← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

على توهيم جملة حقائق كانت سائدة على الظنون بشأن روسيا من قديم الزمان، وتمت المعاهدة الصلحية على عودة السلم والوداد بين الدولتين والرعيتين وذلك في أربعة عشر مادة، جاء في الثالثة عشرة منها جلاء الجيشين من منشوريا في ظرف ثمانية عشر شهرًا. وفي سنة ١٢ هذه سقطت صاعقة من السماء على منارة جامع بريدة بعد الصلاة يوم الجمعة، وذلك بعدما خرج السرعان فأصابت المنارة من جهة الشمال الشرقي، وقتلت رجلًا في خلوة المسجد بدون إصابة، وأصابت ثوب رجل آخر من جهة كتفه الأيسر، فاحترق ذلك الجزء من الثوب وكف بصره، فجعل الشيخ إبراهيم بن جاسر يقول: يا أمة محمد هذه رمية الجبار. ثم دخلت سنة ١٣١٣ ه ـ في هذه السنة قام مبارك بن صباح وقتل أخويه محمدًا وجراحًا طمعًا في الإمارة والعياذ بالله، وتم له الاستيلاء على الكويت، وكان أميرًا من دهاة العرب المشهورين، ولما قتل أخويه محمدًا وجراحًا جلس على عرش إمارة الكويت، وكاد الجو أن يصفو له في الحكم غير أنه رمي بداهية دهياء، وهي يوسف بن عبد الله آل إبراهيم خال أبناء المقتولين، فإنه قام يطلب الثأر وكان ذا ثروة ضخمة جعلته يطمح إلى حكم الكويت لما يعلمه من مكانته في نفوس الكويتين، لا سيما الذين خامرهم من فعلة مبارك بن صباح بأخوته، فأخذ يوسف المطالبة حجة له وقاوم مباركًا بكل ما أوتي من قوة، فألّب عليه الحكومة العثمانية، وكاد أن ينجح لولا تدخل حكومة الإنكليز، وسعى يوسف بن عبد الله آل إبراهيم لدى محمد بن عبد الله بن رشيد بمساعدة الشيخ قاسم بن ثاني أمير قطر، فلم يفلح ولم يأل يوسف بن عبد الله جهدًا في حمل ابن رشيد على محاربة مبارك بن صباح، ولكنه لم يوفق لاقتناع ابن رشيد ومعرفته ودهائه. وفيها تمت عمارة المسجد الجامع في بريدة على يدي الشيخ محمد بن عبد الله بن

стр. 352

سليم قدس الله روحه ونور ضريحه، وكان لما أن أراد أن يشرع في عمارته قال للملأ من أهالي بريدة: إني قد عزمت على عمارة جامعكم على نفقتي ليس إلا، ومن أراد المساعدة منكم فلا مانع من ذلك وقد قدم الأهالي مساعداتهم وساهموا في هذا المشروع جزى الله المحسنين خيرًا، ولا شك أن الساعي بهذا له أجره مدخورًا عند الله تعالى. وفيها كثرت الشكايات على ابن رشيد ضد الشيخين عبد الله بن عبد اللطيف ومحمد بن عبد الله بن سليم وأتباعهما، فطلب الحاكم محمد بن عبد الله بن رشيد بعث الشيخ عبد الله إليه في حائل ليراه ويطمئن بجلوسه لديه في حائل ونذكر هنا حالة الشيخ في سفره وإقامته وإيابه فنقول وبالله المستعان. ذكر سفر الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى حائل لما أكثر الأعداء من مسبته والكلام فيه أمر محمد بن رشيد أميره في الرياض أن يجهزه إليه بكل ما يليق به من حفاوة وإكرام واحترام ليراه ويسلم عليه، وبعث إليه بكتاب خاص قال فيه: نحن بالأشواق إلى رؤيتكم وإلى الجلوس عندنا لنتعلم ونشارك أهل الرياض بعلمكم، ولتنشروا العلم وترشدوا من الجهل. فسار الشيخ ميّمًا إلى جهة حائل وجعل الله سفره ميمونًا وآثاره مباركةً، فكان إذا مرّ ببلد أو قرية فإنه يظهر دين الله ويرشد ويبين، حتى كان لفوائده آثار هناك كمواقع القطر، ولما قدم بلدة حائل تلقاه الحاكم محمد بن رشيد وأعدّ له بيتًا وفزع الأهالي إلى رؤيته والسلام عليه وضيافته، ووضعوا برنامجًا للموائد والإكرام. فلما استقر ببيته قال ابن رشيد: أيها الناس إن عشاء الشيخ ما دام مقيمًا فهو عندي ولا يزاحمني فيه أحد، وأما الغداء فشأنكم به، فأبى فضيلة الشيخ عبد الله الذهاب إلى نحو موضع أحد من الناس، وإن من أراد كرامته فليأتي بها إلى بيته، فانطلق أهل الجبل ينقلون نحو بيته أنواع الأطعمة والفواكه من طلوع الفجر كل يوم إلى وقت الضحى، فكان الشيخ يدرس في العلوم والخلائق تزدحم على بيته، قوم للدراسة، وقوم للاستماع، وقوم تعمهم بركة مجلسه فيحصلون على الأكل

стр. 353

والشرب والانبساط، حتى حدثني بعض الثقات أنه رأى في بيت الشيخ يومًا من الأيام خمسة عشر سقاء لبن معلقة، وأقبلت الأمة من كل فج عميق يدرسون ويستمعون ويأكلون ويشربون، فنشر علمه بين العالمين، واهتدى على يديه فئام من المكلفين، وكان من بين من تخرج عليه هناك رجل الدين والخير الشيخ صالح بن سالم آل بنيان، لزمه وحافظ على دروسه، وترك ابن رشيد وأعماله حتى برع من بين الإخوان ونبغ من أولئك الأقران، وأصبح من أعظم أنصار القرآن والسنة، ومن بين خيرة أهل ذلك الزمان، وقد اشتهر الشيخ صالح بقصائد تدل على بصيرته ومقامه في الدين، والرد على الضلال والملحدين. ولما علّم ودرّس شيخنا في بلدة حائل وضربت إليه أكباد الإبل من كل قطر وجهة، وبان للأمير مقام هذا العالم، أجازه جائزة سنية وأعطاه إبلًا وغنمًا وصرفه إلى وطنه الرياض مصحوبًا بالسلامة. ومما هو جدير بالذكر أنه أتى على آخر تلك الأدباش وهو في طريقه إلى الرياض، ففي كل منزل ينزله ينحر جزورًا ويذبح أغنامًا للزائرين والرفقة، حتى لم يقدم الرياض بشيء منها، وتلك عادة فطره الله عليها كرمًا وجودًا وإحسانًا، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وكان المنافقون والذين في قلوبهم مرض يرتقبون إهانته من ابن رشيد، فما لقي منه إلا الكرامة، فلله الحمد على ذلك. وفيها حصلت حروب طاحنة بين الحبشة وإيطاليا، وكان سبب هذه الحروب دسائس الإنكليز التي غررت إيطاليا وأغرتها على احتلال سواحل الحبشة والتوغل في بلادها، فأثارت تلك الدسائس الأحباش وأضرمت في وجه إيطاليا حربًا جبريًا أصلت به الإيطاليين نارًا حامية، وانتهى الأمر بفوز الأحباش فوزًا عظيمًا، ورجع الإيطاليون بخفي حنين وباؤا بفشل عظيم ولم ينالوا من سعيهم إلا تكبد الخسائر الباهظة وانحطاط قدر جيشهم أمام عيون الناظرين، وقبولهم الشروط المهينة لشرفهم والماحقة لحقوقهم، ولهذه الدولة جملة مهددات لا محيص

стр. 354

لها عنها، منها عداوة فرنسا لها، ومنها ترقب البابا الفرصة لاسترداد نفوذه المسلوب منه إلى غير ذلك. ثم دخلت سنة ١٣١٤ ه ـ في هذه السنة عمر السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد المسجد الحرام المكي شرفه الله، وذلك لأنه مضى عليه منذ عمارة السلطان عبد العزيز خان إلى هذه السنة نحو من ٣٥ سنة، لم يجر فيه ترميم ولا إصلاح يذكر، ولطول هذه المدة زالت ألوان الأصبغة والنقوش المحلى بها جدر المسجد الحرام وعقوده، وتكاثف على الأساطين والرخام حتى عمل بها تأثيرًا من طبقة مرمرة، وتغير لونها وأزالت الشمس ألوان ما كان من النقوش على المقامات وأبواب المسجد، وتصدع فرش الحجر بداخل الأروقة والمماشي وحاشية المطاف، وامتلأت بطون القبب من عش طير الأبابيل، ونسج العنكبوت بيوته على سقف المسجد الحرام وجدره، فلما كان في هذه السنة صدر أمر السلطان عبد الحميد بإجراء ما يلزم للمسجد الحرام من عمارة وأصلاح وترميم وتنظيف ونقوش داخلًا وخارجًا، فقام ناظر الحرم الشريف بذلك وأحضر آلة للبناء، وعمل أولًا نحو خمسين سلمًا من الخشب وجعل كل سلم على أربع قوائم، فنظفت القبب من عش الطيور والعنكبوت والغبار المتراكم، ثم نظف سطح الحرم ونظفت الأسطوانات، ونورت كلها وأصلحوا عموم الأحجار المرصوفة، وحاشية مدار المطاف، وكذا جميع المنارات والمقامات ومقام إبراهيم ﵇، وبئر زمزم، وأبواب المسجد الحرام رممت وأحكمت إحكامًا ودهنوها مع أخشاب المقامات باللون الأخضر، ودهنت قبة زمزم وقبة مقام إبراهيم باللون الأخضر، واستمرت العمارة سنة بجد واجتهاد ونشاط، فعاد المسجد الحرام أحسن ما ينبغي أن يكون عليه من البهجة والرونق، وكتب تاريخ تلك العمارة بالذهب باسم السلطان عبد الحميد خان العثماني بن السلطان عبد المجيد خان العثماني سنة ١٣١٤ هـ، ووضعت تلك الكتابة بعلو باب النبي ﷺ ، وهي لا تزال في موضعها إلى العصر الحاضر على شكلتها يوم وضعت. وممن توفى في هذه السنة الأستاذ عبد الله النديم رحمة الله على أموات

стр. 355

المسلمين، وكان من أشهر خطباء مصر في الأندية، وكانت خطابته في الأمور الدينية والسياسية والاجتماعية. وفي هذه السنة رحل الحسين بن علي الشريف وأسرته إلى الأستانة، ومن بينهم نجلاه فيصل وعبد الله، وذلك حينما تلقى الحسين دعوة السلطان عبد الحميد، فنزلوا في القصر الفخم الذي أهداه السلطان لهم، وعين عضوًا في مجلس شورى الدولة، وقضى أولئك الأنجال زمن الشبيبة في الأستانة عاصمة ملك الدولة، يدرسون على أساتذة خصوصيين، وكان يتردد على قصرهم رجال الدولة ويجتمعون بالعظماء والأدباء من مشاهير الترك، وأكسبهم ذلك خبرة واسعة. وفيها عزم محمد بن رشيد على جعل ابن أخيه عبد العزيز متعب ولي العهد من بعده، ذلك لأن محمدًا عقيم، وجعل يوصي ولي عهده بوصايا نافعة تعود عليه وعلى الرعية بالصلاح والأمن، وسيأتي ذلك في التي بعدها إن شاء الله تعالى. هذا ولا تزال الحركة الدينية في القصيم في غاية النشاط والتقدم، وكان لدى أهل الدين في ذلك الوقت قوة عزيمة وصدق مع قلة المساعد وضعف المعاضد، ولكنه كما قيل من كان مع الله كان الله معه، ومن عامل الله فما فقد شيئًا، فنسأل من بيده أزمة الأمور أن يلطف بأوليائه وينصرهم ويظهر دينه ويعلي كلمته ويذل أعدائه، ويرفع يده عنهم ويريح البررة، ويمحق الفجرة إنه على كل شيء قدير. ثم دخلت سنة ١٣١٥ ه ـ ففيها هدمت وأزيلت الحنفية التي كانت في موضع الصفا من مكة، وأزيل أيضًا معها من الحنفيات غيرها، من الحنفيات التي كانت خلف المدارس على مسيل وادي إبراهيم، وذلك بسبب كون الذين كانوا يتوضؤون منها يلوثون أبواب المسجد الحرام بالوحل الذي يتراكم من فضلات المياه المستنقعة هناك. وفيها في ٣ رجب توفى الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد على فراشه، ولم يكن

стр. 356

مات عن قتل كغالب آل رشيد، بل مات موتًا طبيعيًا وهذه ترجمته: هو الأمير الكبير وذو الشأن الخطير، الحاكم محمد بن عبد الله بن علي بن رشيد بن عبد الله آل رشيد آل خليل آل جعفر آل عبدة، ويسمى محمد الأكبر، كان عقيمًا لم يولد له أولاد، ويمتاز بالدهاء والمعرفة والغوص على غامض الأمور، أضف إلى ذلك عقلًا وسياسةً مع حظ حسن، وكان حاذقًا ماهرًا في إصلاح الملك ومعه إناءة ورأي سديد، وكان مهابًا غير أنه ليس بمحبوب على الإجمال عند الناس، ذلك بأنه انتزع الملك من آل سعود ظلمًا وعدوانًا، ولا ريب أن آل سعود أرجح كفة عند الناس وأهل الحق في التقديم، أما تدابيره وسياسته، فإنه أسد رأيًا من مبارك بن صباح مع ما لمبارك من الدهاء والحذق، وكان هو أمير الحاج العراقي حينما كان بندر بن طلال متوليًا الإمارة، ولما قتل بندر هذا وأخوه بدر عمهما متعب بن عبد الله، فر محمد المترجم ولاذ بالإمام عبد الله بن فيصل خوفًا على نفسه من ابن أخيه بندر بن طلال، فوفق الإمام بينه وبين ابني أخيه بندر وبدر، فأمنا محمد على حياته، وعاد إلى حائل واستمر على إمارته للحاج، ولكنه طمع بإمارة أكبر منها، فقام بعد قليل يحقق مطامعه، بل قام يطلب بثأر أخيه متعب، فقتل بندرًا وبدرًا وأخوتهما، ولما قتلهم خلا له الجو كما قيل. فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالأياب المسافر ثم إنه صاح للقبائل فلبته مختارة أو مكرهة، وكتب له النصر في جميع حروبه، وقام يتحبب إلى الناس ويعتذر من قتل أبناء أخيه وذكر أنه قتلهم قبل أن يقتلوه كما قيل تغد بالذئب قبل أن يتعشاك، ولما تولى الإمارة كان سيدًا مطاعًا في عشيرته، فهو كبيرها وكبير شمر بل كبير العرب في أيامه، واستولى على بلاد نجد كلها حتى وادي الدواسر، وكان في حكمه وأمره عادلًا وتضرب الأمثال في رأيه ومعرفته، ويتأسى بتدابيره وسياسته. وكان حليمًا حكيمًا حتى أن البدو ليسخرون منه لقلة حصده الروس فيقولون هذا حاكم لا يحصد الرؤوس، ومن دهائه أنه قدم عليه كبير أعراب، رفيع القدر،

стр. 357

فأقل جائزته ثم قدم بعده أمير أعراب صغير فأجزل له الجائزة، فعجب الحاضرون لهذه السياسة وابدأوا له شيئًا من ذلك لأن هذا يستحق من الإكرام على قدر قوته، وذاك يستحق على قدر ضعفه فأجاب: بأن هذا الكبير القوي نكله إلى علو درجته ونأمن تقلباته لأنه شريف معروف، وأما الثاني فإنه كالعصفور يضيع بين الشجر يشق عليه تعطفه إلا بالبذل، وكان يداري الناس ويعاملهم على قدر عقولهم، ويقول لمن يثق به يعلم الله أني لست بمداهن ولكني مداري، وأوصي ولي عهده عبد العزيز بن متعب ألا تعادي ابن صباح فإن يحاربك وهو على مسنده، وأوصاه بأن يحمل على الأعراب، ويثقل وطأته عليهم، فإن البدوي من عادته الظلم وأما الحضري فإنه لا يخطيء، وغالب هذه الوصايا وهو في مرض الموت، فأجابه ابن أخيه بقوله: مت ويكون خير، ولا قام من عنده أتبعه بصره وقال يا ويل نجد من عبد العزيز بن متعب وبدرته العبرة، والله لولا ما سبق من جعلي له ولي عهد لا جعلته، ثم مات، وكانت مدة إمارته عشرين سنة ومدة ملكه ثماني سنين. ذكر إمارة عبد العزيز بن متعب بن رشيد لما مات عمه ما كان بحاجة إلى سياسة، بل تولى الأمر بصلف وغرور. ونذكر شيئًا من جبروته وغشمه الذي سيجازى عليه وما ربك بظلام للعبيد. فنقول لما دفن عمه محمد بن عبد الله، كتب إلى بلدان نجد يخبرهم بأنه تربع على تخت الحكم، وأنه ليس لديه إلا الحافر وصنع الكافر أي الخيل والأسلحة النارية، وتحت هذه الكلمات أعظم دلالة على قوة نفس هذا الجبار العنيد، والفاجر المريد، لأن هذين هما آلة الفتك والتدمير. وهذه صفته كان ربعة من الرجال بعيد ما بين المنكبين، قوي الساعد، مفتول العضد مستدقة، أشم الأنف، أشدق أدعج العينين، أزهر اللون، أصبح ذا لحية خفيفة حسنة، وله شارب ينثي طرفاه بذؤابة تشبه السيف أو الخنجر، كثير الطيب، نظيف الملابس، فصيح القول، جهوري الصوت، كثير الغضب، مقطب الوجه،

стр. 358

عيناه كأنهما شهابان من نار، مرهوب النظرة، قد أرخى كوفيته على وجهه، فوق عينيه، وفوقها العقال قد خفضه إلى نحو عينيه، ودائم التلثم، وكان بنيانه بنيانًا مكينًا كأنه قطعةً من حديد، فيه قوة الإعصار وصلابة الصخر، وجبروت المردة، وعناد النمر، وبطش الأسد، وكان فيه جبروت وكبرياء وصلف شديد. ولما جلس على سرير الحكم خرج مرة والجنود منظمة من باب حائل إلى الرياض تحت السمع والطاعة، فجعل يقول من يذكر منكم مسيئًا أو مضادًا لآل رشيد، أو متحركًا وإن كان جرمه قديمًا؟ فقيل له هذا فلان يكاتب ابن سعود ويراسله، فأمر بأن يحضر بين يديه، فلما أن مثل بين يديه، وكان شابًا قد يكون أن صدر منه كتاب للسلام على آل سعود، فأقيم بين يديه وجعل يقول: هو فلان على التحقيق، فلما تحققه آتاه من خلفه وأخرج سكينًا من جيبه "مبراة"، فكشف له عن كتفه الأيمن فجعل يقد اللحم والعصب حتى سقطت اليد مع كتفها، وهل هذا إلا من الظلم والمبالغة في الأذى، نسأل الله العافية، ومن لم يراقب الله ولم يخف من سطوته ومقامه بين يديه، ولم يستحي من الخلق، ولم يصن عرضًا، فليفعل ما شاء. ثم إنه أجلى المشائخ والعلماء، فنفى الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إلى موضع يكون أهله من أجفا الخلق، لأن لا يوفق من يدرس عليه ويتعلم، وجعل منفاه إلى صبيح أو النبهانية، وتمتاز هاتان القريتان إذ ذاك بالجهل والجفا، ونفى معه ابنه الشيخ عمر بن محمد بن سليم، ونفى ابنه الثاني الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم إلى البكيرية، وعزل أئمة المساجد وأبدلهم بأئمة آخرين، وقطعت رواتبهم، وابتلى الله به أهل نجد، وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وسبى أموال الأغنياء بعد ما أراد قتلهم، فأشار عليه بعض أهل بيته أن يسبي الأموال ولا يقتلهم، ولما رأى ذلك يوسف بن عبد الله آل إبراهيم خصم ابن صباح، قام مغتنمًا هذه الفرصة، وقدم على الحاكم عبد العزيز بن متعب يبغي له الغوائل وينصب له الحبائل، وجاء هذه المرة بخالد بن محمد أحد الموتورين بقتل أبيه وعمه، وجعل يحرض عليه ويهيج على حربه، وطلب المساعدة على ذلك، فوجد أذنًا صاغية سامعة، وصار معه على ابن

стр. 359

صباح، وكان مبارك لما قتل أخويه واستولى على الكويت قام عليه الأعداء من كل جانب، وأهمهم يوسف آل إبراهيم، جعل يؤلب عليه كما قدمنا، وكان مسموع الكلمة لأنه تاجر كبير من تجار اللؤلؤ، وأغنى أهل وقته، فبذل ثروته وجهده وجازف في حياته طلبًا للأنتقام من مبارك، وسافر إلى قطر والبصرة وحائل والحجاز يحرض الأمراء والحكام على خصمه، فكان قاسم بن ثاني ممن نقم على مبارك في اغتصاب الملك وأمر يوسف أن يذهب إلى محمد بن رشيد ويستنجد به، وكتب قاسم كتابًا إلى محمد بن رشيد، فزين له احتلال الكويت ويعده بالمساعدة الحربية. وبما أن محمد بن رشيد كبير العرب يومئذٍ عقلًا وحنكةً واقتدارًا فإنه لم تستفزه كلمات ابن ثاني ولا يوسف وأمواله، بل أوصى إلى ولي عهده من بعده وابن أخيه عبد العزيز بن متعب ألا يطمح بأنظاره إلى الكويت، ولكنه لم يحفظ وصية عمه بل عمل بضدها، ولما أن قدم عليه يوسف بن عبد الله أعظم الهول، وجاء بأحد ابني المظلومين، لباه عبد العزيز بن رشيد ونزل في بيت من بيوت بريدة في القصيم، وبذل الأطماع. ثم دخلت سنة ١٣١٦ ه ـ ففيها انتدب الحاكم عبد العزيز بن متعب لمقاومة ابن صباح، وجعل يشن الغارة على الكويت تمهيدًا للهجوم والاستيلاء، لأنه طمع بالاستيلاء على الكويت وهو يبغي منفذًا على الخليج وذلك بسعي يوسف بن إبراهيم ولقد علم مبارك بالقصد الأكبر وما تقدم من التأليب عليه فأخذ يقلب الحيلة في الفكاك من عدوه والانتصار عليه هذا ويوسف يستنجد القبائل ويستجيشها بالأصفر الرنان ويشحذ عزمها ببذل الحطام على مقاومة ابن صباح ويؤلب. فلما رأى مبارك ما تفتق عليه من الشر أرسل رسله إلى العراق مستنجدًا بالدولة العثمانية فوجد يوسف قد سبقه إليها وأغراها بالأطماع فأرسلت الدولة حملة مؤلفة من أربع طوابير إلى بلد الزبير ضد مبارك بن صباح وجعلت تهدده وتوعده.

стр. 360

وفي هذه السنة ظهر ظلم آل رشيد ومنعوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يتكلم أهل العلم بشيء من أمور الدين فأنشأ الشيخ سليمان بن سحمان قدس الله روحه قصيدة تضمنت ذكر غربة الدين وإكباب الناس على حب الدنيا، وما جرى من تعطيل الأمر والنهي في ذلك الزمان، وباح بما عنده باكيًا على غربة الدين وما حل من الغربة، ودهى من مرارة الكربة وهي تدل على عظمة منشئها ومبرزها للناس ومبديها: على الدين فليبكي ذوو العلم والهدى ... فقد طمست أعلامه في العوالم وقد صار إقبال الورى واحتيالهم ... على هذه الدنيا وجمع الدراهم وإصلاح دنياهم بإفساد دينهم ... وتحصيل ملذوذاتها والمطاعم يعادون فيها بل يوالون أهلها ... سواء لديهم ذو التقى والجرائم إذا انتقص الإنسان منها بما عسى ... يكون له ذخرًا أتى بالعظائم وأبدي أعاجيبًا من الحزن والأسى ... على قلة الأنصار من كل حازم وناح عليها آسفًا متظلمًا ... وباح بما في صدره غير كاتم فأما على الدين الحنيفي والهدى ... وملة إبراهيم ذات الدعائم فليس عليها والذي فلق النوى ... من الناس من باك وآس ونادم وقد درست منها المعالم بل عفت ... ولم يبق إلا الاسم بين العوالم فلا آمر بالعرف يعرف بيننا ... ولا زاجرٌ عن معضلات الجرائم وملة إبراهيم غودر نهجها ... عفاء فأضحت طامسات المعالم وقد عدمت فينا وكيف وقد سفت ... عليها السوافي في جميع الأقالم وما الدين إلا الحب والبغض والولا ... كذاك البرا من كل غاوٍ وآثم وليس لها من سالك متمسك ... بدين النبي الأبطحي بن هاشم فلسنا نرى ما حل بالدين وانمحت ... به الملة السمحاء إحدى القواصم فنأسى على التقصير منا ونلتجي ... إلى الله في محو الذنوب العظائم فنشكوا إلى الله القلوب التي قست ... وران عليها كسب تلك المآثم

стр. 361

السنا إذا ما جاءنا متضمخٌ ... بأوضار أهل الشرك من كل ظالم نهش إليهم بالتحية والثنا ... ونهرع في إكرامهم بالولائم وقد برئ المعصوم من كل مسلمٍ ... يقيم بدار الكفر غير مصارم ولا مظهر للدين بين ذوي الردى ... فهل كان منا هجر أهل الجرائم ولكنما العقل المعيشي عندنا ... مسالمة العاصين من كل آثم فيا محنة الإسلام من كل جاهلٍ ... ويا قلة الأنصار من كل عالم وهذا أوان الصبر إن كنت حازمًا ... على الدين فاصبر صبر أهل العزائم فمن يتمسك بالحنيفية التي ... أتتنا عن المعصوم صفوة آدم له أجر خمسين امريءٍ من ذوي الهدى ... من الصحب أصحاب النبي الأكارم فنح وابك واستنصر بربك راغبًا ... إليه فإن الله أرحم راحم لينصر هذا الدين من بعد ما عفت ... معالمه في الأرض بين العوالم وفيها ظهرت رائحة كريهة من جوف الكعبة أنكرها السدنة لنتنها، وكان رئيس السدنة إذ ذاك محمد بن صالح الشيبي، فكان في مصيفه بالطائف، وكان الأمير على مكة عون الرفيق، فلما بلغ ذلك رئيس السدنة أرسل ابنه إلى مكة ففتح الكعبة المعظمة وطفق يطلب تلك المادة ومن أين وجدت، فظهر أن سبب تلك الرائحة الكريهة من وقوع خراب في سقف الكعبة، فنزل ماء المطر من ذلك الخراب إلى جوف الكعبة فاجتمع منه مستنقع، تولد منه على طول المكث جراثيم، فظهرت من ذلك الرائحة الكريهة، فأزالوا ذلك المستنقع وتلك الأوساخ، ثم قلبوا النظر في سقف الكعبة المعظمة، فظهر أن الخراب وقع في فرش الرخام الذي على سطح الكعبة لكونه تصدع بعضه، فعمل الصناع لذلك معجونًا من النورة وزلال البيض والإسمنت وغير ذلك، وسدوا به الأشطاب، وأصلح إصلاحًا تامًا ومكث العمل فيه قدرًا من نصف شهر. وفيها أعلنت أمريكا الحرب على إسبانيا بخصوص تحرير جزيرة كوبا من ظلم الإسبانيين، وذلك بأنه قد رحل إليها جملة كثيرة من الإسبانيين واستطنوا بها، وبنوا

стр. 362

بها مدينة هافا، التي أخذتها إنجلترا منهم ثم ردتها إليهم بعد احتلال عشرة أشهر، وكانت قد أطلقة حرية التجارة بها قبل هذه السنة باثنتين وثمانين سنة وبلغت من الثروة ما لم تبلغه جزيرة من جزيرة أنقيلة وقد شبت بها جملة ثورات تمكنت إسبانيا من إخمادها إلا ثورة قبل هذه السنة بثلاث سنين، فإنها قصرت قوتها عن إطفائها حتى انتدبت أمريكا لحربها إنقاذًا للجزيرة من جور الإسبان وظلمهم واستبدادهم، وقد تحقق مرادها وفازت على إسبانيا بنصر مبين، ونالت الجزيرة استقلالها التام ولم يبق لإسبانيا شيء بأمريكا أصلًا، وانطوى ذكرها من أرضها بعد أن كانت تملك أمريكا الجنوبية كلها ونصف أمريكا الشمالية فأكثر، وتنازلت إسبانيا عن كل حق وسيادة لها في جزيرة كوبا وبورتوريكو وأضيفتا إلى الولايات المتحدة وأبرمت الاتفاقية في هذه السنة. ثم دخلت سنة ١٣١٧ ه ـ في هذه السنة أكثر ابن رشيد من شن الغارات على ابن صباح وعلى الكويت، وقامت الدولة العثمانية تسعى ضده، فقد بعثت طوابيرها وقواتها نحوه فيا عجبًا لك يا مبارك بن صباح، هذا ابن رشيد يهاجم كالذئب الغشوم والدولة العثمانية قد جهزت قواتها عليك، ويوسف بن عبد الله يؤلب القبائل ويشحذ عزمها بالأصفر الرنان. وقد كان المال محبوبًا فلما رأى ما أصبح به من الأخطار وما أحاط به من البلى، وأن يديه قد انطلقتا جاء أبو عجيمي سعدون فخرج معه بعشائره آل المنتفق ضد ابن رشيد، وأيضًا جعل حليفه الأكبر عبد الرحمن بن فيصل وعبد الرحمن وإن كان يومئذ، قليل ذات اليد وخلوًا من القوى المادية إلا أن لديه قوة أدبية كبرى، وهي عطف أهل نجد عليه لأنه صاحب نجد السابق، وكان أيضًا عنده في الكويت، فتعاهد هو عبد الرحمن على أن يكونا يدًا واحدة على ابن رشيد، وحصل لابن صباح مقصودة منه، فإن ابن رشيد لما اصطدم به هناك أظهرت هذه الصدمة له

стр. 363

عدوًا جديدًا لأهل بيته، وهذا العدو وهو عبد العزيز بن عبد الرحمن الذي قام يشمر عن ساق الحرب ويريد هذا المغتصب لديار أبائه وأجداده، ولما أن تعاقد مبارك وعبد الرحمن على هذا الأمر، دعا به مبارك وأدخله خزائن مملوءة بالبنادق والبارود والسلاح والنقود والفلوس، وبعد ما أطلعه عليها قال: اعلم يا عبد الرحمن بأني أقسم بعزة الله وقدرته لأحاربن ابن رشيد ما بقي من هذه فلس، فاشتد عضد عبد الرحمن، وخرج بجيش من الكويت فأغار على عشائر قحطان في روضة سدير ومع أن الدولة تجهز على ابن صباح والأخطار محيطة به فإنه لم يفقد من عزمه شيئًا ولا تسأل عما فيه من الدهاء وحق له أن يسمى الحواقة فإنه قدر رمي بشبكتين في بحر السياسة دفعا للحرب واستعداد لها. ثم إنه بعث إلى ابن رشيد نبأ يفاوضه في السلم والصلح فأبى الصلح وتجبر وعتى هذا وأبو عجيمي يطارده بعشائره، وكان ابن رشيد قد وصل أطراف العراق وهزم أبا عجيمي فبعث أبو عجمي إلى مبارك يستنجده ويطلب المدد، فعند ذلك جهز مبارك جيوشًا وخرج يقودها بنفسه، وقعد أخوه حمود، ثم إنه نزل الجهرى. ولما أن رجع عبد الرحمن بن فيصل من غزوته، أرسل إليه مبارك أن لا يقدم الكويت ولا يشاهد عائلته، وكان له بذلك مأرب من السياسة، فقدم عليه عبد الرحمن بن فيصل وكان معه مبادرًا إلى نجدة أبي عجيمي، وزحف بجنوده إلى السماوة متتبعًا ساقة ابن رشيد التي هزم أبا عجمي، وبلغ في إغارته أطراف العراق، وكانت الحملة التي جهزتها الدولة لحرب ابن صباح قد تأنت في المسير وأبطأت وذلك لكمال حظ مبارك بن صباح، فلبثت ستة أشهر بين بغداد والزبير كل هذا لعل الأمر ينقضي قبل وصولها، وأيضًا فإن الدولة تستجلب في عدم السرعة زيادة الأطماع التي بذلت لها من غير حسبان، ولما بلغ مبارك في زحفه ما بين الزبير والخميسية مانعت حكومة البصرة من سيره، فاستغرب ذلك مبارك وطلب مقابلة الوالي فوافاه إلى قرب الزبير، وبعد المفاوضة أذن لأخيه حمود وعبد الرحمن بن

стр. 364

فيصل أن يطاردا ابن رشيد فتتبعاه، ولما بلغ جيشهما عين صيد رجل عبد العزيز بن رشيد من السماوة ثم عاد حمود وعبد الرحمن من مطاردة ابن رشيد. فعند ذلك شرع مبارك بن صباح يعد القوة للغزوة الكبرى غزوة نجد، فاستفز القبائل واستثارها يريد مقابلة ابن رشيد، فلبته مطير بأجمعها ولباه العجمان وآل مرة وغيرهم من بوادي الجنوب، ثم جاء أبو عجيمي السعدون بعشائره من الشمال مع من كانوا كاتبوه من زعماء نجد، يعدونه بالمساعدة كآل سليم أمراء عنيزة وآل مهنا أمراء بريدة وغيرهم، ذلك لما قاسوه من حكم آل رشيد، فانضم عدد كبير منهم إلى جيشه وأصبح عدد جيش مبارك بن صباح عشرة آلاف مقاتل، وزحف هذا الجيش العرمرم الجرار يقوده أمير الكويت فجعل ابن رشيد يستجذبه شيئًا فشيئًا حتى وسطه من نجد، وجرى ما سنذكره في السنة التي بعدها. وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ المخضوب صاحب الخطب المشهورة: وهو الشيخ العارف المحقق عبد الله بن حسين المخضوب صاحب ديوان الخطب، وكانت خطبه حسنة جميلة في بابها، وقد سلمت من الإلحاد والتعطيل كما يستعمله بعض من قلت بضاعته من العلم في الأسماء والصفات، وكان المترجم مقتبسًا من علماء هذه الدعوة، وآخذًا عنهم وبينه وبينهم مراسالات ومجاوبات، وهو من بني هاجر من قحطان، وكان قاضي بلد الخرج، ووفاته في جمادى الأولى. وفيها عقدت اتفاقية بين الحكومتين الإنكليزية والمصرية بحق السودان مشتركًا بينهما، ذلك بعدما تسلطت مطامع الدول الأوربية على السودان، فجاءت إيطاليا واستولت على كسلا، ثم تقدمت فرنسا من جهة الكونغو على أقليم بحر الغزال، فلما رأى الإنكليز تطفل الأوربيين على السودان انتدبوا لاسترجاعه ووافقهم السعد على ذلك، وبعد استرجاعه أخذوا في تنظيم إدارته، وبعد ذلك عقدت هذه الاتفاقية. وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ نعمان أفندي الآلوسي الحنفي البغدادي، وكانت وفاته في محرم في هذه السنة.

стр. 365

ثم دخلت سنة ١٣١٨ ه ـ استهلت هذه السنة والحرب قائمة بين ابن صباح وابن رشيد، واضطرمت نيرانها، وكان لما سار مبارك بن صباح زاحفًا بجيشه الذي ألفه من مطير والعجمان وآل مرة وأبي عجيمي وعشائره وآل سليم وآل مهنا، جاء يقطع الصمان ثم الدهنا بهذا الجيش الذي عدده عشرة آلاف، وكان في جيشه عبد الرحمن الفيصل وابنه عبد العزيز بن عبد الرحمن، فنزل على ماء يدعى الشوكي دون الدهنا، ولما أن نزل عليه، طلب عند ذلك عبد العزيز بن عبد الرحمن من والده أن يأذن له بالإغارة على البوادي من أهل نجد ممن كان في ولاية ابن رشيد ليتقوى بما يأخذه منهم على محاربة ذلك العدو المريد والفاجر العنيد عبد العزيز بن متعب بن رشيد، وكانت هذه أول نزعة نزعها صاحب الجلالة والمهابة الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن، وكان عمره إذ ذاك عشرين سنة، فأذن له والده وطلب من مبارك قوة يسير بها نحو الرياض ليفتحها، وذلك لما قام بهذا النجل من الحماسة التي قضت له طلب الخروج معهم في هذه الغزوة، ولما أن بلغ ذلك الموضع طلب هذه المسألة يريد أن يشفي كلومه: فقام لأخذ الثأر يشفي غليله ... لعل إله العرش يؤتي ويفتح بهمته العليا على غير قوةٍ ... ولكنه بالله يسعى ويكدح يريد بلادًا ملكها غير حاصلٍ ... وما بالهوينا بابها يتفتح على كل ذي جبن حرام حصولها ... ومن دونها نار تعوم وتلفح تخير فوق الصافنات مقامه ... ولا في هوان مستريحًا ويمنح ومشروبه لو كان مرًا وحنظلا ... ففي طلب الأوطان أحلى وأقرح يخوض بحار الهول حمراء يصطلى ... بنيرانها للنفس يرمي ويسبح إذ العز في حامي الوقائد جنةٌ ... أجل وأبهى من ديار تنزح فسير معه مبارك بن صباح ألف رجل من البادية ليستولي على الرياض، فزحف عبد العزيز بجيشه من الشوكي يريد الاستيلاء على الرياض، وزحف مبارك بجيوشه يريد الخصم الألدّ، ولما زحف مبارك احتل في طريقه بلدانًا عديدة في نجد

стр. 366

بدون قتال، بل كان أهلها يرحبون به لعلمهم أن حليفه هو ابن سعود، أما ما كان من أمر ابن رشيد فإنه جعل يتقهقر حتى جر العدو إلى قلب القصيم، فوقف له بعد ذلك في الصريف التي يبعد ١٥ ميلًا من بريدة إلى جهة الشمال. ذكر واقعة الطرفية سنة ١٣١٨ ه ـ لما كان في ٢٦ من ذي القعدة إلتقى الجمعان في ذلك الموضع واشتبكا في القتال، وكان الحاكم عبد العزيز بن متعب معه من الجنود ما يكافي به خصمه، فمعه عشرة آلاف مقاتل أو يزيدون، فجرت الملحمة طيلة ذلك اليوم، واستعرت نار الوغى، واصطلى بها الفريقان، ثم إنها انفصلت الواقعة بهزيمة ابن صباح وجنوده فولوا الأدبار بعد ما قتل منهم مقتلة كبرى، وكانت الواقعة من أعظم وقعات العرب الحديثة، ودارت فيها الدوائر على ابن صباح ومن معه، وأخذ منهم شيء كثير من عتاد الحرب والأموال، وعاد منهزمًا بمن سلم معه من الجيش إلى الكويت لا يلوي أحد على أحد، وقتل أخوه وابنه وقتل من الأعيان خلق كثير. ولما ظفر ابن رشيد ذلك الظفر كان قاسيًا عتيًا، فتتبع الفلول المنهزمين وأوقع بهم إيقاعًا شديدًا، وقتلهم صبرًا، واستعمل شراسة نفرت القلوب من حكمه لأمر يريده الله ﵎، ثم زحف ونكّل بأهالي نجد من البلدان الذين كانوا أسلموا إلى صاحب الكويت وأظهرو الميل إلى ابن سعود تنكيلًا فظيعًا. وكان الأمير على بريدة من قبل ابن رشيد الرجل المدعو بالحازمي، وكان لما سمع بقدوم ابن صباح إلى الموضع المعروف بخب العكرش على قدر ميلين من بريدة إلى جهة الشرق، قام من مجلسه في فسحة ترادف المسجد الجامع من الشمال مبادرًا إلى قصر الحكم فدخله وجنوده وأغلقوا الباب، فقام أهل بريدة يرحبون بالإمام عبد الرحمن بن فيصل، وصفت الجنود للاستعراض، ودخل عبد الرحمن خلفه الجنود يصفقون فرحًا ثم ساروا إلى موضع الواقعة، ولما انفصلت عن تلك الصفة التي ذكرنا، أزال ابن رشيد الحازمي جعل مكانه سالم بن سبهان لما يعرفه عنه من شدة العسف والجبروت.

стр. 367

ذكر قتل الأسراء بعد الوقعة وما جرى من ابن رشيد من الظلم والجراءة التي سيجازيه الله عليها وقد قتل وما بلغ مراده فنقول لما انهزم ابن صباح وجنوده وولوا الأدبار لا يلوي أحد على أحد، أقام ابن رشيد أميره سالم بن سبهان وأمره أن يتبع الفلول حتى جمع خلقًا كثيرًا، فأودعوا في الحبس. ثم نصب الأمير سالم خيامه بين بريدة والصريف بعدما امتلأت السجون، فكان يقتل من وجده ولا يرقب فيهم إلا ولا ذمة، وكانت القتلى في حال الوقعة لا تزيد عن ثلاثمائة، ثم إنه جلس الحاكم عبد العزيز بن متعب على دكة وأمر بالأسراء أن يصبروا بين يديه، وكانوا أربعمائة، فجيء بهم يسحبون بين يديه على وجوههم وقتلهم واحدًا بعد واحد، وسخر أناسًا يسحبونهم بعد القتل وهو ينادي لا تدفنوهم مع المسلمين. وقد حدثني ثقة من المسخرين، قال: كنت ضئيل الجسم إذ ذاك، وأدركتن الرحمة، فكنت لا أتمالك من البكاء، وعجزت عن العمل فشتموني وطردوني، ثم إنه أتى ابن رشيد برجل شاب من أهالي الكويت يريد أن يفتدي نفسه بعشرة آلاف ريال، فأبى أن يقبلها وقلب فيه النظر قائلًا: نحن لا نريد الفلوس، إنما نريد الرقاب ثم قتله. وممن قتل فيها من أعيان أهالي بريدة دحيم بن محمد الربدي (١) وقتل ابنه سليمان.

стр. 368

غريبة عجيبة حدثني ثقة عن عبد الله القصير أنه قال: أتى سالم بن سبهان وهو في مقامه إذ ذاك في البرية برجل من قوم ابن صباح، فلما وقف بين يديه قال: غدوه كناية عن قتله، فقال أيها الأمير أمهلوني لأصلي ركعتين قبل الموت، فقال له صل ما بدا لك فوالله لا ينجيك الله وصلاتك من القتل، فقام ليؤدي الركعتين والحرس قد أحاطوا به حتى يفرغ، فلما كان في التشهد طار من بين أيديهم فلا يدري أين ذهب، قال: فأشهد بالله لرأيته بعيني ورجلاه تخط بالأرض قدرًا من خمسين باعًا وهم ينظرون، ثم إنه ارتفع فلا يدرى إلى أين ذهب والله على كل شيء قدير، والقدرة صالحة. ولا ريب أن من أصول أهل السنة التصديق بكرامات الأولياء (١) وما يجري الله على أيديهم من خوارق العادات في العلوم والمكاشفات وأنواع المقدرة، والتأثيرات كالمأثور عن سالف الأمم. كما كان أبو مسلم الخولاني مشهورًا بإجابة الدعوة، فكان يمر به الضب فيقول له الصبيان ادع الله أن يحبس علينا هذا الضب، فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم. وكان العلاء بن الحضرمي في سرية فعطشوا، فصلى ثم قال: يا عليم يا حكيم يا عظيم إنا عبيدك، وفي سبيلك نقاتل عدوك فاسقنا غيثًا نشرب منه ونتوضأ، ولا

стр. 369

تجعل لأحد فيه نصيبًا غيرنا، فساروا قليلًا فوجدوا نهرًا من ماء السماء يتدفق، فشربوا وملؤا اواعيهم، ثم ساروا فرجع بعض أصحابه إلى موضع النهر فلم يروا شيئًا، كأنه لم يكن في موضعه ماء قط. وكان حبيب العجمي أبو محمد معروفًا بإجابة الدعوة، دعا لغلام أقرع الرأس، وجعل يبكي ويمسح بدموعه رأس الغلام، فما قام حتى اسود رأسه وعاد كأحسن الناس شعرًا. وأتى برجل زمن في محمل، فدعا له، فقام الرجل على رجليه فحمل محمله على عنقه ورجع إلى عياله، وهذا باب واسع لا يمكن استيعابه، وإنما المقصود ذكر هذه الواقعات وما جرى فيها من العجائب. وفي هذه السنة جعل ابن رشيد في قضاء بريدة بعد الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم الشيخ الصالح بن قرناس، وكان من أهالي بلدة الرس المشهورة، كما جعل أميرًا في بريدة بعد سعد الحازمي سالم بن سبهان. ثم إنه دعا عبد العزيز بن متعب بن رشيد بزعماء بريدة وأودعهم السجن، وعزم على قتلهم من آخر النهار، وكانوا خمسة وعشرين شخصًا، فلما عقد عزمه على ذلك قدر أنه كان رجل من أتباعه يدعى ناصر بن عتيق قد علم بما بيّته لهم، فذهب إلى ماجد بن حمود بن رشيد، فوجده على فراشه من آثار جراح أصابه في تلك الحرب، فانطرح منكبًا على وجهه يبكي وقال: يا ماجد أما علمت أن ابن رشيد قد عزم على قتل زعماء بريدة، فها هم الآن في السجن وقد أمر بضرب أعناقهم بعد العصر من هذا اليوم، فإن رأيت أن تجعلها في ميزان حسناتك فتشفع لهم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، فإنك ممن يؤمل لمثلها، فقام ماجد واستوى جالسًا وأمر بالفرس أن تسرج. ثم إنهم حملوه على ظهرها فذهب إلى قصر الحكم في بريدة، وكان ذلك في منتصف النهار، فاستأذن في الدخول على الحاكم ابن متعب، وقد نام في القيلولة، فأدخل عليه ولا توصل إليه خاطبه بقوله: يا عبد العزيز قد جئتك متوجهًا لزعماء

стр. 370

بريدة لتعفو عنهم، ثم أخذ البندقية وجعلها في ثغرة نفسه وأقسم بالله العظيم لئن لم تعفو عنهم وتطلق سراحهم إلى أهليهم ليطلقن البندقية على نفسه وينتحر، فرفق له ابن رشيد بصفته القريب المخلص له، وأمر بإخراجهم من السجن، وصفح عنهم، ثم أشار عليه ماجد بأن يأخذ أمواله، فإن المال أسهل من النفوس. ثم إنه جعل - أعني ابن رشيد - على تجار أهل القصيم ضرائب، كل تاجر ثلاثة آلاف أو ألفين يريد أن يضعف شوكتهم، وسخر أهالي البيوت يطحنون له، وأصدر أوامره على أرباب البقر أن يحلبوها ويمخضوا الألبان ويبعثوا بها إليه. وقد حدثني أحد شيوخ الصحراء قال: إنه جعل على أهل قريتنا في يوم واحد ست ضرائب، فسألته؟ فقال: لما كان بعد صلاة الصبح جاءنا رسول يقول: نريد تمرًا فجمعنا له ستمائة وزنة، ولما بعثنا بها إذا بأخر يقول نريد عليقًا لخيل الحاكم، فبعثنا بمئتي صاع من الشعير، فلم نلبث أن جاء رسول ثالث يقول: اجمعوا برسيمًا وأرسلوه في الحال، فجددنا ستمائة وزنة وبعثنا بها إليه، فلما كان بعد الظهر إذا بخادم ابن رشيد يقول: نريد حطبًا لعشاء الحاكم، فأخذنا ما في بيوتنا من الحطب وبعثنا إليه بحملين، ثم إنه بعث إلينا رسولًا حوالي الليل يقول: إن زكاتكم لم تصل، وكان بذلك كاذبًا، فأديناها ثانيةً، وجاء رسول يقول: نريد تبنًا للمواشي، فهذه ست ضرائب في يوم واحد، وانتهت هذه الوقعة المشهورة بواقعة الطرفية، وكان الأولى بها أن تنسب إلى الصريف لقربها منه. رجعنا إلى ذكر الشاب المحبوب عبد العزيز بن عبد الرحمن، فنقول لما سار من الشوكي يؤم الرياض، قد سار جنوبًا بغرب يريد الاستيلاء على عاصمة أجداده واستردادها، وصلها بعد يومين، وكان في باكورة أعماله وغزواته موفقًا، فاحتلها أو كاد لكن حامية ابن رشيد اعتصمت بقصرها الحصين، فحاصرها فيه وعزم على أن يستولي عليه لأنه شرع ورجاله في حفر نفق إليه، وباشروا هذه المهمة لولا أن وافته أخبار هزيمة مبارك في الصريف، فتركها ولوى عنانه راجعًا، ولكنه استفاد من هذه الغزوة كيفية مأتى الحصول على حصن الرياض الأعظم، وعاد برجاله إلى الكويت.

стр. 371

ثم دخلت سنة ١٣١٩ ه ـ استهلت هذه السنة والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم مقيم في منفاه قرية النبهانية وفي معيته نجله عمر بن محمد بن سليم، وكذلك الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم مقيم في بلد البكيرية. ويلاحظ على الشيخ محمد بأن لا يكون له مجالس للتدريس، لئلا يتحزب له أحزاب لزعمهم الفاسد بأنه يضل الناس وكذبوا وأعظموا الفرية ويأبى الله له ذلك بل كان هاديًا ومهديًا. وسبب نفيه وإهانته وشاية الأعداء به إلى ابن رشيد وإنه يمالي عنى آل رشيد. وكان من جملة ما وبخه به أن قال: أما كان في عنقكم بيعة لي يا ابن سليم، وتخرج لاستقبال ابن صباح ومبايعته، فأنكر الشيخ ذلك فتوعده ونفاه إلى النبهانية. ولما قدم إليها استقبله أهلها وهيأوا له بيتًا مجاورًا للمسجد الجامع، وجعلوا فيه ضيافة على قدر وسعهم، وجاءت عجوز تقول: إني أريد أن أساهم في كرامة الشيخ ولا أقدر على غير تنظيف طريقة وقمه، فكانت دائمًا تتعامد طريقه. ولما أصبح في هذه القرية كان لا يتمكن من التعليم والتدريس وإذا أراد أن يدرس عليه ابنه فإنهما يخرجان إلى الصحراء خشيةً من الأعداء الذين يوعزون إلى ابن رشيد بأنه على تدريسه وتعليمه، لأنه بذلك يريد أن لا ينشر علمه، فتفرد به ابنه الشيخ عمر بن محمد وانتفع بعلومه وجدّ واجتهد حتى نال قصبة. وسمعت عن شيخنا عمر رفع الله درجاته يقول: بينما نحن مرة في حال إقامتنا في النبهانية ونحن في شدة حذر من عيون ابن رشيد التي ترقبنا، استأذن في الغداة رجل قائلًا السلام عليكم، فأنكرنا أن يكون حوالينا من يحسن الاستئذان الشرعي، فلما فتحنا الباب إذا به الأخ في الله عبد العزيز بن عبد الله بن فداء فاستغربنا مجيئه إذ ذاك وأدخلناه في بيتنا وإذا هو جاء لطلب العلم على والدي في ذلك المنفى، ففرحنا به وخفنا من شر الأعداء، وكان والد عبد العزيز قد أذن له بالسفر نحو الشيخ أن

стр. 372

أمن من الزلازل والمحن، وكان رجلًا ناسكًا تقيًا عارفًا بعلوم الدين، وعلم العقيدة، فرحمة الله على روحه. ولما أن عزل الحاكم عبد العزيز بن متعب أئمة المساجد وأبدلهم بأخرين على ما تقتضيه إرادته، كان من بين أولئك الأئمة أمام قرية اللسيب، وكان معتزلًا وله سجع مليح في الكلام، فدعا به ابن رشيد إليه وقال: أيهًا يا مطوع اللسيب ينسبون إليك كليمات فما هي؟ فأجابه نعم كنت أقول أن ابن رشيد يأخذ من الزاعب ويعطي اللاعب، وقد كنت أقول أنا في نقرة في الغميس غاب عنها إبليس، ولا علمت بفعل الجواسيس، فضحك منه ابن رشيد والتفت ضاحكًا إلى ماجد بن حمود يقول: صدق ولم يتعرض له بسوء. ولما ولي في القصيم وعزل وأحكم وأبرم، زحف يريد الكويت وأعاد الكرة على ابن صباح، فنزل في الحفر المعروف، وكان يقع في منتصف الطريق بين القصيم والكويت، وذهب يوسف بن عبد الله آل إبراهيم يهيج عليه الدولة، وكانت شكوى الموتورين أبناء أخوي مبارك وشقيقه قد وصلت إلى الأستانة، ففتحت لها الدولة إذنها وأصاخ لها الباب العالي وأنذر صاحب الكويت، فسيرت الدولة إلى الكويت باخرة حربية، وكانت هذه الباخرة تحمل عددًا من الضباط وكثيرًا من الجنود، وسلم إلى مبارك رسالة تتضمن توليته منصب عضو في مجلس الشورى لديها في الأستانة لتمسك بزمامه أو يغادر الكويت إلى أي بلاد أرادها، وحينئذ تعطيه الدولة راتبًا ضخمًا، هذا وابن رشيد قد زحف على أطراف البلاد وهم بالهجوم على الجهراء، فأحاطت بمبارك الأخطار، ولما رأى نفسه وبلاده في شبه الحصار، أرسل إلى أبي شهر يستنجد الإنكليز ويستفزعهم، فجاء بعد ثلاثة أيام مركب عظيم من بريطانيا العظمى نصرةً لابن صباح، وكان هذا المركب حربيًا عظيمًا فرسى في مياه الكويت عشرين يومًا، فتلبدت الثائرات على مبارك وجعل يجهز الحملة الثانية على ابن رشيد، بل زحف إلى الجهراء والمركب الحربي البريطاني سائر في مرأى من الجيش إليها ولسان حاله يقول: أتبغون حصاري برًا وبحرًا ها أنا ذا جئتكم بحرًا وبرًا

стр. 373

بالقوات التي لا تغلب إذا جارت الدولة العثمانية بقهرها علينا، فهنا دولة أعظم منها وهي إنكلترا، فلما سار المركب البحري الحربي لنصرة ابن صباح، لم يطلق مدفعًا إلا أن مدير أعمال الحرب في هذا المركب إذن ببعض المدافع الرشاشة، فأنزلت في الزوارق إلى البر ومعها ضباط، ثم أطلقت الأسهم النارية على ابن رشيد وجنوده في الليل على الفضا فكان لها التأثير المطلوب، فعند ذلك فرّ ابن رشيد وجنوده عندما رأوا النيران انطلقت من الأطواب قد اشتعلت في السماء، وبعد هذا الحادث علم الشمري أنه بدون مساعدة الدولة مباشرةً لا يستطيع الاستيلاء على الكويت، فعاد بجيشه إلى الحفر وشرع يفاوض الترك في بغداد، فلما علم مبارك بذلك اغتنم أن يشغله بنجد وراء الدهنا، وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن يلح على والده ليستأذن مباركًا بإعادة الكرة على الرياض، وذلك بالمبالغة منه، ولقد كان السعد في وجود آل سعود خادمًا لمبارك بن صباح، فعند ذلك أجاب مبارك قائلًا حبًا وكرامة. ذكر فتح الرياض في هذه السنة على يدي صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ففيها نهض الشاب عبد العزيز وعمره إحدى وعشرون سنة، وقد كانت حالة لا تساعده على المخاطرة بغزو يكون من الجماعة وهم أربعون رجلًا من عائلة آل سعود ومواليهم المخلصين لهم السابقين، وأعطى مبارك بن صباح عبد العزيز بن عبد الرحمن أربعين ذلولًا وثلاثين بندقًا ومئتي ريال وبعض الزاد فكانت الحملة مؤلفة من أربعين رجلًا وأربعين بعيرًا ولا ريب أنها حملة ضعيفة وعبرة للمعتبرين، وقد قال الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، نهض هذا الشاب يقود هذه الحملة معتمدًا على إيمانه الصادق بالفوز المطلوب، غير يائس معتمدًا على الله، فلله من هذه الجراءة العظيمة التي لم ينلها سواه، وقد كان يجمل بمبارك بن صباح أن يقوي هذا الجيش ويشد

стр. 374

عزمه ويساعده بكل ما يؤمن، ولكنه خرج بنفسه ليشيعه ويهيجه: يا ولدي داو جراحي وخذ لي بالثأر من عدونا، يا وليدي أشف صدري من هذا العدو العنيد، وجعل يدعو له بالنصر والظفر. ونهض هذا الشاب نهوض الليث يلقي بنفسه ولا يهاب الموت، وفي كلام الحكمة من طلب المخاطر تحمل الأخطار. نهض يطلب ملك آبائه وأجداده ونار عزمه تأجج، وكان قد رأى في منامه وهو مقبل لفتح الرياض كأنه نفخ سراجًا فانطفأ، فشد ذلك عزمه وزحف متفائلًا مصممًا لا يثني عزمه شيء. ثم إنه لما زحف بهذه القافلة يؤم الرياض، استفز القبائل والبوادي فأتاه شراذم من العجمان، وأنضم إليه بني مرة وسبيع والسهول وغيرهم. ولما أن بلغ حرض، كان قد اجتمع إليه ألف وأربعمائة مقاتل منها أربعمائة خيال وألف ذلول، فاشتد عزمه وذهب يقطع الصمان والدهنا إلى أن وصل إلى موضع في نجد يسمى العرض فغزا هناك عرب قحطان الذين هم تبعًا لابن رشيد، فأصاب منهما مغنمًا كبيرًا، وعاد إلى ناحية الأحساء، فعندما علم ابن رشيد بهذه الغزوة هجم في أطراف الكويت على قبائل عريبدار ليظهر أنه لا يبالي بمثل هذا العدو الذي ليس له بكفؤ، ولمأمون عبد العزيز بن عبد الرحمن جيشه في الحسا، خرج غازيًا مرةً أخرى فوصل إلى سدير وشن الغارة على قبائل الدواسر ومطير وغيرها كقحطان في موضع يسمى عشيرة، فأخذها ورجع بالغنائم فنزل ثانيةً في الأحساء وكان جيشه يزيد، فأصبح معه ألف وخمسمائة ذلول وستمائة خيال. فلما جرى ذلك عاد ابن رشيد بجيشه إلى الحفر وبعث رسولًا وهو الحازمي إلى أمير قطر قاسم بن ثاني يستنهضه على هذا العدو الجديد، ثم كتب أيضًا إلى حكومة البصرة لتحرض حكومة الأحساء بطرد ابن سعود، ومن تلك النواحي تحريض البوادي عليه.

стр. 375

فلما أن أعمل الحيلة وأجابته الدولة، فمنعت ابن سعود وعشائره عن الميرة منها والقدوم إليها شرد، خوفًا من ابن رشيد وقومه أكثر من ألف ذلول ومائة خيال من قوم ابن سعود، غير أن ابن سعود لم يكن ليبالي بهم لأنه لم يعتمد إلا على من كانوا معه من الرجال الأربعين، ثم غزا عبد العزيز في جنوب نجد وأغار هناك على قبائل من الدواسر ولم يصب كبير مغنم ولكنه عاد إلى ناحية الأحساء، وكان ذلك في الشتاء، فتفرق البدو طالبين المرعى لمواشيهم، وما كان يربطهم بابن سعود إلا حب الكسب فمن أين يمكنه أن يلزمهم على البقاء. ولما أن تفرق من معه بسبب امتناع بعض قواد الأعراب عن مساعدته لأجل تضييق الدولة عليه، بعث إليه والده والأمير مبارك بن صباح بكتاب يسألانه فيه الرجوع إلى الكويت، فخالف هذه الفكرة، وأبى ذلك، وسار برجاله جنوبًا إلى مكان حرض وواحة يبرين، فأقام به شهرًا. وواحة يبرين هذه قرية كانت حول الأحساء تبعد عنها مسافة، وكانت ذات عمران واسع وشهرة كبيرة تدل عليها بقية آثارها الكثيرة ونخيلها الكثيفة الملتفة، وهي الآن من مساكن بني مرة، وما زال ابن رشيد في الحفر يستنجد الأتراك ويستحثهم على عدوه الجديد بل على آل سعود حتى قطعت الدولة معاش كبيرهم وسدت أبواب الأحساء على صغيرهم فتشتت جيش عبد العزيز. فلما تحقق ما عمله ابن رشيد من الحيلة وتعذر الوصول إلى بعض تلك الأقطار للامتياز، وصعب عليه تموين جيوشه حتى تفرقت عنه خوفًا من أعدائه المتألبة، وهذا شأن البدو في كل زمان ومكان، ولم يبق معه سوى ستين رجلًا من الجيش الذي بلغ عدده ألفين إلا عشرين عند ذلك نهض لما أراد ابن رشيد حصره إلى جهة الربع الخالي وصمم على المضي إلى الرياض ليضرب ضربةً قاضية إما عليه أو على خصمه، وعزم على الهجوم على الرياض ليستولي عليها أو يقتل في سبيلها، فزحف بهؤلاء الستين البسلاء ويمم جهة الرياض وذلك في خامس شهر رمضان، فلما كان ليلة عيد الفطر إذا قد بلغوا أبا جفان.

стр. 376

ثم ساروا في ثاني يوم من شوال إلى حدود الرياض ونزلوا في الساعة الثالثة عربية من الليل، ليلة رابع شوال في جبل على مسافة ساعتين من الرياض، فعندها ترك عبد العزيز عشرين رجلًا من قومه هناك كجيش احتياطي، وتقدم بأربعين مقاتلًا من هؤلاء أخوه محمد بن عبد الرحمن وعبد الله بن جلوي ابن عمه، ولما أن وصل إلى البساتين خارج السور أقام محمدًا وثلاثين هناك، ومشى بالعشرة الباقية على غرضه. صفة حراسة الرياض كان ابن رشيد لما استولى عليها قطع كثيرًا من نخيلها تشفيًا وانتقامًا، وهدم أسوارها كلها خشية أن تعصيه ثانيةً، وتناوئه واكتفى بالحصن الذي تسكنه الحامية، وقد وقف هذا الحصن في وجه جلالة الملك في هجومه الأول، ولولاه لتم له مرامه ولتمكن من بناء السور أثناء اشتغال خصمه بمحاربة ابن صباح، ولكن الأمور مرهونة لأوقاتها، وقد أفادت ذلك خبرة بهذا الحصن، وكان ذلك الحصن قلعتان واحدة في ضمن الأخرى شيدهما ابن رشيد وجعل فيهما تسعين حارسًا رئيسهم عجلان، وكان عجلان هذا من مولدي أهل حائل وكبير الحامة من قبل ابن رشيد، وكان عبد العزيز لما مشى بالعشرة يؤمل أن يجد عجلان في بيت زوجته خارج الحصن الداخلي ولكنه لم يتمكن من الدخول إلى الحصن الخارجي، أي حصن السور إلا من البيت المحاذي، وهو لفلاح يتجر بالبقر، فقرع عبد العزيز الباب كأنه من رجال الأمير: عجلان يبتغي شراء بقرة للمضيف؟ فأجابته امرأة تقول: من أنت؟ فقال: أنا رجل من رجال الأمير عجلان، أريد من زوجك أن يشتري لنا بقرًا صباح الغد، فأجابته المرأة بقولها أخسأ فما جئت تبغي البقر يا فاجر بل جئت تبغي الفساد، فأجابها عبد العزيز: لا والله يا خالة ما أريد الفساد بل أبغي صاحب هذا البيت، فإذا لم يخرج إلي الآن فإن الأمير سيقتله صباح الغد، سمع صاحب البيت هذا التهديد فجاء يفتح الباب. وكان عبد العزيز يعرفه من الهجوم الأول في السنة الماضية ويعرف حريمه وفيهن

стр. 377

من كن يخدمن سابقًا في بيت آل سعود، فلما خرج أمسكه بيده قائلًا: إذا تكلمت قتلتك في الحال، فصاح النساء وقد عرفنه قائلات: عمنا، عمنا عبد العزيز، عبد العزيز، وجعلوا يستبشرون مع ما هم فيه من الخيفة عليه؛ فقال: لا بأس عليكن إذا سكتن، قال هذا وأدخلهن في غرفة وأقفل عليهن الباب. ثم تسلق الجدار إلى البيت الآخر عند الحصن فإذا فيه شخصان نائمان على فراش واحد، فلفهما بالفراش وحملهما إلى غرفة صغيرة فأودعهما فيها وأقفل الباب فاطمأن من عبد العزيز البال وأرسل يطلب أخاه محمدًا والباقين، فجاءوا من غير أن يشعر بهم أحد، واجتمعوا في ذلك المكان، وكان البيت الآخر إلى جانب الحصن للأمير عجلان وفيه إحدى نسائه وهو يزورها تارةً بالليل وطورًا بالنهار، فمشى عبد العزيز وعشرة من رجاله إلى ذلك البيت فدخلوه وطافوا بغرفة، فوجدوا في أحدها اثنين نائمين على فراش واحد ظنوهما الأمير عجلان وزوجته، فدخل متسللًا ومعه رجل يحمل سراجًا، فلما دنا من الفراش، رفع الغطاء فإذا هما امرأتان، فأيقظهما فاستوتا جالستين دون أن يعروهما شيء من الخوف، إحداهما زوجة عجلان والثانية أختها زوجة أخيه فعرفته زوجة عجلان وبادرت تقول: أنت عبد العزيز؟ فأجابها يقول: نعم، فقالت: من تبغي؟ أجابها يقول: أبغي زوجك، فقالت: أخشى عليك من عجلان فإنه ذو بأس، فقال لها: ما سألناك عن هذا، إنما نريد أن نعرف متى يخرج عجلان من الحصن الداخلي؟ فقالت: لا يخرج إلا بعد طلوع الشمس بساعة. فقال لها: هذا كل ما نبغيه منكن، ولا بأس عليكن إذا سكتن، يقول هذا الكلام وهو ورجاله يسوقون المرأتين وبقية النساء إلى غرفة واحدة، فحبسوهن وأوصدوها عليهن، ثم كسر الباب الذي يوصل إلى البيت الذي فيه بقية الرجال، فدخلوا منه واجتمعوا كلهم في بيت عجلان. وهذا كله إلى تمام الساعة الثامنة ليلًا، ثم استراحوا وأكلوا طعام العشاء تمرًا وشربوا عليه القهوة، وناموا ليلًا ثم جعل يشجع أصحابه ويزمرهم ويقول: آمالنا

стр. 378

أو نعذر، وما فاز باللذات من ليس يقدم، فجعلوا يدبرون حيلةً للهجوم على الحصن الداخلي، فلما لاح الصباح، قاموا متأهبين وراء الباب وقوف الأسود لفرائسها ينتظرون عجلان ليهاجموا الحصن الذي هو فيه عند فتحه، وكان بابه مقابلًا لباب البيت الذي هم فيه تفصلهما فسحة فيها مرابط الخيل، وكان من عادة عجلان إذا خرج من الحصن صباحًا يتجول فيها ويتفرج على الخيل ثم يؤم بيته لشراب القهوة عند أهله. فلما أن ذر قرن الشمس يوم خامس شوال سنة ١٣١٩ هـ فتحت خوخة باب القصر وخرج بعض العبيد ليخرج الخيل إلى الشمس، ثم خرج الأمير عجلان على عادته فانقض عليه عبد العزيز يعدو نحوه والسيف مسلول بيمينه معه خمسة عشر رجلًا من بينهم أخوه محمد وابن عمه أبو فهد عبد الله بن جلوي، فارتد عجلان فارًا لما رأى الهائعة ورجاله يركضون خلفه، ولكن باب القصر قد أغلق ولم يبق غير الخوخة مفتوحة، ولما أراد عجلان أن يدخل مسرعًا رماه عبد العزيز برصاصة فجرحته فأدركه عبد العزيز وقد دخل نصفه وكاد أن يدخل لولا أن عبد العزيز أمسك برجله فجره إلى الخارج، هذا وقد رماه عبد الله بن جلوي بحربه فأخطأه ودخلت بالباب فانكسرت ولا تزال موجودة حتى الآن. ولما جذبه عبد العزيز تصارعا كلٌ يريد الفتك بصاحبه، وانفلت عجلان فاقتحم عبد الله بن جلوي الباب وراء عجلان فأرداه بطلق ناري وجلله بعد ذلك بالسيف، فخر لوجهه قتيلًا وقد صعد رجاله إلى أعلى الباب وجعلوا يطلقون النار من المصاليت على رجال ابن سعود، فجرحوا أربعة وقتلوا اثنين، وذلك لما جاءت السهام من فوقهم. فصاح عبد العزيز بالباقين من رجاله فاقتحموا الباب وأخذوا يقتلون الحامية ففتكوا بهم ولم يبق منهم سوى عشرين رجلًا تحصنوا ببرج من أبراج القصر، فأمَّنهم عبد العزيز على حياتهم ونزلوا سالمين، وقد صبت الدماء من السقف حوالي باب القصر على الحائط، ثم خرج المنادي يصيح بالأسواق الحكم لله ثم لعبد العزيز

стр. 379

بن عبد الرحمن، فدهش الناس من الفرح وأقبلوا نحو القصر زرافات ووحدانًا يسلمون عليه ويبايعون على السمع والطاعة ويحمدون الله على خلاصهم من إرهاب آل رشيد وعسفهم، فأمرهم على الفور ببناء السور وترميم المتهدم منه، ففزعوا في الحال وأتموه في نحو خمسة أسابيع. ومما قال الأديب الشاعر الأثري حسين بن نفيسة قصيدة افتتحها بحمد المعز بعد الذلة، والمكثر بعد القلة، والشافي بعد العلة، الجائد بالامتنان، بعد الامتحان الدافع للضراء بالسراء، المزيل للحرج بالفرج، الكاشف بالنور للظلمة، الحافظ من توكل عليه بالعصمة المنتقم ممن عصاه بالنقمة. ثم ذكر ما جرى من أمراء آل رشيد، الذي شوش الاذهان، وغير الألوان من الذل والهوان، لا سيما ما فعله بهم ابن سبهان، فقد طال أذاه المشائخ والإخوان، وقد نبذ أمر الله ظهرًا، وبسط يده ظلمًا وقهرًا، فسب وسلب، وعزر وضرب، وغرب وخرب، فما وقر كبيرًا ولا رحم صغيرًا، ولا أنظر فقيرًا، تجبرًا وعنادًا، وعتوًا وفظاظةً على العباد، فما راقب الملك العلام، ولا خاف من دعوة مظلوم ترفع فوق الغمام، ثم قال بعد ذلك في ذكر هذا الفتح المبين: تألق في العوجا الهدى ثم أنور ... ونادى مناد العدل والجور أدبرا وأخصب منها الربع إذا كان ممحلًا ... وأمطر فيها الجود حتى تكثرا وصارت على رغم الأنوف بسبة ... لأيمن محمود السجايا غضنفرًا فآب بها والناس ترنوا عيونهم ... وأصدقها بالسيف ضربًا منكرًا أيا شبل من قد صدق القول فعله ... مع الصبح لما أن أهل وكبرا أتاها برهط أو يزيدون نصفهم ... وقال لهم أمالنا أو لنعذرا وقال أثبتوا فالموت طوق رقابكم ... فما الذل دفاعًا لما الله قدرا فأزمرهم حتى لأمر تعاقدوا ... يمينًا على أن يجعلوا الموت مصدرا لعمرك ما نال العلى مثله فتىً ... سطا إذ سطا في عاقب ما تفكرا فقادهمو كالليث في وثباته ... إذا صال تخشى بأسه أسد الشرا

стр. 380

وتبًا لمن يحمل من الهم ثقله ... إذا كان ضرب المشرفيات أفخرا فصبح أهل القصر حتى أبادهم ... أبت نفسه دون العلى أن تصبرا فأسقاهمو كأس الحمام على قلا ... ومنها سقى عجلان حتى تقطرا مكور فحان المكر منه مقاتلًا ... فمن شؤمه أن واجه الله مدبرا خلائف سوء عن هدى الله اضربوا ... ووافقهم من باع دينًا وما شرا فردوا هداة الحق لا ينفذونه ... وأهل الخنى كانوا صحابًا وشورا سويلم لا سلم من النار عظمه ... ولاقا هوانًا يوم يدعى ليحشرا ظلوم سبانا ثم من غير حجةٍ ... وكشف عورات وساء ودمرا جهارًا يسب المسلمين ويصطفي ... كرائم أموال العباد تجبرا فمن ينس لوعات اللئيم وبغيه ... لقد كان أعتاهم وأطغى وأفجرا جرى على الرحم شلت يمينه ... فكم مسلمٍ أذى وأودى وعزرا وكم محصنات أبرزت من قصورها ... وقد كان مرآها عزيزًا فلم ترا فغار لها رب السموات آنفًا ... رحيمًا وقصاما لمن كان غيرا إذا جاء أمر منه فينا مدبر ... غدا كل أمر دون ما جاء أبترا أيا وقعةً من صادقٍ صار مقعد ... بما كان من جد قديم له جرا حنانيك من قال الدليل لسانه ... جمعت ضعاف المسلمين من الفرا فأغدقهم بالفضل حتى تمولوا ... وأودعهم نجل الكرام المطهرا أبو الرمل ولأيتام هل مثل فيصل ... وأحسن من ساس الرعايا ودبرا أصول نشت في الدين طابت فروعها ... فمنها جنينا الطلع من حيث أثمرا وهم عابد الرحمن أعني وعقبه ... مصاليخ ناس دارعين وحسرا فما المجد إلا منهم وإليهم ... بقاياه سل عنهم خبيرًا لتخبرا فلما استباح الدار عبد عزيزهم ... بلا منة للظاعنين وحضرا به ابتهجت نجد وعزت بعزه ... وأوفته في برد الصبا تبخترا ومن قبل قد أسوت وبان نشوزها ... فأبدت جميلًا بعد لتسترا

стр. 381

فسامحها سوأتها وهو قادرٌ ... رأى الصفح والأعراض أرجى فيسرا وقام لأمر المسلمين برأيه ... لحاملها التأييد إن سار أو سرا يجر الخميس الزحف أن ناب نائب ... كدفاع موج البحر لما تزخرا تراه في الأطوال كل طمرةٍ ... وكل كميت صادق العدو أحمرا عليها من الفتيان صبح مفارها ... سلالة أمجادٍ وساداتٍ حسرا وهي طويلة فلنقتصر منه على ذلك. وكان الأمير عجلان قد تجبر وعزم على أن يزيد في الضرائب على أهل الرياض، ولقد اطلع قبل قتله من مكان شامخ على سوق الرياض وإلى جانبه جليس له فقال لجليسه: هؤلاء قد كثرت أموالهم وقوي شأنهم فأريد أن أزيد في القدر الذي يؤخذ منهم، ولما أن أشار عليه جليسه بعدم الظلم، جعل كلما أشار في نقص الضريبة يزيد هو، فذا يقول كثيرًا ما أضعفت وهذا يزيد الضعف حتى سكت المناصح لئلا يكون سببًا في ظلمهم إذا كان يستكثر عشرة آلاف فيقال خمسة عشر ألفًا فما كان إلا قاب قوسين أو أدنى، حتى أخذه الله وأراح منه الخلق، فلله الحمد على فضله. ذكر مخاطرات جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود أدام الله توفيقه فنقول: قام هذا الشاب لما تم له عشرون سنة يطلب ملك أبائه وأجداده، فغامر مغامرة تنطوي على كثير من الجرأة والشجاعة، ولم يطر إذ ذاك عارضاه، وصمم على الملك أو الموت في طلبه، فسطا في الرياض بأولئك الفوارس المجربين الذين ألفوا الأخطار، فقتل عجلان واستولى على الرياض ولقي الأهوال في ابتداء الأمر، وذلك لأنه تقلد السيف ولم يضعه من يده حتى أخضع نجدًا كلها، وكان يقول إنه لا يوجد في داخل جزيرة العرب شبر أرض لم يقاتل عليه ولولا ذلك لما حصل المقصود وجميع الأشياء بأمر الرب المعبود.

стр. 382

المخاطرة الثانية ملاقاته لابن رشيد، وقد جرأ عليه الدولة العثمانية وما زال يدافع حتى قتله وفرق الأعداء شذر مذر وآخر ذلك أن طرد الدولة عن القصيم. المخاطرة الثالثة خروج عبد الله بن محمد أبا الخيل عليه بعد ما أمره في بريده فدخل عليه البلد في ساعة حرجه وكانت مخوفة عليه. المخاطرة الرابعة فتح الأحساء وطرده الدولة عنها ولما فرغ من نجد مد يده للحجاز حتى استولى عليه ونريد أن نعرف بالرياض عاصمة الملك، فنقول: هي مدينة من بلاد العارض اليمامة وهي عاصمة ملك آل سعود بعد خراب الدرعية تبعد عنها ثلاث ساعات للراجل دخلت في حوزة آل سعود بعد أن هرب منها دهام بن دواس، وبعد ظهور الإمام تركي جعلها عاصمة لملكه، وما زالت كذلك حتى جعلها عبد العزيز عاصمة للملك وقد تقدم التعريف بها. رجعنا إلى ذكر ابن رشيد فنقول: كان عبد العزيز بن متعب فارسًا شجاعًا وبطلًا مغوارًا، وله من الشجاعة حظ جسيم ومن الغلظة والفظاظة قدر عظيم يقتل ذكره الرجال، وتتلاشى دون وثبته العظماء الأبطال، ولما بلغه ما صنعه هذا الأسد الصائل الضرغام، وهذا الجرئ الشاب المقدام وفتح الرياض، وقتل عجلان لم يكترث وجعل يستهزء على أن متى ما أراد جاء وطرده وكانت كلمته لما بلغه الخبر أن قال (أرنب مجحرة وأهلها مقيمون يكفي ابن سعود أن انفض عليه عباءتي فيفر) وكان إذ ذاك نازل على الحفر يريد احتلال الكويت وما همه ابن سعود، ولا تحرك عن الحفر بل كان يكاتب الدولة العثمانية ويماطلونه ويطاولونه. والسبب في ذلك أن مباركًا احتمى بالإنكليز ضرورة كما تقدمت الإشارة إليه، ولما طلب ذلك أمن من الأتراك، غير أن بريطانيا العظمى كان لها بذلك الحظ الحسن فقد أصبح الكويت ملكًا لها بلا شريك، ولما رست الباخرة البريطانية لنصرة ابن صباح، وقد رفعت العلم البريطاني ما كان للدولة العثمانية بها قبل، بل كانوا يظهرون لابن رشيد الولاء ويماطلونه ويأمرونه بأن يفاوضهم في محاربة ابن صباح فآخر ما نقول عن مبارك أنه قد احتمى من جهة البحر ببريطانيا، وحماه من جهة البر ابن سعود.

стр. 383

ولما بلغ مباركًا فتح الرياض بعث إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن يهنيه بفتح الرياض الذي قد أثلج صدره ويدعو له بالبركة، وجعل ينخاه على خصمه ويدعو له يا ولدي تولاك الله وعافاك وقواك وجعل النصر أخاك، وكان لا يدعوه إلا يا ولدي يا عبد العزيز وطلب منه النجدة. ثم إن صاحب الكويت أمدّ عبد العزيز فبعث أخاه سعد بن عبد الرحمن بالنجدة التي طلبها، ومشى بنفسه إلى غرضه، فشن الغارة على قبائل ابن رشيد حتى استولى على النواحي الجنوبية مثل الخرج والحوطة والحريق والأفلاج ووادي الدواسر، وكاتبته البلدان الشمالية بالطاعة سرًا، وهذه كالمحمل والوشم وسدير والشعيب فهي موالية لابن سعود وإن كانت في حوزة ابن رشيد. وهذه نبذة من ترجمة الملك عبد العزيز، أما نسبه فتقدم في سنة ولادته. وأما صفته فإنه كان قوي البنية طويل القامة براق العينين طاهر العرض نظيفًا وقد بلغ في الشجاعة مبلغًا عظيمًا فكان يقابل في ميادين النزال عديدًا من الفرسان الأشداء وهو وحده ويحيطون به وكلهم شجاع قوي فيمزق شملهم ويضطرهم إلى الفرار، وقد كان من شجاعته ألا يضع لنفسه حارسًا، وبهذه المخاطرات فإنه يرى عليه علامات الافتراس كما يرى في رقاب السباع أثار الدماء، وقد ملأ جسمه بجراحات بعضها خطره، ولكن شفاه الله منها وبعض إصاباته من السيف، وبعضها من الرصاص وبعضها من شظايا القنابل، وهي أعظم شهادة تدل على الشجاعة والبطولة والإقدام، وإذا كان بدر بن عمار يكرم سيفه عن الليث ويجعل له سوطه كما قال عنه أبو الطيب المتنبي يمتدحه بهذا البيت: أمعفر الليث الهزبر بسوطه ... لمن ادخرت الصارم المصقولا فإن ابن سعود صارع من هو أقوى من الليث حتى صار اسمه اليوم أعظم من الجيش، فمن شجاعته النادرة أنه قهر عبد العزيز بن متعب الذي كان هو الشجاع المعلم الذي تنفست عنه الجزيرة في القرن الرابع عشر، ويعترف له أبطال نجد

стр. 384

بالشجاعة الفائقة والصلابة القوية والقوة الطاغية الذي كانت نظرته تذيب الشجعان، ومع هذا فإن ابن سعود هزمه وقتله، فالشجاع لا يغلبه إلا الشجاع، وقديمًا قيل: "لا يفل الحديد إلا الحديد". ومما عرف من قوة عبد العزيز بن عبد الرحمن الجسمانية العظيمة الطافحة أنه اتكأ مرةً على باب سيارة فورد جديدة فخلعه، وأن الجواد الصبور ينوء بحمله، وكان في بعض غزواته راكبًا وعمره في العشرين، فلكز دابته بعصاه فركضت به، فوقع على الأرض وكان مريضًا إذ ذاك فوطئته جمال رجاله واستطاع أن يركب ويحارب في اليوم الثاني. أخلاقه ونشأته كان كبير القلب كبير النفس كبير الوجدان، انتهت إليه الفضائل العربية بأجمعها، قليل النوم، كثير التيقظ، عظيم الانتباه، كريمًا إلى حد السرف، وكان ذا عدلٍ وإنصاف، وآتاه الله بسطة في العلم والجسم، وعليه البهاء، وله الهيبة العظيمة. ولما بلغ السابعة من عمره أرسله والده إلى المدرسة في الرياض حين كانوا فيها، فكان يقرأ القرآن ولا يترك الصلاة، ويألف المسجد ويصوم، وقد أبعده والده عن أسباب الفسوق كعادته مع أبناءه. ذلك الإمام عبد الرحمن بن فيصل، فلا يهمل في تربية أبناءه، فإنه كان شديدًا عليهم في التأديب، وحملهم على مكارم الأخلاق وما ذاك إلا لما أودعه الله من السلوك على طريق الحق كعادة الوهابية، كيف لا وهو من سلالة محمد بن سعود الذي نصر الحق بنفسه وأولاده. ولما كان الإمام عبد الرحمن يتوسم في هذا الابن أمور النجاح وأسبابه، كان يمرنه في حال صغره على معاناة المشاق، ويصلب عوده ونفسه وجسمه، فكان يبعثه تحت الشمس القائظة إلى خارج الرياض ويكلفه المسير في منتصف النهار على الرمال الحارة حافي القدمين، ويأمره بمغادرة فراشه مبكرًا، كل هذا ليجعله قويًا شديدًا.

стр. 385

ثم إنه نشأ مع الفتى هذا عبيد صغار مثله في الشباب والفتوة، لاعبوه صغارًا وحفظوه بالحراسة كبارًا، فكانوا أكثر جنده له إخلاصًا وأعظم عنه دفاعًا، وهؤلاء العبيد هم الذين قال عنهم رسول ابن رشيد لسيده إنه قد شغلهم بالمصارعة والمغالبة، ولما تم له خمسة عشر سنة اختارت له والدته قدس الله روحها فتاة عربية يتزوجها، وكان والده في فاقة يشق عليه زواجه، فتأخر الزواج حتى قدم تاجر نجدي فعرض ما لديه من مال ينفق في عرس الفتى عبد العزيز، فأفضى هذا العمل إلى حزن عميق ملأ قلب الوالد أسًا وحزنًا، ولكنه تقبل الأمر الواقع رحمة الله عليه، ولما تزوج الابن تلك الزوجة شاء الله أن لا يستمر ابن سعود مع زوجه أكثر من ستة أشهر فطواها الموت، فالتاع لفقدها وموتها لوعة هدت من صحته ثم تعاقبت الأيام والشهور على هذه الفاجعة، ثم تزوج الفتى من امرأة ثانية، فوهب الله له منها غلامًا سماه تركي وهو بكره ويكنى به، وقد سرّ به والده الإمام عبد الرحمن كل السرور. سياسته ومقدرته كان سياسيًا ماهرًا ذا أناة وحلم ودهاء وذكاء، وكان ضخمًا تام الخلقة ساحرًا بكلامه يكلم الناس على قد عقولهم ومراتبهم، فيعامل المشايخ العلماء بالبحث والتدقيق بحيث لا يدع لقائل مقالًا في باب العلم، ويكلم الملوك والوزراء على حسب ما يقنعهم بسياسة حيرة بريطانيا والأمم الأخرى، ذلك لسعة عقله ومعرفته وغوره وبعد نظره، فكان عقله كاملًا ورأيه سديدًا، أضف إلى ذلك قوة في الدين وطهارة في عرضه، فما قارف فاحشةً مرةً قط. وقد جعل الله له محبة في القلوب عظيمة، ذلك بأنه جلو الحديث، جميل المخالطة، لطيف المعاشرة، محب للحديث، راغب في المعرفة، طالب للعلم، مكرم العلماء وأهل الدين والفضل والأدب. وكثيرًا ما يجلس لأصدقائه وأنصاره يحاورهم ويحدثهم ويجادلهم ويجادلونه وهو

стр. 386

أرغب ما يكون في الاجتماع مع الغرباء، يستمع منهم أخبار بلدانهم وأمصارهم وما يتعلق به من أخبار السياسة وأحداث الزمان. ومن غرائبه أنه لا يحتاج للنوم كما يظهر، ولا ينام إلا حين لا يرى أحدًا غيره ساهرًا، وإذا نام فلا ينام إلا ثلاث ساعات أو أربع ساعات، ولو خير لجلس الليل كله يتحدث إلى أحد رجاله من الذين يروق له حديثهم، وتلذ له عشرتهم، وكان من الذين يستمعون القول ويحسنون الاستماع، فإن وجد في الحديث خيرًا تقبله وفعل بموجبه وهو إلى ذلك ليس عنيدًا في إنكاره، مع أنه لا يزال في سجيته يعامل بالحسنى ويقابل الإساءة بالإحسان، فإذا لم يفد ذلك بدرت منه بوادر تقضي على من خالفه بالدمار والتباب، فما ألينه في الأمن وما أصعبه في المخاوف كما قيل. هو البحر غص فيه إذا كان ساكنًا ... على الدر واحذره إذا كان مزبدًا ذكر أمراء آل رشيد وقضاتهم كان أمير بريدة بعد حسن بن مهنا بأمر محمد بن عبد الله بن رشيد، من كان يدعى حسين بن جراد، ثم عزله وجعل مكانه حمود الزيد، فلبث قليلًا ثم عزله وجعل مكانه سعد الحازمي، ومات الحاكم ابن رشيد فأقره على الإمارة عبد العزيز بن متعب، وهو الذي جمع الناس بأمره وأخذ البيعة له، ثم عزله بن متعب وجعل مكانه فهد بن محمد القويعي، ثم عزله بعد ذلك وأقام الحازمي ثانيةً أميرًا، وهو الذي وقعت الطرفية وهو فيها، ثم عزله وجعل مكانه سالم بن سبهان، ثم عزله وجعل مكانه عبد الرحمن بن ضبعان وهو آخر أمراء آل رشيد عليها. أما القضاة فإن الحاكم محمد بن عبد الله بن رشيد جعل على قضاء بريدة محمد بن عبد الله بن سليم، وكان هو القاضي قبل، فأقره على قضائها، فاستمر على ذلك في آخر ولاية محمد وأول ولاية عبد العزيز، ثم إنه عزله عبد العزيز بن رشيد لكثرة الوشاة، وذلة أهل الحق في ولايته، وجعل مكانه الشيخ صالح بن قرناس. ولما أن قدم الشيخ صالح كان معه كتب كثيرة ورثها من أبيه، فأظهر

стр. 387

الموافقة لآل رشيد وأتباعهم، ومال إليهم لما رأى الغلبة لهم وأظهر إكرامهم، ولكنه بعد ذلك رجع عن فكرته وأعلن إكرام الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان كريمًا سخيًا. حدثني من دخل بيته وجلس على مائدته أنه وجد في بيته حمل بطيخ، أعني ما يحمله البعير، ووجد التمر على حصير، ومن قدم فإنه يأكل ويشرب وينبسط. وقد تزوج في أيام إقامته في بريدة بامرأة من أهالي وهطان، وشوهد في زواجه بذل أموال وسعة في الأطعمة. وقد أحببت أن أورد قصة عجيبة يستدل بها على امتحان أولياء الله ورسوله، ويتذكر بها المؤمن ما من الله به على المسلمين بولاية آل سعود، أدام الله لملكهم الخلود، وهي أنه لما أراد السعي إلى وهطان فضيلة الشيخ صالح بن قرناس لعرسه وزواجه وصهره أبو حلوة، وكان قد صيح في الناس من أراد رفقة الشيخ فليأتي بدابته معه، فجاء خمس عمانيات وثلاثون حمارًا، وصف أهلها ينتظرون الذهاب مع الشيخ المذكور، فجيء بعبد الله الباحوث، وعبد العزيز بن مديهش، وسليمان بن ثويني، وعلي بن يحيى، وعبد العزيز بن يحيى، وعثمان بن مضيان، وصالح اللهيمي تسوقهم رجال الأمير أذل ما كانوا قط، فوافق في ساعة مجيئهم خروج الشيخ صالح ليركب ويذهب ورفقته. وقد كان الناس حوالي بيته الذي يعرف ببيت صعب في جنوبي بريدة، وكان أولئك المذكورون قد بعث إلى ابن رشيد بمسبتهم وأنهم ليسوا على طريقة المسلمين، وقد ضلوا وأضلوا، فتكلم خادم الأمير يقول هؤلاء المغاليث قد حضروا يا شيخ فكيف يصنع بهم، وكان هؤلاء المشار إليهم من فقراء الإخوان أهل الدين والفضل ومن شيعة آل سليم، تقع أوطانهم حوالي بريدة في الشماسية ووهطان والصوير وغيرها، وما كانوا مغاليث بل كانوا هداة مهتدين معهم تمسك في العقيدة ومحبة المؤمنين، وقد كان واحدهم يحمل كتبه وحقيبته تحت إبطه ويتزاورون ويتحابون في ذات الله، فلما أخبر الخادم بمجيئهم كان إلى جانب الشيخ صالح من

стр. 388

كان يدعى بعبد الله بن عمروا آل رشيد قد أمسك بيد الشيخ ويوشي بهم، نسأل الله العافية، فتكلم مجيبًا للخادم بقوله إن الشيخ في شغله فاذهب إلى الأمير وقل له أن نظره فيه الكفاية في أمرهم، فرجع بهم الخادم إلى الأمير ليرى رأيه فيهم، فلما أن جلسوا بين يديه، أخرج كتاب ابن رشيد إليه وناوله القاريء، فلما سمع الكتاب وعرف موضوعه تكلم الأمير سعد بقوله: أين ابن مضيان الذي صوته كرنين الذبابة، أما تستحي وتلزم فلاحتك وتترك المشي إلى الناس بفوائدك؟ فتكلم مجيبًا: كذب أيها الأمير إني لم أمشي بين الناس، ويا ليتني أفيد نفسي. ثم جعل يقول: أين بن يحيا فأجاب بقوله حاضر، فأنبه بقوله: تركت فلاحتك تهلك عشبًا إلا تجلس للحراثة وتدع الذهاب إلى الناس فقد شغلتهم عن فلائحهم، فأجاب بقوله: كذب بارك الله فيكم ما مشيت. ثم إنه تكلم متهددًا لابن مديهش يقول: أيهًا يا ابن مديهش يومًا بالمستجدة ويومًا بوهطان ألا تتقي الله في نفسك من تعويق الناس عن فلائحهم وشغلهم، وقال لعبد الله الباحوث: أنت صنمهم تدهن لحيتك وتذهب تدجل على الناس، وكان هذا معروفًا بالخوارق، ويجري الله على يديه عجائبًا. قال مرةً لابنه تريد هذا العصفور، فقم فخذه وكان لا يطاق إلا بالبندقية، فقام وأخذه بيده، ثم سكت قليلًا ثم تكلم يقول: أين ابن ثويني؟ إنك تسابق إمام مسجدكم ابن سيف في الإمامة، تؤم وهو إلى جانبك فأعرض وكفّ عن ذلك، فأجابه بقوله: ليس بصحيح فإني لا أتقدم بهم حتى يقدموني وأنت يا سعود بن فوزان يومًا بالمذنب ويومًا بالشماسية، فلو استرحت فأرحت الناس؟ فأجاب بأنه مقصر في حق إخوانه في الزيارة، فلما فرغ الأمير من كلامه سكت قليلًا وقال تعلمون بأني مدبر وإلا فأشهد بأنكم على الحق، قوموا إلى أولادكم بالسلامة، فقاموا من عنده شاكرين، وكان بعض الناس يخشى عليهم بهذه الدعوة ولكن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].

стр. 389

أما عنيزة فكان عليها من قبل الأمير ابن رشيد بعد واقعة المليدا صالح بن يحيى، واستمر في إمارتها حتى جرى منه اعتداء على عبد الله الربدي، وما زال يضمر له العداء حتى أخرجه من بيته ليلًا بحيلة فضربه ضربًا شديدًا، فبعث عبد الله إلى قريبه عبد الرحمن الربدي في بريدة يخبره من فوره بما فعله به أمير عنيزة، ولما أن بلغه ذلك بعث من فوره نجابًا بكتاب إلى الحاكم محمد بن رشيد في حائل، وقال للرسول: واصل السفر فإني لا أريد هذا العمانية بعدها، ولما أن طوى مسيرة ستة أيام في يومين ووصل إلى ابن رشيد، بعث بعزله وجعل مكانه ابن أخيه حمد بن عبد الله بن يحيى، وكان القاضي في عنيزة إذ ذاك العويضي، وكان يشرب التنباك، لذلك قد هجاه بعض العلماء بذلك ثم إنهم طلبوا من ابن رشيد أن يجعل في قضائهم الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر فنصبه فيهم. وفيها في ليلة ١٣ شوال ولد الملك سعود بن عبد العزيز نجل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وكان ذلك تفاؤلًا بالسعادة، لأنه جاء في بدء ملك والده، وكانت أمه من آل عريعر، فهم أخواله. ولما بلغ السابعة من عمره بعثه والده إلى المؤدب وسنزيد المقام فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفيها توفى الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة المتقي العارف بأصول الدين، والمجاهد لأعداء الله الملحدين، إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان، كان المترجم أخًا للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، بيد أن الشيخ أبرع منه وأشهر، حتى كان الشيخ إسحاق يقرّ له بالفضل ويدعوه بشيخنا، وقد كان سافر إلى الهند في طلب العلم، فكان في بلد دلهي، وكثيرًا ما تتعاقب الرسائل بينه وبين الشيخ سليمان بن سحمان، كما قد مرّ بنا بعضه وقد سافر إلى مصر للدراسة على علماء الأزهر.

стр. 390

ومن ذلك أنه أرسل إلى الشيخ سليمان أبياتًا ورسالةً يشكو ما حدث من الأغيار بعد ولاية أولئك الأشرار، ويعج من فساد الزمان وكثرة المناكر والافتتان، فأجابه بأن ما حدث لديهم أعظم من ذلك من اللهو والإعراض عن الدين والتكالب على الدنيا واستحلال الزكاة وأكلها بالباطل، وتضييع الصلوات وتعطيل شرائع الله، وفعل الفواحش إلى غير ذلك. ومن أبيات الشيخ إسحاق هذه القصيدة التي أنشأها لما استحكمت الغربة واشتدت الكربة، وقد قال في مقدمتها: أعلم أيها المنصف أنه لما شنع على الإخوان بعض من شغب بالقيل والقال، وتركوا مهملين من بيت المال، وضاعوا في المجاعة أيامًا وليال لما تفرقوا عن مدارسهم ورباعهم، عن لي أن أرثاهم وأبين أن الله من ذلك براهم: يا عين فابكي وأهمي الدمع كرات ... من حادثٍ فادحٍ نادي بأشتات العلم طلابه أوذوا وقيل لهم ... ترحلوا إنكم جئتم بأنات ما نعرف الفرق والفرقان مطرح ... والجمع دين الناس بين البريات والفرق صعبٌ علينا جالب عنا ... ومحدثٌ بيننا تفريق حالات ما يقدر الخلق هذا الفرق فارتدعوا ... أو نرمكم باعتقادات شنيعات خوارج أنتم أخرجتمو بدعًا ... بالهجر منكم لأرباب العصايات فاسمع جوابًا عن الإخوان تبرئةً ... مما رماهم به أهل الجهالات نبرأ إلى الله مما قال شانئهم ... فيهم ونصرخ يا أهل العداوات هل لازم الهجر تكفير الذين عصو ... يا ظالمين ويا أهل السفاهات حاشاهمو بذا ما كفروا أحدا ... بالذنب حاشاهمو من ذي الضلالات والهجر نوع وتكفير العصات ذا ... نوعٌ به مرقت شر البريات فإن زعمتم أن الهجر جاعلهم ... كذاك فأتوا بمقطوع الدلالات وإن زعمتم أن الهجر مبتدعٌ ... فأتوا على زعمكم ذا باحتجاجات بما يرد النصوص الوضحات فما ... تحصلون ولو أقوالٌ ملغات
следующие страницы →