← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

دحلان. وكان له من المحاسن رسائل مجموعة مختصرة في وجوب الصلاة والمحافظ عليها، وتأكيد حضورها مع الجماعة، فالله المستعان. وفيها قتل الأمير علي بن قاسم بن ثاني نجل أمير قطر المشهور، الذي يلقب جوعان، وكان قتله على يدي العجمان. وكان المترجم قارضًا للشعر العامي، وقد اتصل به الشاعر النجدي محمد بن عبد الله بن عثيمين اتصالًا وثيقًا حتى أصبح نديمًا له وصفيًا، ولما قتل وقام قاسم بن ثاني بعد ذلك لقتال العجمان لأخذ ثأره، كان الشيخ محمد بن عثيمين هو الحامل للراية، وظهر من آثار شجاعته وشدة سخطه وقوة وفائه ما رفع منزلته عند آل ثاني أمراء قطر، وواسوه بالمال والرعاية حتى أصبح كواحد منهم، يعيش بين قصورهم ويصحبهم في أسفارهم. وفيها وفاة الشيخ علي آل محمد آل راشد قاضي عنيزة، وكان من قبيلة الأساعدة أهل الزلفي، وبلدته علقة من قرى الزلفي، تولى قضاء عنيزة سنة تسع وستين بعد المائتين والألف، ينيبه على القضاء فيها الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين لأنه قد تخرج عليه وأخذ عنه، فاستمر في قضاءها حتى توفى في هذه السنة. وقد جرى في أيامه أنه قدم آل عاصم الذين هم بطن من قحطان، يقودهم حزام بن عبد الرحمن بن حشر على الغميس والشقيقة المجاورة لبلد عنيزة، وكانت حمى لأهل عنيزة يرعون فيها الأبل والأغنام ويمنعون الكلأ لسوانيهم التي يسقى عليها الزرع، فلما دخلوا الحمى بعث إليهم أهل عنيزة يأمرونهم بمغادرة المكان والذهاب إلى الفضا والفلاة الواسعة، وكانت تلك القبيلة من قحطان فيها بغي وجبروت على أهل القرى، يتطاولون ويتمردون، فلم يرفعوا رأسًا إلى تلك الرسل التي أرسلها إليهم رئيس بلد عنيزة زامل بن سليم، فجاء الرئيس إلى القاضي المترجم وقال له: أيها القاضي إن هؤلاء الأعراب قد طغوا وتجبروا يضربون من وجدوا في تلك الناحية من أهل البلد من رعاة وغيرهم، وقد آذونا فهل يحل لنا

стр. 317

غزوهم؟ فأجابه أن نعم، ثم إنه تأهب أهل عنيزة وخرجوا في يوم الأربعاء أحد أيام رجب من سنة ١٢٩٥ هـ، فلما زحفوا تحت رايتهم التي كان يحملها الصقيري على راحلته انكسر الرمح الذي فيه الراية ورجع رئيس الجيش زامل بقومه فأمرهم بالنزول، وذهب إلى القاضي علي يقول له إنا خرجنا في هذا اليوم وهو مكروه عند العرب، فلما كانت الراية عند باب البلد انكسرت، فماذا ترى؟ أنقيم اليوم ونغزوا غدًا نهار الخميس؟ فقال الشيخ خذوا رمحًا سالمًا وأصلحوا رايتكم واغزوا على بركة الله، فإنه لا خير إلا خيره ولا طير إلا طيره، وليس عند الأيام خبر، فزحفوا في حينهم والعدو على مسافة يوم، وكان في بلد عنيزة رجل يقال له فتنان من قبيلة قحطان أيضًا، فبعث ابنته إلى قومه قحطان في جوف الليل ينذرهم، وأمرها أن تخبرهم الخبر بأهل عنيزة واصلون قريبًا إليهم، فقدمت الابنة على آل حشر في ناديهم، وكانت ذات حسن وجمال فوقفت على القوم قائلةً أن أبي أرسلني إليكم بأن أهل عنيزة خرجوا يقصدونكم فخذوا حذركم، وأنه لم يخرج بنفسه خوفًا من أن يغضب عليه جيرانه إذا علموا بمجيئه إليكم، فضحكوا منها والتفت بعضهم إلى بعض متهكمين قائلًا بعضهم لبعض ما أحسن أن يزغب هذا النذير، يعني أن ينكح، فهم في تهكمهم وضحكهم، إذ طلعت عليهم جيوش أهل عنيزة، فقتلوهم شر قتلة أصابت من آل حشر أحد عشر رئيسًا من بينهم القائد حزام، فانهزم القحطانيون بعدما دفنوا قتلاهم وحملوا أميرهم حزامًا مضرجًا بدمائه، مثخنًا بجراحه، فدفنوه في نفي الماء المشهور بعالية نجد في ذلك الوادي، وكان الرجل المدعو بفتنان قد غضب لما رجعت إليه ابنته وشكت إليه مقابلتهم لها بالتهكم، والتهب قبله التهاب النار، فلما كان من الغد أتاه الخبر بقتلهم، فسكن غضبه فقال في ذلك شاعر آل عاصم أبياتًا بعد دفنه وارتحالهم من نفي. ثم دخلت سنة ١٣٠٥ ه ـ استهلت هذه السنة بضعف دولة آل سعود واضمحلالها، وهذا هو دور الانحلال الذي انحلت به دولة آل سعود الغر الميامين، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 318

وفيها وفاة الأمير سعود بن جلوي بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود. وفيها وفاة جدنا أبي الوالد عبد المحسن بن عبيد آل عبيد قدس الله روحه ونور ضريحه، وكان قد عمي بصره في آخر عمره، وله صبر على خشونة العيش وقوارع الزمان، وله أصحاب وإخوان ذوو فطر سليمة وصدور زكية وأعمال مستقيمة، وكان والدنا برًا به وقد خلف ابنين وبنتًا. أما الأمراء فكانوا على رتبهم، وكان على إمارة مكة عون الرفيق وقد ظهرت في أيامه مواهب ابن أخيه الحسين بن علي، فتلألأ ذكائه، واشتد عزمه، وكان شعوره ومساعيه عربيًا كريمًا غيورًا على قومه وبلاده، فراب الأستانة أمره وعمل الأمير عون على إبعاده، وذلك لانتقاده الأمير عونًا في إهماله أمر العربان واتفاقه مع الوالي التركي في تقاسم المصالح، فضعفت بسبب هذا الإهمال شؤون الإمارة، وساء الأمن، وعم القلق، وانتشرت الفوضى، وازداد الظلم والجور، وإرهاق الحجاج بالضرائب، وما زال الأمير عون يسعى في إبعاد الحسين حتى دعى إلى الأستانة بعد ذلك ليكون ضيف الباشا وأسيره مثل ما تقدمه من الأشراف، ولما قدم عاصمة ملك الدولة اشرب هناك روح السيادة العالية، فصعد في الدواوين إلى مقام المقربين من السلطان، وأسندت إليه الوزارة مثل أبيه، وعين عضوًا مثله في مجلس الشورى، فاستمر في وظيفته إلى أن نال إمارة مكة المكرمة سنة ست وعشرين بعد الثلاثمائة والألف، هذا وقد ساعدت الظروف والأحوال عونًا الرفيق، وكان خطه مستقيمًا وانتصر على كل من ناواه. وفيها وفاة الشيخ سليمان بن مقبل رحمة الله تعالى عليه، وهو قاضي مدينة بريدة، تولى قضاء بريدة مدة تبلغ ٣٩ سنة تخللها فترات قليلة يقوم بالعمل عنه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان ورعًا ناسكًا مسددًا في أقضيته وتدابيره، ويعتبر من خيرة أهل زمانه، وكان عم الشيخ محمد بن مقبل وموطنهم البصر وهو موضع من الجنوب الغربية عن مدينة بريدة، وكان قد ثقل في آخر عمره وتخلى عن القضاء، وجاور في مكة المشرفة، ثم انتقل إلى البصر، ومات فيها تغمده الله برحمته عن عمر يناهز ٨٥ سنة، فالله المستعان.

стр. 319

وفيها جدد السلطان عبد الحميد باب العنبرية، وزاد في السور الذي عمّره السلطان عبد العزيز قبل هذه السنة بعشرين سنة، وكان عبد العزيز قد جعل ارتفاع هذا السور الكائن بالمدينة المنورة نحوًا من ٢٥ مترًا، وبني فيه أربعين برجًا تشرف على ضواحي المدينة للدفاع عنها، وفي هذا السور كثير من معدات الكشف وأبراجه مشحونةً بالمدافع والذخائر الحربية، وفي غربي هذا السور سور آخر أوسع منه يحيط بالبيوت التي خارج السور الأول في غربه وجنوبه، ويبتدئ من البقيع في الجنوب الغربي، وينتهي بالقلعة التي أنشأها السلطان سليمان بن السلطان سليم سنة ٩٣٩ هـ. ثم دخلت سنة ١٣٠٦ ه ـ في هذه السنة أكثر ابن رشيد من الغارات حتى نفذ إلى أراضي يلي وجهينة في الحجاز، ولما أن عاد إلى حائل من هذه الحملة وجد عبد الله بن فيصل مريضًا، وكان يظهر احترامه وتعظيمه، فأذن له بالرجوع بعدما عاهده على أن يكون أميرًا في الرياض، ولم يكتف برجوعه إلى الرياض بأن يكون أميرًا فيها فحسب، بل يكون مضافًا إليه العارض والمحمل والشعيب وبلدان الجنوب، ولم يسمح بعودته فقط، بل أعاد إليه جميع حقوقه في حكم بلاده، فسار عبد الله بن فيصل وأخوه عبد الرحمن إلى الرياض ولكن أين هم وذاك. فقد زعم بعض الرواة بأن ابن رشيد قد نفذ أمره بدس سقية سمية جعلت لهما في فنجان القهوة، تقضي عليها بعد ثلاثة أشهر، فأما عبد الله فإنه أساغها، وأما عبد الرحمن ففطن لها وألقاها في العراء بعدما وصلت إلى فمه، فأثر عليه ناسورًا تحت لسانه غير أنه سلم منها (١) ولما أن كان في اليوم ١٢ من ذي الحجة، سارا إلى الرياض من عنده محفوفين بالكرامة فودعهما، ولما أن كانا يسيران في أثناء الطريق اشتد على عبد الله مرضه، فكان ينتف شعر رأسه بيديه، وما وصل إلى الرياض حتى

стр. 320

توفى عبد الله ودفن في جبانة العود، وكانت وفاته في مستهل السنة التي بعدها، هكذا بلغني في بعض الروايات. وممن توفى فيها ملك الألمان الأمبراطور فريدريك، فجلس على كرس المملكة بعده الأمبراطور غليوم الثاني، وهو ثالث أمبراطور للسلطنة الألمانية، وقد اشتهر بعلو همته وقوة نشاطه وكثرة حذقه واعتنائه في شؤون السلطنة، حتى قيل أنه لا ينام أكثر من خمس ساعات في اليوم والليلة، وهو فيما يزعمون بارع في كثير من العلوم والعارف الحديثة خصوصًا في الفنون الجميلة كالنقش والتصوير والموسيقى، وله مهارة عجيبة في العلوم السياسية، حتى أنه بقوة دهائه استجلب قلوب الفرنساويين وجذب عقولهم إلى محبته، واستولى على عواطفهم حتى جعلهم يرمقونه بعين المودة والمحبة، وصار له شأن عندهم، وكان جيش ألمانيا إذ ذاك يبلغ في وقت السلم أكثر من خمسمائة ألف جندي مشاة، وفرسانًا ومدفعية، وفي وقت الحرب يمكنها إيصاله إلى سبعة ملايين، وحكومتها أمبراطورية دستورية وهي مؤلفة من أربع ممالك. أما ثروتها فقد قدرت في بعض السنين إذ ذاك بسبعة آلاف وثلاثمائة مليون من الجنيهات، وإنما ذكرنا بعض الإشارة لهذه الدولة لما جرى بعد ذلك من تطورها وقوتها. ذكر شيء من أخبار الشيخ محمد عبده كان هذا الشيخ يسمى المصلح الكبير المجتهد الخطيب الكاتب أحد أركان النهضة العربية، كانت نشأته من أسرة فقيرة فتعلم الأدب وأخذ عن أستاذه جمال الدين. ولما قامت ثورة عرابي بمصر أحاطت الشبهة بعنقه وحوكم، وحكم عليه بالنفي من مصر ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ولما كان في هذه السنة، عاد الشيخ محمد إلى مصر بعد انقضاء مدة النفي، وفي خلال هذا النفي استطاع أن يلتقي في باريس بأستاذه جمال الدين الأفغاني.

стр. 321

وكان الشيخ محمد يسعى سعيًا حثيثًا إلى إصلاح المحاكم الشرعية وإصلاح الأوقاف وإصلاح المساجد، وكانت وسائل الشيخ في هذا الإصلاح متعددة، وربما كان من أقواها عنايته بتفسير القرآن التي كادت تستغرق كل مجهوده ودروسه في تفسير القرآن، كانت حاشدة يتوافد إليها الطلاب من كل ناحية، ومن أظهر أعماله الإصلاحية عمله على إصلاح الجامع الأزهر. ولقد حاول الشيخ ذلك جهده المستميت واحتمل فيه أذى كثيرًا، ولكنه بقي يثابر ويكافح حتى ألجئ إلى الإستقالة من مجلس إدارة الأزهر اضطرارًا وأوصد في وجهه باب العمل على إصلاح الأزهر، فلقي من ذلك خيبة أمل ردته، أو كادت ترده يائسًا، ثم لم يلبث أن توفى على أثرها وسنذكر بعد ذلك سنة وفاته. وكان يقول بعد استقالته من الأزهر يظنون أنني بخروجي من الأزهر تركته مرعى خصيبًا لشهواتهم ترتع حيث تشاء، ألا أنني ألقيت بين جوانب هذا المكان شعلة لا تنطفيء إن لم تلتهب اليوم أو غدًا فستلتهب في ثلاثين عامًا، وستكون ضرامًا. وكان ﵀ قاضيًا بالمحاكم الأهلية، ثم مفتيًا للديار المصرية، وتولى التدريس بالأزهر وإليه يرجع الفضل في إصلاحه، وهكذا يكون الرجال المخلصون في أعمالهم، ولقد كان الشيخ محمد عبده موضع الإعجاب بين رجال الدين المصريين، وتفتخر به الأمة المصرية التي يعيش في أكنافها ويظله سماء وطنها، وما زال يتقدم حتى بلغ صيته ما بلغ الليل والنهار، فرحمة الله على روحه وحيا الله رجال العلم والدين. ولقد سمعت شيئًا من مؤلفاته المفيدة ودعواته السديدة وإصلاحاته الرشيدة، فرأيتها والله مثالًا في الإخلاص، وأكبر برهان على فضله ومقامه. وفي هذه الفترة لا تزال المشاغبات والنزاع مستمرًا نتيجة الخلاف الذي جرى في المسائل الدينية بين الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وبين بعض المنتسبين إلى

стр. 322

العلم، وحاصل هذا النزاع أن المخالفين للشيخ يقولون بجواز التوسل إلى الله بذوات العلماء والصلحاء، وجواز السفر إلى بلدان المشركين والإقامة بها، ويقولون أن الهجرة منقطعة لقوله ﷺ لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادٌ ونية. ولا ريب أن هذه الأقوال مطروحة، وهذا الحديث يفيد أنه لا يهاجر من مكة بعد ما فتحت وكانت بلادًا إسلامية. وقد نتج عن هذا الخلاف افتراق وتحزب لذلك أحزاب، وتوترت العلاقات بين القائلين بالجواز والمانعين منه، حتى كان لكل طائفة ردود ومؤلفات وانتصارات، وامتدت هذه المحنة قريبًا من ربع قرن، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والمسألة يطول شرحها وتفاصيلها، وتحتاج إلى بسط لا يتسع له هذا الموضع. ولا ريب أن الحق الذي لا مرية فيه هو ما كان عليه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وأتباعه رفع الله قدره وأشاد في العالمين ذكره، وما كان مع المخالفين ما يستند عليه، وندين الله تعالى بقول الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم: ونعتقده ونسأل الله تعالى الثبات عليه إلى أن نلقاه إنه جواد كريم. ثم دخلت سنة ١٣٠٧ ه ـ ففيها في ٢ ربيع الثاني توفى الإمام عبد الله بن فيصل ﵀ وعفا عنه (١) و هذه ترجمته: هو العاهل الهمام والرئيس المقدام عبد الله بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود البطل الشجاع، كان هو القائد العام للجيش السعودي في حياة والده فيصل، موفقًا في حروبه إذ ذاك، ولا تزال رايته خفاقة منصورة كما قد جرى ذلك في الواقعات المتقدمة.

стр. 323

ولما مات والده الإمام كان ولي عهده غير إنه حصل اختلاف بين أبناء فيصل، وعظم الشقاق كلٍ يخطب الملك لنفسه، فشمّرت الحرب عن ساق بينه وبين أخيه سعود، فكان لكل واحد أعوان وشوكة، وكان الإمام عبد الله قصير القامة، وكان لسعود هيكل عظيم، ويعجب الأعراب من قائدهم أن يكون له شخصية بارزة، فالتف إلى سعود جمع غفير، وإذا كان القائد ذا هيكل عظيم وكان شجاعًا مع ذلك كان موضع إعجابهم، واستمرت الفتن حتى مات سعود بن فيصل، فقام أبناؤه خلفًا في شقاق عمهم والوقوف في نحره، حتى تشتت الشمل واختلفت الكلمة، واشتدت البلية، وعظمت الرزية، وتضعضع الملك، واجتمع على الإمام عبد الله خلاف عشيرته ومنازعة ابن رشيد له ومقاومته ومضادة آل مهنا، حتى أصبحت إمامته منغضة عليه وقد ناصر آل عليان على ضدهم آل مهنا فلم تنجح المسألة بل حصل على مقاومة آل مهنا، فأثر ذلك أحقادًا في صدورهم لآل سعود، أضف إلى ذلك أن الإمام عبد الله قد أبعد بعض المنتسبين إلى العلم، وقدم عليهم ضدهم وأصغى إلى نصح من لا ينفع نصحه، وبعث يستنجد الدولة العثمانية على أخيه سعود. ولا شك أن هذه زلة منه والله يعفو عنه، فمناصرته لآل عليان وهم مغلوبون أثار عليه أحقاد آل مهنا، فكانت مراجل حقدهم لا تزال تغلي عليه وحالفوا محمد بن رشيد فكانوا يدًا واحدة عليه. وأما الشقاق الذي حصل بينه وبين أخيه وبنيه فإنه كف بساط ملكه عن غالب نجد، وكانت فرقًا وظهور محمد بن رشيد بمطامعه وسياسته ضعضع ملك آل سعود، وآخر أمره حبس فاستنجد بمحمد بن رشيد فأنجده وقتل أبناء أخيه غدرًا، ولما أخرجه من السجن بعث به إلى حائل كأسير، ثم رده إلى الرياض ليعيد له الإمارة فمات ولم يحصل عليها. ولما مات عبد الله بن فيصل وانتقل إلى ربه، كتب الإمام عبد الرحمن بن فيصل وهو إذ ذاك مقيم في الرياض إلى محمد بن رشيد يخبره بذلك ويسأله أن يعزل عامله

стр. 324

حسب العهد المذكور، وحقًا على ابن رشيد أن يعزله ويكون أمير الرياض عبد الرحمن بن فيصل الهمام، أليس ابن سعود وأخا عبد الله وأوى الناس بالإمارة، أليس ابن فيصل الرئيس المقدام، ولما أن كتب إليه بذلك ما كان جوابه له إلا أن عزل أميره فهد بن رخيص، وعين مكانه أميرًا في الرياض سالم بن سبهان أي أنه نكث عهده، وما كان مراقبًا سعوديًا ولا غيره، ففي هذه السنة ولي سالم بن سبهان إمارة الرياض للمرة الثانية. كان سالم هذا لا قيمة لعهده عنده ولا ميثاق، ولما أن كان في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة في هذه السنة بعث إلى عبد الرحمن بن فيصل بأن يجمع له آل سعود ليسلم عليهم ويهنئهم بعيد الأضحى، ويلقي عليهم كلامًا من ابن رشيد، وكان من نيته وعزمه أن يفتك بهم ويقتلهم جميعًا كما فعل بأبناء سعود في السنة المتقدمة قبل هذه، نسأل الله العافية، هذه نتيجة هذا السلام وهذه التهنئة. ولما علم عبد الرحمن بن فيصل بما بيته لهم من الغدر وما انطوى عليه من المكر، احتاط للأمر وأعدّ له أهبته، فاجتمع بأفراد أسرته وخدمه وأطلعهم على الأمر وعما كان يبيته له سالم بن سبهان، وعندما وصل ابن سبهان بجنوده وكانوا أربعين رجلًا مسلحين أمر عبد الرحمن بن فيصل رجاله أن يسبقوه إلى شبه ما يريد، وكان من بينهم ابنه فيصل بن عبد الرحمن وابن عمه فهد بن جلوي وعبد العزيز بن جلوي؛ وفهد بن إبراهيم بن مشاري وغيرهم من أتباعه، فوثبوا عليه وعلى رجاله وقتلوا منهم عددًا وألقوا القبض على سالم وبقية رجاله وجردوهم وسجنوهم؛ وقد همّ الإمام عبد الرحمن أن يقتل سالمًا وبقية رجاله انتقامًا لقتل أبناء أخيه سعود؛ غير أنه فكر أنه إذا قتلهم فإن ابن رشيد سيقتل جماعة آل سعود الذين كانوا عنده في حائل، ومنهم عبد العزيز بن تركي وعبد الله بن جلوي، وسعد بن جلوي وهذلول بن ناصر بن فيصل، وفعلًا فإنها تحققت أمنيته ووقع ما كان يتوقعه، فإن آل سعود المقيمين بحائل قد ساروا منها إلى الرياض قبل وصول الخبر إلى ابن رشيد بيوم واحد، ثم إنه بعث في طلبهم ثلاثين رجلًا من خدمه فأدركوهم على ماء العدوة

стр. 325

فألقوا القبض عليهم وقيدوهم بالحديد ورجعوا بهم إلى بلدة حائل، ولما أن كان بعد رجوعهم بثلاث جمع جموعة وجنوده، وزحف بجيش خميس من حائل إلى الرياض؛ ومعه آل سعود لبث سالم بن سبهان في مركزه، وكان أهل القصيم لما أن بلغهم خبر الحادث الذي جرى بين الإمام عبد الرحمن الفيصل وبين سالم السبهان، كتبوا إلى عبد الرحمن بن فيصل يعاهدونه على السمع والطاعة والتعاون والتعاضد، وحينما مر ابن رشيد في مسيره بالقصيم، وقف أهل القصيم في الطريق وصدوه عن جهته فوعدهم وعاهدهم بأنه سيعطيهم بادية مطير مضافًا إليها الخوة التي كانت تفرض على الحجاج، وسول لهم فرضوا بذلك وتركوه وشأنه رافضين عهودهم مع عبد الرحمن الفيصل، ثم إنه والى زحفه إلى الرياض بعدما جاوز القصيم، ونزل على الرياض بجيشه فحاصرها أربعين يومًا ونهب كل ما وجده في ضواحيها من إبل وأغنام، وقطع نخيلها ودمر بساتينها وشدد الحصر عليها وأهلها يدافعون عنها أشد الدفاع، وأخذ يغير على طرق تموينها وأهالي القرى المنعزلة له المحيطة بها فيدمر مزارعهم ونخيلهم حتى قيل أنه قطع ما لا يقل عن ثمانية آلاف نخلة، وبعد أربعين يومًا قضاها ابن رشيد في مثل هذه العمليات العقيمة، اقترح على عبد الرحمن أن يتفاوضا لعقد الصلح وتسوية الخلافات بالحسنى فوافق على ذلك الإمام عبد الرحمن، وخرج من الرياض وفد مؤلف من محمد بن فيصل، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رئيس القضاة، والشيخ حمد بن فارس، ومعهم نجل عبد الرحمن بن فيصل عبد العزيز بن عبد الرحمن وعمره إذ ذاك في الحادية عشرة، وبعد المفاوضة تم الصلح على أن تكون إمارة الرياض وتوابعها من بلدان العارض والمحمل وسدير والوشم وبلدان الجنوب من الخرج والأفلاج والحوطة والحريق تابعة للإمام عبد الرحمن، وأن ينقل ابن رشيد حاميته من الرياض، وأن لا يكون لابن رشيد نفوذ في الرياض ولا غيرها من البلدان التي وقع الصلح عليها وأن يفرج عن الأسراء الذين اتقلهم من آل سعود، وعلى أن يخلي الإمام عبد الرحمن سبيل الأسرى الذين كانوا عنده في الرياض سالم بن سبهان ورجاله ورجع ابن رشيد إلى حائل، وكان

стр. 326

هذا الصلح مموهًا لأن ابن رشيد لم يتمكن في الحصار من فتح الرياض ولا تمكن أهالي الرياض من رده عنها، وبكل حال فإنه عاد هذه المرة خائبًا، فلما مرّ في مسيره بالقصيم عائدًا إلى الجبل، قام أهل القصيم يطلبون منه الوعد الذي وعدهم فسوف وتردد، فنهضوا ثانيةً عليه وحشدوا قواتهم للحرب وما كان هذا الشمري ليرد طالبًا، وكان قد وافق أن الأمير حسن بن مهنا قد تذامر وأمير عنيزة زامل بن عبد الله على أن يكون يد واحدة على بن رشيد، فلما رأى نهوض أهل القصيم عليه، استنفر قبائله وعشائره والتقى بأهل القصيم في القرعاء. وجرت واقعة المليداء التي سأذكرها بعد ذلك. وفيها في جمادى الأولى وفاه صديق حسن القنوجي ملك مدينة "بهويال". كان عالمًا له مؤلفات عديدة، منها الروضة الندية، وأبجد العلوم، والإذاعة لما بين يدي الساعة، وألف القماط لإصلاح ما استعملته العامة من الأغلاط، وغيرها. وفيها شرع الأمير حسن بن مهنا في بناء مسجد عود الرديني فهدمه وزاد فيه وجعل بناءه مهندسًا يدعى العوفي وحرص على أن تكون نفقته طيبة، فجيء بالخشب وجريد النخل من روضة مهنا، وكان هذا المسجد طويلًا من جهة الشمال والجنوب أما شرقًا وغربًا فليس بواسع ويقع في جنوبي بريدة وله منارة طويلة. وقد جعل الله له قبولًا بين الأمة ويأنس فيه قاصده. ولا يخلو في غالب الأوقات من حلق الذكر ومجالس الذكر. ومن أشهر أئمته محمد بن عبد العزيز الصقعبي كان له صوت جهوري ونغمة حسنة، وقد استمر في إمامته عن أمر رئيس بريدة حسن بن مهنا، ثم إنه كان في إمامته الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وازدحمت عليه فيه حلق الذكر، كما سنشير إلى ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 327

ثم دخلت سنة ١٣٠٨ ه ـ استهلت هذه السنة وأهل القصيم مقاومون لابن رشيد ولا يزال يبرم حيلته للاستيلاء على سائر القصيم وقد فعل، وفيها تمت عمارة مسجد عودة الرديني جزى الله المحسنين خيرًا. وفيها وفاة الشيخ محمد بن عمر آل سليم عفر الله له وأسكنه فسيح جنته، و هذه ترجمته: هو الشيخ الألمعي الحافظ الماهر الورع الجواد السخي الكريم صاحب العلم والمعرفة والدين القويم والمتمسك بشريعة المصطفى وملة إبراهيم الإمام العالم محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن صالح بن حمد بن محمد بن سليم بن محمد بن ميمون بن سالم بن زبيد بن مزاد. ومحمد بن ميمون هذا له سهم في الفقرة فقرة الأحامدة، وارتحل إلى الحناكية واستقر فيها مدة، وترافق هو والطويل محمد الذي غرس أم أصواء، وأمهات ومؤذن في العيينة، وقدم معه إلى بلد العيينة وغرس فيها نخلًا قبلة باب سليم المشهور بالعيينة، وبني المسجد الذي على حدود الباطن شمالي الباطن وقبل قدومه من بلد العيينة قدم عنيزة وتزوج فيها، وأقام مدته بالعيينة يرفقهم إذا أرادوا القر عادة العرب المشهور للمدينة وغيرها. ثم بعد ذلك ارتحل إلى بلدة منفوحة وبعدما جرت قتله أجعيثن بالجزعة واقتتل هو ورفاقته ارتحل إلى بلد الدرعية وأقام فيها، وله ولد يسمى حمد حج في السنة التي تدعى سنة الحبس بعد ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله وسلم عبد الله مع من سلم وذلك لأنهم خرجوا على أقدامهم، هذا معرفة نسب شيخنا. كان ﵀ آية من آيات الله في العلم والمعرفة والدين والبصيرة بأصول التوحيد ومسائله، والرد على من خالفه ونأى عنه، مكرمًا لطلبة العلم وحملة القرآن

стр. 328

ثقة عارفًا، وكان مع ذلك سخيًا جوادًا يعطي العطاء ويبذل المال للهِ، وفي ابتغاء مرضاته ومعاضدًا لابن عمه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وردأً وموازرًا، ذلك لأنه تخلل زمنهما فتن واختلاف كثير بسبب الولاء والبراء، وكثر المعاند وقل المساعد، فثبت الشيخ محمد المترجم وناصر ابن عمه، ولما عرض عليه أمير بريدة وضيفه القضاء في بريدة عوضًا عن الشيخ محمد بن عبد الله بعدما سافر هذا إلى عنيزة لسوء التفاهم بينه وبين الأمير رفض المترجم ذلك. أما مشايخه فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وعن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين، ولا تزال الرسائل تتردد بينهم وناهيك بهؤلاء المشايخ والعلماء، فضلًا وشرفًا، وأخذ عن غيرهم ودرس وأفتى وعلم وانتفع بعلمه الموفقون من الأنام، وترددا إلى مجالسه وتعليمه هداة أعلام، فأخذ عنه الشيخ عبد الله بن محمد بن فدا العالم الزاهد ذو الفضل والمحامد، وأخذ عنه الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان، كان على قضاء أبي عريش، وأخذ عنه أيضًا ابنه إبراهيم بن محمد بن عمر، وأخذ عنه أيضًا الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، وذلك في بداية أمره، وأخذ عنه أيضًا صالح بن كريديس، وأخذ عنه سليمان بن عبد الله بن حميد، وأخذ عنه أيضًا عبد الرحمن بن غيث، وهؤلاء الثلاثة أدركتهم وأتفقت بهم، وكانوا طلاب علم موحدين متمسكين بالسنة، وأخذ عنه قاضي القصيم الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وأخذ عنه فضيلة الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم، وأخذ عنه غيرهم، وكان مسددًا في أقضيته وفتاويه وتصديراته مهابًا موقرًا عاقلًا ذا رأي ومعرفة. ومن غريب ما ذكر عنه أن صاحب هذا البيت الذي يقول وابعث على يد من ترضاه من بشرٍ ... رزقي وصني عمن قلبه قاسي

стр. 329

إن الله بعث له رزقًا على يدي فأرة جاءت به إليه تحمله، وكان له مسجد معروف في بريدة يؤم فيه ويدرس، ولما مات خلف بعده أبناء منهم إبراهيم وسليمان وعبد العزيز، أما إبراهيم فهو الذي خلف أباه في مسجده إمامًا، ولقد أدركته أعني إبراهيم وصليت خلفه وعمري إذ ذاك لا يتجاوز الثانية عشرة، ولا يزال أحفاد المترجم موجودين، ومن أشهرهم الأديب عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عمر، وكان ذا معرفة ودماثة أخلاق، تولى إدارة المدرسة السعودية الأولى في بريدة في أول تأسيسها. ثم تولى إدارة المدرسة الأهلية في الرياض، ثم تولى إدارة المدرسة المعروفة بمعهد المعلمين في بريدة، أما سليمان بن محمد فسيأتي ذكر ترجمته في سنة وفاته. ذكر واقعة المليداء سنة ١٣٠٨ ه ـ قد قدمنا أن أهل القصيم وقفوا في نحر ابن رشيد منصرفه من الرياض، ولما رآهم قد نهضوا عليه، استفز جنوده وعشائره فالتقى الجمعان في المليداء، وذلك في ١٢ جمادى الأولى، فتناوشوا القتال، وكان الغلبة أولًا لأهل القصيم، فاقترح بعض رجال ابن رشيد أن يخرجوا من ذلك المكان الذي هم فيه ويفروا كأنهم منهزمون، فيأخذ العدو قافيتهم فيقطعون ساقته بالخيل. قال بعض أهل المعرفة أن أهل القصيم شجعان غير أن رأيهم قليل. فلما أن رحل الأمير محمد بن رشيد كأنه منهزم، وخرجوا على أثره من مزابنهم ومتارسهم صائحين انهزم ابن رشيد انهزم الحقوه، وبعدوا عن مراكزهم ومواشيهم، فعند ذلك كر عليهم وهجمت الخيل على أهل القصيم في موضع لا ملاذ فيه ولا مزابن تقيهم ولا جبال، فاجترت مؤخرهم الخيل وأوقع بهم ابن رشيد إيقاعًا شديدًا، وأصيبوا بضربة عنيفة ووقعة مشؤمة، انهزم فيها أهل القصيم هزيمة عظيمة وقتل منهم ألف رجل غالبهم من الأعيان والرؤوساء، وما

стр. 330

نجا إلا القليل، فإنه لم يرجع من أهل عنيزة الذين حضروا الواقعة سوى خمسين رجلًا، ولم يفلت من أهالي بريدة الحاضرين إلا القليل، وعادت على أهل القصيم بالتباب، وتم لابن رشيد الاستيلاء على نجد كلها، واستتب له الأمر فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومن نجا من القتل فإنه لم يسلم من الجراح المثخنة، ولما ظفر بن رشيد ذلك الظفر انتقل من معسكره ونزل العكيرشة على بئر لحسن بن مهنا تدعى بالرفيعة، وكان قد غضب على أهل القصيم وحلف بالطلاق أن يبيحها ويجوس خلالها، ويتبر ما على تتبيرا، وقد عزم جنوده على أخذ بريدة ونهب أموال أهلها والفساد فيها، وهابه أهل القصيم مهابةً شديدة فجعلوا يتوقعون ماذا يحله بهم من العقوبات، فخرج إليه الشيخ الكبير العالم النحرير محمد بن عبد الله بن سليم في موضعه ذلك، ولما أن رآه مقبلًا نحوه، أمر أن يجرد من ثيابه ويهان، فقام إليه الأعداء وفعلوا به ما قضت به إرادة الأمير، فلم يدعوا عليه سوى ما يساوي عورته، وكان إلى جانب الأمير محمد بن رشيد رجل يدعى السحيمي، فقام غيرةً لله ولأوليائه ونزع عباءته وكساها الشيخ، ولما جلس الشيخ بين يدي الأمير انتهره وأغلظ عليه في الجواب وجعل يتهدده ويتوعده، فتكلم بقوة وثبات قائلًا أيها الأمير يقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وجعل يتلوا آيات العفو: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وكان للشيخ مهابةً عظيمة ولا يخاف في الله لومة لائم، وقد كساه الله حلة البهاء والوقار والهيبة، وجعل يقول يا ابن رشيد: اذكر قدرة الله عليك واعلم أنه من فوق الجميع، فبكى محمد بن رشيد، وقام مستويًا على قدميه يقول: اللهم إني قد عفوت يشير بيده إلى بريدة ويكررها، ثم جلس وقد ظفر غيظه وانكسرت حدته، فأكرم الشيخ وكساه وسأله عن يمينه بالطلاق، فأفتاه الشيخ ثم أذن بالانصراف إلى أهله نائلًا ما طلب وحلف أن لا يرجع إلا على متن فرسه الخاص فرجع الشيخ محفوظًا مرفوعًا ودافع الله عن المسلمين بمساعيه.

стр. 331

وقد حدثني بعض الثقات أنه اعتذر إلى الأمير بأنه لا يحسن ركوب الخيل فأردفه بمن يسكنه على ظهر الفرس حتى وصل إلى بيته، ثم إنه جاء رجل من أهل العكيرشة يسوق نحو ابن رشيد ثمانية عشر حمارًا تحمل البرسيم على ظهورها والرطب، فوضعه بين يدي ابن رشيد وقال هذا لخيل الأمير فأعجبه ذلك وقال له من أنت فقال أنا الكراع فقال لست بالكراع إنما أنت طويل الذراع فقبلها وشكره. وقد قال حمود العبيد بن رشيد في وقعة المليداء، وما جرى فيها من الهول أبياتًا نبطية أحببت إبرازها في كتابنا هذ وإن كان المقام لا يسمح بإيراد غيرها وهي هذه التي خرجت بنا عن المقصود: يا ما لنفس ما تريد السؤال ... إلا من الله جامع الناس لحساب بالله يالي فوق الإسلام عال ... بالخير إلي من ترجاك ما خاب النفس لو صارت بعالي الوصال ... تصبر على الكاين ومخطاها ما صاب يوم جرى بالضلفعة له ظلال ... يعده الأول لناس بالأصلاب جونا وجيناهم سواة الجبال ... وصار الطمع منا ومنهم بالارقاب صرنا عليهم مثل وصف الجبال ... ما كنها إلى حوطة ما لها باب أول علفهم زامل والعيال ... وتكسرت عن رؤسهم عوج الأنصاب والقرد (١) يبري لها سواة العزال (٢) ... فضخ بوغداتها كما فضخ فصاب يا ذيب يا لي بالجوى والمفالي ... أقبل يتهبا لك نصب ومغراب ترى بالضلفعة مثل الرجوم الطوال ... قبيله يشبع بها النسر وغراب ومن أبيات الحسين بن علي بن نفيسة يذم أهل بريدة لما قاموا ضد بن سعود في

стр. 332

أيام محمد العبد الله أبا الخيل ويعرض بان ابن سعود لم يظلمهم كما ظلمهم غيره مذكرًا لهم بواقعة المليداء. ألا تذكروا حرب المليداء وما جرى هناك وأنتم كالحمير تسوقو. ثم إنه لما ظفر محمد بن رشيد، أقام في بريدة أميرًا عليها حسين بن جراد، ورحل من القصيم إلى حائل وقد ضبط القصيم، وحمل معه إلى حائل الأمير حسن بن مهنا حقيرًا مكسور اليد وقد يصل إليه بعض التوبيخ والتقريع فسبحان من لا انقضاء لملكه ولا نهاية لأبديته. وهذه ترجمته هو الأمير ابن الأمير حسن بن مهنا نجن صالح آل أبي الخيل آل حسين أبو صالح العنزي، تولى إمارة بريدة في سنة قتل أبيه واستمرت إمارته فيها ست عشر سنة، وكان في بداية أمره محالفًا لابن رشيد وذلك لأنه لما لم ينصر الإمام عبد الله بن فيصل آل مهنا على ضدهم آل أبي عليان، انحاز حسن إلى الأمير ابن رشيد، وكان حسن مستقلًا في إمارة بريدة بعد ما ضعف حكم آل سعود، وبذلك كانت بريدة وضواحيها إذ ذاك خاضعة لإمارته، وتزوج بعد ذلك بامرأة من آل زامل أهل عنيزة فتحسنت الحال بينه بين الأمير زامل ووهب لزامل زكاة قرية البدائع، وكان طاهر العرض رزين العقل غير أن فيه حنقًا على من يخالف أوامره، ولا يزال يسر ما في نفسه ويؤثر السلم ويحب العافية إلا عند الغضب فله بوادر، وكان أعور العين وله خدم يختصهم لخدمته مثل حمود بن عبد الوهاب وخضير المزعل، ولما ملئت أذناه بمسية الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم وأكثر أعداؤه من مسبته أساء معاملته، وخرج الشيخ يريد سكنى عنيزة، فرده إلى وطنه بريدة وعاهده على أن يكون خاضعًا لأحكام الشرع مكرمًا له موقرًا، فرجع الشيخ إلى بريدة بعدما لبث مدة في عنيزة، وقد زعم بعض الرواة أن العلاقات توترت بينه وبين الشيخ المذكور، وأنه الجأه إلى مبارحة بريدة وبالغ بعض الرواة في ذلك، لكن المقصود أنه رده إلى بلده محتشمًا موقرًا منصورًا، وكان يجري في مجلسه مجون ونوادر وإن كان الأمير يكره ذلك:

стр. 333

منها أنه دخل عليه رجل يجر خصمه، وكان خصمه مضحكًا وصاحب مجون فشكاه صاحبه يقول أيها الأمير كنت نائمًا في الصحراء فجاء هذا وبال في فمي، والتفت إليه الأمير معبسًا وسأله: مالذي حملك على ذلك؟ فقال إنه كان فاغرًا فاه ولم أرى الرجل بل رأيت هذا الحجر المظلم فحسبته جحرًا حقيقة، وهذا الذي قدر الله أيها الأمير، فضحك لذلك ضحكًا شديدًا وقال حسبنا الله عليكم يا أهل القصيم فضحتمونا بالأجانب وتهدد المجرم لأن لا يعود إلى مثلها: ولما كان بعد أيام وافق أن جاء أعرابي يسأل هذا الماجن تنباكًا أعني دخان فأجابه نعم لدي تنباك ولكنه لا يوزن وزنًا ولا يكال كيلًا لأنه طيب بل أبيعه سيجاير الواحدة بنصف ريال، ففرح الأعرابي وأخذ واحدة ليتمتع بطعمها وريحها، وكان ذلك الماجن قد حشاها بارودًا سدها من جهة طرفيها بتبن، فأصبحت السيجارة ملح بارود لا أقل ولا أكثر، ولما ناوله إياها جعل يوصيه بأن لما يخبر به آخذًا فإنه لا يبيع هذا المال لكل أحد، ولما أن ذهب ذلك الأعرابي فائزًا بطلبه وأوقدها كعادة شارب الدخان، نسأل الله العافية، انفقعت عن نار أحرقت فمه وخياشيمه، فرجع إلى صاحبه مشوهًا يقول اذهب معي إلى الأمير ليرى ما صنعت فقال له صبرًا أتريد بارودًا مني أم تنباكًا إنا لا نبيع التنباك ولا أحلله بل أمقت شاربه، اذهب معي يا خبيث إلى الأمير امش إلى حسن ليرى خبثك، قم بنا إليه فخجل الأعرابي وخاف وشرد من بين يديه مغتنمًا السلامة. رجعنا إلى أعمال الأمير حسن بن مهنا فنقول كان مولعًا بركوب الخيل والمسابقة وكان غالب مجالسه معمورًا بالقهوة العربية البن وله همة بتفجير العيون وإنشاء الآبار العظيمة ولا تزال باقية إلى يومنا هذا، وبنى قصورًا من أعظمها قصر الحكم في بريدة. ولما جرت واقعة المليدا كانت أولا الهزيمة على ابن رشيد وذويه فقنع بها زامل أمير عنيزة وأشار على الأمير حسن بالرجوع ويكفي العدو ما جرى عليه فأبى حسن وأجاب بأنه لا ينكف حتى يقضي على ابن رشيد، فمأتم له ذلك، وأبى الله

стр. 334

إلا أن يكر عليهم العدو فيصبحوا صرعي على ظهر الأرض كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية آمنا بالله. وقد حدثني والدنا السعيد وكان قد حضر الواقعة قال: لما انهزمنا لا يلوى أحد على أحد كان من بين المنهزمين رجل ظفر بمزود فهو حامله على ظهر جمله يقول ما أحلاك من يوم فسمعه آخر مثخن بالجراح يئن على ظهر جمل مشدودًا فأجابه بقوله على أناس من أناس. ذكر أزواج حسن وأبنائه كان له زوجتان وهما الجوهرة ومزنة بنت جار الله وله خمسة بنين، صالح ومهنا وسليمان وعبد الرحمن وعبد العزيز. فأما صالح فهو الفارس الشجاع الذي انتهت إليه إمارة بريدة بعدما استولى عليها عبد العزيز بن سعود، وقد شوهد منه شجاعة وبسالة وكفاءة في حرب البكيرية، وكشف بأهل القصيم جيش ابن رشيد وعساكر الأتراك، واستمر في إمارته حتى جرى منه ما يوجب عزله بعد سنتين، وقتل أخوه مهنا وكذلك لم تمتد أعمار عبد الرحمن وعبد العزيز، أما سليمان فقد عاش إلى زماننا هذا، وكان لحسن خمس بنات أيضًا. ذكر من قتل فيها من الأعيان وهم خلق كثير، ولكن نذكر الأعيان زامل بن عبد الله أمير عنيزة المشهور، وقد كانت إمارته تزيد على ثماني عشرة سنة، وقتل معه أبناؤه عبد العزيز وغيره وأخوه علي بن سليم، سليمان بن ناصر بن جربوع قدس الله روحه ونور ضريحه، وهو أخو زعيم بريدة المشهور، بل كان زعيمًا عظيمًا، دحيم بن علي الرشودي وهو أخو فهد الرشودي الرجل المشهور، وكان دحيم هذا من الأعيان والرؤوساء، حسن بن مهنا الأمير، عودة بن حسن آل عودة، وكان من آل أبي الخيل وقد قتل أبوه في سنة قتل مهنا لأنه قام يطلب بثأره فقتل معه.

стр. 335

علي بن مرشد الصالح كان ﵀ بارًا صالحًا تقيًا ومقره القصيعة بلدة أبيه مرشد، محمد بن علي بن مرشد بن المتقدم ذكره. عثمان العريني كان فتى همامًا له إقدام ومقره قرية تدعى، وكان له فيها نخيل وعقار وقد أحاطه بسور وجعل للسور بابين شرقيًا وغربيًا فالشرقي باب الديرة نسبةً إلى جهة بريدة، والغربي باب البر إشارةً إلى أنه إلى جهة البرية وكان مشهورًا مذكورًا. عبد العزيز بن عبد الله المهنا أخو محمد الأمير، سليمان بن أحمد آل رواف كان من المشاهير الأعيان وهذا أخو عبد الله بن أحمد الرواف، عبد الله بن عثيم كان مشهورًا وأبناؤه وأقربائه في موضع الشماس شمالي بريدة، عبد الله التويجري كان موضعه في قرية القصيعة وكان مشهورًا، حمد بن سعيد. وممن قتل فيها من الأعيان أبناء ناصر العجاجي، وكانوا خمسة كلهم فضلاء، وهذه أسمائهم: محمد بن ناصر، وعبد الله بن ناصر، وإبراهيم بن ناصر، وعبد الرحمن بن ناصر، وإبراهيم بن ناصر، وكل هؤلاء شريف من العرب ذوي الأحساب، فأما عبد الرحمن بن ناصر العجاجي فإنه كان زاهدًا ورعًا تقيًا وله مقامات في الزهد عجيبة، وكان مقبلًا على الله والدار الآخرة معرضًا عن الدنيا، طالب علم عاملًا، وله كتاب الفصول في قيام ليالي رمضان، وهذه الفصول موجودة تداولها الأيدي، وقد كان مصنفها ﵀ ليس له اعتناء في النحو والصرف والشعر فلذلك يرى في فصوله شيء من القصور، وأظنه لا يعتني بالإعراب أنما جل مقصوده الوعظ والتذكير، وقد حدثنا من رآه مرة في المقبرة فالتفت يمنةً ويسرةً فلما لم ير أحدًا تجرد من ثيابه، وكان قد لبس تحتها أكفانًا، فنزل في قبر وتمدد فيه وجعل يبكي ويحاسب نفسه، مالك تفعلين كذا لم تعصين الله وهو يراك، وتأكلين المتشابه، وقد تكرر ذلك منه عدة مرات فرحمة الله عليه، وهذا والله كمال العقل أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويتأهب لذلك المصرع الطويل، أما بقية القتلى فلا يحضرني الآن ذكرهم.

стр. 336

ولقد كان موضع المعركة يشيب الوليد بحيث أن الجرحى يئنون فوق ظهر الأرض لا يجدون من يقوم برعايتهم، حتى هلكوا بين أولئك القتلى، والأمر كان فوق ما قيل من الهول والأمر الفظيع، وهذه الواقعة شبيهة بواقعة بقعا فإن الجرحاء لما وقعوا بين الأموات إذ ذاك قام الرشيديون ينادون بالماء لمن يريد الشراب فإذا تكلم الجريح أجهزوا عليه، وهل بعد هذه القسوة شيء، نسأل الله العافية، وما أشبه الليلة بالبارحة، فتلك فعلها عبد الله بن علي بن رشيد بأهل القصيم، وهذه فعلها ابنه محمد بن عبد الله بهم أيضًا، وبهذا تعرف فظاعة آل رشيد وغلظتهم وفظاظتهم. وتعلم أن أهل القصيم ابتلوا وامتحنوا بوقعات أضعفت شأنهم كبقعا وأليتيمة والمليداء وغير ذلك. رجعنا إلى ذكر الإمام عبد الرحمن الفيصل، فنقول لما علم الإمام عبد الرحمن بما جرى، خرج من الرياض لينجد أهل القصيم، ولما أن علم وهو في أثناء الطريق ما جرى في المليداء من الهزيمة على أهل القصيم ثنا عزمه وعاد إلى الرياض، فأخرج حريمه وأولاده منها وترك أوطانه فارًا منها، فليس له قرار حتى يعيد الله الكرة وينعش أوليائه، ويأتي بفرج وفتح من عنده، فارتحلوا إلى الأحساء، وكان المتصرف فيها عاكف باشا، وبعد أن وصل الإمام عبد الرحمن إليها قابله مندوب من قبل واليها، وهو شاب لبناني اسمه الدكتور زخور عازار، انتدبه المتصرف ليفاوض ابن سعود ويعرض عليه شروط الدولة، فاجتمع بعبد الرحمن على عين النجا قرب المبرز في جمادى الثانية من هذه السنة، وكان مع عبد الرحمن ابنه الصغير عبد العزيز، فعرض عليه أن يعود إلى الرياض ويتولاها من قبل الدولة العثمانية إذا اعترف بسيادتها، وأن يخضعوا لها ويدفعوا بمثابة الخراج ألف ريال في السنة، فلعلم الإمام بعجز الأتراك عن مساعدته مساعدةً فعلية، ولعلمه بنيتهم أبى ورفض ما اشترطوه قائلًا: إن بعد ذبح بندر بن رشيد تفلتت العشائر فصارت خائنة بعضها لبعض وللأمراء الحاكمين كذلك، وكان صاحب قطر وهو قاسم بن ثاني يومئذٍ خارجًا على الدولة فشاع أن مندوب عاكف باشا يسعى في عقد اتفاق بين ابن سعود وبين

стр. 337

أبن ثاني لإخراج الدولة التركية من الأحساء، فأوقف خمسة عشر يومًا في الهفوف ثم استدعى إلى بغداد فكان بعد التحقيق بريئًا، ولكنه بعد هذا أبى أن يعود إلى منصبه، أما الإمام عبد الرحمن فبعد تلك المفاوضات رحل بأولاده إلى الكويت فمنعهم محمد بن صباح من دخولها، وكان يومئذٍ أميرها، فعاد عبد الرحمن بأولاده إلى البادية، وأقاموا بضعة أشهر مع العجمان: فضاقت به البلدان يسعى لعزه ... وما الأمر إلا بتقدير خالق رحلنا من بلاد نشأنا بظلها ... على الرغم منا بالجهود الطوالق إلا أيها الدهر المشتت للهوى .... رويدك لا تغدق بمر المذائق تريد لنا أمرًا والله ضده .... وأمر إله الحق فوق الخلائق عسى الله ذو العز القديم بديلها ... بكل الذي يهوى وثيق العلائق ثم أنهم أموا قطر بلاد ابن ثاني فأقاموا فيها شهرين، وكانت الدولة لا تزال تبغي عقد اتفاق مع ابن سعود لتأمن من حركاته وسكناته، فأرسلت بواسطة متصرف الأحساء إليه يستدعيه إليها، فلبى دعوة المتصرف. وقد تم بعد ذلك الاتفاق على أن الدولة تدفع إلى عبد الرحمن بن فيصل ستين ليرة مشاهرةً وأن يقيم وعائلته في الكويت، فقبل ابن صباح إذ ذاك أن يتوطنوا بلاده واستحب الإمام عبد الرحمن بن فيصل سكني الكويت لأنه قريب من نجد والأخبار تصل إليه فيه بسرعة. وأيضًا كان فيه آمنًا من تسلط الأعداء، فليس لأحد عليه فيها اتصال بما يكره لا من جهة الدولة ولا من جهة ابن رشيد، وكان في الكويت يعيش في أرغد عيش وأنعم بال، وإنما أخذ معاش الدولة الذي قلما كانت تدفعه إليه لأجل تسكين الثوائر مع أن الكويت في طرفهم، والولاية لهم فيه ظاهرًا. ثم دخلت سنة ١٣٠٩ ه ـ ففيها استقر الإمام عبد الرحمن بن فيصل وعائلته في الكويت بعد الاتفاق على

стр. 338

العقد المتقدم ذكره، وكان من بين عائلة نجله المعظم والرئيس الأفخم عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل، وكان حدث السن لكنه يروم مع صغر سنه من الأمور معاليها ويتبوأ بهمته إلى هاماتها وأعاليها، وقد ضبط عنه أنه لما مرّ بالبحرين مع والده في ذهابهم إلى الكويت كان عمره لا يتجاوز الحادية عشرة، فسأله أمير البحرين عيسى بن علي آل خليفة قائلًا: أقطر أحسن أم البحرين؟ فأجابه عبد العزيز بالحال الرياض أحسن منهما، قال الشيخ عيسى بن خليفة فدهشت لهذا الجواب السريع، وعلمت أن وراء الأكمة ما وراءها. وفيها نهض سادات صنعاء على الترك فحاربوهم وأخرجوهم من صنعاء، وكانت تلك الثورة فاتحة حروب وفتن، واستمرت ربع قرن يومًا تضطرم نارها، ويومًا تهمد تحت الرماد، وعندما قام عليهم الإمام المنصور والد يحيى، بعثت الدولة الفريق أحمد فيضي باشا لإخماد الثورة، فتقدم بجنوده إلى صنعاء فحاصرها واستولى عليها، فتقهقر الإمام ومات بعد ذلك، ثم إنه أعاد الكرة ابنه الإمام يحيى على الترك، وجرى بينه وبينهم ما سنذكره بعد ذلك إن شاء الله تعالى. ذكر إمامة محمد بن رشيد في نجد لما قتل هذا الأمير أبناء أخيه بندرًا وإخوتهم، جلس على عرش إمارة الجبل، وكان حليمًا حكيمًا، وكان قد آلى على نفسه بعد قتلهم ألا يقطع الرؤوس إلا في الحرب، فكان البدو يسخرون منه لقلة قتلة فيقولون لا يحسن الملك لأنه لا يكثر قطع الرؤوس، ولما لبث في إمارة حائل عشرين سنة، جرت المليداء فكتب له النصر وتم له الاستيلاء على نجد، فكان ملكًا سياسيًا له غور بعيد على الأمور وأهوالها، وله حظ عظيم من الدهاء، فقام بسياسته وقديمًا ما نفعت السياسة القائم بها، وخاض نجدًا يريد مناصرةً عبد الله بن فيصل، ومن يأخذ بالظاهر فإنه حمده على ذلك فأخرج عبد الله من السجن ثم أسره وبقية آل سعود، وبعث بهم إلى حائل ثم مكر بهم إلى غير ذلك.

стр. 339

ومن سياسته أنه يحترم العلماء ويوقرهم ويعرف حقهم، وكان ذات يوم إلى جانبه الشيخ عبد الرحمن العجاجي، فقال له أيها الأمير: إن هؤلاء الأعراب نشأوا علي جهل فلو جعلت لديهم مطاوعة يرشدونهم ويبنيون لهم لتبرأ ذمتك، فإنهم لا يعرفون طهارة ولا صلاة، فالتفت الأمير إلى عمه عبيد بن رشيد وقال له: أسمع ما يقول الشيخ، دعهم وجهلهم لنسلم من شرهم، فلو جعلنا عندهم من يعلمهم وعرفوا حقوقهم لبدأوا بالإنكار علي. وقال مرة إني لا أقر الفساد ولا أرتضيه، فقيل له هذا فلان يرصد النساء في مواضع المياه إذا جئن يسقين ويسعى للريبة والخبث، فبعث إليه ينهاه ويتهدده، غير أن هذا مبتلى والعياذ بالله بالفتنة فلم يطق الصبر عن فعله فلما بلغه أنه لم ينته، خرج على جواد وتحين له في ناظوره، فلما رآه حوالي النساء، أرسل عليه جواده كالطير، فلما أحس المريب بالشر أطلق رجليه كالريح يريد البلد، فأدركه الأمير وضربه بالصمصامة فطار عنقه كأنه كره وضل الجسد يركض بلا عنق، فلما رآه كذلك بكى وقال ليعلم الناس بأنه خرج عن السمع والطاعة، وندم على قتله بعد ذلك حتى قيل أنه دفع ديته إلى أهله. ولما توافق هو وأهل القصيم وبان له الظفر، بث جنوده لينهبوا الأموال ويقتلوا الرجال، فجاؤه بالأموال التي قد نهبوها والأدباش من القرى وغيرها، وأخرجوها من معاطنها وحشروها لديه، فبكى وقال أريد أعناق الرجال وتأتوني بالحمر والبقر والغنم، أنا لا أريدها. ولما جرى من أمر الله ما لا يطاق في آخر الواقعة وفر بعض العجزة من أوطانهم إلى عنيزة ونحوها، وجعل المسلمون يرتقبون ماذا يحله بهم لأنه ظهر مظهر الفاتح المسلط، عفا وكفَّ جنوده عن كل فساد، ولما ذكروه يمينه أنه سيبيحها ويضرب بريدة طولًا وعرضًا، ويقتل وينهب، قال لجنوده ادخلوا من أي باب شئتم واخرجوا فليس هناك معارض، أما الفساد فلا ولا رخصة لكم بذلك وأن القصيم

стр. 340

الآن يعتبر رعية مثلكم وأمن الله به العباد والبلاد، واجتمعت الكلمة وساد الناس بحلمه وعقله وسعة رأيه وأقر قضاة البلدان على بلدانهم، وتعتبر أيامه بالنسبة إلى أيام ابن أخيه عبد العزيز كخلافة في العدل والإنصاف وحسن الرعاية. ولما أن جلس الأمير حسين بن جراد على عرش إمارة بريدة من قبل بن جراد على عرش إمارة بريدة من قبل ابن رشيد، كان حسين هذا كأمراء آل رشيد في السطوة والجبروت، فبعث بعض الأهالي بشكايته إلى ابن رشيد وجعلوا الكتاب سرًا صحبة رجل يدعى زيد بن عجلان فلما ورد الحاكم كتاب الشكاية، بعث إلى أميره يتهدده بأن أهل القصيم نسبوك إلى الظلم، فقام الأمير يرغي ويزيد وجعل يدس الدسائس ليصل إلى من بعثه ويرسل العيون يستطلع الأخبار فقيل له لعله محمد بن لهيب، فدعى به وحبسه حتى ظهرت براءته فأطلقه. ودعى بمحمد بن عبد العزيز الصقعبي، وكان خطاطًا فأحضره وحبسه وجعل يقرره وهو ينكر ويقول له إنه لا ذنب لك إنما الذنب لمن أمرك، أخبرني من أمرك ونحو ذلك الرجل، ويشتد نكيره، فلما أن أقبل الليل جاء ناس ليشفعوا له وأبدوا للأمير بأنه ضعيف البنية إذا لبث في السجن ليلًا، فيوشك أن يهلك مع أنه مظلوم ولا دخل له في الموضوع، حتى لان له وأخرجه بشفاعة أولئك الشافعين. أولًا: - أنه مظلوم، وثانيًا: - لأنه مطوّع وليس من عادته أن يتدخل بما لا يعنيه، وثالثًا: - لضعف بنيته، فهو لا يطيق الحبس ونحن نضمن بأنه لم يكتب في حكم مسبة، ثم دعى برجل يدعى ابن شومر، وجعل يعذبه بأنواع التعذيب حتى مات، وسيجازيه الله الذي لا يظلم النقير والقطمير بما فعله بهذا المسلم، نسأل الله العافية. ثم دعى بالجمَّال زيد بن عجلان، وكان لم يعلم بحقيقة الحال، وأن هذا الكتاب شكاية، فجعل يتطلع أخبار مجيء زيد هذا، لأنه كان غائبًا، ولما قرب من البلد خرج إليه أهله وأقربائه يحذرونه دخول البلد، وأمروه أن ينجو بنفسه ويفر إلى أحد

стр. 341

البلدان خشيةً عليه من سطوة الأمير، فلعلمه أن الفرار لا ينجيه قدم بريده، وعلى الفور دعى به إليه، فجعل يقول له لا بأس عليك، وأنك جمَّال فأخبرنا بصاحب الكتاب، وأنه لا ذنب لك ولا عليك فإنك إن تخبرنا بالحال نجازيك على إحسانك ولا نخبر صاحبك، أجاب هذا الرجل الأمير بقوله: أيها الأمير والله لا علم لي بصاحب الكتاب ولا بالكتاب، غير أني لما قدمت الجبل وحملت الكتب لأوزعها، وجدت من بينها كتاب الحاكم فدفعته إليه، ولو قد علمت أنه مسبة لم أحمله، فعفا عنه ثم أذن له بالذهاب، ودعى به بعد ذلك، فلما حضر تكلم الأمير بقوله: يا زيد الكتاب عرفناه قد أظنه فلانًا فتبين أنه فلان يا زيد، الله لا يتهم بريء، وهذه كلمة عامية معناها "نسأل الله أن لا نتهم أحدًا وهو بريء" فهل كان الأمر كما قد علمنا، وزيد لا يجيب إلا بالإنكار والبراءة من فلان وفلان، ويعاهده على عدم معرفته، فقام الأمير للوضوء وهذا الجمال جاثٍ على ركبتيه لم يتحول، وقد كان لدى خدم الأمير ورجاله معروفًا ومحتشمًا، ومع ذلك لم يتجاسر أحد منهم على كلامه، والسلام عليه خوفًا من الأمير، ثم خرج من وضوءه ودعى بالقهوة وأجلسه إلى جانبه وعفا عنه؛ فقام الرجال يسلمون عليه ويسألونه عن أهاليهم في بلدة حائل، كيف فلان وما صنع فلان، وقام منصرفًا قد سلم منهم. ولما جلس الإمام عبد الرحمن بن فيصل وعائلته في الكويت، بعث الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد بهدية إلى ابن صباح في الكويت، وكان بعثه لهذه الهدية على يدي رجل من خاصته، ذوي الدراية والمعرفة، وأوحى إليه بأني لا أخشى من عبد الرحمن بن فيصل إنما خشيتي من أبناءه، فاذهب وائتني بخبرهم، وكان قد خامره خوف من ذرية عبد الرحمن هذا، ففعلًا سار هذا الرسول بالهدية وقدم بها على صاحب الكويت للسلام عليه والمواصلة الحسنة، وبعد ما ناوله الهدية، طلب السلام على عبد الرحمن الفيصل وأنجاله الكرام لما وصل إلى ساحتهم فاجتمع الرسول بعبد الرحمن، وجعل يقلب النظر في أولئك الأولاد وينظر إلى محمد بن عبد الرحمن قد طر شاربه وعليه آثار السمت والحياء.

стр. 342

أما عبد العزيز فوجده ثائر الرأس يصارع الصبيان ويغالبهم، فلا يدعهم يستريحون يقول أنا الأمير عليكم وبعدما سبرهم الرسول، وأقام في الكويت بضعة أيام رجع إلى حائل يحمل أخبار أولئك الأنجال ما وجدت يا "بعد حي". أيها الأمير وجدت أنجاله اثنين الذين يشار إليهما محمد الكبير عليه الحياء والسمت، ووجدت عبد العزيز ثائر الرأس يصارع الصبيان ويغالبهم فيغلبهم كأنه مجنون، والذين حواليه في عناء شديد منه، وقد يلبس العقال ويضرب بعصاه الأرض ويهذي قائلًا أترون صاحب هذا المحجان يحكم في نجد، وأما بقية الأنجال بعد عبد العزيز الذي عمره اثنتا عشرة سنة فصبية صغار لا معرفة لديهم، فانذعر محمد بن رشيد يقول "يلهن حيك" أيهم المصارع؟ فأجاب عبد العزيز هو عبد العزيز، عبد العزيز الذي يصارع، فجعل ابن رشيد يقول خف من المصارع، أنا أخشى ممن يصارع، أخشى من عبد العزيز ومصارعته، هذا كلام محمد بن رشيد بحروفه، ويعدّ من دهائه وغوره لأنه وقع ما كان يتوقعه. ثم دخلت سنة ١٣١٠ ه ـ ففيها دعى الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد بمحمد بن هندي إليه بعدما أضعف جانبه باستجلاب كثير من قومه، ولما حضر بين يديه جعل يتهدده ويتوعده كأنه قد بلغه ما يريبه عنه، وقام رجل من أتباع ابن رشيد يدعى الطوير موافقة للأمير، فجعل يتكلم في حق محمد بن هندي ويقول: كأني بالمغاتير والمجاهيم تؤخذ منك، وإني لأرجو أن أتولى نهبها من بين يديك، فرد عليه ابن هندي قائلًا: قبحًا لك وما حصلت عليه إذًا، إنك لم تحصل إلا على الخزي أخذك الله، وكان محمد هذا رجلًا تقيًا وذا عبادة، أضف إلى ذلك شجاعة تضرب الأمثال بها، فاستمر ابن رشيد في تأنيبه حتى قال له: يا ابن هندي انج بنفسك فلك الهربات، فقام من عند ابن رشيد بعد العصر، وسار معه أربعة من رجاله حتى أشرف على قومه وأدباشه

стр. 343

فأمرهم بحفظها، وذهب فارًا يريد النجاة، أما الأمير فإنه لم يمهله (١) بعد ما ذهب شد في طلبه تلك الليلة وجد في السير، وأمر جنوده بالنهب والسلب فشرعوا في أخذ ما مروا عليه، ولما أن أشرفوا على رعاياه كان من بينها المغاتير والمجاهيم قد جعل في كل رعية حارسين، فهما في وسط الرعية، فإذا قرب منها العدو خرج أحد الحارسين فرشقهم بالنبل، فإذا انكشفوا رجع داخلها، وهكذا وكان جنود ابن رشيد على تلك الصفة ولا يهملون محمد بن هندي فتراهم يطالعونه من خلفهم، فلما كان ذات مرة اجتمعوا وشدوا على إحدى الرعتين، فأخذوها فخرج الحارسان ودخلا في الأخرى فهم في جهاد وعلاج فعند ذلك أجمعوا أمرهم وحمل منهم مائتان على الأخرى وعزموا على أخذها، هذا ولا تزال أعينهم ترقب ابن هندي على البعد، فلا يغفلونه لمعرفتهم لسطوته، فلما غامروا الحرس، خرج صبي من بين الرعية ينادي بأعلى صوته قائلًا محمد بن هندي يا محمد بن هندي تكفى أخذت يا محمد بن هندي اخذت فلانة لعمانية مشهورة بسلامة النسب، عربية متولدة أبًا عن جد، قد نتجت وادخرت ليومها، فلم يشعر القوم إلا به قد صاح بأذن فرسه وأجلب وكانت فرسًا في أعينهم هطلًا، ولبتها تكاد تمس الأرض لضخامتها وهو يسير منهزمًا في بداية الأمر مع منخفض الأرض، فلما سمع النخوة شد عليهم وهو يصيح في آذانها، فصارت تلك الفرس كهيئة الذئب وأقبلت تعدو به كالطير فلم يشعر القوم إلا به كالأسد الوثوب الذي لا يطاق إذا صال، وعجب القوم لتلك الفرس كيف اجتمعت كذلك فرمى بالرمح واختطفه بالسيف فقطه نصفين وشد على إحدى القطعتين فضربها فقسمها إشارةً منه أن ما وصله هذا السيف لا ينجو، فعند ذلك فر ابن رشيد وقومه بخيلهم وركابهم وعدا محمد بن

стр. 344

هندي فغمر الخيل من خلفها فقتل منهم خمسة عشر فارسًا، ونفرت خيلهم تجر أعنتها ولحق الطوير وشد عليه حتى ضربه بالصارم ضربة سقط لها شطره الأعلى، ولم يبق على الفرس سوى وركيه، ولبث محل القطع عشر دقائق أبيض لم يخرج منه دم، فجمع القوم خيلهم تباري الأمير خشية أن يسقط ليركب على الأخرى فتكون الخيل على استعداد هذا وهم يطيرون منهزمين. قال: من حضر الواقعة أشهد بالله لرايته يعني محمد بن رشيد منبطحًا على ظهر جواده وهو يطير به ويقول اللهم اكفنا شره، يكررها فلم يشعر الفوارس إلا به قد جاءهم من أمامهم فتفرقوا شاردين فشد على الأمير وبعد ما أدركه من خلفه رفع السيف فوق أذنه يقول احفظها لي يا ابن رشيد، فانقلبوا بشرحال ورجع محمد بن هندي بما ناله من الخيل والإبل والسلاح شعرًا: وما تريد بنو الأغيار من رجلٍ ... بالجمر مكتحل بالليل مشتمل لا يشرب الماء إلا من قلب دمٍ ... ولا يبيت له جان بلا وجل فلما كان بعد أيام بعث إليه ابن رشيد يقول: هل أنت مسالم أم محارب؛ فقال بل مسالم ولكنك اضطررتني لأن أكون محاربًا، فأمره أن يعرض طلبه وما يريد، فقال أريد جميع ما أخذتموه تردونه فرده عليه. وفي هذه الأيام سكن الفارون من الجلائين الذي جلوا من القصيم ومن بينهم آل مهنا وآل سليم والشاعر العوني، واطمئنوا في الكويت ودمشق لاجئين هناك عن حكم آل رشيد. وفيها ظهرت مواهب الأديب مصطفى كامل صاحب مصر وكان منظورًا إليه فيه بعين الإجلال والاحترام لدى المصريين ولدى معلميه وأساتذته لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان وصراحة القول عندهم واستقلال الفكر وكانوا يعجبون به ويتوقعون له مستقبلًا مجيدًا وسيأتي ذكره في سنة وفاته إن شاء الله تعالى.

стр. 345

ثم دخلت سنة ١٣١١ ه ـ ففيها وقع نزاع بين أمير مكة الشريف عون الرفيق بن محمد بن عبد المعين بن عون وبين الوالي التركي الذي تجعله الدولة مقابلًا للأمير يدير النظام، وكان هذا الوالي يدعى عثمان نوري باشا والي الحجاز، وقوى من دانها ذلك العصر، وجرت مشاحنات ومنازعات في السلطة، ولما جرى ذلك دخل في ذلك النزاع سادن الكعبة عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن زين العابدين الشيبي، وانضم إلى حزب الوالي التركي، كما أنه انضم إلى حزبه أيضًا مفاتي مكة ورئيس السادة العلوية ونائب الحرم، وبعض من لهم شخصية بارزة من الأشراف ورفع كل من الشريف عون الرفيق، وعثمان نوري باشا الأمر إلى السلطان عبد الحميد خان بن عبد المجيد خان العثماني صاحب الولاية والسلطنة على الممالك العثمانية ومن ضمنها الحجاز واستعان عثمان نوري باشا على الشريف عون بمضبطة من الذوات ذكرهم ضد الشريف عون. فانجلت المعركة بفوز الشريف عون الرفيق على خصمه، وكان النصر حليفه في ذلك المشكل وصدر أمر السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد بعزل والي الحجاز عثمان نوري باشا، وبعزل الأعيان الموقعين في تلك المضبطة ونفيهم جميعًا من الحجاز. ففعلًا جرى عزل الجميع من وظائفهم ومن بينهم السادن للكعبة عبد الرحمن بن عبد الله الشيبي فإنه عزل غير أنه لطيف به فلم ينف من الحجاز كغيره ولكنه بارح مكة المكرمة وسكن الهدى، وهي قرية صغيرة واقعة بسفح جبل كرا الذي هو شرق مكة وواقع بينها وبين الطائف، وهو من سلسلة جبال السراة، ويبلغ ارتفاعه عن سطح البحر ٢٢٠٠ مترًا، ويبعد عن مكة نحوًا من ٣٥ ميلًا، وبينه وبين الطائف نحو ٨ أميال، ثم إنه تولى بعده سدانة الكعبة ورئاستها السادن محمد بن صالح بن أحمد محمد الشيبي في هذه السنة، فكان شهمًا همامًا، وتولى بعد ذلك رئاسة مجلس الشيوخ في عهد الملك حسين بن علي لما صار على مكة، واستمرت سدانة محمد ٢٤ سنة حتى توفاه الله تعالى.

стр. 346

وفيها وفاة محمد بن فيصل، وهذه ترجمته: هو الأمير محمد بن الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، وكان من الذين ناصروا الإمام عبد الله بن فيصل وعاضده وآزره وشاركه في غزواته في عز الحياة وذلها، قائد كبيرًا ذا شجاعة وعلم ومعرفة، حتى كانوا يسمونه المطوّع، وكانت وفاته بالرياض. ذكر شيء من النشاط الديني في ذلك الزمان كان هناك في نجد الشيخ العالم القدوة الذي أصبح كالشجى في حلوق أعداء الشريعة عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، لا يزال ينشر أعلام التوحيد، ولا تأخذه في الله لومة لائم، مقيمًا في الرياض مدرسًا ومعلمًا. كما أن الشيخ سليمان بن سحمان قد جد في نصرة الحق، ولا تزال إذ ذاك أقلامه تصنف وتبوب وينظم الشعر ويردي بحجته ولسانه بنيان أهل البدع، فلا يدع جافيًا ولا غاليًا إلا ألقاه في قعر الحضيض، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا. وكان في القصيم أعني بريدة رجال دين يشار إليهم بالأصابع، ويدفع الله بهم عن المسلمين، فمن بينهم شيخ الطريقة محمد بن عبد الله بن سليم، قد جد واجتهد في البيان والتعليم، وكان له مقامات قامها لله وفي ابتغاء مرضاته، أضف إلى ذلك شجاعة وقوة في إظهار الدين والحق، وكان له أتباع في هذه الطريقة تمسكوا بالدين وبسنة سيد المرسلين، ولم يستكينوا ولم يهنوا، فمن بينهم فضيلة العارف القدوة الزاهد عبد الله بن محمد بن فدا، ويكفيك به شرفًا ودينًا وعقلًا ثباته على الشريعة وتمسكه بها على كثرة من المعاند والمشاقق وانتشار كل خب ووغد من كل مارق ومنافق، ومنهم الألمعي المشهور بالعلم والدين علي بن مقبل، وصاحب الجود والسخاء حمد بن مبارك وأخوه إبراهيم بن مبارك، وساكن الشماسية فوزان بن عبد العزيز وأخوه سعود بن عبد العزيز، وزعيم بريدة إذ ذاك عبد الكريم بن ناصر بن جربوع، ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم القاضي بعد أبيه، ومنهم

стр. 347

الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وعثمان بن حمد بن وضيان، وحسين بن عبد العزيز بن عرفج، ومحمد بن حمد بن مضيان، وسليمان بن عبد الله بن حميد، وعبد الرحمن بن غيث، وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد، عبد العزيز بن عبد الله بن فدا، وصالح بن إبراهيم بن فوزان الملقب العويدة، وصالح بن كرديس، وابن قوبع، وجرى إذ ذاك في تلك السنة محاورات في المسائل الدينية، ومن بين أولئك الرجال فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن دخيل قاضي المذنب، وقد وشى به أعدائه نحو الأمير ابن رشيد يريدون عزله، فما نالوا إلا الخزي والعار، ورد عليهم الأمير بقوله: إن بلدكم يسمى الذنب فببركة هذا الشيخ سمي المذنب، ومن الرجال أيضًا سالم بن حجي، فيا سبحان الله إن الزمان بمثلهم لبخيل. ثم دخلت سنة ١٣١٢ ه ـ استهلت هذه السنة والملك مستقيم للحاكم محمد بن عبد الله بن رشيد والأمان متوفر، وذلك بتوفيق الله، ثم تمام سياسته تغلب على البلدان، واستولى عليها بالكرم والسيف والإرهاب، فمن لم تفد فيه الهدايا والصلات جرد عليه الحسام وامتشقه، وجعل يتودد إلى الناس. فمنها أنه خطب في حائل معتذرًا عن قتل أبناء أخيه، فقال: أيها المسلمون والله ما قتلتهم إلا خوفًا على هذه، وضرب رقبته بيده، إنهم هموا بقتلي فسبقتهم ومنعتهم، وهل تظنون أن من قتل أخي متعبًا يعفو عني، وكان قد ساعده إذ ذاك حظ ونصيب. وفيها وردت أبيات من الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ وهو مقيم في الهند، قد سافر إليها لطلب العلم، فكان في بلاد دلهي بعث بها إلى الشيخ سليمان بن سحمان تضمنت هذه الأبيات شدة وجدة واشتياقه إلى إخوانه وأصحابه، يطلب منهم إخباره عن أحوالهم ويعدهم بالإياب إليهم عن قريب. فأجابه عليها الشيخ سليمان بن سحمان بقصيدة من أبياتها قوله:

стр. 348

فقل للمحب الألمعي أخي التقي ... حليف هموم الاغتراب مع الفقد لئن كنت ذا همٍ وغمٍ ولوعةٍ ... وفقد وأحزان عضالٍ وذا وجد فوالله ثم والله إنا لبعدكم ... ومن فقدكم في منتهى غاية الوجد فكم بثت الأشواق جيشًا عرمرمًا ... لهامًا وكم أشجت فؤادًا على عمد فكم دون من نهوى من البيد والفلا ... وهيهات كم بين اليمامة والهند ومن دونه البحر الخضم وهوله ... وأمواجه اللاتي تشيد بالرعد وذاك قضاء الله ﷻ ... وما قدر المولى فحق بلا رد فيا من زكت أخلاقه وتألقت ... محامده في محتدا ذروة المجد سلالة بدر الدين من جدد الهدى ... بنجدٍ فأضحى بالهدى فائح الند حنانيك هل من أويه تشف لوعةٍ ... لواعجها تربو على الحد والعد إلى أن قال: وقد زادنا همًا وغمًا وحسرةً ... مقالك في النظم الذي ضاع بالهند فلا رسلٍ من جيرتي لا رسائلٌ ... تسلسل لي الأخبار عن ذلك العهد فذا أربعٍ أو خامسٍ قد أتاكمو ... على يد محبوب صفي وذي ودي إلى أخرها وهي حسنة. ثم إن الشيخ إسحاق ﵀ عنَّ له الوصول إلى مصر لأجل القراءة على علماء الأزهر، فارتحل إليه فعاتبه الشيخ سليمان على إخلاف الوعد القديم، حيث هيّج الأحزان وبعث الأشجان لأنه وعد بالمجيء إلى أوطانه وعشيرته وإخوانه، ثم لم يفاجئهم إلا به في مصر، فأقام بها برهةً من الزمان، فبعث إليه الشيخ سليمان بهذه الأبيات لما تبلبلت أفكاره وطالت غربته وانتظاره: تأجج الوجد في الأحشاء واضطرما ... وانضب الهم والأحزان ما كلما بالله هل للضني والكلم ملتئم ... فالدمع للبين منكم قد رمى وهما أو للتنائي عن الأصحاب منصرمٍ ... والحزن للقلب بالأوصاب قد هما

стр. 349

إن الرجا روح الأرواح فابتهجت ... فانزاح عنها من الأحزان ما هجما ثم أرعوت هذه الأحزان فاستعرت ... وأضرمت بعد في الأحشاء مضطرما وذاك في النثر والمنظوم إذ وعدا ... بالارتحال بالرجعى كما زعما وبلبل البال بعد الابتهاج نوى ... من بهويال إلى مصرى فكم كلما وكم أراق من الأجفان من ديمٍ ... لولا الرجا أخضلت بعد الدموع دما فالآن في وهج الأحزان ملتهبًا ... من كان في نهجٍ بالراح منتظما والآن في رحبة الأفراح منجذلًا ... من كان من طرب الأفراح مبتسما والوجد في منهج الأحباب متقدٌ ... لو كان ذاك بقلب الأخ لا نكلما لكنه لم يكن في قلبه وهجٌ ... من شطة البين فالمحبوب قد وهما فالوجد يولع من في قلبه وله ... والشوق يزعج قلبًا بالغرام نما وفي هذه الآونة توترت العلاقات بين اليابان وروسيا، وذاك لأنه لما كان في هذه السنة فتحت اليابان بحربها مع الصين أبواب مطامع كثيرة للدول الأوربية في الشرق الأقصى، من جملتها إنشاء خط حديدي لروسيا في منشوريا يخترقها من الغرب إلى الشرق تكميلًا لخط سيبيريا الممتدة إلى فلاد يفستوك وحرسته بالجنود الروسية. ثم لما استولت ألمانيا على ثغر كيار تشاو بإيجار لمدة معلومة اقتدت بها روسيا أيضًا، وأخذت تليانوان وبور آثر فأقامت في ذلك المرفأ أعلامها وعززته بالمعاقل والمدافع وكنزته بالذخائر والمؤن، وأرسلت إليه الفيالق والبوارج، ثم مدت يدها إلى يالوا وشمولبو، وشادت مستودعات للذخائر في نيفامبو من أعمال كوريا، ولم يبق بينها وبين اليابان إلا فرجةً ضيقة، ولما ثبتت قدمها استحصلت أيضًا على امتياز إنشاء خط حديدي يخترق منشوريا من الشمال إلى الجنوب إلى شبه جزيرة ليا وتولغ، وحرسته بالجنود أيضًا، ولما رسخ قدمها في تلك البقاع، تحركت مطامعها لامتلاكها وأخذت تبذل في ذلك جميع مساعيها، إلا أن اليابان كانت واقفة لها بالمرصاد وفؤادها يتوقد غلًا وحسدًا ويقطر دمًا منها، فانتصبت معاندة في غاياتها

стр. 350

إلى أن ألزمت الدول بالمداخلة في هذه المسألة، وبذلك نتج إبرام معاهدة بين روسيا والصين تقتضي بجلاء الروس عن تلك المراكز في أجل معلوم، ثم حلّ الأجل ولم تفِ روسيا بوعدها بل كانت متهكمة في تعزيز قوتها في الشرق، فثارت لذلك خواطر اليابانيين، وبدأت من ذلك الوقت المخابرات وتبادل المذكرات بين الدولتين، وأخذت بعض الدول في التوسط في هذه القضية قصدًا لحسم النزاع بينهما، فلم يجد ذلك نفعًا. وكانت الاقتراحات اليابانية تتوالى على أسماع الحكومة الروسية، وهي تعرض عنها كالمحاول مع استمرارها على التجهيزات الحربية وحشد الجنود الروسية وذخائرها إلى الشرق، فعلمت اليابان سوء مقاصدها وأصدرت منشورًا لرعاياها بإعلان الحرب على روسيا، وبعد محاورات بين الدولتين طويلة، ثارت نيران الوغى بين الفريقين، ودخلت الروس في ميدان الحرب بشمخ وعجب، وولجتها اليابان اضطرارًا للدفاع، وحينما شبت نار الحرب، انضمت الأحزاب اليابانية إلى اتحاد العضوية والاتفاق، خالية من جراثيم النزاع والشقاق، وامتشقت حسامًا في وجه روسيا لم يكن لها بحسبان، وهزت سنانًا كان له صدًا في ميدان الطعان، وسلكت معها خططًا حربية لم تخطر لها ببال غير آسفة على عزيز ولا ضانة بغال، وبعد أن انصبغت مياه البحار بخضاب دم الأبطال وغصت بجثثهم رحبان السهول وسفوح الجبال، واندمج هزيم رعد الجو بدوي المدافع التي كانت تقذف صواعق القنابل الماحقة، وغدت سحب دخانها تسح هواطل شهب الرصاصات الساحقة، واشتبكت بين الفريقين ملاحم شابت من هولها الولدان، ونفد من كنوز خزائن الدولتين الأحمران عادت الأمة اليابانية رافعة لواء النصر والظفر بين الأقران وباءت روسيا مكبلة بثياب الفشل والخسران آسفة على ضياع المليونات من الأموال وضحايا كرات الألوف من البشر، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، وذكرى لمن ذكر، وسقطت من أوج عزها الشامخ ورفيع مجدها الباذخ وخسرت أكثر سفنها الحربية غرقًا وتعطيلًا وغنيمة لليابانيين، ولم يبق سالمًا منها إلا القليل، ودلت النتيجة الحربية

стр. 351

على توهيم جملة حقائق كانت سائدة على الظنون بشأن روسيا من قديم الزمان، وتمت المعاهدة الصلحية على عودة السلم والوداد بين الدولتين والرعيتين وذلك في أربعة عشر مادة، جاء في الثالثة عشرة منها جلاء الجيشين من منشوريا في ظرف ثمانية عشر شهرًا. وفي سنة ١٢ هذه سقطت صاعقة من السماء على منارة جامع بريدة بعد الصلاة يوم الجمعة، وذلك بعدما خرج السرعان فأصابت المنارة من جهة الشمال الشرقي، وقتلت رجلًا في خلوة المسجد بدون إصابة، وأصابت ثوب رجل آخر من جهة كتفه الأيسر، فاحترق ذلك الجزء من الثوب وكف بصره، فجعل الشيخ إبراهيم بن جاسر يقول: يا أمة محمد هذه رمية الجبار. ثم دخلت سنة ١٣١٣ ه ـ في هذه السنة قام مبارك بن صباح وقتل أخويه محمدًا وجراحًا طمعًا في الإمارة والعياذ بالله، وتم له الاستيلاء على الكويت، وكان أميرًا من دهاة العرب المشهورين، ولما قتل أخويه محمدًا وجراحًا جلس على عرش إمارة الكويت، وكاد الجو أن يصفو له في الحكم غير أنه رمي بداهية دهياء، وهي يوسف بن عبد الله آل إبراهيم خال أبناء المقتولين، فإنه قام يطلب الثأر وكان ذا ثروة ضخمة جعلته يطمح إلى حكم الكويت لما يعلمه من مكانته في نفوس الكويتين، لا سيما الذين خامرهم من فعلة مبارك بن صباح بأخوته، فأخذ يوسف المطالبة حجة له وقاوم مباركًا بكل ما أوتي من قوة، فألّب عليه الحكومة العثمانية، وكاد أن ينجح لولا تدخل حكومة الإنكليز، وسعى يوسف بن عبد الله آل إبراهيم لدى محمد بن عبد الله بن رشيد بمساعدة الشيخ قاسم بن ثاني أمير قطر، فلم يفلح ولم يأل يوسف بن عبد الله جهدًا في حمل ابن رشيد على محاربة مبارك بن صباح، ولكنه لم يوفق لاقتناع ابن رشيد ومعرفته ودهائه. وفيها تمت عمارة المسجد الجامع في بريدة على يدي الشيخ محمد بن عبد الله بن

стр. 352

سليم قدس الله روحه ونور ضريحه، وكان لما أن أراد أن يشرع في عمارته قال للملأ من أهالي بريدة: إني قد عزمت على عمارة جامعكم على نفقتي ليس إلا، ومن أراد المساعدة منكم فلا مانع من ذلك وقد قدم الأهالي مساعداتهم وساهموا في هذا المشروع جزى الله المحسنين خيرًا، ولا شك أن الساعي بهذا له أجره مدخورًا عند الله تعالى. وفيها كثرت الشكايات على ابن رشيد ضد الشيخين عبد الله بن عبد اللطيف ومحمد بن عبد الله بن سليم وأتباعهما، فطلب الحاكم محمد بن عبد الله بن رشيد بعث الشيخ عبد الله إليه في حائل ليراه ويطمئن بجلوسه لديه في حائل ونذكر هنا حالة الشيخ في سفره وإقامته وإيابه فنقول وبالله المستعان. ذكر سفر الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى حائل لما أكثر الأعداء من مسبته والكلام فيه أمر محمد بن رشيد أميره في الرياض أن يجهزه إليه بكل ما يليق به من حفاوة وإكرام واحترام ليراه ويسلم عليه، وبعث إليه بكتاب خاص قال فيه: نحن بالأشواق إلى رؤيتكم وإلى الجلوس عندنا لنتعلم ونشارك أهل الرياض بعلمكم، ولتنشروا العلم وترشدوا من الجهل. فسار الشيخ ميّمًا إلى جهة حائل وجعل الله سفره ميمونًا وآثاره مباركةً، فكان إذا مرّ ببلد أو قرية فإنه يظهر دين الله ويرشد ويبين، حتى كان لفوائده آثار هناك كمواقع القطر، ولما قدم بلدة حائل تلقاه الحاكم محمد بن رشيد وأعدّ له بيتًا وفزع الأهالي إلى رؤيته والسلام عليه وضيافته، ووضعوا برنامجًا للموائد والإكرام. فلما استقر ببيته قال ابن رشيد: أيها الناس إن عشاء الشيخ ما دام مقيمًا فهو عندي ولا يزاحمني فيه أحد، وأما الغداء فشأنكم به، فأبى فضيلة الشيخ عبد الله الذهاب إلى نحو موضع أحد من الناس، وإن من أراد كرامته فليأتي بها إلى بيته، فانطلق أهل الجبل ينقلون نحو بيته أنواع الأطعمة والفواكه من طلوع الفجر كل يوم إلى وقت الضحى، فكان الشيخ يدرس في العلوم والخلائق تزدحم على بيته، قوم للدراسة، وقوم للاستماع، وقوم تعمهم بركة مجلسه فيحصلون على الأكل

стр. 353

والشرب والانبساط، حتى حدثني بعض الثقات أنه رأى في بيت الشيخ يومًا من الأيام خمسة عشر سقاء لبن معلقة، وأقبلت الأمة من كل فج عميق يدرسون ويستمعون ويأكلون ويشربون، فنشر علمه بين العالمين، واهتدى على يديه فئام من المكلفين، وكان من بين من تخرج عليه هناك رجل الدين والخير الشيخ صالح بن سالم آل بنيان، لزمه وحافظ على دروسه، وترك ابن رشيد وأعماله حتى برع من بين الإخوان ونبغ من أولئك الأقران، وأصبح من أعظم أنصار القرآن والسنة، ومن بين خيرة أهل ذلك الزمان، وقد اشتهر الشيخ صالح بقصائد تدل على بصيرته ومقامه في الدين، والرد على الضلال والملحدين. ولما علّم ودرّس شيخنا في بلدة حائل وضربت إليه أكباد الإبل من كل قطر وجهة، وبان للأمير مقام هذا العالم، أجازه جائزة سنية وأعطاه إبلًا وغنمًا وصرفه إلى وطنه الرياض مصحوبًا بالسلامة. ومما هو جدير بالذكر أنه أتى على آخر تلك الأدباش وهو في طريقه إلى الرياض، ففي كل منزل ينزله ينحر جزورًا ويذبح أغنامًا للزائرين والرفقة، حتى لم يقدم الرياض بشيء منها، وتلك عادة فطره الله عليها كرمًا وجودًا وإحسانًا، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وكان المنافقون والذين في قلوبهم مرض يرتقبون إهانته من ابن رشيد، فما لقي منه إلا الكرامة، فلله الحمد على ذلك. وفيها حصلت حروب طاحنة بين الحبشة وإيطاليا، وكان سبب هذه الحروب دسائس الإنكليز التي غررت إيطاليا وأغرتها على احتلال سواحل الحبشة والتوغل في بلادها، فأثارت تلك الدسائس الأحباش وأضرمت في وجه إيطاليا حربًا جبريًا أصلت به الإيطاليين نارًا حامية، وانتهى الأمر بفوز الأحباش فوزًا عظيمًا، ورجع الإيطاليون بخفي حنين وباؤا بفشل عظيم ولم ينالوا من سعيهم إلا تكبد الخسائر الباهظة وانحطاط قدر جيشهم أمام عيون الناظرين، وقبولهم الشروط المهينة لشرفهم والماحقة لحقوقهم، ولهذه الدولة جملة مهددات لا محيص

стр. 354

لها عنها، منها عداوة فرنسا لها، ومنها ترقب البابا الفرصة لاسترداد نفوذه المسلوب منه إلى غير ذلك. ثم دخلت سنة ١٣١٤ ه ـ في هذه السنة عمر السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد المسجد الحرام المكي شرفه الله، وذلك لأنه مضى عليه منذ عمارة السلطان عبد العزيز خان إلى هذه السنة نحو من ٣٥ سنة، لم يجر فيه ترميم ولا إصلاح يذكر، ولطول هذه المدة زالت ألوان الأصبغة والنقوش المحلى بها جدر المسجد الحرام وعقوده، وتكاثف على الأساطين والرخام حتى عمل بها تأثيرًا من طبقة مرمرة، وتغير لونها وأزالت الشمس ألوان ما كان من النقوش على المقامات وأبواب المسجد، وتصدع فرش الحجر بداخل الأروقة والمماشي وحاشية المطاف، وامتلأت بطون القبب من عش طير الأبابيل، ونسج العنكبوت بيوته على سقف المسجد الحرام وجدره، فلما كان في هذه السنة صدر أمر السلطان عبد الحميد بإجراء ما يلزم للمسجد الحرام من عمارة وأصلاح وترميم وتنظيف ونقوش داخلًا وخارجًا، فقام ناظر الحرم الشريف بذلك وأحضر آلة للبناء، وعمل أولًا نحو خمسين سلمًا من الخشب وجعل كل سلم على أربع قوائم، فنظفت القبب من عش الطيور والعنكبوت والغبار المتراكم، ثم نظف سطح الحرم ونظفت الأسطوانات، ونورت كلها وأصلحوا عموم الأحجار المرصوفة، وحاشية مدار المطاف، وكذا جميع المنارات والمقامات ومقام إبراهيم ﵇، وبئر زمزم، وأبواب المسجد الحرام رممت وأحكمت إحكامًا ودهنوها مع أخشاب المقامات باللون الأخضر، ودهنت قبة زمزم وقبة مقام إبراهيم باللون الأخضر، واستمرت العمارة سنة بجد واجتهاد ونشاط، فعاد المسجد الحرام أحسن ما ينبغي أن يكون عليه من البهجة والرونق، وكتب تاريخ تلك العمارة بالذهب باسم السلطان عبد الحميد خان العثماني بن السلطان عبد المجيد خان العثماني سنة ١٣١٤ هـ، ووضعت تلك الكتابة بعلو باب النبي ﷺ ، وهي لا تزال في موضعها إلى العصر الحاضر على شكلتها يوم وضعت. وممن توفى في هذه السنة الأستاذ عبد الله النديم رحمة الله على أموات

стр. 355

المسلمين، وكان من أشهر خطباء مصر في الأندية، وكانت خطابته في الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية. وفي هذه السنة رحل الحسين بن علي الشريف وأسرته إلى الأستانة، ومن بينهم نجلاه فيصل وعبد الله، وذلك حينما تلقى الحسين دعوة السلطان عبد الحميد، فنزلوا في القصر الفخم الذي أهداه السلطان لهم، وعين عضوًا في مجلس شورى الدولة، وقضى أولئك الأنجال زمن الشبيبة في الأستانة عاصمة ملك الدولة، يدرسون على أساتذة خصوصيين، وكان يتردد على قصرهم رجال الدولة ويجتمعون بالعظماء والأدباء من مشاهير الترك، وأكسبهم ذلك خبرة واسعة. وفيها عزم محمد بن رشيد على جعل ابن أخيه عبد العزيز متعب ولي العهد من بعده، ذلك لأن محمدًا عقيم، وجعل يوصي ولي عهده بوصايا نافعة تعود عليه وعلى الرعية بالصلاح والأمن، وسيأتي ذلك في التي بعدها إن شاء الله تعالى. هذا ولا تزال الحركة الدينية في القصيم في غاية النشاط والتقدم، وكان لدى أهل الدين في ذلك الوقت قوة عزيمة وصدق مع قلة المساعد وضعف المعاضد، ولكنه كما قيل من كان مع الله كان الله معه، ومن عامل الله فما فقد شيئًا، فنسأل من بيده أزمة الأمور أن يلطف بأوليائه وينصرهم ويظهر دينه ويعلي كلمته ويذل أعدائه، ويرفع يده عنهم ويريح البررة، ويمحق الفجرة إنه على كل شيء قدير. ثم دخلت سنة ١٣١٥ ه ـ ففيها هدمت وأزيلت الحنفية التي كانت في موضع الصفا من مكة، وأزيل أيضًا معها من الحنفيات غيرها، من الحنفيات التي كانت خلف المدارس على مسيل وادي إبراهيم، وذلك بسبب كون الذين كانوا يتوضؤون منها يلوثون أبواب المسجد الحرام بالوحل الذي يتراكم من فضلات المياه المستنقعة هناك. وفيها في ٣ رجب توفى الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد على فراشه، ولم يكن
следующие страницы →