فيا فهد أوصيك بابن محمدٍ ... وأنت لعمري بالوصية أجدر
فسيرة عبد الله لا تتركنها ... فإنك إن حققتها سوف تذكر
فما أنت إلا صنوه وشقيقه ... واصلكما منه المكارم تظهر
فواخ هداة الحق إن كنت حازمًا ... وجالسهم واحفظ لما كان سطرو
عن الله أو عما قال رسوله ... من الهدي واحذر كل أمرٍ يحذر
وكن عاملًا بالعلم لا بجهالةٍ ... لتنجو بيوم الحشر والهول أكبر
وأخلص لمولاك الدعاء موحدًا ... فإن الذي تخفيه يومًا سيظهر
ودونكها يا ابن الكرام خريدةً ... سمت من محبٍ للمحاسن ينشر
من الوطن النجدي سارت مجدة ... إلى فهدٍ أعني بن خاطر تخطر
فذاك الذي يقري القرى كل لحظةٍ ... ويعطي اللهي قبل السؤال فيكثر
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى والصحب ما انشق نير
ومن أبيات للشيخ سليمان بن سحمان يرثاه بلَّ الله ثراه بوابل الغفران وأسكنه بفضله فسيح الجنان:
يا عين جودي بدمعٍ هامعٍ هامٍ ... على الأغر الأبي الفاضل السام
لا تسأمي أن تريقي الدمع عن كثب ... على الدوام بدمعٍ منك سجام
على الوفي الصفي اللوذعي ومن ... بالدين يسمو عن الأدناس والذام
أخي المكارم عبد الله من حسنت ... في المسلمين له آثار إنعام
لله من المعي فاضلٌ ورع ... مهذبٌ أريحيٌ ذي تقى سام
أبكيه لما أتانا نعيه حزنًا ... يا لهف نفسي على ذي العفة الحام
حامي الذمار إذا ما أزمةٌ أزمت ... لله درك من حامٍ ومقدام
يا لهف نفسي على من كان همته ... في الدين ساميةً عن زهو أوهام
مجاهدًا جاهدًا فيما يقربه ... من الإله بإخلاصٍ وإعظام
وبذل جودٍ وإحسانٍ ومكرمةٍ ... قد كان ذلك منه منذ أعوام
يغار لله أن تؤتي محارمه ... لا يخشى في ذاك من لومات لوام
стр. 527
يحب في الله أهل الدين مرتجيًا ... فضلًا من الله من جودٍ وإكرام
وإن عرى الدين ثلم قام منتصرًا ... في قمع كل مجدٍ فيه أوحام
حوى المكارم عن جد أخي ثقةٍ ... وعن مكارم أخوالٍ وأعمام
ما كان في قطر من فضلٍ منقبةٍ ... إلا وقاسم فيها القادم السام
حامي على الدين حتى اعتز جانبه ... لله درك من حامٍ لإسلام
يا لهف نفسي وواحزني ووا أسفا ... على الزكي الرضي المنهل الطام
مضى شهيدًا وحيدًا في مكارمه ... لله درك من حامٍ وضرغام
لما أتاه الأعادي قاصدين له ... لم يثنه الخصم عن وردٍ وإقدام
ولا استكان لدى الأوباش عن رهقٍ ... منهم هنا لك عن ذلٍ وإحجام
لكن رماهم فأودى من رماه وقد ... لاقى المنون ولاقى ضرب مقدام
فليبكه كل ذي دينٍ ومكرمةٍ ... على الدوام بدمعٍ هامعٍ هام
إذ كان ذا طاعةٍ لله مجتهدًا ... برًا وصولًا لأيتامٍ وأرحام
وكان ذا عفةٍ عن كل مظلمةٍ ... وكل فاحشةٍ تدعو لآثام
مصاحبًا لذوي التقوى ويأ لفهمٍ ... مجانبًا لذوي الآثام والذام
فقل لقاتله بغيًا وعن أشر ... لا زلت ما عشت في ذلٍ وأسقام
لا زلت أن مت في مسجورٍ لاظيةٍ ... من السعير وفي محمومها الحام
وفيها عزل الشيخ عبد العزيز بن بشر عن قضاء بريدة وجعل في قضائها فضيلة الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وسبب ذلك أنه لما كان الشيخ عمر بن سليم إمامًا في مسجد من مساجد بريدة التفت عليه خلائق يطلبون العلم وأصبح ذلك المسجد روضة من رياض الجنة ينتابه البعيد والقريب فوشى به أعداؤه إلى القالضي قائلين أنه لا يمكن تدريس في المسجد الجامع ما دام ابن سليم بهذه الصفة عكف عليه الطلاب من كل جانب واتخذوك ظهريًا فتحركت جارحة الحسد منه وجعل ﵀ يسعى ضد الشيخ عمر حتى ألجأه إلى أن يجلس إليه يطلب العلم فجلس الشيخ بين يديه يدرس في أعلام
стр. 528
الموقعين لابن القيم، ولما تنجل هذه الوحشة بل دام المقام متوترًا، جاء الشيخ عمر إلى الأمير عبد الله بن جلوى حال كونه في إمارة القصيم، وطلب منه أن يسمح له بالذهاب إلى النبهانية يقيم فيها لأن الأحوال اضطرته إلى ذلك، فطمأنه الأمير عبد الله وطلب منه أن يتريث حتى يتمكن من مراجعة الحاكم عبد العزيز بن عبد الرحمن وكان الشيخ قد أتى إلى الأمير بجملة بعثها إليه القاضي ابن بشر فيها توجيهات وتأنيبات له.
وكان صاحب السمو الأمير عبد الله رجلًا فصيحًا حكيمًا سياسيًا يقدر أهل العلم ويعرف لهم مواقفهم فاستقرأها حتى أتى على آخرها، ثم أنه بعثها إلى صاحب الجلالة في الرياض، وما كاد السلطان عبد العزيز يعلم بموضوعها حتى دعا بخادم له يدعى أبا ردن، وأمره يذهب من فوره غداة يوم السبت فيقدم إلى بريدة يوم الخميس فيعزل عبد العزيز بن بشر ويجعل ناصر بن سليمان بن سيف إمامًا في المسجد الجامع حتى يقدم من بلد البكيرية فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم فيتولى القضاء، فنفذت هذه التدابير بسرعة خارقة.
ولما أن قدم صباح يوم الخميس صلى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن بشر بالمسلمين صلاة الظهر ثم ناوله أوامر السلطان وصلى في جامع بريدة صلاة العصر الشيخ ناصر بن سليمان، وبارح القاضي الإمامة والقضاء، ثم بعث الخادم إلى الشيخ في البكيرية ليباشر مهمة القضاء.
ولما تعلل الشيخ واعتذر عن القضاء بعث إليه الشيخ عبد الله بن فداء من فوره يطلب منه أن يقدم على الفور، وأن لا يقطع رجاء المسلمين الذين ما زالوا يتعطشون لتوظيفه، فقدم إلى بريدة وباشر القضاء والإمامة فيها، وكان عند حسن الظن في العدل والنزاهة والقيام بما وسد إليه من الأعمال.
وكان الشيخ عبد الله رجلًا حصينًا حليمًا متواضعًا، واستمر في القضاء من هذه السنة حتى توفاه الله تعالى وسنذكر مناقبه وفضائله في سنة وفاته.
أما الشيخ ناصر بن سليمان فإليك شيئًا من ترجمته:
стр. 529
هو الشيخ ناصر بن سليمان بن محمد بن سيف ولد في سنة ١٢٤٨ هـ وتوفي في سنة ١٣٣٩ هـ أعني بعد هذه السنة بعشر سنين عن عمر بلغ الحادية والتسعين قضاها في طلب العلم وسافر إلى الرياض مع الشيخين محمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم؛ وأخذ العلم عن مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن وأخذ عن ابنه الشيخ عبد اللطيف.
وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن بشر وجلس للطلاب يقرئهم القرآن ويعلمهم مبادئ العقيدة السلفية في مدرسة والده سليمان بن محمد بن سيف ونفع الله به أولاد أهالي بريدة، وكان محبوبًا لدى مواطنيه لا يقضون أمرًا دونه وكثيرًا ما يكتب العقود الشرعية من وقف وهبة ووثائق شرعية بخطه الجميل، مما يدل دلالة واضحة على مركزه الاجتماعي والثقافي.
وكان ﵀ حافظًا للقرآن ومن القراء المعدودين يقرأ عن ظهر قلب وبسرعة فائقة مع عدم الإخلال في القراءة وكان إمامًا لمسجده الذي يطلق عليه اسمه حتى الآن ويوجد قرب السوق الداخلي، وكان يصلي التراويح وقيام رمضان إمامًا بقراءة مجودة عن ظهر قلب، واستمر في إمامة المسجد حتى أقعده الكبر والمرض.
وكان ﵀ يجيد فن تجليد الكتب ويحترف هذه المهنة مما ساعده على مواصلة طلب العلم ولازم الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم حال كونه قاضيًا في بريدة ويكتب بين يديه حتى اسمته العامة "زابن الدراجة" في ذلك الوقت، وخلف خمسة بنين سليمان؛ وعبد الله، وصالح، وعلي، ومحمد، وثلاث بنات.
أخبار زاهد
كان الزاهد عبد الكريم الدرويش مشهورًا في ذلك الزمان، وكان عابدًا تضرب الأمثال بتوكله وله شهرة وقبول.
فمن أخباره التي تدل على توفيقه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وما يقع فيه
стр. 530
من الأهوال الصعبة فيدافع الله عنه، وقديمًا ما جرى من ألطاف بأهل الدين يريدون وجهه، كما قال تعالى في محكم كلامه البليغ الوجيز: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
من ذلك أنه أهدى إليه مرةً صاعًا برطب فأمر أهله أن يصنعوا من ذلك عشاء ويتصدقوا بالبقية، فشح أهله وادخروها لغد، فلما كان من المساء فتش في البيت فأخرج ما بقي وألقاه في الشارع بكيسه لمن وجده قائلًا لم تدخرون لغد ورزق غد على الله، وكان قد أخذ على أهله أن لا يدخروا لغد.
ومرَّ به إنسان يركض ويقول: من حفظ المطية، فاستوقفه الدرويش وقال له: أنا، ففرح بذلك صاحبها وجعل يدعو له، فأوقفه على نعش في المسجد وقال: هذا المطية، إشارةً أنه يحمل عليه الموتى، وهو مطية من مشي على الأرض إلى القبور.
ومرَّ ﵀ على شيخ يسني ويغني فوقف عليه وقال: عياذًا بالله شيخٌ كبير وتغني، وقام عليه بالعصى فطفق يضربه ضربًا عنيفًا، ثم ذهب بعد ذلك ومعه رفيق له إلى المسجد ليصليا، فجاء ابن المعزَّر إلى أبيه بعدما وقفت السانية وأبوه قد أعظم الأمر وجعل يخبط كأنه مجنون يريد تشجيع ابنه على الانتقام من الدرويش، وبدر ابنه بقوله: أمك طالق يا ابن المرأة إن لم تقتله، فقام الشقي من فوره وأعمل البندقية وكان شابًا قويًا، فأنذر الدرويش وهو يصلي، فلم يتأثر وأتم صلاته ثم التفت قائلًا لصاحبه إلى جنبه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، الله أكبر وصف الصلاة هذا والابن كالأسد يحاور أباه في قتله، فلما سلم الدرويش إذا به قد أعمل الفتيلة وأقبل نحوهما، فقال له صاحبه: يا عبد الكريم أطلق رجليك فإن الرجل أقبل مسرعًا يريد قتلك، فالتفت إليه وهو يقول: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، الله أكبر وصف للصلاة فإذا بالأب يدعو ابنه قائلًا: يا محمد زال الرشا عن البكرة عدله يا محمد وامض لشغلك، فرجع الابن لهذه المهمة لأن لا ينقطع ظهر البعير، ولما أن رقى يريد تركيب الرشا وصعد فوق قرون البئر وأبوه ينتظره انطبقت البئر عليه من أقصى جهاتها فكانت قبرًا لهما وللإبل، فما وقف لهما على خبر.
стр. 531
فلما سلم الدرويش، نظر إلى صاحبه وقال: احفظ الله يحفظك، أما قلت لك سيكفينا الله شرهم.
تالله إنها لحالةٌ عجيبة يجب على كل مؤرخ سطرها وإثباتها تطلعك على عناية الله بأوليائه، وأنه الثائر لهم، ومن عاداهم فقد بارز الله بالمحاربة، ومن حارب الله غلب وخذل، فانظر إلى تلك الخارقة وتلك الثقة التي صدرت عن قوة إيمان وصدق توكل، وما أحسن ما قال بعضهم:
ما بال دينك ترضى أن تدنسه ... وأَن ثوبك مغسولٌ من الدنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
ودعا مرةً رجلًا من أهل الديانة فقال له: أتحسن الكتابة يا أخي؟ فاستحيا منه بأنه يكتب فقال: له أئتني بدواة ورقة فاتا بهما فقال: اكتب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الكريم الخراساني إلى عبد العزيز بن متعب بن رشيد، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤١، ٤٢]، وجعله في ظرف وبعث به إليه.
وبعث إليه عشرين ريالًا بعض أمراء القصيم، وقال للخادم قل له يستعين بها على بعض مؤنه الدنا فإنها من عون العبد لأخيه، وهذا الأمير هو عبد الله بن جلوي فلما أن وردت عليه أخذ منها ريالًا واشترى به نعلًا لابنه وبعث ببقيتها إلى الأمير مع الخادم، وقال له: قل للأمير أني أخذت لابني ريالًا وهذه بقيتها جعله الله يكوى بها في نار جهنم، يأخذون الأموال ظلمًا ويتجملون بها، قل له يردها على أربابها الذين أخذها منهم.
ولما رجع بها الرسول إلى الأمير سأله ما الذي منعه من أخذها وبأي شيء أجاب؟ وقال يا سيدي: إنه ردها ولا حاجة إلى ذكر هذيانه، فألجأه إلى أن يخبره بكلامه، فلما أخبره جعل ردائه على فمه وضحك ضحكًا شديدًا وجعل يفكر في مقالته.
стр. 532
وأهدي إليه مرة منيحة شاة، فذهب يومًا ليأتي بها مساء من السرح ففاته صلاة المغرب جماعة، فلما صلى أخذ برقبتها وأخرجها عن بيته يصفعها ويقول لست بمنيحة، أنت شطيان، ألهيتني عن عبادة ربي.
وبعث إليه أمير قريته بتوعده ويظطره إلى أن يبارح القرية، وقال في تهديده له: إن أصبح قتلته، فلبس أكفانًا وبات يدعو الله أن يهلكه، فلما أن كان من آخر الليل سقطت على الأمير غرفته فمات تحتها.
إلى غير ذلك من الكرامات والأفعال التي يجب أن تجمل بها الصحف ويسمر بها، فرحمة الله عليه، عبر الدنيا وما عمرها، وما هي إلا ساعة صبروا فيها على النكد فأعقبت لهم الراحة التامة والذكر الحسن.
ذكر نهاية أمر الشيخ إبراهيم بن جاسر
فنقول: كان هذا قد جرى بينه وبين آل سليم مخالفات ومناقشات تستغرق بسطًا طويلًا نذكره في غير هذا الموضع لأسباب، لكننا نشير هنا إشارةً لطيفة، فإن الشيخ إبراهيم كان في باديء أمره تلميذًا لآل سليم، ثم خالف عليه جماعة من العلماء في مسائل، فشن عليه المخالفون غارتهم وأجلبوا عليه، ولسوء الحظ لم توفق المشكلة لحسن حل، وآل أمر هذا الخلاف والشقاق إلى فتن ومحن يمتد لهيبها على عنان السماء تارةً، وتارةً تهمد رمادًا، وما زال منذ أيام الأمير حسن بن مهنا حتى غاية هذه السنة وهو مصرّ على رأيه، وله أتباع يؤيدون مذهبه ويشدون أزره.
غير أنه لما تبدأ طالع آل سعود حماة الدين ونصرة الشريعة، ضعف شأنه وانقشعت غمامة هذا الخلاف، وجمع الله المسلمين على يدي صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل، قام الشيخ المذكور يظهر الموافقة، وكان قد تولى قضاء عنيزة في آخر ولاية عبد العزيز بن متعب، وتولى قضاء بريدة في أيام محمد أبي الخيل، ولا ريب أن تلك الأمراء يقدمونه وينتصرون لمقالاته، أضف إلى ذلك أنه كان متواضعًا وذا عطفٍ على الفقير والمحتاج مع سخاء وكرم يتصدق بما يجد
стр. 533
ويواسي وإن كان عن قلة، وكان سريع الانفعال كثير التقلب لا يبالي بالنظر في العواقب، وقد أقلع عن مقالته غير مرة ثم رجع إليها.
ومن تقلبه أنه مرَّ في مجلس تدريسه في المسجد الجامع في بريدة، ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأغلظ القول في ذلك، وأن القائمين به مقصرون، ثم إنه رفع يديه وهو يدرس فقال: اللهم فلانًا لكبير الأمر بالمعروف في بريدة، وجعل يكرر لعنه بين الحاضرين، كما أهمل أمرك يا ربنا ونهيك، فلما خرج الشيخ بعد التدريس التقى بهذا الرجل كأن لم يكن بدر منه شيء، غير أن ذلك قد امتلأ حقدًا من كلامه فيه وجرى بينهما ما يستحيا من ذكره.
وكان المترجم له عشيرة وأصحاب يأخذون برأيه ويعملون بقوله ويعجبون بتوجيهاته، ثم إنه دعا به ابن سعود إليه وأشار له بأن أهل حائل يريدون قاضيًا، وأنه يجمل به أن يذهب لسد ذلك الفراغ، وألزم عليه أن يسير إلى تلك الجهات، فأجمع أمره وسار على مضض يريد بلاد حائل، ومنها سار إلى الكويت فتوفاه الله بها، فالله المستعان.
ثم دخلت سنة ١٣٣٠ ه ـ
استهلت هذه السنة والأحوال في الدولة العثمانية مائجة مضطربة، وقد شددت أيطاليا على اليمن وطأتها وضيقت المنافذ، ولم تفد تجهيزات الحسين الشريف لإخماد الثورات هناك شيئًا.
ذكر مطلب الوحدة العربية
قد أسلفنا ذكر الانقلاب في الدولة العثمانية، وذلك بعدما خلع السلطان عبد الحميد افترقت الأتراك، فخبطت حكومة الاتحاد خبط عشواء وتلطخت أيدي زعمائها بدم الأبرياء، فنفرت منها كل العناصر من غيرهم، فلأجل ذلك أخذ كثير من أهل الغيرة والحمية تفكر مليًا فيما عليه سلاطين آل عثمان وما ستؤول إليه
стр. 534
الدولة العثمانية إذا هي بقيت على هذه السياسة، وإنه لا شك أن أجلها قريب وأنها تحفر قبرها لترقد فيه رقدةً أبديةً، وإن تلك الأملاك والولايات لا بد أن تؤول حينئذٍ إلى الدول الغربية المتربصة لتلك الرقدة، فرأوا من الواجب والنصح للشرق والعرب والإسلام أن يعملوا على تلافي هذا الخطر جهد الطاقة، فأسسوا الجماعات وأصدروا الصحف والمجلات والكتب في نصح السلاطين ومن التف حولهم، وتحذرهم من عاقبة هذه السياسة.
ولسوء الحظ لم يكن جزاؤهم إلا غيابات السجن بعد تعطيل صحفهم ومصادرة كتبهم، فرأوا أن الداء قد استحكم وأنه لا مفر من موت هذه الدولة العلية، فلا بد من العمل على إنقاذ الإسلام والعرب بطريقة تجعلها في مأمن من التأثر بهذه العاقة، وبجانب هذه الفكرة رأى جماعة آخرون العمل على إحياء هذه الفكرة الطورانية لأن تعلق تركيا يغير عنصرها الطوراني من العربي والفارسي وغيرهما هو الذي أنهك قواها وأضعف قوتها، وجد كلٌ في سبيل العمل إلى تلك الخطة، لأن الدولة الأجنبية لا تزهد في موت العرب والإسلام بذهاب الدولة العثمانية، ولكنه مع ذلك لم يحصل الناصحون على شيء، بل ولا ظفرت الحكومة من أمانيها بشيء، بل انتصرت عليها إيطاليا وذهبت طرابلس الغرب، وحصل غير ذلك من الحروب السياسية العظيمة في الخفاء توقد نارها إنكلترا وفرنسا وغيرهما من الدول التي تعلم حقيقة ما عليه الدولة العثمانية، فتريد التهامها وتقسيم تراثها.
وقد كان أمراء العرب الكبار ظلوا على الحياد في تلك الحرب ما عدا الإدريسي، فإنه حالف الأجانب على الأتراك، وما عدى الشريف حسين، فإنه حليف الدولة، وكان الإمام يحيى مع أنه عدو الإدريسي ظلَّ ساكنًا، فلم يغنم الفرصة للفتك بالأدارسة وأتباعهم، ولكنه أعلم الدولة بإخلاصه لها وإنه يأذن لعسكرها أن تجتاز بلاده لتسقط على الإدريسي من الجبال فتجتز شأفنه بحذافيرها.
فعند ذلك طلبت حكومة الأتحاديين المساعدة من ابن سعود، وتعهدت أن تقوم
стр. 535
له بكل ما يحتاج إليه من السلاح والذخيرة والمال، فمالي الطلب بل كتب إليهم كتابًا يقول فيه: إني عربي فلا أحارب العرب لأجل الدولة ورضاها وإني والإدريسي لعلى ولاء، والبلاد بعدية عنه أيضًا فلا يتمكن ابن سعود من محاربة أهلها، فاعادت الحكومة الطلب وإنهم يريدون أن يخص الإحساء بعسكر عربي لحماية تلك الناحية، فرفض عبد العزيز، ذلك ثم كتب إليه والي البصرة سليمان شفيق كمال باشا يسأله رأيه في أمراء العرب وشقاقهم وخروج بعضهم على الحكومة العثمانية، فكتب عبد العزيز إليه كتابًا، وإنه يفكر في الوحدة العربية منذ حين، وهذا صورة كتابه إلى والي البصرة، قال بعد البسملة:
من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى سليمان شفيق إنكم لم تحسنوا إلى العرب ولا عاملتموهم في الأقل بالعدل وأنا أعلم أن استشارتكم إياي إنما هي وسيلة استطلاع لتعلموا ما انطوت عليه مقاصدي، وهاكم رأيي ولكم أن تؤولوه كما تشاؤون، إنكم أنت المسؤولون عما في العرب من شقاق فقد اكتفيتم بأن تحكموا وما تمكنتم حتى من ذلك، وقد فاتكم أن الراعي مسؤول عن رعيته وقد فاتكم أن صاحب السيادة لا يستقيم أمره إلا بالعدل والإحسان، وقد فاتكم أن العرب لا ينامون على الضيم ولا يبالون إذا خسروا كل ما لديهم وسلمت كرامتهم، أردتم أن تحكموا العرب فتقضون إربكم منهم فلم تتوفقوا إلى شيء من هذا وذاك، لم تنفعوهم ولا نفعتم أنفسكم، وفي كل حال أنتم اليوم في حاجة إلى راحة البال لتتمكنوا من النظر الصائب في أموركم الجوهرية.
أما ما يختص منها بالعرب فإليكم رأي فيه: "إني أرى أن تدعوا رؤساء العرب كلهم كبيرهم وصغيرهم إلى مؤتمر يعقد في بلد الأسيادة ولا نفوذ فيه للحكومة العثمانية لتكون لهم حرية المذاكرة والغرض من هذا المؤتمر التعارف والتآلف، ثم تقرير أحد أمرين، أما أن تكون البلاد العربية كتلة سياسية واحدة يرأسها حاكم واحد، وأما أن تقسموها إلى ولايات فتحددون حدودها وتقيمون على رأس كل ولاية رجلًا كفوًا من كل الوجوه، وتربطونها بعضها ببعض بما هو عام مشترك من
стр. 536
المصالح والمؤسسات، وينبغي أن تكون هذه الولايات مستقلة استقلال إداريًا وتكونوا أنتم المشرفين عليها، فإذا تم ذلك فعلى كل أمير عربي أو رئيس ولاية أن يتعهد بأن يعضد زملائه ويكون وإياهم يدًا واحدة على كل من تجاوز حدوده أو أخل بما هو متفق عليه بيننا وبينكم" هذه هي الطريقة التي تستقيم فيها مصالحكم ومصالح العرب ويكون فيها الضربة القاضية على أعدائكم.
فلما أن بلغ ذلك والي البصرة استحسن هذا الرأي وأرسل به إلى الأستانة، ولكنه لم يستحسنه أولوا الأمر هناك بل سفهوه قائلين: يريد ابن سعود أن تجمع الكلمة بواسطتنا ولخير نفسه، وكانت سياستهم مبنية على ظنهم، فشرعوا يقاومون فكرة الوحدة سرًا وعلنًا بمساعدة عمالهم مباشرةً وبواسطة بعض أمراء العرب، وقد كان يومئذٍ جمال باشا السفاح في بغداد والشريف حسين في مكة، وابن رشيد في حائل، وكل هؤلاء يسمعون كلمة الأستانة ويطيعون، فطفق الشريف حسين بن علي يحرض القبائل على ابن سعود كعتيبة وغيرها، ولا بد أن نذكر عداء الحسين الشريف لعبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود، فإنه قام في هذه السنة يسعى ضد ابن سعود، وذلك لما يكنّه من العداء المتأصل لأهل نجد.
وفيها وفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وهذه ترجمته:
هو العالم العلامة الفقيه الزاهد المذكر العابد الشهم النبيه، الشيخ حمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن حمد بن علي بن سلامة بن عمران العوسجي البدراني الدوسري، ولد في سنة ١٢٤٥ هـ في بلدة ثادق، وأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن مقرن، والشيخ عبد العزيز بن حسن، والشيخ عبد الرحمن بن عدوان، وأخذ الفرائض عن الشيخ عبد العزيز بن شلوان وغيرهم.
وكان بارعًا في جميع الفنون ويقظًا، قليل المثل في الشهامة والذكاء والديانة والعبادة كثير الخير، له قدم راسخ في العلوم الشرعية والفتيا، وله وقع في النفوس، وكان دمث الأخلاق قوي الجأش آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، ولي قضاء
стр. 537
ناحية سدير في ولاية الإمام فيصل بن تركي وابنه عبد الله، ثم كان قاضيًا في الوشم، ثم كان قاضيًا في بلدان المحمل بعد الشيخ عبد العزيز بن حسن، وله أجوبة سديدة ونصائح مفيدة ومجالس في التدريس، أخذ عنه العلم ابنه محمد وغيره من سائر بلدان المحمل، وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة رحمه الله تعالى.
وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ صالح السالم رحمه الله تعالى وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم الفاضل المحقق، ذو العلوم الربانية والمنح المرضية صالح بن سالم آل بنيان تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته، وقد نظم بعض المحبين وفاته بقوله:
وقد كان في يوم الربوع وفاته ... لتسعٍ مضت من بعد تسعٍ لياليًا
وفي صفر عام الثلاثين قبلها ... ثلاث مئين بعد ألفٍ لباغيًا
أي في اليوم التاسع من شهر صفر من هذه السنة كان المترجم رحمه الله تعالى من أهل العلم في بلدة حائل، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف لما زار الشيخ بلدة حائل بدعوة من الحاكم محمد بن عبد الله بن رشيد لأنه كان قبل ذلك كاتبًا للمذكور، ثم إنه استمسك بغرز الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف في حال إقامته لديهم، وسافر إليه في بلدة الرياض ولازمه وأكثر الأخذ عنه وترك أعمال ابن رشيد، وما زال يأخذ عن مشايخ هذه الدعوة مثل الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، ومن على طريقته حتى كان من أكبر الدعاة للتوحيد وأعظم المنتصرين للحق وأهل، يجاهد أهل الباطل بلسانه وحجته، وله جملة قصائد تدل على تمسكه بالدين والعيب على من خالفه.
فمن ذلك قصيدته الدالية المشهورة، ومنها قصيدة نونية في الرد على من حسن طريقه دحلان وشيعته، ومنها قصيدة رائية في فضل الغرباء الذين طوبى لهم من أبياتها قوله:
وأصبح ذو الإيمان فيهم كقابضٍ ... على الجمر أو في الجنب صلي المجامر
وما زادهم إلا ثباتًا مع الرضا ... بقلب سليم للمهيمس شاكر
стр. 538
فأكرم بهم من عصبة الحق إنهم ... لحفظ نصوص الدين أهل تناصر
إذا ما بدا نص الكتاب وسنةً ... تنادوا عباد الله هل من مثابر
وعضوا عليها بالنواجذ فاهتدوا ... وما رغبوا لخرص الخواطر
إلى آخرها وهي عظيمة حسنة، وله قصيدة نونية في تشجيع سليمان بن سحمان في ردوده على أهل الزيغ والنفاق من أبياتها قوله:
فالله يجزيك الذي ترضى به ... من جنة المأوى مع الرضوان
ويؤيد الإسلام دهرًا طائلًا ... ببقائك فينا أخا العرفان
وكذا يسرك أن رأيت موسدًا ... قربًا وقد أدرجت في الأكفان
فلقد أتى والله كل منافقٍ ... بقوارعٍ زادت على الحسبان
فقعدوا يصدون العباد عن الذي ... خلقوا له من طاعة الرحمان
وأثنى عليه العلماء وامتدحوه بما كان عليه من الثبات ودافعوا عن عرضه مسبة كل منافق ومعاند، فنسأل الله تعالى أن يرفع درجاته في الآخرة ويسبغ عليه هناك نعمه الباطنة والظاهرة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ذكر العداء بين الشريف حسين وابن سعود
وآمال الشريف وما انطوى عليه، نسأل الله العافية، ما زال الخلاف يشتد بين الأشراف وآل سعود حتى تولى الحسين بن علي إمارة مكة، فاستبشر العرب بعهدٍ جديد كما يتبادر من كبراء الحجاز، ولكن الرجل كان يحلم بآماله حتى أنه وقف في وجه جميع الإصلاحات التي كان يريد الأتحاديون القيام بها في الحجاز لأنه رأى من خلالها تقوية نفوذ الأتراك وشلّ يده عن العمل في الحجاز، فعرقل مد سكة حديد بين جدة ومكة، كما عرقل مد طريق مكة والطائف من جهة جبلى كرى، ولو تتبع الحسين خطته الأولى لنجح في أعماله، غير أنه طمح إلى مقاصد كبرى بمحاربة أمراء العرب والاستخفاف بهم وعدم تقديره إياهم التقدير الصحيح، فضاعت عليه الفرصة وتعرقلت أعماله التي طمح إليها ولم يأخذ الأمر بالإناءة والصبر، وكان أول خصم يهمه هو ابن سعود.
стр. 539
هذا مع أن ابن سعود ما زال يتودد إلى الحسين ويرسل إليه رسائل التفخيم والتبجيل، كما كتب إليه في ١٨ من رمضان سنة ١٢٢٨ هـ كتابًا قال فيه: حضرة جناب الأجل الأفخم يمين الشيم أمير مكة المكرم سيدنا الشريف حسين باشا ابن السيد علي دام مجده وعلاه أمين، وأطال في تفخيم الحسين، إلى أن قال وأمرك علينا تام على كل حال، ثم قال ذلك والولد برسم الخدمة، ولما ختمه أمضى عن نفسه خادم الدولة المملكة والوطن أمير نجد رئيس عشائرها عبد العزيز السعود، وأهدى مع الكتاب إليه جياد الخيل.
وكتب بعده كتابًا في تاريخ ١٥ شوال منها إليه أطال فيه بالتمجيد، ووضع نفسه كخادم بين يدي الحسين، ومن ألفاظ الكتاب "وما عرف جنابكم كان لدى ابنكم معلوم خصوصًا ما عرف جنابكم من جهة عتيبة والقصيم، وإنهم يلقون بالأكاذيب التي ليس لها حقيقة ويتظلمون عند حضرتكم، فنحن نقول عما قالوا سبحانك هذا بهتان عظيم، فأما من جهة نظركم علينا وعليهم، فهذا هو شأن مثلكم وهو مقامكم العزيز، ثم أطال إلى أن قال: فالآن ابنكم وخادمكم ومملوك فضلكم ثاني نفسه سامع مطيع لله ثم لحضرتكم، لأن واحدًا من أهل القصيم أو من عتيبة يدعى علي بأدنى شيء من الظلم، فكما تأمرون أفعل امتثالًا لأمر الله ثم لأمركم، وجميع ما زوروه على حضرتكم دواء الكذب المقابلة، فإن كنت المجرم فأنا تحت أمركم كما تأمرون أفعل واصطبر لأدبكم، فإن كانوا هم الكاذبين وتحقق عند جنابكم ذلك فنحن قد دمحنا لهم من الزلات أكثر، وحقنا على جنابكم أن تكونوا على حذر من أقوال الغاشين للإسلام والمسلمين، وأنا والله، وبالله، وتالله إن رضاكم وامتثال خدمتكم عندي أعز من رضا عبد الرحمن وخدمته، ثم أنا معطيكم عهد الله وميثاقه أني ولدك سامع مطيع ما أخلف شوفتك في جميع أمر".
ثم أطال بالتواضع والخضوع للحسين وختم الكتاب، ثم بعث إليه بكتاب في ٢٢ من ربيع الأول من هذه السنة على هذا النمط.
стр. 540
وقد أوردنا ذلك ليعلم النصف مبلغ احترام ابن سعود للحسين، وأنه لم يأل في مسالمته، فما أظنك لو اعترف الحسين لابن سعود وقدر هذه التعطفات قدرها، ولكنه طموح في مقاصده، فكان ينظر إلى ابن سعود نظر ولي الأمر إلى موظفه.
أضف إلى ذلك أن الأتراك لما خافوا من حركة الحسين وانقلابه الذي بادرتهم بوادره، عرضوا على ابن سعود إمارة مكة، فأبى وأصرّ على الرفض لأن قبوله لغرض الأتراك الذي اضطروا إليه سيجعل مركزه حرجًا، فلن يرضى الحسين بذلك، ولما كان في هذه السنة قام الحسين يشمّر الأردان وخرج من الحجاز بجيش من البدو والحضر، وكان ذلك في رجب منها فنزل الكويعية محلة عتيبة وبلادهم، وقد قدمنا أن أخا جلالة الملك سعد بن عبد الرحمن جاء يستنجد عتيبة، فلما أن قرب منها خرج إليه من الكويعية شرذمة من خيالة عتيبة فظنهم جاءوا يلاقونه ويرحبون، ولكنه عندما دنوا منه إذا لم يكن معه غير أربعين رجلًا، فركب وعشرةً منهم الخيل وقفلوا راجعين، وذلك أنه استراب منهم فلحقتهم عتيبة يؤمنونهم قائلين: نحن خدامكم فقوا ولا تخافوا فصدقهم سعد، وما أشار عليه رجاله بالثقة بأولئك وحذره فوقف وأخذه بنو عتيبة وصادوه، ثم بعثوا به أسيرًا إلى الشريف حسين، ولما بلغ عبد العزيز هذا الخبر وكان قد تأهب لمحاربة العرائف بالحريق، فعندها ترك أربعمائة من رجاله بقيادة فهد بن معمر في الخرج وكرَّ راجعًا يستند أهل نجد لينقذ أخاه.
أما الشريف فبعد أن أسر سعدًا رحل من الكويعة شمالًا فنزل الشعراء، ثم زحف من الشعراء شرقًا فنزل على ماء قريبًا من الوشم، ولكنه عندما علم أن ابن سعود قد وصل بجيشه إلى ضرما ما تراجع غربًا فنزل على ماء يدعى عرجا، وأرسل يستنجد ابن رشيد، فكتب وكيل الإمارة زامل ابن سبهان إلى الأمير عبد الله بن جلوي، وكان إذ ذاك أمير القصيم يقول في كتابه أن بيننا وبين الشريف معاهدة تضطرنا إلى مساعدته، هذا وما كأنه كان بينه وبين ابن سعود، بل الصلح الذي بين ابن سعود وابن رشيد ما هو إلا قصاصة من الورق.
стр. 541
لقد كان الشريف ما يقصد الحرب إذ ذاك والمناورات، إنما يريد إزعاج ابن سعود وإكراهه فيما يريد، وقد كتب إليه وهو يفر ويكر من ماء إلى ماء يؤكد ذلك وقال في كتابه إذا هجمت علينا تركنا لك المعسكر والخيام وعدنا بأخيك سعد إلى مكة فيبقى عندنا إلى أن تطلب الصلح، وهذا الصلح شروطه بيد الشريف حسين.
ومن غرائب الاتفاق أن خالد بن لؤي أمير الخرمة كان يومئذٍ الواسطة بين الأثنين، وخالد هذا وأهله وإن كانوا من أشراف الحجاز فهم منذ القدم على ولاء آل سعود وظلوا متمسكين به محافظين عليه.
جاء خالد إلى عبد العزيز بن سعود يعرض عليه شروط الشريف، ولم تكن غير شروط الدولة التذي تطلب أن يعترف بسيادتها ولو إسميًا في نجد أو في القصيم على الأقل وطلبت فوق ذلك أن يدفع ابن سعود شيئًا من المال عربون التبيعة كل سنة تالية أن الأمير مضحك عجيب ابن سعود يستدين من نسيبه ووكليه في البصرة ما يسد به حاجاته ويحيله على الدولة، والدولة تسعى بواسطة الشريف أن تدخل ابن سعود في تبعيتها فتتقاضاه بدل أن تدفع له ما كانت تدفع.
ولما جاء خالد يحمل شروط الصلح، وخالد وإن كان بدويًا فهو على شيء عظيم من الدهاء والذكاء، فلما جاء تكلم مع عبد العزيز بهذا الكلام البديع: اسمع يا عبد العزيز، أنا أعلمك لا غايةً للشريف سيئة، لا والله ولكنه يبغى يبيض وجهه مع الترك، فاكتب له ورقة تنفعه عند الترك ولا تضرك وأنا أتكفل برجوع سعد، وأتكفل أن الشريف لا يتدخل في أمور نجد، هذا إذا كنت لا تتجاوز الحدود، أما إذا هو اعتدى عليك فأنا خالد بن لؤي أعاهدك عهد الله عليك، فأكون معك والله كما كان آبائي مع آبائك وكما كان أجادي مع أجدادك، فقبل عبد العزيز بتوسط خالد وكتب له قصاصة ورق تنفع الشريف عن الترك ولا تضر، كأنها فقد تعهد فيها أن تدفع بلاد نجد للدولة ستة آلاف جنيه مجيدي كل سنة، وما كانت غير قصاصة من ورق كلام الليل يمحوه النهار، وقد جاء في بعض التواريخ أن الواقعة كانت قبل هذه السنة بسنتين، والصحيح ما أثبتناه.
стр. 542
ذكر ما جرى من العرائف والهزازنة
قد تقدم أن أولاد سعود بن فيصل كانوا مقيمين على شق العصا كما فعلوا مع عمهم عبد الله، وكان الخلاف قد بقي في أولادهم الذين كانوا أسرى عند ابن رشيد، ولما خلصهم عبد العزيز وحقن دمائهم كرامةً للرحم أن تقطع، وكذلك عفا عنهم فذهبوا إلى الكويت ثم رجعوا منه، ومن الإحساء كما قدمنا ونزلوا في الخرج يريدون الاستيلاء عليه، ولكنه قام عليهم القائد فهد بن معمر ومن معه وصدوهم بل طردوهم، فرحلوا إلى المقر الذي اتقدت فيه قصة آل هزان إلى جهة الحوطة والحريق.
أما الهزازنة الذين كانوا أسرى في الرياض فإنهم بعد ما أطلقهم عبد العزيز ومن عليهم بالرجوع إلى بلادهم إكرامًا لأمير قطر قاسم بن ثاني الذي توجه لهم، فحالما وصل العرائف إلى الحريق بعد طردهم من الخرج، رحب بهم الهزازة وتعاهدوا وإياهم فكانوا يدًا واحدة، وقد انضم إليهم ناس أيضًا في الحوطة فمشوا معهم إلى الحريق، ثم هجموا على القصر هناك، وكان في القصر إذ ذاك سريةٌ لابن سعود فحاصروها سبعة أيام واستولوا على القصر.
فلما خلص ابن سعود أخاه سعد من الأسر وصالح الشريف، عاد من القصيم قاصدًا ناحية الحريق الذي قد استولى عليه العرائف والهزازنة تلك الأيام بالغشم، وانضم معهم جمع كبير من البادية.
إن الحريق بلدة كائنة في وادي بين جبلين وليس لها غير طريق واحد، فأسرى فيه عبد العزيز ليدخل البلدة ليلًا على حين غرة، ولكنه عند وصوله إلى قصر كان قريبًا منها نزل هناك وأمر جيشه الذي لم يكن يومئذٍ غير ألف ومائتين من الحضر أن يعسكروا ويستعدوا لحصار طويل، ولكن خيالة العدو في جولة من الجولات اصطدمت بفصيلة من خيالته فكانت الشرارة التي أضرمت نار الحرب، فهجم حضر عبد العزيز بن عبد الرحمن هجمة واحدة على الحريق ولم
стр. 543
يقفوا حتى استولوا عليها وعلى بلدة أخرى اسمها مفيجر، فشرد العرائف ولم يقفوا من شدتهم على الخيل حتى وصلوا إلى أهل الحوطة فالتجأوا إليهم فردوهم خائبين، فرحلوا إذ ذاك إلى الأفلاج.
وكان في السيح هناك أخوهم فيصل، وفي ليلي أحمد السديري من قبل ابن سعود، وليلي هي قاعدة الأفلاج، والسيح كانت بلدة من بلداتها فيها مياه جارية، فاحترب فيصل والأمير السديري قليلًا قبل وصول العرائف.
أما عبد العزيز فبعد انتصاره في الحريق زحف جنوبًا فنزل نعام وهي قرية في الطريق، وأراد الجيش أن يهجم على الحوطة فيكتسحها فأبى ذلك، لا أسعى في خراب بلدين من بلادي في يوم واحد سأقدم لأهل الحوطة الصلح وأعطيهم الأمان لعل الله أن يهديهم سواء السبيل، فعند ذلك ظفر أهل الحوطة بالأمان، شكرًا لعالمهم ورؤسائهم الذين خرجوا إلى ابن سعود، وقد عقدوا المحارم في رقابهم، ولكن أهل الحوطة يقول فيهم بعض المؤرخين أنهم برابرة قتلة لا يضعون على الرقاب ولا يفهمون في العقاب غير السيف، ومع ذلك فقد صفح عبد العزيز مشترطًا أن يدخل بجيشه البلد، فدخل ظافرًا، ثم زحف إلى الأفلاج، وبينما هو على ماء في الطريق جاءه رسول من أميره السديري يقول: إنه حين وصول العرائف إلى السيح علم أهل البلدة بما جرى في الحريق ففروا هاربين وقد تركوا فيها أمتعتهم وأموالهم فغنمها السديري عند احتلاله تلك الناحية، ولكن سعود بن عبد الله أحد العرائف وعبد العزيز الهزاني الذي فرَّ هاربًا بعد فتنة الهزازنة الأولى ومعهم ثلاثون رجلًا هجموا على السيح بعد أن هجرها أهلها دون أن يعلموا بما جرى في الحريق فقبض السديري عليهم وألقاهم في السجن.
فلما بلغ الخبر صاحب الجلالة عبد العزيز أطلق سراح سعود بن عبد الله وخيّره في أمرين: البقاء عنده أو الإلتحاق بإخوانه، فاختار البقاء، وهذا سعود العرافة الموجود الآن في الرياض فاستراح من الشقاق لما له من الحظ الكبير، ورحل بقية العرائف شاردين إلى مكة ولاذوا بالشريف وواحد منهم فرَّ إلى الإحساء ليستنهض البادية هناك.
стр. 544
وأما الهزازنة فإن عبد العزيز بن عبد الرحمن عفا عن راشد الذي تقدم ذكره، وما زال مشمولًا بحلم عبد العزيز أولًا وأخيرًا، ثم قتل بقية المأسورين وانتقم منهم جزاءًا وفاقًا.
فيا عجبًا من لئيم لا يفيد فيه الإحسان ولم يقم فيه مروءة إنسانية وشيمة عربية تأبى له أن يتصف بالغدر، إن في ذلك لعبرةً لمن يخشى، إن ابن سعود والحق يقال، قد قاسى أهوال الشدائد، وذلك لكثرة التقلب من الأعداء، فهذا ابن رشيد يعاهد ويغدر ويماطل ويخاتل، ولا قدر لعهدٍ عنده ولا كافل، وهؤلاء العرائف، والهزازنة قد ذهبوا يغدرون ويستنهضوا القبائل، وحسين الشريف يسعى في الشرور والغوائل وقد نصب له الأشراك والحبائل.
والدولة العثمانية جادة بواسطة نفوذها في الإحساء بإلقاء العداوة بين العرب، ولا تزال مصرة على أن نجدًا ولاية تركية خاضعة لها بالطلب.
ومع هذا فإن صقر الجزيرة ثابت الجأش لا تزعزعه الحوادث ولا يتأثر لهذه الكوارث، وما أحسن ما قيل:
يخلق الله للحروب رجالًا ... لا يهابون كثرة الأخطار
وقديمًا قيل إياك والسآمة في طلب الأمور فتقذفك الرجال خلف أعقابها وقد أصبح الرؤساء يومًا أحلافًا، ويومًا أعداءً، بعضهم على بعض وتفتقت الأرض بالشر، واتسع الخرق على الراقع، وأصبح أهل الجزيرة في قلق شديد.
ثم إنه سار عبد العزيز من الأفلاج ومرَّ بقبائل من الدواسر عاصين فأدبهم، فلما بلغ الرياض استراح بها بضعة أيام، سار لمطلوبه وهو الحسا، فضرب العاصين من العجمان وأدبهم تأديبًا بليغًا، ولما كان في جهة الحساء جائته الاستغاثة من مبارك بن صباح وقد أرسل وفدًا هذه المرة من بلاد الكويت بكتابه إلى ولده عبد العزيز وأرسل ذلولين، يقول في كتابه: إني مرسلٌ إليك ذلولي وقد كنت أركبها إلى الغزو وأنا الآن عاجز عن الركوب والمغازي، أنا والدك يا عبد العزيز والذلولان اللذان شهدا الغزوات والمعارك العديدة هما لك يا ولدي وهم يطلبان منك أن
стр. 545
تأخذ بثأر والدك من ابن السعدون، فأجاب عبد العزيز أن مشاكله كثيرة، عشائره متقلبة فيخشى الخيانات بعد أن اجتمع له الأمر في بلاده، وهو يضطر والحالة هذه أن يستخدم كل ما لديه من قوة في معالجة مشاكله الداخلية، ومنها في تلك الحالة مسألة تركي بن سعود العرافة الذي انحدر إلى الحساء من الخرج يستنهض العجمان كما تقدم قريبًا، وقد انضم إليه آل سفران فأخذ منهم.
ولكن مباركًا أبى أن يعذر ابن سعود، ودام على الاستغاثة والتأوه، وكتب إليه مرة ثانية فقال في كتابه إلى ابن سعود: يا ولدي أنا أصيح وأناديك وأنت يا ولدي تصم أذنيك، أبمثل ذلك يعامل الوالد، أتهجرني يوم شدتي فيساعد هجرك العدو علي، اسمعني أصيح وأناديك لتفزع لوالدك وبلدك، ففزع عبد العزيز وسمع له افستفز عشائره ملبيًا ندائه، وزحف تلك المرة بجيش مؤلف من ألف وخمسمائة من الحضر وخمسة آلاف من البدو، يصحبه اثنان من أبناء الصباح وهما سليمان الحمود وعلي بن خليفة، ثم سار ينتقم لوالده من ابن سعدون وابن سويد، وأعلم ابن صباح بمسيره وأنه سينزل الحفر، ولكن العدو أثناء ذلك انقسم قسمين فاحترب أهل الظفير وأهل المنتفق بعد أن كانوا متحالفين.
وسبب ذلك العداوة التي كانت كامنة في نفوسهم، فلما علم الشيخ مبارك بما صدر بين عدويه وأن حمود بن سويط كان أميل إليه، كتب إليه يخبره أن ابن سعود زاحف إليه وحذره منه.
ثم توجه ابن سعود إلى ناحية الزبير فورد كابده ووجد هناك أغنامًا كثيرة لابن سعدون فغنمها كلها، واستمر سائرًا إلى صفوان فلاقاه في الطريق رسولٌ من والي البصرة ومعه وفد من أهل الزبير، فأكرموه وقدموا له الهدايا الثمينة من الحكومة ومن الأهالي، وكانوا خائفين لما جاءوا مستعطفين، فأمر ابن سعود جيوشه بأن لا يعتدوا على أحد ولا يؤذوا أحدًا في أطراف الزبير والبصرة.
ثم جاءه بصفوان رسولٌ من قبل الأمير مبارك بن صباح، وهذا الرسول هو عبد العزيز بن حسن، جاءه بمهمة جديدة، وهي أنه طلب أن يهجم على عدد من
стр. 546
الرعاة للغنم يومًا كانوا من رعاياه ويومًا من رعايا العراق، أريد يا عبد العزيز أن تأخذهم وخيولهم وسلاحهم، فعلم عبد العزيز بالأمر وهو أنه يريد بذلك أن يحرك عليه حكومة العراق إذا فعل ذلك فلم ينجح طلبه، وقفل راجعًا من صفوان إلى الكويت فرفض قومه أن يرجعوا معه وقالوا: لا ندخلها إلا محاربين، فأبى عليهم ومشوا طائعين يحفون به حتى وصلوا الجهراء فنزلوا فيها، وقد جاء مبارك ليسلم على ولده، فاعتذر عما بدا منه، وقبل عبد العزيز العذر دون معاتبة.
ولما فرغ من أعمال مبارك وخدعه ومكره سار يقصد الحساء، وكان قد كثر فيها وفي جوارها الأشقياء، فبلغه وهو في السير أن العجمان العاصين هجموا على عرب من عربان فيصل الدويش وأخذوا عددًا كبيرًا من الإبل لرجل اسمه ذو النون كان في ضيافة ابن سعود وهو من الموصل، فسارع عبد العزيز إلى مقاتلة المعتدين، ثم جاء خبر أنهم على ماء قريب منه، فجد في طلبهم فأدركهم وأخذهم جميعًا، ثم لا علم أنهم غير المذنبين وأن هؤلاء أبرياء أعاد عليهم كل ما أخذه منهم وخلى سبيلهم.
أما المذنبون ورئيسهم تركي العرافة فكانوا قد التجأوا إلى حكومة الترك في الحساء وأخبروا الترك أن ذا النون من رعاياهم في الموصل، فأرسلت الحكومة تحتج على ابن سعود وتحذره أن يتعرض لقبيلة العجمان، فأجاب أن في تأديبهم خير للناس وللحكومة، ومع ذلك فإنه لم يستحب أن يغضب الترك في الحساء فتركهم وشأنهم.
أما الشريف حسين فإنه لا يزال جادًا في تحريض القبائل على ابن سعود وكان قد جهز جيشًا لنصرة راشد الهزاني الذي كان قد لجأ العرائف إليه فيما تقدم وسيره إلى الحريق، وأمدَّ العرائف أيضًا في محاربة نسيبهم حاكم نجد، ولما أن أرسل عبد العزيز رسولًا إلى الشريف وهو صالح العذل ومعه هدية من الخيل بكتاب تقدم ذكر تاريخه ٢٢ ربيع الأول، واطال فيه بتمجيد الحسين، وقال في آخره: إننا نستغرب منكم هذا العمل وبيننا وبينكم معاهدة.
وكان جيش ابن سعود قد أغار على فخذ من عتيبة المتشيعة للعرائف، فغضب لذلك الشريف ورد صالح العذل خائبًا ورد فوق ذلك الهدية فخرج العرائف على
стр. 547
ابن سعود، وقد ختمت هذه السنة بخيانة مطير ورئيسها فيصل الدويش الذي استغواه عجيمي السعدون، ولا شك أنها بمساعي الترك وذلك أنهم كانوا يناوؤن العرب وبالأخص من يحاول جمع كلمتهم وتوحيد سياستهم وهو ابن سعود.
وفيها ولد الأمير محمد بن عبد العزيز نجل جلالة الملك وكانت ولادته في الرياض.
ثم دخلت سنة ١٣٣١ ه ـ
ففيها فتح الإحساء وهي المخاطرة الرابعة، وذلك أن الترك لما أهمهم أمر عبد العزيز بن عبد الرحمن جعلوا يحرضون عليه الشريف حسين بن علي وابن رشيد وابن سعدون وكذلك جعلوا يستغوون عشيرة من عشائره الكبرى وهي مطير وناهيك بالعجمان في الحساء وبحرب في أطراف الحجاز.
وكانوا لما نفضوا أيديهم من ابن رشيد جعلوا يحرضون عليه سعدون، والشريف فلما كان في ربيع الأول من هذه السنة خرج عبد العزيز بن عبد الرحمن لما أوغرت صدره هذه الأفاعيل التي تدبرها الدولة العثمانية فأحب أن يقضي على آخر سلطة لهم في جزيرة العرب وهي الإحساء والقطيف، وأن يحكم السيف فهو الحكم الفيصل، فصمم ابن سعود على أخذ الإحساء واستعادة تراثه القديم وحسم مواد ذلك النفوذ العثماني المرتكز في الإحساء، فسار حتى نزل على الخفس وأقام عليه بقية الشهر وأغار أثناء ذلك على عربان بن مرة مذنبين، فأخذ مواشيهم، على أن الغرض من هذه الإغارة لم يكن محصورًا بظاهره، ثم تقدم بعد ذلك إلى الإحساء فأرسل الأتراك عند ذلك يستطلعون خبره، وقصده فقال قصدي الامتياز شراء الأمتعة والزاد.
ثم عاد إلى الرياض تاركًا عسكره على الخفس، وفي ذلك الحين وصل إلى عاصمة نجد رجل إنكليزي اسمه "ليتشمن" قادمًا من الشام بطريق الجو فسأله ابن سعود ما القصد في سياحتك فأجاب قائلًا: إني جغرافي وأريد أن تساعدني لاجتاز الربع الخالي من واحة بيرين إلى عمان، فقال له عبد العزيز: إن قدومك على هذا
стр. 548
الوجه خطأ فلا علم لنا به وليس معك توصيةً من الحكومة البريطانية، فقال: "ليتشمن" إني رجل إنكليزي طالب علم وأنتم مشهورون بإكرامكم الإنكليز خصوصًا العلماء منهم، فلم يتأكد عبد العزيز حقيقة ما ادعاه الرجل، بل ظن أنه يتجسس للترك، فيما أنه كان قد عزم على الهجوم في الإحساء، وقد خامر الترك بعض الريب في أمره رأى أن يستخدم هذا الجغرافي لإزالة ذلك الريب فيطمئن من الخصم البال ويسير وهو مطمئنًا أيضًا إلى غرضه، فقال له: لا يستطيع أن يجيب طلبك غير الترك في الحسا، فأرى أن نذهب إلى المتصرف هناك وأنا أكتب إليه بخصوصك، وكتب فيما أرسله أن هذا الرجل مجهول لدينا وهو واصل إليكم، فيما ينبغي الراي الموفق إن شاء الله، فرحل "ليتشمن" وبعد قليل شد ابن سعود راجعًا إلى معسكره في الخفس.
وكان جمال باشا يومئذٍ واليًا في بغداد وكان يجامل ابن سعود ويتظاهر بصداقته، فوعده بالسعي في حسم الخلاف بينه وبين الشريف حسين، وسأله أن يرسل مندوبًا إلى بغداد للمذاكرة في هذا الأمر، فأرسل ابن سعود رجلًا من رجاله العصريين وهو أحمد بن ثنيان، ولكن جو السياسة العربية تغير أثناء ذلك، فعندما وصل أحمد بن ثنيان إلى بغداد وجد جمالًا متغيرًا وليس بجمال وسمع منه كلامًا لإجمال فيه ولا حكمة، فعجب ابن ثنيان من تنكر جمال فهو الذي طلب من ابن سعود مندوبًا ولما جاءه قابله بما يكره، وكان من كلامه أن قال ابن سعود لا يعرف مقامه وقد غره أن صفح عنه المشير فيضي باشا، فإذا كان لا يقبل بما تطلبه الحكومة، فإن بإمكاني أن أخترق بلاد نجد من الشمال إلى الجنوب بطابورين لا غير.
والسبب في تغير جمال أنه قد طمع في ابن رشيد وظن أن نجمه سطع، فرجع أحمد بن ثنيان مغبظًا محنقًا من مقابلة جمال وسخفه، وبلغ ابن سعود كلامه وإنه قد قلب ظهر المجن فكتب ابن سعود عندما سمع كلامه كتابًا إلى جمال أرسله بواسطة وكيله في البصرة عبد اللطيف باشا المنديل وفيه هذه الكلمة.
قلتم أنكم تستطيعون بطابورين أن تخترقوا بلاد نجد من الشمال إلى الجنوب ونحن نقول إنا سنقصر لكم الطريق وذلك عن قريب إن شاء الله.
стр. 549
ثم كتب إلى عبد اللطيف المنديل إذا سألك الترك هل أنت مندوب ابن سعود فقل لهم إني عثماني وقد أشار بذلك خشية أن يلحق به ضرر بعد الهجوم على الحساء، ولكن عبد اللطيف باشا لم يعمل بإشارة موكله فلم ينكر أنه نجدي أو وكيل أن سعود، وقد قال للأتراك جهلتم قدر هذا الرجل وها هو الآن يعرفكم بنفسه.
ذكر فتح الإحساء سنة ١٣٣١ ه ـ
لما أراد جلالة الملك السير إلى الحساء أجرى إسبانيا لإبعاد العجمان عن الحساء فضرب لهم موعدًا في الشمال لمحاربة مطير، وقام يعمي أمره عن الطائفتين، هؤلاء يبني لهم بأنه يريد الامتياز للطعام، وهؤلاء ينبي لهم أن يغزوا عدوهم، فذهب هؤلاء الأجلاف يريدون موعده وأخلوا البلد من شوكتهم ذاهبين إلى الميعاد.
وكان لما تجرد هذا الصارم البتار من غمده اشتغل أهل البلد وخافوا من سورته، ولما زحف جد في السير إلى الإحساء فالتقى في الطريق برسول من حكومتها يحمل كتابًا إليه من المتصرف وفيه الرجاء أن يعلمه من أي الجهات جاء الإنكليزي إلى الرياض، فقال ابن سعود للرسول غدًا إن شاء الله أنا بنفسي أعلم المتصرف، ثم سار حتى وصل الحساء ولم يكن معه من أهلها أوله فيها معاونون غير وكلائه أبناء القصيبي ويوسف بن سويلم، فسألهم أن يعلموه بالمكان المناسب للهجوم على الكوت وهو جهة من الهفوف فيها القلعة والحامية، ففعلوا وأعلموه بما هناك من الصعوبات لعلو السور ووجود الحرس فأرسل إليهم يقول أننا هاجمون في هذه الليلة وكل صعب مسهل بحول الله.
وكان عبد العزيز قد نزل على عين من عيون الإحساء تبعد ميلًا واحدًا من الهفوف، فلما كان في الليلة الخامسة من جمادى الأولى والساعة الثالثة ليلًا، خرج من المعسكر بستمائة من رجاله من الحضر وخطب فيهم قائلًا: إننا هاجمون على الترك في الكوت وإننا منتصرون بإذن الله، أمشوا كأنكم بكم إلى غرضكم ولا
стр. 550
تضجوا إذا كلمكم أحد فلا تجيبوه حتى وإن ضربتم بالبنادق ونحن في الطريق فلا تضربوا، أما وقد صرتم في الكوت فحاربوا من حاربكم ووالوا من والاكم، فأما البيوت فلا تدخلوها والنساء لا تدنوا منهن.
قال ذلك ومشى أمامهم فسارعوا على الإقدام تحت ستار الليل وهم يحملون جذوع النخل والحبال، فلما أن وصلوا إلى السور قسمهم ثلاث فرق، فقال للفرقة الأولى: أنتم تسيرون إلى الباب الجنوبي فتقبضون على الحرس وتستولون على الباب وما يليه، وللفرقة الثانية وأنتم تسيرون إلى السرايا على المتصرف فيها فتأسرونه، وللفرقة الثالثة وأنتم تتفرقون في أبراج السور، هذه هي أوامر فاعملوا بها ولا تتعدوها، فقام الناس وحزموا الجذوع بالحبال فصنعوا منها سلمًا تسلقه عشرةً من ذوي الشجاعة والجرأة، ثم رموا بالحبال إلى العساكر، فصعدوا ساكتين ونزلوا إلى الكوت متسللين والحرس يسألون من أنتم فلا يجيبهم أحد، فلما تكامل دخولهم سارت كل فرقة إلى الجهة المعينة لها، ولكن هذا العمل لم يتم بدون ضجة في الحصون والمدينة، ثم فزعت العساكر والأهالي من النوم فاستولت عليهم الخوف والذعر وهم لا يدرون من الهاجم فعلت الأصوات وأطلقت البنادق.
فأمر إذ ذاك صاحب الجلالة عبد العزيز أحد رجاله أن يصعد إلى السور وينادي أن الحكم لله ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن، من أراد العافية فليلزم مكانه، فلما نادى المنادي بذلك استبشر الناس وتهللت وجوههم وجعلوا يهتفون كبارهم وصغارهم أهلًا وسهلًا سمعًا وطاعة، بل جاءوا بالمياه إلى العساكر كأنهم إخوانهم وقد عادوا من سفر، أما عبد العزيز فهو خارج السور فأراد أن يتسلقه فأبى عليه ذلك من بقي من الجنود فهدموا جانبًا من السور فدخل ودخلوا معه.
وكان الحرس قد لجؤوا إلى القلعة وأهل الكوت بعد أن سمعوا صوت المنادي والناس، وقد خرجوا من بيوتهم جاؤوا يراجعون بابن سعود ويعاهدونه على السمع والطاعة والولاء، فلما طلع الفجر جاء بقية الأهالي يبايعون ويرحبون، فأكرم عبد العزيز محسنهم وعفا عن مسيئهم، أما الأتراك فباتوا تلك الليلة بشر ليلة
стр. 551
في حصونهم قابعين، وقد كان لهم أربعة حصون في الهفوف وخارجها اثنان في الكوت، وكوت الإحساء هو حصنها المنيع وما أحاط به من البيوت، وقد بناه الأتراك في استيلائهم عليها سنة ١٠٤٠ هـ بعد انقراض دولة الأجود العقيلي منها، وحصن إلى الجنوب وآخر إلى الشمال، فعندما أبلج الفجر شرعوا يطلقون البنادق والمدافع من تلك الحصون على البلاد فكانت طلقات طائشة فلم نصب أحدًا بل أنصحت عن الذعر والرعب الذي أخذ منهم كل مأخذ.
فلما كان عند الظهر جاء جندي من جنود ابن سعود باسير من الترك وهو ضابط طاعن في السنن فأرسله عبد العزيز رسولا إلى المتصرف وإلى قائد الحامية وقال له: قل لهم يسلمون إذا كانوا يبغون العافية ونحن نؤمنهم ونرحلهم إلى بلادهم، أما إذا أبوا فليستعدوا لقتال سنهاجمهم في مراكزهم ساعة هاجمنا البلد البارحة، فقبل المتصرف والقائد الأمان ثم سلمت الحامية التي كان عددها ألف وخمسمائة جندي، فأذن جلالة الملك لهم بالنزول ولا ننزع عنهم سلاحهم قائلًا لا ننزع من الجند العثماني سلاحه، أما المدافع والذخائر فظلت مكانها في الحصون، ثم جهزهم بالركائب ورحلهم وعائلاتهم وأمتعتهم، فساروا إلى العقير وليس معهم من يخفرهم ويؤمن طريقهم غير رجل واحد من رجال ابن سعود وهو أحمد بن ثنيان رسوله سابقًا إلى جمال باشا، وعندما وصلوا إلى العقير جهزهم أحمد بسفن تقلهم إلى البحرين.
الاستيلاء على القطيف سنة ١٣٣١ ه ـ
لما استولى ابن سعود على الإحساء أرسل سرية إلى القطيف بقيادة عبد الرحمن بن سويلم فلما أن وصل إلى تلك الناحية بادر أهلها إلى التسليم ولم يكن للترك في القطيف غير شرذمة من الجنود ففروا في السفن هاربين.
أما عساكر المتصرف الذي رحلوا من الحساء فعندما وصلوا إلى البحرين بالسفن بعد إكرام ابن سعود لهم وتعظيمهم ومنحهم الزاد والأثاث وبعث من يحرسهم تشاوروا وتراجعوا ووجدوا من يزين لهم الرجوع وإعادة الكرة بأن
стр. 552
يرجعوا إلى العقير ويسترجعوا القصر هناك، وقد ظفر فريق منهم بمركب لآل بسام كان يحمل تمرًا فركبوا فيه وعادوا إلى العقير وهجموا ليلًا على القصر فردتهم الحامية خائبين، ثم هجموا على مركزين آخرين كان في أحدهما ثلاثون رجلًا فهزمهم الأتراك واحتلوا مراكزهم.
فلما بلغ الخبر عبد العزيز وهو في الهفوف ثار مسارعًا إلى العقير فوصلها في الساعة الثانية ليلًا، وكان قد سيّر كوكبةً من الخيل فوجدت عند وصولها أن السرية التي كانت في القصر قد هجمت على الترك في المركز الذي احتلوه فهزمتهم السرية وأسرت منهم ثلاثين فعند ذلك خلي عبد العزيز سبيلهم وأركبهم البحر وصرفهم لأنه غير مكترث لهم، ثم كتب إلى الشيخ عيسى آل خليفة أمير البحرين وإلى الوكيل السياسي لبريطانيا العظمى يحتج على ما بدا منهم، فقال في كتابه: (أيليق بكم تحريض العدو علينا ونحن أصدقاؤكم، فإذا كنتم لا تتلافون مثل هذه الأعمال وتمنعونها فالتبعة فيما قد يعقبها هي عليكم).
فجاءه الجواب من دون بطئ، وفيه أن العساكر ركبوا السفن من البحرين قاصدين البصرة وقد رجعوا إلى العقير دون علم من الحكومة أو الوكلاء، أما الحقيقة فهي أن آل خليفة والوكيل الإنكليزي خشوا أن يتقدم ابن سعود إلى داخل الخليج في فتوحاته، فأقدموا على عمل كان التسرع فيه أظهر من العداء.
ولما تولى جلالة الملك عبد العزيز على الإحساء كان أهلها وقد سئموا من حكم الأتراك لعدم الأمن وكثرة الاضطراب الذي آل بهم أن ظل الرجل لا ينام على فراشه إلا وهو متوسد بندقيته المحشوة اتقاء من الطوارئ.
ثم توجه عبد العزيز إلى القطيف ينظم شؤونه، فأمر فيه عبد الرحمن بن سويلم وهو الذي اختاره لصحبة سامي وجنوده المتقدمين وجعل على الإحساء أميرًا فيها عبد الله بن جلوي أمير بريدة، وهذان الرجلان من كبار رجاله للبسلاء، فصارا في تلك الناحيتين وأصبحت تلك الجهات آمنة مطمئنة تحت رعاية صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل وفي ظل الله ثم ظله، وكانت مدة ملك الأتراك
стр. 553
للإحساء والقطيف وأطرافهما المرة الأخيرة أربعًا وأربعين سنة, لأن ولايتهم عليها كانت ١٢٨٨ هـ.
وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان قصيدة في ذلك تهنئةً للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن لما فتح الله على يديه الإحساء والقطيف:
بهجرٍ أضاء الفجر واستعلن الرشد ... وناء على آطامها الطالع السعد
وقد كان أهلوها بأسوء حالةٍ ... وقد فتحت للكفر أعينه الرمد
وكانت قضاة السوء تصرخ جهرةً ... بتمجيد عباد القبور وهم ضد
وتمجيد ضباط لهم وعساكر ... فبعًا لهم بعدًا وسحقًا لمن ودوا
وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... فهم للهدى ضد وللأشقياء جند
وقد أظهر الأرفاض فيها شعارهم ... ومدوا يدًا نحو العلى وبها امتد
وفيها الخنا والخمر والزمر ظاهرٌ ... وما ليس محصورًا وليس له عد
وقد كان فيها للضلالة والردى ... مقرٌ وفيها للهوى صادحٌ يشدو
وقد كان فيها للملاهي ملاعبٌ ... وحاد على أعقاب أربابها يحدو
وأحكام أهل الكفر تجري بسوحها ... وقانونهم يعلو بها ظاهرًا يبدو
فناءٌ بها يعد السعود فأسفرت ... بآل سعود هجر وافتخرت نجد
وأقلع عن هجر دياجير ما سجى ... من الكفر والأرفاض حل بها النكد
وأصبح من فيها محبٌ وناصحٌ ... ينادي ألا أهلًا بكم أيها الجند
فقد طالما كنا بأيدي عداتنا ... أذلاء والأعداء يسمو لهم جد
وهم قد أخافونا بها وتغلبوا ... يسوموننا خسفًا ويعلوا بها الضد
فقوضَّ عنا الغي والبغي والأسى ... وأهل الردى والفحش فاستعلن الرشد
وزال قتام الكفر عنا وأشرقت ... شموس الهدى والحق في الخلق ممتد
وأضحت بهجرٍ شرعة الحق تجتلي ... وقانون أهل الكفر حل به النكد
وقد أشرقت فيها شموسٌ ذوي الهدى ... وحالت بحمد الله أحوالها الكمد
فيا من بها من عصبة الدين والهدى ... ليهنكم الإقبال والعز والمجد
стр. 554
فشكرًا بني الإِسلام قد رجعت لكم ... بناكرةٌ من بعد أن يئس اللد
وقد ظن قومٌ أنها دولةٌ مضت ... وليس لما قد فات عودٌ ولا رد
فقد عاد ما قد فات غضًا كما بدا ... فلله مولانا على ذلك الحمد
وذلك من فضل الإله ومده ... فمن جوده الحسنى ومن فضله المد
وقد كان ما أجراه فضلًا ونعمة ... ولله من قبل الأمور ومن بعد
بمهد هزبر المعي مهذبٌ ... يقول أسودًا في الحروب بها جرد
وغيضٌ على أعداء دين محمَّد ... وأحزابهم ممن عن الدين قد ندوا
أتاهم بها إذ غاب نجم مشعشع ... وقائده الإقبال والعز والسعد
لسبعٍ من الساعات في غسق الدجا ... وقد هجع الأحراس والترك والجند
فما راعهم إلا وآساد جنده ... قد اقتحموا فيها وما مسهم نكد
وصاحوا بها من كل قطرٍ وجانبٍ ... شعارهم التهليل والذكر والحمد
وقد ملكوا أبوابها وبروجها ... ومن كل نهجٍ نحو أعدائها تعد
يقودهموا ليثٌ همامٌ سميدعٌ ... أبي وفيٌّ فاتك إن عثى الضد
يخوض عباب الموت والموت ناقعٌ ... إذا اشتعرت نارٌ لها في الوغى وقد
ويركب قوله الخطب والخطب معضلٌ ... وقد هابه الأبطال رعبًا وبد ندوا
هو الملك السامي إلى منتهى العلى ... وقد أمه في نيلها الطالع السعد
إمام الهدى عبد العزيز الذي به ... تضعضعت الأملاك واستعلن الرشد
لقد فاق أبناء الزمان وفاقهم ... بعفوٍ وإقدامٍ وساعده الجد
فيا أيها الغادي على ظهر جلعدٍ ... عرندسةٍ ما مسها دهرها جهد
تجوب فيافي البيد وخدا ومسئدا ... وما نقبت أخفاقها عندما تخد
تحمل هداك الله مني تحيةً ... هدية مشتاقٍ أمضى به الوجد
وأورى به من لاعج الشوق جذوةً ... ولكنه قد عاقه النأي والبعد
وخامره من نشاءة البشر نشوةٌ ... وفي قلبه سكر من البشر ممتد
إلى الملك الشهم الهمام أخي الندى ... مذيق العدى كأس الردى عندما يعد
стр. 555
ومن أصله الجد الموئل والعلى ... ومن جوده الجدوى لمن مسه الجهد
فأبلغه تسليمًا كأن أريحه ... شذى المسك لما ضاع نشره الند
ونادى بأعلى الصوت عند لقائه ... بمجلسه الأسنى الذي حفه السعد
ليهنك يا شمس البلاد وبدرها ... بلوغ المنى لا تسامى بك المجد
ونال بك الإِسلام فخرًا ورفعةً ... وعزت بك الإحساء واستعلن الرشد
وذلت بك الأعداء من كل فاجرٍ ... وكل كفورٌ دينه الكفر والجحد
ثم أطال الشيخ سليمان بمديح جلالة الملك والثناء عليه وبذل النصيحة له، وقد اقتصرنا منها على بعضها خشية الإطالة.
وقال الشيخ الأديب حسين بن علي بن نفيسة مهنئًا صاحب الجلالة عبد العزيز في هذا الفتح للإحساء والقطيف:
لك الحمد ما هلَّ السحاب المراك ... فأنت الذي تؤي وتولى وتكرم
فما أحد إن جدت بالفضل مانع ... ولا معطي إلا أنت بالخلق أرحم
لك الشكر لا نحصيه والمجد كله ... لك المن والإحسان ما ذاك يكتم
لك الجود يا معبود يا غاية المنى ... لك البر يا بر رحيم مسلم
أيا صاحٍ حق الوعد من ربنا لنا ... وقد بلغ المأمول من هو أحزم
إمام التقى ليث اللقاء الذي ارتقى ... ذرى المجد حتى احتازها وهي سنم
فناد جميع المفئدين بمدحه ... وقل جددوا أشعاركم وترنموا
فهاك نسيبي وهو أرجى بضاعةً ... ولكنها بالحمد والشكر تعلم
أتعرف إطلالًا بحزوى دوارسًا ... تغير منها كلما كنت تعلم
وأضحت من السمار قفرًا بلاقعًا ... وأقوت فما ينبيك عنها مكلم
فلم يبقَ إلا موقد النار حوله ... رواكد أمثال الحمائم جثم
عهدت بها الحي الجميع فبددت ... صروف النوى سكانها فتقسموا
وقفنا نسح الدمع فيها عشيةً ... ونسأل عن أضعانهم أين يمموا
ليالي أقتاد الهوى ويقودني ... ووصل العذاري بيننا ليس يفصم
стр. 556
وقد ساعدت بالوصل سعدي وأومأت ... سليمًا بأطراف البنان تسلم
وخولةٌ خالت بارق الشوق فأرعوت ... واسمًا سمت بالود فالود يعلم
دقاق المثاني والخواطر والحشى ... تعلقهن القلب فالصب مغرم
حسان الوجوه والثغور لئالي ... يعز على لماحهن التوسم
عقائل من أبناء بكر ابن وائل ... كرامٌ فما أنسابهن تذمم
فمن لي بتلك الغانيات وما جرى ... من الأنس والعيش الذي ليس يسأم
أحب شبيهات المها غير أنني ... بذكرك يا بدر الزمان متيم
فبشراك يا عبد العزيز بهذه ... هي المنة العظمى عسى لك تسلم
منيحة أقوامٍ كثيرٌ فطمتهم ... عليها بكى تركٌ وبدوٌ وأروم
هنيئًا لك الملك الذي قد أتاكه ... إله السما والأرض من هو أعلم
بما كان تخفيه الصدور من الأذى ... فإن أبرموا أمرًا فربك يبرم
ولا غرو إن ملكتم الخط والحساء ... تلائدكم كانت نزائع منكمو
فعادت كما كانت فللشكر جددوا ... فأولاكم مولاكم إذ صبرتم
حلفت يمينًا غير ذي مثنوية ... وما كنت قبل اليوم بالحنث أتهم
لما مهدت في المهد مثلك حرةً ... وما تبع الجيش الخميس العرمرم
بأسطى ولا أمضى على الهول واللقا ... وإن نقدوا رأيًا فرأيك أعزم
إذا كان مالا يستطاع دفاعه ... وحاولته نقضت ما منه مبرم
إذا هدأت عنك العيون فجأتها ... فأرويت زند الحرب والناس نوم
فأنت لعمري فارس الخيل في الوغى ... وأنت شهاب الليل والليل مظلم
تجشمت أهوال الظلام على العدى ... فطارت طيور العز والسعد عنهم
وأصحابك الفتاك أسد الشرى الذي ... لحوض المنايا واردين وحوم
تسورتم الأسوار لله دركم ... فيا حبذا من كان منكم وفيكم
فإِما شهيدٌ قد تلقته رحمةً ... وإِما سعيدٌ فائزٌ ومغنم
فلا تنسَ أهل الجذع واعرف مقامهم ... وأنت بحال الجند أدرى وأعلم
стр. 557
فهذا هو الفتح الذي رفعت به ... منازل أقوامٍ وقومٌ تندموا
وهذا هو الفتح الذي فتحت به ... بصائر أهل الدين إذ خصمهم عموا
وهذا هو الفتح الذي لم يكن جرى ... سلمتم وكوفيتم معًا وغنمتم
قهرتم بغات الترك وسط حصونها ... فما سلموا حتى جرى منهم الدم
وهذا هو الفتح الذي عاد مثله ... به انخفض الطغيان والحق يبسم
به ذهب القانون والحاكمون به ... وولت فعال الشرك والكفر معهم
فأصبح مناج الشريعة واضحًا ... وأضحى الخنى والفسق بالحق يحسم
فيا دولة الأتراك لا عاد عزمكم ... علينا وفي أوطاننا لا رجعتم
ملكتم فخالفتم طريق نبينا ... وللمنكرات والخمور استبحتم
جعلتم شعار المشركين شعاركم ... فكنتم إلى الإشراك أسرع منهم
تزودتموا دين النصارى علاوةً ... فرجسًا على رجسٍ عظيمٍ حملتم
فبعدًا لكم سحقًا لكم خيبةً لكم ... ومن كان يهواكم ويصبو إليكم
فذاك من الركان في وحي ربنا ... أَلا إِنه ممن تمس جنهم
فيا أهل هجر هاجروا في دياركم ... فهذا هو الحظ الذي لا يقوم
أتاكم بها نجل الكرام نقيةً ... حقيقة دين المصطفى فلها ألزموا
صراطٌ سوى عنه لا تتفرقوا ... إلى سبل إِن تتبعوها ضللتم
فأمسيتم للكفر فيكم دعائمٌ ... وأصبحتموا الإِسلام ثوب عليكم
لكم ما يكن للمسلمين من العطا ... وإن عليكم ما يكون عليهم
ولكن بشرط السمع منكم لأمره ... وطاعة مأمورٍ يولى عليكم
وداووا جرحات القلوب بتوبةٍ ... تجب الذي أسلفتموا واقترفتم
فإن كنتم استجمعتموا يوم زينةٍ ... ورقصٌ وتصفيقٌ له قد حضرتم
فحيا لقال الله قال رسوله ... وللصلوات بادروا وتقدموا
فقد جائكم من زِيدَ في العلم بسطةً ... وفي الجسم مشهورٌ هو أفضل منكم
يحيامي على التوحيد إذ كان دينه ... سيتلى عليكم فافهموا وتعلموا
стр. 558
ويثبت في التنزيل ما كان مثبتًا ... وبالسنة الغراء يحل ويحرم
هما أثبتا أن المهيمن بائن ... من الخلق فوق العرش والله يحكم
بإعزاز أقوامٍ وإذلالٍ ضدهم ... فهذاك مسلوبٌ وهذا مقدم
وهذاك محرومٌ من البسط والعطا ... وهذاك مكسورٌ وهذا مقوم
يدبر تدبيراته في سمائه ... فهذاك مرحومٌ وهذاك ينقم
فلا ملك إلا وهو لله وحده ... فإن شاء بنا عزًا وإن شاء يهدم
قضى أن يولي خيرنا وابن خيرنا ... عليكم فهذي نعمةٌ قد كسبتم
حفيدٌ فريد العصر هذاك فيصلٌ ... عليه سلام الله وقفًا محتم
لقد جد في إظهار دين نبينا ... وآوى الذين للحنيفي ينتموا
إِمام التقى والجود أما نهاره ... فبذل وأما الليل لله محرم
وهل يزكونَّ الفرع إلا إذا زكت ... مغارسه والفضل بالفضل يعلم
هم شرفت أجدادهم وجدودهم ... هم عرفوا المعروف والشرع قدموا
ودونك شطرًا قاله خير شاعرٍ ... وأحسن فيما قاله المتقدم
حنيفيةً في دينها حنيفيةٌ ... فأَحسابهم أعلى وأذكى وأكرم
حييون بذَّالون في الآمن أبحرٌ ... وأمواجها بالجود تطمى وتلطم
فصيحون إن قالوا يهابوا إن أضربوا ... بأنديتهم تلفي بدورًا وأنجم
شديدون قتالون في الهول جربوا ... ليوثً على الأعداء تعدوا فتلحم
إذا لقحت حرٌ عوانُ مضرةٌ ... ترى خصمهم حين اللقى يتحطم
فسادوا وقالوا بل وفادوا وفودوا ... مغانم في الأقوام تحذى وتقسم
وإن أجحفت بالناس عبر سنينهم ... ولا مالٌ إلا عند من كان يحدم
هنالك هم غيث المساكين بالندى ... ومطعمهم دأبًا مدى الدهر يطعم
هم الناس ينقاد الورى لأمرهم ... وإن ذكروا أهل العلى ذكروا هم
فمن رام خذلانًا لهم أن تنقصًا ... فسوف يولي الظهر والجمع يهزم
وبالأئمي في حبهم ومديحهم ... تزحزح قصيًا أن قولك مأثم
стр. 559
فليس الجبال الشم مثل حزونها ... ولا من يقل جدًا كمن يتهكم
وقد أتينا بغالب القصيدة وحذفنا بعضها خشية الإطالة، ولولا ضيق المجال لأتينا بقصيدةٍ جادت بها قريحة الشاعر محمَّد بن عبد الله بن عثيمين، ولكننا نحيل القارئ على ديوانه.
وفيها ولد الأمير خالد بن عبد العزيز نجل جلالة الملك وكان شقيقًا لمحمدٍ وأخوالهما آل جلوي، وكان ممتازًا برجاحة العقل على غالب أبناء جنسه.
وفيها توفي الشيخ العالم مفتي الوشم في وقته علي بن عيسى رحمة الله عليه، وكانت وفاته في شهر رمضان منها.
رجعنا إلى ذكر فتح الإحساء وما ألانه الله لهذا الملك العاهل المقدام من الأمور الصعاب فنقول؛ كان على الحليج إلى الشرق والجنوب من البحر رأس من الأرض محاذ لشاطئ العقير وهو قطر بلاد قاسم بن ثاني شيخ الأمراء يومئذ سنًا وجاهًا؛ وقد حاول قاسم مرارًا أن يخرج الترك من الحسا، فلما فاز ابن سعود ذلك الفوز عري قاسمًا هزة عظيمة حركت سواكنه لأمور شتى منها خوفه على إمارته فقد أصبح الفاتح جاره الأدنى الذي وإن كان صديقًا صادقًا غير أن الملك عقيم؛ فلما أن رأى ابن سعود على أبوابه انقلب بعد أن كان من أكبر المحبين له وغضب غضبة شعواء؛ فكتب إليه كتابًا شديد اللهجة يحذره ويهدده ويلومه على أخذه الإحساء، ولكن الحمام عاجله قبل أن يتلقى الجواب فانتقل إلى رحمة الله تعالى وتوفى في عاشر شعبان من هذه السنة، وهذه ترجمته:
هو الأمير الجليل قاسم بن محمَّد بن ثاني شيخ قطر الورع الزاهد التقي الفصيح البليغ الحنبلي كان جواد مبذالًا عالمًا بالعلوم الدينية والفقهية، ولد ﵀ سنة ١٢١٦ هـ وعاش مائة وخمس عشرة سنة تزوج تسعين إمرأة وبعدد من الجواري، وكثر له النسل الإنساني فكان له من الأولاد والأحفاد وأبناء الأحفاد ذكورًا وإناثًا ما لا يصدق به كثرة، فقد قيل أن الذين يركبون معه إذا ركب ستون فارسًا في موكبه كلهم من صلبه ولم يكن سيدًا في غير عشيرته، فلما تم له خمسون
стр. 560
من العمر جعل يدعو العشائر كلها إلى الاستقلال فلبت دعوته وبعد وقعات عديدة برية وبحرية مع أهل البحرين وكسرات وغلبات حازت قطر استقلالها وكادت تستولي على البحرين، وكذلك أيضًا حارب الترك فكسرهم في عدة وقعات وقتل منهم عددًا كبيرًا ولكنه لم يتمكن من إخراجهم من الحساء.
وكان مولعًا بكثرة النكاح وتجارته باللؤلؤ فكان له خمس وعشرون سفينة للغوص ويجمع المال من هذه التجارة ويبذله في سبيل البر والإحسان.
ومن إحسانه أنه كان ولوعًا في جمع العبيد وعتقهم، قيل أنه أعتق في حياته أكثر من خمسين عبدًا، وأن مماليكه الأحرار أسسوا بلدة في قطر سموها السودان، وعاش ﵀ قرنًا ويزيد في قطر فكان أميرها وخطيبها وقاضيها ومفتيها والمحسن الأكبر فيها، وقد رثاه لما مات الشعراء وأثنوا عليه، قال الشيخ حسين بن علي بن نفيسة يرثي قاسم بن محمَّد بن ثاني، فقال هذه مرثية في شمس الفضائل ومنتهى الأماني الشيخ قاسم بن محمَّد بن ثاني مؤيد الدين وحتف المعتدين شيخ قطر المتوفى في ١٠ شهر شعبان سنة ١٣٣١ هـ:
لمن طلل أمست به الهوج تنسف ... عفى وخلا ممن نحب ونألب
وأحني عليه الحين بعد أنيسه ... فناح غراب البين بالبين يهتف
فلم نستبن من آيةٍ غير أورق ... عليه مطايا القدر جثم وعكف
كأن لم يكن للخرد البيض مأتما ... ولا اختلف فيه ضباءٌ وأخشف
كواعب أتراب يشاكلن بألبها ... بدور شهورٍ حين أيامٌ تنصف
ولا سماء ماء الرضاب كأنه ... جنى النحل أو إبكار كرم تقطف
ثقيلات إعجازٍ دقيقاتٍ أخصرٌ ... ويبسمن عن منضودٍ در يضعف
فروعٌ تحاكي الليل والشمس تحته ... فما الليل ممتازٌ ولا الشمس تكسف
فهيهات لا ما فات بالأمس راجعٌ ... فقم نبك من بالفضل والبذل يعرف
فآهٍ وآهٍ بعد قاسمٍ ذي الندى ... مجيب الندى للصارخ إذ يتلهف
حنانيك من للدين أرسى دعائمًا ... لطلابه يقرى ويثرى ويكهف
стр. 561
فيا أيها القمري في الدوح غنني ... فهذا أوان النوح إن كنت تسعف
وقائلةٍ ما بال دمعك لم يزل ... يسح على خديك دئبًا ويذرف
أرى منك حال الحال عما عهدته ... فماذا الشجي ماذا الأسى والتأسف
فقلت لها والقلب مني كأنه ... بأشراك صيادٍ به يتصرف
ذريني وما أملت مني صبابةٌ ... عداك هزالي والهوى والتترف
لك الويل لا تلحي علي فإنني ... رأيت العلي بنيانها يتقصف
دعيني فلا والله ما بعد قاسمٍ ... لآمل جدوى أو طريدٍ يخوف
إلى من له تأوى العناة وتجتري ... إلى من تسير اليعملات وتوجف
إلى من له أهل المغارم ترتجي ... وعان ثوى فيقيده فهو يرسف
فكم أدركوا ما أملوا غير مرةٍ ... إذا قصدوه فولوا ثم أتحفوا
تعزي عليه المكرمات لأنه ... مدى دهره فيها شجٌ ومكلفٌ
بإحيائها في كل حينٍ وساعةٍ ... تراه بها مستغبطًا يتشرف
أبوها أخوها عمها خالها الذي ... لها سابق جل الورى مذ تخلفوا
ترعرع فيها ثم كانت طباعه ... فما هو عن أسبابها متوقف
فيا قطرًا أظلمت إذ فاتك البهاء ... وإذ منك ولَّى مربعٌ ومصيف
لقد زانك الشيخ الذي قد رثت له ... وفودٌ وأضيافٌ وسيفٌ ومنسف
هو المصمعل المشعمل بهمةٍ ... تكاد إذا استعلت على البدر يكسف
هو البحر لا تطمع به وهو هائجٌ ... وفي رهوه إن غصت للدر تصدف
هو الليث في الهيجا بل الليث دونه ... وكالغيث إن يزوى من الناس أعجف
فخذ منه ما أملته في يوم أنسه ... وإياك واليوم الذي فيه يأنف
قريبٌ إذا سالمته متهللٌ ... بعيدٌ إذا حاربته يتخوف
وذي لجبٍ في وسطه الخيل شزب ... له الوحش تبرى والطيور ترفرف
إذا نابه أمر أشار فأقبلوا ... ألوفٌ لأدني أمره تتألف
إذ أوغلوا في الحرب فهو رئيسهم ... وقائدهم بل زائدٌ ومشرف
стр. 562
ويوم إذا حمي الوطيس وأقدت ... قدور المنايا بالرجال توثف
تجده أمام القوم يحمي حماتهم ... بغضب يمان للجماجم يقطف
لبيبٌ لأهل الخير رحبٌ فناؤه ... حبيبٌ لدى زواره يتلطف
تقيٌ نقيٌ طاهر العرض أوحدٌ ... زكيٌ سخيٌ بالمساكين يرأف
منيبٌ وآواه خؤف لربه ... وبالله أدرى وهو لله أخوف
مآثره كالشمس في رونق الضحى ... وإحسانه ما زال ينمو ويقطف
يقات به أهل التقى في ديارهم ... وكل غريبٍ قادمٍ يتحنف
من الله يرجو يوم تبلى سرائرٌ ... بيومٍ به كل الصحائف تكشف
فهذا هو الصدق الذي قد علمته ... وإن غيروه الحاسدون وسوفوا
على رسلكم أهل الثبور والقلى ... فكلكم قوال زورٍ ومسرف
إذا لم تنالوا حظه صار حظكم ... أباطيلٌ وبهتانٌ ومين تزخرف
فحتى متى لا تتقون إلهكم ... وتولوا ذكرًا للجميل وتنصفوا
فيا لهف نفسي بل ويا عظم لوعتي ... عسى الله بالآمال والحال يلطف
لقد كان حظي يسبق الناس موفرًا ... فمذ بأن نجم الوقت فهو مخلف
فإني لباكيه وإني لصادقٌ ... فما القلب مرتاحٌ ولا الدمع ينزف
رضينا بما يرضى الإله لنا به ... ولله في تدبيره هو أعرف
فلا عيبَ فيه غير أن كان ماله ... على ضعفاء المسلمين يوقَّف
حنانيك لا ننفك نذكر قاسمًا ... بحسن التي ما دامت العين تطرف
عليه سلام الله ما ذعذع الهوى ... وما دام ضوء الصبح لليلٍ يكشف
وجاد على رمسٍ تضمن جسمه ... بصيب عفو ما بقى الدهر ينطف
لإِن زال منه الشخص فالحمد لم يزل ... تورثه قرم بصير وينصف
هو الفرع عبد الله من شهدت له ... أياديه إذ تهمي الجميل وتزعف
فأنعم به في حفظه أصل دينه ... لقد كان حرى للصوب وأضرف
وليس فضول القول تنطق عنده ... وأما يقل قولًا فبالحق يقذف
стр. 563
فتىً لا يخاف الموت والحرب لائجٌ ... ولكن يخاف أن يقول فيخلف
فأنعم به والليل مرخٍ سدوله ... وأنعم به والخيل بالنبع تحذف
لباغي القرى المضطر من نصب السرى ... وآخر مكروب به القوم طوف
فلست بمحصٍ فضله إن كتبته ... ولو أن نفسًا بالمحابر ينشف
بني قاسم الهدى رثائي إليهم ... ومنظوم قولٍ طيب جين يرشف
لأنهم أجواد دهري وإنهم ... فرات فلم يظمأ الذي منه يغرف
قديمًا لهم مجدٌ طريفٌ وتالدٌ ... لهم يهتدي الطراق والريح زفرف
هم الناس فيهم خصلةً لا لغيرهم ... لأضيافهم منهم مغيم وملحف
ولولا قريض الشعر ما كان يعلموا ... ينات العلى من أين تؤتى وتعرف
قيود اللهي سبك القوافي فدونكم ... من اللؤلؤ المنضود ما هو أشرف
هي القرض أقرضنا وقد بشر الرجاء ... بأن قد يرد القرض غضا ويضعف
وأزكى صلاة الله مع سلامٌ على الذي ... به أضحت الأصنام تمحى وتنقف
كذا آله والصحب ما لاح كوكبٌ ... وما طاف حجاجٌ ولبوا وعرفوا
وقد قيل أن وفاته في شوال من هذه السنة، وقال الشاعر الفصيح المنطق محمَّد بن عبد الله بن عثيمين يرثا الفقيد المترجم لما فجع يفقده لأنه كان أسير فضله والراتع في ظل رفده رحمة الله عليهما:
برغم المعالي فارق الدست (١) صاحبه ... وثلت عروش المجد وأنهد جانبه
وأضحت بنو الآمال سهمًا وجوهها ... تقلب طرفًا خاشعًا ذل حاجبه
تقول إلى من نطلب العرف بعد ما ... على قاسم المعروف بنيت نصائبه
مضى كأقل الأيتام في كل شتوةٍ ... وموئل مس ضاقت عليه مذاهبه
أقول لناعيه إلى تجاوبًا ... بفيك الثرى لم تدر من أنت ناديه
стр. 564
نعيت امرأً للبر والدين سعيه ... وللجود والمعروف ما هو كاسبه
فيا قاسم المعروف للبأس والندى ... وللخصم مشتطًا على من يطالبه
ويا قاسم المعروف للطارق الذي ... من الزاد قد أصبحن صفرًا حقائبه
ويا قاسم المعروف للملتجي الذي ... تحاماه من عظم الجناية صاحبه
وللمرهق المكروب يفرخ (١) روعه ... إذا أسلمته للخطوب أقاربه
وللجحفل الجرار يهدي رعيله ... إلى كل جبار أبي يشاغبه
هو المانع الخصم الألد مرامه ... وإن رام منه معضلًا فهو سالبه
فقل للجياد المشمعلات لاحها ... تجاوز غيطان الفلا وسياسيه
على قاسمٍ فأبكى طويلًا فإنه ... فتاك إذا ما استخشن السرج راكبه
إذا ما رمى المرمى البعيد ذر عنه ... به ناجيات زاملتها شوازبه
جحافل سهلن الروابي فأصبحت ... سباسب مما بعثرتها كتائبه
إذا نشرت أعلامهن تحدبت ... بأرجائها صيد الملوك تراقبه
فما مشرق الإله فيه وقعةٌ ... ولا مغربٍ إلا أرنت نوادبه
أقول لقلبي حين جدَّبه الأسى ... وللجفن لما جرفته سواكبه
تعز بما عزيت غيرك أنه ... طويل أسى من أودع اللحد غائبه
هو الدهر يستدعي الفناء بقائه ... وتستصغر الخطب العظيم مصائبه
له عشرةً بالمرء لا يستقيلها ... إذا ما أنيخت للرحيل ركائبه
أباح حمى كسرى بن ساسان صرفه ... فلم تستطع عنه الدفاع مرازبه
وكر على أبناء جفنةَ كرةً ... سقاهم بها كأسًا ذعافًا مشاربه
وأعظم من هذا وذاك مصيبةً ... قضى النحب فيها المصطفى وأقاربه
هم الأسوة العظمى لمن ذاق غصةً ... من الدهر أو من أجرضته نوائبه
стр. 565
بني قاسم إن كان أودعتم الثرى ... أبا طرزت برد المعالي مناقبه
فخلوا الهوينا واجعلوا الرأي واحدًا ... فيخشاكم نائي البلاد وصاقبه
وألقوا مقاليد الأمور لما جد ... أخي ثقة قد أحلمته تجاربه
بعيد الذي لا يدرك النبث (١) غوره ... أبي على الأعداء محض ضرائبه
أبا حمد لولاك كان مصابه ... على الناس ليلًا لا تجلي غياهبه
سقى الله قبرًا ضم أعظم قاسم ... من العفو شؤبوب رواه سحائبه
وثن إلهي بالصلاة على الذي ... سمت في مقامات الكمال مراتبه
كذا الآل والأصحاب ما ناح طائرٌ ... بأفنان ودح تستميل ذوائبه
ورثاه أيضًا شاعرنا المذكور بأخرى تذكر مطلعًا وهي قوله:
ترى من حنيني كان شدو الحمائم ... ومن أدمعي كان استقاء الغمائم
فلا غروان انطلقت بالشجو صامتًا ... وأبكيت حتى راتعات السوائم
فقد جل هذا الخطب متى تدكدكت ... لموقعه شم الجبال المعالم
وحتى هوى بدر الدجنة واكتست ... له ظلمة زهر النجوم العوائم
لعمرك ما يوم قصى فيه قاسم ... على الناس الأمثل يوم التزاحم
مضى هضبة الدنيا وبدر دجاها ... وفارسها المسشهور عند التصادم
ولا نطيل بذكرها فعلى من أحب مراجعتها أن ينظر في ديوان الناظم.
وفي أخر هذه السنة رجع الملك عبد العزيز إلى الرياض وذلك في وقت الخريف وقدم من البصرة عبد اللطيف باشا المنديل منتدبًا من الحكومة العثمانية للتوسط بالصلح بينها وبين فاتح الإحساء، فقبل عبد العزيز التوسط وأجّل النظر في المسألة إلى الربيع.
وكان ابن سعود كبير القلب واسع النظر عظيم الاطلاع، فأخذ يفكر فيما يبيتون له من الكيد وما ينصبون له من الأشراك, لأنه لما انتصر عليهم واستخلص الإحساء من براثنهم وانتزع نفوذهم من تلك الجهد أيقن بأن تركيا سوف لا تسكت عن حربه ولا تدعه وشأنه، لا سيما وقد كان لا يزال لها في الحجاز قوة