عبد الله بن سعود وكان ذا سيرة حسنة مقيمًا للشرائع ثبتًا في اللقاء ومصابرة الأعداء، سوى أنه تولى الإمامة وتركيا تضرم نيرانها للسعوديين فلم يساعده القدر، وكتب عليه البوار، وتسلط العثمانيون على أهل نجد فعاثت الدولة العثمانية في نجد فسادًا حتى وصلوا إلى الدرعية، وبعد حروب ووقعات شديدة احتلتها ونكلت بأهل نجد وأخذت الإمام عبد الله بن سعود وسيرته إلى مصر، فهلك هناك بالشنق، رحمة الله على روحه.

стр. 285

فهؤلاء عضو من أعضاء أولاد محمد بن سعود، فلما تضعضع الملك وانتشرت الفوضى وتشتت الشمل، قام بالأمر تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود ووفق وملك وساس الرعية وأذعنت له العباد، وتأسست الدولة السعودية مرةً ثانية فقتله ابن عمه مشاري بن عبد الرحمن، ثم قام بالأمر بعده نجله فيصل بن تركي وسدد وطالت مدته في الملك، فلما توفاه الله تعالى قام بعده أولاده كلٍ يخطب الملك لنفسه، وكاد الأمر أن يستقيم للإمام عبد الله لولا معثرات قامت في نحره ومنازعات ومشاغبات بين أمراء آل سعود في الملك، حتى كانت الفتن تغدو على الناس وتروح ونياب الأهواء تظهر إذ ذاك وتلوح، وكلٌ قد استعد بسلاحه يتوقع الغوائل، ولا يدري في أي موضع نصبت له الحبائل، فضاع الملك بين آل سعود حتى قبضه محمد بن رشيد. فلما شب هذا العاهل العظيم والضرغام المقدام استلم هذه الوديعة من يد مغتصبها وكان لما بلغ الحادية والعشرين من عمره تجرد لنزع الملك، وتقلد سيفه يفلق الهام ويزيل الأعناق حتى قال عن نفسه ما في المملكة من شبر إلا وقاتلت عليه، فأخذ الملك بالسيف ما زال يجند الجند ويجيش الجيوش حتى كان ما بين البحر الأحمر إلى خليج فارس وما بين الشام إلى اليمن يدين له بالسمع والطاعة، وهؤلاء العضو الثاني من أولاد الإمام محمد بن سعود وسيأتي بقية ترجمته إن شاء الله تعالى. وفيها أيضًا جدد فرش الكعبة المشرفة، ففرش سطحها وغير بعض أخشاب سقفها وأصلح بعضها، وذلك في عهد السلطان عبد الحميد لأن له همة عالية في الإصلاحات لا سيما في الحرمين الشريفين كعادة سلاطين آل عثمان في عمارة الحرمين الشريفين وبذل الأسباب وبث الأموال ونحت الطرق، ولقد اعتنت في أعمدة المسجدين وزخرفتها، فالله المستعان. وختمت هذه السنة بتقوية الصلات بين ابن رشيد وابن مهنا.

стр. 286

ثم دخلت سنة ١٢٩٨ ه ـ ففيها حدث اختلاف بين الإمام عبد الله بن فيصل وبين أهل المجمعة أدى ذلك الاختلاف إلى الحرب. وفيها ولد الشيخ عمر بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم شيخنا القاضي في مقاطعة القصيم وكان له إخوة أسن منه، فمنهم الشيخ الألمعي الذي افتخرت به أواخر هذه الأمة على أوائلها شيخنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليم، وكان قد انتهت إليه الفضائل ونال درجة القضاء بعد أبيه في القصيم، ومن إخوانهما عبد الرحمن بن محمد وصالح بن محمد وسليمان. وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ الإمام العالم الورع ذو العلم والإتقان القاضي محمد بن سلطان ﵀ وعفا عنه، كان ﵀ حبرًا نبيلًا، تولى قضاء بلد عرقة للإمام تركي وابنه فيصل، وأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ عن غيره من علماء هذه الدعوة حتى أنار الله قلبه بالتوحيد والإيمان والمعرفة، وجد ونافس حتى بلغ درجة المحققين، ولما توفى رثاه الشيخ سليمان بن سحمان بهذه القصيدة. طار الكرى وفاض الدمع وانسجما ... من فادحٍ حادث بالناس قد دهما وثلمة فرجت في الدين وانثلمت ... لا يستطيع أمرؤ سدا لما انثلما بعالمٍ عام في بحر العلوم فلم ... يترك لمنتقدٍ قولًا ولا كلما وفاضلٍ حمدت في الناس سيرته ... بالحلم فاق على أقرانه فسما قد أقفرت وخلت منه الربوع فيا ... للعلم فأبكوا دمًا بل أخضلوا ديما وابكوه وارثوه أن كنتم ذوو أخرن ... وذوا اكتئابٍ على فدحٍ بكم دهما لله در إمامٍ زاهدٍ ورعٍ ... وعالم بنعوت العلم قد وسما ومن فقيه غدى من فقهه علمًا ... ومنهلًا سلسبيلًا مفعمًا حكما قد زانه الله بالتقوى وسربله ... وخصه الله من وحيه فاعتصما

стр. 287

أعني بذلك من طابت أرومته ... بقية العلماء السادة القدماء ذاك بن سلطان من شاعت فضائله ... محمدًا من فضل العلم قد رسما إني لأرجو له فوزًا ومغفرةً ... ومنزلًا بجوار الله منتعمًا فالله يعليه من فردوسه درجا ... والله يجزيه رضوانه كرما والله يجزيه من خيرٍ برحمته ... وفضله خير ما يجزي به العلما حبر تقضت به الأيام وانصرمت ... حتى اغتدى رهن رمس بالثرى لما نمى موته الناعون أنَّ به ... ريب المنون أناخ الرحل فاخترما طاشت حلوم ذوي الألباب وانصدعت ... منا القلوب لهذا الخطب إذ عظما وظافنا بعده هم فأرقنا ... وليس عما قضاه الله منهزما أنى وقد أظلمت كل البلاد وقد ... عم البلاء فأبدى القلب ما اكتتما وفاض في الناس هذا الجهل واندرست ... معالم العلم حتى غاض وانصرما من فقد كل إمامٍ جهبذٍ ثقةٍ ... قد اعتنى بحمى الشرع فانتظما كالفاضل الثقة الموهوب تكرمةٍ ... فضلًا على الناس بالعلم الذي علما يكنى أبا حسنٍ من طاب مدحته ... من كان للفضلاء في علمهم علما ونجله الفرد من سارت فضائله ... مسير ذي الشمس في الأقطار حين سما من رام شأو العلى حتى علاه وقد ... أعيت مناقبه نثرًا ومنتظما فأظلمت بعدهم أرجاؤه وعفت ... واستحكم الجهل في الأقطار حين طما ثم الصلاة على المعصوم سيدنا ... أزكى البرية بل أزكاهمو ذمما والآل والصحب ما هب النسيم وما ... طار الكرى وفاض الدمع وانسجما وفيها ولد سلطان لحج عبد الكريم الفضل وعقدت في هذه السنة في ٧ جمادى الآخرة معاهدة جديدة بين أخيه السلطان فضل بن علي بن محمد محسن وبين الحكومة البريطانية، وكان السلطان عبد الكريم له نهمة في تقدم لحج وتحسن زراعتها وكل ثروتها، وأنيرت بالكهرباء وشقت فيها الشوارع الواسعة وغرست على جوانبها الأشجار حتى صارت تضاهي بجمالها وبهائها أجمل المدن الحديثة،

стр. 288

ونهض بالإمارة حتى كان بلاد لحج في مقدمة بلاد اليمن عمرانًا وازدهارًا، وذلك بإقرار الذين زاروها ودرسوا أحوالها. وفيها أيضًا ولد رئيس جمهورة تركيا مصطفى كمال، وكانت ولادته في مدينة سلانيك وأسرته كان من الأريسا في بلاد اليونان، ويأتي له بقية ذكر في سنة وفاته، وكان قد توفى والده وهو صغير بدون ثروة تذكر، فلجأت أمه إلى أخيها وكان مزارعًا فنقلها أخوها مع فتاها إلى قريته وكفله، فأخذ يساعد خاله في عمله سواءً في الحقل أو في الدار أو في السائمة، ثم شق على والدته أن ينشأ فتاها هذه النشأة الخاملة فأعادته إلى شقيقتها في سلانيك ليتعلم، فأدخلته هذه مدرسة رسمية من مدارس الحكومة، وشملته بعنايتها، وضربه الأستاذ يومًا ضربًا مبرحًا لأنه تشاجر مع زميل له ساعة الدرس، فشق ذلك على جدته فأخرجته من المدرسة وأقصته عنه، فاختار الدخول في المدرسة العسكرية لميل غريزي فيه، ولما عارضت والدته حينما عرض الدخول عليها في المدرسة خوفًا عليه ولئلا تصاب ببعاده، أصرّ على الدخول وكان له ما أراد ولقب في المدرسة العسكرية بكمال فأصبح يدعى مصطفى كمال، وما زال يترقى ويجتاز الصفوف الأولية حتى نودي به رئيس جمهورية تركيا. وختمت هذه السنة باتفاق أهل بلد المجمعة مع الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد على أن يكون حليفهم وحاميهم وأن يكونوا من رعاياه، وكان هذا الإتفاق بعد عدة وقعات جرت بين أهل المجمعة وبين الإمام عبد الله بن فيصل، قتل فيها عدة رجال من الطرفين، فلم يستول عليها عبد الله وأحدثت شغبًا، ورجع الإمام عبد الله صفر اليدين منها، وبذلك تعلم ضعف جانب الإمام لأنه إذا عجز عن فتح بلدة في سدير ودخولها تحت طاعته فغيرها أولى. ثم دخلت سنة ١٢٩٩ ه ـ ففيها أعاد الإمام الكرة عبد الله بن فيصل على المجمعة فأمر على أهل بلدان نجد

стр. 289

بالتجهز للغزو، ثم خرج من بلد الرياض وتوجه إلى بلد المجمعة ومعه جنود كثيرة من أهل العارض والمحمل وسدير والوشم، وسار معه بادية عتيبة بأهاليهم فنزلوا بلد حرمة وحاصروا بلد الجمعة وقطعوا كثيرًا من نخيلها. وكان أهل المجمعة لما بلغهم مسيره، كتبوا إلى أمير الجبل محمد بن عبد الله بن رشيد يستحثونه في الزمن لإسعافهم، وتتابعت الرسل منهم إليه، وكان قد وعدهم بالنصرة وواطأهم على حرب الإمام عبد الله بن فيصل، فعند ذلك استنفر ابن رشيد من حوله من بادية شمر وحرب وبني عبد الله، فلما اجتمعت إليه هذه الجنود خرج من حائل بجنود أخرى وزحف إلى بلد بريدة، فنزل عليها بجنود كثيرة وعدد وعدة، فلما قدم على بريدة وجد الأمير حسن بن مهنا قد جمع أهل القصيم ومن وجده من أهل البادية واستعد بأهبة للزحف مع الأمير محمد بن رشيد لنصرة أهل المجمعة. ولما تكاملت جيوش ابن رشيد في بريدة زحف متوجهًا معه حسن بن مهنا ونزل على الزلفي، فلما علم بذلك بوادي عتيبة ارتحلوا من حرمة منهزمين وارتحل الإمام بمن معه من المسلمين متوجهًا إلى الرياض وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم، وكان مدة إقامته على بلد المجمعة محاصرًا لها أربعين يومًا. ثم إن ابن رشيد ارتحل من الزلفي بمن معه من الجنود ونزل على بلد المجمعة وأقام عليها أيامًا، ثم إنه جعل فيها أميرًا من قبله، وهو سليمان بن سامي من أهل حائل ورجع إلى بلده. وكان الأمير حسن بن مهنا لما سار في تلك الجهات جرى منه ومن جنوده فساد عظيم ليهلك الحرث والنسل، فكان يؤتى بالبكرة الثمينة من آلة السانية فتنزع من قرون البتر وتلقى في النار يطبخون عليها القهوة ويحرقون عليها الأبواب ويفسدون كل ما مروا عليه، وكان هذه من ابن رشيد بعد فوزه في القصيم تعد الخطوة الثانية في استيلائه على نجد.

стр. 290

ثم إنه عاد الإمام الكرة على المجمعة فاستغاث أهلها ثانيًا بابن رشيد وابن مهنا فأغاثهم فأدى إلى وقعة بينهم وبين الإمام. وفيها شرع في حفر آبار البدائع المعروفة، وكانت الآن قصورًا قابلة للزراعة وهي تابعة لعنيزة لحسن مواصلة كانت بين الأمير حسن بن مهنا وبين أمير عنيزة زامل بن عبد الله، وذلك لأن الثاني طلب من الأول إلحاقها بعنيزة فسمح له بذلك، وكانت البدائع تمتاز بقوة واتساع ناحية لما لأهلها من الهمة العالية في الزراعة. وفيها عمر السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد في الكعبة المشرفة وفرش باطنها بالرخام وعمّر بعض الخراب فيها فتم حينئذ فرش سطحها كما أشرنا إليه قبل ذلك وتم أيضًا فرش باطنها في هذه السنة واستمر ذلك، وفيها خصصت القبة الواقعة في باب الدريبة لحفظ الكتب التي أرسلها السلطان عبد الحميد خان وكان قد أضر بها السيل حين دخوله المسجد الحرام كما تقدم، وقد أصدر السلطان عبد الحميد أوامره ببناء مدرسة ومكتبة بجانب التكية المصرية فتوفى قبل تنفيذ هذا الأمر. فلما كان في هذه السنة نقل بقيتها إلى القبة المذكورة ثم بعد ذلك ضمت إليها الكتب التي أوقفها الشريف عبد المطلب أمير مكة، وكتب الشيخ صالح عطرجي أحد مدرسي الحرم الشريف سابقًا. وفيها في ٢٤ ذي القعدة ولي إمارة مكة الشريف عون الرفيق، وهو عون بن محمد بن عبد المعين وانعزل الشريف عبد المطلب بن غالب وامتدت إمارة الشريف عون ثلاثًا وعشرين سنة إلى أن مات سنة ١٣٢٣ هـ. وفيها في أول يوم من صفر ولد الشيخ حسين بن عبد الله بإسلامة الحضرمي مؤلف كتاب حياة سيد العرب وتاريخ النهضة الإسلامية، وكان له فضل وفواضل وله مؤلفات عديدة منها تاريخ الكعبة وتاريخ المسجد الحرام.

стр. 291

ذكر من توفى فيها من الأعيان فمنهم الشيخ الإمام العالم العلامة الفاضل عبد العزيز بن حسن بن يحيى قاضي بلد ملهم ﵀ وعفا عنه، أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن وتولى قضاء حريملا والمحمل للإمام فيصل بن تركي، وكان عالمًا فاضلًا متواضعًا حسن السيرة عليه آثار التواضع والعلم. وممن توفي فيها أيضًا الشقي داود بن جرجيس ونذكر شيئًا من ترجمته: هو داود بن سليمان بن جرجيس البغدادي ويسمى بداود العراقي كان له تخبيط في العقيدة، وميل إلى مذهب عباد الأصنام، وقد تظاهر بالشرك وشطر البردة وزاد الرمد عمى فقبحه الله ما أمقته وكان في بداية أمره أن قدم على الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين في مبتدأ النصف من القرن الثالث عشر ومعه شيء من كتب المذهب وجلس يتعلم العلم من الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، فلما كان بعد ذلك طلب منه إجازة في الفتيا في المذهب، فلما حاز الإجازة ذهب إلى بلده وقام بإجازة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين يتجمل بها، ثم شرع والعياذ بالله يشبه على الناس ويموه بكلام معناه استحالة وقوع الشرك في الأمة المحمدية ويزعم أن دعاء الأموات والغائبين والذبح والنذر لغير الله ليس بشرك. فلما كان بعد ذهابه بأربع سنين قدم إلى نجد، واتفق بالشيخ أبي بطين معه ورقة فيها شيء من عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية يضعها في غير مواضعها، فلما تبين للشيخ حالته باحثه أمره فوجده قد وقع في هوة الردى فدحض حجته وأبان له خطأه، فأذعن في الظاهر ووافق وانقاد، ثم إن الشيخ كتب على ورقة أربع كراسات ردًا عليها سماها بعض الإخوان من طلاب العلم الشريف [الانتصار لحزب الله الموحدين]، ثم إنه طلب بعض الإخوان من الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بيان معنى بعض أبيات في البردة وتشطيرها، فكتب الشيخ عليها قدرًا من ورقتين

стр. 292

فاشمأز بعض الأشرار والذين في قلوبهم مرض ونفاق، واعتراض على ما كتبه بكلام قد ضمنه شركًا عظيمًا فكتب الشيخ على كلامه قدر ثلاث كراسات فرفع أولئك الأشرار رد الشيخ أبي بطين الأول والثاني إلى كبيرهم داود المذكور، مستنصرين به، فقام وقعد وجد واجتهد في جمع ما اعترض به أعداء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، فحصل على جملة منها وزاد من عنده فضائح وضعها من تلقاء نفسه، فعند ذلك رد عليه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين بكتاب سماه "تأسيس التقديس" وكان قد ألف هذا المعترض كتابًا سماه "صلح الإخوان" ويعني بالإخوان أهل التوحيد وعباد القبور والأصنام، فرد عليه الشيخ عبد اللطيف برد سماه أيضًا "بيان المحجة" ردًا على من انتصر لداود العراقي، ولقد أحسن الشيخ سليمان حيث أبان نحلة داود ورد عليه وعلى من انتصر له من الأغبياء، قال الشيخ سليمان هذه الأبيات من معرض قصيدة: جاس ابن جرجيس بغيًا من شقاوته ... خلال سنة خير الناس بالأحن وبالفواضع من زور ومن كذبٍ ... وما نحاه من التحريف للسنن وللنقول التي كان ينقلها ... عن الثقات ذوي القرمان بالحسن فحرق الأحمق الزنديق ما نقلوا ... تحريف داعية الكفر مفتتن فدم ببغداد خلد لأخلاق له ... هبينغ قيعم معبوبق النتن إلى أن قال: مخلط ليس يدري حين يكتب ما ... يهذو به كالذي في غمرة الوسن أو ذاهب العقل والنشوان من سكر ... أو كالحمار الذي يعدو بلا رسن إلى أن قال: وإنما مثل المأفون حيث طغى ... كرائدٍ أعجبته خضرة الدمن فسام في مرجها إذ خالَ من سفهٍ ... أن ليس في روضها الندى من سكن فحينما سام في روضاتها وعثى ... وخال أن قد خلت من قاطنٍ ضنن

стр. 293

تواثبت نحوه أسدٌ ضياغمة ... قد فوقوا أسهمًا بالآي والسنن فانظر إليه صريعًا في مفازتها ... يكبو على وجهه الممسوخ والذقن من ضيغمٍ باسلٍ حبر أخي ثقةٍ ... وجهبذ المعي فاضلٍ فطن عبد اللطيف الذي شاعت مناقبه ... غربًا وشرقًا ومن بصرى إلى عدن إلى آخرها. ثم دخلت سنة ١٣٠٠ ه ـ في هذه السنة واقعة عروى بين محمد بن سعود بن فيصل وبين محمد بن عبد الله بن رشيد وحسن بن مهنا، وكان مع محمد بن سعود بادية عتيبة حشدها معه وقام ينتصر لعمه الإمام فكان في ذلك فائدة لعبد الله بن فيصل. ولما التقى محمد بن سعود وجنوده بمحمد بن رشيد وأتباعه عند هذا الماء الذي يدعى عروى نازل العدو هناك وحصل بين الفريقين قتال شديد، فصارت الهزيمة على ابن أخي الإمام وجنوده وولوا الأدبار، وهذه أول العداوة بين ابن رشيد وأبناء سعود بن فيصل، ولو استقام أبناء سعود وكانوا يدًا واحدة مع عمهم عبد الله لاستفادوا من ذلك قوة ولكنهم قاموا بعد ذلك على عمهم عبد الله يريدون انتزاع الملك منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. وفيها غزا أيضًا محمد بن سعود بن فيصل ومعه جنود كثيرة من أهل الخرج ومن آل شامر والدواسر وغيرهم وعدى على ابن بصيص ومن معه من بادية بريه، فصبحهم وهم على الأثلة فحصل بينه وبينهم قتال شديد وأخذ منهم إبلًا وغنمًا وقتل من الفريقين عدة رجال منهم عبد الرحمن بن سعود بن فيصل رحمه الله تعالى. وفيها أخذ الإمام عبد الله بن فيصل آل روق من قحطان على رويضة العرض. وفيها أيضًا تم تأليف كتاب غالية المواعظ للحافظ نعمان الآلوسي وقد جاءت في الوعظ كأحسن شيء وذلك في خلافة السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد، فلذا تجد المؤلف نعمان قد أطال في ديباجة الكتاب بتمجيد الخليفة المذكور.

стр. 294

وفي هذه السنة حصلت منافرة بين أمير بريدة حسن بن مهنا وبين القاضي محمد بن عبد الله بن سليم، فعزم الشيخ على السفر من بريدة إلى عنيزة، ولما سار الشيخ إلى عنيزة واستقر فيها دعى الأمير حسن بالشيخ محمد بن عمر بن سليم وهو ابن عم القاضي فأحضره لديه وعرض عليه قضاء بريدة، فأبى وقال للأمير ما كان لمثلي أن يسد ثلمة الشيخ، ولكني أشير عليك يا ابن مهنا أن ترد الشيخ إلى عمله فلئن طال مقامه في عنيزة واستوطنها يوشك أن لا تدركه فقدم الأمير وسعى في استجلاب الشيخ إلى بريدة، فأرسل إليه يسترضيه وبعث إليه وجعل يعتذر ويستعطف حتى رجع إلى وطنه بريدة وقد تزوج في عنيزة وولد له فيها. وقد بعث إليه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الدوسري بكتاب وهو في عنيزة يحثه على القيام بأوامر الله تعالى وأن يصدع بالحق ولا يخشى ملامة لائم. وهذه صورة الكتاب قال بعد البسملة: من عبد الله بن عبد العزيز الدوسري إلى جناب الشيخ المكرم محمد بن عبد الله آل سليم سلمه الله تعالى من الأسوى وألزمه كلمة التقوى أمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد فموجب الخط إبلاغك السلام والتحية والإكرام ومحب يحمد إليك الله على ما أعطاه من النعم وصرفه عنه من النقم جعلنا الله وإياكم لنعمه من الشاكرين وأوصيك يا أخي ونفسي بتقوى الله ولزوم طاعته والمحافظة على فرائضه وواجباته واجتناب مساخطه ومغاضبه، فإن من اتقاه وقاه ومن استكفى به كفاه ومن لاذ بحماه حماه ومن اعتصم بحوله وقوته عصمه وحرسه وحفظه جعلنا الله وإياكم من المتقين الذين يحشرون إليه وفدًا، وأكثر من هذا الدعاء الذي أرشد الله إليه نبيه وأمره به فقال عز من قائل: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ فإنا وإياكم إليه أشد حاجة نسأل الله الكريم بوجهه الكريم أن يحسن عاقبتنا وعاقبتكم في الأمور كلها وأن يجيرنا ويجيركم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، إنه ولي ذلك والقادر على ما هنالك واحرص على نشر ما علمك الله من توحيده والإيمان به ومعرفة معاني كتابه وسنة نبيه محمد ﷺ فإن الله

стр. 295

قد أخذ عليك العهد والميثاق في ذلك كما صرح الله لك بذلك في كتابه العزيز، فأنت استعن بالله وقم بوظيفتك التي أوجب الله عليك وفرضها عليك فإن الله سائلك عما استرعاك واستحفظك من كتابه وسنة نبيه الكريم ومن قام لله قام الله له ومن كان مع الله كان الله معه، وإن كان الله معك فلا تخف من المخلوقين فإن الله ناصرك ومظهرك وكافيك وحاميك وواقيك وحارسك وحافظك ومؤيدك ومظفرك بأعدائك وأعداء ربك فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون جعلنا الله وإياكم من المتقين المحسنين ومن حزبه المفلحين في الدنيا والآخرة ومن جنده الغالبين وأوليائه المنصورين ولا تنسنا من صالح الدعاء كما هو لك مبذول ورد جواب الخط وخبرنا عن أحولكم وأحوال حمولتكم وعيالكم ومحمد العمر لعل أمورهم جميلة وأحوالهم مستقيمة، وكذلك أخبرنا عن أحوال والدتي وإخواتي لعلهم طيبون، وأنا في حوطة بني تميم من عقب وقعة جودة والأخبار عنا منقطعة من قبل الوالدة والأخوات، والخطوط عنا واقفة فأنت لا تغفل عن الجواب بارك الله فيك، طرشه لنا ولو مع بدو ممن يجيئنا من عندكم وعطه حمد العثمان يطرشه علي إن شاء الله وسلم لنا على حمد العثمان وعلى عيالكم وحمولتكم وكافة الإخوان الذين يحبونكم في ذات الله وتحبونهم فيها، ومن لدينا إبراهيم بن عبد الملك وحسين بن حمد وزيد بن محمد وصالح الشتري يسلمون عليكم وأنت عليكم وأنت في أمان الله وحفظه وأنت سالم والسلام. وفيها قام الحصانا والخراشا قبيلتان من آل بسام في بلد أشيقر على محمد بن إبراهيم بن نشوان فقتلوه بعد صلاة العصر في البلد المذكور، وذلك في ١٤ من شوال من هذه السنة وذلك لضغائن كانت بين الفريقين، وكان سخيًا جوادًا كريمًا تضرب الأمثال في كرمه رحمة الله عليه. ثم دخلت سنة ١٣٠١ ه ـ ففيها جرت واقعة الحمادة المشهورة بين الإمام عبد الله بن فيصل وبين محمد بن عبد الله بن رشيد.

стр. 296

وذلك بأنه لما كان في ربيع الأول خرج الإمام عبد الله بن فيصل من الرياض غازيًا وأمر على أهل بلدان نجد بالجهاد، فنزل على شقراء ودعا بغزو البلدان فقدموا عليه فيها، وأمر على بوادي عتيبة أن ينزلوا الحمادة المعروفة، وكان يريد حرب أهل المجمعة، فنزل عربان عتيبة في الروضة الكائنة في الحمادة وهي التي تسمى أم العصافير ثم ارتحل الإمام عبد الله من شقراء بمن معه من الجنود ونزل على عربان عتيبة هناك، وكان لما علم أهل المجمعة بما دبره لهم الإمام عبد الله فزعوا إلى محمد بن رشيد وأمير بريدة حسن بن مهنا وتابعوا الرسل يستعينونهما ويستحثون بعجلة. فما كان إلا أن جمع ابن رشيد جنوده من حاضرة الجبل وباديته وزحف من حائل بتلك الجنود متوجهًا إلى بريدة، ولما أن قدمها وجد الأمير حسن بن مهنا قد جند جنوده فيها، فارتحل ابن رشيد وحسن بن مهنا بجنودهما وتوجها لقتال عبد الله بن فيصل ومن معه من عتيبة، ولما التقى الفريقان جرت بينهما وقعة شديدة جدًا، وصارت الهزيمة على عبد الله بن فيصل ومن معه وقتل منهم خلق كثير، ومن مشاهير القتلى الذين من أهل الرياض تركي بن عبد الله بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن مقرن، وفهد بن غشيان وفهد بن سويلم وابن عياف ﵏، وقتل أيضًا أحمد بن عبد المحسن السديري أمير الغاط، وقتل من أهل شقراء عبد العزيز بن الشيخ عبد الله أبي بطين، ومحمد بن عبد العزيز بن حسين، وعبد العزيز بن محمد بن عقيل. وقتل من مشاهير عتيبة عقاب بن شبنان بن حميد، وأقام الأمير محمد بن رشيد بعد هذه الوقعة في الحمادة مدة أيام ثم إنه دعا برؤساء بلدان الوشم وسدير، فقدموا عليه في ذلك الموضع، وأمرَّ في كل بلد من بلدان الوشم وسدير أميرًا على ما تقتضيه إرادته، ورحل من ذلك الموضع راجعًا إلى بلده، وطمع بعد هذه الوقعة في الاستيلاء على نجد وأطمع أهل الأغراض والمقاصد وأخذ يكاتب رؤساء البلدان ويبذل لهم الأموال، واستفحل أمره، وتعتبر هذه الخطوط الثالثة في استيلائه على نجد، وقد ضبط تلك النواحي.

стр. 297

وفيها صادف آل صويط وهم رؤساء عربان الظفير صادفوا محمد الحميدي بن فيصل بن وطبان الدويش فقتلوه، وكان سائرًا لمحمد بن رشيد، وكان قتله في دم كان بينهم. وفيها أيضًا قتل سليمان بن حمد بن عثمان الحصيني رحمه الله تعالى قتله آل نشوان لما وجدوه خارج بلد أشيقر، وكان سليمان من جملة الذين قتلوا محمد بن إبراهيم بن نشوان في السنة التي قبلها. وفيها أيضًا في ربيع الثاني جرت واقعة بين أهل بلد روضة سدير بين آل ماضي رؤساء البلد وهم من بني عمرو بن تميم، وبين آل عمر وهم من الدواسر، وكان ذلك في وسط البلد قتل فيها محمد بن زامل بن عمر رئيس آل بن عمر المذكورين وقتل من أتباع آل ماضي عبد العزيز الكليبي وإبراهيم بن عرفج، فصارت الغلبة لآل ماضي وجلى آل بن عمر من الروضة إلى بلد جلاجل فأقاموا هناك. ذكر وفاة الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تعالى وهذه ترجمته هو الشيخ الإمام العالم العلامة الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، ولم يرع مخلوقًا في إظهار دين الله تعالى، ولم يبال رضا الناس وسخطهم، ذو الغيرة الدينية والنزعة المحمدية، وناصر الملة الإبراهيمية، الحبر المحقق حمد بن علي بن محمد بن عتيق بن راشد بن حميضة الفقيه الأصولي المحدّث سيف الله على أعناق المبتدعين وسهمه الصائب لأفئدة المارقين. ولد ﵀ في بلدة الزلفي المشهورة في نجد، ونشأ بها وتعلم القرآن وتشبث بطلب العلم وهو في سن الصغر، وسافر لطلب العلم ودرس على علماء نجد، فتخرج على الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وأخذ العلم عنه، وأخذ عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وأخذ عن الشيخ علي بن حسين، ونافس في الطلب، وأخذ عن غيرهم من العلماء، وكان ﵀ متقشفًا لا يبالي بحسن ملبوسه أو لين موضع جلوسه، قد زانه الله بالعلم والدين، ورفع ذكره بين العالمين يجاهد أعداء الله بالحجة واللسان ويشن الغارة على شيعة الشيطان، أضف إلى ذلك محبته لأهل

стр. 298

السنة، والتحلي بحلية المتقين حتى أصبح حنظلة في حلوق الكافرين والملحدين، ونصرةً لأولياء الله الموحدين، فهو ريحانة الأخيار حنظلة الأشرار، وأخذ عنه العلم كثير من علماء نجد، من أشهرهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف علامة نجد، والشيخ سليمان بن سحمان، وأخذ عنه أنجاله العلماء الأجلّاء الشيخ سعد بن حمد، والشيخ عبد العزيز، والشيخ عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ إسحاق وغيرهم، وكان مشهورًا بالكرم والورع وقد وقع في زمنه بنجد فتن عظيمة، فكان من أعظم الناس صبرًا وجهادًا بسيفه ولسانه، ولم يأل جهدًا في التحريض على الجهاد الشرعي في تلك الفتن. الوظائف التي نالها أما الوظائف التي نالها فقد ولاه الإمام فيصل قضاء بلد الدلم في الخرج، ثم نقله منها إلى الحلوة القرية المشهورة في حوطة بني تميم، ثم نقله منها إلى الأفلاج وبها استقر حتى توفاه الله تعالى في هذه السنة، ودفن ببلد العمار وقبره معروف إلى الآن، وكان له مؤلفات نفيسة منها أبطال التنديد باختصار شرح التوحيد، ومنها بيان النجاة والفكاك من مولاة المرتدين وأهل الإشراك، وقد جاءت مؤلفاته على أحسن وضع وأبدعه، وأثنى عليه العلماء ومدحوه، ولمؤلفاته قبول عند الموحدين لما فيها من الإخلاص والنصرة لدين الله تعالى، فكان علم القبول يلوح عليها، وكثيرًا ما تأخذه الغيرة الدينية فتجد رسائله إلى العلماء وأنصار الشريعة فيها التحريض والتأكيد في القيام لله والصدع بالحق، ويعاتب أنصار الشريعة بأن لا يهنوا ولا يفتروا عن بيان الحق والقيام بحقوقها وترميم ما درس في ربوعها وفي خروقها، كما عاتب الشيخ الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بكتاب أغلظ فيه الجواب والكلام وبالغ فيه بالخطاب والملام، والحامل له على ذلك شدة الغيرة لله ولكتابه ولرسوله، فتلقاه الشيخ بالقبول والتقدير والمناصحة، ذلك لأن الشيخ عبد اللطيف يقدر العلماء ويعرف لكل فضله ودرجته، وكثيرًا ما يكاتبه ويناصحه ويحثه على القيام بأوامر الله تعالى، كما في الفتن التي جرت بين آل سعود، ويكاتبه أيضًا الشيخ

стр. 299

عبد اللطيف في كل مهم ويحثه أيضًا على عداوة أعداء الله ورسوله، وبث ما لديه من العلم، ومهما كانت الأحوال والظروف، فإن الشيخ حمد بن عتيق له سطوة في دين الله، لا يبالي ولا يراعي، ومن كان مع الله كان الله معه، ومن وجد الله فما ضيع شيئًا. وكان قويًا في الدعوة إلى الله، وبنى له دينه وصدقه وموالاته لأولياء الله ومعاداته لأعدائه ذكرًا منتشرًا لا ينسى على ممر الأيام والليالي، والرجل فوق ما قيل في فضله علمًا وعفةً ودينًا وذكاءً وجودًا وحلمًا. ومن مؤلفاته الفرق المبين بين مذهب السلف وابن سبعين، وله رسالة في نحو كراستين في الرد على ابن دعيج الذي ضمن رسالته تزكية الكفار وأئمة الردة ومسبة المسلمين، وأنهم يكفرون من أقام ببلد المشركين وإن كان مظهرًا للدين، ومؤلفاته كثيرة، وكان ﵀ يقول الشعر سريع البديهة كتب إليه ابنه سعد في سفره لطلب العلم من الهند هذين البيتين: لاكتساب العلم سافرنا ونرجو ... أنه فتح وإقبال وبر قلت يا قلبي فأرخ منهما ... قال تاريخي له يمن أغر فلما وقع نظر والده عليهما أنشأ يقول مجيبًا عليهما: يا إلهي لا تخيب سعيه ... أوله التوفيق حقًا والظفر واجعل العلم اللدني حظه ... أوله فهم المنزل والآثر أعطه رزقًا حلالًا واسعًا ... كافيًا حاجاته في ذا السفر اكفه جميع محذوراته ... حادثات البر أيضًا والبحر ومن شعره أبيات فيها أسباب حياة القلب نذكر بعضها: حمدت الذي أغنى وأقنى وعلما ... وصير شكر العبد للخير سلما وأهدي صلاة تستمر على الرضا ... وأصحابه والآل جمعًا مسلما كما دلنا في الوحي والسنن التي ... أتانا بها نحو الرشاد وعلما

стр. 300

أزال بها الأغلاف عن قلبٍ حائرٍ ... وفتح أذانًا صمت وأحكما فيا أيها الباغي استنارة قلبه ... تدبر كلا الوحيين وانقد وسلما فعنوان إسعاد التي في حياته ... مع الله إقبالًا عليه معظما وناقد ذا لا شك قد مات قلبه ... أو اعتل بالأمراض كالرين والعما وآية سقم في الجوارح منعها ... منافعها أو نقص ذلك مثلما وصحتها تدري بإتيان نفعها ... كنطق وبطشٍ والتعرفٍ والنما وعين امتراض القلب فقد الذي له ... أريد من الإخلاص والحب فاعلما ومعرفة الشوق إليه إنابةً ... بإيثار ذا دون المحبات فأحكما ومؤثر محبوب سوى الله قلبه ... مريضٌ على جرفٍ من الموت والعما وأعظم محذور خفا موت قلبه ... عليه لشغل عن دواه يضدما وآية ذا هون القبائح عنده ... ولولاه أضحى نادمًا متألما فجامع أمراض القلوب أتباعها ... هواها فخالفها تصح وتسلما ومن شؤمه ترك اغتذاء بنافعٍ ... وترك الدوا الشافي وعجز كلاهما الخ وهي حسنة، ولما توفاه الله تعالى رثاه الشيخ سليمان بن سحمان بهذه القصيدة: على الحبر بحر العلم بدر المنابر ... وشمس الهدى فليبك أهل البصائر وأية عينٍ لا تثج بمائها ... عليه كثج المعصرات المواطر فلا نعمت يومًا ولا قلب قالئ ... خلى من الأشجان ليس بغائر فوا لهفا من فادحٍ جل خطبه ... وثلم من الإسلام إحدى الفواقر ورزء فضيع بل مريع ولائع ... لشمس هدى أضحى نزيل المقابر يعز علينا أن نرى اليوم مثله ... لحلٍ عويص المشكلات البوادر وللشبهات المعضلات وردها ... إذا ما تبدت من كفور مقامر فلله من حبر إمام وبلتعٍ ... يعوم بتيارٍ من العلم زاخر ويقفوا لآثار النبي وصحبه ... يجدد من منهاجهم كل داثر

стр. 301

ويحيى علامات من العلم قد عفت ... ويعمر من بنيانه كل دامر إمامٌ تزيا بالعبادة فاستما ... بها وارتقا مجدًا سمي المظاهر لقد كان أمًا في السماحة والندى ... فليس له في عصره من مناظر وفي الحلم قد أضحى لعمرك آية ... وفي العلم ذو حظ أطيد ووافر تقي نقي ألمعي مهذب ... أريب رسيب الجأش ليس بطائر وبدر منير يستضاء بضوئه ... إذا ما أجنت حالكات الفواقر لأن كان قد أضحى له القبر منزلًا ... وأقوت رباع من حماة أساور لقد كسفت للدين شمس منيرةٌ ... يغطي سناها كل باغ وكافر فواحرنا أن كان لا بقية ... تخلف من بعد الهداة الأكابر فسار على منهاجهم واقتفائهم ... على المنهج الأسنى على المفاخر وأرتج أفواه العدا فهي خرس ... وأشرج من مفتوقها كل كاشر فلا ذو ضلال وابتداع برائم ... سبيلًا إلى تشكيكه كل قاصر لقد عاش في الدنيا على الأمر بالتقى ... ونهى الورى عن موبقات المناكر يجاهد في ذات الإله ولم يكن ... لتأخذه في الله لومة لائم فلا مذهب عن نهج الحق صده ... ولا ذهبًا يبغي كفعل الأخاسر ولكنما مطلوبه الحق والهدى ... على نهج ما قد سنه خير آمر فأضحى رهينًا في المقابر آويا ... وصار إلى ربٍ كريم وغافر لقد صابنا صاب من الحزن مفجعٌ ... لدن طرق الناعي بفخر المحاضر وأرق جفن العين خطب عصبصب ... يضعضع من ركن الهدى كل عامر فجالت لنا الأشجان من كل جانبٍ ... وأظلم من نجد سطيع الدساكر وأصبح منهد القواعد موحشًا ... وقد كان معمورًا سمي المفاخر فصبرًا بني الإسلام صبرًا فإنما ... بعد جزيل الأجر حقًا لصابر وللعلم فليبكي ذوو العلم والنهى ... فقد غيبت أعلامه في المقابر ولم يبق إلى رسمه فهو دارس ... خفي على السلاك من كل سائر

стр. 302

لعمري لقد قوى من الأرض وأنقضا ... فصبوا من الأجفان دمع المحاجر ويا أيها الإخوان لا تسأموا البكا ... على علم الأعلام بدر المنابر فما حمد بالعلم إلا متوجٍ ... حميد المساعي مشمعل المآثر عليم بفقه الأقدمين محقق ... وقد كان ذا علمٍ بفقه الآواخر وقد حاز في علم الحديث محلة ... تسامى بها فوق النجوم الزواهر وبالسلف الماضين كان اقتفاؤه ... من القول بالفتوى وقطع التشاجر وفي كل فن فهو للسبق حائز ... فضائله أعيت على كل حاصر وحسبك أن قد صار مشهور فضله ... سميا شهيرًا بين بادٍ وحاضر تغمده المولى الكريم بفضله ... ورحمته والله أقدر قادر وأسكنه بحبوحة الفوز والرضا ... مع الصالحين الطيبين الأطاهر ولا زال هطال من العفو والرضا ... مدى الدهر في أصالها والبوكر على قبره يهمي فذو العرش مجده ... أبروا على أن يحاط لحاصر وصل إلهي كلما ذر شارق ... وما أنهلت الجون الغوادي بماطر وما هتفت ورقا في كل أيكةٍ ... وما أم بيت الله من كل ضامر على المصطفى الهادي الأمين محمدٍ ... وأصحابه والآل أهل المفاخر توفى الشيخ حمد عن عدة بنين من أشهرهم وأعلمهم الشيخ سعد بن حمد، والشيخ عبد العزيز بن حمد وغيرهم، فنسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جنته ويجبر المصاب بفقده. وفيها صدرت أول صحيفة بمكة المكرمة من المصحف والجرائد ابتداءً. وفيها في غاية شوال أوفد الإمام عبد الله بن فيصل أخاه محمدًا بن فيصل إلى الأمير محمد بنُ عبدِ الله بنُ رشيد في الجبل ومعه كتب من أخيه الإمام يذكر فيها مآثر آل سعود وما قاموا به من تقديم آل رشيد في إمارة الجبل وجعلها وراثية فيهم لا سيما في آل عبد الله، ويطلب من الأمير حسن المعاملة والمجاملة وحسن الجوار لما بين البيتين من الصلة والعطف، ولما قدم محمد بن فيصل على الأمير محمد بن رشيد

стр. 303

تلقاه بالإكرام والاحترام والحفاوة، وأجلسه عنده كأكرم حشيم، وحقًا عليه محمد بن رشيد أن يكرم آل سعود، أليسوا سادته وأهل الفضل عليه وعلى آل بيته، وأقام في حائل حتى قدم في السنة التي بعدها. وفي هذه السنة أزيلت قبتان في المسجد الحرام خلف بئر زمزم، وذلك لأنه لما دخل السيل في المسجد الحرام وأتلف كثيرًا من الكتب التي هناك اقتضى رأي ولاة الأمر في ذلك الوقت إلى نقل الكتب كما تقدم، وجعل محل القبتين رحبة في المسجد الحرام توسعة للمصلين فلم يبق لهما أثر، وهذا في بدء ولاية الشريف عون الرفيق، وكان شيخ الحرم إذ ذاك عثمان نوري باشا. وفيها أزال عثمان المذكور بشيخ المسجد الحرام المزولة التي بصحن المسجد الحرام خلف زمزم، وجاء بساعتين كبيرتين يبلغ طول الواحدة منهما نحو مترين، فوضعهما في حجرة ملاصقة لباب بازان مما يلي منارة باب علي بالمسجد الحرام، ولا تزال الساعتان موجودتين غير أنهما صارتا غير صالحتين لعدم تعهدهما بالإصلاح، ولطول الزمان وتداول الأيدي عليهما. ثم دخلت سنة ١٣٠٢ ه ـ ففي محرم منها قدم محمد بن فيصل إلى بلد الرياض، وكان قدومه في خامس محرم راجعًا من عند الأمير محمد بنُ رشيد بهدية ثمينة لأخيه الإمام عبد الله بن فيصل من الأمير المذكور، وترك له بلدان الوشم وسدير. وكان قد مدّ يديه عليهما كما أسلفنا، فقام الإمام عبد الله وعزل من أراد عزله من أمراء تلك البلدان وأبقى من أراد بقاءه منهم، فكثر الاختلاف منهم على الإمارة، وعظم الشقاق، وتغلب أهل البلدان على بلدانهم، فما تم نفوذ ابن سعود فيها ولا استقامت رعايته عليها، ولا تقلص عنها أمر ابن رشيد، بل زاد ذلك شقاقًا بينه وبين ابن رشيد، وكان هذا سببًا للمشاغبات والاضطرابات، وضعف أمر آل سعود بسبب تفرقهم واختلاف كلمتهم وكثرة تنازعهم.

стр. 304

وقد كان أولاد سعود يتحينون الوثبة على عمهم الإمام عبد الله، فكتب الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى رسالة أرسلها إليهم يناصح آل سعود ويحثهم فيها على الاجتماع والاتفاق والتناصر، وينهاهم عن التفرق والاختلاف مبينًا عاقبة الاختلاف، وما حصل بسببه عليهم من الذل والهوان، وخروج بلدانهم من أيديهم، وكيف طمع الأعداء بملكهم، وباح فيها بما لديه من النصح والتحسر مع الرسالة بقصيدة وهي هذه: متى ينجلي هذا الدجى والدياجر ... متى ينتهض للحق منكم عساكر متى تنتهوا عن غمرة النوم والردى ... وينهض لنصر الدين منكم أكابر متى تتجدد دعوة حنفيةٌ ... يكون لها بالصدع ناه وآمر متى ترعوي منكم قلوب عن الردى ... متى ينقضي هذا القلا والتهاجر فحتى متى هذا التواني عن العلى ... كأنكمو ممن حوته المقابر وأموالكم منهوبةً وبلادكم ... تبواها بالرغم منكم أصاغر وأشياعكم في كل قطرٍ وبلدةٍ ... أذلا حيارى والدموع مواطر وأطفالكم هتكى تشتت شملهم ... وساءت لهم حال إذ الجد عاثر ممالكم قد قسموها ملوككم ... وأنتم لها أحدوثةٌ ومساخر فإن ذكرت أو ذكرت بعض ما مضى ... أجابت ببيت ضمنته الدفاتر كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم سمر بمكة سامر ألم يك للأسلاف منكم مناقب ... ألم يك للأخلاف منكم مفاخر وفي آيةٍ في الفتح قد جاء ذكركم ... وقد حرر التفسير فيها أكابر وفتيان صدق من رجال حنيفةٍ ... بأيديهم سمر القنا والبواتر يرون شهود البأس أربح مغنمٍ ... لدى مأزقٍ فيه يرى النفع ثائر فسل عنهم يوم الصبيحة الذي ... به أنفخت للحق بصائر وسل عنهمو يومًا به الطبعة التي ... قد اشتهرت والله مولى وناصر وسل عنهم يومًا بجانب جودةً ... وليس لأمر حمد الله قاهر

стр. 305

فقد بذلوا غالي النفوس لربهم ... وأمسوا لأيدي الأرذلين مجازر فأبكيهمو بأعينٍ منك وأسبلى ... دموعك والأجفان منك فواطر ولا تتركي يا نفس شيئًا من الأسى ... على مثلهم تنشق منك المرائر أيا مفخر القوجاذدي إلباس والندى ... أجيبوا جميعًا مسرعين وبادروا على الله ذي الرحمن جمعًا توكلوا ... أذيقوا العدا كأس الردى وتوازرو أجيبوا جميعًا مسرعين إلى الهدى ... فليس بكم إلا القلا والتشاجر وأجدادكم أهل النباهة والعلا ... إلا فاقتفوا تلك الجدود الغوابر فكم لهمو يومًا به الجو مظلمٌ ... وقد نشرت للحق فيه شعائر وجدكم الأعلى لدى حومة الوغى ... به قطعت للمعتدين دوابر وكم لكم من فاتكٍ تعرفونه ... أوائلكم معروفةً وأواخر فما فارس الشهبا وما الحارث الذي ... أباد لظاها والرماح شواجر وإن ذكرت أركانكم ورؤوسكم ... فإن أبا تركي ليس يغادر فكم مشهدٍ كم معهدٍ تعرفونه ... كما عرف أقوام باد وحاضر فلله أيامٍ له ومحاسن ... تشبه بالأعياد والأمر ظاهر فلا تقنطوا من رحمة الله إنما ... تجي محنة وإليه للخلق قاهر عسى ولعل الله يأتي بلطفه ... فلا بدع فيما قد أتته المقادر فتشفى ليانات وتقضى مآرب ... وتبهج فيما تشتهيه النواظر وحسن ختام النظم صل مسلمًا ... على المصطفى ماسح في الأفق ماطر كذا الآل والأصحاب ماذرَّ شارق ... وما غردت ورق وما ناح طائر وفيها جرت محنة حبس لها بعض طلاب العلم، وسببها أنه لما كان ليلة الثلاثين من شعبان، تراءى الناس هلال رمضان، وكانت ليلة غيم فلم يره أحد سوى نساء لا يوثق برؤيتهن، ادعين رؤيته، فأمر الإمام عبد الله بن فيصل بالصيام، فصام وصام أهل البلد معًا، ولم يصم الشيخ عبد اللطيف ولا الإخوان الذي يدرسون عليه، وأصبح الشيخ عبد الله جالسًا للتدريس كعادته مفطرًا يقرء الطلاب حلقًا،

стр. 306

وتدار القهوة على الحاضرين والبخور والطيب، كذلك من دخل للاستماع، ووجد الشيخ والإخوان مفطرين يفطر تأسيًا بهم، فذهب بعض الناس من المرجفين إلى الإمام ثائري الرؤوس منتفخي الأشداق، واستثاروا جأشه فلم ير بدًا من أن يبعث إلى مجلس التدريس من يشتته، وألزم الناس بالصيام بعد إغلاق بيت الشيخ وإخراج الطلاب وحبس بعضهم. وكان من جملة من حبس من أهل العلم سليمان بن سحمان، وكان الساعون بهذه المسألة مع ما قام بهم من الغيظ والحمق يرون صيام يوم الشك إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر وهي رواية عن الإمام أحمد، أخذ بها بعض الأصحاب، ويكون ذلك احتياطًا ولم يذكروا أنه يضرب ويؤذي من لم يصم كحبسه ونحو ذلك. والرواية الثانية: أنه لا يصام إلا برؤية هلال رمضان وإكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا، وهذه الرواية هي الصحيحة، وعليها العمل وهو الراجح عند جمهور الأصحاب، وعليه تدل الأدلة الصحيحة فهذا هو الباعث لتلك المحنة. ما كان لعبد الله بن فيصل أن يصوم أو يأمر بالصيام إلا بإذن من شيخ الطريقة وعالم الوقت ألا وهو الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وأن له مندوحة عن هذا الفعل السيء الذي يجرح العواطف، وقد لبث المسجونون من الصباح إلى وقت الظهر ثم أخرجوا بشفاعة والدة الإمام أثابها الله. وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان في ذلك الحادث يشكو إلى الله شماتة الأعداء: لله عيش تقضي بالمسرات ... وسلوةٌ وانشراحات وخيرات والقلب ذو رغدٍ فيه وذو دعةٍ ... قد انقضى بسعادات وراحات ولم يقاس من الأهوال فادحةٍ ... ولا أستهين بلوعات وروعات في كل يوم أقاسي شدة وهنا ... بعد الذي كان في عصر المسرات استغفر الله عما كان من زلل ... ومن خطأ تخطا بالمصيبات

стр. 307

وليس إلا إلى الرحمن منجعي ... فهو العليم بأحوالي ونيات وهو الرحيم وملجأ من يلوذ به ... الكاشف الغم القاضي الحاجات وقد ممدت حبالي راجيًا فرجا ... ومنشدًا قبل داعٍ ذي امتحانات فقلت مشتكيًا ما قال مبتهلًا ... بالله مرتجيًا تفريج أزمات فصل حبالي وأوصالي بحبلك يا ... ذا الكبرياء وحقق فيك رغبات أنا الذليل أنا المسكين ذو شجنٍ ... أنا الفقير إلى رب السموات أنا الكسير أنا المحتاج يا أملي ... جد لي بفضلك واعف عن خطيئات أنا الغريب فلا أهل ولا وطن ... أنا الوحيد فكن لي في ملمات أنا العبد الذي ما زلت مفتقرًا ... إليك يا سيدي في كل حالات لا أستطيع لنفسي جلب منفعةٍ ... ولا عن النفس لي دفع المضرات مالي سواك ولا لي عنك منصرفٌ ... ذكراك في القلب قرآني وآيات أنت القدير على جبري لوصلك لي ... أنت العليم بأسرار الخفيات أدعوك يا سيدي يا مشتكي حزني ... يا جابري يا مغيثي في مهمات فانظر إلى غربتي وارحم ضنا جسدي ... يا راحم الخلق يا باري البريات وقد دهيت فلم يسمع وقلت فما ... أجدى لدي ناصري فاسمع شكايات أنت المغيث وأنت المستعان ولا ... تخفى عليك إرادتي وغايات وناصري غاضني بل هاضني وشفا ... أو غار قومٍ بغوا وأعظم لوعات يا قادرًا قاهرًا من كان ذا عنت ... أنت القدير لقهر الظالم العات وقد شجيت فقلبي لا يصاحبني ... من عظم هول الخطوب المجريات وقول هذا الورى قد أدخلوه وكم ... قد أخرجوه لمرات عديدات لما انتصرت وعن نفسي دفعت أذًا ... وقد ظلمت بأنواع الجنايات يا رب فاغفر لمن لم يدر ما قصدوا ... وما أراد الأعادي من مضرات وأنت يا سيدي يا منتهي أملي ... تدري وتعلم مقصودي ونيات والراحم الكافل الكافي لآمله ... الماجد الغاني الماحي لزلات

стр. 308

وما اقترفت وما قد كنت مجترحًا ... من الذنوب فإني لذو الخطيات وابسط بفضلك لي ما كنت آمله ... يا من له الفضل محضًا في البريات ومن له الجود والموجود أجمعه ... والخلق والأمر ثم الكائن الآلي وعبدك المشتكي والمرتجي فرجًا ... لاطفه وارحمه وأحفف بالعنايات وصل يا رب ما هب النسيم وما ... غنى الحمام على أفنان أيكات على النبي الأمين المصطفى شرفًا ... والآل والصحب أصحاب الكرامات ولما أن خرج الشيخ سليمان من السجن إنشاء قصيدة أخرى من هذا الموضوع تتضمن ما حصل عليه من الإهانة والسجن على غير ما مبرر، وباح بلسان الشكاية إلى الله اعتداء المعتدين، وشماتة الأعداء الحاسدين، والقصيد من الطويل على قافية القاف فعلى من أحب الاطلاع عليها مراجعتها في ديوان الناظم فمن أبياتها: على غير ذنبٍ موجب قد جنيته ... يسوغ به للشامت القدح والقذف فلو كان عن ذنب جناية من بغى ... لما ليم من أخطاء على ماله يهف ولكنه لا ذنب لي غير أنني ... إلى الحق قد أصبو وللضد قد أجفو وأبذل جهدي واجتهادي ومذودي ... لقمع العداء إن جاءنا منهمو عنف أناضل عن دين الهدى كل مبطلٍ ... وأحمي حمى التوحيد إن سامه خسف وأتبع أقوال الرسول وصحبه ... على حسب علمي بالدليل الذي يصفوا فإن كان ذا ذنبًا وأوجب ما ترى ... فيا حبذا إنا غدًا سوف نصطف لدى الملك الديان يوم معادنا ... فيحكم لا حيف بل النصف الصرف فيسألنا الرحمن ﷻ ... وكلٌ سيلقى بارزًا كل ما يقفوا فهيء جوبًا أيها الخصم واعترف ... بأن غدًا والله ينكشف السجف فإن قصارى هذه الدار برهةً ... ومن بعدها دارٌ بها سوف نلتف ويجمعنا حشر ونشر وموقٌ ... طويلٌ وأهوالٌ يقاسي بها اللهف

стр. 309

الخ. وهي طويلة حسنة، قلت وقد أخطأ الإمام عبد الله بن فيصل بهذا الصنيع، والله يغفر له، ولعل الباعث لذلك منه هو ردع المخالف لأوامره، لئلا يتساهل الناس بالخلاف. ثم دخلت سنة ١٣٠٣ ه ـ ففي هذه السنة هجم أبناء سعود على عمهم الإمام عبد الله بن فيصل فقبضوا عليه وألقوه في السجن، ذلك لما في تلك النفوس من الحقد على بعضها البعض، وكأنهم ورثوا تلك العداوة عن أبيهم سعود بن فيصل، فلما سجن الإمام عبد الله دبّ محمد بن عبد الله بن رشيد من حائل يقتطف ثمار الخلاف كعادته، فجاء فزعًا لعبد الله بن فيصل من أبناء أخيه الثائرين، وكتب إلى رؤوساء البلدان في نجد يسفه عمل أبناء سعود، ويدعو لنصرة الإمام عبد الله من هذه الأيادي الجائرة، فانخدع له الناس ولبوا دعوته مسرعين، وزحفوا معه إلى الرياض لإنقاذ الإمام كما ادعى، ولما أن دنى يمن منها معه من الجنود، ووصلوا إليها خرج إليهم وفد من الرياض للمفاوضة، يرأس هذا الوفد عبد الرحمن بن فيصل، ولما بحثوا في الموضوع قال محمد بن رشيد كلا فما قصدي والله غير أن أخرج عبد الله من السجن وأن تكون الولاية في بلدكم لكم يا آل سعود، ثم عاهدهم على ذلك، فلما رأى أبناء سعود اتحاد الناس عليهم طلبوا الأمان من ابن رشيد فأمنهم على دمائهم وأموالهم، فغادروا إلى الخرج، وبعدما دخل ابن رشيد الرياض واستولى عليها ظهر في مظهر الفاتح القهار، فأطلق عبد الله بن فيصل من السجن وأرسله وأخاه عبد الرحمن وعشرة آخرين من آل سعود إلى حائل أسراء، ثم أقام سالم بن سبهان أميرًا على الرياض، وكان سالم بن سبهان هذا رجلًا ظلومًا لا يخاف الله ولا يتقيه عياذًا بالله، وهو من آل سبهان الذين هم إخوان الرشيد. ذكر إمارة سالم بن سبهان على الرياض ١٣٠٣ هـ وشيء من عدله لما جلس الأمير سالم أميرًا على الرياض، ورجع محمد بن عبد الله بن رشيد إلى

стр. 310

حائل، قدم على الأمير سالم بعد خمسة أشهر وفد متظلم من الخرج يشكو خلافًا وخصومة بينهم وبين أبناء سعود بن فيصل الذين جاءوا إلى الخرج قادمين من الرياض، فعند ذلك ذهب سالم يحسم الخلاف هناك ويحل المشاكل، ونعم فقد حسمه حسمًا تستحيل عنده العادة، فقتل أبناء سعود وهم محمد وسعد وعبد الله الذين أمنهم بن رشيد على حياتهم، وبعد ما قتلهم أجلى أهلهم إلى حائل، وكان هنا ابن رابع لسعود يدعى عبد العزيز استبقاه لصغره فكان من جملة المجلوبين مع أهله إلى حائل، ولما فعل سالم بن سبهان هذه الفعلة الشنعاء ضج الناس من إمارته وقاموا يحتجون على آل سبهان، وكان سالم ينسب إليه جراءة عجيبة. فروي أنه كان له أسنان كاشره فكان يقول يا أيها الناس لا تغتروا بخروجها فإنها لا تخرج إلا عند القتل، يعني لا تظنوا أنه يضحك فإنها كما قيل: إذا رأيت نيوب الليث باديةً ... فلا تظنن أن الليث يبتسم وسيأتي له بقية ذكر عند إمارته في بريدة والعياذ بالله، ولما ضج الناس من أفعال سالم بن سبهان الوحشية، وذلك بأنه سار من الرياض بما يزيد عن مائتي مقاتل من أتباعه لقتل أبناء سعود، فصبحوا الخرج وقصدوا منزل الأمير عبد الله بن سعود بن فيصل في بلد الدلم، فدخلوا عليه وهو آمن فقتلوه صبرًا في منزله وبين أهله وأولاده، ثم أرسل ثلاثين فارسًا إلى محمد بن سعود الذي كان متغيبًا في بلد زميقة فأدكوه وقتلوه، ولما أن علم الأخ الثالث سعد بن سعود بما جرى على أخوته فر على وجه والتجأ عند بادية الدواسر، فقام سالم بن سبهان لما علم بفراره، واعتقل عددًا من رجال الدواسر الموجودين في الخرج وهددهم بالقتل إذا لم يحضروه، فجاؤا به ومثل بين يديه فقتله صبرًا والعياذ بالله. ثم إنه صادر كل ما عندهم من مال وسلاح وخيل وركائب وملابس وغيرها وجمع نساءهم وعوائلهم، ثم أرسلهم إلى حائل وبعث أحد رجاله وهو إبراهيم بن جبر الفضلي إلى محمد بن رشيد بحائل يبشره بقتلهم، ولما أن وصل رسوله إلى حائل

стр. 311

يحمل هذا النبأ الفظيع، علم الإمام عبد الله بن فيصل وأخوه عبد الرحمن بمقتل آل سعود، فحزنوا لذلك حزنًا شديدًا، وكانوا معتقلين هناك، فقام محمد بن رشيد يحلف لهم الأيمان المغلظة بأنه لم يأمر سالم بقتلهم وإنما استبد هو من دون أن يعلم، ثم عزله عن إمارة الرياض، وجعل مكانه فهاد بن رخيص من كبار شمر وتظاهرا بالخجل أمام الناس من ظلم بن سبهان. وكان لما جاءه الخبر وعبد الله بن فيصل إلى جانبه، تأثر عبد الله لهذا الأمر، فأشار محمد بن رشيد إلى لسانه يحذر عبد الله من الكلام ويعدهم أنهم لا يرون بأسًا ما داموا قد ملكوا ألسنتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وسبحان المتصرف في خلقه على وفق مراده؛ بينا أن محمد بن رشيد نجده قبل هذه السنة بست عشرة سنة ينزل على الإمام عبد الله وافدًا متواضعًا تحت سلطانه أذابه في هذه السنة يقتل أهل بيته ويعامله معاملة الأسير تحت ضغطه وسلطانه في حائل، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ونحن نشير إلى سياسة ابن رشيد نحو آل سعود بأنه لم يقتل سالم بن سبهان، ولم يقصه عنه بل عزله عن الإمارة وادخره صارمًا مسلولًا لمثلها. وفيها ولد الملك فيصل بن الحسين بن علي الشريف الهاشمي، وكانت ولادته في مكة المشرفة وأمه الشريفة عابدية كريمة الشريف عبد الله باشا بن محمد بن عون، وقيل أن ولادته في التي قبلها ولعله الصحيح. رجعنا إلى ذكر الإمام عبد الله بن فيصل فنقول: كان قد انقضى عشرون عامًا منذ خلف والده الفذ على عرش بلاده كوارث شرعي للدولة السعودية التي امتدت من جبل شمر إلى ساحل عمان ومن الخليج العربي حتى الحجاز، وحدود اليمن، واستطاع بعجزه وعدم جدارته بهذه التركة الواسعة أن يبدد هذه المملكة، ولم يتورع عن طلب المعونة الأجنبية لتثبيت عرشه المتداعي، وكانت النتيجة أن ضم أولئك الأجانب لبلادهم، البلاد التي جاءوا لإنقاذها ولم يبق في يده سوى منطقة

стр. 312

العارض وسلطة أسمية على الوشم وسدير، وأخيرًا نقل أسيرًا إلى حائل لتطول سنواته الأخيرة في المنفى، ولقد مضى عبد الله ثلث مدة حكمه لاجئًا لا وطن له أثناء ما حكم الآخرون مكانه في وسط دولة متفككة منحلة، ومع كل هذا فإنه كان في دماثة خلق وإن كان تاريخه يشهد على أنه كان أمرءًا تنقصه الحكمة والدهاء. وكانت هذه فرصة محمد بن رشيد الطامع في حكم نجد لبسط سلطانه على ما تبقي من الدولة الوهابية حينما توجه إلى الرياض على رأس جيش كبير متظاهرًا بصداقة الإمام عبد الله. فاستولى على الرياض، وأطلق سراح عبد الله من سجنه وأخذه إلى حائل وهذه نتيجة التخاذل بين آل سعود، وما أحسن ما قاله علي بن المقرب صاحب الحماسة يندد بسياسة الهوق واللين، ويحث على التصلب لما يعلم من سوء عواقب التراخي والدعة: تجاف عن العتبى فما الذنب واحد ... وهب لصروف الدهر ما أنت واجد إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه ... فلا عجبًا أن سالمتك الأباعد ولا تشك أحداث الليالي إلى امرئٍ ... فذا الناس أما حاسد أو معاند وعد عن الماء الذي ليس ورده ... بصافٍ فما تعمي عليك الموارد فكم منهل طامي النواحي وردته ... على ظماء فانصعت والريق جامد فلا تحسين كل المياه شريعة ... يبل الصدى منها وتوكي المزاود فكم مات في البحر المحيط أخو ظما ... بغلته والماء حار وراكد وأن وطن ساءتك أخلاق أهله ... فدعه فما يغضي على الضيم ماجد فبت حبال الصل ممن توده ... إذا لم يرد كل الذي أنت وارد وقل لليالي كيفما شئت فاصنعي ... فإن على الأقدار تأتي المكائد ولا ترهب الخطب الجليل لهوله ... فطعم المنايا كيف ما ذقت واحد فقم نحصد الأعمار ونبلغ المنى ... بجدٍ فاللأعمار لا بد حاصد فليس بصعاد إلى المجد عاجز ... نؤم تناديه العلى وهو قاعد إلى أن قال:

стр. 313

خليلي كم أطوي الليالي وعزمتي ... تناولني الجوزاء والجد راقد وكم ذا أناجي همةً دون همها ... نجوم الثريا والسها والفراقد وتقعدني مما أحاول نكبة ... جرت وزمان عاثر الجهد فاسد وإخوان سوء إن ألمت ملمةٌ ... بسوء فهم أساسها والقواعد يسرون لي مالا أسر وكلهم ... على ذلك شيطان من الأنس مارد لقد بذلوا المجهود فيما يسؤني ... وقد كنت أرمي دونهم وأجالد وأعجب ما لقيت أن بني أبي ... حسام لمن يبغى جلادي وساعد عزيزهم إن لمت يومًا بظله ... رأيت سمومًا وهو للخصم بارد وسائرهم إما ضعيف بضعفه ... له عاذر أو مبغضٌ لي مجاهد همو ألحموني النائبات وأولغت ... بلحمي أسود منهم وأسادوا وهم تركوا عمد جنابي ومربعي ... من الجدب لا يرجو به الخصب رائد وهم شمتوا بي حاسدي وذلكم ... من الأمر ما لا ترتضيه الأماجد ثم دخلت سنة ١٣٠٤ ه ـ استهلت هذه السنة وعبد الله بن فيصل وأخوه عبد الرحمن بن فيصل وأفراد الأسرة السعودية في بلدة حائل تحت رحمة الأمير محمد بن رشيد، وعلى ما تقتضيه مشيئته. كما أن مصر قد دخلت تحت الحماية وذلك على أثر الثورة العرابية، وظل هذا شأنها حتى إعلان الحرب العظمى. أما بلد الرياض فلا يزال في إمارتها فهاد بن رخيص من قبل الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد، وكان على بريدة وضواحيها حسن بن مهنا أبا الخيل، وكان مولعًا بتفجير العيون وبناء القصور. ومن أعظم ما شيده قصر مدينة بريدة المشهور، وكان كبيرًا جدًا فيه حصون

стр. 314

وأبراج وقلاع، مهيأة للحرب، وجعل في أعالي حيطانه مصاليت ومعدات للقتال، وأودع فيه محلات المالية ومجابي التمور والحبوب والأسلحة، وفيه مجالس واسعة وخزائن وسجون وجميع ما تحتاج إليه هذه الإمارة، وكان هذا القصر محكم البناء بالنسبة إلى بناء البلد منيعًا جدًا وقد زاد على حيطانه حائطًا بعد حائط من يتولى بعده من الأمراء، ويسكن هذا القصر أمير بريدة الموجود فيها، وإذا قدم جلالة الملك إلى القصيم فإنه يسكنه وموضعه في وسط البلد، وقد هدم ما حواليه من الجهات الأربع ليكون متحدًا وحده فلا يتصل به مساكن، بل كان كل ما يليه فسحة يقدر ميدانها من كل جهة، بستين مترًا وقد رأيت جدار حسن بن مهنا لما هدم الأمير عبد الله بن فيصل بن فرحان ركن القصر الشرقي الجنوبي لما كان أميرًا في بريدة لإنشاء بعض غرف فيه، فوجدته في غاية القوة والإحكام لا تكاد المعاول والفؤوس تهده. وكان الأمير إذ ذاك في عنيزة زامل بن عبد الله آل زامل قد استقل كل منهما في بلده، وقد تحسنت العلاقات بين أمير بريدة وأمير عنيزة. أما محمد بن رشيد إذ ذاك فإنه يبرم حيلته في ضم القصيم إلى ممالكه لكنه لفضل سياسة ودهاء كان متصفًا بهما لا يظهر ما يؤثر على الأميرين، وقد قام بعد ذلك يتحرش بأهل القصيم. هذا وقد استقر الشيخ الإمام محمد بن عبد الله بن سليم في بلدة بريدة، وذلك كما قدمنا أنه نفي منها إلى عنيزة، نفاه منها الأمير حسن لما أوعز إليه بعض جلسائه بذلك، وأشار عليه بجلب عالم في العراق معروفًا عند الأشقياء، فقيل إنها ذرفت عينا الأمير حسن وخاف من جلب عالم أجنبي يفسد عقائد أهل القصيم، وقال لقد نفيت ابن سليم لهوى نفسي فأعاده إلى بريدة مكرمًا وتولى قضاءها. ونزيد المقام أيضاحًا فنقول: لقد دبر أحد أمراء القصيم رجلًا معينًا لقتله فكان يرصد له في الطريق، وكلما أراد أن يتقدم لاغتيال الشيخ يصيبه رعب شديد يحال بينه وبينه، فلما أن اطلع الشيخ محمد بن عبد الله على جلية الأمر وأخبره ذلك

стр. 315

الفاتك وتاب من ذنبه، اتصل الشيخ بالأمير وأبدى أسفه الشديد على ما صدر منه، وقال على ما تقتلني ولم أشاقق في الملك، ولم يبدر مني بوادر ضدكم، فوالله لا أملك سوى هذه المروحة من سعف النخل، فتكلم الأمير قائلًا والله لهي أثقل علي من ذي الفقار "سيف علي بن أبي طالب" فغادر الشيخ بلد بريدة ثم عاد إليها. وفي هذه السنة نزلت أمطار غزيرة على القصيم، فأخصب الناس وخرجت نوابت الأرض وأعشابها. وفيها وفاة دحلان، وهذه ترجمته: هو حامل راية الضلال الخبيث المتقول على أهل الحق بالكذب والزور، نسأل الله تعالى العافية، أحمد بن زيني دحلان المكي، شرف الله مكة وزادها تعظيمًا، ويسمي إذ ذاك بمفتي الشافعية بمكة، وكان قد شرق بهذه الدعوة الوهابية، وسب أهلها وأجلب عليهم بخيله ورجله، واتبعه على خبثه من كان على طريقته ممن لا يفرق بين الغث والسمين، وأقذع في مسبة إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتلوث لسانه وكتبه بذلك. وكان الدافع له على ذلك الدولة العثمانية، بذلوا له الأموال الطائلة وأغروه، فانقاد إلى تلك الهاوية، وإذا لم يخش العبد ربه، ولم يستح من خالقه فليفعل ما شاء، نعوذ بالله من الخذلان. وقد جوّز التوسل بالأنبياء والأولياء، وزعم أن الشيخ محمد كفّر الناس، وإنه يدعى أنه نبي غير أنه لا يبدي هذه المقالة، وأنه ضرب أعمى كان يصلي على الرسول ﷺ ويديمها وقد نهاه، فلما لم ينته ضربه حتى مات. وأجاز دحلان شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء إلى غير ذلك من التضليلات، وأورد أخبارًا في استحباب زيارة قبر الرسول ﷺ وقد ردّ عليه العلماء وصاحوا به من أقطار الأرض وبدّعوه وضلّلوه. ومن العجائب أن كل من أبغض هذه الدعوة الوهابية فإنه يستمد ضلاله من

стр. 316

دحلان. وكان له من المحاسن رسائل مجموعة مختصرة في وجوب الصلاة والمحافظ عليها، وتأكيد حضورها مع الجماعة، فالله المستعان. وفيها قتل الأمير علي بن قاسم بن ثاني نجل أمير قطر المشهور، الذي يلقب جوعان، وكان قتله على يدي العجمان. وكان المترجم قارضًا للشعر العامي، وقد اتصل به الشاعر النجدي محمد بن عبد الله بن عثيمين اتصالًا وثيقًا حتى أصبح نديمًا له وصفيًا، ولما قتل وقام قاسم بن ثاني بعد ذلك لقتال العجمان لأخذ ثأره، كان الشيخ محمد بن عثيمين هو الحامل للراية، وظهر من آثار شجاعته وشدة سخطه وقوة وفائه ما رفع منزلته عند آل ثاني أمراء قطر، وواسوه بالمال والرعاية حتى أصبح كواحد منهم، يعيش بين قصورهم ويصحبهم في أسفارهم. وفيها وفاة الشيخ علي آل محمد آل راشد قاضي عنيزة، وكان من قبيلة الأساعدة أهل الزلفي، وبلدته علقة من قرى الزلفي، تولى قضاء عنيزة سنة تسع وستين بعد المائتين والألف، ينيبه على القضاء فيها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين لأنه قد تخرج عليه وأخذ عنه، فاستمر في قضاءها حتى توفى في هذه السنة. وقد جرى في أيامه أنه قدم آل عاصم الذين هم بطن من قحطان، يقودهم حزام بن عبد الرحمن بن حشر على الغميس والشقيقة المجاورة لبلد عنيزة، وكانت حمى لأهل عنيزة يرعون فيها الأبل والأغنام ويمنعون الكلأ لسوانيهم التي يسقى عليها الزرع، فلما دخلوا الحمى بعث إليهم أهل عنيزة يأمرونهم بمغادرة المكان والذهاب إلى الفضا والفلاة الواسعة، وكانت تلك القبيلة من قحطان فيها بغي وجبروت على أهل القرى، يتطاولون ويتمردون، فلم يرفعوا رأسًا إلى تلك الرسل التي أرسلها إليهم رئيس بلد عنيزة زامل بن سليم، فجاء الرئيس إلى القاضي المترجم وقال له: أيها القاضي إن هؤلاء الأعراب قد طغوا وتجبروا يضربون من وجدوا في تلك الناحية من أهل البلد من رعاة وغيرهم، وقد آذونا فهل يحل لنا

стр. 317

غزوهم؟ فأجابه أن نعم، ثم إنه تأهب أهل عنيزة وخرجوا في يوم الأربعاء أحد أيام رجب من سنة ١٢٩٥ هـ، فلما زحفوا تحت رايتهم التي كان يحملها الصقيري على راحلته انكسر الرمح الذي فيه الراية ورجع رئيس الجيش زامل بقومه فأمرهم بالنزول، وذهب إلى القاضي علي يقول له إنا خرجنا في هذا اليوم وهو مكروه عند العرب، فلما كانت الراية عند باب البلد انكسرت، فماذا ترى؟ أنقيم اليوم ونغزوا غدًا نهار الخميس؟ فقال الشيخ خذوا رمحًا سالمًا وأصلحوا رايتكم واغزوا على بركة الله، فإنه لا خير إلا خيره ولا طير إلا طيره، وليس عند الأيام خبر، فزحفوا في حينهم والعدو على مسافة يوم، وكان في بلد عنيزة رجل يقال له فتنان من قبيلة قحطان أيضًا، فبعث ابنته إلى قومه قحطان في جوف الليل ينذرهم، وأمرها أن تخبرهم الخبر بأهل عنيزة واصلون قريبًا إليهم، فقدمت الابنة على آل حشر في ناديهم، وكانت ذات حسن وجمال فوقفت على القوم قائلةً أن أبي أرسلني إليكم بأن أهل عنيزة خرجوا يقصدونكم فخذوا حذركم، وأنه لم يخرج بنفسه خوفًا من أن يغضب عليه جيرانه إذا علموا بمجيئه إليكم، فضحكوا منها والتفت بعضهم إلى بعض متهكمين قائلًا بعضهم لبعض ما أحسن أن يزغب هذا النذير، يعني أن ينكح، فهم في تهكمهم وضحكهم، إذ طلعت عليهم جيوش أهل عنيزة، فقتلوهم شر قتلة أصابت من آل حشر أحد عشر رئيسًا من بينهم القائد حزام، فانهزم القحطانيون بعدما دفنوا قتلاهم وحملوا أميرهم حزامًا مضرجًا بدمائه، مثخنًا بجراحه، فدفنوه في نفي الماء المشهور بعالية نجد في ذلك الوادي، وكان الرجل المدعو بفتنان قد غضب لما رجعت إليه ابنته وشكت إليه مقابلتهم لها بالتهكم، والتهب قبله التهاب النار، فلما كان من الغد أتاه الخبر بقتلهم، فسكن غضبه فقال في ذلك شاعر آل عاصم أبياتًا بعد دفنه وارتحالهم من نفي. ثم دخلت سنة ١٣٠٥ ه ـ استهلت هذه السنة بضعف دولة آل سعود واضمحلالها، وهذا هو دور الانحلال الذي انحلت به دولة آل سعود الغر الميامين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 318

وفيها وفاة الأمير سعود بن جلوي بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود. وفيها وفاة جدنا أبي الوالد عبد المحسن بن عبيد آل عبيد قدس الله روحه ونور ضريحه، وكان قد عمي بصره في آخر عمره، وله صبر على خشونة العيش وقوارع الزمان، وله أصحاب وإخوان ذوو فطر سليمة وصدور زكية وأعمال مستقيمة، وكان والدنا برًا به وقد خلف ابنين وبنتًا. أما الأمراء فكانوا على رتبهم، وكان على إمارة مكة عون الرفيق وقد ظهرت في أيامه مواهب ابن أخيه الحسين بن علي، فتلألأ ذكائه، واشتد عزمه، وكان شعوره ومساعيه عربيًا كريمًا غيورًا على قومه وبلاده، فراب الأستانة أمره وعمل الأمير عون على إبعاده، وذلك لانتقاده الأمير عونًا في إهماله أمر العربان واتفاقه مع الوالي التركي في تقاسم المصالح، فضعفت بسبب هذا الإهمال شؤون الإمارة، وساء الأمن، وعم القلق، وانتشرت الفوضى، وازداد الظلم والجور، وإرهاق الحجاج بالضرائب، وما زال الأمير عون يسعى في إبعاد الحسين حتى دعى إلى الأستانة بعد ذلك ليكون ضيف الباشا وأسيره مثل ما تقدمه من الأشراف، ولما قدم عاصمة ملك الدولة اشرب هناك روح السيادة العالية، فصعد في الدواوين إلى مقام المقربين من السلطان، وأسندت إليه الوزارة مثل أبيه، وعين عضوًا مثله في مجلس الشورى، فاستمر في وظيفته إلى أن نال إمارة مكة المكرمة سنة ست وعشرين بعد الثلاثمائة والألف، هذا وقد ساعدت الظروف والأحوال عونًا الرفيق، وكان خطه مستقيمًا وانتصر على كل من ناواه. وفيها وفاة الشيخ سليمان بن مقبل رحمة الله تعالى عليه، وهو قاضي مدينة بريدة، تولى قضاء بريدة مدة تبلغ ٣٩ سنة تخللها فترات قليلة يقوم بالعمل عنه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان ورعًا ناسكًا مسددًا في أقضيته وتدابيره، ويعتبر من خيرة أهل زمانه، وكان عم الشيخ محمد بن مقبل وموطنهم البصر وهو موضع من الجنوب الغربية عن مدينة بريدة، وكان قد ثقل في آخر عمره وتخلى عن القضاء، وجاور في مكة المشرفة، ثم انتقل إلى البصر، ومات فيها تغمده الله برحمته عن عمر يناهز ٨٥ سنة، فالله المستعان.

стр. 319

وفيها جدد السلطان عبد الحميد باب العنبرية، وزاد في السور الذي عمّره السلطان عبد العزيز قبل هذه السنة بعشرين سنة، وكان عبد العزيز قد جعل ارتفاع هذا السور الكائن بالمدينة المنورة نحوًا من ٢٥ مترًا، وبني فيه أربعين برجًا تشرف على ضواحي المدينة للدفاع عنها، وفي هذا السور كثير من معدات الكشف وأبراجه مشحونةً بالمدافع والذخائر الحربية، وفي غربي هذا السور سور آخر أوسع منه يحيط بالبيوت التي خارج السور الأول في غربه وجنوبه، ويبتدئ من البقيع في الجنوب الغربي، وينتهي بالقلعة التي أنشأها السلطان سليمان بن السلطان سليم سنة ٩٣٩ هـ. ثم دخلت سنة ١٣٠٦ ه ـ في هذه السنة أكثر ابن رشيد من الغارات حتى نفذ إلى أراضي يلي وجهينة في الحجاز، ولما أن عاد إلى حائل من هذه الحملة وجد عبد الله بن فيصل مريضًا، وكان يظهر احترامه وتعظيمه، فأذن له بالرجوع بعدما عاهده على أن يكون أميرًا في الرياض، ولم يكتف برجوعه إلى الرياض بأن يكون أميرًا فيها فحسب، بل يكون مضافًا إليه العارض والمحمل والشعيب وبلدان الجنوب، ولم يسمح بعودته فقط، بل أعاد إليه جميع حقوقه في حكم بلاده، فسار عبد الله بن فيصل وأخوه عبد الرحمن إلى الرياض ولكن أين هم وذاك. فقد زعم بعض الرواة بأن ابن رشيد قد نفذ أمره بدس سقية سمية جعلت لهما في فنجان القهوة، تقضي عليها بعد ثلاثة أشهر، فأما عبد الله فإنه أساغها، وأما عبد الرحمن ففطن لها وألقاها في العراء بعدما وصلت إلى فمه، فأثر عليه ناسورًا تحت لسانه غير أنه سلم منها (١) ولما أن كان في اليوم ١٢ من ذي الحجة، سارا إلى الرياض من عنده محفوفين بالكرامة فودعهما، ولما أن كانا يسيران في أثناء الطريق اشتد على عبد الله مرضه، فكان ينتف شعر رأسه بيديه، وما وصل إلى الرياض حتى

стр. 320

توفى عبد الله ودفن في جبانة العود، وكانت وفاته في مستهل السنة التي بعدها، هكذا بلغني في بعض الروايات. وممن توفى فيها ملك الألمان الأمبراطور فريدريك، فجلس على كرس المملكة بعده الأمبراطور غليوم الثاني، وهو ثالث أمبراطور للسلطنة الألمانية، وقد اشتهر بعلو همته وقوة نشاطه وكثرة حذقه واعتنائه في شؤون السلطنة، حتى قيل أنه لا ينام أكثر من خمس ساعات في اليوم والليلة، وهو فيما يزعمون بارع في كثير من العلوم والعارف الحديثة خصوصًا في الفنون الجميلة كالنقش والتصوير والموسيقى، وله مهارة عجيبة في العلوم السياسية، حتى أنه بقوة دهائه استجلب قلوب الفرنساويين وجذب عقولهم إلى محبته، واستولى على عواطفهم حتى جعلهم يرمقونه بعين المودة والمحبة، وصار له شأن عندهم، وكان جيش ألمانيا إذ ذاك يبلغ في وقت السلم أكثر من خمسمائة ألف جندي مشاة، وفرسانًا ومدفعية، وفي وقت الحرب يمكنها إيصاله إلى سبعة ملايين، وحكومتها أمبراطورية دستورية وهي مؤلفة من أربع ممالك. أما ثروتها فقد قدرت في بعض السنين إذ ذاك بسبعة آلاف وثلاثمائة مليون من الجنيهات، وإنما ذكرنا بعض الإشارة لهذه الدولة لما جرى بعد ذلك من تطورها وقوتها. ذكر شيء من أخبار الشيخ محمد عبده كان هذا الشيخ يسمى المصلح الكبير المجتهد الخطيب الكاتب أحد أركان النهضة العربية، كانت نشأته من أسرة فقيرة فتعلم الأدب وأخذ عن أستاذه جمال الدين. ولما قامت ثورة عرابي بمصر أحاطت الشبهة بعنقه وحوكم، وحكم عليه بالنفي من مصر ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ولما كان في هذه السنة، عاد الشيخ محمد إلى مصر بعد انقضاء مدة النفي، وفي خلال هذا النفي استطاع أن يلتقي في باريس بأستاذه جمال الدين الأفغاني.
следующие страницы →