← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أرغب ما يكون في الاجتماع مع الغرباء، يستمع منهم أخبار بلدانهم وأمصارهم وما يتعلق به من أخبار السياسة وأحداث الزمان. ومن غرائبه أنه لا يحتاج للنوم كما يظهر، ولا ينام إلا حين لا يرى أحدًا غيره ساهرًا، وإذا نام فلا ينام إلا ثلاث ساعات أو أربع ساعات، ولو خير لجلس الليل كله يتحدث إلى أحد رجاله من الذين يروق له حديثهم، وتلذ له عشرتهم، وكان من الذين يستمعون القول ويحسنون الاستماع، فإن وجد في الحديث خيرًا تقبله وفعل بموجبه وهو إلى ذلك ليس عنيدًا في إنكاره، مع أنه لا يزال في سجيته يعامل بالحسنى ويقابل الإساءة بالإحسان، فإذا لم يفد ذلك بدرت منه بوادر تقضي على من خالفه بالدمار والتباب، فما ألينه في الأمن وما أصعبه في المخاوف كما قيل. هو البحر غص فيه إذا كان ساكنًا ... على الدر واحذره إذا كان مزبدًا ذكر أمراء آل رشيد وقضاتهم كان أمير بريدة بعد حسن بن مهنا بأمر محمد بن عبد الله بن رشيد، من كان يدعى حسين بن جراد، ثم عزله وجعل مكانه حمود الزيد، فلبث قليلًا ثم عزله وجعل مكانه سعد الحازمي، ومات الحاكم ابن رشيد فأقره على الإمارة عبد العزيز بن متعب، وهو الذي جمع الناس بأمره وأخذ البيعة له، ثم عزله بن متعب وجعل مكانه فهد بن محمد القويعي، ثم عزله بعد ذلك وأقام الحازمي ثانيةً أميرًا، وهو الذي وقعت الطرفية وهو فيها، ثم عزله وجعل مكانه سالم بن سبهان، ثم عزله وجعل مكانه عبد الرحمن بن ضبعان وهو آخر أمراء آل رشيد عليها. أما القضاة فإن الحاكم محمد بن عبد الله بن رشيد جعل على قضاء بريدة محمد بن عبد الله بن سليم، وكان هو القاضي قبل، فأقره على قضائها، فاستمر على ذلك في آخر ولاية محمد وأول ولاية عبد العزيز، ثم إنه عزله عبد العزيز بن رشيد لكثرة الوشاة، وذلة أهل الحق في ولايته، وجعل مكانه الشيخ صالح بن قرناس. ولما أن قدم الشيخ صالح كان معه كتب كثيرة ورثها من أبيه، فأظهر

стр. 387

الموافقة لآل رشيد وأتباعهم، ومال إليهم لما رأى الغلبة لهم وأظهر إكرامهم، ولكنه بعد ذلك رجع عن فكرته وأعلن إكرام الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان كريمًا سخيًا. حدثني من دخل بيته وجلس على مائدته أنه وجد في بيته حمل بطيخ، أعني ما يحمله البعير، ووجد التمر على حصير، ومن قدم فإنه يأكل ويشرب وينبسط. وقد تزوج في أيام إقامته في بريدة بامرأة من أهالي وهطان، وشوهد في زواجه بذل أموال وسعة في الأطعمة. وقد أحببت أن أورد قصة عجيبة يستدل بها على امتحان أولياء الله ورسوله، ويتذكر بها المؤمن ما من الله به على المسلمين بولاية آل سعود، أدام الله لملكهم الخلود، وهي أنه لما أراد السعي إلى وهطان فضيلة الشيخ صالح بن قرناس لعرسه وزواجه وصهره أبو حلوة، وكان قد صيح في الناس من أراد رفقة الشيخ فليأتي بدابته معه، فجاء خمس عمانيات وثلاثون حمارًا، وصف أهلها ينتظرون الذهاب مع الشيخ المذكور، فجيء بعبد الله الباحوث، وعبد العزيز بن مديهش، وسليمان بن ثويني، وعلي بن يحيى، وعبد العزيز بن يحيى، وعثمان بن مضيان، وصالح اللهيمي تسوقهم رجال الأمير أذل ما كانوا قط، فوافق في ساعة مجيئهم خروج الشيخ صالح ليركب ويذهب ورفقته. وقد كان الناس حوالي بيته الذي يعرف ببيت صعب في جنوبي بريدة، وكان أولئك المذكورون قد بعث إلى ابن رشيد بمسبتهم وأنهم ليسوا على طريقة المسلمين، وقد ضلوا وأضلوا، فتكلم خادم الأمير يقول هؤلاء المغاليث قد حضروا يا شيخ فكيف يصنع بهم، وكان هؤلاء المشار إليهم من فقراء الإخوان أهل الدين والفضل ومن شيعة آل سليم، تقع أوطانهم حوالي بريدة في الشماسية ووهطان والصوير وغيرها، وما كانوا مغاليث بل كانوا هداة مهتدين معهم تمسك في العقيدة ومحبة المؤمنين، وقد كان واحدهم يحمل كتبه وحقيبته تحت إبطه ويتزاورون ويتحابون في ذات الله، فلما أخبر الخادم بمجيئهم كان إلى جانب الشيخ صالح من

стр. 388

كان يدعى بعبد الله بن عمروا آل رشيد قد أمسك بيد الشيخ ويوشي بهم، نسأل الله العافية، فتكلم مجيبًا للخادم بقوله إن الشيخ في شغله فاذهب إلى الأمير وقل له أن نظره فيه الكفاية في أمرهم، فرجع بهم الخادم إلى الأمير ليرى رأيه فيهم، فلما أن جلسوا بين يديه، أخرج كتاب ابن رشيد إليه وناوله القاريء، فلما سمع الكتاب وعرف موضوعه تكلم الأمير سعد بقوله: أين ابن مضيان الذي صوته كرنين الذبابة، أما تستحي وتلزم فلاحتك وتترك المشي إلى الناس بفوائدك؟ فتكلم مجيبًا: كذب أيها الأمير إني لم أمشي بين الناس، ويا ليتني أفيد نفسي. ثم جعل يقول: أين بن يحيا فأجاب بقوله حاضر، فأنبه بقوله: تركت فلاحتك تهلك عشبًا إلا تجلس للحراثة وتدع الذهاب إلى الناس فقد شغلتهم عن فلائحهم، فأجاب بقوله: كذب بارك الله فيكم ما مشيت. ثم إنه تكلم متهددًا لابن مديهش يقول: أيهًا يا ابن مديهش يومًا بالمستجدة ويومًا بوهطان ألا تتقي الله في نفسك من تعويق الناس عن فلائحهم وشغلهم، وقال لعبد الله الباحوث: أنت صنمهم تدهن لحيتك وتذهب تدجل على الناس، وكان هذا معروفًا بالخوارق، ويجري الله على يديه عجائبًا. قال مرةً لابنه تريد هذا العصفور، فقم فخذه وكان لا يطاق إلا بالبندقية، فقام وأخذه بيده، ثم سكت قليلًا ثم تكلم يقول: أين ابن ثويني؟ إنك تسابق إمام مسجدكم ابن سيف في الإمامة، تؤم وهو إلى جانبك فأعرض وكفّ عن ذلك، فأجابه بقوله: ليس بصحيح فإني لا أتقدم بهم حتى يقدموني وأنت يا سعود بن فوزان يومًا بالمذنب ويومًا بالشماسية، فلو استرحت فأرحت الناس؟ فأجاب بأنه مقصر في حق إخوانه في الزيارة، فلما فرغ الأمير من كلامه سكت قليلًا وقال تعلمون بأني مدبر وإلا فأشهد بأنكم على الحق، قوموا إلى أولادكم بالسلامة، فقاموا من عنده شاكرين، وكان بعض الناس يخشى عليهم بهذه الدعوة ولكن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].

стр. 389

أما عنيزة فكان عليها من قبل الأمير ابن رشيد بعد واقعة المليدا صالح بن يحيى، واستمر في إمارتها حتى جرى منه اعتداء على عبد الله الربدي، وما زال يضمر له العداء حتى أخرجه من بيته ليلًا بحيلة فضربه ضربًا شديدًا، فبعث عبد الله إلى قريبه عبد الرحمن الربدي في بريدة يخبره من فوره بما فعله به أمير عنيزة، ولما أن بلغه ذلك بعث من فوره نجابًا بكتاب إلى الحاكم محمد بن رشيد في حائل، وقال للرسول: واصل السفر فإني لا أريد هذا العمانية بعدها، ولما أن طوى مسيرة ستة أيام في يومين ووصل إلى ابن رشيد، بعث بعزله وجعل مكانه ابن أخيه حمد بن عبد الله بن يحيى، وكان القاضي في عنيزة إذ ذاك العويضي، وكان يشرب التنباك، لذلك قد هجاه بعض العلماء بذلك ثم إنهم طلبوا من ابن رشيد أن يجعل في قضائهم الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر فنصبه فيهم. وفيها في ليلة ١٣ شوال ولد الملك سعود بن عبد العزيز نجل الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وكان ذلك تفاؤلًا بالسعادة، لأنه جاء في بدء ملك والده، وكانت أمه من آل عريعر، فهم أخواله. ولما بلغ السابعة من عمره بعثه والده إلى المؤدب وسنزيد المقام فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفيها توفى الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى وعفا عنه، وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة المتقي العارف بأصول الدين، والمجاهد لأعداء الله الملحدين، إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان، كان المترجم أخًا للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، بيد أن الشيخ أبرع منه وأشهر، حتى كان الشيخ إسحاق يقرّ له بالفضل ويدعوه بشيخنا، وقد كان سافر إلى الهند في طلب العلم، فكان في بلد دلهي، وكثيرًا ما تتعاقب الرسائل بينه وبين الشيخ سليمان بن سحمان، كما قد مرّ بنا بعضه وقد سافر إلى مصر للدراسة على علماء الأزهر.

стр. 390

ومن ذلك أنه أرسل إلى الشيخ سليمان أبياتًا ورسالةً يشكو ما حدث من الأغيار بعد ولاية أولئك الأشرار، ويعج من فساد الزمان وكثرة المناكر والافتتان، فأجابه بأن ما حدث لديهم أعظم من ذلك من اللهو والإعراض عن الدين والتكالب على الدنيا واستحلال الزكاة وأكلها بالباطل، وتضييع الصلوات وتعطيل شرائع الله، وفعل الفواحش إلى غير ذلك. ومن أبيات الشيخ إسحاق هذه القصيدة التي أنشأها لما استحكمت الغربة واشتدت الكربة، وقد قال في مقدمتها: أعلم أيها المنصف أنه لما شنع على الإخوان بعض من شغب بالقيل والقال، وتركوا مهملين من بيت المال، وضاعوا في المجاعة أيامًا وليال لما تفرقوا عن مدارسهم ورباعهم، عن لي أن أرثاهم وأبين أن الله من ذلك براهم: يا عين فابكي وأهمي الدمع كرات ... من حادثٍ فادحٍ نادي بأشتات العلم طلابه أوذوا وقيل لهم ... ترحلوا إنكم جئتم بأنات ما نعرف الفرق والفرقان مطرح ... والجمع دين الناس بين البريات والفرق صعبٌ علينا جالب عنا ... ومحدثٌ بيننا تفريق حالات ما يقدر الخلق هذا الفرق فارتدعوا ... أو نرمكم باعتقادات شنيعات خوارج أنتم أخرجتمو بدعًا ... بالهجر منكم لأرباب العصايات فاسمع جوابًا عن الإخوان تبرئةً ... مما رماهم به أهل الجهالات نبرأ إلى الله مما قال شانئهم ... فيهم ونصرخ يا أهل العداوات هل لازم الهجر تكفير الذين عصو ... يا ظالمين ويا أهل السفاهات حاشاهمو بذا ما كفروا أحدا ... بالذنب حاشاهمو من ذي الضلالات والهجر نوع وتكفير العصات ذا ... نوعٌ به مرقت شر البريات فإن زعمتم أن الهجر جاعلهم ... كذاك فأتوا بمقطوع الدلالات وإن زعمتم أن الهجر مبتدعٌ ... فأتوا على زعمكم ذا باحتجاجات بما يرد النصوص الوضحات فما ... تحصلون ولو أقوالٌ ملغات

стр. 391

عند البخاري ما يشفي ومذهبه ... التحديد كي يرعوي آتي العصايات وفي أصول رزين الحبر ترجمةً ... قد نورت بالأحاديث الصحيحات والهدي كافٍ وفي الأدب تبصرةً ... فالويل للناكب عقد المؤاخات لمقصدٍ باطلٍ فالله ينصرنا ... عليهم أنه كافي المهمات ما قطعهم حق إخوان الصفاء إذا ... من بيت مالٍ وسعي بالمضرات عند الإمام وحرص أن تكون به ... كمثلهم عاصيًا رب السماوات وصدهم قلبه عن أن يفي ويعي ... نصيحةً فعل أرباب الغوايات ألا لما أبطنوا لكنهم أمنوا ... لما خلى الربع من أهل العنايات واستحكم الشر والأدبار قارنةً ... فاقبض على الجمر واصبر في الملمات وأحذر تكون لما أتوا وتألفه ... يومًا توالي ويومًا ذا معادات فالدين ممتحن والنصر مقترن ... فاعجب لمن يطلب الزلفي بلذات والأسوة المصطفى الهادي الأمين وقد ... قالوا صياجن هذا ذو افتراءات عليه مني صلاة الله أجمعها ... مع السلام ومقبول التحيات وآل والصحب والأتباع قاطبةً ... عداد ما قد مضى من قبل والآت ولما أن بلغ سن التميز وترعرع، أدخله والده إحدى المدارس الأهلية، فقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب، ثم إنه أخذ يطلب العلم ويدرس في حفظ بعض المختصرات في الحديث والفقه والتوحيد، ولازم والده وأخذ عنه، ثم سافر بعد وفاة والده كما قدمنا، فوصل على هندستان لطلب الحديث، وكان ذلك في رجب سنة تسع وثلاثمائة وألف. ولما أن قدم بلد بمباي، حضر مجالس تحتوي على الأدب والغزل وشيء من فنون اللغة وهو إذ ذاك متوجه إلى لقاء علماء الحديث الأفاضل ومشتاق إلى مجالسة الفحول الأماثل، ثم إنه بلغه الله منيته ومن عليه برؤيتهم والاجتماع بهم، فأولهم السيد نذير حسين المقيم ببلدة دلهي، قرأ عليه شرح نخبة الفكر بالتأمل والتأني، ثم شرع في قراءة الصحيحين، وقرأ أطرافًا من الكتب الستة وموطأ الإمام مالك،

стр. 392

وبلوغ المرام، ومشكاة المصابيح، والجلالين في التفسير، وحصل له منه السماع والإجازة والقراءة، وذلك في شهر رجب سنة تسع وثلاثمائة وألف، وكانت مدة إقامته عند السيد نذير تسعة أشهر. ثم ارتحل في رمضان إلى بهويال فقرأ فيها على الشيخ حسين بن محسن الأنصاري في الأصول والفروع، وأجازه إجازتين مختصرة وإجازة عامة في كل ما تجوز له روايته وتنفع درايته من علم التفسير والتأويل والسنة، وذلك في شهر شعبان سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف. وحضر لدى سلامة الله المدرس في بهويال، وسمع منه سنن ابن ماجه وغيرها، وبعض كتب المعقولات، وقرأ على القاضي في حيدر أباد وغيرهم، وعاد إلى وطنه فاشتغل بالتدريس والإفادة ونشر العلم، ولما أن عاد إلى وطنه وجلس للتدريس، رحل إليه الطلاب من أطراف نجد للأخذ عنه والتعليم بين يديه، فنفع الله به ونشر علمه، وقضى بقية زمانه في التعليم، فأقام على ذلك مدة إلى أن وافاه أجله المحتوم في اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب من هذه السنة، وكان له مؤلفات حسنة منها: الجوابات السمعيات في الرد على الأسئلة الروافيات، وغالب مؤلفاته فيما يتعلق في الإقامة بين أظهر المشركين، والسفر إلى بلدان أعداء الملة والدين والهجرة والولاء والبراء، ومن أحب أن يعرف قدره، فليراجعها فإن فيها من الفوائد والبحوث ما يشفي العليل، ويروي الغليل، وأفاد وأجاد، فمن ذلك قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من إسحاق بن عبد الرحمن إلى المحب المكرم عبد الله بن أحمد وفقه الله للطريق الأحمد، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وغير ذلك الموجب لهذه المكاتبة النصيحة وحسن الظن فيك، وأتيقن أن ألحق ضالتك، فالذي أوصيك به أن تطيع الله ورسوله وتقدم ذلك فيما أشكل عليك، ثم أتى بالآيات القرآنية والأحاديث، ثم قال: فإذا كان الله يحذر نبيه من اتباع أكثر الناس، فما الظن بهذا الزمن وأهله، وقد

стр. 393

قال الصادق المصدوق "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ" وأي اغتراب أعظم من هذا الاغتراب. ثم أطال إلى أن قال فقد علمت كلام الصادق المصدوق، فلا يكون قول الغير في نفسك أعظم من كلام نبيك، فما حجتك يوم القيامة إذا قال الله لأي شيء أطريت رسولي ورفعته فوق منزلته، أتقول سمعت في الأشعار خلاف قوله فاتبعتها، أم تقول لم يبلغني كلام نبيك، أعد للسؤال جوابًا. ثم قال: وفي بعض الآثار كلمتان يسئل عنهما الأولون والآخرون "ماذا كنتم تعبدون" "ماذا أجبتم المرسلين" ويكفيك الميزان السوي العادل في كل فعل وقول صدر من الناس، وهو قوله ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وهذا الحديث أصل من أصول الدين، فمن تأمل ما في مطاويه، وتفهم أصوله ومبانيه، استوحش من كثير عبادات لم يشرعها الله ولا رسوله ثم أطال وأطنب. وله مؤلف مختصر برئ فيه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مما رماه به أهل الإفك والضلال من الكذب، وكانت فوق ما قيل فيها، أعني تلك الكلمات، وعلى من أحب ذلك مراجعتها. ومن كلامه في ذلك المؤلف قوله: وكثيرًا ما يضعون من مقداره ويغضون ما رفع الله من مناره منابذةً للحق الأبلج وزيفًا عن سواء المنهج، والذي يقضي به العجب قلة إنصافهم وفرط جورهم واعتسافهم وذلك أنهم لا يجدون زلة من المنتسبين إليه ولا عثرةً إلا نسبوها إليه وجعلوا عارها راجعًا إليه، وهذا من تمام كرامته وعظم قدره وإمامته. وقد عرف من جهالهم واشتهر من أعمالهم أنه ما دعا إلى الله أحد وأمر بمعروف، ونهى عن منكر في أي قطر من الأقطار إلا سموه وهابيًا، وكتبوا فيه الرسائل إلى البلدان، بكل قول هائل يحتوي على الزور والبهتان. ومن أراد الإنصاف وخشي مولاه وخاف، نظر في مصنفات هذا الشيخ التي هي الآن موجودة عند أتباعه، فإنها أشهر من نار على علم وأبين من نبراس على

стр. 394

ظلم، ثم إنه أسهب في بيان عقيدته وما هو عليه، وإنه على ما كان عليه السلف الصالح في الاعتقاد، والمؤلف نفيس ينبغي لمن كرمت عليه نفسه أن يتأمله، فإنه غزير الفائدة ويدل على عظمة مؤلفه ومكانة الرجل في العلم والمعرفة وله أجوبة سديدة نفيسة ومكانة في التوحيد والعلوم. ولما أن كان الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ذات يوم في تدريسه، كان أحد التلامذة يقرأ عليه في مسائل الشيخ إسحاق المشهورة، فأوقف الشيخ عبد الله القارئ وأخذ يثني على الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وجعل يذكر مناقبه ومناقب أبائه وأجداده وأطال في تمجيده، ونوه بذكره والثناء عليه والمترجم فوق ما قيل عنه في العلم والمعرفة، نسأل الله تعالى أن يرفع درجاته في الجنان وأن يسبغ عليه العفو والغفران، إنه جواد كريم. وفيها وقع وباء في مكة المشرفة أيام الحج، مات فيه خلائق كثيرة، نسأل الله العافية وكثيرًا ما يقع الوباء في أيام الموسم لما يتزاحم في تلك البقاع من الخلائق وعدم المكيفات وقلة وجود المضادات للروائح المستكرهة، ولما جرى بعد ذلك في ولاية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن مقاومة لتعفن الجو، زالت بإذن الله تلك المكروبات وتحسن الوضع، وعاش الحجيج يتمتعون بالصحة والعافية وكرم الله أوسع. ولما أن دفعنا إلى ذلك، أحببنا ذكر علماء عنيزة وقضائها الذين استولوا على أعمالها في هذه الفترة. فمنهم الشيخ عبد الله بن حمد بن عضيب الناصري التميمي تولى قضائها سنة ١١١٠ من الهجرة، ثم تولى من بعده تلميذه الشيخ سليمان بن عبد الله بن زامل في سنة ١١٦١ هـ. ثم تولى من بعده الشيخ محمد بن إبراهيم أبا الخيل.

стр. 395

ثم تولى من بعده الشيخ عبد الله بن أحمد بن إسماعيل. ثم تولى القضاء من بعده الشيخ محمد بن علي بن زامل المسمى أبو شامة. ثم تولى القضاء بها من بعده الشيخ صالح بن محمد بن عبد الله الصائغ، وكانت وفاته سنة ١١٨٤ هـ. ولما كان بعد وفاته تولى قضائها الشيخ عبد الله بن سويلم وبعده كان على قضائها الشيخ غنيم بن سيف من أهل ثادق. ثم تولى القضاء من بعده أخوه الشيخ عبد الله بن سيف في سنة ١٢٢٥ هـ واستمر في القضاء إلى سنة ١٢٣٠ هـ. ثم إنه تولى القضاء من بعده الشيخ عبد الله بن فائز أبا الخيل من سنة ١٢٤٠ هـ إلى ١٢٤٣ هـ، وتوفى في سنة ١٢٥٠ هـ ﵀. ثم تولى القضاء من بعده الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم القاضي من حين ما بارح سلفه إلى آخر ١٢٥١ هـ. ثم تولى القضاء، فيها العالم العلامة فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين قدس الله روحه، فلبث في القضاء سبع سنين وثمانية شهور، ثم استقال من قضائها في أواخر شعبان سنة ١٢٦٩ هـ. ثم إنه تولى القضاء فيها الشيخ محمد بن إبراهيم السناني ستة شهور. ثم تولى القضاء فيها الشيخ علي بن محمد الراشد من أهالي الزلفي أصله وولادته في عنيزة، استمر من تخلي سلفه حتى توفاه الله تعالى سنة ١٣٠٣ هـ، فكانت مدته في القضاء ثلاثًا وثلاثين سنة، وكانت وفاته في ٨ شوال من السنة المتقدمة. ثم إنه تولى القضاء من بعده الشيخ عبد العزيز بن محمد بن مانع إلى سنة ١٣٠٧ هـ. ثم إنه تولى القضاء بعده الشيخ صالح بن قرناس من أهل الرس ثمانية شهور.

стр. 396

ثم تولى القضاء بعده عبد الله بن عائض عشر سنين، وتوفى فجأة في المقبرة بعدما عزل بأربع سنين. ثم تولى القضاء فيها الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر من سنة الطرفية المذكورة إلى سنة ١٣٢٤ هـ. ثم إنه تولى القضاء فيها الشيخ صالح بن عثمان القاضي إلى سنة ١٣٥١ هـ. ثم إنه كان القاضي بعده الشيخ عبد الله بن محمد بن مانع. وفيها من العلماء الذين لم يتولوا قضائها الشيخ علي بن محمد السناني، والشيخ صالح بن عبد الله البسام، والشيخ عبد العزيز بن زامل السليم، والشيخ محمد بن عبد الكريم الشبل، والشيخ ناصر بن عبد الله بن سعدي، وابنه عبد الرحمن بن ناصر العالم المشهور، وعلي بن ناصر بن وادي، والشيخ عثمان بن صالح القاضي، والشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع مدير المعارف السعودية سابقًا، وسنذكر ما تيسر من تراجمهم فيما بعد من سني هذا التاريخ إن شاء الله تعالى. أما قضاة بريدة وعلماؤها فمنهم الشيخ القاضي عبد العزيز بن سويلم من أهل الدرعية، تولى قضاء بريدة في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وعهد نجله الإمام سعود بن عبد العزيز. ثم تولى قضائها بعد ذلك الشيخ عبد الله بن صقية في أول إمارة عبد العزيز المحمد آل عليان، واستمر في القضاء عشر سنين، وكان من تلامذة الشيخ قرناس، ثم توفى في سنة ١٣٥٦ هـ، فتولى القضاء بعده الشيخ سليمان بن علي بن مقبل، وطالت مدته ثم عزل سنة وجعل مكانه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، ثم عزل وأعيد الشيخ سليمان بن مقبل، ثم عزل وأعيد بن سليم، ثم عزل وأعيد بن مقبل، فاستمر حتى ذهب إلى مكة المشرفة وجاور فيها كما قدمنا، وكان قد استناب الشيخ محمد بن عمر بن سليم، ثم كتب له بعد ذلك يخبره أنه قدم استقالته وأنه قد عزله عن النيابة وذلك لأن الشيخ سليمان قد أسن وكبر.

стр. 397

ولما أن استقال رجع إلى وطنه البصر وسكنه حتى مات، رحمة الله تعالى عليه في سنة ١٣٠٤ هـ. ومن علماء بريدة محمد بن إبراهيم بن عجلان في آخر القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر تقدم ذكر جم غفير منهم. وسيأتي في تاريخنا هذا ما هو من أعجب العجاب في ذكر العلماء، فعليك أن تلقي السمع وترى بعين البصيرة ما أنتج القصيم، بل ما أنتجت نجد من العلماء الفطاحل لتقارن بين الأزمان وترى أن الله تعالى ابتلى المسلمين بذهاب علمائهم بحيث يقتطفهم الموت وهم في سن الشباب والكهولة، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ومن علماء الدين الشيخ عبد الله بن حسين بن صالح أبا الخيل، كان زاهدًا ورعًا وموطنه قرية المريدسية، وكان في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر، ووفاته قريبًا من ربع القرن الأول، ومنهم الشيخ عيسى الملاحي ووفاته في منتصف هذا القرن. أما أمراؤها فمنهم الأمير حجيلان بن حمد آل عليان، تولى إمارتها مستقلًا فيها زمنًا طويلًا، ثم إنه خضع لإمامة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، فلبث أميره فيها وأمير نجله سعود وعبد الله بن سعود حتى عاث إبراهيم باشا في نجد بالفساد، وقتل العلماء والأمراء، فحمل معه حجيلان أمير القصيم وتوفى في المدينة عن عمر فوق الثمانين، وكان شجاعًا مقدامًا، استطاع أن يتقلب في الإمارة ما يزيد عن خمسين سنة، ومن صرامته وشجاعته أنه لما زحف سعدون بن عريعر معه بنوا خالد والظفير وبوادي شمر وبوادي عنزة، ونزل ببريدة وحاصرها وقد خان بعض أهلها البلد برئاسة سليمان الحجيلاني ورجال آخرين، مضى الأمير حجيلان فضرب عنق سليمان وقتله، فسكتت المتحركات وثبت معه أهل البلد، فلبث سعدون محاصرًا لبريدة مدة أشهر تزيد على أربعة، ويجري فيها وقعات، غير أنه لم يحصل على طائل. ولما أن كان سعدون ومن معه من الجنود ينتظرون بفارغ الصبر تسليم بريدة، إذ بضرب الدفوف في ليلة من ليالي الحصار، فسأل سعدون ما هذا فقيل له هذا

стр. 398

لزواج الأمير حجيلان في هذه الليلة، فعلم سعدون أن أمير بريدة وأهاليها لم يعبؤوا به، وإنهم ممتنعون، فارتحل عنها وتفرق الذين معه، وسار ونزل قرب الزلفى، فالتف إليه جموع فأقام على ذلك أيامًا ثم رحل ونزل مبايض يدير الرأي ومن معه في أي بلد يسطون. تنبيه قد ذكرنا فيما تقدم أن جيش الملك عبد العزيز الذي زحف به من الكويت لفتح الرياض أربعون رجلًا، وبما أن هؤلاء النقباء قاموا بأمر يشكرون عليه، فإنا سنورد أسمائهم، وهؤلاء هم: أخو جلالة الملك محمد بن عبد الرحمن بن فيصل، عبد الله بن جلوي، عبد العزيز بن جلوي، عبد العزيز بن مساعد بن جلوي، ناصر بن سعود الفرحان، سعود بن ناصر الفرحان، فهد بن جلوي آل سعود، عبد الله بن صنيتان، فهد بن إبراهيم المشاري، عبد العزيز بن عبد الله بن تركي، فهد بن معمر، عبد اللطيف بن معشوق، محمد معشوق، فهيد بن معشوق، سعد بن بخيت، عبد الله بن عسكر، صطام أبا الخيل، فرحان بن سعود، مطلق بن عجيان، محمد بن هزاع، مسلم بن مجفل السبيعي، إبراهيم النفيسي، عبد الله الهزاني، محمد بن شعيل، عبد الله بن عبيد، عبد الله بن جريس، فيروز العبد العزيز، معضد بن خرصان الشامري، يوسف بن مشخص، عبد الله بن خنيزان، مسعود بن مبروك، ناصر شامان، مطلق المغربي، سعيد بن بيشار، فلاج بن شنار الدوسري حزام العجالين الدوسري، منصور بن محمد بن حمزة، فهد بن الوبير الشامي، منصور بن فريج، زيد بن زيد، صالح بن سبعان، ماجد بن مرعيد. وكان لما وصل إلى الموضع الذي يبعد عن الرياض مسافة ساعتين على الأقدام، ترك المطايا والخيل هناك وجعل عنيها معضد بن خرصان، ومسلم بن مجفل، وحامل الراية عبد اللطيف بن معشوق وقال لهم: إن ارتفعت الشمس ولم يأتكم منا أحد فانهزموا حيث شئتم، فإنا إذًا مقتولون، وإن أظفرنا الله بمطلبنا واستولينا على

стр. 399

البلد فإني سأبعث لكم فارسًا يلوح لكم بثوب، ثم إنه بعد ما نصره الله لم يقتل من أصحابه إلا اثنين زيد بن زيد، وفهد بن الوبير، وجرح ثلاثة وهم عبد العزيز بن مساعد وإبراهيم النفيسي وصالح بن سبعان، ذلك بأن الحامية قامت تمطرهم بالرصاص، وكان لما أن نفلت عجلان، جريحًا دخل في مسجد القصر، فلاحقه عبد العزيز وأطلق عليه خمس رصاصات قضت عليه. وبذلك نختم المجلد الأول من تاريخنا والله المستعان وعليه التكلان. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم آخر الأول والحمد لله بنعمته تتم الصالحات آخر المجلد الأول ويتلوه إن شاء الله المجلد الثاني، ومبدؤه ثم دخلت سنة ١٣٢٠ هـ.

стр. 400

تَذكرَة أولي النُّهى والعرْفان بأَيَّام اللهِ الواحِد الديَّان وَذكرَ حَوَادِث الزّمَانِ تألِيف فضِيْلَة الشِيّخ إبراهِيم بن عبيد آلَ عَبْد المحسن مِن عُلَماء أهل القَصيِم الجزء الثّاني مَكْتَبة الرُّشْدِ نَاشِرُونَ

стр. 401

ح مكتبة الرشد، ١٤٢٧ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر آل عبد المحسن، إبراهيم عبيد تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الواحد الديان وذكر حوادث الزمان. / إبراهيم عبيد آل عبد المحسن.- الرياض، ١٤٢٧ هـ ٣٣٦ ص؛ ١٧× ٢٤ سم ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) x -٦٢٠ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٢) ١ - التاريخ الإسلامي ديوي ٩٥٣ ٢ - التراجم أ- العنوان ٤٧٩٢/ ١٤٢٧ ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٤٧٩٢/ ١٤٢٧ x - ٦٢٠ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٢) جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م مكتبة الرشد - ناشرون المملكة العربية السعودية - الرياض شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز) ص. ب.: ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٣٣٨١ E-mil: alrushd@alrshdryh.com Website: www.rushd.com فروع المكتبة داخل المملكة * الرياض: فرع طريق الملك فهد: هاتف: ٢٠٥١٥٠٠ - فاكس: ٢٠٥٢٣٠١ * فرع مكة المكرمة: شارع الطائف: هاتف: ٥٥٨٥٤٠١ - فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦ * فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري: هاتف: ٨٣٤٠٦٠٠ - فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧ * فرع جدة: ميدان الطائرة: هاتف: ٦٧٧٦٣٣١ - فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤ * فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة: هاتف: ٣٢٤٢٢١٤ - فاكس: ٣٢٤١٣٥٨ * فرع أبها: شارع الملك فيصل: تلفاكس: ٢٣١٧٣٠٧ * فرع الدمام: شارع الخزان: هاتف: ٨١٥٠٥٦٦ - فاكس: ٨٤١٨٤٧٣ * فرع حائل: هاتف: ٥٣٢٢٢٤٦ - فاكس: ٥٦٦٢٢٤٦ مكاتبنا بالخارج * القاهرة: مدينة نصر: هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ - موبايل: ٠١٠١٦٢٢٦٥٣ * بيروت: بئر حسن: هاتف: ٨٥٨٥٠١/ ٠١ - موبايل: ٥٥٤٣٥٣/ ٠٣ - فاكس: ٨٥٨٥٠٢/ ٠١

стр. 402

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين ثم دخلت سنة ١٣٢٠ ه ـ استهلت هذه السنة والحرب مشمرة عن ساقها بين عبد العزيز بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن متعب بن رشيد، هذا يدافع عن كيانه وذاك يريد نزع الملك منه وأخذ بلاد أبائه وأجداده، وكانت نجد كلها إذ ذاك تحت سلطان بن متعب، فما حصل خصمه إلا على الرياض وما وافقه من جريانه، فلما كثر ظلم آل رشيد وأمرائهم واشتدت أذيتهم للمسلمين في أموالهم ودمائهم لما يعاملهم به عبد العزيز بن متعب من الغشم والقهر، رماه الله بهذا الخصم الذي ما يزال يدبر الحيلة ويجيش الجيوش حتى قتله الله على يديه بعدما خسر نصف ملكه، وفي ذلك عبرةً لمن يخشى أن يظهر هذا الشاب من بلاد الكويت في ضعف وقلة بجيش عدده أربعون رجلًا على إبل ضعيفة قليلة، فما زالت الفتوحات تترى حتى اتسعت رقعة ملكه، واستلم زمام الملك وانتزعه من يد ابن رشيد مع كثرة جيوشه وشدة بأسه وفتكه. ذلك لما قام بالملك ابن سعود من تعظيم العلماء وإكرامهم والرأفة بالفقير والشفقة على الرعية عكس ما عليه خصمه القاسي الألدّ من الأمور الشنيعة، وكان يحتقر ابن سعود وشأنه وما كان يظنه شيئًا مهمًا كان في حساباته. وقد كانت الملوك الحية من المتقدمين لا يؤمرون متكبرًا لأنه يستهين بالعدو ويحتقره حتى يصطلمه. ثم إنه قام الشاب الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن فأغار في أوائل هذه السنة مرتين على قبائل من قحطان كانت نازلة حلبان في أطراف نجد، فأخذهم ولكنه مرض في هذه السنة، وكان مرضه في الغزوة الثالثة وهي على ماء الحسي شمالي مكان قرب الشعرى، بينه وبين الرياض نحو من ثلاثمائة ميل، أعني قدرًا من خمسة

стр. 403

عشر يومًا للركاب، وكذلك القدر الذي بين الرياض ووادي الدواسر على مثل ذلك، وكان ابن رشيد مقيمًا على الحفر إذ ذاك، فلما رأى من ابن سعود ما لم يكن في حساباته بعد أن يئس من وعود الأتراك، وحيّره ما صنع هذا الشاب وبهت مما فعل، لوى عنانه راجعًا إلى حائل ليقضي على حركان ابن سعود بزعمه فقدمها، وعبأ جيشًا جديدًا وتجهز للحرب جامعًا جنوده من شمر والقصيم وسدير والوشم وغير ذلك، ثم إنه زحف في ربيع الأول من هذه السنة بجيوشه إلى الرياض وقد آلى على نفسه أن لا يدخل حائل حتى يقضي على حركته. ذكر رجوع الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلى الرياض بعد إقامته في الكويت لما أن علم عبد العزيز بن عبد الرحمن بخبر ابن رشيد، وأنه تجرد لمقابلته، أرسل إلى والده في الكويت يذكر له أن الحرب قائمة وأن الصالح تقتضي أن يكون الإمام عبد الرحمن في الرياض مقيمًا، فعند ذلك أقبل والده مسرعًا وغزا في طريقه قبائل من الظفير وشمر الموالين لابن رشيد، وخرج جلالة الملك عبد العزيز ورجاله يستقبلونه من مسافة ثلاثة أيام، فدخلها بعدما بارحها منذ إحدى عشرة سنة. ثم إنه جرى بينه وبين والده خلاف نادر المثال فقد أرسل عبد العزيز من القصر إلى والده في بيته في الرياض، يقول الإمارة لكم وأنا جندي في خدمتكم، فأبى ذلك الإمام عبد الرحمن واستدعى بالعلماء فجمعهم وأخبرهم بالأمر، ثم استدعى بالابن، فلما حضر بين يديه تكلم عبد الرحمن قائلًا: إذا كان قصدك في استدعائي إلى الرياض لأتولى الإمارة فيها فهذا غير ممكن ولا أقبله مطلقًا، ولا أقيم هنا إذا ألححت فيه، فقام العلماء على عبد العزيز وقالوا له: على الابن أن يطيع والده، وقالوا لعبد الرحمن: أنت والد عبد العزيز رئيس عليه، فأجاب الإمام عبد الرحمن: ولكن الإمارة تكون لعبد العزيز، فقال عبد العزيز: إني أقبلها بشرط أن يكون والدي مشرفًا على أعمالي دائمًا، فيرشدني إلى ما فيه خير البلاد، ويردعني عما يراه مضرًا في مصالحها.

стр. 404

كذلك تمت البيعة لعبد العزيز. ولما أن زحف ابن رشيد بجيوشه نزل في رغبة من بلدان المحمل، وقصده محاصرة الرياض، فأرسل سالم بن سبهان بجيش من قحطان إلى ضرمة ليهجم عليها من الجنوب الغربي، وأمر الحازمي أن يستنهض العجمان وآل مرة بموازاة الحكومة فيهجمون من الشرق الجنوبي، فحينئذ أرسل عبد العزيز بن سعود أخاه محمد وعبد العزيز بن جلوي إلى تلك النواحي الجنوبية يستنجدان الدواسر وآل مرة، فظفروا بما لم يظفر به الحازمي وأعوانه الأتراك. وكان قد علم ابن رشيد بأنه قد تبع ابن سعود كثيرون من أتباعه وانضموا إليه، فأقام في رغبة شهرين وأسبوعين في الحسي، وهو عاجز عن الهجوم على الرياض، ثم رحل الى الحفر ليحول دون تموين العدو من الكويت، فصار لكل أمير من أمراء العرب دائرة استخبارات، ولكنهم هناك يسمون الأشياء بأسمائها الحقيقية. فلما علم ابن سعود من جواسيسه أن ابن رشيد ينوي أن يصادر الأرزاق التي تجيء الى نجد من جهة الكويت والحسا تذاكر ووالده، فعقدت النية على حيلة تقربه منهم فيتلاحمون وإياه، فإما أن يقضوا عليه أو يحولوا بينه وبين تنفيذ خطته على أقل الأحوال، فخرج عبد العزيز بن عبد الرحمن من الرياض ووجهته الجنوب، وذهب شمالًا إلى مناخ ابن رشيد وأشاع أن ابن سعود خائف من خصمه وأنه فرّ هاربًا. فلما سمع بن رشيد بهذا رحل مسرعًا وأقبل حتى نزل على ماء بيان، ولم يكن بينه وبين الرياض سوى عشرين ميلًا أو أقل، ثم جاءه يقين الخبران الرياض محصنة وأن ابن سعود في حائر سبيع بالخرج، فأمسى ابن رشيد في حيرة مزعجة أبت عليه التقهقر وحالت بينه وبين الهجوم، وقد أمر ابن سعود أميره أحمد السديري، وكان قد جعله قائد سرية في الدلم عاصمة الخرج أن يتأهب للزحف معه إلى الرياض إذا هجم ابن رشيد عليها، أما إذا تجنبها ومشى إلى الخرج فأهل الرياض يتقفونه بالسلاح

стр. 405

وعبد العزيز يفزع إلى السديري في الدلم، وبعد هذه التدابير وكل ابن جلوي بمن كان معه من الجنود فأقامهم في علية وهي جبل بين الحريق والحوطة قريب منها. ثم أرسل أخاه سعد إلى الحريق يستنجد أهلها، وذهب هو للغاية نفسها إلى الحوطة، فبلغه في اليوم الثاني هناك خبر هجوم ابن رشيد على الدلم، فوقع ابن رشيد في هذه الشبكة التي نصبت له، وبادر ابن سعود إلى ذلك المكان وقد جمع جيوشه من أهل الحوطة والحريق، فبلغوا مع من كانوا في جبل علية ألفًا وخمسمائة مقاتل، فاجتمعوا في ماوان على مسافة عشر ساعات من الخرج وسروا، فلما كان قبيل انفجار الصبح إذا بهم في الدلم، وكان ابن رشيد قد نزل نعجان على قدر مسافة ساعتين من البلدة، ولم يعلم بدخول ابن سعود إليها. ولما قدمها ابن سعود قبيل الفجر كان قد مضى عليه أسبوع كامل لم يكتحل جفنه بالكرى ولم يتذوق خلاله طعم الراحة ولذيذ العيش، ولله در القائل: لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابر فوجد فرصة يريح بها بدنه من شدة التعب وعظيم السهر، فدلك جسمه بدهنٍ وملح ونام هادئًا من صلاة الفجر حتى أذان الظهر، ثم استيقظ وأخذ في ترتيب جنده وإعداد العدة لمهاجمة خصمه. ولما كان من العصر أرسل ابن رشيد سرية متكشفة، فخرجت لها خيل ابن سعود فتهاجم الفريقان وتطاردا، فانهزمت خيل ابن رشد، ولما كان في فجر غد ذهب ابن سعود يكمن لابن رشيد، وكان قد علم أن من عادته أن يخرج وبعض رجاله صباح كل يوم فيطوقون في البساتين يرعون إبلهم ويقطعون النخيل، غير أنه لم يخرج كعادته لأنه قد أحس أن ابن سعود في الدلم. ولما أن بعث ابن سعود خيالة للكشف، ذهبوا وعادوا يقولون أنه متحصن في نعجان، فما كان من رأي ابن سعود أن يهجم عليه في النهار لأن خيله قليلة، ولأن الهجوم يبعده عن الحصون، على أن الكشافة لم يصلوا إلى حقيقة الأمر جبنًا منهم أو جهلًا، وحينما عاد ابن سعود إلى البلدة بلغه الخبر أن ابن رشيد قد خرج على

стр. 406

عادته يتجول في النخيل، فبادر ابن سعود إليه بقسم من جيشه، فعند ذلك تقابل الفريقان وتواجه الخصمان خارج الدلم في وسط النخيل، وهذه أول مقابلة بينهما، فوقعت الحرب شديدة، واستمرت ست ساعات حتى غربت الشمس، غير أنها لم تسفر عن شيء يذكر سوى أنه أسر السعوديون جماعة من أهل لبدة قوم ابن رشيد وحصروهم في القصر، ففروا منه في المساء، وطارد ابن سعود ابن رشيد ورجاله، فتقهقر عن معسكره، وقلت الذخيرة التي عند ابن سعود، فنفدت أن كادت، فأرسل يطلب مددًا من الحوطة وطعن ابن رشيد فسار إلى أسفل الخرج جنوبًا فنزل في السلمية التي تبعد عن الدلم ست ساعات، فتقفاه ابن سعود بعد ما أتاه مدد الذخيرة، ونازله في السلمية فأخرجه منها، ولكنه لم يتمكن من تعقبه وإدراكه، وذلك لقلة خيله وركائبه وكثرتها مع ابن رشيد فقد كان جيش الشمري مؤلفًا من أربعة آلاف ذلول وأربعمائة خيال، وجيش ابن سعود لم يتجاوز الألفين ولم يكن معه غير أربعين من الخيل، ومع ذلك هزم ابن رشيد وثبتت سيادته في الخرج بل في النواحي الجنوبية كلها. ثم دخلت سنة ١٣٢١ ه ـ ففيها ارتحل ابن رشيد بعد هزيمته في الخرج عائدًا إلى الحفر، واستأنف الغزو فأغار على عربيدار قرب الكويت، وعلي سبيع في الدهنا، وعلى عتيبة قرب الأرطاوية، ثم باشر محاصرة الكويت، وكان على فرعنته وجبروته. فلما أن حصر الكويت أرسل الشيخ مبارك بن صباح إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن يخبره بصنع الأمير الشمري ابن رشيد، ويستنجده عليه يقول: يا ولدي يا عبد العزيز أن ابن رشيد قد حصر الكويت، هذا وقد كان عبد العزيز مشغولًا بما لديه، فقد عاد إلى الرياض وأقام بها شهر، ثم غزى عرب مطير في الصمان وعتيبة في عرق رغبةً بين الوشم وجبل طويق، لأن بعض القبائل على ولاء ابن رشيد، وقد تشققت القبائل وجعل يغير هذا على هذا، واختلفت الأمة وتفرقت

стр. 407

الكلمة، وكان لكل دولة أعوان وأنصار، ولأن كانت الدولة السعودية أيدها الله ومدّ في نصرها لها حق التقدم والولاية، فإن بهذه الفترة قد تحزب أحزاب لبيت آل رشيد يوالونهم ويخلصون في محبتهم من الأمراء والعلماء، ولهم أتباع وأصحاب يشدون أزرهم ويكثرون سوادهم، وهنا أيضًا منافقون يظهرون مالا يبطنون، ويتربصون الدوائر، وهنا أيضًا همج اتباع كل ناعق. ولما أن جاءت استغاثة مبارك بن صباح بعبد العزيز بن عبد الرحمن يستنجده لأمر دهاه وخطبٌ حل به، ذلك لأن الدولة العثمانية قد حرضت على مبارك سعدون باشا رئيس قبائل المنتفق، وتد تفرق عنه أنصاره، أضف إلى ذلك حصر ابن رشيد له في الكويت، فلم يرى عبد العزيز بدا لما ذكر أيادي مبارك لديه وإيوائه لهم عنده في الكويت، فقام فزعًا بجيوش عظيمة وزحف بعشرة آلاف مقاتل لنجدة ابن صباح، فيا عجبًا من تقلب الدهر مبارك بالأمس ينجده بأربعين بعيرًا لفتح الرياض، فأصبح يطلب منه النجدة فأنجده بهذا الجيش العرمرم، وكان قد عزم عبد العزيز على أن يأتي بمن خلفوا في الكويت من أهليهم وأولادهم وذخائرهم إلى الرياض. ولما أن زحف عبد العزيز بهذا الجيش إلى الكويت رحبت به الكويت وهللت له وأنظم منها إلى جيشه ما كان قد جنده الشيخ مبارك بقيادة ابنه جابر. ثم خرج القائدان عبد العزيز وجابر غازيين طالبين ابن رشيد فانتهزها أهل النفاق والذين في قلوبهم مرض وبعثوا يخبرون ابن رشيد بخلو بلد الرياض من الجند ويستحثونه في القدوم وأن ينتهز الفرصة على حين غفلة من أهلها قد كان أن يكون ذلك لولا أن وقى الله المسلمين شره وردّه الله بغيظه، لم ينل خيرًا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا. ذكر تقدم ابن رشيد إلى الرياض لما زحف ابن سعود ورفيقه بذلك الجيش مؤلفًا من قبائل الإحساء كلها من العجمان وآل مرة وبني خالد وبني هاجر والعوازم والمناصير وسبيع والسهول، فتم

стр. 408

عدده أربع عشر ألف، منها أربعة آلاف خيال، توجه هذا الجيش إلى الحفر، غير أنهم أخبروا أن ابن رشيد قد عاد إلى بلاده، وكان هذا الخبر وافاهم في الطريق بين الكويت والحفر، فهجموا على مطير في الصمان فقتلوهم عن بكرة أبيهم وغنموا أموالهم وأرزاقهم كلها. لكنه مع الأسف لم يعد ابن رشيد إلى بلاده ما هي إلا إشاعات وتعمية للأخبار، بل قد خدعهم وزحف إلى الرياض يريد احتلالها، فوا أسفا إن حلاوة هذا النصر لم تدم على ابن سعود وجابر بن صباح، فقد أتاهم الخبر اليقين، وعندما وصلوا إلى ماء طوال أن ابن رشيد قد خدعهم ومال إلى الرياض، وقد كان مرّ في مسيره بعربان من السهول فضربهم وضمهم إلى جيشه، ثم تقدم مسرعًا يريد أن يفاجيء العاصمة بالهجوم عليها ليلًا، ولما دنى من الرياض وعسكر عند جبل أبي مخروق دون أن يعلم بذلك أحد من أهلها، ثم مشى إليها وأصبح في ظلال نخيلها، عند ذلك شرد رجلٌ من السهول المكرهين ودخل البلد يصيح بالناس قائلًا: العدو بساحتكم ابن رشيد عند السور، فعند ذلك نهض عليه الإمام عبد الرحمن بن فيصل بأهل الرياض وخرجوا للدفاع، فنازلوا خارج السور، فرده الله خائبًا مدحورًا لم ينل طلبه، ثم إنه انتقل بعد ذلك من معسكره في أبي مخروق إلى نخيل يبعد مسافة ساعة عن الرياض، فأقام هناك ثلاثة أيام دون أن يأتي بحركة، وقد أنشأ الشيخ سليمان بن سحمان قصيدة يهنيء بها الإمام المكرم عبد الرحمن بن فيصل بما منَّ الله عليه به من النصر والظفر على هذا العدو في هذه المفاجئة التي حصلت ولم تكن في الحسبان: لك الحمد اللهم يا واسع المجد ... والله أولى بالجميل وبالحمد لك الحمد يا حنان يا واسع العطاء ... لك الحمد حمدًا ليس يحصى بلا حد لقد منَّ مولانا علينا بلطفه ... وإحسانه والله ذو المد والمجد لقد جاءنا الأعداء على حين غفلةٍ ... وفي هجعةٍ من أخر الليل بالجرد على عدة منهم وشدة أهبةٍ ... وغيظٌ وإيعاد عنيفٌ بما يرد

стр. 409

وما كان منا عالم بمجيئهم ... إلينا ولكنا على أهبة تجدي فجاء الطغاة المعتدون بخيلهم ... وجندهم المخذول يمشي على وخد إلى أن غشوا كل البلاد وأحدقوا ... بإرجائها واستنجدوا كل ذي كمد يريدون أن يسطون في البلد التي ... أبى الله أن يسطو به غارة الضد فنبهنا الله اللطيف بفضله ... ورحمته حتى كانا على وعد فثرنا كأسآد الشرى نبتغي الوغى ... إلى السور والأبواب نعدو بلا عد فلله من جندٍ أسودٍ ضراغم ... يسومون في الهيجا نفوسًا بلا نقد مساعير في الهيجاء مداعيس في الوغى ... ليوث شرًا من طبعها الفتك بالضد فلما استحس المعتدون بأننا ... شعرنا بهم هابوا القدوم على الجند ولو قدموا ألفوا رجالًا أعزةً ... قد اعتقلوا بالسمهري وبالهند وبالجميع حول السور دون نفوسهم ... وأموالهم والمحصنات بما يرد فولوا على الأعقاب لم يدركوا المنى ... وصار لهم شأنٌ سوى مرتمى القصد وهمتهم أخذ الحمير وما عسى ... يكون لهم فيها من العز والحمد وساورهم منا أناسٌ أماجد ... قليلون كالآساد لكن بلا وعد ومن غير أمر بالخروج إليهم ... على أهبة تنكي العدو بما يرد فسددهم ربي وأظفرهم بهم ... وأجلوهمو منها على كثرة الجند وفي قلةٍ منا وفي حين غفلةٍ ... وعن كثرةٍ منهم على أهبة تحدي فكر على الأعقاب نحو بنوده ... وثقلته قد آب بالخزي والكمد وقد قتلت أجناده وإصابةٍ ... من العقر في الخيل المطهمة الجرد بما فلّ منه الحد فانثل عرشه ... وصار إلى إفساد زرع وفي وقد فأخرج نحو المفسدين إمامنا ... أناسٌ قليلًا يعتدون على الضد فوافوهم قبل الغروب فأمطرو ... عليهم بصوب المارتين التي ترد فولوا على الأعقاب نحو خيامهم ... وما أحد يلوي علي أحد يجدي وقد قتلوا منهم أناسًا وأثروا ... جراحًا كثيرًا فات عن حصرٍ ذي عد

стр. 410

وقد صح أن القتل من غير مريةٍ ... ثلاثون نفسًا بل يزيدون في العد فأصبح مرعوب الفؤاد مرزءا ... وخالجه رعبٌ فآب علي كمد وفرّ هزيمًا آخر الليل مجنبًا ... كسيرًا ذليلًا خائب الظن والقصد ثم أخذ في مدح الإمام عبد الرحمن بن فيصل وماله من المآثر، وقدم إليه بعض الآراء والنصح إلى أن قال مهنئًا لجلالة الملك عبد العزيز: فمن مبلغ عبد العزيز وجنده ... ومن معه أنا علونا على الضد وما نال إلا الخزي والعار والردى ... وولى على الأعقاب منكسر الحد ليهنك يا عبد العزيز به الذي ... قد اعتز أهل الدين من كل ذي رشد وأكمد أكبادًا وأوهى ذوي الردى ... ومن به المولى علينا من المجد ونصر على الأعداء وهزم جنودهم ... فما شمّر إلا عن الرشد في بعد وما شمر إلا عِدَاةُ ذوي الهدى ... وأنصار أعداء الهدي وذوي الجحد فسر نحو أعداء الشريعة قاصدًا ... بهمتك العليا ولا تأل في الجهد إلى شمّر أعداء دين محمد ... ... ذوي الغدر والمكر المجرد عن رشد وجر عليهم جحفلًا بعد جحفلٍ ... وأرهبهمو بالصافنات وبالجرد فإنك منصورٌ عليهم مؤيد ... وعندهمو من بأسك الخير المردي ولما أن أقام بن رشيد في ذلك الموضع ثلاثة أيام بلغه أن عبد العزيز بن عبد الرحمن زاحف إلى القصيم، فطعن مسرعًا لما سمع بذلك وقصد ناحية الوشم عن طريق ضرمة. وكان الإمام عبد الرحمن بن فيصل قد أرسل سريةً بقيادة مساعد بن سويلم، فاستولت على المحمل والشعيب ثم زحفت إلى شقرا، وكان فيها أمير لابن رشيد اسمه الصويغ، فلما دنا مساعد من البلد، فرّ الصويغ إلى ثرمدا هاربًا، فاستولى مساعد على شقراء برضاء من أهلها، ففي هذه السنة استولى ابن سعود عليها. ولما أن فتحها مساعد زحف وهجم على ثرمدا، فأدرك الصويغ فيها فقتله وقبض على العنقري أمير ثرمدا، فارسله إلى الرياض.

стр. 411

ولما أن جرى من الأمير مساعد بن سويلم ما ذكر من هذه الشجاعة تعقبه ابن رشيد وهجم عليه في ثرمدا، فأخرجه منها وفرّ إلى شقراء فتحصن بها، ولكن ابن رشيد تقفاه أيضًا وحصره فيها، وكان الإمام عبد الرحمن بن فيصل لما كشف بأهل الرياض عبد العزيز بن رشيد، كتب إلى ابنه عبد العزيز يبشره بذلك فلم يشغر إلا بالبشير من جهة أبيه يخبره بهزيمة ابن رشيد عن الرياض، فاطمأن منه البال واهتم في نقل عائلتهم التي كانت لا تزال في الكويت، فعاد بها إلى نجد. ولما أن وصل إلى العاصمة الرياض استراح بها يومًا واحدًا وزحف مسارعًا لنصرة الأمير مساعد بن سويلم لما أن علم أن ابن رشيد قد حصره في شقراء، لأن مساعد بن سويلم البطل الشجاع أصبح قد حصره ابن رشيد في شقراء، ولما أن سار صاحب الجلالة عبد العزيز وبلغ حريملا، علم الطاغية ابن رشيد بزحفه، فقفل إلى الغاط وفك الحصار عنها، ولكن عبد العزيز واصل الزحف إلى شقراء فاحتلها. وكانت سرية ابن رشيد بقيادة حمد بن عسكر أمير المجمعة لا تزال في ثرمدا، فأرسل عليها صاحب الجلالة أميره القائد المحنك عبد الله بن جلوي، فلما جاءهم أعطاهم الأمان، فأبوا إلا القتال، فتقدم إليهم وضربهم ضربةً دحرتهم غير السرية فإنها تحصنت في القصر، فأمر القائد عبد الله بمهاجمتها ليلًا، فكانت النتيجة أن قتل منهم عدد وفرَّ الآخرون، وناهيك بعبد الله بن جلوي صرامةً وشجاعةً وجرأةً، فلما سلمت له ثرمدا رحل الأمير الشمّري عبد العزيز بن متعب بن رشيد من الغاط إلى القصيم، وكان الغاط من بلدان سدير يبعد عن المجمعة مسافة عشرين ميلًا. ولما رحل ابن رشيد ترك سريتين في سدير، إحداهما في المجمعة والأخرى في الروضة، فأرسل الملك عبد العزيز إليهما سرية بقيادة خاله أحمد السديري، فنازلت السرية السعودية سرية الروضة فكسرتها واستولت على البلد ثم مشت في سدير ظافرة، فاستولت على بقية بلدانه ما عدا المجمعة فإنها حافظت على سيادة ابن رشيد، ودافعت دفاعًا شديدًا، ولكنه قنع ابن سعود بما حاز من النصر، فترك سريتين أخريين واحدة في الروضة والثانية في جلاجل، وأمر السديري في شقراء، ثم عاد إلى الرياض، وكل هذه الملاحم العظيمة في هذه السنة.

стр. 412

ولما أن عاد ابن سعود إلى الرياض استراح بها شهرًا، وما كاد يتم الشهر حتى جاءت الأنباء تفيد أن ابن رشيد خرج من القصيم غازيًا، وقصده الهجوم على عتيبة وقحطان، وقد كانتا من قبائل ابن سعود، بعد استيلائه على سدير والوشم، وحاصر ابن رشيد التويم وهي قرية من قرى سدير، فخرج عبد العزيز بن سعود من الرياض مسارعًا بعدما أصدر أوامر إلى أهل الوشم أن يبادروا مع أحمد السديري إلى أنجاد سدير، وعندما وصل إلى ثادق تحقق أن ابن رشيد لم يحصل على طائل في غزوته وحصاره، بل انهزم مشرقًا ونزل على ماء شمالي الأرطاوية. ذكر الاستيلاء على القصيم فنقول: سار عبد العزيز بن عبد الرحمن من ثادق إلى جلاجل، فأقام بها عشرين يومًا يعد القوة لفتح القصيم، فبلغه أن ابن رشيد قد عاد إلى تلك الناحية مارًا بالزلفي، فزحف ابن سعود بجيشه إلى بلد المجمعة عاصمة سدير، وكانت لا تزال مقيمة على ولاء ابن رشيد، وله سرية فيها، فاتفق هو وأهلها على أن يسلموا إذا هو استولى على القصيم، ثم إنه جنّد الجنود وألّف جيشًا قدره سبعة آلاف من المشاة وأربعمائة ذلول فقط، وزحف بهذا الجيش إلى الغاط، ثم إلى الزلفي، وكتب كتابًا إلى الشيخ مبارك بن صباح من هناك يسأله أن يرسل إليه من كانوا عنده من أهل القصيم كآل مهنا وآل سليم وما يستطيعه من المدد، فلما بلغه هذا الكتاب أرسل إليهم وكانوا جالين من القصيم ولاجئين إلى الكويت بعد واقعة المليداء والطرفية، فلما أخبرهم بهذا الخبر كان ينقصهم المال والرجال. وكان في دمشق من الشام كثير من أهل القصيم المعروفين بعقيل، فاقترحوا على الشاعر العوني أن ينظم قصيدة يستثير بها هممهم ويحرك بها سواكنهم بصفته شاعرًا مهيجًا ففعل ذلك، ولما قرأت عليهم القصيدة بكوا وصفوا تجارتهم وتجهزوا وصفوا تحت راية ابن سعود إلى أن تم استرجاع القصيم، وتسمى هذه القصيدة بالخلوج لأنها تخيل ناقة فقدت ولدها، فهي لا تهدأ من الحنين. ولما أن قدموا على ابن سعود كان معيتهم مائتي مقاتل مددًا من ابن صباح،

стр. 413

لأبن سعود، فوافق في هذه السنة قلة أمطار وقحط، فضاق العيش جدًا بسكان الزلفي، ولحق الضيق بالجيش حتى كانوا يأكلون جمار النخيل، فلم يمكن السير إلى بريدة لقلة الزاد والركائب، مع أنه ليس في الطريق بلد يأوون إليه، أضف إلى ذلك أن ابن رشيد له الاستيلاء على القصيم أجمع، فماذا عسى أن يفعل ابن سعود. ولما أن أصبحت الأمور كما ذكر، كتب عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى بعض المواليين له في القصيم يطلب منهم أن يؤلفوا سريات تهجم على بعض البلدان تمهيدًا لدخوله، تفتح له الباب، فلم تتفق المسألة لصعوبة ذلك، فلما تيقن ابن سعود أنه لا يستطيع الهجوم ولا البقاء في الزلفي، اقتضى رأيه الميمون أن يعود إلى الرياض، أما ابن رشيد فإنه رحل من القصيم قاصدًا البطين لعله أن يظفر هناك ببعض عربان ابن سعود، فأقام على ذلك عشرة أيام يفكر في الوسيلة لقطع دابر الخصم، وما أحسن ما قيل في مثل حالته وأشباهها والأمثال تضرب للناس: فوا أسفًا أن لا حياة لذيذةً ... ولا عمل يرضى به الله صالحٌ "بيان" إذا أطلقت السرية فإنها من المائة إلى خمسمائة خيال، والجيش إذا أطلق ما كان أكثر من ذلك، وكذلك إذا أطلق على الأمير الشيخ فإنهم يطلقون ذلك على من كان حاكم في البلد وله السلطة عليها، فكان شيخ الكويت مبارك بن صباح وشيخ قطر قاسم بن ثاني وشيخ المحمرة خزعل بن مرداو وشيخ البحرين عيسى آل خليفة وشيخ نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن، ثم إنهم جعلوا يطلقون على عبد العزيز لفظة الشيوخ. ذكر ذهاب ابن رشيد إلى الدولة العثمانية يجرّها على المسلمين سنة ١٣٢١ ه ـ لما رأى عبد العزيز بن متعب أمور ابن سعود قد نجحت واستصعب عليه أمره، والتفت عليه عشائر نجد، لم يجد مندوحة عن الألتجاء إلى الدولة العثمانية يستنجدها عليه، فأجمع أمره واستعد لحفظ القصيم، فأرسل أربعمائة

стр. 414

من رجاله بقيادة ماجد بن حمود بن رشيد إلى جهة عنيزة، فارسل ثلاثمائة من رجاله بقيادة حسين بن جراد إلى السر وحفظ بريدة بأميره عبد الرحمن بن ضبعان، وأمر حسين بن جراد أن يثبت بسريته في الوشم. ولما أن ضبط القصيم حف أمراءه بالأجناد والأرزاق والذخيرة وشجعهم على الثبات حتى يأتيهم بالعساكر العثمانية. ثم إنه انحدر في ١٠ ذي الحجة إلى أطراف العراق ليستفز شمرًا ويستنجد الأتراك هناك، ولما وصل إلى ساحة بغداد بث رسله إلى باشاتها، فاستجاشها وأثارها بالبخاشيش، فأمدوه بالأجناد وعزموا على نجدته بعساكره مباشرةً ليس إلا، فعند ذلك انتهز الإمام عبد الرحمن بن فيصل هذه الفرصة وأمر ابنه العظيم عبد العزيز بن عبد الرحمن أن يغير بالجنود الحنيفية والجيوش الإسلامية على حسين بن جراد ومن معه من أولئك الأجناد، ومن اجتمع من حرب وسائر الأمداد، فزحف صاحب الجلالة وواصل السير في السرى، فالتقى بحسين بن جراد في موضع السر يوم ١٨ ذي الحجة، ففلّ عليه الراية المنصورة، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ لما خاض حضين بن المنذر براية رسول الله ﷺ السوداء التي كان يستصحبها الصحابة في غزواتهم: لمن رايةً سوداء بخفق ظلها ... إذا قيل قدمها حضين (١) تقدما ويقدمها في الموت حتى يزيرها ... حياض المنايا تقطر الموت والدما فأخذهم الله وقتل منهم مقتلة عظيمة، وقتل حسين بن جراد وأكثر من معه، وغنم عبد العزيز أموالهم وركابهم كلها، وتدعى هذه بوقعة جراد، وكان من نتائجها أنها قسمت قبيلة حرب القيمة بين السر والقصيم، فانحاز منها قسم كثير إلى ابن سعود بعدما كانت كلها تابعة لابن رشيد.

стр. 415

ولما أباد الله خصراهم، قال الشيخ سليمان بن سحمان هذه القصيدة تهنئةً للظافر عبد العزيز بن عبد الرحمن: معالي الأمور الساميات المعالم ... لأهل التقى والجود أهل المكارم وبالحزم للأعداء وبالعزم في الوغى ... تنال العلى بالمرهفات الصوارم وكل معالي الخلتين أخذتها ... ونلت ذراها في الخطوب العظائم وقد فقت أبناء الملوك جميعهم ... بجدٍ وإقدام بكل الملاحم يلاحظك الإسعاد أين تيممت ... بنودك لا يثنيك لومات لائم وما قصرت أعداك في الحزم والدها ... وتقليبهم أفكارهم للمصادم وقد جمعوا جيشًا لهامًا عرمرما ... وصالوا به واستنجدوا كل ظالم ولكن دهاهم من دهائك فتكة ... بفتيان صدقٍ كالأسود الضراغم وحسن رجاء الله فيما ترومه ... بحزمٍ وعزمٍ والوفاء الملازم وصدقٌ وتدبيرٌ وحسن طويةٍ ... حللت به فوق السهى والنعائم ولاحظك الإقبال والعز فاستما ... لك النصر والإسعاف بين العوالم وحلّ بهم ما حل بالناس قبلهم ... قديمًا من الإدبار عند الملاحم لأمر قضاه الله ﷻ .... وليس لأمرٍ حمه من مصادم فسرت إليهم بالجيوش تقودها ... لنفجأهم في غرةٍ بالضياغم لعمري لقد كانوا ليوثًا لدى الوغا ... وليس لهم عند اللقاء من مقاوم أبدت بها خضراهم فتمزقوا ... أيادي سبا واستأصلت كل غاشم وولت على الأعقاب حربٌ وما أرعوت ... ولكنهم باءوا بشر الهزائم وحالت على أبناء حائل وقعةٌ ... أبحت بها خضراهمو بالصوارم وقد غودروا في فيضة السر جثما ... طعام سباعٍ والنسور الحوائم ووالله ما من وقعةٍ قبلها أتت ... عليهم فقد باءوا بإحدى القواصم وأخرى ستدهاهم بها وتسومهم ... وتفجاهم فيها بأسدٍ ضياغم يسومون في الهبجاء نفوسًا عزيزةً ... وترخص منهم في حضور المواسم وتستأصل الأعدا بها وتسومهم ... بها الخسف والإذلال سوم البهائم

стр. 416

بحول الذي فوق السموات عرشه ... ويسعدك الإسعاف في كل ظالم فيا من سما مجدًا وجودًا وسؤددا ... وحل على هام السها والنعائم ليهنك يا شمس البلاد وبدرها .... بلوغ المنى من كل باغٍ وغاشم هنيئًا لك العز المؤثل والعلى ... هنيئًا هنيئًا فحزمًا في العوالم فهذا هو الفتح الذي جلّ ذكره ... وهذا هو العز الرفيع الدعائم فلله من يومٍ عظيمٍ عصيصبٍ ... يشيب النواصي هو له في الملاحم فشكرًا لمنّ أولادك عزًا ورفعةً ... ونصرًا وإسعافًا على كل ظالم فذي وقعةٍ مثلها شاع ذكرها ... ولا مثلها فيهم أتت بالعظائم ولا قبلها كانت عليهم فجائع ... ولا سامهم من قبلها ذل سائم فلا زلت في عز أطيد مؤثل ... وأعدائك في خفضٍ وذلٍ ملازم ولا زلت وطاءً على هامة العدى ... لك النقض والإبرام بين العوالم ولا زلت كهفًا للعناة ومعقلًا ... منيعًا منيفًا في الخطوب العظائم ثم إنه عاد قائد الجيوش العربية السعودية بعد وقعة ابن جراد إلى الرياض وأقام فيها شهر ذي الحجة، وما كاد يتم الشهر حتى زحف في آخره إلى الغرض الأكبر، فأرسل إلى أهل القصيم في شقراء يأمرهم بأن يوافوه إلى ثادق، لأنه يريد أن ينحدر إلى الكويت، ولما شاع هذا الخبر ترك عبد العزيز ثقل أحماله في قصر الجريفة من قصور الوشم وزحف بجيشه مسرعًا إلى ماجد بن حمود بن رشيد في عنيزة، وفي آخر هذه السنة عاد الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليم من النبهانية إلى بريدة، فجرت به ذيول افتخارها وازدهت به مرحًا وابتهجت بقدومه، وكان ﵀ قد ثقل وشقّ عليه المشي لألمٍ في وركيه، سببه أن رجلًا سقط من سطح المسجد على وركيه فأثر ذلك عليه خللًا في الوركين، فكان إذا مشى يجر إحدى رجليه. ثم دخلت سنة ١٣٢٢ ه ـ استهلت هذه السنة والبطلان مصطليان في نار الحرب، ابن متعب قد انحدر

стр. 417

ليأتي بالدولة العثمانية لإبادة خصمه، وعبد العزيز بن عبد الرحمن يهاجم ويسطو ويضم الممالك إلى نفسه. ولما قتل حسين بن جراد وسريته، سار قاصدًا بلدة عنيزة يريد الاستيلاء عليها، ولما وصل إلى ماء الشريمة في وسط النفود، علم بعض من كان معه من البادية أنه يريد ماجدًا في عنيزة، فشردوا عنه، واستمر هو بزحفه لم يبال بهم، غير أنه ضلّ الدليل الطريق فتاهوا في النفود طيلة ذلك الليل، ثم خرجوا منه فإذا بكشافة لماجد، فعندما نزل ابن سعود طيلة ذلك النهار في قصر الحميدية من قصور عنيزة على مسافة أربع ساعات منها. ثم إنه تقدم في ساعة الغروب، فوصل إلى نخل عنيزة، فعسكر هناك وأمر من كان معه من أهل القصيم، وفيهم آل سليم أن يهجموا على أهل عنيزة في تلك الليلة، وقد كان بعض الأعداء فيها مثل آل يحيى وآل بسام الذين لا يزالون إذ ذاك على ولاء ابن رشيد ومحبته، وبغض آل سعود بغضًا كامنًا مع كل من انتسب إليهم، وعندهم سريةٌ من سرايا ابن رشيد رئيسها فهيد السبهان. أما الأمير ماجد فكان نازلًا قرب المريبط وهو باب من أبواب عنيزة، فعند ذلك هجم أهل القصيم أتباع ابن سعود على عنيزة، فاصطدموا بطلائع ابن رشيد من أهلها ومن شمّر، فتلاحم الفريقان وقتل فهيد من ضمن من قتل، غير أن رجاله لم يسلموا، فطلب السعوديون من أميرهم مددًا، فأرسل إليهم مائتي من المقاتلة بقيادة الظافر عبد الله بن جلوي، فلما سمع أهل عنيزة بالنجدة التي جاءت يقودها الأسد في براثنه عبد الله بن جلوي، سلموا في الحال إلى آل سليم. أما ابن سعود فركب بعد أن صلى الفجر على رأس سريةً من الخيل، وقصد المكان الذي فيه ماجد بن حمود الرشيدي، فلما رأى خيل ابن سعود فرَّ هاربًا، فتعقبه ابن سعود واستولى على مركزه بعد أن قتل أكثر قومه، ومنهم أخوه عبيد، ثم عاد ماجد ومعه بضع وعشرون من الخيل والركائب وفيهم نفر من آل سعود الذين كانوا منفيين إلى حائل، جاء بهم ليردوا العدو المنتصر، لأنه إذا عرفهم وهم

стр. 418

من آل سعود قد يمتنع عن القتال فلا يقتل أحدًا منهم، ولكن صاحب الجلالة عبد العزيز لما رأى أهله وقد عرفهم، أمر بعقر خيلهم ليتمكنوا من خلاصهم، وكذلك كانوا فقد فازوا بعد عقر الخيل أثناء المعركة بسعود بن عبد العزيز وسعود بن محمد وفيصل بن سعد، فخلّصوهم من القتل والأسر، ولقبوا بعد هذا بالعرائف والكلمة مأخوذة من قول البدو إذا خسروا في الغزو جمالهم ثم استعادوها فهم يسمونها العرائف، فصار هذا لقبًا يطلقه عبد العزيز على بني عمه سعود العرافة وفيصل العرافة إلى ذلك. ثم إنه فرَّ ماجد بن حمود إلى حائل منهزمًا مقهورًا، وتم فتح عنيزة في خامس محرم سنة ١٣٢٢ هـ، فاقام بها عبد العزيز بضعة أيام ثم زحف بجيشه إلى بريدة، فسلم أهلها ودخلها عنوةً، غير أن الأمير فيها من قبل ابن رشيد وهو عبد الرحمن بن ضبعان تحصن وحاميته بالقصر وسدوا عليهم الباب، فحاصرهم عبد العزيز بن عبد الرحمن، ولكن الأمير عبد الرحمن بن ضبعان بعد ما أغلق القصر أغراه طول القصر وعرضه وحصونه وثبت يقول: نار وجدار وركب ما عنده من القوات حتى لم يقدر أحد من الدنو حوالي القصر، ونبتت الأعشاب على قد متر هناك وما استطاع أحد رعيها في هذا المكان الذي بين القصر والبلد، وناهيك به من أمير حافظ على ولاء صاحبه، غير أنه ما كان ليطيق مطاولة ابن سعود، ولقد اتخذوا له مكائد عظيمة وسردبوا وجعلوا ألغامًا تحت الأرض، ونازله ابن سعود في قصر حذاءه، واشتد الحصار جدًا وضاق على ابن ضبعان وحاميته أمر المعيشة لأنهم استطاعوا أن يطاولوا ابن سعود ثلاثة أشهر، فأكلوا ما ضم القصر حتى أكلوا نوى التمر، وجعلوا يشربون من ماء بئر القصر المالح. واصطنع حداد من رجال ابن ضبعان مدفعًا عظيمًا وحشاه بالبارود وشيئًا من القنابل، فأطلقه وسمع له وجبة عظيمة غير أنه لم يفد شيئًا، وكان هذا الصانع يدعى الأسطا، ومن عزمه أن يهدم البلد بهذا الدفع، فأعمل الدفع مرة أخرى وجعل فيه صاعين من البارود وقنابل، فاطلقه ولما ثار تقطع المدفع وقتله، وكانت

стр. 419

المسبة بين الفريقين والاعتزاز والتعيير مناولةً من أعالي السطوح، وما زالت الحامية تدافع حتى نفد ما عندهم، وكان ابن سعود ينادي الأمير ويتهدده ويتوعده بقوله: يا ابن ضبعان أي شيء تريده من ابن سعود حينما قمت تشاقه في ملكه وملك أبائه وأجداده، فتوكل على الله وارحل فإنك مخطئ، آثم، ، اخرج فلك عهد الله وميثاقه، لأن خرجت لأمننك في نفسك وأهلك ورجالك، فقد رانه في ليلة ثالث عشر ربيع الثاني قدم فارسان من ابن رشيد معهما، كتب لابن ضبعان يحثه على الثبات، ولو ليلتين فإنه جاءه بالعساكر، ولما أن قرب الفارسان لإلقاء الكتب من أعالي حائط القصر، لأن القوم محصورون، رآهما رجل سعودي يدعى أبو قيان فكشفهما في الساعة التي ألقيا الكتب فيها وسقطت في العراء ولم تصل، ولما أفشى أبو قيان خبر الفارسين إلى ابن سعود فتشت الكتب فعلم بعد ذلك أنهما ناديا الحامية وما سمعهم وما علموا بها ولا بالخبر وإلا فلو علموا لثبتوا إلى آخر رمق، ولكن هذا لحسن حظ ابن سعود. ولما أن كان في ليلة ١٥ ربيع الثاني، سلّم ابن ضبعان في الساعة الثالثة ليلًا وجعل ينادي: أين ابن سعود يكلمن؟ فأجابه نعم وما لديك يا عبد الرحمن؟ فقال يا أبا تركي نحن أعذرنا من معزبنا ولم يبق لنا أمل في المقام، فتكلم عبد العزيز يقول: يا أبا عبد الرحمن إن ابن رشيد ذهب وخلى سبيلك فليكلمني معك فلان وفلان فكلموه وطلبوا منه أن يعطيهم عهد الله وميثاقه على دمائهم ورحلهم غير الحلقة والسلاح، فأعطاهم ذلك ونزلوا بوجه الله ثم وجهه، فنقضوا سد الباب وخرجوا آمنين، ووفا بعهده ووعده، وكان خروجهم صبيحة تلك الليلة بعدما ضبط ابن سعود السبل كلها عند خروجهم خشيةً من دسائس العدو، وتم لابن سعود الاستيلاء على القصيم، ولقد كان في استيلائه على نجد مع ما كان لابن رشيد فيها من القوى والعدد والعدة وماله من شدة الفتك والصف من أعظم آيات الله تعالى، وكان قد جرى له فرص يمكنه أن يتدارك الملك قبل ذهابه، ولكن كيف يصنع وسوط القدر يسوقه إلى مراد الله، ومن كان مثله، فإنه لا يملك في الغالب.

стр. 420

وفيها قام الإمام يحي بن محمد حميد الدين بعد وفاة أبيه، فأعاد الكرة على الدرك فحاصرهم في صنعاء حصار دام ستة أشهر حتى أكل أهل المدينة أثناء الحصار لحم البغال والحمير، وأكلوا الفيران، حتى سلم الأتراك الذين فيها ليحيى، وفيهم الأهالي، وكان عددهم لا يقل عن ستين ألفًا، ولكنهم أعادوا بعد ذلك الكرة على صنعاء فتقهقر الإمام وجنوده إلى شهارة فتبعهم العدو إلى تلك المضايق الهائلة، وخسر العدو هناك الحرب، تلك هي وقعة شهارة لم يكن مع الإمام غير ثلاثة آلاف مقاتل غلبوا ثلاثين ألف من الأتراك، وقد حارب وجنوده عساكر الأتراك حتى بالصخور أيضًا يدحرجونها عليهم، وأهل اليمن يحسبون النصر في تلك الوقعة أعجوبة، بل كرامة من كرامات يحيى. وكان يقول في حصاره لصنعاء لمن يحدثه أطعمناهم النار والفار، فسلموا بدون شرط وفاز يحيى في تلك الثورة بأن غنم سبعين مدفعًا وكثيرًا من الذخيرة والسلاح، وهذه نبذة من ذكر يحيى هو صاحب الدهاء والسياسة الإمام يحيى بن الإمام المنصور بالله محمد بن يحيى، بويع بالإمامة في شهر ربيع الأول من هذه السنة يوم الجمعة الموافق لعشرين منه بعد وفاة والده في الشهر المذكور، لأنه توفى قبل أن يختار وليًا لعهده، فاجتمع العلماء والأعيان وأرباب الحل والعقد وأجمعوا على مبايعته بالإمامة لاعتقادهم أنه خير من يستطيع النهوض بأعبائها، ولاستجماعه الشروط الشرعية وهي أربعة عشر، فامتنع في أول الأمر وتردد فأصروا عليه وألحوا ولم يقبلوا له عذرًا فأجابهم إلى سؤالهم ووافقهم، وشروط الإمام عندهم أن يكون ذكرًا مكلفًا حرًا مجتهدًا علويًا فاطميًا عدلًا سخيًا ورعًا سليم العقل سليم الحواس سليم الأطراف صاحب رأي وتدبير مقدامًا فارسًا. أما صفة يحيى: فكان ربعة من الرجال صغير اليد والرجل، أسمر اللون علي الجبين مستدير الوجه قاتمة، له فم كفم الطفل بارز صغير وله منخاران بارزان، الحق أنه دميم، عيناه سوداوان قريبتان من أنف قصير عريض صفته نور يضيء وشرارة في بعض الأحايين رواعة، وله لحية مستديرة سوداء قصيره يتخللها خيوط من

стр. 421

الشيب، وما زال يتقدم حتى أصبح يحكم نحو مليونين ونصف من البشر وكان عنده أربعمائة ألف بندقية وعنده مائتا مدفع متنوعة جبلية رشاشة وجيشه النظامي خمسة آلاف ويستطيع أن يجند ثلاثمائة ألف من المجاهدين، ويصنع له قصر غمدان من صنعاء نوع الفشك والإطلاق كل يوم أربعة صناديق يحتوي الصندوق على ألف فشقة وكانت جنوده تجلب الرصاص ويستخرجون من أرضهم ملح البارود وكان يقول عندنا المدافع والرجال وعندنا فوق ذلك المال. نعم كان عنده كنوز عظيمة مرصودة فهو غني جدًا عنده في كل بيت من بيوته في بئر الغرب خزنة من الذهب والفضة لذلك تسمع الحرس في الليل يتبادلون كل ساعة كلمة الأمان. وعنده في شهارة في قنن الجبال هناك كنوز لا يعرف الطريق إليها سواه. وإذا كانت الطريق، فالحجر الذي هو باب الكنز لا يعرفه سواه، وإذا عرف الحجر فلا يستطيع أن يرفعه أحد سواه لأنه موضوع في شكل سره مفتاحه عند الإمام، وكان أهل الجبال يعدون له كرامات وخوارق عادات، كما جهل عليه مرةً أعرابي من جنده وجعل يتهدده خارج القصر بالبندقية، فطل عليه يحيى وقال في رأسك، فلما كان من آخر النهار، نام الأعرابي وقد جعل البندقية معه طولًا فيها طلقًا فتحرك في نومه فوافق الريشة فثارت في رأسه، فكان يغتر بذلك وأشباهها من الأمور من يعتقد فيه، ولولا أنه كان بخيلًا لكان له حالة ليست لغيره وتقريب المسألة أنه داهية مخادع بحيله العجيبة ونكته البديعة الغريبة. ذكر واقعة البكيرية والشنانة وما جرى فيهما من الخطب الفادح قد تقدم ذكر ذهاب ابن رشيد في آخر السنة التي قبلها وسيره إلى العراق والتجائه إلى الدولة العثمانية، ولما أن استنجدها واستنفر شمّرًا هناك انضاف إلى ما خالط الأتراك من الاضطراب الشديد، خضوع القصيم لابن سعود الذي تعده من جملة الممالك، فعند ذلك أجابت الدولة طلب ابن رشيد وذلك منها أنها لما رأت أنه

стр. 422

قد وقع بين العرب حروب عديدة وملاحم شديدة، طمعت في بلاد العرب بواسطة الانتصار لعبد العزيز بن رشيد على خصمه، كما أخذت الإحساء والقطيف بغيًا وعدوانًا بواسطة الانتصار لعبد الله بن فيصل على أخيه سعود، وقد كان من المعلوم أنها لا تمشي مع أحد لحظ نفسه وإنما تمشي لحظ نفسها، ولكن لا يشعر تائه بمصابه لأنه دخل الأمر من غير بابه. وقد كانت الدولة لم تكن تحسب لابن سعود حسابًا قبل استيلائه على القصيم الذي تراه بعين التعظيم، بل كانت تود إيجاد خصم لابن رشيد في نجد ليبقى صديقها ابن رشيد محتاجًا إليها، وكانت ترجح عدم الاصطدام مع صاحب الكويت خشيةً من التحامها مع بريطانيا العظمى، فأما إذا قام ابن سعود على استيلاء القصيم وتم له ملكه فلم يكن لها بد من مباشرة قتاله ومقابلته وجهًا لوجه، فقامت وأمدت ابن رشيد بأحد عشر طابورًا من العساكر وقدرها تقريبًا من ثمانية آلاف وثمانمائة، وامدته بأربعة عشر مدفعًا، وأمدته بما لا يحصى من الذخيرة والمؤنة والنقود، فأضاف إلى تلك القوة كل ما استطاع أن يجمعه من قبائل شمّر وغيرها، وأتى بتلك الجيوش العظيمة يجرها إلى نجدى، وصادر جمال العقيلات لتحمل هذه الجيوش والمعدات إلى القصيم، فأقبل بتلك الجنود التي كالجبال. ولقد حدثني من حضر الوقعة بأنه بلغ جيشه ثمانية عشر ألف مقاتل مجهزًا هذا الجيش بكل ما يستطاع، فأقبلت هذه الجموع يقودهم البطر والطغيان وإرادة أهل الإيمان بالقهر والهوان، وظنوا أنهم لمن عداهم من الناس سيقهرون، ولمن حاربهم من البشر سيغلبون والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم شعرًا: فجائوا بأسباب من الكيد مزعجٍ ... مدافعهم يزجى الوحوش رنينها ومهما كانت الأحوال والظروف فإن ابن رشيد قد جاء بالقوة التي لا تغالب بزعمه ونزل في قصيبا. ولما أن نزل في قصيبا أمر بتجارب المدافع وتهيئتها، فلما أطلقت وسمع لها

стр. 423

دوي عظيم، وثار قتام الأرض، قال لرجل من أهالي القصيم يدعى الفداغي: أتيت لأخذ بلدك وهتكها فسكت، فقال لم لا تتكلم؟ فقال: إن شاء الله، قال: وتقول إن شاء الله! فكأنك بنساء أهل القصيم تتواثب عليها رجال الدولة كما تتواثب القعوسة على النواة، فتكلم ماجد بن حمود قائلًا لا يا عبد العزيز فإني أسأل الله إن كان هذا قصدك أن لا ييسر أمرك ولا يبلغك مقصدك وأن يجعلني أول قتيل. ثم إنه زحف يريد بريدة فوافته السرية التي أميرها ابن ضبعان قد طردت من بريدة، فعاتب أميره ابن ضبعان ونتف لحيته ولعن حيه وميته، ولما اعتذر ببطئه عنهم وأنه أوشك ومن معه على الخمود من الجوع، عذره ووالي الزحف ليهجم من الجهة الغربية على بريدة فنزل القرعاء، فلما علم ابن سعود وما أبرمه من الكيد كان إذ ذاك في إمارة بريدة صالح الحسن بن مهنا فصيح بالنفير العام وأخلى ابن سعود بريدة وثار بجموعه من أهل الرياض والقصيم وغيرهم ثورة الأسود من غابها، وكان قد ألف جيشه من أهل العارض والقصيم والبادية ومن انضم إليهم وهم قليل بالنسبة إلى جيش العدو، فزحف بهم ونزل البصر وهي خب من خبوب القصيم، فنقل ابن رشيد من القرعاء إلى جهة البكيرية، فنزل الشحية فنقل ابن سعود ونزل البكيرية. ولما أن كان في غرة جمادى الأولى من الغد في منتصف النهار، ولم يجري حركة من الطرفين، ظن المسلمون أنه لا يكون في ذلك الوقت قتال، فتفرقوا في النخيل والأشجار، فعندما انتهز ابن رشيد هذه الفرصة وعبأ عساكره وجنوده ونشر راياته وبنوده، وجائوا كما قال الله تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، فوقعت بين الطائفتين وقعة عظيمة وملحمة جسيمة، واصطدمت الجيوش صدمة شديدة هائلة، والتحموا وتجالدوا بضع ساعات، وقد تواجه أهل سوريا والعراق بجند ابن سعود، فأطلقت الأطواب والبنادق وكانت ذبحة هائلة، فانكشف جلالة الملك عبد العزيز وأهل العارض بعد أن جائتهم الخيل من خلفهم وذلك لأن المسلمين نهضوا إليهم على غير تعبئة.

стр. 424

وكانت العساكر والجنود الطاغية قد نهضوا بأجمعهم في نحر أهل العارض ومن معهم من أهل النواحي بحيث أن ابن رشيد قد جعل الناظور في عينيه وأمر جنوده أن يركبوا القوة كلها على راية ابن سعود نفسها، فانحسب ليس معه من خيالته سوى عشرين فارسًا، وقتل من جيشه تسعمائة مقاتل، منهم ستمائة وخمسون من أهل العارض، وأصيب جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بشظايا قنبلة في يده اليسرى. ولما كان في آخر النهار قبل غروب الشمس، ظهرت جموع أهل القصيم بقيادة صالح الحسن وهم لا يعلمون بانكشاف العارض لأنهم كانوا في ضب منخفض، فحملوا على العساكر العثمانية والجنود الرشيدية فهزموهم شر هزيمة وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهناك أبدى أهل القصيم بسالة وشجاعة في كبح هذه الجنود المتضافرة من أجناس شتى وضربوهم ضربات أوقفتهم عند حدهم مرات وحملت العدو خسائر فادحة، وقد انضم بعض أهل الرياض إلى أهل القصيم، فعند ذلك أخذ السعوديون خيام العدو ومدافعهم ومطارحهم، وقتلوا منهم خمسمائة من أهل الجبل، من أعيانهم ماجد بن حمود بن رشيد وعبد العزيز بن جبر وأربعمائة من العساكر من أعيانهم أربعة ضباط من كبار العساكر، ووقع ابن رشيد من فرسه فطاحت عليه الفرس فآلمته آلمًا شديدًا غير أنها لم تقعده، ثم هجم أهل القصيم وعرب مطير بقيادة عبد العزيز بن جلوي على جناح العدو فبعجوه، ثم أغاروا على بادية شمّر فغنموا أرزاقها ولكن الشمّريون هجموا أيضًا على معسكر ابن سعود، فنهبوه واحدة بواحدة وتمت الهزيمة على الجانبين سواء بسواء. ثم إن أهل القصيم رجعوا إلى مركز ابن سعود، فوجدوا فيه المدافع وثلاثمائة من عساكر الأتراك، فتواقعوا وإياهم فقتلوهم وغنموا المدافع، وظلوا في البكيرية، ولما طلبوا إمامهم وفتشوا فلم يجدوه وأين هو؟ فقد هرب إلى حوالي المذنب ويحق له ذلك لأن العدو صدق عليه الحملة بالعساكر، فحمل أهل القصيم الأسلحة الخفية وعادا إلى بريدة وعنيزة.

стр. 425

ثم إنهم أرسلوا في طلب الإمام عبد العزيز، فأدركوه وأخبروه بظفرهم والنصر الذي انتصروا على العدو، وألحوا عليه بالرجوع قائلين: يا عبد العزيز اتق الله ولا تفرَّ وتدعنا لابن رشيد ينكل بنا فقد ناصرناك، وإن ظفر بنا أهلكنا، فأشكل عليه الأمر وأحب أن يطلع على حقيقة غايتهم، فقال: اثبتوا مكانكم فإني سأستفزع أهل نجد وأرجع إليكم، فبعثوا له الرسل والكتب يقولون: إذا أنت رحلت فلا يستقيم بعدك أمر، وإذا رجعت نحن نعاهدك في السراء والضراء، نقدم أنفسنا وأموالنا وأولادنا بين يديك لنحمي أوطاننا أو نموت جميعًا، وكانت الأمة قد اجتمعت في عنيزة على ساقته، فرجع إليهم عبد العزيز وخرجوا لاستقباله فرحين مستبشرين حتى خرجت المخدرات يصفقن ويغنين، فقدموا المال والرجال، ولما بلغ الخبر أهل نجد جائوا مجاهدين وأقبلت عتيبة ومطير بأجمعها فانضموا إليه حتى اجتمع لديه في ستة أيام أثنا عشر ألفًا من المقاتلة، فزحف بهذا الجيش الخميس إلى البكيرية، يريد أن يهجم على ابن رشيد فيها ولكنه كان قد رحل منها في اليوم السابق، وهجم على الخبراء وفيها سرية لابن سعود، فعند ذلك دافع أهل الخبراء مع الجنود الحامية دفاعًا شديدًا، وقد شدَّد عليهم عبد العزيز بن متعب الوطأة بما لديه من البأس والصلف وحصر الخبراء وأطلق عليه المدافع التي ظلت قنابلها طيلة ذلك النهار تضربها، ولكن ثبتوا له ثبات الأسود في غابها ولم تؤثر مدافعه فيها مع ضخامتها وقوتها، ولقد كان يوالي إطلاق المدافع عليها، ومع ما هم فيه من الوباء الذي سرى فيهم من عساكر الأتراك الذي رماهم الله به وساقه عليهم فإنهم ثابتون وللعدو مصابرون. ولما علم ابن رشيد بزحف ابن سعود إلى البكيرية أهمه أن يهجم عليها وهي مركزه العام للجيش وفيها ذخائره وعتاده، فأرسل إليها سرية كبرى بعدها سرية وسريه حتى أرسل إليها ألفًا وخمسمائة خيال بقيادة سلطان بن حمود بن رشيد، فتصادموا بخيالة ابن سعود وهي ستمائة وخمسون عند انفجار الصبح قرب البكيرية فكانت الهزيمة على سلطان بن رشيد وجنوده، ثم دخلها ابن سعود وفتك بحامية
следующие страницы →