← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الهرم الذي قتل ولده أمامه فيخنقه، ثم ينتبه مرعوبًا وكلامه في أذنيه يقول له: يا ظالم والله لا تفلح، وقد قدمنا صفة قتلهم الذي سيجازيه الله عليه، وقد قتل في الموضع الذي قتلهم فيه قبل مضي سنة من قتلهم، هذا وما كان إلا في عتوّه، فهو يتنقل في أطراف القصيم ويجوس خلاله. ولما كان في افتتاح هذه السنة في غرة محرم، نزل ابن سعود على غدير الأرطاوية المذكور، وجعل يجند الجنود حتى تكامل جيشه ألفًا وستمائة مقاتل، ألف ومائتان من الحضر وأربعمائة خيال من البادية، فزحف بهذا الجيش مسرعًا إلى القصيم، وقد دفع الراية إلى مطرف، وكان مسيره في آخر محرم يريد ابن رشيد في الثويرات من عقلة الزلفي لما ذكر له أنه معسكر هناك، وكانت أمكنة وعرة كثيرة الرمال. ولما أن زحف إليه لم يدركه هناك، وكان ذلك في ١٧ صفر، وهذا في يوم من أيام الربيع العاصفة الماطرة التي لا يطيب الحرب ولا الغزو فيها للرياح والأمطار، فقد يدنوا المتحاربون بعضهم من بعض دون أن يشعروا بذلك، فإذا هم فجأة في المهلكة الكبرى، وكان ابن رشيد يتراجع ليصل إلى الشقة فيجتمع هناك بصالح الحسن الذي جاءه مناصرًا مصالحًا، وقد أخذه الله قبل أن يجتمع به، وكان حامل رايته رجل يدعى الفريخ. ذكر قتل عبد العزيز بن متعب سنة ١٣٢٤ ه ـ لما أراد الله أن ينفذ فيه إرادته، جرى منه غفلة أهمل بها أمر العدو، ذلك لأمر يريده الله تعالى، فإنه سار ابن سعود مجدًا في طلبه طيلة ذلك اليوم، ثم إنه لما كان من آخر النهار توقف ابن سعود ورجاله عن تتبعه، وذلك لأن شدة الأمطار والرياح منعتهم من أن يواصلوا السير نحوه، فعاد كشافة ابن سعود يخبرونه بأنه على مسيرة ساعتين منهم، وقد نزل روضة مهنا، فعندها بادر ابن سعود ورجاله مشيًا على الأقدام كي لا يشعر العدو بقدومهم، ولكن بعض كشافة ابن رشيد

стр. 457

بادروا إلى أميرهم بالخبر، وقد نام فجعلوه يوقظونه وهو يتأنى ليقضي الله أمرًا كان مفعولا، فاستيقظ وشرع يذمر جيشه، وكان مؤلفًا من ستمائة من الحضر وألف ومائتين من البادية الخيالة، ثم أمر أن تضرم النيران، فكانت سببًا لهجوم الجيش عليهم، فهجم الجيش السعودي إلى ساحة القتال، ولم تنتصف ليلة ١٨ صفر إلا وقد اختلط الجيشان وتواقعا تحت جناح الليل. وكان السعوديون قد هجموا على جناح شمّر فزحزحوهم، وصال في موضعهم بعدما تقهقر جنود ابن رشيد. هذا وما علم ابن رشيد بهذا الهجوم، بل ركب حصانه وتبع راية ابن سعود يظنها رايته لأنها تقهقرت رايته وثبتت في مكانها، وهو ينادي من هنا يا لفريخ من هنا، يا لفريخ أيش هذا التدبير، يا لفريخ، ولكن ابن الفريخ قد تقهقر مع المتقهقرين، فلما عرف السعوديون صوته صاحوا ينادون بقولهم ابن رشيد، ابن رشيد، يا طالبيه، فصوبت البنادق وثار به بضع وعشرون رصاصة، فخرَّ صريعًا عن ظهر جواده يتخبط في دمائه، فأخذ الجيش السعودي سيفه ونزعوا خاتمه وألقوهما بين يدي عبد العزيز بن عبد الرحمن، ذبحناه وهذا سيفه وخاتمه يا إمام، ثم إنه قطع رأسه وذهب به ثلة من السعوديين إلى سوق بريدة وهم يقولون نحن أهل العوجا مروية السنين أسنة الرماح، وجعل المسلمون يستبشرون بقتله، وانتهت حياته المملوءة بالدماء وآخرها دمه. وهذه ترجمته نذكرها وإن كان قد تقدم بعضها: هو الأمير الخطير وذو الشأن الكبير والعلم في الشجاعة، الرفيع الشهير عبد العزيز بن متعب بن عبد الله بن علي بن رشيد بن عبد الله آل رشيد آل خليل آل جعفر آل عبدة الذي شهدت له بالشجاعة أبطال الرجال، وتضعضعت عن ملاقاته عناتيب الأشبال، هو الذي تنفست عنه جزيرة العرب في القرن الرابع عشر، فكان فارسًا شجاعًا وبطلًا مغوارًا إلى حد الهوج، وبلغت به شجاعته درجة من القساوة والسطوة تعدت به عن حد السياسة التي هي من شروط الأمراء الأساسية وأعلى

стр. 458

درجة من الشجاعة الهوجاء، فهو الجبار العنيد وذو البطش الشديد، ولد في أوائل ١٢٧٤ هـ قبل وفاة والده باثنتي عشرة سنة، وقال عنه القائد التركي لا شاهد تلك الجرأة والبسالة: هذا فارس كعلي بن أبي طالب في الشجاعة لا غير، ولا أظنه سمع بقول القائل: الرأي قبل سجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني ولم يكن على شيء من السجايا التي تحبب القائد إلى رجاله والحاكم إلى رعيته، بل كان جبارًا عنيدًا عتيًا لا أثر للخوف في قلبه ولا شيء من الرحمة والحنان، أضف إلى ذلك أنه قطوب عبوس كثير التلثم، فسمي العبوس المتلثم الذي قلما يتبسم. فمن عنفه وشجاعته أن رؤيته تذيب الأبطال وذكره يزعزع الرجال، وقد يقتل ذكره، ونحن نسوق شيئًا من عجائب سطوته، فإنه كان في أيامه رجلٌ يكاتب ابن سعود، فعثر رصدته في بعض الأيام على كتاب هذا الرجل، فأخذوه وقدموه إلى ابن رشيد، فلما علم بموضوعه بعثه مع خادم وقال للخادم ألقه بين يدي كاتبه، فعجب لذلك الخادم وسأله مستفهمًا أيقتله؟ قال بل ناوله كتابه وأئتني، فذهب وعمل بأوامر سيده، ولما فتحه ذلك البائس إذا بكتابه الذي بعث به إلى ابن سعود قد وقع في يد ابن رشيد فانزعج لذلك وانقطع قلبه فمات، وذلك لأنه علم أن ابن رشيد قد اطلع على موالاته لعدوه، وسيعاقبه على ذلك، وما كان لأحد أن يجيره منه فمات لذلك. ولما انهزم مرةً، ذهب إلى جهة حائل فنزل ضيفًا برجل في إحدى قرى حائل ومع خمسة من رجاله، فغيّر هيئته وأخفا خبره لأن لا يعرفه ربّ المنزل، ولا قدم المضيف طعام العشاء، قام على رؤسهم يروحهم، وكان كهلًا كريمًا، فأخذ ابن رشيد يحادثه على غير معرفة قائلًا له: يا رجل هل سمعتم عن هذا الظالم ابن رشيد، إنهم يقولون أنه انكسر وظهر عليه ابن سعود، فأخبرنا عن الأخبار وما جرى لهذا الفاجر، فتخلل صاحب المنزل بلسانه وأجاب بقوله: أبشرك بأن الله خذله، فلعل الله أن يريح منه المسلمين، فقد طالما كانوا في أذى منه، فأجابه قائلًا: يا

стр. 459

عم أكل الناس يبغضه؟ قال ومن يحبه لعنه الله، ولكن يجب ألا يسمعنا أحد فيبلغه ذلك، وكانت الذبيحة التي قدمها يتسامن المعز، فسكت ابن رشيد ثم جعل يقلب عصعص التيس ويقول: هذا تيس يلعن حيك يردد هذه الكلمة، وكان نور السراج ضعيفًا فجعل المضيف يقلب النظر فيه بين مصدق ومكذب لما عرف لغته وتذكر ابن رشيد فإذا هو فصرخ الرجل صرخة لما كان يعلمه عنه وكان مستندًا على الحائط واقفًا، فأزال الأمير الكوفية عن وجهه وبدره بقوله: لك عهد الله وميثاقه أن لا يصلك مني بأس، فإذا به قد سقط على الأرض وقضى نحبه، فعياذًا بالله من هذه الفظاظة. وكان ذات يوم جالسًا للناس في الفلاة بين أصحابه، فاحسّ بشيء يلدغه في ظهره، فخاف أن تكون شيئًا من الحشرات التي لا تستحق الاهتمام، فسكت وتجلد حتى انتهى من عمله، ثم دخل إلى الخيمة وطلب أحد عبيده فجاء ورفع ثيابه فإذ ما بين كتفيه عقرب كبير يلدغ جلده، فصاح العبد مذعورًا وخشي أن يمس العقرب، فتناوله الأمير عبد العزيز بيده ورماه خارج الخيمة، ثم أمر الخادم أن يذر على مكان اللدغ رمادًا حاميًا، ونام الأمير بعد ذلك كأن لم يكن شيء، وكل هذا يدل على صلابته وشدته وحدته وقسوته، وكان في ظلمه وعسفه وجبروته تضرب به الأمثال، ولا ريب أنه نقمةً أحلها الله بأهل نجد وعذبهم به، وكان يبعث رجاله إلى أهل القرى تنهب البطيخ واليقطين والرطب والبرسيم، ومن أبى فإنه يؤخذ ظهره بالضرب والتعذيب، وكان يبعث إلى أرباب البقر من يأتي بألبانهم إليه فبعدما يحلبونه ويمخضونه على مرأى من الأطفال والعوائل، ينتظرون خادم الأمير فيطرق الباب ويأخذه، وقد يبعث إلى أهل البيت بسبعة ريالات أو ستة لعلف البقر، أضف إلى ذلك مسائل أخرى من المحن. وقد وصل في هذه الدرجة إلى أشياء يستحي من ذكرها، بلغت في التسفل إلى غاية لا يرضاها لنفسه كريم، وجرَّ عساكر الأتراك إلى نجد، وأهان أهل الدين والعلم وأجلاهم عن الأوطان، ولم يرع لكبير حرمة، ولم يعامل ضعيفًا برحمة،

стр. 460

وشدد الوطأة على الأغنياء حتى عزم على قتلهم، ثم إنه بدا له بعد ذلك أن يسبي أموالهم، وجعل عليهم ضرائب أرهقهم بها، ولقد فرح بقتله المسلمون حتى قومه من شمّر، وذلك لما كابدوه من الأهوال والحروب معه، ولما قتله الله على يدي جلالة الملك ابن سعود، وتحقق قومه قتله، أطلقوا أعنة ركابهم فارين منهزمين إلى حائل ولم يرى ابن سعود تتبعهم، فما أذن لرجاله أن يتعقبوهم. وكان سنه يوم قتل خمسين عامًا، وقد أنشأ الأديب الشيخ حسن بن علي بن نفيسة الحنبلي قصيدة في قتل ابن رشيد وما جرى لابن سعود من النصر، وهي هذه: لك الحمد يا منان والفضل والشكر ... لقد قلت أن العسر يتبعه اليسر ففرجت عنا الكرب من بعد ذلنا ... تفضلت بالأنعام إذ مسنا الضر ترينا بعدلٍ منك إظهار عجزنا ... فتعطف بالحسنى علينا فتستر فتحت لنا فتحًا وأظهرت أمرنا ... وقدرت منا الحد فاعتدل النصر لقد حشدوا أهل الشقاق وألبوا ... جنودًا كأوباش الحما لها القفر نجوم نفاق في قرى نجدنا بدت ... ولكن خفت لما سمي فوقها البدر وكل على ساق العداوة قائم ... حراصًا لو اسطاعوا لنا فرصة كروا وقد أجهد الطائي في حرب شيخنا ... وحاول أمرًا والإله له أمر وكاد ولم يترك خنا وخديعة ... ولم يدر أن السوء يمحقه المكر أتى بطغام أعسرين وأنهم ... لدى القرن ميل إذ يصادمهم نفر وساقهمو سوقًا حثيثًا لحينهم ... ففاتهم الإقبال وأنهتك الستر نشا العارض النجدي يبرق غدوة ... كعارضٍ عاد حالك قذفه جمر ولكنه للمسلمين مسرة ... وبالعكس للطاغين يمطرهم شر بوارقه حد الضباة ورعده ... قواصف من أفواه ما أنتج الكفر فسيَّره الرحمن قصدًا إليهم ... وميكاله ليث الشرى ويعضل الكسر إذا فل يومًا للمعادين راية ... عليها عقاب الطير حلق والنسر نصف على كل الخميس كواسر ... وفي ظلها يشتد من ضمه الجمر

стр. 461

معودة من كفه واسع الغني ... تضل شهورًا رزقها طيب وفر فلما أراد الله يقضي مراده ... وأنَّى لأمر حمَّه الله يزور تحلب جوا فوق كل منافق ... وصبت عز إليه الدما منهم نثر وحيط بهم من كل أفقٍ وجانبٍ ... فإذا عاينوا الأبطال خاروا وما فروا فدقتهو والله ينفذ أمره ... رحى الحرب ذا قتل وذا شده الأسر فقل عزاهم عند عظم مصابهم ... وحان بلادهم عندما استحكم الوزر أميرهم المختال أكبر رزئهم ... صريعًا وقد حضين من دمه النسر فأكرم بها من وقعةٍ لو شهدتها ... ولكن بحمد الله فيها لنا وفر فأنا لهم من عصبةٍ مقرنية ... مصاليت في الهيجا أسود لها زئر سراعًا إلى الجلاد بطاء عن الخنا ... ميامين هم ذخر لمن ضده الدهر إذا رفدوا أغنموا وان عاهدوا وأوفوا ... وإن سالموا سروا وإن حاربوا ضروا وإن سئلوا جادوا بما في أكفهم ... فلم يدر مجتدى متى خلق الفقر حليفهم في شاهق العز ثاويا ... وعيشهم خصب ونائلهم غمر إلخ، وهي طويلة تضمنت مديح آل مقرن والثناء عليهم. أما أولاد عبد العزيز بن متعب بن رشيد، فكانوا أربعة متعب، ومشعل ومحمد وسعود، فأما متعب فهو الذي تولى الإمارة بعد أبيه. وأخر ما نقول عن عبد العزيز بن متعب أنه أوتي شجاعة غير أنه لم يؤت سياسة وقديمًا قيل: أعطيت ملكًا فلم تحسن سياسته ... وكل من لا يسوس الملك يخلعه أما مبارك بن صباح فقد حيرته الأقدار وغلبت فكرته حيث لا تغلب. وكان لما عنف بالكلام على ابن سعود وصالح ابن رشيد لم يشعر إلا وقد أحاط الله بابن رشيد، فبعث بكتاب إلى أين سعود لما علم بقتله كأنه لم يعلم، وكان هذا الكتاب طويلًا عريضًا يقول فيه: (إني لك دائمًا يا ولدي يا عبد العزيز أنا أبوك وعونك وعضدك ولم أصالح ابن رشيد إلا لأقهر الترك، ولكني مستعد أن أمدك بما تحتاج إليه من المال والرجال، المال مالك يا ولدي يا عبد العزيز والحلال والحرام).

стр. 462

ولما أن قدم كتابه على ابن سعود يحمله زيد المعرقب رسول ابن صباح أراد ابن سعود أن يطلع على الحقيقة، فكلم الرسول مخاطبًا له بقوله: إن والدي الشيخ مبارك أخبرني أنه أمرك أن تكتم خبر قتل ابن رشيد، فأجابه قائلًا: والله ما نام الشيخ من شدة الفرح عندما بلغه خبر قتله، فعلم ابن سعود بخجل الشيخ مبارك في معاملته تلك، وتعد هذه أيضًا مضحكة من ابن صباح، وكتب إلى مبارك يخبره بوصول الكتاب الأول وما فيه من التهديد بالحرب، وبوصول الكتاب الثاني وفيه التعطفات الطيبة، ثم أخبره بذبحة ابن رشيد وختمه بقول الشاعر: إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه ولقد فرح ابن صباح بقتل ابن رشيد أشد الفرح كيف لا وهو عدوه الألد. ذكر إمارة متعب بن عبد العزيز بن رشيد وما جرى من الحوادث لما تولى متعب الإمارة بعد قتل أبيه أظهر أنه راغب في السلم، فتفاوض وابن سعود، وتم الاتفاق على أن تكون حائل وملحقاتها وشمّر لابن رشيد وباقي بلاد نجد بما فيه القصيم لابن سعود، ثم أطلق الأمير متعب من كانوا مأسورين من آل سعود في حائل، فقدموا بريدة وأقاموا فيها، والباعث لعقد الهدنة والصلح والسلم، هو أن ابن سعود بعدما قتل ابن رشيد عاد إلى بريدة برجاله، فوجد أميرها صالح الحسن وأتباعه ومن على طريقته لا يساعدونه على حرب عدو ولا ينضافون إلى جيشه، وكان لصالح أتباع كثيرون في بريدة، أضف إلى ذلك أنه ظهر لابن سعود عداوة صالح وأتباعه وبما أنه لا قوة لديه كافية لمحاربته، ولا للزحف إلى حائل على أنه يحذر دائمًا أن يحس الناس بضعفه يوم ضعفه أو يحسوا يوم القوة على حقيقة قوته، فقام تاركًا لأهل القصيم وشأنهم، وأغار بمن كان معه على عدو غير صالح الحسن وهو ناهش الذويبي رئيس قبائل حرب الموالين لابن رشيد، فأدركه وعربانه في مكان يدعى الرحا، بين القصيم وحائل فقتلهم عن بكرة أبيهم ثم أغار بمن معه على قبائل من حرب في أبي مغير بأعالي نجد فشتتوهم وغنموا أموالهم.

стр. 463

أما صالح الحسن فلم يقعد به شره ولم يفتر له همة، وقد علم ابن سعود ذلك على جهة التأكيد في حال إقامته ببريدة بعد قتل ابن متعب إنه اتفق وصدقي باشا على أن ينسحب بعسكر الدولة من الشحية ويحتل بريدة، فسارع ابن سعود إلى بريدة وقد أمن من ابن رشيد بذلك الصلح حتى يقضي على حركة صالح الحسن بن مهنا. ذكر قتل صالح الحسن بعد إجلائه إن صالح الحسن والحق يقال يجب عليه أن يكون سامعًا مطيعًا لأوامر ابن سعود ويدين له بذلك لأنه أمير من أمرائه خادم من خدمه، غير أنه غره الأعداء وسولت له نفسه الاستقلال والاستبداد. ولما أن قدم ابن سعود إلى بريدة اجتمع بزعمائها وكبرائها وشكى إليهم خيانة صالح وتمرده ونفاقه وعدائه، فبينوا خطأه وطلبوا عزله لأنه تعدى طوره، فقبض عليه ابن سعود وعلى أخيه مهنا وأجلاهما إلى الرياض، وأقام مكانه ابن عمه محمد بن عبد الله آل أبي الخيل أميرًا على بريدة، وعاد ابن سعود بعد ذلك إلى الرياض وجد صالحًا وأخاه قد فرا من الرياض، وذلك لأنهما أودعا في السجن للنظر في شأنهما، ولما وجدا من السجان غفلة خرجا وقتلا السجان وعذبا المراقب وفرا على وجهيهما لأنه وسع لهما هناك، فتتبعهما الأمير محمد بن عبد الرحمن في الفضاء حتى أدركهما فقتلهما جزاءً وفاقا وما ربك بظلامٍ للعبيد، وكان صالح هذا شجاعًا وذا شخصية بارزة وله مقامات في واقعة البكيرية، ولكنها تكررت خيانته مع ما يتوقع من شره، فقد تمرد على ابن سعود ولبته مطير وجعل يجيز الجوائز السنية، أضف إلى ذلك أن الشاعر العوني جعل يؤلب عليه ابن سعود ويهيجه، وقد قال الشاعر العوني في تألبة لابن سعود عليه: لا تأمن محمد بن عبد الله أبا الخيل فإنه ابن عم صالح وطريقتهما واحدة، وقد وقع ما أشار به هذا الشاعر، غير أن ابن سعود أقره على إمارته تسكينًا للثوائر، ولكن العوني وإن كان ناصحًا بهذه المشورة والنصيحة

стр. 464

فقد أسرَّ أيضًا لمحمد بن عبد الله آل أبي الخيل عدم الثقة بابن سعود والركون إليه، فأصبح مهيجًا وجرى عليه ما سنذكره فيما بعد. ولما أن قدم ابن سعود إلى الرياض ما كاد أن يستريح من الأسفار حتى جاءه مخبر يقول أن الأتراك في أطراف القصيم يحاولون استمالة بعض البادية إليهم، وأن الدويش فيصلًا له يد في المسألة، فنهض عبد العزيز بن عبد الرحمن يريد قتال الدويش الذي ظهرت خيانته، فاغار على بعض قبائله وأخذها، ثم عاد إلى بريدة وجهز من فيها من آل سعود الذين قدموا من حائل، فسيرهم إلى الرياض ولم يبق هناك معه فيها غير حاشيته، فاطمأن أهل القصيم وسكن المناوئون، ولكن هنا أمرًا جديدًا أزعج جلالة الملك عبد العزيز، وهو أن ابن رشيد كان يفاوض الأتراك في الشحية ويزين لهم الانسحاب إلى حائل، وكان قصده في هذا أن يأخذ ما كان معهم من عتاد الحرب والذخيرة، كأنه يقول أعطونا سلاحكم إذا كنتم لا تحاربون، وذلك لأن الدولة سخطت خطة القائد صدقي باشا حيث لا حرب ولا صلح ولا مسالمة ولا مفاوضات، فأمرت قائدًا آخر من كبار جيشها وسياستها يدعى سامي باشا الفاروقي الذي كان يومئذٍ بالمدينة، أن يسافر إلى حائل للمفاوضة مع ابن رشيد، فجاء سامي باشا مرغيًا مزبدًا واجتمع بالأمير متعب في سميرا قرية من قرى حائل، فاتفق وإياه على أن يكون القصيم في حوزة الدولة وهذا يعد من تغفيل الأمير متعب كيف يعطي ما لا يملكه. ذكر المفاوضات بين ابن سعود وبين مندوب الدولة قد ذكرنا اتفاقه مع ابن رشيد ثم إنه قدم إلى القصيم للمفاوضة مع ابن سعود وقد ظنه كالأول، فلما جاء سامي باشا، عزل صدقي وتولى بنفسه قيادة الجيش في الشحية، ثم أرسل إلى ابن سعود يطلب الاتفاق به، فسار ابن سعود ووافاه في البكيرية، فلما جلسا للمفاوضة أغلظ القول على ابن سعود وجعل يتهدد وما كان لابن سعود أن يصبر على ضيم، فصارت المذاكرة مناكرة، وقام ابن سعود بصرامته

стр. 465

وشجاعته فأصدمت في المجلس الحميتان العربية والتركية، فقال سامي يخاطب ابن سعود مرغيًا مزبدًا: إن أهل القصيم يريدون أن تكون السيادة في بلادهم للدولة، فأجابه ابن سعود الذي ما كان ليراعي جانبًا قائلًا: ليس لأهل القصيم رأي في الأمر فهم من أتباعي، فبادر سامي باشا بقوله: إن التابعية تقتضي الحماية وأنت لا تستطيع أن تحميهم ولا ابن رشيد، فأجابه ابن سعود قائلًا: وهل حمتهم الدولة، ثم تمثل بهذا البيت: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ومع ذلك فهؤلاء زعماء القصيم في مجلسك أسألهم يجيبوك، فتكلم إذ ذاك أحدهم قائلًا: إن صالح الحسن افترى عليهم وأنه لا يمثلهم بشيء ولا يرضون عن غير ابن سعود بديلًا، فتكلم سامي قائلًا إنكم تجهلون صالحكم وتتوهمون حقوقًا ليس حقوقكم، ما جئنا نسترضيكم ولا نستغويكم، جئنا نعلمكم الإخلاص والطاعة للدولة العلية، ولا معلم اليوم غير السيف، فقال عبد العزيز بن عبد الرحمن: إني آسف على ما بدا منك، بل آسف لأن وكلت الدولة أمورها إلى مثلك، ما كان العرب يا سامي ليطيعوا صاغرين لا ولله ولولا أنك ضيف عندنا لما قمت من مكانك هذا، فقاما من المجلس وافترقا بعد ذلك العنف، ولكن سامي باشا أرسل رسولًا اسمه دياب أبو بكر بعد إذن إلى ابن سعود يقول: يسلم عليك الباشا ويقول أن الدولة تدفع لك عشرين ألف ليرة ومخصصات سنوية إذا كنت تعترف بسيادتها على القصيم. فلما سمع ابن سعود هذا الكلام غضب وعمد إلى سيفه قائلًا: أتتجاسر يا خبيث أن تحمل إلينا مثل هذه الرسالة، ألم يردعك شمم العرب، ومتى كان ابن سعود يقبل الرشوة فيبيع بلاده ورعيته ممن يريدون استرقاقها، لا أدنس سيفي بدمك يا خبيث، ولكن لا أرد عنك سيفًا بيد سواي، (١) فبادر الرسول إلى ذلوله

стр. 466

بعد ما سمع هذا التهديد وذهب شاردًا وترك الشحية، ولم يرجع الجواب إلى الباشا، بل فرَّ هاربًا إلى المدينة، فلما كان مساء ذلك النهار بعد صلاة المغرب أرسل ابن سعود إلى الفاروقي ثلاثة من رجاله ينبؤنه ليكون متأهبًا بأنه هاجم عليه، ولا بد في اليوم الثاني بعد صلاة الفجر، وما كان جادًا في ذلك إنما كان تهويلة جاءت بفائدة، فقد أرسل الباشا ثلاثة من ضباطه مع رجال ابن سعود مسترضيًا، فجاء الضباط يقولون: إن الباشا وعسكره ضيوف عندكم واحسبوهم في معيتكم. فلما استهل رمضان من هذه السنة صفي الجو وسكنت المتحركات إكرامًا لرمضان، فصام ابن سعود في عنيزة، ولكنه ما كاد يتم إلا وقد جاءت الأنباء تفيد بأن ابن رشيد يواصل السعي في استقدام عساكر الترك إلى حائل، وذلك يوم عيد الفطر. ذكر رحيل الأتراك عن القصيم سنة ١٣٢٤ ه ـ لما علم ابن سعود بمساعي ابن رشيد، جهز لحينه حملة من أهل القصيم ونزل البكيرية، ثم أرسل إلى الفاروقي بلاغًا جاء فيه أن يبارح القصيم وخيره بأحد أمرين، أما أن ينتقل بجيشه في خمسة أيام إلى وادي الدواسر فيحول بعده عن القصيم بينه وبين المفاوضات مع ابن رشيد. وأما أن يرحله ابن سعود من نجد فيرسل الجنود العراقية إلى العراق والجنود الشامية إلى المدينة، وإذا رفض هذين الأمرين فهو هاجم عليه لا محالة. وكان ابن سعود جادًا في هذه المرة فعندها قامت الجنود العثمانية والضباط لما علموا بهذه الخطة يطلبون من سامي باشا الإذعان بل طلبوا منه أن يرحلهم إلى بلادهم، وقام بعضهم يهدده بالقتل، وبعضهم قالوا له إن لم تفعل ستنضم إلى جيش ابن سعود، فلما رأى القائد ذلك قبل بترحيل الجنود، ولكنه اشترط أن يضمن عبد العزيز بن عبد الرحمن سلامتهم وسلامة معداتهم في الطريق إلى المدينة وبغداد، فقبل ابن سعود لذلك واشترط أن ينقل الجنود العراقيين إلى بريدة فيبقون فيها إلى أن يصل سامي باشا بجنوده إلى المدينة لأنه خشي أن يسير الباشا إلى حائل فينضم

стр. 467

إلى عسكر ابن رشيد فيعيد الكرة عليه ابن رشيد وصاحبه الباشا، وقد كان عبد العزيز بن سعود صريحًا على عادته فقال للفاروقي، إذا سرتم إلى المدينة رأسًا رحلنا جنود العراق وإذا حدتم عن الطريق ذبحناهم، وسنكون عالمين بمسيركم. ثم دعا عبد العزيز شيوخ حرب إلى مأدبة طعام صنعها، وكانوا هم الذي قد حملوا العساكر، فقال لهم: أنتم الذين حملتم الترك من المدينة وأنتم الذين ترجعونهم إن شاء الله، وستبقون عندنا إلى أن يصلوا سالمين، فقامت حرب وحملت العساكر برجالهم وعتادهم على الجمال وارتحلوا، وبعد أسبوعين جاء رسول إلى ابن سعود يقول: إنهم اجتازوا الحناكية ورحلتهم المدينة فأمر إذ ذاك أن تجهز العساكر الذين في بريدة، فرحلوا على ركائب آمنين شاكرين إلى العراق فلما أن مضى شهران من تاريخ رحيلهم جاء الجواب من السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد شكرًا للأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن على معاملته عساكر الدولة تلك المعاملة الشريفة ويسأله أن يرسل أحد رجاله لمقابلته، فأرسل جلالة الملك إلى السلطان عبد الحميد صالح العدل مصحوبًا برفيقين إلى الأستانة، فنزلوا ضيوفًا عند الحضر الشاهانية وتكلم الوزراء معهم بكلام سياسي لم يثمر شيئًا، ولم يجيبوا عليه بشيء، وصالح العذل هذا كان شيخًا نبيلًا اختاره عبد العزيز للرسالة، وكان صامتًا قليل الكلام، ولما سئل بعد ذلك: هل سررتم في الأستانة؟ قال ما سررنا بشيء مثل سرورنا يوم رحلنا منها. وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان حسان السنة في وقته قصيدة في ذكر مآثر الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن وأفعاله الحميدة في الإسلام وذلك لما جاهد الترك تلك المجاهدة وصابرهم ودافعهم بالمخادعة والإرجاف وأخافهم بالتهديد والوعيد والإرعاب حتى أذلهم الله وردهم خائبين، وبالذل والهوان راجعين فرحلوا عن القصيم وعلموا أن في الحياض من يذود عنها، كلا والله إن منال الثريا لأسهل من منالها والتدرع بالأكفان دون التدرع بوصولها وعناق القنا دون عناقها والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها:

стр. 468

أهاجك أم أشجاك رسم المعاهد ... معاهد أنس بالحسان الخرائد أتذكر عهدًا بالأوانس رافها ... ويعقيد وصل حافد بالمقاصد لفيداء سلسال المذاقة بارد ... كيعقيد مشتار شهي الموارد كأن وميض البرق في غسق الدجى ... رفيف ثنايا كالأقاح النضائد كان أريج المسك نكهة ثغرها ... إذا هي ناجت وأمقاذا تواجد لها مقل دعج وكف مخضب ... رخيص كأعنام بغض العناقد وفرع أثيث سابغ متجعد ... كديجور ليل حالك اللون حاشد وقدٌّ قويم ناعم متوئد ... كغصن من البان المذلل مائد برهرهة كالشمس في يوم صحوها ... منعمة تسبي نها كل ماجد فلو كلمت شيخًا بطاعة ربه ... مديبًا عليها جاهدا غير حائد لأصبح مفتونًا بها ومولعا ... وخال رشادا أن تفي بالمواعد فضلت على تلك الديار وعهدها ... كمثل سليم شاجن القلب ساهد فدع ذكر عهد قد تقادم عصره ... وتذكار وصل للحسان الخرائد ولكن زاح عنك الهموم وسلها ... بعوجاء من قود الهجان الحرافد وجب للمطاويح المفاوز قاصدا ... ولا تخش من فتك اللصوص الرواصد لشمس تبدي ضوءها فهو ساطع ... وطالع سعد مشرق بالمحامد رأى ضوءه من بالوهاد ومن على ... يفاع الرعان الشامخات الفدافد فثاب إلى ضوء المحاسن وأرعوى ... إلى ظل أفياء لها كل شارد وقد بلغت شرق البلاد وغربها ... فكالشمس حلت في السعود الصواعد تسامى لها شمس البلاد وبدرها ... وجمع شراد المعالي الشوارد هو الملك الشهم الهمام أخو الندى ... مذيق العدى كاسات سم الأساود إمام الهدى عبد العزيز الذي له ... محامد في الإسلام أي محامد أزاح جموع الترك عنا بهمة ... تسامي بها فوق السها والفراقد ومزقهم أيدي سبأ فتمزقوا ... فما بين مقتول مصاب وشارد وما بين محمول إلى عقر داره ... كسيرًا حسيرًا خاسئًا غير فائد

стр. 469

بكره وإجبار وعنف توعد ... فعادوا وقد باؤا بخيبة عائد فهذا هو المجد الأثيل وإنما ... حوى ذاك عن قوم كرام أماجد وميراث آباء له ومآثر ... تأثلها عنهم بحسن المقاصد لعمري لقد أضحى بها متساميا ... على كل أملاك البلاد الأماجد فتى حسنت أخلاقه فتألقت ... وغنت به الركبان فوق الجلاعد فتى دمث سهل الجناب مهذب ... ولكنه صعب المقاد لكائد أذاق الأعادي والبوادي جميعها ... كؤوس حتوف من سمام الأساود وكم جر من جيش لهام عرمرم ... يفادي به شوس الملوك السوامد له رأي حزم كالحسام فرندة ... ولهذم عزم نافذ للمعاند ووثبة ضرغام أبي سميدع ... إذا الحرب ألقت بالدواهي الشدائد وبذل نوال كانسجام هوامع ... تعودها طبعًا لعاف وقاصد فيا من سمت أخلاقه وتألقت ... محامده نحو السها والفراقد عليك بتقوى الله جل ثناؤه ... واصلاح ما يدعوا لعضل المفاسد وبالعفو والإحسان والصدق والوفا ... فإن بها تسمو لشاو المحامد وراع جناب الحق في الخلق راجيا ... جزيل ثواب الله يا بن الأماجد وإياك أن تصغي لمن جاء واشيا ... يرى أنه بالنصح أعظم وافد وما قصده إلا ليحضى لديكمو ... بما قال من زور وبهتان حاقد وكن باذلا للجهد والجهد قائما ... بنصرة دين الله عن كل كائد فهذا الذي كنا نحب ونرتضي ... لمن يتولى الأمر من كل قائد وكان على دين النبي محمد ... ويا حبذا الدين القويم لسائد ونصح ولاة الأمر قد جاء ذكره ... عن السيد المعصوم أرشد راشد أبي وفي لا يخيس بعهده ... ولكنه لا يرتضي بالمفاسد وليس له قصد بأخذ تراثهم ... وما جمعوا من طارف بعد تالد ولكن ببذل المكرمات وفعلها ... يجود وهذا قيد شبه الأوابد

стр. 470

وفيها وفاة الشيخ عبد الله بن دخيل رحمة الله تعالى عليه وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم العلامة الزهد الورع عبد الله بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عثمان بن دخيل الناصري التميمي ولد في سنة ١٢٦٠ وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وعن الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن؛ وعن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وأخذ عن الشيخ صالح بن فرناس، وأخذ عن الشيخ ابن راشد وغيرهم، ورحل إلى مكة المشرفة في سنة ١٢٨٥ لطلب العلم من الفقه والحديث وإلى المدينة المنورة قبل ذلك في سنة ١٢٧٩ وإلى بريدة في سنة ١٢٩٣ وعنيزة والمجمعة والرياض وحفظ القرآن عن ظهر قلب، ثم أنه جلس للتدريس في بلد المذنب من بلدان القصيم وكان ركنًا عظيمًا وشيخًا فاضلًا زاهدًا عابدًا واستمر في التدريس من سنة ١٣٠٠ إلى أن توفاه الله تعالى في هذه السنة وقد تولى قضاء المذنب. ومن عجائب ما جرى في تاريخه أنه بينما هو مرة نائم في القائلة في حجرة ببيته إذا أيقظه موقظ ففتح عينيه فإذا حلقة من الجن قد أحاطوا به فسلموا عليه بأحسن تحية ودعوا له وطلبوا منه أن يدرسهم وقالوا نحن إخوانك من الجن نطلب منك أيها الشيخ أن تدرسنا كما كنت تدرس إخوانك الإنس فتعجل لنا وقتًا خاصًا نحضرك بمجلسك كل يوم مستمعين فنرجوا أن لا نحرم من تدريسك فلما رأى هيئتهم مزعجة في خلقهم قال لهم إن عقولنا لا تتحمل مجالستكم وتدريسكم أما إذا حضرتم واستمعتم فحياكم الله ووفقكم فدعوا له وقالوا نرجوا أن تبلغ فلانًا لرجل كبير يحمل عصا غليظة ويحضر مجلس الشيخ بأن يسمي الله عندما يلقى العصا واقفًا فإنه يؤذينا بعصاه إذا سقطت ثم تفرقوا عنه. وكان الشيخ جهبذًا عظيمًا وعالمًا وعلمًا شهيرًا دفع ببلاده حتى تقدمت في العلم والتف إليه خلق كثير من طلاب العلم وضربت إليه آباط الإبل حتى أصبح يحف به من الغرباء الذين رحلوا إليه من الآفاق لاستفزاع منطوقة خمسة وتسعون تلميذًا وهؤلاء غير من كان لديه من الطلاب الأهالي، وكل هؤلاء رجال فضلاء

стр. 471

فجرت زيارة (١) ومواصلة وإقبال على العلم عظيم ولما كان عود الشجا في حلوق المنافقين توصل أعداؤه بمسبته إلى الأمير محمد بن عبد الله بن رشيد في زمنه فأجابهم يقول: إن ابن دخيل هو الذي رفع بواجب حقكم وإلا فبلدكم اسمها الذنب فسميت بسببه المذنب وكان الأهالي يذبحون كل ليلة لطلاب العلم الأجانب كبشين، ولقد تصدق بعض الأجواد بثمانين لباسًا من السراويل للغرباء ألقاها في سطح المسجد الجامع في أيام الصيف ولم يعلم به أحد وسبب ذلك أن فقيرًا من الطلاب انكشف فخذه وهو نائم فراءاه ذلك الجواد وتصدق بهذا القدر والله لا يضيع أجر من أحسن وبذلك تعلم إلى أي حد ما بلغ التدريس والجد والاجتهاد في ذلك الزمان، وكان يشجع بعضهم بعضًا ويتواضع بعضهم لبعض ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ويصبرون على مرارة العيش ويكابدون قلع الفيافي ومشاق السفر ولا يضجرون. هذا وما كان هناك مكافئات ولا أرزاق لهم تصرف من بيت المال بل كانوا على بركات الله يسيرون ولا عنده يطلبون وكان الدافع لهم حسن نية وعقيدة. وأنا أذكر لك مثلا هوان رجلا من الطلاب سافر لطلب العلم من إحدى قرى القصيم إلى الرياض وكان يحمل مزودًا على ظهره فيه كتبه وأوراقه وغالبها خط يد فلما كان في أثناء الطريق ضربه المطر بأرض لا ملاذ فيها ولا مخبأ ولا مناص غير أنه سلم لقضاء الله وقدره ولما سئم من السير حافيًا لأن نعليه مزقهما الماء آوى إلى شجرة فنام إليها وتوسد مزوده ولما أن برق الفجر قام من نومته بعدما أنهكه التعب فذكر الله تعالى وتوضأ من غدير حواليه وصلى ثم نزل ضيفًا على قوم وفتش في مزوده وإذا لم ينمح منه شيء.

стр. 472

وفيها ولد سمو الأمير فيصل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن وكانت ولادته في الرياض في شهر شوال، وكان في ولادته كاسمه فقد كان وجوده عقيب ذبحة ابن رشيد وانتصار والده وكانت والدته ابنة عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن فأبوه زعيم العرب وأمه ابنة شيخ عظيم جليل فحق له أن يكون نجيبًا ومن كان والده عبد العزيز وجده الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف فإنه جدير أن يكون باقعة في الدهاء والسياسة والتقدم. وكان فيصل أديبًا ناقدًا عبقريًا ذواقًا ولو قام كل شعب يفخر بأمير من أمراءه لقام الشعب السعودي يفخر بالأمير فيصل. ذكر إمارة أبي الخيل في بريدة لما أن نصبه إمام المسلمين أميرًا في بريدة في هذه السنة ما كان ليقنعه ذلك بل تحركت منه جارحة آل مهنا فأبدى الخيانة والمكر يريد الاستقلال وخرج عن طاعة ابن سعود في آخر هذه السنة كما أنه خرج على ابن سعود نايف بن هذال وفيصل الدويش، ولكن أهل بريدة ضلوا على الإجمال موالين لابن سعود وقد تحالف الثلاثة على الخروج عليه غير أنه ما علم بخيانة أبي الخيل بل خرج مسارعًا إلى القصيم لما بلغه خيانة الدويش وابن هذال متأهبًا متحققًا فأرسل عندما قرب من بريدة إلى أحد خدامه فيها وهو شلهوب يخبره بقدومه في ذلك النهار وقد كان ابن سعود معسكرًا في غدير بالقرب من الشقه ببين الشقتين يدعي الفريسة (١) فشاع أن ابن رشيد هاجم عليه هناك فخرج عبد العزيز بنفسه مستكشفًا فلم يجد ما يشغل البال أو يستحق الاهتمام ثم رجع إلى معسكره وتأهب لزيارة زوجته في بريدة فتجمل ولبس أفخر اللباس وكانت كسوته زبونًا فاخرًا من الكشمير الثمين فوقه رداء من قماش هندي تمتزج ألوانه الزاهية بعضها ببعض وفوقها كوك معطف مزركش بالقصب وفوق ذلك عباءة من الوبر الطيب فخرج من آخر النهار بطيبه

стр. 473

وبهاءه وزينته وسرى تحت جناح الليل يحف به ستة من الخدم ويماشي قلبه جيش من الشوق فيا حسنه من مشتاق إلى حبيب بعد طول غياب. ولما دنى حف بريدة على قدر مسافة ثلاثين دقيقة منها إذا برسول شلهوب قد وافاه يقول أن محمد العبد الله أبا الخيل قد أقفل القصر وهو متأهب للحرب فوافق مع ذلك أن قعقع الرعد ولعلع البرق في ساعة لا مأوى له فيها ولا بيت يكنه فهطلت الأمطار وهبت الرياح وأمسى الظافر حائرًا ورجاؤه والشوق عاد بائرًا لا يستطيع الدخول إلى بريدة ولا الرجوع إلى معسكره بعدما بعد منه مسافة ثلاث ساعات فيا لها من ليلة عاصفة ماطرة ليلة مظلمة باردة ليلة خاب فيها الأمل وعظم فيها الخجل وخيانة أبي الخيل أشد وأقبح فوقف ابن سعود حائرًا يتعجب من تقلب الأغيار وشدة الهول والأخطار فاعتبروا يا أولي الأبصار. وتعتبر هذه أعظم زلة ومكر من محمد بن عبد الله أبا الخيل، فعند ذلك لمز عبد العزيز فرسه ورجع محزونًا فسمع نباح كلب فساق إليه فإذا هناك بيت من الشعر فنزل عن فرسه والخدم معه وترجل قاصدًا البيت ليلجئه عن المطر الهطال وما ذلك البيت إلا خيمة قبيحة صغيرة طولها ستة أذرع وعرضها ثلاثة أذرع وفيها نفوس كثيرة من البشر والمعز، فتكلم صاحب الجلالة يا أهل البيت نحن ضيوفكم فأجابوه عن غير معرفة أهلا ومرحبا ولكن البيت ضيق يا أضياف، فأجاب قائلًا إذا لم يسعنا دخل بعضنا فلم يقبل البيت إلا واحدًا وظل الباقون خارج الخيمة فدخل عبد العزيز الخيمة الصغيرة وكان فيها عشرة أنفار كبار وصغار فيهم عجوز مريضة وشائب مجنون فجلس عبد العزيز على رحل قرب الباب وقد ضم يديه إلى جنبيه من الضيق وجعل يرتعد بردًا من المطر الذي بل ثيابه وكانت الجديان تثب على كتفيه والمعزى تبول أمامه والمطر لقبح الخيمة يخر من سقفها والمريضة تئن والمجنون يصيح والصغار يبكون والكبار السالمون من علل يتصاخبون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم تالله إنها الحالة مضحكة عجيبة لمن عرف الدنيا وأهوالها، جلس زعيم العرب على ذلك الكور في تلك الخيمة وهو يتأمل حالتها وحالته، فيا لبليه من طولها وعناءها سقف قبيح يكف من الماء القذر بالأوساخ

стр. 474

والعجوز يقلق أنينها والشائب المجنون يؤذي بهذيانه وصياحه والفضا متعكر الجو من مخالب الريح العاصفة والأرض تجري بالسيول، وما تمت الليلة المشؤومة وأسفر الفجر إلا به ركب فرسه وعاد إلى الشقة لييبس ثيابه وينظفها لأنها مثقلة بالماء والوحل والأقذار ولما أن وصل إلى تلك القرية رأى أن يذهب إلى بيت الأمير فيها سند الحصيني ولما قصده ونزل عليه خلع ثيابه وناولها الأمير سندًا لينشفها فقام الأمير بالخدمة وأكرم الخيل بالشعير والبرسيم وكانت أراضي الشقة كلجة البحر. ورأى جدران بيوتها تنهار من شدة السيل والأمطار، فأم بيت الأمير وكان لا يزال يملك بيتًا فيه غرفة ذات سقف وفيها نار موقده تتأجج فشكر الله على ذلك، ثم تصلى ويبس ثيابه وأزال منها الأوحال ثم ركب يقصد بريدة. وجرى عليه في هذه المخاطرة وهي دخوله بريدة وإتيانه قصر الحكم فيها وأبو الخيل محارب داخله أعظم مخاطرة وقد انتقد هو جراءته تلك، غير أن الله تعالى دافع عنه، ذلك بأنه لما دخل بريدة ذهب إلى القصر فوجده مغلقًا ومقفلًا فقرع الباب فسئل من أنت فأجاب أنا عبد العزيز بن سعود فلم يسع من حوله من داخل القصر إلا أن يفتحوا. وعندما واجه أبا الخيل رآه يرتعد خوفًا ووجلًا فسأله قائلًا ما بالك قبح الله وجهك فأجابه يقول افترى الناس علي هم يكذبون والله فيما يقولون فقال له صاحب الجلالة عبد العزيز وقد عنف في الكلام اسكت فما بين أمرك إلا أنت وما زاد على ذلك شيئا، وركوب بحر هذه الخطة صعب جدًا. ولما أقام ابن سعود في بريدة مستطلعًا الأخبار بعد هذه المخاطرة تحقق خيانة رؤساء مطير فسارع إلى محاربتهم واضطر في أثناء هذه التحركات أن يصالح أعداءه في بريدة فعفا عن زعيم الأعداء الأمير محمد بن عبد الله أبا الخيل على مضض حين تحين الفرصة للقضاء عليه، ولما سئل كيف تعفو عنه وقد جرى عليك بسببه تلك الليلة المشئومة أجاب سائله بقوله: "مكره أخوك، لا جرم" يعني أني مضطر عندما رأيت الحالة حرجة أن أعفو عنه. فهذا ما جرى من أبي الخيل نسأل الله العافية، وإذا نزع الحياء من العبد فليفعل ما شاء نعوذ بالله من الخذلان، وإذا كان بهذه المثابة فلا يبعد وقوع العذاب عليه.

стр. 475

وقد كان والد الأمير محمد بن عبد الله لما ولاه ابن سعود إمارة بريدة لم يرضها له والده عبد الله بن مهنا الصالح الذي إذ ذاك كان ساكنًا في الكويت بل غضب لما علم بإمارته وقال حسبنا الله عليه إنه في الحقيقة لم يعمل خيرًا بتوليه الإمارة ويا ليتنا سلمنا من هذه الإمارة يا آل مهنا فإنه لم يبعدنا عن ديارنا ولم يشوه سمعتنا إلا الإمارة. وكان عبد الله والد الأمير عاقلًا طيبًا وله من البنين إبراهيم، وفهد، وعبد الرحمن، وكان عبد الرحمن في حجره وهو يقول تلك المقالة وعمره لا يتجاوز سنتين وفعلًا كانت العاقبة سيئة كما كان يتوقعها عبد الله بن مهنا، ذلك بأنه جرى من الأمير محمد بن عبد الله أبا الخيل هذا خروج عن طاعة الإمام عبد العزيز وسوء معاملة والله يغفر له، وقد قدم إلى الحكم عدل يحاسب على النقير والقطمير، وكان للأمير محمد بن عبد الله أتباع لا يزالون على العداء لآل سعود وأتباعهم وهم على غيهم وتماديهم حتى أظهر الله طالع آل سعود فسكنوا وأظهروا الولاء. وفيها قتل الأمير متعب بن عبد العزيز بعدما حكم بعد أبيه عشرة أشهر قتله وأخويه مشعلًا ومحمدًا أبناء حمود آل عبيد بن رشيد، وذلك أنه اجتمع فيصل وسعود وسلطان أبناء حمود المذكورون فتذامروا بينهم على قتل أولئك واتفق رأيهم على أنه ذهب يوم عبد الله وجاء يوم عبيد لسان حالهم ومقالهم يقولون هؤلاء الصبيان أولاد عبد العزيز المتعب لا يستحقون الإمارة وسيتنازعونها فيذللونها ويفقدون فعلينا أن ننقذها منهم لتبقى في بيت آل رشيد. ولما أن كان في ٢١ من ذي القعدة في هذه السنة خرج أبناء الرشيد يطلبون الصيد وهؤلاء هم الستة المتقدم ذكرهم وقد خدع أبناء حمود المتذامرون للأمير وأخويه بدعوى طلب الصيد والرمي في العراء على الأهداف فلما بعدوا عن حائل وخفيت أسوارها كان معهم العبيد والخيل في ساعة تقدم فيها أبناء عبد العزيز بن متعب لأنهم الأمراء وكل واحد قد ركب حصانه فساق كل واحد من أبناء حمود العبيد حصانه على أولئك خفية فتناولوا رؤسهم من أعلى السروج بقرونهم وأغمد كل واحد خنجره بصدر الأخر فسقط الثلاثة صرعى على وجه الأرض يتشحطون بدمائهم والعياذ بالله.

стр. 476

فلما رأى العبيد والخدم ما جرى لم يحرك أحد منهم يده بالدفاع عن أحد ما هو إلا الرشيد قتل بعضهم بعضًا فرفع آل عبيد أصواتهم قائلين الحمد لله هذه آخرة آل عبد الله، ثم تولى الإمارة سلطان بن حمود آل عبيد أحد الفاتكين وما نجى من أولاد عبد العزيز بن متعب إلا سعود وهو الصغير منهم فر به أخواله آل سبهان خوفًا عليه إلى الحجاز. ولما جلس سلطان بن حمود على عرش الإمارة كان هنا من يبغي له الغوائل وهو أخوه سعود جعل يدبر الكيد له ومتى يفتك به، ثم أن الأمير سلطانًا باشر حكمه بالمخاتله فأرسل رسولًا إلى ابن سعود يطلب الصلح وأرسل خفية في الوقت نفسه يخطب ود أهل القصيم ونجد ويستنصرهم على ابن سعود فبينما رسول السلم عند ابن سعود جاءه رسل من الزعماء في تلك النواحي ورؤساء البادية يحملون الكتب التي كتبها إليهم أمير حائل الجديد فغضب لذلك ابن سعود وشتم الرسول وهم بطرده فأشار عليه والده عبد الرحمن بقبول ما جاء رسوله من أجله، فعندما قبل عبد العزيز مشترطًا على سلطان الشروط التي اشترطها على سلفه الأمير متعب وهي أن إمارته تنحصر في حائل والجبل وأن سيادة ابن سعود تعم نجدًا والقصيم فعاد رسول السلم إلى سيده. ثم دخلت سنة ١٣٢٥ ه ـ ففيها ذهب ابن سعود غازيًا بعض القبائل المتقلبة في الجنوب ثم جمع جيشًا من بادية مطير ومن الحضر وزحف به إلى القصيم، وكان قد أخذ بنصيحة العوني وبأن له صدقه في شأن محمد أبي الخيل ووافق ما عنده وعزم على عزله ولكن العوني أذاع هذا السر إلى أخي الأمير فهد بن عبد الله فبلغه أخاه فاحتاط لها الأمير واجتمع بزعماءه يستشيرهم فأشاروا عليه بما يفصله عن ابن سعود وزينوا له أن يلجا إلى ابن رشيد وكان قبل ذلك قد أشار هو وزعماؤه على ابن سعود بأن لا يركن إلى ابن رشيد ولا يصالحه بل الحرب أولى، وكان عبد العزيز قد تحقق من ذلك من كتب سلطان إلى رؤساء القبائل في نجد والقصيم فما تردد

стр. 477

ابن سعود في إخلاصهم له وفيهم من أصدقاءه السابقين شيخان من مطير وهما فيصل الدويش ونائف بن هذال. ولما زحف من بريدة يريد حائلًا لم يتوفق في غزاته تلك كما أنه لم يتوفق في وضع ثقته بالدويش وابن هذال لأنهما قد تعاقدا مع أبي الخيل على نصرة ابن رشيد والالتجاء إليه، فلما تحقق ابن سعود بالخيانات التي جرت وأن بريدة قد خرجت وتفلتت مطير من يده وتعددت الأعداء ذهب يستنجد عتيبة عدوة شمر ومطير فأفلح بعض سعيه. وفي خلال ذلك هجم الأمير سلطان بن حمود على قافلة لابن سعود وكانت قد خرجت من قصيها فأخذها وأمن رجالها ثم قتلهم فشد عليه ابن سعود فلم يدركه بل عاد إلى حائل ثم عرج ابن سعود على بريدة متحملًا ما صدر منهم من التقلب لا سيما أميرهم ثم إن كشافة ابن سعود التقوا برجل في الطريق تراءى بهم أمره فقتلوه وفتشوه فوجد معه كتاب يحمله من محمد أبي الخيل أمير بريدة إلى سلطان بن رشيد يعاهده فيه على حرب ابن سعود. ولما رأى صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن تعدد الخيانات والأعداء ذهب يدبر وسيلة الانتقام من الدويش فقد أثارت خيانته في عبد العزيز أشد الحنق والغضب، وكان من تدابيره أن أذن لعتيبة بالرحيل ليقال أنهم خذلوه، ثم صالح أهل بريدة وعفا عنهم وقد ضرب لبوادي عتيبة موعدًا في مكان يدعى الجعله فذهب على خفية واجتمع بهم هناك فقاموا وأغاروا بغتة على الدويش في جهة سدير فلاذ بالمجمعة وقد كان فيها حامية لابن رشيد فأدركوه ورجاله في بساتينها ففتكوا بهم فانهزموا شر هزيمة وغنموا أموالهم كلها وجرح الدويش في تلك الوقعة جرحًا موحيًا. ثم جاء بعد هذه الوقعة كبار مطير مستسلمين مستغفرين فأعطاهم ابن سعود الأمان ثم عاد إلى الرياض، وما تم له شهر وهو هناك حتى جاءته الأنباء مثبتة خيانة أبي الخيل وأنه قد عقد هو وابن رشيد عهد الصلح والولاء، فعند ذاك قام عبد العزيز لفوره واستفز بوادي قحطان وعتيبة ورفض من جاء إليه منضمًا مع

стр. 478

جيشه من مطير ومن لا يوثق به، وكان ابن رشيد قد غزا في الوقت نفسه عربان ابن سعود فما نال مغنمًا بل حصل عليه عطش وظمأ فمات عدد كبير من خيله وركائبه فعاد إلى الجبل ونزل في قرية الكهفة. فيا عجبًا لهذه التقلبات، سلطان بن رشيد يعاهد ويغدر، وقد جاء هذه المرة يريد بريدة لحلف بينه وبين أميرها وأبو الخيل تكررت خيانته بعدما عفى سيده عنه. وكان أمير عنيزة ابن سليم قد سعى بالتوسط بينه وبين ابن سعود وما كان هذا اللئيم ليفيد لديه عفو ولا وساطة ورجال مطير قد انضموا إليه بعد ولائهم لابن سعود. وهناك عدو آخر لا يستهان به وهو مبارك بن صباح فقد جاءت كتبه إلى سلطان بن رشيد يحرضه على خصمه ابن سعود ويلح عليه بالاتفاق مع أهل القصيم على حربه ويوشي بينه وبين ابن سعود وقد جرى من كاتب ديوانه مثل ما مر فيه غلطاته حينما كان يكاتب عبد العزيز بن متعب فبعث هذه المرة مراسله بينه وبين ابن سعود يغريه بابن رشيد هذا ويغري ابن رشيد بابن سعود، وجعل كتاب هذا في ظرف هذا وكتاب هذا في ظرف هذا غلطًا منه. وكان مبارك لثقته به وإخلاصه له لم يعز له في سابقته وما توفق في ذلك لغلط صاحبه بل كان حظه الفضيحة، فهذه أفعال مبارك بن صباح يغري كل واحد منهما بصاحبه ليضعف الجانبين وهو مستريح وما أشبهه بالثعلب الذي خاف الأسد والنمر فحرش بينهما ليضعفهما وهو رابح من خسارتهما ذهب إلى الأسد وأظهر أنه ابن أخته وقال يا خال هذه وثيقة النسب وتلاها عليه فصدقه الأسد فيما يقول ثم ذهب إلى النمر وزعم له ما زعم للأسد ثم حرش بينهما فاقتتلا قتالًا عنيفًا، وأبو الحصين يهتف من فوق ربوة فلتعش يا خال أبقر البطن أهلكه إلى النار يا عدو خالي الحميم وكلاهما يظن أنه المقصود بهذا التشجيع وعدوه المقصود بالويل والثبور فاستراح منهما وصفا له الجو.

стр. 479

ولقد افتضح مبارك بهذا الغلط الذي هو غير مقصود من كاتبه المشؤوم فلما أن ظهرت الخيانات انحدر عربان ابن سعود يلبونه كقحطان وعتيبة ونزلوا العرض ثم اجتمعوا بمن انضم إليه من الحضر بوادي السر وزحفوا شمالًا إِلى بريدة يقصدونها، كما أنه قد انضم مع ابن رشيد شمر وحرب ومطير فتصافت القبائل، وكتم ابن سعود ما جرى من الأمير مبارك بن صباح وتكرر. ثم زحف بجيشه من السر إلى المذنب فجاءه هناك رجل من أهل القصيم يسمى عبد العزيز بن حسن وكان رجلًا ذا دهاء وإخلاص له يخبره خفية أن مبارك بن صباح أرسل يتوسط بالصلح بين أهل القصيم وابن رشيد، ولكن ابن سعود لم يحتج إلى خبر في تقلبات ابن صباح وخدعه ومكره، ثم إنه تقدم ابن سعود إلى عنيزة فاستفاد منها أن معسكر ابن رشيد خارج بريدة على مسافة ساعة منها فسرى يريد الهجوم عليه فعلم سلطان بذلك ونقل إلى قرب القصر في بريدة فلحقه ابن سعود وتناوش الفريقان مرارًا دون أن يتمكن بعضهم من بعض على أنه في إحدى الغارات عثر فرس عبد العزيز بن سعود فوقع وقعة مشؤومة انكسر لها عظم كتفه اليسرى وأغمى عليه. وكان فيصل الدويش قد جاء فزعًا لابن رشيد، فأنزل أهله في الطرفية وتقدم بخيامه ورجاله إلى بريدة، فلما دنا من عسكر ابن سعود خرجت إليه سرية فنازلته وهزمته وقتلت عددًا من رجاله وغنمت كثيرًا من الإبل ثم تتبعت الفلول حتى هجمت على الطرفية فذبحت أهل الدويش واستولت على البلد. أما صاحب الجلالة فإنه واصل السير على ساقة سريته فوصل إلى الطرفية في وقت العصر وعسكر فيها فلما جن عليه الليل اشتد ألم كتفه حتى منعه النوم والراحة فدعا قواد، وهو على تلك الحال وقال اعلموا أن ابن رشيد وأهل بريدة هاجمون عليكم هذه الليلة فتأهبوا وكونوا متيقظين بثوا الحرس والكشافة في الطرق وحصنوا القصر، وأمرهم بالاستعداد والاحتفاظ.

стр. 480

ذكر واقعة الطرفية الصغرى لما كانت ليلة خامس شعبان من هذه السنة جاء رجل من بريدة يسعى فوافا رجال ابن سعود وقواده في منتصف الليل منذرًا يقول أن ابن رشيد قد خرج برجاله يريدون المهاجمة فلم ير القائد الذي بلغه الخبر أن يزعج ابن سعود وهو في تلك الحال لا سيما وقد كان الجيش مستعدًا للدفاع ولكن هنا أمرين أفسدا الاستعداد وهما أن ابن رشيد تأخر فنام الحرس وأيضًا سلك طريقًا غير معروفة إما لأنه ضاع أو كان قصده أن يباغت العدو فلم يشعر السعوديون إلا وهو ورجاله في وسط المعسكر، وكان لما هجم قبحه الله فجأة كانت بادية من جهة وأهل بريده هجموا مع الجهة الأخرى وأرادوا بذلك احتلال القصر فقام الحرس والحامية فصادمتهم وصدتهم عن الدخول ولما هجم ابن رشيد ذلك الهجوم على السعوديين هجومًا هادئًا ليباغتوهم وهم نيام استيقظوا وهبوا إسراعًا للدفاع وجرت مصادمة هائلة واختلط الحابل بالنابل وتضاربوا بكعاب البنادق ثم بالسيوف فسالت الدماء وعلت الأصوات بهذه الكلمة "على المشركين على الخونة" فأطلقت حينئذ البنادق والأسلحة النارية فهب العسكر كله للقتال واستمر الأمر كذلك حتى الفجر، فأصبحت المياه جارية بين النخيل وقد احمرت من دم القتلى، وتقفى حزب الإمام وجنوده الطائفة الرشيدية وأميرها يرددون هذه الكلمة "صبحناكم لا صبحتكم العافية". فلما أضحى اليوم الخامس من شعبان تجلت هذه الواقعة عن ثلاثمائة وثلاثين قتيلًا منهم ثلاثون من قوم ابن سعود وثلاثمائة من جنود ابن رشيد، وكان الفضل في هذه الواقعة للحضر في الجيش السعودي أما البوادي فشردوا ولم يرجعوا إلا بعد بضعة أيام. أما سلطان بن رشيد المسلط فإنه فر هاربًا إلى حائل معه باديته وترك أخاه فيصلًا في بريدة ليكون عونًا لأبي الخيل فيها.

стр. 481

ومما قال الأديب حسين بن علي بن نفيسة هذه القصيدة ردًا على أهل المجمعة والحوطة وأهل بريدة فيما جرى من خروجهم على ابن سعود وعن طاعته في ذلك الزمان وقد شنع عليهم بذلك. أراك لوصل الغانيات تشوق ... وقلبك للطيف المبهرج يزهق وتبكي على أطلال ليلي وتشتكي ... نوى فرقت للحي فالربع مخلق وتستوقف الركبان تسأل عنهم ... فيا عجبًا ما خلت مثلك يعشق فدع عنك تذكار الصبا إن في الصبا ... غرامًا وبرحًا يقتل المتشوق إلى ذكر من أحيى المكارم بعدما ... عفى رسمها والناس عنها تفرقوا إمام الهدى بحر الندى مثخن العدى ... بعيد المدى في وجوده فهو معرق تفرع من جرثومة المجد فاهتدى ... له قبله والغير صدوا وشرقوا فشيد تأسيسًا لآبائه الأولى ... فغنا بعلياه الحمام المطوق به الله أحيا كل موؤد ذلة ... فأضحى خفي الأمر بالحق ينطق وألبس أثواب المعزة أهلها ... ورقع دست الملك وهو مخوق فحاصر أمصارًا أبت لا تطيعه ... ففتح منها كلما كان يغلق ترى أهلها كانوا أسودًا بزعمهم ... فلما رأوه تثعلبوا وتخرنقوا فيا لك من فتح قريب لبلدة ... طغى أهلها واستمردوا وتنفقوا على من لهم لا يرحم الله كلهم ... بأسبابه من ربقة الرق أطلقوا فقل للبريديين قد خاب سعيكم ... وأعوانكم في حربكم قد تمزقوا لعبد العزيز الشيخ كيف تحاربوا ... فهذا جزا الإحسان منكم تزندقوا ألا تذكروا حرب المليدا وما جرى ... هناك وأنتم كالحمير تسوقوا لآل رشيد ترعوون وتسمعوا ... فهلا رفوتم كلما كان فتقوا فما لصديق تحسنون صداقة ... ولا عن لئيم تأنفون وتفرقوا ولا لكريم تشكرون صنيعة ... ولا لعدو بالعداوة تصدقوا أنيبوا لمن ولاه ربي زمامكم ... بلا منة منكم ولا مال ينفق

стр. 482

ولا منة أيضًا عليه لغيركم ... سوى أنه في ربه متعلق إمام هداه الله للعدل فاهتدى ... له الناس منهم راغب بل ومشفق ومن يأب إلا السيف فالسيف مصلت ... عسى الله أن يهدي به من هو أحمق فأكرم به في حالة الجود والندى ... وعند العدى والحرب والخيل تعرق وأكرم بمن والاه شدا إزاره ... جناحاه سعد والهمام الموفق خليف الندا والجود أعني محمدًا ... وصول الحبل المحتدي المتشقق ولا تنسى كل المقرنيين أنهم ... سلالة ناس للمكارم يرتقوا وما فيهم من سيء غير أنهم ... إلى كل مأثور من المجد أسبق ولا سيما عند الوغى حالة اللقا ... تجدهم لدى الهيجا أشد وأخنق جريون حين الباس لا يستفزهم ... قراع الأعادي والأسنة تبرق مطيعون لا يعصون أمر رئيسهم ... إذا ما دعا جاءوا سراعًا فأحدقوا يقودون الأعداء جردًا سويحًا ... وقومًا تسد الأفق للخضم ترهق تراهم كأسد الغاب في كل بهيمةٍ ... عوابس للأقران يردوا ويوثقوا إذا جئت صبح الكون دار ضديدهم ... تجد أيما تنعى وهامًا تفلق فكم ذللوا صعبًا تعدى لطوره ... وناسًا لما يأبى الإله تلفقوا حثالة ناس للشقاء تحزبوا ... خفافيشٌ أعشاها من الحق مشرق فيا راكبًا أما لقيت ابن عسكر ... فأولى له بعد النفاق يحقق وينقاد بالإذعان فالحق قد سمى ... فإن سبيل البغي والجور ضيق فتوحٌ من الرحمن تترى ومنةً ... فليس لمن عادى مفرٌ وفنتق وقل لتميم نسل آكلةٍ النوى ... أجيبوا لما قال الإمام وأطبقوا على طاعة الله ثم لأمره ... تعيشوا وتهدوا للصواب وترزقوا سلامي لمن أنبأكمو أن فخركم ... يعود وبالًا في المآل فيمحق فلا تبطرون الحق عودوا لطاعةٍ ... ولا تقبلوا أن جائكم متزندق فما قلته قد كان منكم آنفًا ... فتوبوا فباب العفو ليس يغلق

стр. 483

لقد خاب أهل الظلم وانثل عرشهم ... جميعًا وأعداء الشريعة إسحق وأولاك ربي أنعمًا دام ظلها ... عليك ولا لقيت ما كان يوبق فأول رعاياك المساكين رأفةً ... بشكرك والتمجيد يولوك ما بقوا وكن شرسًا فظًا غليظًا لمن عتى ... حليمًا رحيمًا نحو من كان يتقوا صفوحًا عن الزلات للشرع تابعًا ... ولا تصغ للنمام إذا يتشدق ودم سالمًا تولى الجميل وتصطفي ... كرائم أموال العداء وتمحو وهاك على قدر الذكاء قصائدًا ... فكفك بالجدواء للفقر تحلق وختم نظامي بالصلاة مسلمًا ... على المصطفى والآل ما ذر مشرق وأصحابه والسالكين سبيله ... مدى الدهر والأيام ما أخضر مورق قد ذكرنا هزيمة سلطان بن رشيد وفراره إلى حائل، وكان قد ترك أخاه فيصلًا عونًا لأمير بريدة ومساعدًا، وأيضًا ليبعده عنه وعن حائل لأنه يود فراقه وإبعاده وما ذاك إلا لما بين آل رشيد من القطيعة للرحم وحب الرئاسة، فلا يسمح أحدهم للآخر بالإمارة، ولا انتهت هزيمة العدو وعاد من سلم من أهالي بريدة فارين إليها فزحف ابن سعود يتبع فلولهم. ذكر واقعة السباخ وسببها أن أهالي بريدة لما أسخطوا ابن سعود وقاموا ضده يقاتلون تحت راية ابن رشيد بإضلال أبي الخيل لهم كما هو معلوم انتصر ابن سعود عليهم وعلى الطاغية ابن رشيد الذي ما لعهد ولا ميثاق قيمة عنده أقبل ابن سعود بعد تلك الواقعة المتقدمة مغضبًا وحق له ذلك، فأغارت خيله على بريدة وغنمت المواشي التي خارج السور كلها، ثم إنه عاد ونزل في الزرقاء وكانت خبًا منخفضًا على مسافة ساعة من بريدة شمالًا بغرب، فأباح لعسكره القرى التي ساعدت أهل بريدة مجازاة لهم على نكثهم، فنبهت الجنود قرى بريد كالسباخ ورواق وخضيرا وخب القبر، وظل أهل بريدة فيها عشرين يومًا داخل البلد كأنهم في حصار، فلم يخرجوا لا موالين ولا محاربين، غير أن فريقًا منهم أرسلوا على خفية إلى ابن

стр. 484

سعود معذرين بأن أبا الخيل مستولي على البلد بمن معه من رجال ابن رشيد وأنه إذا انسحب يعنون ابن سعود من جوارها يكون لهم قدرة على أن ينهضوا على أميرهم ومن معه من شمّر، مع العلم بأن آل مهنا فيهم حقد على آل سعود، وقد ملّ أهل بريدة إمارتهم وظلمهم، ولكنهم في وقت الحال لا يستطيعون أن يقاوموا أميرهم ويتخلصوا منه فبهذا لا يعينون عدوه عليه، بل كانوا يومًا معه ويومًا عليه، وإذا كان الأمر كذلك فإنهم ظلوا حينًا يخدعون ابن رشيد إن خافوا منه، ويخدعون أميرهم، كذلك وحينا يخدعون ابن سعود، هذه خطة أهل بريدة في إمارة أبي الخيل، وليس هذا بعذر بل الواجب عليهم إذا ابتلاهم الله بأمراء يخرجون عن طاعة ولي الأمر ويتمردون عليه كما مر في كتابنا وقبله لا يلتفتون إلى معصية أميرهم للوالي بل ينفضون أيديهم منه ويقومون ضده ولا يكونوا مذبذبين، فلوا فعلوا ذلك ولا أقل من أن يكونوا على الحياد مع الأمير لاستفادوا راحة لأنفسهم وأمنا على أموالهم، كيف لا وفيهم إذ ذاك الوقت رجال أكفاء يستطيع واحدهم أن يكون باقعة يوقف كل معتد على حده، ولكن ما الحيلة وهم في طبائعهم وسبحيتهم على عدم الخلاف لمن تآمر عليهم، ومع الأسف لم يكونوا يعرفون الطريقة التي تصلح أمرهم مع الإمام الأعظم غير أنهم استفادوا ما ذكرنا في السنة الآتية وبيضوا وجوههم في معاملة ابن سعود وصلح أمرهم معه حتى حصلوا منه على غاية الثقة والولاء. رجعنا إلى ما فعل بهم ابن سعود بعصيانهم وعلى نفسها تجني براقش. فنقول: لما كانوا منه في شبه حصار قام من كان في بريدة من شمّر عائبين على سلطان بن رشيد في انهزامه وطلبوا منه أن يعود إلى بريدة فبادر الأمير سلطان وزحف من حائل حتى دخل بريدة ليلًا وأخذ وأبا الخيل يتبادلان الرأي فيها. وعندما علم ابن سعود بقدومه مشى إلى عنيزة وتقدم منها حتى كان على قدر مسافة ساعة من بريدة، فالتف إليه عربانه الذي فروا فيما تقدم، وقد كان ابن رشيد في زحفه لمناصرة أهالي بريدة مرَّ في مسيره على رعاة لابن سعود، ففاجأهم خيله، فأخذتهم وغنمهم ابن رشيد.

стр. 485

ولما كان بعد غروب الشمس خرج رجل من بريدة لأن يقطف الرطب من نخل له في السباخ، فحينما صعدها إلى فرعها رأى النيران مشتعلة في العشاش قد أضرمها ابن سعود وجنوده، فأقبل منهزمًا إلى بريدة وأخبر أبا الخيل بذلك، فأمر على أهل البلد أن يسيروا آخر الليل إلى جهة باب البلد الجنوبي، فجعله لهم موعدًا، وبات يدور على الحصون والأبراج التي في سور البلد يحثهم على الثبات، وما زال كذلك من قديم في شدة الاحتفاظ. ولما أن طلع الفجر خرج الناس على أهبة للقتال، فالتقى الجمعان في موضع يدعى سعة الله، قريب من البلد على قدر عشر دقائق، وحصل قتال شديد وجلاد أكيد، اشتركت فيه البدو، وكان لما هجم البدو احتاط لذلك ابن سعود وجعل الحضر في مؤخرهم ليمنعوهم من الفرار إذا أحسّوا بالهزيمة، أما الحضر فإنهم في الجيوش العربية كالجنود النظامية، وأما البدو فهم بدو وغزوهم وقتالهم ونصرتهم بل وكل أمرهم عجب، فلا إله إلا الله ما أعجب حالة البدو كما في كلام بعضهم يصف البدو أنهم كالقرلى أن رأى خيرًا تدلى أو رأى شر تعلى، وقد كان هذا المثل صادقًا عليهم، ومن عادتهم أن يجيئوا ويرحلوا ويحاربوا ويشردوا كما توحي إليهم طباعهم وترشدهم الحوادث. فانهزم الإمام عبد العزيز وقتل من رجاله خمسة وأربعون مقاتلًا في مزارع السباخ وبين نخيلها، واستمر عبد العزيز في سيره جنوبًا حتى وصل إلى عنيزة، ثم نقل منها إلى البكيرية، ثم الحرس وجعل هناك يجند الجنود من الحضر، وتراجع أهل بريدة وقوم ابن رشيد وعاد سلطان إلى الجبل وترك أخاه فيصلًا أيضًا في بريدة ردئًا لأبي الخيل. ولما بقي فيصل بن حمود عند الأمير محمد في بريدة جرى بينهما خلاف، فغضب فيصل وعاد إلى الجبل، ولما أن قدم على أخيه فيها أغضبه وساءه فعله، فبعثه بمهمة إلى الجوف وقصده بذلك إبعاده عنه، ثم إن ابن سعود نقل من الرس إلى جهة عنيية فنزل هناك في جبل يسمى سواج، وجعل يترقب الفرص للهجوم، وبينما هو كذلك علم باختلاف أبي الخيل وفيصل ابن رشيد واختلافه مع أخيه، فسارع إلى جبل شمّر،

стр. 486

ولكن البدو لما نصفوا الطريق خذلوه وشردوا ولكنه استمر سائر ونزل بقومه على ماء سقف، فوجدوا هناك قبائل من حرب فاغاروا عليهم وغنموا كثير من أموالهم، فرأى صاحب الجلالة أنه لم يتوفق في زحفه إلى الجبل فعاد إلى الرياض. ولما أن أقام فيها شهرًا جاءه رجل من بريدة يخبره أن أهلها مستعدون إذا قدم عليهم أن يهجموا على أبي الخيل، فسار إلى القصيم مسارعًا، ولكن الظروف لم تساعد وذلك أنه لما بلغ الموضع المعين للاجتماع خارج البلد لم يجد هناك أحدًا فعضَّ على يديه وعاد إلى عنيزة. فلما كان بعد سبعة أيام أتاه الرسول منها يقول أنهم مستعدون ومتأهبون للهجوم على أبي الخيل، فزحف ثانيةً حتى بلغ الخضر الذي على مسافة ساعتين من بريدة، ومشى بالجنود مرتين إلى بريدة لعله يتفق بالأنصار، فلم يخرج إليه أحد، لله أنتم يا أهل بريدة. فإن قيل فما المانع من خروجهم إلى الميعاد وإحجامهم عن الهجوم على الأمير؟ قيل: إنه يوجد طائفةٌ ليست بقليلة في بريدة أتباع لطاغية مهنا وابن رشيد، فهذا الذي عثر المساعي عسى أن يحصل الأمر من غير قتال بين أهل البلد، فلما كان ابن سعود في ذلك الطلب جاءت الأنباء إليه بأن ابن رشيد زاحف من الجبل لينجد أهل بريدة، فثار مبادرًا ليصده عن ذلك غير أنه لما بلغ الكهفة وجد الخبر مكذوبًا، ولكنه برغش بن طوالة وكان رئيسًا من رؤساء شمّر كان نازلًا على ماء (فيد) بالقرب من جبلى سلمى هناك فسرى إليه ابن سعود يريد الهجوم عليه. ولم رآه ابن طوالة مقبلًا إليه ساعة الفجر، راكب النساء على الخيل فسافرت، فجئن بلا قينة مستعطفين، وتقدم برغش بن طوالة إلى ابن سعود طالبًا العفو ويعاهده على النصرة والولاء، وأقسم بالله أنه سيكون من رعاياه على الدوام مخلصًا سالمًا، وكان برغش هذا هو رسول السلم بين ابن سعود وابن رشيد. ذكر قتل سلطان بن حمود بن رشيد أمير حائل ففي هذه السنة قام سعود بن حمود بن رشيد على أخيه سلطان فقتله، وكان

стр. 487

قتله له أن خنقه بحبل فقتله ودفنه في حفرة بالقصر عياذًا بالله من هذه القطيعة، وكان قتله بعدما حكم سبعة أشهر. قلت يا عجبًا لآل رشيد حيث جعلهم الله ﵎ كالنار يأكل بعضها بعضًا، ولما قتله تولى بعده الإمارة وأرسل رسولًا إلى ابن سعود يطلب السلم ويحدد المعاهدة التي خرقها سلطان بن حمود فقبل ابن سعود غير منخدع ولكنه أراد بعقد المعاهدة معه في ذلك الحين أن يحيد ابن رشيد لعله هو أن يتمكن من أمير بريدة وينشط أنصاره فيها فيبدأ بالأهم فالأهم. وفيها عزل الشريف علي باشا عن إمارة مكة المشرفة بعدما تأمر فيها سنتين، فرحل منها ومعه من الأموال الطائلة والذهب الكثير مما كان جمعه في هاتين السنتين إلى القطر المصري فاشترى به أملاكًا وعقارًا وقصرًا بديعًا في ضاحيه من ضواحي القاهرة، وعاش فيه عيشة الملوك والأمراء، ويأوي إليه كل غاد ورائح من الأسرة الهاشمية في شدة أو رخاء. ثم إنه ولي إمارة مكة بعده الشريف عبد الإله، ولما صدر الفرمان الشاهاني ولايته، وكان بالأستانة عاجلته المنية بعد أيام قليلة بعد أن أعدَّ العدة للرحيل إلى محل إمارته مكة المكرمة، وقد حامت حول موته فجأة الشكوك والظنون وذهبت ببعض من كان ينتظر الإمارة من الأشراف المقيمين بالأستانة كل مذهب، وأول من كان يتهم في ذلك من هو في طلب الإمارة ليلًا ونهارًا، فالله المستعان. ثم دخلت سنة ١٣٢٦ ه ـ استهلت هذه السنة والدولة العثمانية قد نخر في عظام كيانها سوس الضعف المعنوي باستيلاء أشخاص من ذوي الأغراض الفاسدة على المابين واستخدامهم ذلك النفوذ لدى جلالة السلطان في أمور كانت عاقبتها ذهاب الدولة وشتات أمرها كان يعنيهم على ذلك ضعف السلاطين علمًا وعقلًا وسياسة وذلك أنه إذا

стр. 488

جلس على عرش السلطنة والخلافة السلطان منهم فإنه يأخذ ولي العهد بعده ويزجه في قصر بعيد عن العالم لا يجاوزه إلى غيره، ويضيق عليه حتى يتصلب بزعمهم، فأثمر ذلك أن هذا إذا تولى يكون همه نفسه في اللذات والشهوات تعويضًا لها عما نالت في السجن من البؤس إلى غير ذلك من السياسات العاطلة، فيكون قصد السلطان مسرحًا تمثل عليه أغرب روايات النسائية وملعبًا للوشايات والأغراض الشخصية. أما تلك المملكة الواسعة الأرجاء البعيدة الأطراف، فلا شأن لها من نفسه، فأصبحت يديرها شرذمة الأتحاديين، وصارت الدولة العظيمة الشأن إلى التدهور والانحلال، وتجرأت عليها الدول الصغيرة التي كانت بالأمس ولايات تابعة له وأخر بلية تقرر الدستور في الدولة العثمانية في هذه السنة، ففي هذه السنة تقرر دستور الدولة العثمانية الذي عاد عليها بالتباب والوبال. وفيها في آخرها خلع السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد وبدأ الفشل في الدولة العثمانية. ذكر إمارة الحسين بن علي الشريف كان في حالة إقامته بالأستانة يعمل ليومه الذي يرجوه ويسعى لتحقيق فكرته التي ملأت رأسه والتي كان يعتقد أن تحقيقها لا يتم إلا على أيدي أوربية، فمن ثم أخذ يتصل بالأوربيين السياسيين في الأستانة ويستعين بهم على مآربه، وقد تبين واضحًا ما كان يحمله الحسين في نفسه من الثقة بالأوربيين في الحرب العالمية حين استعان بالحلفاء استعانة كان خيرها لهم وشرها له وللعرب والمسلمين، لم يخف على الباب العالي صلة الحسين بالأوربيين وسعيهم معه خصوصًا وقد كان أغلب من يحيط به من جواسيس عبد الحميد الذي كان يعتني بفن الجاسوسية كل العناية، ولكن السلطان عبد الحميد لم يعبأ كثيرًا بسعي الحسين لما كان مرتكزًا في نفسه من قوة الباب العالي ما يتلاشى معه كل هذه الصغائر التي جاء يوم كانت فيه جبالًا من الفتنة طحنت عبد الحميد وعرشه طحنًا في ثورة حزب الأتحاد والترقي.

стр. 489

ولما مات الشريف عبد الإله بعد تعيينه في إمارة مكة بقليل رأي الحسين حينئذٍ الفرصة سانحة فيجد جده وسعى عند المقربين من الباب العالي، حتى أشار بعضهم على السلطان عبد الحميد بتولية الحسين إمارة مكة وحسنها له ودفع بعض ما كان في نفس السلطان من سوء الظن والريبة، وبعد تردد ومعارضة في السلطان: "إني راضي بتعيينه أميرًا لمكة إذا اكتفى بذلك فقط، بل إني أعتقد أنه لا يكتفي بالإمارة فحسب بل يطمح لأكثر منها يهدد يومًا ما عرشي". ثم أصدر فرمانه الشاهاني بتولية الحسين إمارة مكة على مضض في شوال سنة ١٣٢٦ هـ، وقد قال السلطان عقب تولية الحسين بن علي للإمارة: "لقد خرجت الحجاز من يدنا واستقل العرب وتشتت ملك آل عثمان بتعيين هذا الرجل لإمارة مكة وياليته يكتفي بإمارة مكة واستقلال العرب فقط، ولكنه سوف يعمل بدهائه لأن ينال مقام الخلافة العظمى لنفسه". ولا يخفى ما في هذا القول من المبالغة، ويعد هذا من دهاء السلطان عبد الحميد الذي كأنه ينظر من خلال سيرة الحسين ومساعيه وما عرف من أخلاقه وميوله ما آل إليه أمر الحجاز وخروجه تحت إمارة الحسين على الدولة العثمانية وانضمامه إلى صفوف أعدائها الذين كانوا يعملون نهارًا وليلًا على تقويض بنائها وتشتيت شملها واقتسام أجزائها. وقد ظهرت مطامع الحسين ونواياه بإزاء الدولة العثمانية واضحة جليه وجر على نفسه وعلى الحجاز، بل وعلى العالم الإسلامي بسياسته وبالًا كبيرًا، فإنه كان ذا آمال كبار ومطامع عظيمة وحلم بعيد المدى بالامبراطورية العربية ولكنه مع الأسف لم يكن يعرف الطريق الموصل إليها وإلى تحقيق مقاصدها، فلذا ضلَّ سبيل الرشد ووقع في الفخ الذي نصبته له دول الاستعمار ولكن كما قيل: ستعلم حين ينكشف الغبار ... أخيلٌ تحت رِجلك أم حمار وكان صدور فرمانه في ٦ شوال من هذه السنة، وكان كل صاحب مركز عظيم في الدولة العثمانية تصدر بتوليتهم هذه المراكز فرمانات وهي كلمة فارسية معناها عهد بالولاية.

стр. 490

ولعمر الله أنه لممًا يذيب حبة القلب أن يجعل في ألفاظ الفرمان صورة لا تليق إلا بالله رب العالمين، وهذا الفرمان يصدر من الباب العالي بالألقاب الضخمة والألفاظ الجوفاء، فيوجد فيها من تفكك الألفاظ وسخافة المعنى وركاكة التعبير ما تنكره اللغة العربية. تعريب الفرمان الذي صدر لحسين بن علي أمير مكة المكرمة بما أن الله جلَّ شأنه وعم نواله قد نظم خلق كونه وأحسنه وجعل كل شيء عنده بمقدار، فقد اختص ذاتي بكماله قدرته الأزلية لتكون خليفة للإسلام وسلطانًا للأنام، وجعلني بكمال عدله شرف الملوك وجعل سيادتي ملجأ للخاص والعاص لذا كان من الواجب على ذاتنا الشاهانية والمحتم على دولتنا العلية أن نجعل أبواب عواطفنا الملوكية مفتحة لكل من قام بحسن خدمتنا وبرهن بعمله على صداقته لدولتنا العلية حيث أن أنواع مكارمنا التي لا غاية لها متهيئة لذوي الصدق من رجالنا وأنت أيها الشريف المحترم من أعظم رجال سلطتنا، كما أنك سابقًا من أعضاء لجنة شورى دولتنا ومتخلق بحسن السيرة والفطانة والنجابة، وإن آمالنا الشاهانية تؤمل في نجابتك حسن الخدمة وإظهار مآثر الصدق لدولتنا العلية. وبناء على هذا الأمل أعربت عن عواطفنا المنيرة السلطانية في اليوم السادس من شوال عام السادس والعشرين بعد الثلاثمائة والألف مصحوبة بكمال توجهاتي السنية وتمام عنايتي الشاهانية فأحسنت ووجهت الرتبة السامية الوزارة إلى عهدة استعدادك وتأهلك بموجب إرادتنا الملوكانية أخص بتوقيعنا هذا الملوكاني الرفيع للقدر حائز لنيشانين العثماني والمجيدي المرصعين الدستور المكرم الوزير المفخم نظام العالم مدير أمور الجمهور بالفكر الثاقب متمم مهام الآنام بالرأي الصائب، ممهدًا بنيان الدولة والإقبال مشيدًا أركان السعادة والإجلال المحفوظ بصون الملك الأعلى وزيري المختص الشريف حسين باشا أدام الله إجلاله

стр. 491

وأعطيتك هذا المنشور الفائق السرور، وأصدرت أمري الملوكاني بتفويض رتبة الوزارة الجليلة إليك من تاريخ فرماني هذا، إلخ، وهنا صورة منيفة أيضًا على نمط هذا الاختراع والتطويل. ثم إنه بارح الشريف حسين بن علي الأستانة، فوصل إلى جدة ميناء الحجاز صباح يوم ٩ ذي القعدة من هذه السنة فاستعد الحجازيون لاستقباله استعدادًا عظيمًا، وحضرت الوفود من مكة والمدينة وغيرها من الحاضر والبادية إلى جدة في انتظار الباخرة طنطا التي استقلها من الأستانة. ذكر استقبال الحسين بن علي لما قدم الحجاز لما أن وصل الحسين إلى جدة في اليوم المذكور اكتظ رصيف الميناء بالمستقبلين وعلى رأسهم الأشراف، فحيوه أحسن تحية وأظهروا له كامل السرور بتوليته إمارة مكة، وتلك عادة الحجازيين يظهرون السرور وإن كانت القلوب بخلافه. فنزل ضيفًا على الشيخ محمد حسين نصيف، وألقى تحيةً له صاحب مدارس الفلاح بمكة وجدة وبمباي والبحرين، وهو الحاج محمد علي زنيل بخطبة مسهبة حوت من غرر المديح ودرر الثناء شيئًا كثيرًا، فكان جوابها التأثر من الحسين الذي أسأل عبراته من مآقيه، ثم تكلم الشريف معربًا عما في نفسه لتلك البلاد وأهلها من الحب وما يرجوه لها ولهم من الخير. ولم يبقَ في جدة إلا ريثما تلقى وفود المهنئين، واستراح من وعثاء السفر ومشاق البحر فشد رحله ميممًا أم القرى، فبلغها في اليوم ١٢ من ذي القعدة فكانت الحفاوة ولاستقبال قد بلغا إلى حد العجب ونزل بيت الإمارة في محله الغزة بجانب سوق الليل، وكان قصرًا بناه محمد علي باشا حين استولى على مكة وجعله وقفًا على منصب الإمارة، وكانت الدولة تجعل بجانب الشريف الذي يتولى إمارة مكة واليًا من قبلها من الرجال العسكريين أو الإداريين يكون إليه الجيش النظامي والمحاكم وإدارة الأموال وعلى العموم كل مصالح الحكومة النظامية، وكان مقر هذا

стр. 492

الوالي في الحميدية بجانب الحرم الشريف، وقد بنتها الدولة العثمانية مقرًا لمن تبعثه من الولاة. أما عمل الشريف فإنه يكاد ينحصر في شؤون البدو وما إليهم، ولكنه بحسب قوة الشريف يتدخل في الأمور النظامية أو بعضها خصوصًا إذا كان الوالي من قبل الدولة ضعيفًا فترى الشريف يتدخل بما ليس من وظيفته، وهذا على حسب الأشراف، ولقد نشأ من تغالب هاتين السلطتين متاعب كثيرة للدولة والأهالي وضاع بسببه أموال كثيرة وحقوق ليست بقليلة، فإنه لا يمكن أن تصلح بلد فيها سلطتان تسير كل واحدة إلى جهة وتحاول كل منهما التغلب على الأخرى، ولكل واحدة منهما من القوة ما يغريها ويحملها على المشاكسة، وإذا كان الأمر كذلك فهل يخفى أن الحسين لما فطر عليه من النصرة العربية يكون أشد الأمراء الأشراف مشاكسةً ومعاكسةً للوالي التركي، فالله المستعان. ذكر ابن سعود ودخول بريدة في ولايته للمرة الثانية ففي هذه السنة عاد صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بعد ما تمت المعاهدة بينه وبين سعود بن حمود بن رشيد إلى البكيرية، فعسكر فيها وسار بنفسه إلى عنيزة يريد استرجاع بريدة وما قطع اليأس منها، وجعل يستطلع الأخبار، فأخبر أن أهل بريدة مستعدون الاستعداد التام هذه المرة وكانوا صادقين وعازمين على الهجوم، ذلك لأنهم قد ملوا إمارة آل أبي الخيل وانتقدوا فعلهم، فبادر عبد العزيز إلى حصانه وعدا به عائدًا إلى البكيرية، فقطع مسافة خمس ساعات في ساعتين ونصف وأمر عند وصوله بالزحف السريع إلى بريدة، فزحف الجيش في ذلك النهار إلى أن وصل حوالي بريدة عند غروب الشمس فنزل موضعًا على مسافة أربعين دقيقة شمالًا عنها، وأين الرجال؟ أين المستعدون للحرب؟ الحق يقال أن السيادة كل السيادة فيها لمحمد بن عبد الله أبي الخيل. فقام أعضاء أهل بريدة ورؤسائهم وهم الذين بيدهم الضبط والربط يرأسهم

стр. 493

محمد بن عبد الرحمن بن شريدة وعبد الكريم بن ناصر آل جربوع وآل مبارك وآل رشودي فبعثوا إليه في موضعه ذلك الذي يعرف بالحسيانة رجلًا على خفية يدعى بعبد الكريم بن عبيد الملقب "قني" تصغير قنو، وكان هذا الرجل عارفًا بالأمور وذا تجربة، أضف إلى ذلك أنه من أهل القافة، وبعثوا معه بكتاب فيه المعاهدة على السمع والطاعة والنصرة وضربوا له موعدًا وهو الباب الشمالي لسور البلد مما يليه، على أنه إذا قدم بعد صلاة العشاء الآخرة يجد البلد مفتوحًا، ولما أن أراد الخروج رسول القوم وأجري عليه التفتيش من رجال أبي الخيل لأنهم لا يذرون داخلًا ولا خارجًا إلا أجري عليه ذلك، كان قد احتاط للمسألة وجعل الكتاب بين أطباق نعله وخرز عليه، وأقبل يحمل على عضده حزمة من البرسيم، فكلمه الغبي يقوله: ألق الحزمة وأخرج ما في جيبك، فلما لم يقعوا على شيء تركوه وشأنه، ولما قرب من ساحة ابن سعود ضحك منه وتكلم قائلًا: أبشير أم نذير. ولما دعى بالسكين ليشق النعل ويخرج الكتاب كثر ضحك ابن سعود منه، وبعدما قرأ الكتاب لم يكلفهم غير فتح الباب. ثم إنه جمع رجاله ليلة الدخول الموافقة ٢٠ من ربيع الآخر، فتكلم قائلًا: أين الرجال الطيبون؟ فسكت القوم لا يعلمون قصده فأعادهم يقول: أين الذين يستحيون؟ أين أهل الأنفة والشمية؟ فقام عشرة، فأعاد مقالته فتقدم الجيش كله، فأمر سريتين بالتقدم إلى البلد إذا ما فتح الباب، فيسيرون إلى البيوت التي كانت قريبًا من القصر الذي فيه أبو الخيل فيحتلونها. وحينما دخل الناس في صلاة العشاء الآخرة إذا برجال البلد يتقدمون لفتح الباب على رأسهم الشهم محمد بن عبد الرحمن بن شريدة، فكلم البواب بقوله: أفتح الباب لننظر في مدينتنا، ولما أصرَّ على عناد قبض عليه وأخذ المفتاح منه ففتحوا، ودخلت السريتان وقدرها ثلاثمائة، فاحتلت البيوت ووقف صاحب الجلالة بالباب، ثم أرسل فرقة عددها خمسمائة مقاتل لتحتل أبراج السور القريبة منه.

стр. 494

وكانت وصايا ابن سعود ثقيلة على قومه في المنع عن الفواحش وآخر كلمة قالها: الويل لمن اعتدى على النساء فإن يدي عليه، ثم إنه دخل على رأس جيشه يقصد من تقدمه من الفرسان. وما كاد يخرج الناس من المساجد حتى علت الأصوات ودوت صيحات الحرب، فاشتبكت الجنود برجال أبي الخيل، ففرَّ ابن سعود هاربًا بعدما دوت البنادق يقول خنتموني يا أهل بريدة، غير أن الأنصار أدركوه يقولون لا بأس عليك يا طويل العمر، إن البلد لا تخلو من الأعداء، فرجعوا به وأدخلوه في بيت من بيوت بريدة، واستمر القتال طيلة الليل كانت الضحايا بين الفريقين خمسة عشر مقاتلًا عشرةً من رجال أبي الخيل وخمسة من رجال ابن سعود. ولما هدأ القتال تقدم به الأنصار إلى بيت عبد الكريم بن ناصر آل جربوع، فدخل ومعظم رجاله فيه واستراح تلك الليلة بين أولئك الأنصار وجعل وجوه الأهالي يأتونه من كل فج، فاطمأن به المجلس واشتدت ثقته وابتهجت الأهالي بالسرور والبشارة، وقام عبد الكريم يقدم العبيط والتمر والقهاوي لابن سعود ورجاله، فأكلوا وشربوا وباتوا بخير والحمد لله وحده. فلما طلع الفجر جاء بقية رؤساء البلد يبايعون ويطلبون العفو، فأجاب إلى كل ما طلبوا بشرط أن يسلم المقاتلون السلاح والحلقة، فسلموا قبل وقت الضحى ولكن الأمير أبا الخيل ظل محاصرًا يومًا وليلة، ثم طلب الأمان بعد ذلك فأمنّه ابن سعود على حياته وتركه يذهب حيث شاء، فرحل إلى العراق ثم إنها أذعنت بريدة وانطفأة نيران الفتنة واستراح أهلها من حكم آل مهنا وآل رشيد من ذلك اليوم. ذكر ما جرى من الحوادث ففيها استشار ابن سعود أهالي بريدة في بقاء قاضي آل أبي الخيل في بريدة وهو الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، فأشاروا عليه في عزله، فعزله عن القضاء وجعل مكانه الشيخ ناصر بن سليمان آل سيف مؤقتًا.

стр. 495

أما الإمارة فيها فإن ابن سعود بعدما أفادته التجارب ما كان ليؤمر فيها إلا رجلًا من أهل بيته، فجعل ابن عمه عبد الله بن جلوي أميرًا على بريدة، بل وعلى سائر مقاطعة القصيم وناهيك به عقلًا ورأيًا وشجاعةً وصرامةً، وشتت الله آل مهنا. وفيها وفاة مصطفى كامل. وفيها قتل أمير حائل سعود بن حمود آل رشيد، وكان قتله بمساعي آل سبهان بعدما حكم سنة وشهرين، قتل في الموضع الذي قتل فيه أخاه، وكان قد كثر منه الفتن والاضطرابات ونكث العهد. ثم تولى الإمارة بعده في حائل آل سبهان، وبعث الأمير بوفد إلى ابن سعود، وقد قتل سعود هذا والأمور مائجة، وإنما تولى آل سبهان الإمارة لسعود بن عبد العزيز بن متعب بن رشيد الذي فر به أخواله عن آل عبيد. ذكر قتل داعية الضلال عبد الله بن عمرو آل رشيد وذلك بأن هذا الرجل كان لا يزال والعياذ بالله يسعى في الفتنة وله مؤامرات ضد آل سليم وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فشاءت الإرادة الإلهية والقدرة الربانية أن يحمل من بريدة إلى الرياض فقتل هناك. وكان في بداية أمره عليه آثار الزهد والخمول ثم إنه اتصل بعباد القبور والأوثان وتربص بين أظهرهم، ثم قدم من تلك الأمصار يدخل بدعته وتشكيكه حتى اغتر به من قلَّ دينه وعلمه، فلا حيّاه الله ولا بياه. وقد ألف العلماء كتبًا في الرد عليه كالشيخ سليمان بن سحمان وسما كتابه "الجيوش الربانية في كشف الشبه العمرية" وشتت الله أهل الزيغ والريب بولاية آل سعود. ثم دخلت سنة ١٣٢٧ ه ـ وتسمى هذه السنة بسنة الجوع وذلك لأن الله تعالى أنزل بالمسلمين مسغبة عظيمة وجوعًا شديدًا، وقد ورد في بعض الآثار أن الله إذا أراد الجوع
следующие страницы →