← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الشيب، وما زال يتقدم حتى أصبح يحكم نحو مليونين ونصف من البشر وكان عنده أربعمائة ألف بندقية وعنده مائتا مدفع متنوعة جبلية رشاشة وجيشه النظامي خمسة آلاف ويستطيع أن يجند ثلاثمائة ألف من المجاهدين، ويصنع له قصر غمدان من صنعاء نوع الفشك والإطلاق كل يوم أربعة صناديق يحتوي الصندوق على ألف فشقة وكانت جنوده تجلب الرصاص ويستخرجون من أرضهم ملح البارود وكان يقول عندنا المدافع والرجال وعندنا فوق ذلك المال. نعم كان عنده كنوز عظيمة مرصودة فهو غني جدًا عنده في كل بيت من بيوته في بئر الغرب خزنة من الذهب والفضة لذلك تسمع الحرس في الليل يتبادلون كل ساعة كلمة الأمان. وعنده في شهارة في قنن الجبال هناك كنوز لا يعرف الطريق إليها سواه. وإذا كانت الطريق، فالحجر الذي هو باب الكنز لا يعرفه سواه، وإذا عرف الحجر فلا يستطيع أن يرفعه أحد سواه لأنه موضوع في شكل سره مفتاحه عند الإمام، وكان أهل الجبال يعدون له كرامات وخوارق عادات، كما جهل عليه مرةً أعرابي من جنده وجعل يتهدده خارج القصر بالبندقية، فطل عليه يحيى وقال في رأسك، فلما كان من آخر النهار، نام الأعرابي وقد جعل البندقية معه طولًا فيها طلقًا فتحرك في نومه فوافق الريشة فثارت في رأسه، فكان يغتر بذلك وأشباهها من الأمور من يعتقد فيه، ولولا أنه كان بخيلًا لكان له حالة ليست لغيره وتقريب المسألة أنه داهية مخادع بحيله العجيبة ونكته البديعة الغريبة. ذكر واقعة البكيرية والشنانة وما جرى فيهما من الخطب الفادح قد تقدم ذكر ذهاب ابن رشيد في آخر السنة التي قبلها وسيره إلى العراق والتجائه إلى الدولة العثمانية، ولما أن استنجدها واستنفر شمّرًا هناك انضاف إلى ما خالط الأتراك من الاضطراب الشديد، خضوع القصيم لابن سعود الذي تعده من جملة الممالك، فعند ذلك أجابت الدولة طلب ابن رشيد وذلك منها أنها لما رأت أنه

стр. 422

قد وقع بين العرب حروب عديدة وملاحم شديدة، طمعت في بلاد العرب بواسطة الانتصار لعبد العزيز بن رشيد على خصمه، كما أخذت الإحساء والقطيف بغيًا وعدوانًا بواسطة الانتصار لعبد الله بن فيصل على أخيه سعود، وقد كان من المعلوم أنها لا تمشي مع أحد لحظ نفسه وإنما تمشي لحظ نفسها، ولكن لا يشعر تائه بمصابه لأنه دخل الأمر من غير بابه. وقد كانت الدولة لم تكن تحسب لابن سعود حسابًا قبل استيلائه على القصيم الذي تراه بعين التعظيم، بل كانت تود إيجاد خصم لابن رشيد في نجد ليبقى صديقها ابن رشيد محتاجًا إليها، وكانت ترجح عدم الاصطدام مع صاحب الكويت خشيةً من التحامها مع بريطانيا العظمى، فأما إذا قام ابن سعود على استيلاء القصيم وتم له ملكه فلم يكن لها بد من مباشرة قتاله ومقابلته وجهًا لوجه، فقامت وأمدت ابن رشيد بأحد عشر طابورًا من العساكر وقدرها تقريبًا من ثمانية آلاف وثمانمائة، وامدته بأربعة عشر مدفعًا، وأمدته بما لا يحصى من الذخيرة والمؤنة والنقود، فأضاف إلى تلك القوة كل ما استطاع أن يجمعه من قبائل شمّر وغيرها، وأتى بتلك الجيوش العظيمة يجرها إلى نجدى، وصادر جمال العقيلات لتحمل هذه الجيوش والمعدات إلى القصيم، فأقبل بتلك الجنود التي كالجبال. ولقد حدثني من حضر الوقعة بأنه بلغ جيشه ثمانية عشر ألف مقاتل مجهزًا هذا الجيش بكل ما يستطاع، فأقبلت هذه الجموع يقودهم البطر والطغيان وإرادة أهل الإيمان بالقهر والهوان، وظنوا أنهم لمن عداهم من الناس سيقهرون، ولمن حاربهم من البشر سيغلبون والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم شعرًا: فجائوا بأسباب من الكيد مزعجٍ ... مدافعهم يزجى الوحوش رنينها ومهما كانت الأحوال والظروف فإن ابن رشيد قد جاء بالقوة التي لا تغالب بزعمه ونزل في قصيبا. ولما أن نزل في قصيبا أمر بتجارب المدافع وتهيئتها، فلما أطلقت وسمع لها

стр. 423

دوي عظيم، وثار قتام الأرض، قال لرجل من أهالي القصيم يدعى الفداغي: أتيت لأخذ بلدك وهتكها فسكت، فقال لم لا تتكلم؟ فقال: إن شاء الله، قال: وتقول إن شاء الله! فكأنك بنساء أهل القصيم تتواثب عليها رجال الدولة كما تتواثب القعوسة على النواة، فتكلم ماجد بن حمود قائلًا لا يا عبد العزيز فإني أسأل الله إن كان هذا قصدك أن لا ييسر أمرك ولا يبلغك مقصدك وأن يجعلني أول قتيل. ثم إنه زحف يريد بريدة فوافته السرية التي أميرها ابن ضبعان قد طردت من بريدة، فعاتب أميره ابن ضبعان ونتف لحيته ولعن حيه وميته، ولما اعتذر ببطئه عنهم وأنه أوشك ومن معه على الخمود من الجوع، عذره ووالي الزحف ليهجم من الجهة الغربية على بريدة فنزل القرعاء، فلما علم ابن سعود وما أبرمه من الكيد كان إذ ذاك في إمارة بريدة صالح الحسن بن مهنا فصيح بالنفير العام وأخلى ابن سعود بريدة وثار بجموعه من أهل الرياض والقصيم وغيرهم ثورة الأسود من غابها، وكان قد ألف جيشه من أهل العارض والقصيم والبادية ومن انضم إليهم وهم قليل بالنسبة إلى جيش العدو، فزحف بهم ونزل البصر وهي خب من خبوب القصيم، فنقل ابن رشيد من القرعاء إلى جهة البكيرية، فنزل الشحية فنقل ابن سعود ونزل البكيرية. ولما أن كان في غرة جمادى الأولى من الغد في منتصف النهار، ولم يجري حركة من الطرفين، ظن المسلمون أنه لا يكون في ذلك الوقت قتال، فتفرقوا في النخيل والأشجار، فعندما انتهز ابن رشيد هذه الفرصة وعبأ عساكره وجنوده ونشر راياته وبنوده، وجائوا كما قال الله تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، فوقعت بين الطائفتين وقعة عظيمة وملحمة جسيمة، واصطدمت الجيوش صدمة شديدة هائلة، والتحموا وتجالدوا بضع ساعات، وقد تواجه أهل سوريا والعراق بجند ابن سعود، فأطلقت الأطواب والبنادق وكانت ذبحة هائلة، فانكشف جلالة الملك عبد العزيز وأهل العارض بعد أن جائتهم الخيل من خلفهم وذلك لأن المسلمين نهضوا إليهم على غير تعبئة.

стр. 424

وكانت العساكر والجنود الطاغية قد نهضوا بأجمعهم في نحر أهل العارض ومن معهم من أهل النواحي بحيث أن ابن رشيد قد جعل الناظور في عينيه وأمر جنوده أن يركبوا القوة كلها على راية ابن سعود نفسها، فانحسب ليس معه من خيالته سوى عشرين فارسًا، وقتل من جيشه تسعمائة مقاتل، منهم ستمائة وخمسون من أهل العارض، وأصيب جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بشظايا قنبلة في يده اليسرى. ولما كان في آخر النهار قبل غروب الشمس، ظهرت جموع أهل القصيم بقيادة صالح الحسن وهم لا يعلمون بانكشاف العارض لأنهم كانوا في ضب منخفض، فحملوا على العساكر العثمانية والجنود الرشيدية فهزموهم شر هزيمة وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وهناك أبدى أهل القصيم بسالة وشجاعة في كبح هذه الجنود المتضافرة من أجناس شتى وضربوهم ضربات أوقفتهم عند حدهم مرات وحملت العدو خسائر فادحة، وقد انضم بعض أهل الرياض إلى أهل القصيم، فعند ذلك أخذ السعوديون خيام العدو ومدافعهم ومطارحهم، وقتلوا منهم خمسمائة من أهل الجبل، من أعيانهم ماجد بن حمود بن رشيد وعبد العزيز بن جبر وأربعمائة من العساكر من أعيانهم أربعة ضباط من كبار العساكر، ووقع ابن رشيد من فرسه فطاحت عليه الفرس فآلمته آلمًا شديدًا غير أنها لم تقعده، ثم هجم أهل القصيم وعرب مطير بقيادة عبد العزيز بن جلوي على جناح العدو فبعجوه، ثم أغاروا على بادية شمّر فغنموا أرزاقها ولكن الشمّريون هجموا أيضًا على معسكر ابن سعود، فنهبوه واحدة بواحدة وتمت الهزيمة على الجانبين سواء بسواء. ثم إن أهل القصيم رجعوا إلى مركز ابن سعود، فوجدوا فيه المدافع وثلاثمائة من عساكر الأتراك، فتواقعوا وإياهم فقتلوهم وغنموا المدافع، وظلوا في البكيرية، ولما طلبوا إمامهم وفتشوا فلم يجدوه وأين هو؟ فقد هرب إلى حوالي المذنب ويحق له ذلك لأن العدو صدق عليه الحملة بالعساكر، فحمل أهل القصيم الأسلحة الخفية وعادا إلى بريدة وعنيزة.

стр. 425

ثم إنهم أرسلوا في طلب الإمام عبد العزيز، فأدركوه وأخبروه بظفرهم والنصر الذي انتصروا على العدو، وألحوا عليه بالرجوع قائلين: يا عبد العزيز اتق الله ولا تفرَّ وتدعنا لابن رشيد ينكل بنا فقد ناصرناك، وإن ظفر بنا أهلكنا، فأشكل عليه الأمر وأحب أن يطلع على حقيقة غايتهم، فقال: اثبتوا مكانكم فإني سأستفزع أهل نجد وأرجع إليكم، فبعثوا له الرسل والكتب يقولون: إذا أنت رحلت فلا يستقيم بعدك أمر، وإذا رجعت نحن نعاهدك في السراء والضراء، نقدم أنفسنا وأموالنا وأولادنا بين يديك لنحمي أوطاننا أو نموت جميعًا، وكانت الأمة قد اجتمعت في عنيزة على ساقته، فرجع إليهم عبد العزيز وخرجوا لاستقباله فرحين مستبشرين حتى خرجت المخدرات يصفقن ويغنين، فقدموا المال والرجال، ولما بلغ الخبر أهل نجد جائوا مجاهدين وأقبلت عتيبة ومطير بأجمعها فانضموا إليه حتى اجتمع لديه في ستة أيام أثنا عشر ألفًا من المقاتلة، فزحف بهذا الجيش الخميس إلى البكيرية، يريد أن يهجم على ابن رشيد فيها ولكنه كان قد رحل منها في اليوم السابق، وهجم على الخبراء وفيها سرية لابن سعود، فعند ذلك دافع أهل الخبراء مع الجنود الحامية دفاعًا شديدًا، وقد شدَّد عليهم عبد العزيز بن متعب الوطأة بما لديه من البأس والصلف وحصر الخبراء وأطلق عليه المدافع التي ظلت قنابلها طيلة ذلك النهار تضربها، ولكن ثبتوا له ثبات الأسود في غابها ولم تؤثر مدافعه فيها مع ضخامتها وقوتها، ولقد كان يوالي إطلاق المدافع عليها، ومع ما هم فيه من الوباء الذي سرى فيهم من عساكر الأتراك الذي رماهم الله به وساقه عليهم فإنهم ثابتون وللعدو مصابرون. ولما علم ابن رشيد بزحف ابن سعود إلى البكيرية أهمه أن يهجم عليها وهي مركزه العام للجيش وفيها ذخائره وعتاده، فأرسل إليها سرية كبرى بعدها سرية وسريه حتى أرسل إليها ألفًا وخمسمائة خيال بقيادة سلطان بن حمود بن رشيد، فتصادموا بخيالة ابن سعود وهي ستمائة وخمسون عند انفجار الصبح قرب البكيرية فكانت الهزيمة على سلطان بن رشيد وجنوده، ثم دخلها ابن سعود وفتك بحامية

стр. 426

ابن رشيد فيها، فقتل أكثر رجالها، وانهزم الباقون وهربوا فارين، ثم طاردت الخيل السعودية خيل ابن رشيد حتى أوقفتهم في الخبراء، فرحل ابن رشيد منها إلى الرس، فهجموا على بواديه وغنموا عددًا كبيرًا من الإبل، ثم نزل ابن رشيد في الشنانة على مسافة ساعة من الرس جنوبًا فنزل ابن سعود في الرس، ثم إنه قام ابن رشيد فنصب مدافعه على الرس وجعل يضربها كما ضربها إبراهيم باشا في طليعة القرن الماضي، وما أشبه الحالتين، فدافع أهل الرس على عادتهم في الشجاعة حتى الرمق الأخير وثبتوا ثباتًا عظيمًا. ذكر واقعة الشنانة وما جرى من ابن رشيد لما طوق ابن رشيد الرس بالحصار وشدد الوطأة عليها، هلك أمير الرس في أثناء الحصار، ومع موته وتوالي ضرب القنابل عليها فإنها لم تسلم، واستبسل أهلها وثبتوا في سبيل الدفاع عن أنفسهم لخوفهم من فظاعته وظلمه إن تولاهم، وكان ابن رشيد قد استنزل قائدًا من قواد الرس يدعى ناصر بن الخالد الهديان بالعهد والميثاق، فلما قبض عليه قتله غدرًا ومن معه بضعة رجال، فأقام عبد العزيز بن عبد الرحمن في الرس ثلاثة أشهر من تاريخ منتصف جمادى الأولى إلى تاريخ منتصف شعبان. هذا وابن رشيد في الشنانة ولم يكن في غالب هذه المدة بينهما مزاحمة، إنما هو مناوشات بالخيل ومطاردات حتى ملَّ الناس من تلك الحال، فقد أنتنت الأمكنة من جثث القتلى، وانتشرت الأمراض الوبائية الفاتكة بين العسكريين والسيف أعظم فتكًا من تلك الأمراض الوبائية، فعند ذلك قام البدو يتفتلون كل عن أميره لأن ذلك الوقت هو فصل الربيع يريدون أن ترعى مواشيهم وتسمن استعدادًا للقيظ، وصاحوا بالضرر كلٌ يشكو إلى أميره، فلما أحس ابن سعود بذلك أرسل رسولًا من قبله إلى عبد العزيز بن رشيد، وهذا الرسول هو فهد بن علي الرشودي، وكان فتىً ندبًا عاقلًا وذا رأي سديد، ومن أكبر أعضاء أهل بريدة، بعثه ابن سعود يدعو عبد العزيز بن رشيد إلى الصلح والهدنة، وكان ابن سعود يعلم بعناد ابن رشيد

стр. 427

وتصلبه وجبروته، وهكذا كان فقد قابل الرسول بالاستهزاء والسخرية والوعد والوعيد لأهل نجد. ولما سار الشهم فهد بن علي الرشودي إلى ابن رشيد، احتاط لمجيئه وصف له الجنود والعساكر، وأظهر القوة وناهيك بهيبة ابن رشيد نفسه، فقد كانت رؤيته تفطر القلوب، ولما وصل إليه الرسول أصابه ضجر وفزع شديد، فأخذ عبد العزيز بن متعب بالحديث مع من حواليه حتى سكن جأشه واطمأن به المجلس، ثم التفت إليه قائلًا: أيها فهد ما الذي عندك وما لديك؟ فاجابه قائلًا: أيها الأمير نريد الصلح فقد أسرع الهلاك بالمسلمين، فأجاب ابن رشيد بقوله: عجبًا لكم يا فهد، هذا ابن سعود دعنا منه طالب ملك، ولكن فأنتم ما الذي حملكم على مقاومتي، وأنتم رعية لي أو لابن سعود؟ فتكلم فهد بن علي يقول: يا عبد العزيز فعلت بنا أمورًا لا يمكن الصبر عليها، فوالله إن صياحًا (١) أخذ أموالنا وأثاثنا وأثقل ظهورنا بالضرائب، وكل يوم وقد ضوعفت علينا المظالم حتى عجزنا عن الدفع، ولما اعتذرنا بالقلة ونفاد الأموال كان جواب صياح لنا أن قال: (أجروا فروج نسائكم واكتسبوا المال) فهل بعد هذا خزي أيها الأمير يا عبد العزيز ما فعلنا نحن مقاومة إنما أنت فعلتها بنفسك، فغضب ابن رشيد وأنكر ذلك، ثم قال: وما يقع عليه الصلح يا فهد؟ فقال إذا رأيت أن تترك لابن سعود العارض والقصيم وتدوم على ملكك، فأجاب يقول: بعد حلفه بالله العلي العظيم: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك، أيرضى ابن رشيد بأن يقصر على طابة وموقق ويكون نجد لصاحبكم، ثم ضحك متهكمًا ومتهددًا ومتوعدًا، وقال من يبغى حكم نجد فليكن ذا اصطبار وهل يصالح من بيده قوة الدولة، فوالله لا صلح قبل ان أضرب بريدة وعنيزة والرياض ضربةً لا تنساها مدى الدهر يا فهد ما جئتكم بهذه الجيوش والنظام أبغي السلم، ولكن

стр. 428

استعدوا للموت وأنتم يا أهل القصيم لا يغرنكم ابن سعود لا يغرنكم شاب طائش يبغي الدراهم ليأخذها لأمه الفقيرة، فقام فهد الرشودي وهو يقول: يا طويل العمر إذا قتلتني فإني فلاح لا أعز ولا أذل، ورجع يحمل كلام ابن رشيد وتهديداته إلى ابن سعود، ولما أن وصل إليه وجد المجلس الكبير قد امتلأ ليسمعوا جواب ابن رشيد، فألقاه عليهم فهد بن علي وهو يبكي، وكان رصينًا محترمًا موعظًا موقرًا، وقال: يا أهل نجد ما رأيت هناك إلا ظالمًا عتيًا كفرعون، سيقتل رجالكم ويستحي نسائكم، ما عند ابن متعب لكم غير السيف، ويصنع بكم كما صنع فرعون ببني إسرائيل، فأثرت كلماته فيهم تأثيرًا بليغًا وكانت كوقع النار على قلوبهم، واشتعلت من قلوبهم نيران العداوة لابن رشيد وتبايعوا على الموت، ومع أن بادية ابن سعود قد تفرقت كما هي عادة البدو، إنهم يتبعون مصلحة أنفسهم لا سيما أنهم يريدون رعي مواشيهم، ولم يكن لابن سعود أن يكرههم على البقاء لأنهم لم يكونوا من الجند بل كانوا متطوعين متكسبين، ولم يبقَ مع عبد العزيز غير ثمانمائة من الحضر وثلاثمائة من رؤساء القبائل، فإن هؤلاء ما كانوا ليتاركوا ابن رشيد، وهذا مما يدل على سعة رأي ابن سعود لأنه يريد أن يستبسل أهل القصيم على ابن رشيد، ويظهر لهم ما انطوى عليه من الحنق، ويدل أيضًا على قصر مبلغ عقلية ابن رشيد وسوء تدبيره، حيث أضاع الفرصة ولم يغتنم جنوح خصمه إلى المسالمة، بل كان حظه أن أثار حمية العدو على فكاك أرواحهم منه على أن الملل لم ينحصر في بادية ابن سعود، بل كان قد ظهرت أنواع الضجر والملل في عساكره وجموعه، فقد قامت عليه باديته تقول: هلكت مواشينا وهلكت أولادنا جوعًا، فإما أن نرحل جميعًا فنمشي ورائك وإما أن نرحل نحن ونذرك، فأجابهم ابن رشيد يقول: كيف نرحل ولا ركائب عندنا لعسكر الدولة، وذلك لأنه تلف عليه عشرة آلاف ذلول في هذه الوقعة والمناوشة بعدها، فقال رجال شمّر: كل قبيلة منا تقدم الركائب لقسم من العسكر، فقبل ابن رشيد وأمر أن توزع أمتعة العسكر إجمالًا على شمّر وذلك لما خاف تفرق قومه لطول المقام، ولأن المسلمين لا يدعونهم

стр. 429

ينتشرون لرعي إبلهم وجيوشهم حتى أكلوا جميع ما في الشنانة حتى النخيل، ثم عزم على الرحيل تاركًا عدوه ورائه، فيا عجبًا لسوء هذا التدبير كيف رفض الصلح الشريف الذي عرض عليه، ورحل بدون طائل، بل إنه رحل رحيل المنهزم المغلوب. أضف إلى ذلك تهديده الذي شد عزائم السعوديين على مهاجمته والقضاء عليه، فلما عزم على الرحيل ذلك اليوم لم يشعر إلا وقد هجم ابن سعود عليه بخيوله ليحول دون ذلك يقول أنا أخو الأنور لا أدعهم يرحلون لا إلا المناجزة، فتصادموا وتقارعوا من صلاة الفجر يوم سادس عشر شعبان إلى غروب الشمس، فارتحلت بادية ابن رشيد قبله وتركته ورائها، فخرج ابن رشيد من الشنانة وجعل ابن سعود يطارده إلى أن أذنت الشمس بالمغيب، فنصب ابن رشيد خيامه إذ ذاك خدعةً للمبيت، فانخدع له ابن سعود ورجع بخيله بعد أن أقام هناك بعض الحرس والكشافة، فشرع ابن رشيد يتأهب للرحيل، وكانت خطة ابن سعود الحربية أن ينهك خصمه بالمفاجئات والمناوشات، فإذا أضعفه ضربة ضربة تكون هي القاضية. ولما رجع مساءً إلى مركزه في الرس من يومه وجلس على العشاء، جائه أحد الكشافة يقول: رحل ابن رشيد، فقام وترك العشاء هو ورجاله وسارعوا إلى الخيل وأخذوا قافية العدو، ولما قربوا منه رأوا سوادًا ظنوه غنمًا فأغاروا عليها فإذا بها عساكر الترك، وكان قد جنّ الليل فنازلوهم ساعةً دون نتيجة تذكر. ثم عاد ابن سعود وجنوده إلى الرس وترك كشافته على حسب العادة في مكان معلوم ومعهم رجال من أسرتهم وزودهم بهذه التعليمات، إذا رحل ابن رشيد وقرب إلى الخنق "وهو موضع بين جبلي إبان معروف" فأرسلوا إلي أخبروني وتقفوه لتعلموا بمسيرة، أما إذا مشى إلى قصر ابن عقيل فعليكم أنتم يا آل سعود أن تسبقوه إلى القصر لتشجعوا أهله وتقولوا لهم إننا مسارعون إلى نجدتكم، وكان في قصر ابن عقيل سرية لابن سعود، فلما ذهب ابن رشيد تلك

стр. 430

الليلة نزل على الجوعي ودنا من قصر ابن عقيل، فزحف إليه يريد ضربه، وكان القصر منيعًا ولا يخشى عليه إلا من المدافع أن تثلم جدره، فهم ابن رشيد في صباح تلك الليلة بالهجوم عليه ولكن سبقه بنوا سعود إليه وأرسلوا يخبرون عبد العزيز، ولما أن وصل ابن رشيد إلى القصر ركب في الحال مدافعه كلها عليه، وشرع يضرب القصر، فلما جاء الخبر إلى ابن سعود ظهرًا وإن ابن رشيد حصر قصر بن عقيل، صاح برجاله قائلًا، انهزم ابن رشيد ونريد أن نعمل مناورة خارج البلدة فاستبشروا وأخرجوا للمناورة فكشف لهم عن قصده الحقيقي، وأمرهم بالزحف إلى قصر ابن عقيل فترددوا لأنهم لم يكونوا متأهبين للرحيل وما معهم ماء، ولا زاد وكان ذلك في الساعة الأخيرة من النهار والمسافة بينهم وبين القصر قد عشرين ميلًا، فخطب فيهم ابن سعود محرضًا مستنهضًا، ثم قال أنا واحد منكم ومثلكم أنتم خاشون وأنا أخشى، أنتم حفاة وأنا والله لا أنتعل، وهذا نعلي وهذا نعلي، وهذا ذلولي قال ذلك وهو يضع النعل في الخرج ويلقي بحبل الذلول على غاربه، ثم مشى أمامهم حافيًا فمشوا ورائه متحمسين وعندما وصلوا إلى القصر قبل نصف الليل بساعة أرادوا أن يهجموا على ابن رشيد في ذلك الحين، فمنعهم عبد العزيز لعلمه بما حل بهم من التعب والجوع، فدخلوا القصر واستراحوا تلك الليلة. أما ابن رشيد فبعد أن شغل مدافعه على القصر بضع ساعات بدون طائل، رحل في صباح اليوم ١٨ بعد ما وصل ابن سعود قصر ابن عقيل، فلما رآه ابن سعود يرحل إبله ويحمل أطوابه أمهل حتى مشى برجاله والعساكر، ثم إنه خرج بخيله وجنده واتبع ساقتهم بجيوشه للمفاجأة فأدركوهم في وادي الرمة، وكان هذا الوادي لا يوجد في جزيرة العرب مثله في الطويل بحيث يخترق القصيم يمتد شرقًا من حرة خيبر إلى الرس ثم شرقًا بشمالي إلى البصرة وهو بين البصرة وهو بين عنيزة وبريدة وكذلك البكيرية والخبراء والشنانة واقعات على ضفافه، وكذلك الشحية والجبل ممتد هناك بضعة وخمسي ميلًا من الرس، فجرى على ابن رشيد في هذا الوادي ملحمة فاصلة.

стр. 431

ذكر واقعة وادي الرمة سنة ١٣٢٢ ه ـ لما طارد السعوديون ابن رشيد من قصر ابن عقيل وأغاروا عليه أدركوه في وادي الرمة في اليوم ١٨ من شعبان فأناخ هناك وجمع جيوشه ثم إنه نصب المدافع وبني بيوت الحرب، وشجع قومه واستبسلهم، فثبتوا للسعوديين فتهاجم الفريقان إلى منتصف النهار وكانت الغلبة أولًا لابن رشيد. ثم إن ابن سعود عندما رأى جناح العدو متقهقرًا صمد لهم بهجمة عنيفة وشوهد منه بسالة لا تنسى، فهدم بيوت الحرب واشتد الحرب والضرب والطعان واشتبكت بين الفريقين ملاحم تشيب لها النواصي وتعجز عن مقاساتها الجبال الرواسي، وحصلت ذبحة هائلة، فانكسر ابن رشيد وولت عساكر الأتراك الأدبار لا يلوى أحد على أحد، وانهزم ابن رشيد ورجاله وفرّ الجميع هاربين، فاراد ابن سعود أن يتعقبهم ولكن الحملات والأموال والغنائم شغلتهم عن تتبع الفارين، فشغلوا بها حتى جنّ الليل وهم ينهبون بها، ثم عادوا في اليوم الثاني والثالث والرابع وظلوا عشرة أيام وهم يجمعون الغنائم من الأسلحة والذخائر والأمتعة والثياب والنقود سوى الإبل والغنم، وما وجدوا من الأموال بين تلك الأحمل من صناديق الذهب والفرش والمؤن، فحملوها إلى عنيزة مقر ابن سعود فوزعها مثل بقية الغنائم على رجاله ولم يأخذ منها شيئًا لنفسه. تالله إنها لغنيمة عظيمة جسيمة قسمها ابن سعود بين رجاله فأصاب الرجل الواحد مائة وخمسين ليرة ذهبًا وبضعةً وعشرين بعيرًا إلى ما لا يقدر من الأثاث وغيره من الأشياء الثمينة. وقضت هذه الوقعة على ابن رشيد وعساكر الدولة وقضت وقعة ذي قار على الفرس، وكانت هذه الواقعة الحاسمة قد غيرت مجرى التاريخ في جزيرة العرب وانفصلت عن نتيجتين إحداهما نفوذ الأتراك وهيبتهم في نجد قضاء مبرمًا وزعزعت ملك ابن رشيد فلم تقم له ابن رشيد قائمة بعدها.

стр. 432

أما العساكر فقد تفرقوا شذر مذر ومات بعضهم من الوباء وغالبهم قام عليهم أهالي القصيم يصطادونهم ويذبحونهم حتى جرت مواضع السانية من دمائهم لأنهم كانوا يختفون بها فينحرون هناك فهذا جرى من ذكر هذه الواقعات، ولم يجري في القصيم مثلها، ومما قال الشيخ سليمان بن سحمان قدس الله روحه في ذكر مقات صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن، وأن ذكره فيها يستحق أن يشكر ويخلد مجده بين الأنام ولا ينكر، كيف لا وقد دافع الله بفتوحاته البلاء عن العالمين ونصر الله بطلعته سنة سيد الأولين والآخرين، فجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين: لقد منّ مولانا وأفضل وارتضا ... لنا ملكًا منا سمى المناقب فشام المعالي وارتضاها وأمها ... بهمته العليا وجرد شوازب وبيضٌ قواض يختلي الهام حدها ... وقود الهجان اليعملات النجائب فتأهمه العليا وشأو مرامها ... فأمٌ إلى هاماتها والغوارب فتًا ليس يثني همه ومرامه ... طوال العوالي أو طوال السياسب يخوض عباب الموت والموت ناقع ... إذا استعرت نار الوغى في الكتائب ويركب هول الخطب والخطب معظل ... وقد هابه شوس الملوك المصاعب يرد لهام الجيش وهو عرمرم ... ويحطمه بالمرهفات السواكب لقد فات أبناء الزمان وفاقهم ... بنيل المعالي الساميات المراتب وجودٌ وإقدام إذا احتنك الفضا ... وضاق مجال الصافنات السلاهب وأحجم أهلولها بيوم عصبصب ... به النقع بسمو كارتكاب السحائب هنالك لا تلقاه إلا كضيغمٍ ... هزبر أبي شبلين حجز المخالب ترى جثث الأبطال صرعى بغابه ... تراوحها الأشبال من كل ساغب كذا الملك الشهم الهمام فإنما ... كماة العدى جزر له بالقواضب ترى عافيات الطير يعصبن فوقه ... لتحضى بأشلاء العدو المشاغب ويتبعه غرث السباع لعلها ... تروح بطانًا من لحوم المحارب وقد وثقت أن لا تعود خوامصا ... وأن لها جزر كمات الكتائب

стр. 433

فلله من ندب همامٌ مهذبٌ ... أغاض العدى من عجمها والأعارب فنلنا المنى من بعد أن كادت العدى ... تحيط بنا من كل قطرٍ وجانب بعبد العزيز ابن الإمام ابن فيصلٍ ... حليف العلى نسل الكرام الأطالب ومن المعى أحوذي ومصفعٍ ... بليغٌ بما قد شائه في المقاثب يقود أسودًا في الحروب ضياغما ... تغير على الأعداء كأسدٍ سواغب حنيفيةً في دينها حنفيةً ... وليس لهم إلا العلى من مآرب سما بهمو نحو المعالي سميدع ... أبي وفيٌ فاضلٌ ذو مناقب إذا هو أعطا ذمةً لم يخس بها ... وما كان ذا غدر وليس بكاذب فإن رمت أخبارًا له ووقائعًا ... فسل شمّرًا عنها بصدق المضارب وحربًا وسل عنها مطيرًا وغيرهم ... من العجم والأعراب من كل ناكب فمزقهم أيدي سبا فتفرقوا ... فما بين مقتول وما بين هارب وما بين منكوبٍ وقد خال أنه ... بقوته قد حاز كل المآرب فما نال إلا الخزي والعار والردى ... وآب حسيرًا خاسئًا غير راغب بلطفٍ من المولى له وإعانة ... على كثرة الأعداء له والمحارب وعزٌ وإسعافٌ على كل من بغا ... عليه وتسديد لدى كل نائب ونصرٌ له بالرعب في كل مأزقٍ ... من الملك العلام مولى المواهب إذا ام أمرًا واعتلى متساميًا ... تمزقت الأعداء من كل جانب وما ذاك إلا إنه لا ترده ... طوال العوالي أو طوال السباسب ولا غرو من هذا ولا بدع إنما ... حواها من الشوش الكرام الأطايب ومن والد سامي الذرى ذى مآثر ... حسان وأخلاق يفاع المراتب لا فتكات بالأعادي شهيرةٍ ... يقصر عن تعدادها كل كاتب أدام لنا ربي بهم كل بهجةٍ ... على السنن الحاوي لكل المطالب وسنة خير العالمين محمد ... نبي الهدى السامي لا على المناقب عليه صلاة الله ثم سلامه ... بعد وميض البرق جنح الغياهب

стр. 434

وبعد هذه الوقعات في القصيم تشتت بقية الجنود التركية على حالة سيئة فرَّ جزء منهم يسير مع ابن رشيد وهام آخرون في الفيافي كالسائمة وقتلوا ومنهم من لجأ إلى ابن سعود فأواهم وكساهم وأعطاهم الأمان وكان يوجد من نسل هؤلاء اللاجئين رهط قليل في القصيم، أما ابن رشيد فإنه فرَّ هاربًا إلى الكهفة، وهي قرية من قرى حائل، وأرسل إلى الدولة يستنجدها مرةً أخرى وقد نكبت الدولة العثمانية نكبتين، نكبة في نجد ونكبة في اليمن هذه السنة. ومن الغرائب أن الشاب في صنعاء يحيى بن محمد حميد الدين، وأن الشاب العاهل في نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل كسر الدولة العثمانية وهزما جيوش المنصورة، بل عادت جيوشًا مقهورة مع سطوتهم وغلبتهم ورفع هذان الشابان للسيادة العربية أعلامًا لا تزال تخفق. ثم دخلت سنة ١٣٢٣ ه ـ استهلت هذه السنة والقاضي في بريدة فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم قد جعله على القضاء جلالة الملك عبد العزيز رفع الله قدره وشهر ذكره لأنه لما كان له الولاية على القصيم ما كان ليبغى عنه بدلا. أما الأمير فيها فصالح الحسن الهنا، وكان القاضي في عنيزة الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر بطلب آل بسام له من ابن رشيد قبل زواله، وكان إبراهيم بن جاسر هذا معظمًا عنه شيعته وأتباعه. ومما يؤثر عنه أنه كان سخيًا لين العريكة ذا رحمة وعطف على الفقير والمسكين، وكان من أسرة في القصيم، وقد عاد إلى بلدة بريدة فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن عبد الله بن سليم بعدما بارحها إلى النبهانية وأقام هناك خمس سنين تقريبًا، هذا ولا تزال الملاحم مشتبكة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكان خطيب جامع بريدة إذ ذاك فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم بعدما قدم إلى بريدة من النبهانية، وكان يخطب على سيف في يده هذا وقد

стр. 435

توالت الفتوحات الإسلامية ونصر أهل السنة وأذلّ أهل البدع على يدي صاحب الجلالة، نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويذل المجرمين، وما أولى بالمسلمين من إمام همام سميدع قدير يرفع أعلام التوحيد وينصر أهله ويذل البدع ويهين أهلها. ذكر ذبحة الحواشيش وما جرى من قساوة ابن رشيد لما خذل الله عبد العزيز بن متعب بن رشيد وقهره، وأنهزم مرّ في مسيره وهو يحوس خلال الديار على روضة مهنا المعروفة هناك، وكانت روضةً يكثر فيها الكلأ والعشب ويرصعها الربيع بأزهارها، ويأتيها فقراء أهل القصيم يحشون العشب ويبيعون حشيشهم في البلاد ويأكلون ثمنه، إما أن يحملوه على رؤسهم أو على حميرهم، فإذا باع الفقير اشترى لأولاده طعامًا وبلغةً، فلما مرَّ عليها ابن متعب وجد فيها أربعين رجلًا من العجزة ومعهم أطفال، فأحب أن ينتقم من أهل القصيم بقتل هؤلاء الأبرياء ويتشفى بقتلهم لما فيه من الحقد على أهل القصيم، فقرن هؤلاء الأربعين بعدما صفهم صفًا بحبال، وكانت رؤيتهم مفظعة، فأشار عليه ابن عجل قائلًا: يا عبد العزيز اتقتل هؤلاء البؤساء فوالله الذي لا رب غيره لأن قتلتهم لتحاربنك ملائكة السماء، فأجابه لو تركتهم لانضموا تحت راية يقاتلون مع قومهم، ثم قتلهم صبرًا أجمعين. ولما وصل الدور إلى شيخ كبير قد حناه الهرم وقوّس ظهره وقد أمسك بيد طفل يناهز العاشرة من العمر، تكلم لابن رشيد قائلًا: أيها الأمير اقتلني واستبق هذا الطفل فورائنا عدة أيامى لا عائل لهن بعدنا فكان جوابه أن قتل الطفل بمرآى من أبيه، ثم ألحقه به والعياذ بالله شعرًا: قضى الله أن البغي يصرع أهله ... وإن على الباغي تدور الدوائر ومن يحتقر بئرًا ليوقع صاحبًا ... سيهوي قريبًا بالذي هو حافر وهذا والله منظر تعج منه السماوات السبع والأرض ومن فيهن، هذا منظر

стр. 436

هائل لا يصدر إلا من جبار لا يخاف سطوة جبار السموات والأرض، وقد طبقت هذه الفعلة على ظلم الحجاج بن يوسف، فإن الحجاج لم يفعلها مع ظلمه، وقد رنّ صدى هذه الفعلة ودوى ذكرها في أقطار الأرض وأنكر العالم هذه الفعلة وصارت بقعة سوداء في تاريخه، هذه ذبحة الحواشيش التي صدرت من ابن متعب وأزعجت جزيرة العرب والله بالمرصاد. ولما فعلها كان بعد ذلك لا يهنأ بنوم، فكلما غمضت عيناه بدا له ذلك الشيخ الهرم في المنام وخنقه، فيفزع لذلك فزعًا شديدًا ويقوم منتصبًا، وكان إذا خنقه يقول له: والله لا تفلح ولا توفق، فيحرمه لذيذ النوم والراحة، فكان إذا فزع وقام مرعوبًا يقول مالي ولهذا الشايب. هذا وعبد العزيز بن عبد الرحمن عكسه في الحال يسعى بالأمان ويقابل كل مسيء بالصفح والعفو. وفيها وفاة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ، وهذه ترجمته، نذكر ما تيسر منها وإن كنت في حال وضعها في غاية عظيمة من كثرة الأشغال فنقول: هو الشيخ الإمام العالم الحبر الكبير والبحر الغزير والعلم الشهير تاج الفضلاء وبقية النجباء والأصفياء، ومن قد احتاج إلى تفريغ منطوقه جهابذة الفصحاء، هو البارع المصقع والألمعي السميدع، الماهر في العرفان والفائق للأقران، والواثق بالله الملك الديان، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن صالح بن حمد بن محمد بن سليم بن محمد بن ميمون، يلتقي هو وابن أخيه محمد بن عمر بالنسب في صالح بن حمد، لأن محمدًا وعبد الله إخوان، وكان عبد الله تزوج من آل عبد ربه مطاوعة الدرعية، وصالح وابنه عبد الله هما اللذان غرسا الرس بالدرعية والخليج، وقاموا مع الشيخ محمد هم وآل سويلم وآل موسى بن سليم آل شقير أسرة أخرى جمعهم الاسم كل هذه الأخبار في زمن عبد الله بن معمر، هذا معرفة نسبه ﵀. وله في سنة ١٢٤٠ هـ في بريدة، أما مشايخه فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن، وناهيك به وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن

стр. 437

عبد الوهاب، وأخذ عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وأخذ عن الشيخ سليمان بن علي بن مقبل، وأخذ عن الشيخ حمد بن عتيق، ويكفيك شرفًا له أخذه عن هؤلاء الفطاحل السادة الربانيين الذين تحلو المجالس بذكرهم، ويسمو من انتسب بمشيختهم. ولما نبغ وبرع في العلوم عنَّ لقاضي القصيم سليمان بن علي بن مقبل السفر إلى مكة المشرفة يريد أن يجاور بها، ولأنه انحلت قواه وكل من أعمال القضاء، فأشار على أمير بريدة بجعل المترجم على قضائها، فراوده الأمير واستقر الشيخ قاضيًا ومفتيًا، وإنما أشار بجعله قاضيًا لما كان يعرفه فيه من المؤهلات والكفاءة، واستمر في القضاء اثنتين وعشرين سنة سوى فترة قليلة في أول القرن لسوء تفاهم جرى بينه وبين أمير بريدة، قضى له ذلك بأن يسافر إلى عنيزة ويقيم بها وتزوج فيها وولد له. ثم إنه دعا به الأمير المذكور واسترضاه واعتذر إليه، وأن الحامل له على سوء معاملته كلام الضد فيه ودعوى أنه مشاغب، فرجع مصحوبًا بالسلامة واستمر على قضائها أواخر ولاية حسن بن مهنا وأيام محمد بن عبد الله بن رشيد، وكان في بداية ولايته لأنه حلف بالطلاق ليبيحن بريدة ويجوس خلالها ويتبرأ ما على تتبيرا، وخافت الأمة من سطوته وماذا يحله من أنواع العقوبات، فخرج إليه الشيخ محمد بن عبد الله وما زال به حتى تنازلت عن فكرته، وجعل القصيم خضرًا مرخى عليها ستارها، وأكرم الشيخ واحترمه وقلبه بخير، ولا يزال يعظمه لعلمه وبأن الناس لا يعدلون به شيئًا ذلك لسعة عقل محمد بن رشيد. ولما توفاه الله تعالى وتولى بعده ابن أخيه، وكثر المرج والهرج وأصبح أهل الحق أذلّاء لكثرة القيل والقال وتغير الحال، عزله ابن متعب ونفاه إلى النبهانية، وكانت إذ ذاك قرية تضرب الأمثال بجهل أهلها، وبعدهم عن العلم فسار إليها وسكنها امتثالًا لإرادة مولاه وفاطره له، وقدمها فاغتبط به أهل القرية وقاموا في تعظيمه وإكرامه ونفعهم الله به استفادوا من علمه.

стр. 438

ولما لبث فيها بضع سنين كان في حال إقامته هناك مقبلًا على ربه واثقًا به قد شدّ يديه بحلبه وفوض أمره إليه صابرًا على ما أصابه الحكمة ضالته والسنة طلبته، فيا طوبى له إذا ضمته الأكفان، وخلى بأعماله لدى خالقه الواحد الديان، وفاز أهل الإيمان بالخلود في نعيم الجنان، فبينما هو مقيم في الغربة ومكابدة مرارة الكربة، إذ بأعلام آل سعود قد رفعت وراياتهم المنصورة قد خفقت فرجع إلى وطنه مصحوبًا بالسلامة، وكان قصد عبد العزيز بن متعب بنفيه إلى النبهانية، لأن لا يضل الناس بزعمه الفاسد بنفيه على تلك الجهة يأمن شره ولا أدري ما هذا الشر الذي يحاذره ابن متعب، فإن كان متابعة النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب شرًا وضلالًا فيا حبذا هذا الشر نسأل الله تعالى أن يثبتنا على متابعة إلى أن نلقاه، وإنما صاحب الضلال والشر من يدعو إلى عبادة الأموات والتوسل، بذوات المخلوقات، أطرح نصوص الكتاب والسنة اختلاف التأويل لها، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، شعرًا: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم وترى اللبيب محمدًا لم يحترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم وحاشا وكلا ولما أنه لا يضل الناس ولم يضل الناس، بل كان هاديًا مهديًا، ولكن قد قال من يقول للشيء كن فيكون: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. ذكر قضائه وسعة علمه وحلمه وكيفيته وصفته كان ربعة من الرجال يميل إلى الطول في قامته جسيمًا بعيد ما بين المنكبين، عريض الصدر، له عينان حسنتان وله هيبة عظيمة وشجاعة، وكان عاقلًا رصينًا بليغًا فصيحًا، وله سمت عظيم يخاطب الملوك ويصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم. وكان في صفة قضائه أنه يجلس للخصمين على الأرض وما تحته وسائد ولا فرش، فإذا سمع كلام الخصمين واستورد ما لديهما من البينات، قضى قضاء

стр. 439

جالس بين الجنة والنار لا يراعي ولا يداهن، ولا يطمع الغنى في ميله، ولا يخاف الفقر من حيفه وجوره، وكان يتحلم على الجاهل ويتغافل عن سقطات اللئام، كما كان يمشي ذات مرة فأسمعه بعض الجهال كلامًا سيئًا، فقال له ابنه الشيخ عبد الله: لو ردعت هذا الجاهل فإنك قادر على حبسه وتعزيره، فالتفت إليه قائلًا: يا بني إذًا نتعب لو نعامل كل جاهل بما يستحق ولكن نعامل الناس على قدر ما نستحق، يا عبد الله: سدّ أذنيك وأغمض عينيك فهذا زمن السكوت ولزوم البيوت، ومن يتكلم بالحق فإنه ممقوت، ودعاه صديق مرة وكان لا يحب الإجابة، فلما جلس لديه في بيته سأله عن أبيه فقال: إنه في أقاصي البيت وسيأتي بعدنا ويلقي خيرًا، فقال له: يا بني أخطأت في هذه المعاملة لوالدك إذ الحق أن يكون مقدمًا في المجلس ومتصدرًا فيه، والآن فلا يحلو لنا طعامك، فأخذ بيد خادمه الريّس راشد الفرج، وكان مصاحبًا له في هذه الدعوة، فقال له: يا شيخ بل يذهب إلى أبيه فيدعوه فقال: لا بل المرة الثانية نجده حاضرًا، فطلب منه الريّس أن يرجع لأن صاحب الدعوة قد أحضر الغداء والإكرام، فخرج وذهب به إلى بيته وأمر أهله أن يأتوا بغدائه، وكان خبيصًا طيبًا فقدمه وقال له: تفضل يا ريّس من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وقضى مرةً على شخص فقال: إلى الله أشكو، فلو كنت مثل فلان يقدم لك رقاب الضان لم تقضي علي، فضحك منه ولم يعاتبه، غير أن قال: جرّب بنفسك حتى نقضي لك إذا أصلحك الله، وكان فقيهًا أصوليًا متمسكًا بالتوحيد، وله ثبات عظيم أعظم من ثبات الجبال الرواسي التي جعلت للأرض أوتادًا، وإذا قضى في المسألة فقد يمضي ويوقع عليها بختمه، ولا يحب تزويق الكلام وتنميقه وتكلف الفصاحة، لكنه يوجد له بعض الرسائل في الفقه ولا تزال الرسائل تترى بينه وبين الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وغيره من أئمة هذه الدعوة. ذكر كراماته ومكاشفاته وماله من خوارق العادات كان في وقته قوم يتكلمون في حقه بكلام سيء، فنام أحدهم فرأى في منامه كأنه أتى بالشيخ في صحن وجلسوا يأكلون من لحمه وهم كارهون، فقصها على

стр. 440

معبّر، فأخبره أنه على الحق وأعدائه على الباطل، وأمره أن يكون متبعًا له، ورأى بعض مخالفيه في المنام: كان الشيخ جالس وحواليه أصحابه، وقريبًا من ساحتهم بعض المخالفين له، فجاء ملك ووقف على رأسه وجعل يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩]، ويشير إلى الشيخ وأصحابه، ثم قرأ: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠]، ويشير إلى مخالفيه، ثم قرأ: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]، ويشير إلى الشيخ أصحابه. وكان جلالة الملك عبد العزيز يقول في محفل كبير لما قدم مقاطعة القصيم: إنكم سموتم على أهل العارض يا أهل القصيم بشجرتين، شجرة آل سليم وشجرة نوع النخيل المسماة الشقراء، وكان لهذه المقالة سبب، وهو أنه دعي بجلالة الملك رجل من الإغنياء المياسير وكان قصده بذلك أن يستميل قلبه عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، فساعة جلس في بيت هذا الرجل بدره ومن إليه ينحو بهذا الكلام قبل يبدأه، وهذا يعتبر إما فراسةً من هذا الملك الموفق، أو يكون الله تعالى أنطقه بما كان يختلج في صدورهم، ولقد جعل الله لهذا الشيخ هيبة عظيمة وسمعة طيبة، فكان يقتع بكلامه كل من سمعه، ولا يزال ذكره عاليًا يملأ المسامع، كما أن أمارات القبول لا تزال لائحة عليه، وأعين الخلائق شاخصة بالثقة إليه. وقد أراده بعض الأشرار بسوء وذلك بإيعاذ من بعض الرؤساء له بقتله على ما تتصوره عقولهم، فلما همّ به سوء وجعل يكمن له بالليل عصمه الله منه وقبض على يديه، وأخبر الشيخ بما بيته له الأعداء وأن الله أعجزه عنه، وكان له معاملة مع ربه، فكان في عبادته والانكسار بين يديه أمرًا عجيبًا بحيث ضبط على جهة التحقيق أنه ما في جامع بريدة موضع قدم ولا شبر إلا وقد صلى فيه ركعتين وأودعه برهانًا يشهد به يومئذٍ تحدث أخبارها، وقد عمر المسجد الجامع في بريدة التزم بنفقته لو كانت بأجمعها، وكان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن كثيرًا ما

стр. 441

يتحدث عنه ويمتدحه ويلهج بمآثر آل سليم وما منّ الله به عليهم ويحترمهم ويعظمهم كعادته في إكرام آل الشيخ، وكفى بها شرفًا للمكرم والمكرم، لأن الملك عبد العزيز له غور بعيد وبصيرة عظيمة بالرجال، وسيأتي في ترجمته ما يشفي ويكفي لأنه نادرة زمانه، ولعلك أيها المنصف إذا نظرت في سيرة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وسيرة ابنيه عبد الله وعمر وسيرة الشيخ محمد بن عمر آل سليم توافقني ولا يضيق بها صدرك، فنسأل الله أن يتغمدهم بعفوه ومغفرته ويوفق بينهم لاقتفاء آثارهم. ذكر تلامذته والآخذين عنه أما تلامذته والآخذون عنه فخلقٌ كثير، وجمٌّ غفير، جثت العلماء إلى ركبتيه وضربت آباط الإبل من المشارق والمغارب إليه، فأصبح كهفًا منيعًا للإخوان ومعقلًا لأولياء الرحمن، وتخرج عليه أولو الرتب العالية والمقامات السامية، فمنهم نجله عبد الله بن محمد بن سليم القاضي في مقاطعة القصيم، وكان فوق ما قيل فيه، وآية من آيات الله في العقل والفضل والعلم، تخرج عليه ونشأ بين يديه. ومنهم الشيخ عمر بن محمد بن سليم نجله الثاني، رباه والده ونشأ بين يديه وفي ظله، وكان ملازمًا له حتى في منفاه، فأصبح ذا قدرٍ عظيم وخطر جسيم، فتفردّ بأبيه واستمسك بغرزه، وقد نال عدة وظائف آخرها أن كان في قضاء مقاطعة القصيم بعد أخيه عبد الله، وكان حبرًا يشار إليه بالأصابع وتضرب الأمثال في عقله ورصانته وتدريسه ولإبداعه ولا غرو فمن البحر يستجلب الدر. وأخذ عنه الشيخ العالم العلامة قاضي مكة وحائل عبد الله بن سليمان آل بليهد. وأخذ عنه أيضًا الشيخ الإمام عبد الله بن محمد بن فداء ذو المعارف الربانية والأسرار الآلهية والعلوم الشرعية، فما شئت من علمٍ وزهدٍ وورعٍ وتقى. وأخذ عنه أيضًا الشيخ العالم الرباني عبد الله بن دخيل قاضي المذنب، وكان حبرًا فوق ما قيل عنه علمًا وذكاء، ويعتبر من الأقطاب العظام.

стр. 442

وأخذ عنه الشيخ العالم القاضي عنيزة عبد الله بن محمد بن مانع. وأخذ عنه الشيخ الرزين العالم محمد بن عبد العزيز بن مانع مدير المعارف السعودية. وأخذ عنه أيضًا الشيخ الموفق علي بن مقبل. وأخذ عنه الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان قاضي إحدى نواحي اليمن. وأخذ عنه أيضًا الماهر الحافظ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد، وكان هذا مولعًا بجمع الكتب ويخط بيده وخطه حسن جميل، وله عناية بعلم التوحيد والعقيدة وله صبر على قلة ذات اليد. وأخذ عنه الشيخ محمد بن حمد بن مضيان. وأخذ عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بن حميد، كان إمامًا في أحد مساجد بريدة، ولديه قوة في الدين. وأخذ عنه دحيم بن غيث. وأخذ عنه أيضًا عبد الكريم بن ناصر بن جربوع. وأخذ عنه حمد بن مبارك آل مبارك. وأخذ عنه أيضًا الشيخ فوزان بن عبد العزيز صاحب الشماسية. وأخذ عنه سعود بن فوزان. وأخذ عنه الشيخ الزاهد عبد الرحمن بن ناصر العجاجي. وأخذ عنه أيضًا الشيخ الشاب التقي عبد العزيز بن عبد الله بن فداء، وكان هذا هو الذي قدم عليه في حال غربته في النبهانية، وله مؤهلات وقوة وعزيمة. وأخذ عنه حسين بن عرفج. وأخذ عنه أيضًا غير هؤلاء، فمن أخذ عنه الشيخ محمد بن سليمان العمري، وكان هذا مفتي الأمير حسن بن مهنا. وأخذ عنه الشيخ صعب التويجري. وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد العزيز الصقعبي. وأخذ عنه الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر.

стр. 443

وأخذ عنه أيضًا الشيخ ناصر بن سلمان بن سيف. وأخذ عنه أيضًا صالح بن دخيل. وأخذ عنه عبد الله بن أحمد آل رواف. وأخذ عنه صالح الضبيعي، وغير هؤلاء خلق كثير وجمّ غفير، وقد ألبس الله تلامذته ثوبًا من الوقار، ومن الطبقة الأولى صالح بن إبراهيم آل فوزان، وصالح بن كريديس، وعبد الله بن إبراهيم الباحوث، وعلي بن يحيى، وسليمان بن ثويني، وصالح اللهيمي، وعبد العزيز بن مديهش، وانتفع بعلمه القاصي والداني، فنسأل الله تعالى أن يجبر المصاب بفقده. ذكر ما جرى عليه من الأمور وثقته بالله العزيز الغفور فنقول لما كانت هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان وقنطرة عبور لا موضع حبور اقتصت حكمة أحكم الحاكمين أن يمتحن أوليائه ليميز الخبيث من الطيب، فكان هذا العالم العظيم قد كابد في عمره أهوالًا تشيب لها النواصي وتعجز عن حملها الجبال الرواسي. فأول ذلك فتن سعود بن فيصل وما جرى في ذلك الشقاق من المحن وترادف الدواهي والمحن، يروع بها المسلمون ساعة بعد ساعة، وتذهب الأوقات في الإضاعة، وبعدها فتن آل مهنا وعدم الركون إلى الأمن والراحة، وكثرة الزلازل وتشتت الهم وانكساف البال، وفشوا الباطل والضلال، ذلك لكثرة المكائد، وقلة المساعد وتوفر المخالف والمعاند، وعدم من يفيد في تلك الشدائد حتى أصبح أهل الدين مرَّوعين، وبأثواب المذلة متقلبين، أضف إلى ذلك كثرة الهرج والطوارئ وخوف الأعادي من كل حاضر وبادي، وتطور الأحكام على الأنام، وغلبة الجهال والطغام، مع فرقة الإخوان وتكدر الأذهان، حتى كان لكلٍ شوكة وأعوان، وقد اضطرته الأحوال إلى أن يغادر وطنه ويفارق عشيرته وسكنه، ثم بعد ذلك واقعة المليداء وقدوم محمد بن رشيد يتهدد ويتوعد، وبعدها مقاسات أولئك الأمراء الجورة والولاة الظلمة الفجرة، وآخر ذلك ولاية ابن متعب التي طمت الوادي والقرى.

стр. 444

فأول ذلك فتن آل سعود في منازعتهم الملك فيما بينهم، ثم قتل مهنا في بريدة والشيخ جالس يقرع أذنيه ذلك، ثم ولاية الأمير حسن وما فيها من اختلاف الدين وتشتت المسلمين، ثم واقعة المليداء وما فيها من الأهوال، ثم خروجه لمقابلة ابن رشيد في حال غضبه ومكابدة مرارة توبيخه، ثم بعد ذلك ولاية عبد العزيز بن متعب وواقعة الطرفية، وما جرى عليه بعدها، ثم واقعة البكيرية وترقب الأخطار والأهوال والشدائد، وكان قد جرى عليه من بعض الأمراء أن أوعز على قتله وإعدامه، غير أن الله حفظه ووقاه، وكان يكمن له في طريقه إلى المسجد كل ليلة من باع أخرته بحطام عاجلته يريد قتله بالسيف، فلما مضى عشر ليالٍ تقدم ذلك الشقي لقتله، وحينما رفع السيف يبست يده فصاح للشيخ يستغيث به، وجاء إليه ولم يعلم بحقيقة ما كان يبيته له من الكيد والمكر، فأخبره صراحًا بأنه جعل له جعل ودبر على قتله وإن الله أعجزه، وسأل الشيخ أن يدعو الله له فدعى له وشفي، وقام يسأل ويستفهم عن ذنبه الذي أوجب له ذلك، فما كان لأعدائه جواب سوى الخزي والعار، وماله ذنب إلى تحقيق التوحيد ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] واستمر في تدريسه وإفتائه يرشد الجاهلين ويفيد الطالبين وينشر علمه بين العالمين. ومما قال الشيخ صالح بن سالم يمتدحه في أبيات: وجاء لنا نصرٌ من الله بعدما ... بدى الظن ظن السوء من كل ملحد على يد مأمون السريرة من غدا ... يسمى بشيخ المسلمين محمد أخو الحلم والتقوى مع العلم والحجي ... فلا زال يعلو ساميًا فوق فرقد يقضي بدريس العلوم نهاره ... مجدًا ويحيي ليله بالتهجد ويحمي حما الإسلام جهرًا وأهله ... إذا سامهم خسفًا شديد التوعد أليس الذي قد قام لله وانتضا ... من العزم عضبًا في زمانٍ منكد فقام قيام الليث في عزم باسلٍ ... يرى الموت فخرًا من حسام مهند ولم يثنه في الله لومة لائم ... ولا وهنت منه القوى للتهدد به أيد الله الهدى وانمح الردى ... وعاد العدى واهي ظهور وأعضد

стр. 445

ذكر أولاد الشيخ ﵀ كان له أولاد فضلاء، فمنهم نجله الفاضل الشيخ عبد الله بن محمد، وسيأتي ذكره في سنة وفاته، ويكفي شرفًا له أن تولى قضاء بريدة حتى توفاه الله تعالى. ومنهم الماهر في العلوم الشيخ عمر بن محمد، يأتي ذكره في سنة وفاته أيضًا. ومنهم عبد الرحمن بن محمد ساكن عنيزة، ومنهم صالح بن محمد، فأما عبد الله فإنه خلف بعده نجلًا طيبًا غير أن المنية اختطفته في ريعان الشباب، وكان زاهدًا بضاعته العلم، ويأتي ذكره في ترجمته، وأما عمر فله أولاد متعلمون، وأما عبد الرحمن فقد خلف أولاد متمسكين في الديانة صلحاء ومحبين لأهل الخير، وأما صالح فله أبناء فضلاء، فمنهم الشيخ عبد العزيز بن صالح، كان عالمًا مجدًا في خدمة العلم الشرعي، وقد تولى وظيفة إمام في أحد مساجد بريدة، ونال وظيفة التعليم في إحدى مدارسها، وكان متواضعًا زاهدًا، ويأتي له بقية ذكر. ومنهم الشيخ محمد بن صالح قاضي مستعجلة المدينة المنورة، ثم تولى القضاء في مدينة الخبر الواقعة في المنطقة الشرقية. ومنهم إبراهيم وهواسن من محمد، ولا يزالون في تمسك بالديانة. أما مرض المترجم فإنه أصيب بوجع في قدميه ثم انتقل بعد ذلك إلى رحمة الله تعالى ومات على حالة تسر الصديق، وارتحل إلما جوار أرحم الراحمين، وأتاه طارق الموت والفناء الذي لا يفوته هارب ولا يتحصن منه متحصن، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وذلك بعدما أقر الله عينه بعودة الملك إلى آل سعود. واعلم أني لم أجد قصيدة في وفاة هذا العالم الكبير، غير أن أحببت أن أرثيه بهذه الأبيات تنويهًا بذكره وإحياءً لمآثره: على مثل شيخ المسلمين محمدٍ ... تسح دموع العين حراء تذرف وحق له هذا البكاء وذا الأسى ... أصيبت بما يؤذي النفوس ويؤسف فيا عين جودي بالبكاء تأسفًا ... على عالم أذكاره لا تكيف

стр. 446

سلالة عبد الله من كان أمةً ... حريصًا على نصر الهدى متحنف يدين بنصر الحق مهما وجدته ... فلا لائمًا يخشى ولا عنه يصدف مأثره كالشمس في سادس الضحى ... سوى أن أذكارًا له ليس تكسف وما زال يدعو للهداية جاهدًا ... وينشر أعلام الهدى يتعطف به نصر الرحمن دين محمدٍ ... وعاد به صرح الغواية يرجف هو الليث في الهيجاء إذا الحرب شمّرت ... وقام دعاة الغي للدين تقذف فأسيافه في البحث تردى لماذقٍ ... وتلقى غبيًا في الحضيض وتنسف ومن كان مغزاه الهدى جاهدًا له ... مديبًا على تقديمه ليس ينكف يدين بقال الله قال رسوله ... سجيته بذل النصائح يهتف فإن إله العرش لا بد مظهرٌ ... له رغم أعداء له لو تكلفوا إلهي أوله الغفران منك تفضلا ... فعاداتك الحسنى أجلّ وألطف وأمن لخوف الشيخ واسكن لرعبه ... بيومٍ به أهل الذنوب يخوف أليس الذي قد ثبت الله عزمه ... بوقتٍ به أهل النهي ليس ينصفوا فكان لهم كهفًا منيعًا تهابه ... ملوكٌ بساحاتٍ لها تتخوف وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ محمد عبده المصري رحمة الله عليه، كان يسمى المصلح الكبير، وهذا شيء من ترجمته: هو العالم الشهير والحبر النبيل والبحر الغزير، كان أحد أركان النهضة العربية، وكان خطيبًا كاتبًا، ونشأته من أسرة فقيرة وقد قدمنا شيئًا من ترجمته. ولد المترجم سنة ١٢٦٦ هـ بإحدى قرى مديرية الغربية، ونشأ بين أسرته بمحلة نصر من مديرية البحيرة، وترك بلا تعليم حتى ناهزت سنة العاشرة، ثم رغب في التعلم فحفظ القرآن الكريم وطلب العلم بالجامع الأحمدي، ثم انتقل إلى الأزهر في مصر ونبغ في علومه. إن الأزهر هذا مسجد جامع في مصر شرع في بنائه سنة ٣٥٩ هـ، قام بتأسيسه قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، واسم هذا القائد المؤسس جوهر الصقلي،

стр. 447

وقام بعده بتوسيعه الأمير بيبرس سنة ٧٠٩ هـ، ثم الأمير علاء الدين أقبغا سنة ٧٤٠ هـ، وما زال في التوسعة حتى تضاعفت مساحته، وكان له خمس منارات، ويتألف من مقصورتين، إحداهما هي التي أنشأها جوهر، وبها ٧٦ عمودًا من الرخام الأبيض، والأخرى أنشأها عبد الرحمن كتخذاي وبها ٥٠ عمودًا، ويبلغ عدد أعمدته ٣٧٥، وله تسعة أبواب، ولقد أوقف الأزهر لطلابه الأمراء مثل الناصري والسلطان قانصوه وغيرهم قناطير العسل ومئات الدنانير وكمية من السمن والحلوى وغير ذلك، وبلغ عدد طلبة الأزهر في إحصاء سنة ١٢٦٨ هـ ٥١٤ و ١٧، أما المدرسون فيه فإنهم ١٢٢٠. ولما قدم إلى مصر جمال الدين الأفغاني ١٢٨٢ هـ وأعاد إلى مصر دراسة الحكمة والبيان والكلام، لزمه المترجم، وكان أنبغ تلاميذه وأحرصهم على ملازمته والاستفادة منه، ونال درجة العالمية سنة ١٢٩٤ هـ، واختير سنة ١٢٩٥ هـ مدرسًا للأدب والتاريخ العربي بدار العلوم ومدرسة الألسن، ثم اختير لإصلاح لغة الوقائع المصرية، ثم صار رئيس تحريرها، وفي هذه المدة جعله رياض باشا مراقبًا على كتابة الجرائد وتحريرها، وحدثت عقب ذلك الثورة العرابية ونفي من مصر إلى سوريا، لأن الشبهة أحاطت بعنق المذكور وحوكم وحكم عليه بالنفي المذكور، فتولى التدريس بمدارس سوريا، ثم انتقل إلى أوربا فالتقى بجمال الدين الأفغاني، فأنشأ معًا جريدة العروة الوثقى، ثم عفا عنه الخديوي وعاد إلى مصر قاضيًا بالمحاكم الأهلية، ثم مفتيًا للديار المصرية، وتولى التدريس بالأزهر، وإليه يرجع الفضل في إصلاحه، وما زال كذلك حتى توفى في هذه السنة. وقد رثاه الأستاذ محمد بك حافظ إبراهيم بهذه المرثية العظيمة: سلامٌ على الإسلام بعد محمدٍ ... سلامٌ على أيامه النضرات على الدين والدنيا على العلم والحجي ... على البر والتقوى على الحسنات لقد كنت أخشى عادي الموت قبله ... فأصبحت أخشى أن تطول حياتي فوا لهفي والقبر بيني وبينه ... على نظرةٍ من تلكم النظرات

стр. 448

وقفت عليه حاسر الرأس خاشعًا ... كأني حيال القبر في عرفات أبنت لنا التنزيل حكمًا وحكمةً ... وفرقت بين النور والظلمات ووقفت بين الدين والعلم والدجا ... فاطلعت نورًا من ثلاث جهات وقفت لها نوتو ورينان وقفةً ... أمدك فيها الروح بالنفحات وخفت مقام الله في كل موقفٍ ... فخافك أهل الشك والنزعات وأرصدت للباغي على دين أحمد ... شياة يراع ساحر النفثات مشى نعشه يختال عجبًا بربه ... ويخطر بعين اللمس والقبلات بكى الشرق فارتجت له الأرض رجةً ... وضاقت عيون الكون بالعبرات بكى عالم الإسلام عالم عصره ... سراج الدياجي هادم الشبهات فيا ويحٌ للشورى إذا جدَّ جدها ... وطاشت بها الآراء مشتجرات فيا ويحٌ للفتيا إذا قيل من لها ... ويا ويح للخيرات والصدقات بكينا على فردٍ وإن بكائنا ... على أنفسٍ لله منقطعات تعهدها فضل الإمام وحاطها ... بإحسانه والدهر غير موات وممن توفى فيها من الأعيان الشريف عون الرفيق أمير مكة الشرفة من قبل الدولة العثمانية إذ ذاك، وهو عون بن محمد بن عبد المعين بن عون، ولي إمارة مكة ثلاثة وعشرين سنة، قضاها بحسن حظٍ وقد ظفر بكل من ناواه حتى أبعد الحسين بن علي عن مكة بعدما كان مقيمًا بها في أيام عمه عبد الله بن محمد، وانضم الحسين إليه ليعيش في كنفه، فلما تولى الإمارة الشريف عون، عمل على إبعاد الحسين من مكة، لما يأتيه الحسين من التأليب عليه والكيد له في الخفا حتى تغلب الشريف عون عليه وألجأه إلى الرحيل إلى الأستانة. ولما توفى عون في هذه السنة تولى إمارة مكة بعده الشريف علي باشا، ولكنها لم تطل إمارته، فقد عزل بعدها بسنتين. وممن توفى فيها من الأعيان: يوسف بن عبد الله آل إبراهيم عدو ابن صباح، فيقال لابن صباح: خلالك الجو، فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري.

стр. 449

وفيها تم عمل سكة الحديد التي أنشأها السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد، وكانت قد مدت من المدينة المنورة إلى أن اتصلت بالأراضي الشامية، وكان الباعث لعمل هذه السكة تقريب مسافة المدينة للحجاج والزوار الذين يأتون إليها من مسافة بعيدة، والأمر الثاني صلة بلاد الحجاز لأجل إذا وقع أي واقع تسنى للدولة في الحال إخماده، وكانت مدة العمل فيها سبع سنوات، وأنفقت عليها خمسة ملايين وربع مليون جنيه عثماني، ويقدّر العارفون أن هذا المبلغ قليل بالنسبة لطول الخط، وكان طوله ١٩٥٩ كيلو متر، فأصبحت المدينة زهرة البلاد الحجازية، ولولا فقد السلطان وتلا الحرب العظمى لالتحقت سائر بلاد الحجاز بالمدينة، وما زالت هذه تتلاشى حتى بطل عملها. وفي هذه السنة أرسلت الدولة العثمانية أحد رجالها الكبار، وهو المشير أحمد فيضي باشا الذي اشتهر بشجاعته وحسن سياسته، وشفعته الدولة أيضًا برجل آخر اسمه الفريق صدقي باشا المتصف ببعد النظر وطول الآناة، جاء الأول بثلاث طوابير وخمسة أطواب من بغداد، وجاء الثاني من المدينة بطابورين، فالتقوا وعسكروا قرب القصيم، ولم يكونوا قصدوا الحرب، ولكنهم رغبوا في المفاوضة من أجل السلم، وإنما أرسلت الدولة هذه القوة من جندها لتعزز جانبها، وكانت قد بعثت إلى ابن سعود بواسطة الشيخ مبارك بن صباح تقول: إنها تريد أن تفاوض أباه عبد الرحمن بن فيصل، وطلبت أن يوافي والي البصرة إلى الزبير، فأجاب الإمام طلب الدولة وسافر إلى الكويت ومنها إلى الزبير، وكان قد اتفق بمبارك بن صباح في الكويت فسارا معًا إلى الزبير، فاجتمعا هناك بالوالي، وبعد المفاوضات في أمور نجد والقصيم قرروا أن يكون القصيم على الحياد أي يصير حاجزًا بين ابن سعود وابن رشيد وأن يكون للدولة فيه مركز عسكري وموضع شورى، ولكن عبد الرحمن بن فيصل لم يوافق على هذا الأمر، غير أنه وافق بعد أن يعرض ذلك على أهل نجد إكرامًا للشيخ مبارك، ولم يقبل أهل نجد ذلك البتة بأن يكون القصيم على الحياد ولا أن يكون للدولة فيه حامية قطعًا.

стр. 450

فلما عاد الإمام عبد الرحمن، خرج ابنه الملك عبد العزيز لاستقباله إلى الحسي، فاجتمع به هناك وسارا إلى شقراء، فأقام والده فيها، واستمر عبد العزيز سائرًا برجاله إلى القصيم، فنزل موضعًا يسمى العمار يبعد عن بريدة جنوبًا بخمسة وعشرين ميلًا، وكان فيضي باشا وصدقي قد اجتمعا بابن رشيد فتفاوضوا واختلفوا، وكان ابن رشيد قد أراد من الباشا أن يضغط أهل القصيم ويأخذهم بالسيف، فخالفه المشير ولسان حاله يقول: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مرةٍ ... بلغت من العليا كل مكان ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الفرسان وكان صدقي باشا يتعجب من شجاعة عبد العزيز بن رشيد، حتى قال هذا فارس كعلي بن أبي طالب في الشجاعة، لكنه أعطى حظًا من السياسة، فعاد ابن رشيد بعسكره حانقًا إلى الكهفة وركب المشير على رأس جنوده قاصدًا القصيم، ولما وصل إلى بريدة منعه أهلها من الدخول، ولكن الأمير صالح الحسن أرسل إليه رسولين هما عبد الله بن عمرو، ومحمد بن علي أبا الخيل يقول إنه وأتباعه يطلبون حماية الدولة والاستقلال، أما بريدة وعنيزة وتوابعهما من القرى فلم يقبلوا سادة الأتراك بل أرسلوا إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن ليأخذون راية في المقاومة، وكان فيضي باشا قد أرسل رسولًا إلى الرياض يقول أن الدولة لا تبغي محاربة أهل نجد، وأنه جاء مسالمًا، ثم أرسل إلى ابن سعود في العمار يؤمنه قائلًا: إنني لا أريد إلا السلم، ولست محققًا مقاصد ابن رشيد، وقد سأله أن يلزم مكانه ويرسل أباه عبد الرحمن ليوافيه إلى عنيزة للمفاوضة، فقبل عبد العزيز ذلك وأمر الناس أن يخلدوا إلى السكينة فلا يأتون عملًا عدائيًا أثناء المفاوضة، فركب الإمام عبد الرحمن بن فيصل من شقراء إلى عنيزة، وسار فيضي باشا جنوبًا فنزل على مقربة منها، فتواجه الأثنان في عنيزة وأسفرت المفاوضة على أن يكون للدولة مركزان في القصيم، أحدهما في بريدة والثاني في عنيزة، ويكون هذا مؤقتًا إلما أن يتم الصلح بين ابن

стр. 451

سعود وابن رشيد، هذا ما تريده الدولة، ولكن أهل القصيم لا يريدون ذلك إلا ما كان من أمير بريدة صالح الحسن فإنه قبل وأتباعه ذلك، فرأى الإمام عبد الرحمن أن يقبله أهل القصيم مؤقتًا، وكاد أن يتم وأن يكون ساري المفعول، ولكنه حال دونه حوادث صنعاء في اليمن وما صنعه الإمام يحيى من شدة الحصار على صنعاء، وفيها ستون ألفًا من الأتراك العسكريين والمدنيين كما تقدمت الإشارة إليه. وبما أنه ليس عند الدولة للنكبات أقدر ولا أشجع من المشير فيضي، توكل عليه في إنجاد أبنائها الذين أطعمهم يحيى في حصاره النار والفار وأشياء ذكرها حتى أشرفوا على الموت، فلذلك صدر الأمر إلى أحمد فيضي بالإسراع إلى اليمن، فسار نحوه وترك القصيم ومشاكله لصدقي باشا يحلها بالتي هي أحسن، ولما تولى صدقي باشا قيادة الجيش نقل إلى الشحية فعسكر فيها، وما كان له ما للمشير من سعة الرأي، بل اهتزت منه جارحة للحركة، وأقام بجنوده في الشحية لا محاربين بل مفاوضين، بل كانوا متفرجين، وقد استأنف ابن سعود وابن رشيد القتال، ولما وصل المشير فيضي باشا إلى اليمن أمدته الدولة بخمسين ألف مقاتل لتأديب الثائرين والعصاة، فاستولى ثانيةً على صنعاء ثم تتبع الإمام يحيى الذي انسحب بجنوده إلى شهارة، ولكنه دحر شر دحرة هناك، فعقد بعدها اتفاق بين الإمام يحيى وبين الدولة العثمانية، لكنه لم يدم غير بضع سنين. وفيها استنجد أمير قطر وشيخها قاسم بن ثاني بعبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود على أخيه أحمد بن ثاني وبني مرة، فقد عصوا عليه وكادوا يخرجونه من قطر، فبادر إليه ابن سعود في وقت كان القصيم يغلي فيه بمراجل التقلبات، فضرب الثائرين ضربة أعادت لقاسم بن ثاني كامل نفوذه وسلطنته، وكان قاسم هذا من أعز أصدقاء عبد العزيز وأحبهم إليه، تربطهما رابطة العقيدة السلفية وحسن الجوار، ولكنه حصل منه ﵀ بعض الحسد على ابن سعود لما ولّاه الله بلاد الإحساء، وسيأتي ذكر ذلك في موضعه إن شاء الله.

стр. 452

ذكر الحركة والتقلبات في القصيم لما نقل صدقي باشا إلى الشحية وعسكر فيها جرى شقاق وحركة في القصيم وانقسم أهل القصيم إلى ثلاثة أقسام: قسم مع ابن سعود، وقسم مع الدولة، وقسم مع ابن رشيد، ولما أن رأى ابن سعود ما تفتق من الشر نفض يديه وتركه بين هذين العدوين ميمنًا نحو الرياض، فعندها قام الفريق الأكبر من أهل القصيم وهم الذي يؤثرون ابن سعود وسيادته وأرسلوا إلى أمير الكويت مبارك بن صباح يطلبون منه أن يتوسط بين أهل القصيم وابن سعود، فإنهم لا يريدون سواه ملكًا، ومبارك وإن كان الصديق الأقرب لابن سعود فإن استيلائه على هذه الممالك أحدث له خوفًا أن يمد ابن سعود يده إلى ملكه، كيف لا وملك نجد إذا ما استولى على القصيم واجتاز الحفر لا يقف على حد دون الخليج، وقد أحسَّ ابن سعود من مبارك انقلابًا في نيته. ولما طلب منه أهل القصيم أن يتوسط بالصلح اغتنم هذه الفرصة لينفي التهمة عن نفسه، وبعث إلى عبد العزيز يظهر أنه الصديق الأعظم له، ويشير عليه أن يعود إلى القصيم، وأن يعفو عن أهله لأنهم مخلصون له ولا يبغون سواه ملكًا. وهذه كبوات الشيخ مبارك فنقول لما امتدت فتوحات ابن سعود وطلع نجم سعده حسده مبارك وقام يريد استرضاء الدولة لما كانت ناقمة عليه قتله أخويه، فسعى في استرضائها ومصالحة حليفها ومخلصها عبد العزيز بن متعب بن رشيد، وكان يظهر الصداقة لابن سعود ويكاتب سرًا ابن رشيد، فأرسل إليه رسلًا تحمل كتب التودد والولاء بينه وبينه، وإنه عقد صلحًا معه تم أخر هذه السنة، وكان كاتب ديوان الشيخ مبارك غير موفق، فقد جرى سر ذلك مكشوفًا، وذلك بأنه لما كتب مبارك مرةً إلى ابن رشيد هذا الكلام: إني متكدر جدًا من أعمال ابن سعود، وقد جرت الأمور في نجد على غير ما اشتهى، أما الآن فأنا وإياكم عليه

стр. 453

والكويت وحائل شقيقان، ومصلحة البلدين واحدة، ولكم مني ما تشاؤون من المساعدة على حرب ذلك النشئ .. إلخ، وكتب إلى ابن سعود يقول: ولدي يا ولدي أنا معك في كل حال وحين، قواك الله وتولاك، لا تترك هذا الكلب فحل الشول ولا تدعه يستريح ولا تصالحه وأنا أبوك مستعد لمساعدتك في كل ما تريد، ثم إن الكاتب جعل غلطًا كتاب هذا في ظرف هذا وكتاب هذا في ظرف هذا وكلٍ وصله كتاب خصمه. ولما علم ابن صباح بما كشفه الله واطلع عليه ابن سعود بعث بعده كتابًا بعدما استأنف القتال إلى ابن سعود فيه كلام وجيز قاسي، وفيه إذا كان لا يعيد المنهوبات التي نهبها من ابن رشيد فسيعلن عليه الحرب، وهذه المنهوبات غنمها رجل من أنصار ابن سعود يسمى علي الضويحي من قبيلة الظفير، غنم المذكورة من قبائل العراق، وليس لمبارك حق في التدخل بما لا يعنيه. ولم يكتف بذلك بل صالح أمير بريدة صالح الحسن وكتب إليه يحرضه على قتال ابن سعود، وكل هذه مضحكات جرت من مبارك بن صباح فالله المستعان. ذكر أمر صالح الحسن بن مهنا قد ذكرنا الحركة والتقلبات في القصيم، وذلك لأنه لما بادر ابن سعود لنجدة ابن ثاني في قطر انتهز أمير بريدة فرصة غيابه، وظهر من آل مهنا في هذه السنة حقدهم الذي كان كامنًا في قلوبهم كالنار في الزناد. وذلك أن عبد الله بن فيصل بن سعود قد شكى إليه فيما تقدم آل مهنا أعدائهم آل أبي عليان، فلم ينصرهم عبد الله بل انضم إلى عدوهم بالمناصرة، فظل هذا الغل والحقد كامنًا إلى هذا الوقت فظهر من صالح الحسن الذي يود الاستقلال كأبيه أيضًا، وهيهات فقد تغيرت الأحوال والظروف وكان يتبادر منه الانضمام إلى الدولة. ثم خرج على ابن سعود وابن رشيد معًا وشرع يتزلف إلى الترك لتحقيق ما

стр. 454

يريد في تقلب الأحوال وتلون الحوادث، ولما أن تباعد ابن سعود من نجد كان في ذلك أخذة أسف لابن رشيد من القصيم. ولما أن أطلق صالح الحسن يديه من ابن سعود كان لابن سعود أكبر الحظ في ذلك لأن صالحًا تأكد وأتباعه بعد ذلك أنهم لا يستطيعون الدفاع إذا أشهر ابن رشيد عليهم الحرب، وربما أن يكون ابن سعود ارتحل من القصيم ليتخلى عن أهله ويدع صالحًا وشأنه ليكون له من خطأه وعجزه أكبر تأديب. فقد أرسل ابن رشيد سرية على الفور إلى الرس يقودها صالح العذل معه حسين بن عساف فاستولت عليه، فاجتمع أهل القصيم في قرية الشقة لأجل الدفاع وقد انضم إليهم عدد من العربان، فهجم عليهم ابن رشيد وقتل منهم عددًا وحاصر البقية في تلك القرية، فضج القصيم وعلم الأمير صالح الحسن أنه ليس لهم منعة إلا بعون الله ثم بابن سعود. فلما بلغت ابن سعود أخبار القصيم بعده عاد مسارعًا إلى نجد وبعث أخاه محمد على الفور يقود سرية لمدافعة ابن رشيد، فهجمت السرية على حرب وعادت فنزلت وادي الدواسر. أما صالح الحسن فإنه أرسل أخاه مهنا إلى أهل عنيزة يطلب منهم أن يشفعوا له عند ابن سود، فذهب الوفد ورحب به وعفا عن صالح وأتباعه، ثم إنه توجه ابن سعود إلى القصيم ولكنه لم يكن إذ ذاك قادرًا على محاربة ابن رشيد لسببين: أحدهما الجدب القحط في تلك السنة، والثاني تفرق البادية ليهتموا بمواشيهم. ولما علم ابن رشيد بقدوم خصمه خرج من منزله في البقيعة وأغار على قبيلة من مطير، فأخذها وعاد فنزل في قصيبا، وتكررت غزواته على قبائل ابن سعود وجعل ينتقل من قصيبا إلى الأجفر، ومن الأجفر إلى البشوك، وكانت قصيبا على مسيرة اثنتي عشرة ساعة من بريدة إلى الشمال، كما أن الأجفر بين القصيم وحائل. وأما البشوك فكانت على مسيرة خمسة أيام من حائل شرقًا، فلما رآه ابن سعود على تلك الإغارات قفل راجعًا إلى نجد ليستفز العربان من عتيبة ومطير

стр. 455

الأعلين، فجمع جيشًا وعاد به إلى القصيم لمحاربة هذا الجبار المريد عبد العزيز بن متعب بن رشيد. ولما وصل القصيم أحسّ أن صالح يسعى سرًا في مصالحة ابن رشيد، غير أن صالحًا جاء معه قوم من أهالي بريدة فانضم إلى ابن سعود، ولما جاء بهذه الصفة وانضم إليه قبله على علاته، وما كان ليخفى عليه أمره وخيانته، لكنه حليم وذو سياسة. أما عبد العزيز فإنه نزل بجيشه في الأسياح، وأقام بها عشرين يومًا في جيشه الذي كان مؤلفًا من الحاضرة والبادية، هذا وأمير بريدة صالح بن حسن عنده تلك الأيام يظهر الولاء، ثم إنه بدا له أن ينسحب وقومه من الأسياح فيبقى ابن سعود بجيشه الذي معه، ولا قدرة له على ابن رشيد، وهذه خيانة من صالح، نسأل الله العافية، ففطن ابن سعود، غير أنه أحب ترميم الشرور، وقام بجيشه من الأسياح فزحف إلى الزلفي، وكان بينهما قدرًا من خمسين ميلًا جنوبًا عن الأسياح، كما أن الأسياح عن بريدة شمالًا بشرق قدرًا من أربعين ميلًا، وإنما انتقل ابن سعود ليبعد عن صالح ومحلته. ولما أن وصل في زحفه إلى مكان يسمى النبقية، استأذنه صالح الحسن بالرجوع إلى بريدة، فأذن له لأنها تقررت خيانته، فعاد إلى بريدة، واستمر ابن سعود بزحفه إلى الزلفي وجعل يجمع الجيش، ثم رحل من الزلفي ونزل على ماء غدير بالقرب من الأرطاوية، فانضمت إليه قبائل مطير التي يرأسها فيصل الدويش، وبلغه هناك خبر الصلح الذي تم بين مبارك بن صباح وبين ابن رشيد وما ملأ عليه صالح الحسن من التحريض على قتاله ومقاومته، وختمت هذه السنة بزعازع وخيانات وتقلبات، فالله المستعان. ثم دخلت سنة ١٣٢٤ ه ـ استهلت هذه السنة وابن رشيد لا يكاد ينام، لأنه إذا غمضت عيناه يفزع مرعوبًا يقول: جائني الحواشيش، مالي وللحواشيش، وكان يتبدا له ذلك الشيخ

стр. 456

الهرم الذي قتل ولده أمامه فيخنقه، ثم ينتبه مرعوبًا وكلامه في أذنيه يقول له: يا ظالم والله لا تفلح، وقد قدمنا صفة قتلهم الذي سيجازيه الله عليه، وقد قتل في الموضع الذي قتلهم فيه قبل مضي سنة من قتلهم، هذا وما كان إلا في عتوّه، فهو يتنقل في أطراف القصيم ويجوس خلاله. ولما كان في افتتاح هذه السنة في غرة محرم، نزل ابن سعود على غدير الأرطاوية المذكور، وجعل يجند الجنود حتى تكامل جيشه ألفًا وستمائة مقاتل، ألف ومائتان من الحضر وأربعمائة خيال من البادية، فزحف بهذا الجيش مسرعًا إلى القصيم، وقد دفع الراية إلى مطرف، وكان مسيره في آخر محرم يريد ابن رشيد في الثويرات من عقلة الزلفي لما ذكر له أنه معسكر هناك، وكانت أمكنة وعرة كثيرة الرمال. ولما أن زحف إليه لم يدركه هناك، وكان ذلك في ١٧ صفر، وهذا في يوم من أيام الربيع العاصفة الماطرة التي لا يطيب الحرب ولا الغزو فيها للرياح والأمطار، فقد يدنوا المتحاربون بعضهم من بعض دون أن يشعروا بذلك، فإذا هم فجأة في المهلكة الكبرى، وكان ابن رشيد يتراجع ليصل إلى الشقة فيجتمع هناك بصالح الحسن الذي جاءه مناصرًا مصالحًا، وقد أخذه الله قبل أن يجتمع به، وكان حامل رايته رجل يدعى الفريخ. ذكر قتل عبد العزيز بن متعب سنة ١٣٢٤ ه ـ لما أراد الله أن ينفذ فيه إرادته، جرى منه غفلة أهمل بها أمر العدو، ذلك لأمر يريده الله تعالى، فإنه سار ابن سعود مجدًا في طلبه طيلة ذلك اليوم، ثم إنه لما كان من آخر النهار توقف ابن سعود ورجاله عن تتبعه، وذلك لأن شدة الأمطار والرياح منعتهم من أن يواصلوا السير نحوه، فعاد كشافة ابن سعود يخبرونه بأنه على مسيرة ساعتين منهم، وقد نزل روضة مهنا، فعندها بادر ابن سعود ورجاله مشيًا على الأقدام كي لا يشعر العدو بقدومهم، ولكن بعض كشافة ابن رشيد

стр. 457

بادروا إلى أميرهم بالخبر، وقد نام فجعلوه يوقظونه وهو يتأنى ليقضي الله أمرًا كان مفعولا، فاستيقظ وشرع يذمر جيشه، وكان مؤلفًا من ستمائة من الحضر وألف ومائتين من البادية الخيالة، ثم أمر أن تضرم النيران، فكانت سببًا لهجوم الجيش عليهم، فهجم الجيش السعودي إلى ساحة القتال، ولم تنتصف ليلة ١٨ صفر إلا وقد اختلط الجيشان وتواقعا تحت جناح الليل. وكان السعوديون قد هجموا على جناح شمّر فزحزحوهم، وصال في موضعهم بعدما تقهقر جنود ابن رشيد. هذا وما علم ابن رشيد بهذا الهجوم، بل ركب حصانه وتبع راية ابن سعود يظنها رايته لأنها تقهقرت رايته وثبتت في مكانها، وهو ينادي من هنا يا لفريخ من هنا، يا لفريخ أيش هذا التدبير، يا لفريخ، ولكن ابن الفريخ قد تقهقر مع المتقهقرين، فلما عرف السعوديون صوته صاحوا ينادون بقولهم ابن رشيد، ابن رشيد، يا طالبيه، فصوبت البنادق وثار به بضع وعشرون رصاصة، فخرَّ صريعًا عن ظهر جواده يتخبط في دمائه، فأخذ الجيش السعودي سيفه ونزعوا خاتمه وألقوهما بين يدي عبد العزيز بن عبد الرحمن، ذبحناه وهذا سيفه وخاتمه يا إمام، ثم إنه قطع رأسه وذهب به ثلة من السعوديين إلى سوق بريدة وهم يقولون نحن أهل العوجا مروية السنين أسنة الرماح، وجعل المسلمون يستبشرون بقتله، وانتهت حياته المملوءة بالدماء وآخرها دمه. وهذه ترجمته نذكرها وإن كان قد تقدم بعضها: هو الأمير الخطير وذو الشأن الكبير والعلم في الشجاعة، الرفيع الشهير عبد العزيز بن متعب بن عبد الله بن علي بن رشيد بن عبد الله آل رشيد آل خليل آل جعفر آل عبدة الذي شهدت له بالشجاعة أبطال الرجال، وتضعضعت عن ملاقاته عناتيب الأشبال، هو الذي تنفست عنه جزيرة العرب في القرن الرابع عشر، فكان فارسًا شجاعًا وبطلًا مغوارًا إلى حد الهوج، وبلغت به شجاعته درجة من القساوة والسطوة تعدت به عن حد السياسة التي هي من شروط الأمراء الأساسية وأعلى

стр. 458

درجة من الشجاعة الهوجاء، فهو الجبار العنيد وذو البطش الشديد، ولد في أوائل ١٢٧٤ هـ قبل وفاة والده باثنتي عشرة سنة، وقال عنه القائد التركي لا شاهد تلك الجرأة والبسالة: هذا فارس كعلي بن أبي طالب في الشجاعة لا غير، ولا أظنه سمع بقول القائل: الرأي قبل سجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني ولم يكن على شيء من السجايا التي تحبب القائد إلى رجاله والحاكم إلى رعيته، بل كان جبارًا عنيدًا عتيًا لا أثر للخوف في قلبه ولا شيء من الرحمة والحنان، أضف إلى ذلك أنه قطوب عبوس كثير التلثم، فسمي العبوس المتلثم الذي قلما يتبسم. فمن عنفه وشجاعته أن رؤيته تذيب الأبطال وذكره يزعزع الرجال، وقد يقتل ذكره، ونحن نسوق شيئًا من عجائب سطوته، فإنه كان في أيامه رجلٌ يكاتب ابن سعود، فعثر رصدته في بعض الأيام على كتاب هذا الرجل، فأخذوه وقدموه إلى ابن رشيد، فلما علم بموضوعه بعثه مع خادم وقال للخادم ألقه بين يدي كاتبه، فعجب لذلك الخادم وسأله مستفهمًا أيقتله؟ قال بل ناوله كتابه وأئتني، فذهب وعمل بأوامر سيده، ولما فتحه ذلك البائس إذا بكتابه الذي بعث به إلى ابن سعود قد وقع في يد ابن رشيد فانزعج لذلك وانقطع قلبه فمات، وذلك لأنه علم أن ابن رشيد قد اطلع على موالاته لعدوه، وسيعاقبه على ذلك، وما كان لأحد أن يجيره منه فمات لذلك. ولما انهزم مرةً، ذهب إلى جهة حائل فنزل ضيفًا برجل في إحدى قرى حائل ومع خمسة من رجاله، فغيّر هيئته وأخفا خبره لأن لا يعرفه ربّ المنزل، ولا قدم المضيف طعام العشاء، قام على رؤسهم يروحهم، وكان كهلًا كريمًا، فأخذ ابن رشيد يحادثه على غير معرفة قائلًا له: يا رجل هل سمعتم عن هذا الظالم ابن رشيد، إنهم يقولون أنه انكسر وظهر عليه ابن سعود، فأخبرنا عن الأخبار وما جرى لهذا الفاجر، فتخلل صاحب المنزل بلسانه وأجاب بقوله: أبشرك بأن الله خذله، فلعل الله أن يريح منه المسلمين، فقد طالما كانوا في أذى منه، فأجابه قائلًا: يا

стр. 459

عم أكل الناس يبغضه؟ قال ومن يحبه لعنه الله، ولكن يجب ألا يسمعنا أحد فيبلغه ذلك، وكانت الذبيحة التي قدمها يتسامن المعز، فسكت ابن رشيد ثم جعل يقلب عصعص التيس ويقول: هذا تيس يلعن حيك يردد هذه الكلمة، وكان نور السراج ضعيفًا فجعل المضيف يقلب النظر فيه بين مصدق ومكذب لما عرف لغته وتذكر ابن رشيد فإذا هو فصرخ الرجل صرخة لما كان يعلمه عنه وكان مستندًا على الحائط واقفًا، فأزال الأمير الكوفية عن وجهه وبدره بقوله: لك عهد الله وميثاقه أن لا يصلك مني بأس، فإذا به قد سقط على الأرض وقضى نحبه، فعياذًا بالله من هذه الفظاظة. وكان ذات يوم جالسًا للناس في الفلاة بين أصحابه، فاحسّ بشيء يلدغه في ظهره، فخاف أن تكون شيئًا من الحشرات التي لا تستحق الاهتمام، فسكت وتجلد حتى انتهى من عمله، ثم دخل إلى الخيمة وطلب أحد عبيده فجاء ورفع ثيابه فإذ ما بين كتفيه عقرب كبير يلدغ جلده، فصاح العبد مذعورًا وخشي أن يمس العقرب، فتناوله الأمير عبد العزيز بيده ورماه خارج الخيمة، ثم أمر الخادم أن يذر على مكان اللدغ رمادًا حاميًا، ونام الأمير بعد ذلك كأن لم يكن شيء، وكل هذا يدل على صلابته وشدته وحدته وقسوته، وكان في ظلمه وعسفه وجبروته تضرب به الأمثال، ولا ريب أنه نقمةً أحلها الله بأهل نجد وعذبهم به، وكان يبعث رجاله إلى أهل القرى تنهب البطيخ واليقطين والرطب والبرسيم، ومن أبى فإنه يؤخذ ظهره بالضرب والتعذيب، وكان يبعث إلى أرباب البقر من يأتي بألبانهم إليه فبعدما يحلبونه ويمخضونه على مرأى من الأطفال والعوائل، ينتظرون خادم الأمير فيطرق الباب ويأخذه، وقد يبعث إلى أهل البيت بسبعة ريالات أو ستة لعلف البقر، أضف إلى ذلك مسائل أخرى من المحن. وقد وصل في هذه الدرجة إلى أشياء يستحي من ذكرها، بلغت في التسفل إلى غاية لا يرضاها لنفسه كريم، وجرَّ عساكر الأتراك إلى نجد، وأهان أهل الدين والعلم وأجلاهم عن الأوطان، ولم يرع لكبير حرمة، ولم يعامل ضعيفًا برحمة،

стр. 460

وشدد الوطأة على الأغنياء حتى عزم على قتلهم، ثم إنه بدا له بعد ذلك أن يسبي أموالهم، وجعل عليهم ضرائب أرهقهم بها، ولقد فرح بقتله المسلمون حتى قومه من شمّر، وذلك لما كابدوه من الأهوال والحروب معه، ولما قتله الله على يدي جلالة الملك ابن سعود، وتحقق قومه قتله، أطلقوا أعنة ركابهم فارين منهزمين إلى حائل ولم يرى ابن سعود تتبعهم، فما أذن لرجاله أن يتعقبوهم. وكان سنه يوم قتل خمسين عامًا، وقد أنشأ الأديب الشيخ حسن بن علي بن نفيسة الحنبلي قصيدة في قتل ابن رشيد وما جرى لابن سعود من النصر، وهي هذه: لك الحمد يا منان والفضل والشكر ... لقد قلت أن العسر يتبعه اليسر ففرجت عنا الكرب من بعد ذلنا ... تفضلت بالأنعام إذ مسنا الضر ترينا بعدلٍ منك إظهار عجزنا ... فتعطف بالحسنى علينا فتستر فتحت لنا فتحًا وأظهرت أمرنا ... وقدرت منا الحد فاعتدل النصر لقد حشدوا أهل الشقاق وألبوا ... جنودًا كأوباش الحما لها القفر نجوم نفاق في قرى نجدنا بدت ... ولكن خفت لما سمي فوقها البدر وكل على ساق العداوة قائم ... حراصًا لو اسطاعوا لنا فرصة كروا وقد أجهد الطائي في حرب شيخنا ... وحاول أمرًا والإله له أمر وكاد ولم يترك خنا وخديعة ... ولم يدر أن السوء يمحقه المكر أتى بطغام أعسرين وأنهم ... لدى القرن ميل إذ يصادمهم نفر وساقهمو سوقًا حثيثًا لحينهم ... ففاتهم الإقبال وأنهتك الستر نشا العارض النجدي يبرق غدوة ... كعارضٍ عاد حالك قذفه جمر ولكنه للمسلمين مسرة ... وبالعكس للطاغين يمطرهم شر بوارقه حد الضباة ورعده ... قواصف من أفواه ما أنتج الكفر فسيَّره الرحمن قصدًا إليهم ... وميكاله ليث الشرى ويعضل الكسر إذا فل يومًا للمعادين راية ... عليها عقاب الطير حلق والنسر نصف على كل الخميس كواسر ... وفي ظلها يشتد من ضمه الجمر
следующие страницы →