← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وأعطيتك هذا المنشور الفائق السرور، وأصدرت أمري الملوكاني بتفويض رتبة الوزارة الجليلة إليك من تاريخ فرماني هذا، إلخ، وهنا صورة منيفة أيضًا على نمط هذا الاختراع والتطويل. ثم إنه بارح الشريف حسين بن علي الأستانة، فوصل إلى جدة ميناء الحجاز صباح يوم ٩ ذي القعدة من هذه السنة فاستعد الحجازيون لاستقباله استعدادًا عظيمًا، وحضرت الوفود من مكة والمدينة وغيرها من الحاضر والبادية إلى جدة في انتظار الباخرة طنطا التي استقلها من الأستانة. ذكر استقبال الحسين بن علي لما قدم الحجاز لما أن وصل الحسين إلى جدة في اليوم المذكور اكتظ رصيف الميناء بالمستقبلين وعلى رأسهم الأشراف، فحيوه أحسن تحية وأظهروا له كامل السرور بتوليته إمارة مكة، وتلك عادة الحجازيين يظهرون السرور وإن كانت القلوب بخلافه. فنزل ضيفًا على الشيخ محمد حسين نصيف، وألقى تحيةً له صاحب مدارس الفلاح بمكة وجدة وبمباي والبحرين، وهو الحاج محمد علي زنيل بخطبة مسهبة حوت من غرر المديح ودرر الثناء شيئًا كثيرًا، فكان جوابها التأثر من الحسين الذي أسأل عبراته من مآقيه، ثم تكلم الشريف معربًا عما في نفسه لتلك البلاد وأهلها من الحب وما يرجوه لها ولهم من الخير. ولم يبقَ في جدة إلا ريثما تلقى وفود المهنئين، واستراح من وعثاء السفر ومشاق البحر فشد رحله ميممًا أم القرى، فبلغها في اليوم ١٢ من ذي القعدة فكانت الحفاوة ولاستقبال قد بلغا إلى حد العجب ونزل بيت الإمارة في محله الغزة بجانب سوق الليل، وكان قصرًا بناه محمد علي باشا حين استولى على مكة وجعله وقفًا على منصب الإمارة، وكانت الدولة تجعل بجانب الشريف الذي يتولى إمارة مكة واليًا من قبلها من الرجال العسكريين أو الإداريين يكون إليه الجيش النظامي والمحاكم وإدارة الأموال وعلى العموم كل مصالح الحكومة النظامية، وكان مقر هذا

стр. 492

الوالي في الحميدية بجانب الحرم الشريف، وقد بنتها الدولة العثمانية مقرًا لمن تبعثه من الولاة. أما عمل الشريف فإنه يكاد ينحصر في شؤون البدو وما إليهم، ولكنه بحسب قوة الشريف يتدخل في الأمور النظامية أو بعضها خصوصًا إذا كان الوالي من قبل الدولة ضعيفًا فترى الشريف يتدخل بما ليس من وظيفته، وهذا على حسب الأشراف، ولقد نشأ من تغالب هاتين السلطتين متاعب كثيرة للدولة والأهالي وضاع بسببه أموال كثيرة وحقوق ليست بقليلة، فإنه لا يمكن أن تصلح بلد فيها سلطتان تسير كل واحدة إلى جهة وتحاول كل منهما التغلب على الأخرى، ولكل واحدة منهما من القوة ما يغريها ويحملها على المشاكسة، وإذا كان الأمر كذلك فهل يخفى أن الحسين لما فطر عليه من النصرة العربية يكون أشد الأمراء الأشراف مشاكسةً ومعاكسةً للوالي التركي، فالله المستعان. ذكر ابن سعود ودخول بريدة في ولايته للمرة الثانية ففي هذه السنة عاد صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بعد ما تمت المعاهدة بينه وبين سعود بن حمود بن رشيد إلى البكيرية، فعسكر فيها وسار بنفسه إلى عنيزة يريد استرجاع بريدة وما قطع اليأس منها، وجعل يستطلع الأخبار، فأخبر أن أهل بريدة مستعدون الاستعداد التام هذه المرة وكانوا صادقين وعازمين على الهجوم، ذلك لأنهم قد ملوا إمارة آل أبي الخيل وانتقدوا فعلهم، فبادر عبد العزيز إلى حصانه وعدا به عائدًا إلى البكيرية، فقطع مسافة خمس ساعات في ساعتين ونصف وأمر عند وصوله بالزحف السريع إلى بريدة، فزحف الجيش في ذلك النهار إلى أن وصل حوالي بريدة عند غروب الشمس فنزل موضعًا على مسافة أربعين دقيقة شمالًا عنها، وأين الرجال؟ أين المستعدون للحرب؟ الحق يقال أن السيادة كل السيادة فيها لمحمد بن عبد الله أبي الخيل. فقام أعضاء أهل بريدة ورؤسائهم وهم الذين بيدهم الضبط والربط يرأسهم

стр. 493

محمد بن عبد الرحمن بن شريدة وعبد الكريم بن ناصر آل جربوع وآل مبارك وآل رشودي فبعثوا إليه في موضعه ذلك الذي يعرف بالحسيانة رجلًا على خفية يدعى بعبد الكريم بن عبيد الملقب "قني" تصغير قنو، وكان هذا الرجل عارفًا بالأمور وذا تجربة، أضف إلى ذلك أنه من أهل القافة، وبعثوا معه بكتاب فيه المعاهدة على السمع والطاعة والنصرة وضربوا له موعدًا وهو الباب الشمالي لسور البلد مما يليه، على أنه إذا قدم بعد صلاة العشاء الآخرة يجد البلد مفتوحًا، ولما أن أراد الخروج رسول القوم وأجري عليه التفتيش من رجال أبي الخيل لأنهم لا يذرون داخلًا ولا خارجًا إلا أجري عليه ذلك، كان قد احتاط للمسألة وجعل الكتاب بين أطباق نعله وخرز عليه، وأقبل يحمل على عضده حزمة من البرسيم، فكلمه الغبي يقوله: ألق الحزمة وأخرج ما في جيبك، فلما لم يقعوا على شيء تركوه وشأنه، ولما قرب من ساحة ابن سعود ضحك منه وتكلم قائلًا: أبشير أم نذير. ولما دعى بالسكين ليشق النعل ويخرج الكتاب كثر ضحك ابن سعود منه، وبعدما قرأ الكتاب لم يكلفهم غير فتح الباب. ثم إنه جمع رجاله ليلة الدخول الموافقة ٢٠ من ربيع الآخر، فتكلم قائلًا: أين الرجال الطيبون؟ فسكت القوم لا يعلمون قصده فأعادهم يقول: أين الذين يستحيون؟ أين أهل الأنفة والشمية؟ فقام عشرة، فأعاد مقالته فتقدم الجيش كله، فأمر سريتين بالتقدم إلى البلد إذا ما فتح الباب، فيسيرون إلى البيوت التي كانت قريبًا من القصر الذي فيه أبو الخيل فيحتلونها. وحينما دخل الناس في صلاة العشاء الآخرة إذا برجال البلد يتقدمون لفتح الباب على رأسهم الشهم محمد بن عبد الرحمن بن شريدة، فكلم البواب بقوله: أفتح الباب لننظر في مدينتنا، ولما أصرَّ على عناد قبض عليه وأخذ المفتاح منه ففتحوا، ودخلت السريتان وقدرها ثلاثمائة، فاحتلت البيوت ووقف صاحب الجلالة بالباب، ثم أرسل فرقة عددها خمسمائة مقاتل لتحتل أبراج السور القريبة منه.

стр. 494

وكانت وصايا ابن سعود ثقيلة على قومه في المنع عن الفواحش وآخر كلمة قالها: الويل لمن اعتدى على النساء فإن يدي عليه، ثم إنه دخل على رأس جيشه يقصد من تقدمه من الفرسان. وما كاد يخرج الناس من المساجد حتى علت الأصوات ودوت صيحات الحرب، فاشتبكت الجنود برجال أبي الخيل، ففرَّ ابن سعود هاربًا بعدما دوت البنادق يقول خنتموني يا أهل بريدة، غير أن الأنصار أدركوه يقولون لا بأس عليك يا طويل العمر، إن البلد لا تخلو من الأعداء، فرجعوا به وأدخلوه في بيت من بيوت بريدة، واستمر القتال طيلة الليل كانت الضحايا بين الفريقين خمسة عشر مقاتلًا عشرةً من رجال أبي الخيل وخمسة من رجال ابن سعود. ولما هدأ القتال تقدم به الأنصار إلى بيت عبد الكريم بن ناصر آل جربوع، فدخل ومعظم رجاله فيه واستراح تلك الليلة بين أولئك الأنصار وجعل وجوه الأهالي يأتونه من كل فج، فاطمأن به المجلس واشتدت ثقته وابتهجت الأهالي بالسرور والبشارة، وقام عبد الكريم يقدم العبيط والتمر والقهاوي لابن سعود ورجاله، فأكلوا وشربوا وباتوا بخير والحمد لله وحده. فلما طلع الفجر جاء بقية رؤساء البلد يبايعون ويطلبون العفو، فأجاب إلى كل ما طلبوا بشرط أن يسلم المقاتلون السلاح والحلقة، فسلموا قبل وقت الضحى ولكن الأمير أبا الخيل ظل محاصرًا يومًا وليلة، ثم طلب الأمان بعد ذلك فأمنّه ابن سعود على حياته وتركه يذهب حيث شاء، فرحل إلى العراق ثم إنها أذعنت بريدة وانطفأة نيران الفتنة واستراح أهلها من حكم آل مهنا وآل رشيد من ذلك اليوم. ذكر ما جرى من الحوادث ففيها استشار ابن سعود أهالي بريدة في بقاء قاضي آل أبي الخيل في بريدة وهو الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر، فأشاروا عليه في عزله، فعزله عن القضاء وجعل مكانه الشيخ ناصر بن سليمان آل سيف مؤقتًا.

стр. 495

أما الإمارة فيها فإن ابن سعود بعدما أفادته التجارب ما كان ليؤمر فيها إلا رجلًا من أهل بيته، فجعل ابن عمه عبد الله بن جلوي أميرًا على بريدة، بل وعلى سائر مقاطعة القصيم وناهيك به عقلًا ورأيًا وشجاعةً وصرامةً، وشتت الله آل مهنا. وفيها وفاة مصطفى كامل. وفيها قتل أمير حائل سعود بن حمود آل رشيد، وكان قتله بمساعي آل سبهان بعدما حكم سنة وشهرين، قتل في الموضع الذي قتل فيه أخاه، وكان قد كثر منه الفتن والاضطرابات ونكث العهد. ثم تولى الإمارة بعده في حائل آل سبهان، وبعث الأمير بوفد إلى ابن سعود، وقد قتل سعود هذا والأمور مائجة، وإنما تولى آل سبهان الإمارة لسعود بن عبد العزيز بن متعب بن رشيد الذي فر به أخواله عن آل عبيد. ذكر قتل داعية الضلال عبد الله بن عمرو آل رشيد وذلك بأن هذا الرجل كان لا يزال والعياذ بالله يسعى في الفتنة وله مؤامرات ضد آل سليم وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فشاءت الإرادة الإلهية والقدرة الربانية أن يحمل من بريدة إلى الرياض فقتل هناك. وكان في بداية أمره عليه آثار الزهد والخمول ثم إنه اتصل بعباد القبور والأوثان وتربص بين أظهرهم، ثم قدم من تلك الأمصار يدخل بدعته وتشكيكه حتى اغتر به من قلَّ دينه وعلمه، فلا حيّاه الله ولا بياه. وقد ألف العلماء كتبًا في الرد عليه كالشيخ سليمان بن سحمان وسما كتابه "الجيوش الربانية في كشف الشبه العمرية" وشتت الله أهل الزيغ والريب بولاية آل سعود. ثم دخلت سنة ١٣٢٧ ه ـ وتسمى هذه السنة بسنة الجوع وذلك لأن الله تعالى أنزل بالمسلمين مسغبة عظيمة وجوعًا شديدًا، وقد ورد في بعض الآثار أن الله إذا أراد الجوع

стр. 496

بأهل الأرض ينادي منادي: "يا أمعاء اتسعي ولا تشبعي" فعند ذلك لا ينفع الإنسان أكله، وهذا شيء مشاهد، فقد نقل لنا أن رجلًا استيقظ في جوف الليل فجعل يتضور من الجوع فأيقظ ابنته إلى جانبه في السطح وشكى إليها ما يجده من الجوع، فإذا بها أشد خمصًا منه فقاما لطبخ الطعام، ولما شرعا فيه أبصرا غالب البيوت قد أوقدت فيها النيران للطبخ وقد أصاب الأمة ما أصابه. ونقل لي أن رجلًا اشترى إحدى عشرة وزنة من التمر، وخرج بها من البلد لعائلته التي تبعد عن المدينة بمسافة ساعة، فما وصلهم بشيء مما كان معه، ذلك بأنه جعل يمشي ويأكل فلم يبق معه شيء فحدثت بذلك بعض من أثق به مستبعدًا وقوعه، فقال هذا فلان لرجل سماه أنه أكل في ضحى يوم اثنتين وعشرين وزنة تمر. واشتدت المسغبة حتى جعل الناس يأكلون الأعشاب والعظام والقد والنوى وغير ذلك، ونفدت الأطعمة حتى سقط الناس في الشوارع والأزقة موتى على وجه الأرض، وكان سعر البر يباع صاعان في ريال، وسعر التمر خمس وزنات بريال فليس ذلك عن اشتداد مؤنة، غير أن الإنسان يأكل ولا يشبع فجعل الناس يموجون من الجوع ويتضاغون من حر المساغب. وكان والدنا السعيد قدس الله روحه إذا خرج صباحًا إلى دكانه عجن الدقيق بالتمر وجعله لقمًا في زنبيل وفرقة على من يمر بهم في طريقه من الساقطين على وجه الأرض. ونقل لنا عن رجل الخير والفضل محمد بن شريدة رئيس أعضاء أهالي بريدة أنه تصدق بكمية من التمر على فقراء أهالي بريدة إذ ذاك لا يقل ذلك القدر عن ثلاثة آلاف وزنة، ولما علم بذلك أخوه منصور شاركه وشاطره فيه يعني جعل الخارج على نفقتيهما جزاهما الله خيرًا. وفيها حصلت مفاوضات بين ابن سعود وبيت آل رشيد لكنها لم تسفر عن شيء يذكر لا سلم ولا عن شبه سلم، فاستؤنف القتال بين الفريقين، فخرج

стр. 497

صاحب حائل ونزل الشعبية وأغار على قبيلة من مطير التابعة لابن سعود فقتل رئيسها وأصاب منه مغنمًا، فخرج الإمام عبد العزيز في طلب الخصم على ذلك الماء فلم يجده فأغار على قبائل حرب وشمّر وغنم أموالهم ثم رجع إلى الشعبية فأقام هناك يومًا يخمس الأخماس وقسم الغنائم. فلما أن علم ابن سبهان بوجود ابن سعود في الشعبية زحف إليه، فعلم ابن سعود بزحفة فمشى حتى وصل وقت غروب الشمس إلى مكان في النفود يدعى الأشعلي، فنزله وشرع يتأهب للحرب، فأخرج البدو من المعسكر وأبعدهم عنه وأخرج الحضر إلى رأس النفود فتحصنوا فيها، فأمست الخيام خالية ثم أمر ألا تعقل الإبل التي غنموها من شمّر وحرب في هذه الوقعة والقصد في هذا لأن الطمع غريزة البدو فإذا سمعت الإبل إطلاق الرصاص فرت لأنها لم تعقل فيتبعها بوادي العدو ليغنموها، فلما انتصف الليل هجم صاحب حائل وما علم بما نصب له من الحبائل فقصد الخيام الخالية وأطلق الرصاص ففرت الإبل وذهبت ذخيرة العدو سدى، فلحقت بادية العدو تلك الإبل التي شردت، وكذلك أيضًا شردت بادية ابن سعود تحت جناح الليل والظلام، فلم يبقَ في الجيشين سوى الحضر. فأرسل ابن سعود سرية لمناوشة من هجموا على الخيام، ثم بعد المناوشة أمرهم أن ينسحبوا، ففعلت فظن العدو أن ابن سعود معها وقد انهزم وأنى هيهات أنه ورجاله كانوا كامنين في رأس النفود. فلما كان عند انفجار الصبح يوم ٥ ربيع الأول أغار ومن معه على العدو، فكانت واقعة الأشعلي المشهورة، كان فيها النصر المبين لابن سعود، وخسر صاحب حائل عددًا كبيرًا من الرجال والرحال هناك ونكب بضربة تقهقر فيها ومن معه فارين إلى الشعيبية. ثم عاد ابن سعود بعدها بحاضرته إلى قبة وكانت بواديه قد شردت، ثم إنها حصلت بعد الواقعة هدنة بين الفريقين سببها قلة الأمطار والضيق،

стр. 498

وكثرت المشاغب فلم يستطع أحد الفريقين مواصلة القتال، ولكن ابن سعود خرج من قبه غازيًا بعض عربانه العاصين في أعالي نجد على طريق المدينة، ثم عاد إلى القصيم. ذكر إمارة بريدة وقضائها قد ذكرنا: جعل ابن سعود في إمارة بريدة عبد الله بن جلوي. وأما القاضي فقد بعث ابن سعود إليها قاضيًا وهو الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشير، وكان عالمًا لا بأس به، غير أنه لا يعرف الرجال ولا يميز الناس، ومعرفة الناس أمر مهم يجب على القاضي، لأن من لا يعرف الناس يظن كل بيضاء شحمة وكل حمراء لحمة، حتى ذكر الإمام ابن بطة الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون في خمس خصال، فذكر الخامسة معرفة الناس. وهذا مما يدل على جلالة الإمام أحمد ومحله من العلم فإن معرفة الناس أصلًا عظيم، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فيتصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، وليس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا. وقد حصل بسبب عدم معرفة الناس شر كبير في قديم الدهر وحديثه. أما ما كان من إمارة الشهم عبد الله بن جلوي، فأمر فوق ما يتصور وقد استطاع بفضل رأي وتدبير وصرامة وجرأة أن يسكن الأمور ويهدأ الأحوال ويقضي على الفتن. وكان هو الذي باشر قتل عجلان في فتح الرياض، وأحد النقباء الذي اختارهم صاحب الجلالة لمعونته في فتحه وهو الذي سلمت مدينة عنيزة في فتحها لما جاء من قبل أبن سعود منجدًا، فسلمت في الحال لآل سليم أمراء ابن سعود.

стр. 499

رجعنا إلى غزوات الفاتح فنقول: لما عاد ابن سعود بعد واقعة الأشعلي إلى بريدة وضبط القصيم انحدر إلى الرياض، ولما أن كان قاب قوسين منها التقى برسول من أبيه يقول جنبوا جنبوا الفتنة مشتعلة في الحريق بين الهزازة. وكان آل هزان هؤلاء من عنيزة وهم أقارب لآل سعود لكنهم بعيدون، وقد جرى في هذه الفتنة قتال هلك فيه بعضهم لأنه قد قتل بعضهم بعضًا، فأرسل الإمام عبد الرحمن بن فيصل سرية قبضت على القتلة الظالمين وسلمتهم إلى إخوان المقتولين فقتلوهم، ولم تخل الفتنة من مأرب سياسي، فعاد الهزازة بعد رجوع السرية يشعلون نار الفتنة، فاعتدوا على آل خثلان فذبحوا منهم شيخين طاعنين في السن ادعوا أنهما اشتركا في قتل أخيهم الكبير محماس، وأثار هذا الادعاء الكاذب، غضب الإمام عبد الرحمن، وحالما أقبل إلى الرياض صقر الجزيرة ومبيد العداء عبد العزيز بن عبد الرحمن، وجاءه رسولٌ من أبيه فرصة يومين ليزور أهله في العاصمة فكان ذلك. فلما كان اليوم الثالث فزع إلى الحريق ودعا أهل الحريق إلى حكم الشرع، فأبى الهزازة أن ينقادوا للشرع، وحقيقة أمرهم أنهم لا يريدون الخضوع لحكم آل سعود، ثم إنه حصنم وتحصنوا، فحاصرهم عبد العزيز شهرين، وفي أثناء المدة يلح عليهم أن ينقادوا لحكم الشرع وهم متمردون وفي حصنهم ممتنعون، فلما أعذر منهم أراد أن يعمل بهم عملًا تنفر منه الطباع للبشرية ويعد في غير البلاد العربية كبيرًا. وذنك بأنه أمر رجاله أن يحفروا نفقًا يوصلهم إلى الحصن، فباشروا ذلك، وكان طول النفق عندما تم أربعين باعًا ثم عزم على أن يشعل به البارود فينسف ذلك الحصن نسفًا. وكان نساء المحصورين وأولادهم ساكنين فوق النفق، فأرسل عبد العزيز ينذرهم ويؤمنهم على حياتهم، ولكنهم أصروا على العصيان واستمروا متمردين، فأرسل إليهم رسولًا يقول: إذا لم تخرجوا نسائكم وأطفالكم فأنتم المسؤلون عن أرواحهم بين يدي الله غدًا، وكانوا في أول الأمر يظنون أن النفق صنعه تهويلًا، فلما تأكد الحقيقة وأنه قد أحاط بهم البلاء سلموا لتسليم عائلتهم.

стр. 500

فلما أن سلموا عاد ابن سعود إلى الرياض ومعه زعمائه آل هزان إلا واحدًا منهم استأذن بالسفر إلى حوطة بني تميم لأشغال هناك فأذن له بذلك ولكن أخاه راشد، أحد الذين سلموا كتب يشير عليه بالفرار وأنه لا حق به، فوقع الكتاب بيد عبد العزيز، وكانت النتيجة أن صاحبه معاتبًا بعد أن كان مكر ما مع الضيوف في الرياض. وفيها أعني في هذه السنة كانت رحلة البتنوي، وقد ذكر في رحلته مكتبة الشيخ عارف حكمت، وقال عنه أنها آية في نظافة مكانه وحسن تنسيقها وترتيب كتبها، وكانت هذه المكتبة المشار إليها أراد صاحبها أن يسير به إلى الإمام ولكن عاجلته المنية قبل ذلك كما تقدم. ثم دخلت سنة ١٣٢٨ ه ـ استهلت هذه السنة بخروج العرائف وهم آل سعود الأدنون، وهم الذين كانوا سابقًا أسرى في حائل، فجاء بهم ماجد بن حمود بن رشيد إلى عنيزة، فقاموا يجتازون إحسان عبد العزيز من الأسر والقتل كما مر بنا في حوادث فتح عنيزة فقاموا يجازون إحسان عبد العزيز بالعصيان والتمرد وقد يكون بين فتنة آل هزال وخروج العرائف صلة سرية أو أن أحدهما سبب للأخر. وهذا من أسباب النقض الذي جعله الله نقمة على العرب حيث تسلط بعضهم على بعض وقطعت الأرحام وقد طالما نكثت العهود وقتل بعض العرب بعضا، كما ذبح خزعل أمير الحمرة وذبح مبارك بن صباح أخويه وذبح بندر بن رشيد عمه وقتل محمد بن عبد الله بن رشيد أبناء أخيه خمسة وقتل أبناء عبيد بن رشيد أولاد عمهم وقتل سعود بن حمود أخاه سلطانًا وقتل آل سبهان سعودًا هذا وقتل بعد ذلك آخر الأمراء من آل رشيد قريبه كل ذلك طمعًا في الملك والإمارة. ولقد طهر الله حاشية آل سعود وتاريخهم من دنس دم ذوي الأرحام

стр. 501

والقطيعة فاستهلت هذه السنة في دعوى العرائف وخروجهم على ابن سعود والجوع الذي استمر في أول هذه السنة فإنه اشتد الجدب والشدائد فخسر ابن سعود مبلغًا جسيمًا من الأموال والإبل والمواشي ولم يكن لديه ما يمكنه من الحرب للعدو وغزوه. ذكر الانقلاب في الدولة العثمانية ففيها ثار حزب الاتحاد والترقي بعدما خلع السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد وتولى السلطنة فيها السلطان محمد رشاد الخامس مقيدًا بالدستور وأضحت السلطة المطلقة بيد رؤساء من جمعية الاتحاد. وبسبب هذه التقلبات جعلت الدولة العثمانية تنظر إلى العرب بعين الحقد والغضب وجعلوا يوجهون قواهم ودسائسهم لخضد شوكة كل من يرونه فيه قوة ويخشون أن تلتم عليه الأمة العربية. وأول من يهمهم أمره وأخصوه بقسم وافر من دسائسهم هو عبد العزيز بن سعود ليقضي الله أمرًا كان مفعولا وكان من الثورات أن جهز سعدون حملة كبيرة ضخمة على مبارك بن صباح وكان بعض الزملاء قد وعدوا مباركًا بالمساعدة الفعلية لكنهم خذلوه فأمسى منفردًا في الورطة، فأرسل يستنجد ذلك الشاب الذي يدعوه يا ولدي ألا وهو عبد العزيز بن عبد الرحمن الذي شب في ظل مبارك غير أنه كان في ورطة أكبر من ورطة مبارك وكان قد اهتم بأمر العرائف، ومع ذلك فقد مشى إلى طلب الشيخ مبارك وقصد الكويت بجيش صغير من العربان وفيهم بعض العجمان. ولما أن وصلها وافى مبارك بن صباح قد جهز ما لديه من القوة لمحاربة سعدون فأشار عليه عبد العزيز بالتربص وقال ليس بيننا وبين الرجل خلاف حقيقي يوجب الحرب وإني أرى مسالمته أحرى والمسألة خفيفة وأنا أتوسط بينكم وبين السعدون فشق ذلك على مبارك وما سمع لهذه المشورة وإن كانت صادرة من ناصح وعون له في الشدائد.

стр. 502

فقال مخاطبًا لعبد العزيز أنت ولدي وهل يقبل الولد أن يهان أبوه فقال عبد العزيز وقد خجل لا والله ولك مني ما تريد إني ملب الطلب إن شاء الله ولكنني أسأل والدي أن يمهلني لأستنجد أهل نجد فما معي الآن غير مائتين من رجالي أما العشائر فلست براكن إليها في القتال؛ فأجابه مبارك قائلًا إني أجند من الكويت الجنود الكافية ولا أبغى منك غير القيادة، فأجابه عبد العزيز قائلًا إذا أنت باشرت التجنيد فابن سعدون قريب منا وعالم بأخبارنا وأعمالنا أجمعها فهو إذ ذاك يتأهب لنا ولا ريب عندي أن شواوي رعاة المنتفق كلهم سيلتفون حوله، فأمهلني سلمك الله ومن رأيي أن تسير قوة صغيرة مع أحد أنجالك فتبعد عن أطراف الكويت وتتربص للهجوم على ابن سعدون إذا تفرقت عنه عشائره وسننال مرامنا منه بحول الله؛ فلما قال عبد العزيز هذه المقالة لم يوافق عليها مبارك بل أصر على تجنيد الجنود وعلى خروج ابن سعدون معها فوافق عبد العزيز مكرهًا. فقام مبارك في هذه السنة فألف جيشًا عدده ألفان من الحضر الشبان الناضرة وجوههم النادرة شجاعتهم، وأربعة آلاف من البادية ومائة وخمسون فارسًا أضاف إليه عربان ابن سعود والباقين من رجاله فبلغ عدد الجيش كله نحو سبعة آلاف يقوده جابر بن صباح، فلما زحف هذا الجيش وبعد على مسافة يوم من الكويت جاء رجل من كبار عرب الظفير ليسأل ابن سعود أن يتوسط بينهم وبين ابن صباح وقد أكد له ابن السعدون وعرب الظفير يقبلون بذلك فأشار عبد العزيز بإلزام جابر الصباح بعد ما عرض عليه الأمر، فكان جوابه لعبد العزيز أن قال إني لا أعهدك جبانًا فما هذا منك فغضب عبد العزيز وقال سترون غدًا الجبانة وتعرفون أين هي، فاستمروا ذلك اليوم سائرين وواصلوا السير بالسرى. وكان سعدون باشا لما علم بزحفهم بادر بعشائره بالسير نحوهم يريد الهجوم وقد كان عدد جيشه نحوًا من جيش مبارك وكل جيشه كان من عشائر المنتفق والظفير والبدور وغيرها وأكثره خيالة؛ فنام عربان سعدون في الطريق لكنهم عندما أحسوا بقرب الكويتيين استيقظوا وهبوا وتراجعوا إلى مقر القيادة كي لا يتصادموا وإياهم ليلًا.

стр. 503

فلما انفجر الصباح تكلم عبد العزيز قائلًا اسمع يا جابر من رأيي أن تأمر البدو بالإغارة على سعدون وجماعتهم فتبعدهم عنا ونشغل العدو. أني والله في ريب من أمرهم أما إذا سيرناهم أمامنا فنأمن خيانتهم، لم يستحسن جابر هذا الرأي، وأصر على أن يكون الهجوم عامًا، فقال عبد العزيز يخاطب أخاه الأصغر سعدًا إني لا أرى غير الهزيمة لهذا الجيش قف معي وقومنا على حده لنتمكن عند الحاجة من الدفاع عن أنفسنا فإن اليوم يوم دفاع يا سعد لأن هؤلاء الناس لا رأي لهم ولا هم يقبلون النصيحة. فلما رأى جابر أن ابن سعود وقومه اعتزلوا الجيش، لامهم قائلًا أنتم إخواننا والإخوان في الحرب لا يحجمون فخجل ابن سعود وأمر أخاه بالاشتراك في الهجوم فكانت الفاتحة للخيل فأغارت خيالة ابن صباح وكانت مائة وخمسين على خمسمائة من فرسان السعدون فكر هؤلاء عليهم كرات سريعة شديدة هائلة فانهزموا هزيمة شنيعة وانهزم معهم جابر وجيشه بدون قتال ولم يبق مع ابن سعود إلا عشرة فقط من الخيالة وقد فر بقيتهم مع الفارين، وترك جيش ابن صباح لما انهزم كثيرًا من المال والحلال من الأمتعة والإبل والخيل فكانت هدية من جيش الكويت لجيش السعدون، وسميت هذه الواقعة "هدية" وكان وقوعها في أول جمادى الثانية. ولما أن هزم الجيش الكويتي بقيادة جابر بن مبارك لحق بهم عبد العزيز فما أدركهم إلا في عصر ذلك النهار والهزيمة كانت في صباحه. ولما أدركهم جعل يهون عليهم الأمر ويقول هذه عادات الرجال والحرب سجال ونحو ذلك من الكلام الذي يجبر قلوبهم وهم في شدة عظيمة أنستهم كل تسلية، فبينما هم سائرون ضلوا الطريق وأدركهم الجوع مع الهزيمة فجاعوا جوعًا شديدًا وما كان معهم من الزاد ما يسد رمقهم فلطف الله بهم بأن التقوا بأباعر شاردة من حملة ابن سعود عليها أحمال الشعير فأطعموا الخيل أحمالها ونحروها ليطعموا أنفسهم. فلما كان في اليوم الثاني جاءهم أيضًا اللطف من الله وذلك بأن فيصل

стр. 504

الدويش لما علم بقربهم منه جاء بأهله يلاقيهم فنصب الخيام وأضافهم تلك الليلة ضيافة طيبة، ثم نحر لهم ثانية في الصباح، وقد قال الله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ولكن تلك الهزيمة لم يكونوا لينسوا ذكرها فقد أهدت أموالهم لسعدون هدية. أما مبارك بن صباح فإنه لما بلغته أخبار تلك الواقعة خرج إلى قصره السره يداوي كلومه، فجاءه ابنه جابر وعبد العزيز ابن سعود وجعلا يهونان الأمر عليه، ولكنه عقد نية على استنفار أهل الكويت ثانية قائلًا سأجمع والله خمسة أضعاف هذا الجيش وسأحرق المنتق فلا يبق منها غير الرماد. فلما رأى عبد العزيز شدة الغضب من مبارك خطر له خاطر سياسي ليمحق به كلام مبارك وهو أن يجهز أحد أولاده في جيش صغير فيسير هو معهم ويشاع أنهم ساروا يطلبون العرائف فيبلغ سعدون الخبر فيسرح عربانه فنعيد الكرة إذ ذاك عليه ونحن مدركوه بحول الله. فما وافقه مبارك على ذلك ورفض ثانية رأيه. وفي خلال ذلك عاد آل سبهان بسعود بن عبد العزيز بن رشيد صغير أبناءه الذي فر به أخواله إلى المدينة فرجعوا به في هذه السنة. ذكر إمارة سعود بن عبد العزيز بن متعب رجعنا إلى ذكر بيت آل رشيد لضرورة التاريخ فنقول في هذه السنة تولى إمارة حائل سعود بن عبد العزيز بن متعب بعدما عاد به أخواله آل سبهان إليها وكان مغيبًا في المدينة؛ فقد جاء دوره لسان أخواله المقالي يخاطبونه في صغره يا وليد سنرجع بك إلى حائل والإمارة لآل عبد الله. فصفقت حائل استحسانًا لذلك مرحى مرحى وقدم هذا الأمير الصغير فتقلد الإمارة في حائل وعاد يوم آل عبد الله فعند ذلك علم فيصل المبسام ثالث أنجال حمود بن عبيد وقد كان أخوه سلطان قد جعله أميرًا في الجوف حذرًا منه وإبعادًا له

стр. 505

عنه لما أغضبه ورحمه عن القتل فكان لا يزال مسرورًا بهذه الإمارة الصغيرة خصوصًا لما علم بقتل أخيه الأول ثم بقتل أخيه الثاني، ولكنه لما علم برجوع آل عبد الله إلى عرش الإمارة لم ير السلامة لروحه حتى ولا في الجوف، فهجر بلاده ورحل شرقًا ثم جنوبًا وذهب مسرعًا حتى وصل الرياض فرمى نفسه بين يدي ابن سعود فرحب به وأكرمه واتخذه لخفة في روحه خدنا ونديما. هذا هو فيصل المبسام الذي كان يسم ويذنب ولا يغيظ صاحب البسمة الإبليسية. فلما تربع سعود بن عبد العزيز هذا على تخت الحكم في بلاد حائل كتب ابن سعود إلى ابن هذال وابن شعلان أحدهما رئيس العمارات والآخر رئيس الرولة والعشيرتان كلاهما من عنزة يستنجدهما على ابن رشيد فأجاباه إلى ذلك وضرب الموعد للاجتماع، ولكن المشاكل تعددت في الحساء وكان مرتبطًا بعضها ببعض وكان قد عقد ابن سعود مجلسًا قبل سيره إلما الكويت بشأن العرائف الذين تمردوا عليه وقابلوا إحسانه بالإساءة فتكلم الحاضرون في مهمتهم، وقال أحد الحضور يخاطب ابن سعود ادعهم إليك للجواب فإن أبوا فاضربهم وقرر على هذا الرأي آخرون وتكلم كل برأيه فما استحسن ابن سعود دعوتهم قائلًا قد يحدث بينكم وبينهم قتال فأكون ذابحًا لذوي القربى وهذا مكروه عندي دعوهم كفانا الله شرهم، فرحل العرائف وهم تسعة معهم خدمهم ورجالهم إلى الحساء ونزلوا على العجمان، وكانوا أخوالًا لهم، ولكن العجمان اعتدوا على بعض عشائر الكويت فنهبوهم فهددهم مبارك بن صباح فالتجأوا إلى ابن سعود. فبعث مبارك كتابًا إليه يسأله أن يسعى في ارتجاع المنهوبات منهم، وكان مبارك بن صباح لما علم بخروج العرائف على ابن سعود وأنهم جاءوا إلى الحساء أرسل إلى ابن سعود يستأذنه أن يدعو العرائف إلى الكويت فيسعى في الصلح بينه وبينهم فقبل ابن سعود ولسان حاله يقول نصلح بينه وبين العجمان فيصلح بيننا وبين العرائف وجزاء حسنة حسنة مثلها. أما العرائف فقبل منهم اثنان لدعوة مبارك وجاء اثنان إلى عبد العزيز مستغفرين مستأمنين فأعطاهما الأمان.

стр. 506

وكان مبارك من كمال سياسته إنما توسط بالصلح بين العرائف وبين ابن سعود يريد بذلك جزاء كبيرًا عند ابن سعود وهو قتاله معه في الغزوة السابقة لسعدون لما جهز عليه سعدون تلك الحملة العظمى التي ما استطاع مبارك مقاومتها وما أحسن ما قيل: المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار ولما أن انكسر جيش الأمير مبارك ذلك الانكسار وعزم على أن يعيد الكرة على سعدون، وأبدى له ابن سعود رأيه في قتاله فرفض رأيه، وافق أن ابن رشيد قد هجم يومئذ على ابن هذال وابن شعلان وهما حليفان لابن سعود فأخذهما في "بصية" على حدود العراق ونجد، فعند ذلك قال عبد العزيز مخاطبًا لمبارك إذا كنت تصر على تجنيد جيش كبير فأنا أترك عندي رعاياي من عرب مطير وأعود إلى بلادي لأن ابن رشيد بعد انتصاره على ابن هذال وابن شعلان لا بد أن يزحف إلى القصيم، وأخشى أيضًا أن يقوم العرائف بحركة في الرياض فيتفاقم الأمر علي ولا أظنك تريد لي ذلك. فلما قال عبد العزيز هذه المقالة وكان ابن صباح قد أمل أن يغلب السعدون ولو بعون ابن سعود المعنوي ندم لما لم يقبل نصيحته وقال إذا رميتني اليوم يا ولدي فليس لدي أحد ينهض بي فيتمكن مني العدو أنا والدك يا عبد العزيز ولي عليك حق المساعدة والبلد بلدك وله عليك حق الدفاع ابق عندي ولا تخرج مع الجيش ابق عندي فأتسلى بوجودك لدي فكان في كلامه هذا صريحًا. والحقيقة أن مجرد وجود ابن سعود عنده مفيد فإنه يستأنس بآراءه وتهرب أعداؤه عنه مادام في حماه. يريد احتفاظ في وجود بقاءه ... ويأنس في لقياه من كل عابث فتقنع منه النفس إن كان خائفًا ... فتى هابه أهل اللقا في الحوادث أمان لأهل الحي مادام قاطنا ... به الله يحمي من خطوب الكوارث ألا إنه حصن منيع عن العدى ... حنانيك لا تعجل وأنعم بلا بث

стр. 507

ثم قال أريد منك أن تقيم وتبقى عندي ثلاثة أشهر فقط؛ قال عبد العزيز فلما قال هذا الكلام استجبت منه وبقيت فكان مبارك بن صباح أثناء تلك الثلاثة الأشهر مطمئنًا فلم يهاجمه سعدون ولكن فوائد قوم مصائب قوم فقد كان عبد العزيز في قلق دائم لأن ابن رشيد قد تغلب على رئيسي العمارات والرولة وهما تابعان لابن سعود، كما أن العجمان مع العرائف تذمروا عليه وأسند العرائف عائدين إلى الرياض، ومنهم من كتبوا إلى الشريف في مكة يستنجدونه على ابن سعود، أضف إلى ذلك أن القيظ قد اشتد حره فتفرقت البوادي إلى ورد الماء، وجرى في هذه الحال عثرة كبرى من مبارك، وقديمًا قيل: في كلام الحكمة "اتق شر من أحسنت إليه" فلقد قابل أفعال ابن سعود الحسنى بالإساءة وذلك بأنه اعتدى في هذه المدة بعض عربان مطير التابعين لابن سعود على غرب قحطان وسبيع ولاذ المعتدون بابن رشيد فلما وصلوا إلى أطراف الكويت أراد عبد العزيز تأديبهم على فعلهم فتصدى له مبارك مانعًا فكتب إليه عبد العزيز يلومه لأنهم من قبائله العاصية. ومن جهة أخرى فإن الأجدر بك يا مبارك أن تساعدني كما ساعدتك فغضب لذلك مبارك وخرج إلى معسكره الذي فيه جابر ابنه وراء الكويت فاجتمع بابن سعود وقد اشتعل في صدره الغضب، فكان أول كلمة قالبه بها مرادفة للإهانة أن قال أظنك يا ابن سعود تبغي أهلك فأجابه جلالة الملك بكلمة واحدة وهي نعم وخرج من ذلك المجلس كما دخل مبارك إليه مكتئبًا متغيظًا. تالله إنها لحالة عجيبة وأيام عصيبة جرت على عبد العزيز في هذه السنة معروفه لم يشكر، وأعداؤه قد تعددوا وهجرته بواديه، وهناك الطامة الكبرى وهي قلة المال عنده فما مر عليه في دهره كله مثلها فيا ما أمر فوادح الدهر وقواهره، هذا وهو حاكم نجد وكبير العرب، فعند ذلك حاول أن يستدين من أهل الكويت فاعتذروا خوفًا من مبارك بن صباح؛ فأرسل عبد العزيز إلى نسيبه ووكيله في البصرة وهذا اسمه عبد اللطيف باشا المنديل يطلب منه ألفين ذهبًا فقط ويقول له أن يقبض القيمة مما تبقى عند الدولة من معاش والده عبد الرحمن الفيصل.

стр. 508

ثم رجع عبد العزيز بن عبد الرحمن من الكويت في أواخر هذا العام راكبًا مطية الإفلاس يعلوه الغم والكآبة. وفيها في جمادى الأولى تقدم الشيخ الفاضل عمر بن محمد بن سليم إمامًا في مسجد عودة الرديني في بريدة وجلس فيه للتدريس فحصل عليه إقبال عظيم والتف عليه أمة من طلاب العلم حتى أصبح ذلك المسجد ينتابه القريب والبعيد فضربت إليه آباط الإبل من كل جانب وعكفت الأمة حوالي تلك الحلق يستمعون ويدرسون وكان ذلك الوقت قابلًا للتعليم، وينشأ ذلك عن نية حسنة ورغبة في العلم والدين والخير، ما كان لهم مساعدات مالية بل كانوا يعيشون في فقر وقلة ذات يد، ويطلبون العلم بتواضع وأدب وسكينة ويصبرون على مرارة التعليم ويبحثون وينسخون الكتب ويحتفظون في الفوائد ويوقرون من يتعلمون منه ويدأبون في طلب العلم والجد والاجتهاد؛ فنشأ عن هذا الإقبال والنية الحسنة رجال حصلوا على العلوم الشرعية وخدموا الحكومة في وظائف القضاء والوعظ والإرشاد والفتوى امتلأت منهم الأقطار ونشروا علمهم في الأمصار، ويا ليت ذلك قد استمر ولكن أنى وهيهات كيف لا وقد أذن الله بالإدبار ورحى المنون لا تزال تدار وأهل العلم لا يزال عقدهم في انتثار. ولقد جرى على يدي هذا الشيخ العظيم تعليم ديني ونهضة عجيبة لو كانت في مصر أو الشام أو العراق في القرون المتأخرة لامتلأت بها الصحف وافتخر بها الأواخر على الأوائل وقصرت دونها سورة كل مطاول وعلينا أن نذكر تلامذته فيما يأتي في مواضعها وفي ترجمته بعد وفاته. ثم دخلت سنة ١٣٢٩ ه ـ ففيها تصالح ابن سعود وابن رشيد ونية ابن سعود في ذلك أن يتمكن من استخدام ما تبقى لديه من قوة في مقاومة العرائف الذين خرجوا عن طاعته

стр. 509

وكان قد أرسل ابن سعود أخاه سعدًا وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة إلى عتيبة يستنجد رجالها لهذه الغاية ولكن عتيبة ولت وجهها شطر مكة فانحازت إلى الشريف حسين مضيف بعض العرائف ومكرمهم إكرامًا لابن سعود، قائلًا ليس بيننا وبين ابن سعود أيها النجيب غير ما يوجبه حسن الجوار وهذا لا يخفى على نباهات كمالات نجابتكم. هذا ولم يكن بين الحسين بن علي وبين ابن سعود عداوة توجب الحرب في هذه الأيام، ولكن الشريف كان مواليًا للاتحاديين ساعيًا في اكتساب ثقتهم طامعًا بالسيادة له ولأنجاله وكانت الحكومة قد فقدت الثقة ببيت آل رشيد بعد أن تعددت فيهم الجرائم العائلية فأدارت بنظرها إلى الحسين وهي ترجو أن يستميل في الأقل ابن سعود إليها، ولا ريب أن الشريف وعدها بأكثر من ذلك. ذكر حرب إيطاليا للدولة العثمانية لما تقرر دستور الدولة العثمانية كان نقباؤها طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا فلما عزمت إيطاليا على محاربة الدولة العثمانية في طرابلس الغرب اغتنمت فرصة اشتغال العثمانيين بثورة حوران فأرادت أن تضعف قوة الأتراك وتشغلهم لتقسيم جنود الأتراك إلى أقسام ليتمكن لها التوغل في طرابلس وتحوز النصر والآمال التي كانت تحلم بها، فرأت أن أقرب وأسلس رجل يعتمد عليه هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد الإدريسي أمير عسير، فخابرته واتفقت معه، وكان لها من أقارب الإدريسي بمصر رجال يتفاوضون معها وتخابرهم في كل ما يلزم لتنفيذ الخطة الموضوعة وقد تم الاتفاق وظهر الإدريسي للقوم بمظهر الناصح المرشد ينصحهم ويغريهم على الحكومة بقالب مستتر؛ فظهرت المشاغبات وتوالت الشكايات. فلما جرى بين الدولة العثمانية ودول الفرنج مبادئ الحرب والعداء واتفقت إيطاليا مع الإدريسي كان أول من انضم إلى الحلفاء من أمراء العرب وأول العرب

стр. 510

حمل على الأتراك فأخذ من إيطاليا سلاحًا فاستخدمها نارًا وسياسة، فاضطرت الحكومة العثمانية لأن ترسل قوة إلى عسير فتوجهت النية إلى اختيار قائد ما فعينت سليمان باشا شفيق فتوجه المذكور فوصل إلى عسير بجنوده وسعى لإخماد الثورة بسلم فلم يفلح فطلب ما طلب من جند فأجيب ثم أعيدت ثانية إلى الأستانة بقيت الثورة تتأجج نيرانها، وعقد في أثناء ذلك عدة اجتماعات من طرف الحكومة مع الإدريسي للاتفاق معه وإطفاء نيران الفتنة فلم تفلح وأخيرًا أعلن الإدريسي الحرب على الحكومة وهاجم أبها مركز قائدها وحاصرها؛ فبلغ الحكومة ما آل إليه شأن الإدريسي على أثر التقارير المرفوعة من متصرف عسير، فرأت بعد طلب الحسين بن علي أمير مكة أن يكون هو القائم بإخماد الثورة لما يعرفه من عوائد البادية وأساليب إخضاعها فخابرته بذلك، وقد كان الحسين يرمي من وراء ذلك أن تكون له يد في عسير لتساعده في يومه المعلوم. فلما كان في يوم الأحد ١٦ ربيع الثاني سنة ١٣٢٩ توجه الحسين من مكة قاصدًا عسير ومعه الجيش النظامي التركي وجيش من البدو، فوصل القنفذة ثم حث السير إلى محل يقال له القوز الشاهد، فنشبت هناك معركة دامية كسر الشريف فيها وتشتت جنده حتى أن ابنيه فيصلًا وعبد الله لم يخرجا من المعركة إلا بعد أن أعراهما الثوار وارتدوا راجعين إلى القنفذة فبقوا إلى أن لموا شعثهم وتوجهوا قاصدين أبها، فوصلوها بعد أن وقع في الطريق خمس عشرة معركة؛ وذلك في يوم السبت ١٩ رجب، ويظهر مما تقدم أن مسألة عسير لم تنته بصورة قطعية، فإن الثوار تحصنوا في الجبال ولم تصلهم يد الحسين وجنده فتقضي عليهم القضاء الأخير، والدليل على ذلك أن الحسين لما أراد الرجوع إلى الحجاز لم يذهب من الطريق الذي أتى منه وهو القنفذة بل رجع من طريق شهر فبيشه إلى الطائف فوصل إلى مكة في ٢٦ شوال من هذه السنة؛ وكان مسيره من أبها في ٤ شعبان وما ذاك إلا أن طريقه الأولى مملوءة بالثوار. ولما استقر في أبها في مسيره ذلك صادف أحد أيام إقامته فيها حفلة المعراج

стр. 511

ويوم الحرية والدستور، فجمع الحسين الجند والأهالي وخطب فيهم خطبةً عظيمة بليغة، ونحن نسوقها لتعلم ما كان عليه الحسين من البلاغة والبراعة التي طمحت به في تلك البحار، قال: أيها الإخوان اعلموا علم اليقين أنه لولا وجود هذه الدولة العثمانية وشدة اعتناء خلفائها بالأمة الإسلامية خصوصًا مولانا أمير المؤمنين الحالي لاختطفتكم الدول الأجنبية اخطاف الذئب للغنم المنفردة، فإن جميع الدول ساعية من زمن بعيد في اضمحلال الشريعة المحمدية بواسطة هؤلاء المغرورين الذين يخدمونها لأغراضهم الشخصية، إخواني هل يرضيكم أفعال هؤلاء القوم الساعين في تخريب بلادكم باسم الحق، ولا أدري كيف اغتررتم لهؤلاء وأمثالهم وأنتم أولوا العقول الراجحة والنخوة العربية الأصيلة، آبائكم الأولون كانوا عز العرب وعنهم ورثتم الهمم العالية، ألستم أبناء التبايع؟ ألستم الذين قال فيكم جدي رسول الله ﷺ العلم يماني والحكمة يمانية؟ ألستم أنتم أبناء أسلافكم الكرام الذي اشتهروا بالذكاء الفطري والمجد المؤثل؟ فالله الله يا أبناء الأمة العربية في دينكم لا تضيعوه بل احفظوه واستظلوا بظل الراية العثمانية التي هي شعار الإسلام، ولا تغتروا بأقوال المفسدين الساعين في تنفيذ أغراض المحركين لهم أعداء الدين الإسلامي، وأنتم لطيب عنصركم وعدم معرفتكم بالسياسة الأجنبية تظنون أنهم إنما يخدمون الدين، إنهم والله عن الدين بمعزل لا يخدمون إلا أغراضهم الشخصية مستترين باسم الدين، فأحذركم أن لا تغتروا بمثل هؤلاء الأوغاد المارقين من الدين، بل كونوا مطيعين لأمير المؤمنين ولتعلموا أن من خالفه فقد خالف الله ورسوله ومن خالفهما فقد باء بغضب من الله وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، هذا نص خطبته بحروفها. ولما عاد الحسين إلى مكة مضى عليه فيها قريب سنة والأحوال مائجة مضطربة في عسير حتى أتت البوارج الحربية الإيطالية إلى سواحل اليمن وأقلقت الأهالي

стр. 512

وضربت الموانئ وسدت طرق البحر ولم يبق منفذ للأتراك غير طريق مكة، فعند ذلك كلفت الحكومة التركية الحسين بن علي مرة ثانية بإرسال الجنود إلى عسير، فأرسل الحسين ابنه فيصلًا إليها من مكة، فلما سار وبلغ قوز الشاهد أقام به، وكان على مسافة ثلاثين كيلو مترًا من القنفذة، وحصلت وقائع لم تنتج نتيجة تذكر، وعاد فيصل بن الحسين إلى الحجاز بدون جدوى. ذكر وفاة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ففي الليلة السادسة من ذي الحجة في الساعة السادسة منها توفي الشيخ وهذه ترجمته: هو الإمام العالم العلامة الحبر النبيل والفاضل الجليل العارف الأوحد المحقق البارع المدقق سيف الله على أعناق المبتدعين وسهمه الصائب لأفئدة المارقين، الحبر الثقة اليقظ النبيه الشهم الملهم المتقن الحافظ المجتهد الزاهد العابد الورع، مفيد الطالبين ذو العقل الفائق والرأي الصائب الرائق. ولد في مدينة الرياض سنة ١٣٨٠ هـ ونشأ بها نشأةً طيبة، وكان له معرفة تامة في علم الحديث والتفسير والفقه، أخذ العلم عن أبيه الشيخ عبد اللطيف، وأخذ عن أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وأخذ الفقه والنحو عن الشيخ حمد بن فارس وغيرهم، وما زال يتقدم في العلوم النقلية والعقلية حتى كان آية في الفهم والذكاء والحفظ والفطنة تضرب الأمثال به في الذكاء والشهامة والحفظ، ولما كان في سنة ١٣٢١ هـ، ولاه الملك عبد العزيز القضاء في الرياض فاستمر في هذه الوظيفة إلى أن توفاه الله تعالى: وكان له مجالس في التدريس كثيرة زاهرة بالعلم، وكان هينًا لينًا مهابًا سمحًا كريمًا متحببًا ومفيدًا للطالبين قويًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نهاية الأمة ولا يخاف في الله لومة لائم، له قوة وإقدام وشهامة وهيبة، وكان زاهدًا في الدنيا لا يذكرها ولا تدور في ذهنه، وله مكارم أخلاق وحسن عشرة ووفور حلم وغزير فطنة.

стр. 513

أما تلامذته الذين أخذوا عنه فمنهم ينوه الشيخ محمد، والشيخ عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، وأخذ عنه الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن داود، والشيخ عبد الله بن حمد الدوسري، والشيخ مبارك بن باز، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن سالم، وأخذ عنه الشيخ فالح بن عثمان، وأخذ عنه الشيخ إبراهيم بن حسين بن فرج، وأخذ عنه الشيخ سالم الحناكي، وأخذ عنه الشيخ سعد بن سعود، وأخذ عنه الشيخ سليمان بن سحمان. وأخذ غير هؤلاء خلق كثير وجم غفير، وكان له فتاوي كثيرة ذكر منها جملة في مجموع الرسائل والمسائل، وله رد على أمين بن حنش. ولقد رثاه العالم الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري لما توفاه الله تعالى بهذه الأبيات: إلى الله نشكو ما دهانا ونفزع ... ونرخي أكفًا للدعاء ونرفع عسى نفحةً من جوده حين سؤلنا ... تلم لنا شعثًا وللشمل تجمع فما مرَّ في أزماننا من ساعةٍ ... أتانا بها أمر فظيع مروع فما أوحش الدنيا علينا بمادها ... وأيتمني والقلب مني مصدعُ بموت إمامٍ فاضلٍ متفضل ... ومن في فنون العلم بحر مترعُ لقد سالت العينان مني بالبكا ... وحق لها عند الزلازل تدمع دهانا شديدٌ من خطوب جليلةٍ ... وقلبي لفقد الأكرمين مفجع فيالك من حرجٍ ممضٍ ولوعةٍ ... تكاد لها الأحشاء مني تقطع ويالك من رزءٍ فظيعٍ على الورى ... وهد بسور الدين من أين يرقع لقد كان شمسًا للورى مستنيرةً ... وبدرًا على أهل البسيطة يسطع شهابٌ على هام الشياطين مرصدٌ ... ونجم لطلاب الهداية يطلع إذا ما دجى ليل الشكوك وأظلمت ... غياهب سحب الغي عنا يقشع فتضحي لنا السمحا يلوح طريقها ... ويبدو لنا التوحيد يسمو ويلمع عسى ربنا الباري يجود بمنةٍ ... ويدخله الجنات يرقي فيرفع

стр. 514

إلى حضرة الفردوس من كل مخلصٍ ... إلى صالح الأعمال بالسعي يسرع ويبقى لنا ذرية الشيخ منهمو ... أمن علينا من الآباء وأنفع وكان الشيخ إبراهيم عالمًا أصوليًا متفننًا له كمال السبق في الفضائل، ومن أعلام الأئمة المهديين من آل الشيخ وجد وجاهد ونافس في المعالي. وما أحسن ما قيل فيه: حليمٌ كريمٌ عالمٌ متفننٌ ... جسورٌ بما يأتي لحل المشاكل بصيرٌ بأقوال الهداة محببٌ ... إلى الخلق طرًا في الخصال والفضائل يدين بقال الله قال رسوله ... بعيدٌ عن التقليد في كل نازل وكان على الأعداء شديدًا وزاجرًا ... وثقلًا على من ليس يومًا بسائل عن الغي والإفساد والخبث والردى ... ويسعى لما يهوى فيا ويح جاهل أعد لمن يدعو إلى الغي والخنا ... شباةٌ يراعٌ قامعٌ للأباطيل فيا حسنه في وقته وزمانه ... فأنعم به من فاضلٍ وابن فاضل وكان الشيخ غنيًا عن التعريف به في الفضل والعلم والنهى. أما نسبه: فهو أبو عبد الله الشيخ القاضي إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رفع منازله في دار عليين، وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كان ﵀ لما كان قاضي بلد الرياض جعله على قضائها جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن منصفًا بارعًا عارفًا عالمًا عاملًا، وله قوة إدراك وملكة على استخراج النصوص من مظانها، أضف إلى ذلك تسديدًا في القضاء وعدلًا ومقدرةً يقنع الخصمين، وتطيب النفس بقضائه ذلك، لما منَّ الله به عليه من كمال العقل والبصيرة والغوص على فنون العلم والمسائل والعدل والنية الحسنة. وكان مع ذلك ذا أصل عظيم ومعرفةً بالتوحيد وعلم العقيدة، ومبعدًا لأهل الضلال والتنديد، فكان عود الشجا في حلوق أعداء الله ورسوله ومناصر لأهل الدين والعلم، ولقد كان في أقضيته وتصديراته آية من آيات الله، حتى كانت

стр. 515

تضرب الأمثال بإقناعه للخصمين ورضاهما وقبولهما، فنسأل الله تعالى أن يجبر المسلمين بفقده. ولما مات اندهش الناس لموته، وكان الزاهد الصوفي عبد الكريم الدرويش المشهور لما بلغته وفاته كان في تلك اللحظة إلى جانب أمير من أمراء البادية، فضرب بيده على الأخرى وقال إنا لله وإنا إليه راجعون، واشتد بكائه وجزعه وقال: مات قاضي الرياض وتعطل الرياض بلا قضاء، يموت العالم فلا يخلف من عقبه من يسد مقامه ويموت هذا ويشير للأمير فيكون عقبه عشرون شيطانًا كل واحد أنبه في الإمارة من الآخر، يعني أن الأمراء كثيرون بخلاف العلماء، وصدق ﵀ فإن الإمارة كثير أربابها بخلاف القضاء، فقد يموت الأمير ويكون له أنجال كلهم أمراء، وإن العالم بالشريعة لا يكون من عقبه من يسد مقامه وهذا شيء مشاهد وسنلوح عن قريب بذكر الدرويش هذا. وكان الشيخ إبراهيم كهفًا لأهل الدين ولا يزال في حياته معاضدًا لأخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رئيس القضاة والمفتين في نجد إذ ذاك ينتا بهما الإخوان وطلاب العلم وحصنًا منيعًا لأهل هذه الدعوة المحمدية والملة الإبراهيمية، وذلك لما منحهما الله تعالى من نفاذ الكلمة وقوة الإرادة والفتوحات الإلهية والعلوم الربانية ما أضاء نورهما في الأفاق وسما به فضلهما كالشمس وقت الإشراق، ولما مات خلف من الأولاد، محمدًا وعبد الملك، وعبد الله وعبد اللطيف. فأما محمد فهو الشيخ الذي انتهت إليه الفضائل والمكارم في وقتنا هذا، وناهيك به حيث أصبح المفتي العام في الحكومة السعودية وسماحته متأهل لجميع العلوم. وأما عبد الملك فإنه رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحجاز، وكان فيه مؤهلات مع دماثة أخلاق وتحبب إلى من يجالسه. وأما عبد اللطيف فهو مدير المعاهد العلمية تحت إشراف أخيه محمد وله ذوق في العلوم وفضل وبراعة لا سيما في علوم المواريث. ولما مات الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف رثاه العلماء بمراثي حسان، فمنها ما رثاه به الشيخ سليمان بن سحمان، وقد كان لها حسن الوقع وغاية القوة.

стр. 516

على الحبر بحر العلم شمس الحقائق ... نريق كصوب المدجنات الدوافق دمًا بدموع وكفها متتابع ... وحق لذي لب محبٌ ووامق إراقة دمع العين سحًا ودائمًا ... على الشيخ إبراهيم شمس الحقائق على علم الأعلام نجل ذوي التقى ... من اشتهروا بالفضل بين الخلائق هموا أظهروا الإسلام في كل وجهةٍ ... من الأرض في غربيها والمشارق هموا جدود الإسلام بعد اندراسه ... وهدوا رعان الكفر من كل شاهق فلهفي على شمسٌ تشعشع ضوئها ... وبدرٌ سمت أنواره في الغواسق فما طرقتنا ليلةً بمصيبةً ... ورزء دهى بالمعضلات الطوارق لست مضت من شهر ذي الحجة إنها ... لست من الساعات من جنح غاسقٍ لتسع سنين بعد عشرين قد تلت ... ثلاث مئين بعد ألفٍ مطابق بأعظم منها لوعةً ومصيبةً ... فأعول كل بالبكاء والتشاهق ولا كصباحٍ مرَّ يومًا بمره ... كصبحٍ تولوا بالحبيب المفارق فضجوا جميعًا بالبكاء وبالدعا ... وسالت جفونٌ بالدموع الدوافق لفقد محبٍ كان مذ شب يافعًا ... وكهلًا إلى غير النهى غير تائق يروم المعالي باهتمام ورغبةً ... فأم إلى هاماتهن الشواهق بهمته العليا لنيل مرامها ... ونهمة مشتاقٍ إليها وشائق وقلب عقولٍ مطمئنٍ مفهمٍ ... يرى إنما تحصيلها في التسابق فقام بتيار المعارف قاصدًا ... إلى ثبج هاتيك العلوم الشوارق علوم أصول الدين والفقه فارتوى ... فنال المنى منها بأسنى الطرائق بهن ينال المرء كل فضيلةً ... وليس بغير العلم ترجي لوامق فلله من حبر هزبرٍ محققٍ ... أبي وفيٌ عالم بالحقائق تقيٌ نقيٌ المعي مهذب ... كريمٌ سليم القلب دمث الخلائق لبيبٌ أريبٌ أحوذيٌ موفقٌ ... نقيبته التقوى وبغض المماذق ووقاد ذهن حازمٍ متيقظٍ ... وذي حذرٍ عن معضلات العوائق

стр. 517

وقد كان ذا عقلٍ رزينٍ مؤيدٍ ... وليس بطياش ولا المتحامق له في فنون العلم باغٌ ومسرحٌ ... وميلٌ إلى القول الصواب الموافق يغوص بفهم ثاقبٍ متوقدٍ ... لحلٍ عويص المشكلات الدقائق وإدراك ذي علمٍ وحسن روايةٍ ... يفوق بها الأقران من كل حاذق وحفظٍ وإتقانٍ وحسن تصورٍ ... لما كان معنيًا يراد لسابق يؤم إلى كل العلوم بخبرةٍ ... وعلمٌ وتحقيقٌ وحلمٌ مطابق قريبٌ إلى أهل التقى وذوي النهى ... وليس لأعداء الهدى بالموافق بعيدٌ عن الأشرار من كل فاسقٍ ... وذي دغلٍ جافٍ جهولٍ منافق حباه إله العرش هذا تفضلًا ... على رغم أنف الكاشح المتحامق تراه محبًا ظاهرًا متملقًا ... وليس على ما يدعيه بصادق وقد كان للطلاب كهفًا وموئلًا ... إذا ما دهتهم معضلات الوثائق فيصدر كل من أولئك راجعًا ... بكل الذي يهوي بمحض الحقائق فيفتيهمو بالنص إن كان واردًا ... وأقوال أهل العلم من كل سابق فإن لم يجد أقوالهم قال بالذي ... يقول به الأصحاب من كل لاحق وقد كان لي بالحق خير مساعدٍ ... على قمع صنديد كفور مشاقق ومبتدع في الدين أو متهوك ... بأهل الهدى أو مستريب منافق كذاك على جافٍ جهولٍ مفرطٍ ... وآخر غالٍ مفرط ذي شقاشق لئن كان في الدنيا على خير حالةٍ ... يفوز بها أهل التقى والسوابق لدى الملك العلام ذي العرش والعلى ... وخالقنا الرحمن رب المشارق ويرجو بها الزلفى لديه ذوو التقى ... ويسمو بها في الناس بين الخلائق فسيرته محمودةٌ مستفيضةٌ ... لدى الناس لا تخفى على كل رامق بكل جميلٍ من محاسن من مضى ... تحلى فأضحى فائقًا كل فائق فنرجوا من المولى له العفو والرضا ... ومحو الذنوب المثقلات العوائق وإن كان قد أضحى رهينًا لرمسه ... لقد خلف الأحزان في كل وامق

стр. 518

وأضحت ربوع العلم قفرًا دوارسًا ... من العلم للطلاب بين الخلائق فيالهف نفسي قد أمضَّ بها الضنى ... من الحزن لم يلمم بها حزن ماذق وإني لذو حزنٍ وإني لصادقٌ ... وبعض الورى في قيله غير صادق فيا من على العرش استوى فوق خلقه ... عليه على من فوق سبع الطرائق أنله الرضا والفوز بالقرب وأكفه ... لهيب لظىً عند احتضار المضائق وإن كان ربع العلم أقفر بعده ... وحل بنا رزئ المحب المفارق عسى الله أن يبقى لنا قمر الدجا ... وشمس الهدى للحالكات الغواسق وأعني به من كان للناس قدوةً ... إذا ما دهتم معضلات الطوارق وكفهًا منيعًا عند كل بليةً ... إذا دهمت من ملحدٍ أو منافق هو الشيخ عبد الله من سار ذكره ... من الأرض في غربها والمشارق هو الردم للأعداء من كل مأذقٍ ... ومن كل شر ضرير ومارق هو القطب فينا لو تزيل لاجترى ... علينا العدا من كل خصم مشاقق فيارب حقق بالرجاء فيك سؤلنا ... وأحسن لنا العقبى من كل طارق وأبق بينهم سادة يقتدي بهم ... إلى منهج المعصوم أزكى الخلائق وأورثهمو حكمًا وعلمًا وهب لهم ... ذكاءٌ بها في كل فنٍ مطابق ووفقهمو للخير فضلًا وهب لهم ... ذكاءٌ لكيلا ينطقوا بالشقاشق وصل على المعصوم ربٌ وآلهِ ... وأصحابه أهل النهى والسوابق وتابعهم والتابعين لنهجهم ... على السنن المحمود أسنى الطرائق وللشيخ حسين بن علي بن نفيسة الحنبلي قصيدة يرثاه بها وهي هذه القصيدة التي أفصحت عن صفاته الحسنة وأخلاقه الجميلة: قفا وأبكيايا صاحبا من تقدمًا ... وعوجًا على الأطلال ثم توهما هل الدهر أبقى للمنازل آية ... وهل من مجيبٍ بالجواب يجبكما فإن قال هذا ربع أحبابنا الأولى ... فجودا بماء العين حتى ولو دمًا

стр. 519

عفا لا عفا من كل بكر مليحةٍ ... ولا زال مأنوسًا ولا زال منعمًا فعهدي به فيما مضى بهجة لنا ... وعهدي به السمار والبيض كالدما فيا ربع ليلي العامرية لا بلى ... ويا رسم سلمى لا تزال مسلمًا تسلي بتذكار المعالم ما بنا ... من الحزن إذا صما الفؤاد وألما ونندب شيخ العلم والحلم والتقى ... سلالة ناس يرشدون من العما له في فنون العلم أطول ساعدٍ ... ومسلك عدل لم يكن فيه متهمًا على الشيخ إبراهيم تبكي مدارسٌ ... لقد عهدت بالدرس تنمي وتنتما نعم هد ركن للهدى وبدى الردى ... وغيب بدر الحق فالأفق أظلما على مثله نبكي جهارًا وخفيةً ... ونبكي على بنيان علم تهدهما لقد قل من في الأصل يؤمن بعده ... سوى من له يعزي فهم فيه أعلما فما كان رب المال راج لنيله ... ولا يائسًا مما قضى متظلمًا إذا جلسا حفتهما منه هيبةً ... فقاما بما أرضاهما من تخاصما له نيةً قرت بجذر فؤاده ... فوفقه رب العباد وألهما به قد أصيب المسلمون جميعهم ... ألا أن هذا الخطب قد صار أعظما أولوا العلم صاروا للحوادث عرضةً ... وما ذاك إلا شؤم ذنبٍ تعظمًا إذا مات عالِمٌ مات عالَمٌ ... وأصبح نور الحق بالجهل مسهما فيا آل آل الشيخ جدوا وجددوا ... عزائمكم واسموا كمن للعلى سما إلى طلب العلم الذي إن سبقتم ... إليه فقد نلتم به كل مغنمًا وضيفتكم لا تتركوها فتندموا ... فمن فعل الأسباب لن يتندما فبالدين لا بالمال قد تردك المنى ... فسحقًا لمال غبَّ مشربه ضما وحومًا على التوحيد إذا كان عزكم ... وميراث جدٍ قد مضى فيه مقدما فتبًا لمن لا قام مثل مقامه ... مقامًا به من قام لله أكرما فأكرم به إذ حاز كل فضيلةٍ ... حنانيك في وقتٍ به الكفر قد طما محمد الهادي لملة أحمد ... فهذا هو الدين الذي كان قيما

стр. 520

إلا إن أحلى ما يقيت قلوبنا ... وما كان للأرواح أهنا وأنعما صلاة وتسليمًا على خير مرسلٍ ... مع الآل والأصحاب ما دامت السما وفيها توفى الشيخ عبد الله بن خاطر قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، وهو العالم العارف الصابر الجواد الكريم السخي ذو الفضل والمعرفة، عبد الله بن محمد بن خاطر المعروف بالدين والفضل والمنتظم في سلك أهل هذه الدعوة الوهابية النجدية مظهر التوحيد ومبيد الكفر والتنديد، كان مكرمًا لحملة العلم والدين وحبر جليلًا وثقةً نبيلًا، يقصده أهل الإيمان ويألفه أهل الفضل والعرفان فيجدون عنده ما يؤملون، ويكفيك شرفًا له أن يبعث إليه الشيخ سليمان بن سحمان يطلب منه أن يطبع ردوده على أعداء الله ورسوله لما انتشر ما طبعوه في مسبة الشيخ الإمام وعلم الأعلام محمد بن عبد الوهاب، وما رموه به من الأكاذيب والترهات، وكان صندوق مالية الحكومة السعودية إذ ذاك خاليًا بواسطة نفقات الحروب والغزوات، فبعث إليه يشجعه ويستنجده، علمًا منه بأنه العضد الأشد في نصرة الدين ومكافحة الكفار والمنافقين، فإذا كان أولئك الزنادقة يبوحون بما لديهم من الكفريات والضلالات، وعندنا أعظم مصادمة لها وقوة ملكة وإرادة، غير أنه لا مطابع عندنا ولا نفقة للطبع، فإنا نستنجد بك يا عبد الله، ونرجوك المساعدة في نشر هذه الردود لمصادمتها خرافاتهم وتمويهاتهم. فمن أبيات قصيدة الشيخ سلمان يمتدح المترجم ويشجعه ويسأله ما لديه في طبعها قوله: إلا أيها الغادي على ظهر ضامر ... من اليعملات الناجيات النجائب تجوب فيافي البيد وخدا ومسئدا ... ولم تكترث يومًا بطول السباسب تحمل هداك الله مني تحيةً ... هديةَ ذي ودٍ على خير صاحب ومن قد سمت أخلاقه وصفاته ... سلالة أمجاد كرام أطائب هو الشهم عبد الله أعني ابن خاطر ... حميد المساعي ذو النهى والمناقب وأبلغه تسليمًا على البعد والنوى ... بعد وميض البرق جنح الغياهب

стр. 521

وما حن من رعد وما ذر شارق ... وما أنهل ودق من خلال السحائب يؤرج ترب الأرض إذ فض ختمه ... عبير شذا مختومه في المقانب وما ذاك إلا أنه ذو محبةٍ ... لأهل الهدى من عجمها والأعارب لقد سرني ما جائني عنه من تقى ... وصحبته الأخيار من كل صاحب وإجلاله أياهمو ومحبةً ... لمن دان بالإسلام أعلى المطالب يحب لا جل الله من كان مؤمنًا ... ويبغض أهل الكفر من كل ناكب يحب لا جل الله من كان جده ... بتلك الصفات الساميات الثواقب ومن ذا الذي فيها يسامي لقاسم ... ولكن سعت أعراقه بالمناقب فشام الأبي الألمعي مآثرًا ... وأم إلى هاماته والغوارب رأى نصرة الإسلام حقًا وواجبًا ... وقد غاضه من هاضه بالمصائب يرد غلات مارقين أخابث ... على الشيخ شمس الدين بدر المناقب يريدون أن يطفؤا من النور والهدى ... بأفواههم والترهات الكواذب ثم ما رامه أعداء الشريعة من تكفير الشيخ وأتباعه، إلى أن قال: وقد منَّ مولانا علينا برد ما ... به مو هو من مفظعات المعائب وما أفسدوا في الأرض بالكتب التي ... أشاعوه في شرقها والمغارب وقد طبعوا منها لعمري مطابعًا ... وزجوا بها في كل قطرٍ وجانب فحاموا على الدين الحنيفي والهدى ... ولا تتأنوا في اكتساب الرغائب فلا زلت بالمعروف تعرف ... ولا زلت مقصودًا لدى كل المناقب وجو زيت من مولاك خير جزائه ... وبوأك المولى يفاع المناقب ولا زلت مذكورًا بكل فضيلةٍ ... ويثني بها جهرًا بكل المقانب ومما قد طبعت مؤلفات الشيخ سليمان بن سحمان ولله الحمد والمنة بمطابع الهند ومصر وغيرها. ومما قاله الشيخ حسين بن علي بن نفيسة يمتدحه في قصيدة منه هذه الأبيات: فدع ذكر من تهوى فما أنت والهوى ... إلى ذكر من أحيا المروات والكرم إلى عابد الله الهمام بن خاطر ... خواطره خطارةً للعلى أمم

стр. 522

له شطرها والناس في الشطر كلهم ... ويأخذ شطر الشطر منهم إن قسم فلم يبق إلا الربع إن حملوا له ... فذاك والأقلة ثم ما سئم تسامًا لها طفلًا فأدرك يافعًا ... لها كلها من قبل أن يبلغ الحلم ففاق على أقرانه بفعاله ... وأطلق كف الجود حتى بها علم على كل حال تلفه غير طائش ... ولا فاحشًا سيان أن أثرًا أو عدم فأذكره في الفضل والبذل والندى ... وعند العدى والحرب والضرب أن ألم إذ كان هذا فعل أبائه الأولى ... فإن الفتى في سلك آثارهم أهم إلا أنهم فيمن مضى عرفت لهم ... فضائل أن دهر على جارهم أزم هم الباذلون المال لله طاعةً ... وهم يوقدون النار أن أخمد البرم على إِثر أجداد على الجود حافظوا ... أبى الله أن تترك بنوهم لما رسم ليهنيه عبد الله ما كان أهله ... من المجد والإحسان والخيم والشيم لبيبٌ منيبٌ ماجدٌ فائق الذكا ... شمائله بين البرية لم تذم لقد آثر التقوى فآوى أولى التقى ... وكان عن اللاواي ملاذ وملتزم أبت خصلتان غير لابن محمد ... رضا الله والمعروف بالكف والقلم تأوى له الهلاك من كل جانبٍ ... فيمطرهم من جوده وابل زدم له علموا فاستأنفوا السير والسرى ... تراهم على الأنضا إلى قصده زيم رجالًا وركبانًا يهلون نحوه ... كما هلَّل الحجاج في الأشهر الحرم فيجمعهم ناديه من بين مقترٍ ... وغرثى اليتامى والمخول والقدم على قدر ما يؤتى من الله لم يكن ... منوعًا فما من فضله أحد حرم فهيهات من يعطي الجميل تبرعًا ... سواه ولا من كان في سالف القدم تبصرت من ينبي نباه فلم أجد ... ففضلته والشكر مني له لزم أحاببه بالقيل الذي أنا قائل ... فهيهات أن أدرك جزاه ولو أدم أضائق أهل العرف نشر ثنائهم ... وحسبك ما أسدى زهير إلى هرم قصائد تتلى ليس تبلى وقد بلت ... جوائزها من مسرجات ومن نعم

стр. 523

فإن عشت لا أنساه في كل محفلٍ ... إذا كان نشر الثنا خير ما غنم بنشر يضيق الحصر عن حصر بعضه ... ونظم مدى الأيام مهما لي انتظم وإن كنت في الإنشاد لست كمن مضى ... فكم من حسام لم يغلل في البهم وكم من صموت لا يراعا وربما ... إذا أطربت أقوال جل الورى خصم وكم معرض والناس ما عنه أعرضوا ... إلا إِن من أشررهم قل من سلم فعش وابق عبد الله واسلم لنا ودم ... عن العشر مغنًا والعدوان لنا زحم إلهي أَوله المكارم والغنى ... وسدد وأبعد كل سوء له يهم وقال أيضًا يرثاه لما قتل مظلومًا وفجأةً بيد من لا يفلح، فرثاه شاعرنا بهذه المرثية العجيبة الفصيحة التي شفت وكففت فالله المستعان: خلى الربع من سلمى فأصبح مسفرًا ... وقد كان مأنوسًا به البيض تسمر ليالي إذ سلمى فتاةٌ كأنها ... من البان أنبوبٌ به الطلع يزهر وإلا من اللائي رعين بوجرةٍ ... مهاة دعاها بالخميلة جوذر سقته السواقي بعدما كان حقبةً ... براحٌ عليه بالعشي وينشر وتختلف الأنعام بين مروجة ... وتدني به اللذات والعيش أخضر عفى غير آثار الجياد وجثم ... وأشعث مشجوجٌ ونو بدور سقى الله هاتيك الربوع بها طل ... من الدلو لا نخلو مدى الدهر تمطر عهدت بها الحي الجميع فأصبحت ... طيور النوى تشدوا بها ثم تصفر سليما بنا الأحزان لمت فآلمت ... وهل هيج الأحزان إلا التذكر فمالي وما للهو إذ شاب عارضي ... وعالٍ سواد الرأس شيبٌ يفكر ذريني وما قد كان مني صبابةً ... وبكى فإن الرزء أدهى وأكبر فيالك من خطبٍ أصم مسامعي ... وعيني دوامًا دمعها يتحدر كأن فؤادي بين أظفار طائر ... يمزقه في الجو ساعةً يشهر نهاري كليلي بل ونومي كيقظتي ... ويسري كأعساري وعيشي ممرر على طاهر الأثواب إذ سكن الثرى ... وقد كان يثري بالجزيل ويغمر

стр. 524

لأن كان عبد الله أودى شبابه ... فإن سبيل الجود لا شك أوعر توفيت الآمال والعرف بعده ... فلو خلت حظي كلما قام يعثر أرى بعده أن الحياة ذميمةً ... وكل جواب بعده ليس يذكر فتى لا تخطاه الرفاق لغيره ... يلاقيهمو بالبشر والكون تنحر فتىً همه فعل الندى في كل لحظةٍ ... خليقٌ له مذشب ما عنه يصبر فتىً يكسب المعدوم من حر ماله ... أياديه لم تنفك بالجود تمطر فتىً حسنت أخلاقه وفعاله ... فتىً ضاحك العينين والوجه مسفر فتىً لا يبالي أن يصير بجسمه ... كلوم بيوم الروع والموت أحمر فتىً لم أرى من يقوم مقامه ... إذا أزمت غبر السنين وأعسروا فتىً حاز دق المكرمات وجلها ... فإن ذكروا أهل العلى فهو أفخر فإن رمته في الدين فأت نديه ... تجد كل من يروي الحديث ويخبر بتعليمٍ قال الله قال رسوله ... وما قاله الأصحاب بعد وكرروا ترى الأمهات الست من جل كنزه ... وفي كتب الشيخين دأبًا يذكر على السنة الغرا حريصٌ وعاملٌ ... بما اسطاع منها لا يمل ويفتر فيبذل للمعروف والعرف أمره ... ولا يكترث بالناس إن كان غيروا فكم منكرٍ أردى وكم بدعةٍ محا ... حكيمٌ عليمٌ بالذي فيه يأمر وكم جمع الإخوان في وسط داره ... على كل ما تهوي النفوس وتشكر على جفنٍ مثل الجوابي ينوبها ... وفودٌ لهم كل يومٍ تحضر يصلي كثير الليل لله لم يزل ... سؤلًا له حتى إذا الناس أسفروا دعى للندى الداعي بصوت تجيبه ... مساكين والغرثى لديه تخبر فيطعمهم يرجى من الله بره ... بيومٍ به كل الصحائف تنشر وإن رمته في الحرب فهو ضرامها ... إذا أكلحت أنيابها فهو مسعر له تشهد الخيل الكمأة مع القنا ... ويشهد حين الكر بدو وحضر فما أسد تخشى الضراغم بأسه ... له أشبلٌ يسعى لها ويبكر

стр. 525

فيصطاد أبطال الرجال يقيتها ... بلحمهم تغذي صغارًا فتكبر ترى الناس قد هابوا حماه مخافةً ... فمن يمشي في واديه فهو مخطر باظفر منه حين يلتحم الوغى ... وتزفر أحقاد الصدور وتظهر نثيلٌ على الأعداء وغيثٌ على الندى ... كريمٌ إذا أسدى وصلوا بيسر فمن بقطيرٍ مثله غير جده ... يلي خاله الأدنى كريمٌ يفخر أولئك عبد الله والشيخ قاسم ... وفضلهما بين البرية أشهر فذكرهما بالجود فرض وسنَّة ... على كل من يروي القريض ويشعر تسامى لما قد عرفاه من العلى ... فما زال للنفس العزيزة يصغر تقضي زمان الوصل وانعكس الذي ... نريد فهل ابن المطايا تنحر وولت سويعات السرور وأبعدت ... عسى الله للمكسور بالوصل يجبر فمن مثله للوافدين مؤملٍ ... إذا أجدبت أوطانهم ثم أعسروا لقد كان للدهر المربد أعينًا ... فلما تولى أصبح الدهر يعثر فيا آل مرٍ مرر الله عيشكم ... وأسكنكم في الحشر نارًا تسعر ويا آل نوطان تناطون بالبلى ... وتقهركم أعدائكم ثم تجزر قتلتم كريم الجد والخال سيد ... منيع ذمار الحي والنقع أكدر فيا أخوا عبد الإله إلا اصبرا ... ولا تجزعًا مما أراد المقدر فهذا سبيل الناس للموت والبلى ... ولو مدت الآجال لا بد يقبر فقد كان عبد الله أردى قرينه ... غشاه نجيعٌ بالجراحة أحمر ولكن أحب الله لقياه إنه ... حبيبٌ له فاشتاق منه التبكر وفضله منه بخير شهادةٍ ... كما فضل الأخيار قبل وحبروا فأين أبو حفص الذي عز ديننا ... وسماه بالفاروق النبي المبشر وأين شهيد الدار حب نبينا ... مجهزٌ جيش العسر ما ذاك ينكر وأين الذي أردى ابن ودٍ بكفه ... علي الذي منه العلوم تفجر وسبطا رسول الله أبناه لو يكن ... بذي الدار من يبقى لعاشوا وعمِّروا

стр. 526

فيا فهد أوصيك بابن محمدٍ ... وأنت لعمري بالوصية أجدر فسيرة عبد الله لا تتركنها ... فإنك إن حققتها سوف تذكر فما أنت إلا صنوه وشقيقه ... واصلكما منه المكارم تظهر فواخ هداة الحق إن كنت حازمًا ... وجالسهم واحفظ لما كان سطرو عن الله أو عما قال رسوله ... من الهدي واحذر كل أمرٍ يحذر وكن عاملًا بالعلم لا بجهالةٍ ... لتنجو بيوم الحشر والهول أكبر وأخلص لمولاك الدعاء موحدًا ... فإن الذي تخفيه يومًا سيظهر ودونكها يا ابن الكرام خريدةً ... سمت من محبٍ للمحاسن ينشر من الوطن النجدي سارت مجدة ... إلى فهدٍ أعني بن خاطر تخطر فذاك الذي يقري القرى كل لحظةٍ ... ويعطي اللهي قبل السؤال فيكثر وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى والصحب ما انشق نير ومن أبيات للشيخ سليمان بن سحمان يرثاه بلَّ الله ثراه بوابل الغفران وأسكنه بفضله فسيح الجنان: يا عين جودي بدمعٍ هامعٍ هامٍ ... على الأغر الأبي الفاضل السام لا تسأمي أن تريقي الدمع عن كثب ... على الدوام بدمعٍ منك سجام على الوفي الصفي اللوذعي ومن ... بالدين يسمو عن الأدناس والذام أخي المكارم عبد الله من حسنت ... في المسلمين له آثار إنعام لله من المعي فاضلٌ ورع ... مهذبٌ أريحيٌ ذي تقى سام أبكيه لما أتانا نعيه حزنًا ... يا لهف نفسي على ذي العفة الحام حامي الذمار إذا ما أزمةٌ أزمت ... لله درك من حامٍ ومقدام يا لهف نفسي على من كان همته ... في الدين ساميةً عن زهو أوهام مجاهدًا جاهدًا فيما يقربه ... من الإله بإخلاصٍ وإعظام وبذل جودٍ وإحسانٍ ومكرمةٍ ... قد كان ذلك منه منذ أعوام يغار لله أن تؤتي محارمه ... لا يخشى في ذاك من لومات لوام

стр. 527

يحب في الله أهل الدين مرتجيًا ... فضلًا من الله من جودٍ وإكرام وإن عرى الدين ثلم قام منتصرًا ... في قمع كل مجدٍ فيه أوحام حوى المكارم عن جد أخي ثقةٍ ... وعن مكارم أخوالٍ وأعمام ما كان في قطر من فضلٍ منقبةٍ ... إلا وقاسم فيها القادم السام حامي على الدين حتى اعتز جانبه ... لله درك من حامٍ لإسلام يا لهف نفسي وواحزني ووا أسفا ... على الزكي الرضي المنهل الطام مضى شهيدًا وحيدًا في مكارمه ... لله درك من حامٍ وضرغام لما أتاه الأعادي قاصدين له ... لم يثنه الخصم عن وردٍ وإقدام ولا استكان لدى الأوباش عن رهقٍ ... منهم هنا لك عن ذلٍ وإحجام لكن رماهم فأودى من رماه وقد ... لاقى المنون ولاقى ضرب مقدام فليبكه كل ذي دينٍ ومكرمةٍ ... على الدوام بدمعٍ هامعٍ هام إذ كان ذا طاعةٍ لله مجتهدًا ... برًا وصولًا لأيتامٍ وأرحام وكان ذا عفةٍ عن كل مظلمةٍ ... وكل فاحشةٍ تدعو لآثام مصاحبًا لذوي التقوى ويأ لفهمٍ ... مجانبًا لذوي الآثام والذام فقل لقاتله بغيًا وعن أشر ... لا زلت ما عشت في ذلٍ وأسقام لا زلت أن مت في مسجورٍ لاظيةٍ ... من السعير وفي محمومها الحام وفيها عزل الشيخ عبد العزيز بن بشر عن قضاء بريدة وجعل في قضائها فضيلة الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وسبب ذلك أنه لما كان الشيخ عمر بن سليم إمامًا في مسجد من مساجد بريدة التفت عليه خلائق يطلبون العلم وأصبح ذلك المسجد روضة من رياض الجنة ينتابه البعيد والقريب فوشى به أعداؤه إلى القالضي قائلين أنه لا يمكن تدريس في المسجد الجامع ما دام ابن سليم بهذه الصفة عكف عليه الطلاب من كل جانب واتخذوك ظهريًا فتحركت جارحة الحسد منه وجعل ﵀ يسعى ضد الشيخ عمر حتى ألجأه إلى أن يجلس إليه يطلب العلم فجلس الشيخ بين يديه يدرس في أعلام

стр. 528

الموقعين لابن القيم، ولما تنجل هذه الوحشة بل دام المقام متوترًا، جاء الشيخ عمر إلى الأمير عبد الله بن جلوى حال كونه في إمارة القصيم، وطلب منه أن يسمح له بالذهاب إلى النبهانية يقيم فيها لأن الأحوال اضطرته إلى ذلك، فطمأنه الأمير عبد الله وطلب منه أن يتريث حتى يتمكن من مراجعة الحاكم عبد العزيز بن عبد الرحمن وكان الشيخ قد أتى إلى الأمير بجملة بعثها إليه القاضي ابن بشر فيها توجيهات وتأنيبات له. وكان صاحب السمو الأمير عبد الله رجلًا فصيحًا حكيمًا سياسيًا يقدر أهل العلم ويعرف لهم مواقفهم فاستقرأها حتى أتى على آخرها، ثم أنه بعثها إلى صاحب الجلالة في الرياض، وما كاد السلطان عبد العزيز يعلم بموضوعها حتى دعا بخادم له يدعى أبا ردن، وأمره يذهب من فوره غداة يوم السبت فيقدم إلى بريدة يوم الخميس فيعزل عبد العزيز بن بشر ويجعل ناصر بن سليمان بن سيف إمامًا في المسجد الجامع حتى يقدم من بلد البكيرية فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم فيتولى القضاء، فنفذت هذه التدابير بسرعة خارقة. ولما أن قدم صباح يوم الخميس صلى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن بشر بالمسلمين صلاة الظهر ثم ناوله أوامر السلطان وصلى في جامع بريدة صلاة العصر الشيخ ناصر بن سليمان، وبارح القاضي الإمامة والقضاء، ثم بعث الخادم إلى الشيخ في البكيرية ليباشر مهمة القضاء. ولما تعلل الشيخ واعتذر عن القضاء بعث إليه الشيخ عبد الله بن فداء من فوره يطلب منه أن يقدم على الفور، وأن لا يقطع رجاء المسلمين الذين ما زالوا يتعطشون لتوظيفه، فقدم إلى بريدة وباشر القضاء والإمامة فيها، وكان عند حسن الظن في العدل والنزاهة والقيام بما وسد إليه من الأعمال. وكان الشيخ عبد الله رجلًا حصينًا حليمًا متواضعًا، واستمر في القضاء من هذه السنة حتى توفاه الله تعالى وسنذكر مناقبه وفضائله في سنة وفاته. أما الشيخ ناصر بن سليمان فإليك شيئًا من ترجمته:

стр. 529

هو الشيخ ناصر بن سليمان بن محمد بن سيف ولد في سنة ١٢٤٨ هـ وتوفي في سنة ١٣٣٩ هـ أعني بعد هذه السنة بعشر سنين عن عمر بلغ الحادية والتسعين قضاها في طلب العلم وسافر إلى الرياض مع الشيخين محمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم؛ وأخذ العلم عن مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن وأخذ عن ابنه الشيخ عبد اللطيف. وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن بشر وجلس للطلاب يقرئهم القرآن ويعلمهم مبادئ العقيدة السلفية في مدرسة والده سليمان بن محمد بن سيف ونفع الله به أولاد أهالي بريدة، وكان محبوبًا لدى مواطنيه لا يقضون أمرًا دونه وكثيرًا ما يكتب العقود الشرعية من وقف وهبة ووثائق شرعية بخطه الجميل، مما يدل دلالة واضحة على مركزه الاجتماعي والثقافي. وكان ﵀ حافظًا للقرآن ومن القراء المعدودين يقرأ عن ظهر قلب وبسرعة فائقة مع عدم الإخلال في القراءة وكان إمامًا لمسجده الذي يطلق عليه اسمه حتى الآن ويوجد قرب السوق الداخلي، وكان يصلي التراويح وقيام رمضان إمامًا بقراءة مجودة عن ظهر قلب، واستمر في إمامة المسجد حتى أقعده الكبر والمرض. وكان ﵀ يجيد فن تجليد الكتب ويحترف هذه المهنة مما ساعده على مواصلة طلب العلم ولازم الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم حال كونه قاضيًا في بريدة ويكتب بين يديه حتى اسمته العامة "زابن الدراجة" في ذلك الوقت، وخلف خمسة بنين سليمان؛ وعبد الله، وصالح، وعلي، ومحمد، وثلاث بنات. أخبار زاهد كان الزاهد عبد الكريم الدرويش مشهورًا في ذلك الزمان، وكان عابدًا تضرب الأمثال بتوكله وله شهرة وقبول. فمن أخباره التي تدل على توفيقه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وما يقع فيه

стр. 530

من الأهوال الصعبة فيدافع الله عنه، وقديمًا ما جرى من ألطاف بأهل الدين يريدون وجهه، كما قال تعالى في محكم كلامه البليغ الوجيز: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. من ذلك أنه أهدى إليه مرةً صاعًا برطب فأمر أهله أن يصنعوا من ذلك عشاء ويتصدقوا بالبقية، فشح أهله وادخروها لغد، فلما كان من المساء فتش في البيت فأخرج ما بقي وألقاه في الشارع بكيسه لمن وجده قائلًا لم تدخرون لغد ورزق غد على الله، وكان قد أخذ على أهله أن لا يدخروا لغد. ومرَّ به إنسان يركض ويقول: من حفظ المطية، فاستوقفه الدرويش وقال له: أنا، ففرح بذلك صاحبها وجعل يدعو له، فأوقفه على نعش في المسجد وقال: هذا المطية، إشارةً أنه يحمل عليه الموتى، وهو مطية من مشي على الأرض إلى القبور. ومرَّ ﵀ على شيخ يسني ويغني فوقف عليه وقال: عياذًا بالله شيخٌ كبير وتغني، وقام عليه بالعصى فطفق يضربه ضربًا عنيفًا، ثم ذهب بعد ذلك ومعه رفيق له إلى المسجد ليصليا، فجاء ابن المعزَّر إلى أبيه بعدما وقفت السانية وأبوه قد أعظم الأمر وجعل يخبط كأنه مجنون يريد تشجيع ابنه على الانتقام من الدرويش، وبدر ابنه بقوله: أمك طالق يا ابن المرأة إن لم تقتله، فقام الشقي من فوره وأعمل البندقية وكان شابًا قويًا، فأنذر الدرويش وهو يصلي، فلم يتأثر وأتم صلاته ثم التفت قائلًا لصاحبه إلى جنبه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، الله أكبر وصف الصلاة هذا والابن كالأسد يحاور أباه في قتله، فلما سلم الدرويش إذا به قد أعمل الفتيلة وأقبل نحوهما، فقال له صاحبه: يا عبد الكريم أطلق رجليك فإن الرجل أقبل مسرعًا يريد قتلك، فالتفت إليه وهو يقول: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، الله أكبر وصف للصلاة فإذا بالأب يدعو ابنه قائلًا: يا محمد زال الرشا عن البكرة عدله يا محمد وامض لشغلك، فرجع الابن لهذه المهمة لأن لا ينقطع ظهر البعير، ولما أن رقى يريد تركيب الرشا وصعد فوق قرون البئر وأبوه ينتظره انطبقت البئر عليه من أقصى جهاتها فكانت قبرًا لهما وللإبل، فما وقف لهما على خبر.
следующие страницы →