← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فيا أيها القمري في الدوح غنني ... فهذا أوان النوح إن كنت تسعف وقائلةٍ ما بال دمعك لم يزل ... يسح على خديك دئبًا ويذرف أرى منك حال الحال عما عهدته ... فماذا الشجي ماذا الأسى والتأسف فقلت لها والقلب مني كأنه ... بأشراك صيادٍ به يتصرف ذريني وما أملت مني صبابةٌ ... عداك هزالي والهوى والتترف لك الويل لا تلحي علي فإنني ... رأيت العلي بنيانها يتقصف دعيني فلا والله ما بعد قاسمٍ ... لآمل جدوى أو طريدٍ يخوف إلى من له تأوى العناة وتجتري ... إلى من تسير اليعملات وتوجف إلى من له أهل المغارم ترتجي ... وعان ثوى فيقيده فهو يرسف فكم أدركوا ما أملوا غير مرةٍ ... إذا قصدوه فولوا ثم أتحفوا تعزي عليه المكرمات لأنه ... مدى دهره فيها شجٌ ومكلفٌ بإحيائها في كل حينٍ وساعةٍ ... تراه بها مستغبطًا يتشرف أبوها أخوها عمها خالها الذي ... لها سابق جل الورى مذ تخلفوا ترعرع فيها ثم كانت طباعه ... فما هو عن أسبابها متوقف فيا قطرًا أظلمت إذ فاتك البهاء ... وإذ منك ولَّى مربعٌ ومصيف لقد زانك الشيخ الذي قد رثت له ... وفودٌ وأضيافٌ وسيفٌ ومنسف هو المصمعل المشعمل بهمةٍ ... تكاد إذا استعلت على البدر يكسف هو البحر لا تطمع به وهو هائجٌ ... وفي رهوه إن غصت للدر تصدف هو الليث في الهيجا بل الليث دونه ... وكالغيث إن يزوى من الناس أعجف فخذ منه ما أملته في يوم أنسه ... وإياك واليوم الذي فيه يأنف قريبٌ إذا سالمته متهللٌ ... بعيدٌ إذا حاربته يتخوف وذي لجبٍ في وسطه الخيل شزب ... له الوحش تبرى والطيور ترفرف إذا نابه أمر أشار فأقبلوا ... ألوفٌ لأدني أمره تتألف إذ أوغلوا في الحرب فهو رئيسهم ... وقائدهم بل زائدٌ ومشرف

стр. 562

ويوم إذا حمي الوطيس وأقدت ... قدور المنايا بالرجال توثف تجده أمام القوم يحمي حماتهم ... بغضب يمان للجماجم يقطف لبيبٌ لأهل الخير رحبٌ فناؤه ... حبيبٌ لدى زواره يتلطف تقيٌ نقيٌ طاهر العرض أوحدٌ ... زكيٌ سخيٌ بالمساكين يرأف منيبٌ وآواه خؤف لربه ... وبالله أدرى وهو لله أخوف مآثره كالشمس في رونق الضحى ... وإحسانه ما زال ينمو ويقطف يقات به أهل التقى في ديارهم ... وكل غريبٍ قادمٍ يتحنف من الله يرجو يوم تبلى سرائرٌ ... بيومٍ به كل الصحائف تكشف فهذا هو الصدق الذي قد علمته ... وإن غيروه الحاسدون وسوفوا على رسلكم أهل الثبور والقلى ... فكلكم قوال زورٍ ومسرف إذا لم تنالوا حظه صار حظكم ... أباطيلٌ وبهتانٌ ومين تزخرف فحتى متى لا تتقون إلهكم ... وتولوا ذكرًا للجميل وتنصفوا فيا لهف نفسي بل ويا عظم لوعتي ... عسى الله بالآمال والحال يلطف لقد كان حظي يسبق الناس موفرًا ... فمذ بأن نجم الوقت فهو مخلف فإني لباكيه وإني لصادقٌ ... فما القلب مرتاحٌ ولا الدمع ينزف رضينا بما يرضى الإله لنا به ... ولله في تدبيره هو أعرف فلا عيبَ فيه غير أن كان ماله ... على ضعفاء المسلمين يوقَّف حنانيك لا ننفك نذكر قاسمًا ... بحسن التي ما دامت العين تطرف عليه سلام الله ما ذعذع الهوى ... وما دام ضوء الصبح لليلٍ يكشف وجاد على رمسٍ تضمن جسمه ... بصيب عفو ما بقى الدهر ينطف لإِن زال منه الشخص فالحمد لم يزل ... تورثه قرم بصير وينصف هو الفرع عبد الله من شهدت له ... أياديه إذ تهمي الجميل وتزعف فأنعم به في حفظه أصل دينه ... لقد كان حرى للصوب وأضرف وليس فضول القول تنطق عنده ... وأما يقل قولًا فبالحق يقذف

стр. 563

فتىً لا يخاف الموت والحرب لائجٌ ... ولكن يخاف أن يقول فيخلف فأنعم به والليل مرخٍ سدوله ... وأنعم به والخيل بالنبع تحذف لباغي القرى المضطر من نصب السرى ... وآخر مكروب به القوم طوف فلست بمحصٍ فضله إن كتبته ... ولو أن نفسًا بالمحابر ينشف بني قاسم الهدى رثائي إليهم ... ومنظوم قولٍ طيب جين يرشف لأنهم أجواد دهري وإنهم ... فرات فلم يظمأ الذي منه يغرف قديمًا لهم مجدٌ طريفٌ وتالدٌ ... لهم يهتدي الطراق والريح زفرف هم الناس فيهم خصلةً لا لغيرهم ... لأضيافهم منهم مغيم وملحف ولولا قريض الشعر ما كان يعلموا ... ينات العلى من أين تؤتى وتعرف قيود اللهي سبك القوافي فدونكم ... من اللؤلؤ المنضود ما هو أشرف هي القرض أقرضنا وقد بشر الرجاء ... بأن قد يرد القرض غضا ويضعف وأزكى صلاة الله مع سلامٌ على الذي ... به أضحت الأصنام تمحى وتنقف كذا آله والصحب ما لاح كوكبٌ ... وما طاف حجاجٌ ولبوا وعرفوا وقد قيل أن وفاته في شوال من هذه السنة، وقال الشاعر الفصيح المنطق محمَّد بن عبد الله بن عثيمين يرثا الفقيد المترجم لما فجع يفقده لأنه كان أسير فضله والراتع في ظل رفده رحمة الله عليهما: برغم المعالي فارق الدست (١) صاحبه ... وثلت عروش المجد وأنهد جانبه وأضحت بنو الآمال سهمًا وجوهها ... تقلب طرفًا خاشعًا ذل حاجبه تقول إلى من نطلب العرف بعد ما ... على قاسم المعروف بنيت نصائبه مضى كأقل الأيتام في كل شتوةٍ ... وموئل مس ضاقت عليه مذاهبه أقول لناعيه إلى تجاوبًا ... بفيك الثرى لم تدر من أنت ناديه

стр. 564

نعيت امرأً للبر والدين سعيه ... وللجود والمعروف ما هو كاسبه فيا قاسم المعروف للبأس والندى ... وللخصم مشتطًا على من يطالبه ويا قاسم المعروف للطارق الذي ... من الزاد قد أصبحن صفرًا حقائبه ويا قاسم المعروف للملتجي الذي ... تحاماه من عظم الجناية صاحبه وللمرهق المكروب يفرخ (١) روعه ... إذا أسلمته للخطوب أقاربه وللجحفل الجرار يهدي رعيله ... إلى كل جبار أبي يشاغبه هو المانع الخصم الألد مرامه ... وإن رام منه معضلًا فهو سالبه فقل للجياد المشمعلات لاحها ... تجاوز غيطان الفلا وسياسيه على قاسمٍ فأبكى طويلًا فإنه ... فتاك إذا ما استخشن السرج راكبه إذا ما رمى المرمى البعيد ذر عنه ... به ناجيات زاملتها شوازبه جحافل سهلن الروابي فأصبحت ... سباسب مما بعثرتها كتائبه إذا نشرت أعلامهن تحدبت ... بأرجائها صيد الملوك تراقبه فما مشرق الإله فيه وقعةٌ ... ولا مغربٍ إلا أرنت نوادبه أقول لقلبي حين جدَّبه الأسى ... وللجفن لما جرفته سواكبه تعز بما عزيت غيرك أنه ... طويل أسى من أودع اللحد غائبه هو الدهر يستدعي الفناء بقائه ... وتستصغر الخطب العظيم مصائبه له عشرةً بالمرء لا يستقيلها ... إذا ما أنيخت للرحيل ركائبه أباح حمى كسرى بن ساسان صرفه ... فلم تستطع عنه الدفاع مرازبه وكر على أبناء جفنةَ كرةً ... سقاهم بها كأسًا ذعافًا مشاربه وأعظم من هذا وذاك مصيبةً ... قضى النحب فيها المصطفى وأقاربه هم الأسوة العظمى لمن ذاق غصةً ... من الدهر أو من أجرضته نوائبه

стр. 565

بني قاسم إن كان أودعتم الثرى ... أبا طرزت برد المعالي مناقبه فخلوا الهوينا واجعلوا الرأي واحدًا ... فيخشاكم نائي البلاد وصاقبه وألقوا مقاليد الأمور لما جد ... أخي ثقة قد أحلمته تجاربه بعيد الذي لا يدرك النبث (١) غوره ... أبي على الأعداء محض ضرائبه أبا حمد لولاك كان مصابه ... على الناس ليلًا لا تجلي غياهبه سقى الله قبرًا ضم أعظم قاسم ... من العفو شؤبوب رواه سحائبه وثن إلهي بالصلاة على الذي ... سمت في مقامات الكمال مراتبه كذا الآل والأصحاب ما ناح طائرٌ ... بأفنان ودح تستميل ذوائبه ورثاه أيضًا شاعرنا المذكور بأخرى تذكر مطلعًا وهي قوله: ترى من حنيني كان شدو الحمائم ... ومن أدمعي كان استقاء الغمائم فلا غروان انطلقت بالشجو صامتًا ... وأبكيت حتى راتعات السوائم فقد جل هذا الخطب متى تدكدكت ... لموقعه شم الجبال المعالم وحتى هوى بدر الدجنة واكتست ... له ظلمة زهر النجوم العوائم لعمرك ما يوم قصى فيه قاسم ... على الناس الأمثل يوم التزاحم مضى هضبة الدنيا وبدر دجاها ... وفارسها المسشهور عند التصادم ولا نطيل بذكرها فعلى من أحب مراجعتها أن ينظر في ديوان الناظم. وفي أخر هذه السنة رجع الملك عبد العزيز إلى الرياض وذلك في وقت الخريف وقدم من البصرة عبد اللطيف باشا المنديل منتدبًا من الحكومة العثمانية للتوسط بالصلح بينها وبين فاتح الإحساء، فقبل عبد العزيز التوسط وأجّل النظر في المسألة إلى الربيع. وكان ابن سعود كبير القلب واسع النظر عظيم الاطلاع، فأخذ يفكر فيما يبيتون له من الكيد وما ينصبون له من الأشراك, لأنه لما انتصر عليهم واستخلص الإحساء من براثنهم وانتزع نفوذهم من تلك الجهد أيقن بأن تركيا سوف لا تسكت عن حربه ولا تدعه وشأنه، لا سيما وقد كان لا يزال لها في الحجاز قوة

стр. 566

كبيرة لا يستهان بها، فأخذ يبحث فيما يؤمنه من شرها ويتقي به إذائها فإن الدولة العثمانية إذا انتصرت على أعدائها الذين لا تزال رحى الحرب طاحنة بينهم وبينها، فلا بد أن تحمل عليه حملة قوية للتنكيل به واسترجاع البلاد من يديه، فهذا الذي جعله يطيل النظر وبدعه دائم الحذر. وبينما هو على هذه الصفة إذا المدد من قبل الله تعالى يأتيه على أشدّ فاقة إليه، وهو أن بريطانيا العظمى لما رأت توالي فتوحاته وتقدم خطواته بعثت وهي في أوج عزها تخطب وده وتطلب منه أن يأذن بالاجتماع، فرجع في ذي الحجة إلى الإحساء وهو يفكر هل كان ذلك يقظةً أم منامًا، فاجتمع في العقير بالوكيل السياسي للبحرين ومعه رجل آخر اسمه شكسبير، ولكن هذا الاجتماع لم يسفر عن شيء إلا أنه مهد السبيل إلى مقاومة النفوذ الألماني في تركيا بعد أن تلاشى فيها النفوذ الإنكليزي، ذلك النفوذ الذي كان في المقام الأول منذ حرب القرم خشيت إنكلترا على طريق الهند، فعندما على نجم ابن سعود وظهرت شوكته طفقت تخطب وده لأنها لا تزال في التأثير على الأتراك وتسعى في عقد اتفاق معه ليكون عضدًا على الخليج فيقف سدًا منيعًا دون ذلك النفوذ الألماني الذي كان قد خيم على العراق. ثم دخلت سنة ١٣٣٢ ه ـ ففيها عاد ابن سعود إلى الرياض ولما أن قدمها ما كان ليستريح حتى بلغه خبر دسيسة في القطيف، فأرسل سريةً إليها ثم سار بنفسه إلى تلك الناحية فنزل في الجبيل وقد جاءه كتاب من والده مبارك بن صباح يخبره أن أحد كبار الترك قدم الكويت ومع هدية من أنور باشا لابن سعود وإجازة للتوسط في الصلح، ثم جاء عبد اللطيف المنديل ليخبر ابن سعود أن قد تألف للمفاوضات وقد يرأسه السيد طالب النقيب وفيه ياور من ياورية السطان. فلما تعدد الخاطبون اضطرب مبارك بن صباح فكتب إلى ولده عبد العزيز يطلب منه أن يكون الاجتماع في ظله بالكويت ليكلأ بنظره ويمده بإرشاده، وقال في الكتاب من حقي عليك يا ولدي ألا تقبل وساطة هؤلاء إلا في بلدك الكويت،

стр. 567

ولقد شبع هذا الولد من كلائة أبيه، وبما أنه يحب مجاملته فقد أجاب بعض طلبه وسار إلى جهة الكويت، فنزل الصبيحة على مسافة يوم من العاصمة، فكتب إليه ثانيةً يلح عليه بالقدوم إليه فأجابه عبد العزيز بقوله إني الآن لقريب من الكويت فليتقدموا لي. وبينما هو في الصبيحة كتب إليه الوكيل السياسي لبريطانيا العظمى في الكويت يستأذن بالمقابلة فضرب له موعدًا في ملح واجتمع به هناك، جاء الوكيل في السيارة وجاء سائقها بكتاب من مبارك يقول لكن صلبًا معه يا ولدي - يعني الوكيل - فلا تكمنه من شيء ولا تعطه الجواب الشافي، فلم يرَ عبد العزيز بأسًا في مجاملة مبارك في هذه المرة لأنه لم يكن قد قرر خطته السياسية اتجاه الترك والإنكليز، فقال للوكيل لا يمكن أن نقرر شيئًا اليوم، ولكن والدي مباركًا ينوب عني، فعاد الوكيل غضبًا إلى الكويت وركب ابن سعود ضاحكًا وعاد إلى معسكره في الصبيحة. ثم جاء بعد ذلك بقليل السيد طالب وافدًا إلى ابن سعود ووصل مع ذلك رسولٌ من مبارك يحمل كتابًا من الوالد مبارك الحانق الحاقد اللائم الشاتم، وقد كان ناقمًا على الوفد لأنه لم ينتخب لرئاسته، وكان في هذا الكتاب التحذير لعبد العزيز من هؤلاء الكذابين المكارين الخداعين، كن صلبًا عليهم يا ولدي ولا تمكنهم من شيء، ولا تصدق ما يقولون أنهم كذابون خداعون، وكان جبير بن مبارك يومئذٍ عند ابن سعود فأطلعه على كتاب أبيه قائلًا له: تراه يحذرني من الإنكليز ويحذرني من الأتراك، وهل في إمكاني أن أحارب الجهتين؟ فأجابه جابر قائلًا له: انظر إلى ما فيه مصلحتك واترك الناس. ذكر عقد المعاهدة بين ابن سعود وتركيا سنة ١٣٢٢ ه ـ عقدت جلسة المؤتمر الأولى وجابر بن مبارك ورجاله حاضرون، فألقى عبد العزيز ابن سعود كلمة زعزعت المؤتمر وسربها الحاضرون، فقال إذا كنتم تبغون مصالحتي فدونكم والدي مبارك بن صباح فهو الواسطة بين وبينكم، ولست قابلًا

стр. 568

بغير ذلك، وهذه الجلسة وقت الصباح، فلما كان في الليلة الآتية بعد العشاء الآخرة حصلت أيضًا جلسة أخرى خصوصية، وكان ما بين الجلستين فترة كافية لتوبيخ رئيس الوفد وهو طالب النقيب. ولم يحضر هذه الجلسة سوى رجال الوفد فأطلعهم عبد العزيز قبل افتتاح المفاوضة على كتاب مبارك، فكانت ضحكة طالما أضحكتهم، ثم باشر والمفاوضات الولائية، فطلب الوفد أن يكون للدولة معتمدون في القطيف وفي الحساء، غير أن ابن سعود أبى ذلك وطلب أن تكون العلاقات ولائية فقط وأن تساعده الدولة لقاء هذا الولاء بالأسلحة والذخيرة والمال، وبعد التي والتيا قبل الوفد بذلك وقرروا أن يصل هذا الاتفاق سرًا إلى أن يقره الباب العالي. ثم عاد رجال الوفد إلى الكويت فأحسن مبارك استقبالهم وسألهم عما جرى فأخبروه بما فاقه ابن سعود في الجلسة الأولى، فقال مبارك: نصحتكم فما انتصحتم، قلت لكم أن الرجل سفيه عيار ولا يملك قيادة أحد غيري، وفي هاتين الكلمتين بشاعة وانتقاص, لأن السفيه الجاهل والعيار من لا يزجره نفسه عن ركوب هواه. ثم بعد يومين صنع عبد الوهاب آل قرطاس مأدبة في البصرة للوفد حضرها الوالي شفيق كمالي باشا، والأمير خزعل، والأمير مبارك، فصار الحديث في الوفد وابن سعود، فتكلم مبارك يخاطب الوالي: ألم أقل لكم أنكم لا تفلحون إلا إذا انتدبتموني أنا للتوسط بينكم وبين ابن سعود، وما طلبت ذلك منكم والله إلا لأمرين: أولًا: لكي أقوم بخدمة للحكومة العثمانية. ثانيًا: لكي أستر على ابن سعود لأن السفيه لا يعقل ما يقول. فأجاب الوالي قائلًا: رأيك هو الصواب ولكن الأمر قد انفرط ما تقول أنت يا طالب، فأجابه طالب: أقول ما قاله الشيخ مبارك: فلو كان حضرته معنا لما فشلنا. فلما كان بعد أسبوع جاء من الباب العالي إلى والي البصرة برقيه فيها

стр. 569

التصديق على ما تقرر في مؤتمر الصبيحية مقرونًا بالشكر لابن سعود بالنيشان العثماني الأول، فعندها حمل السيد طالب تلك البرقية مسارعًا إلى مبارك، وكان في الفيلا، فسلم عليه وقال: أبشر يا شيخ فقد اتفق ولدك مع الحكومة، فاندهش مبارك لذلك وحان له همه وقلقه، وأجاب قائلًا: ومتى كان هذا؟ فأجابه طالب متهانفًا: الأمر قضي بليل، فقال مبارك كلها بمساعيك يا خبيث، فأجابه طالب لهجًا بقوله: تعلم الولد الخباثة من أبيه، فأجابه مبارك وقد اشتد غضبه قائلًا: سلط الله عليك يا خبيث إليك عني، فضحك طالب وهو يعيد قراءة البرقية. ثم أرسل الشيخ مبارك بعد ذلك رسوله عبد العزيز بن حسن إلى ابن سعود يهنيه ويلومه لأنه لم يخبره بالاتفاق، فكتب إليه السلطان عبد العزيز قائلًا: إني ابنك وقد أهنت نفسي في القدوم من الجبيل إلى الكويت، وما ذاك إلا حبالك وعملًا بإرادتك، ولكن كيف أستطيع أن أرضي والدي وهو يأمرني أن لا أتفق مع الإنكليز، وأن لا أتفق مع الترك، فإذا بين لي حضرة والدي الطريق الثالث أسلكه راضيًا شاكرًا، ولكني أسأل والدي الآن كيف استحسن ذلك الكلام في ولده على مائدة ابن قرطاس؟ فكتب مبارك معتذرًا وقال لا تصدق يا ولدي أكاذيب طالب اللعين، وتأكد يا ولدي أني أريد أن أتظاهر أمام الأتراك بالبعد عنك والجفا لأدرك لك الغاية التي تنشدها، فأجابه عبد العزيز والحمد لله أن الأمور كانت على ما يرام، فليهنأ الوالد بعز ولده والسلام، هذا خلاصة ما جرى بين ابن سعود وبين الدولة. ذكر هادمة العهود ومفرقة الوفود وهي الحرب العظمى سنة ١٣٣٢ هـ الموافق لسنة ١٩١٤ م لما شبت الحرب العظمى في هذه السنة قامت ألمانيا على الإنكليز وحلفائها، وانضمت الدولة العثمانية إلى الدول الوسطى إلى ألمانيا والنمسا ضد الإنكليز وحلفائهم، فخاضت الدولة العثمانية غمرات الحرب العمومية وشهرت في تلك

стр. 570

الحرب الضروس السيف على الحلفاء وقررت القيادة في اليمن الزحف على عدن. فلما علم بذلك الإنكليز أوقفوا ثلاثة طوابير من الجنود في البحر كانوا مسافرين من الهند إلى السويس فضربوا الشيخ سعيد، وهذا الاسم يقع على قرية بل جزيرة صغيرة في باب المندب على مقربة من رأس البر اليمني، وقد كان للدولة العثمانية في اليمن خمسة وثلاثون طابورًا يبلغ قدرها خمسة عشر ألف جندي، وقد اجتمع سعود بن عبد العزيز بن متعب بن رشيد بوالي البصرة سليمان شفيق كمالي بقرب بلدة الزبير، فانضم إلى الدولة العثمانية وتم بينهما التحالف على حرب ابن سعود على أن يكون منه الرجال ومن الدولة العتاد والمال، فأعطته الدولة عشرة آلاف بندقية وذخائرها وأموالًا كثيرة، أما الذي أثار الحرب العالمية الأولى: إن طالبًا من أبناء البوسنة اسمه "غفر يلوبر نسيب" أطلق الرصاص على "الأرشيدوق فرانتز" وارث عرش الأمبراطورية النمساوية في سرايفو عاصمة البوسنة، بينما كان ولي العهد يقوم بزيارة رسمية، فأرداه هو وزوجته قتيلين، وذهل العالم بهول تلك الجريمة الكبرى المفاجئة، وعرف من التحقيق أن الطالب ينتمي إلى جمعية اليد السوداء الصربية التي ارتكبت من قبل عدة اغتيالات سياسية واتهمت الحكومة النمساوية الحكومة الصربية أنها لأسباب متهمة فيها تعد مسؤولة عن هذه الجريمة الشنيعة، وأمهلتها شهرًا لإجابة مطالها، وأنذرت النمسا للحرب، فردت الحكومة الصربية بأنها مستعدة للموافقة على إجابة بعض هذه المطالب، غير أنها رفضت رفضًا قاطعًا المطالب النمساوية التي تمس مظهر استقلالها. فأرسلت النمسا في ٢٣ يوليو إنذارًا نهائيًا إلى الحكومة الصربية تطلب منها الموافقة على جميع المطالب خلال ثمان وأربعين ساعة، ومن أهم هذه المطالب: أن تتعهد صربيا بتحقيق نزيه عاجل في الجريمة وأن تنزل بمقترفيها والمتواطئين عليها عقابًا رادعًا، وأن تعمل على كبح الدعاية العنيفة القائمة ضد النمسا والمجر في الصحف ودور العلم الصربية، وحل الجمعيات السرية، وطرد الموظفين الصربيين الذين يناصرون تلك الدعاية.

стр. 571

ولما رأت الحكومة النمساوية المماطلة وعدم الخضوع لبعض هذه التطلبات أعلنت الحرب عليها في الثامن والعشرين من يوليو، وبما أن روسيا تؤيد الصرب تأييدًا قويًا في موقفها فإن الأمبراطور "وليم الثاني" أيد النمسا بصفة أن القتيل صديقًا وحميمًا له، وبذلك أنذرت السماء ببروقها ورعودها وقامت الدنيا وقعدت تنذر بشرها وويلاتها. ألمانيا تعلن الحرب على روسيا وفرنسا قامت روسيا بتعبئة جيوشها وإنفاذها إلى الحدود المتاخمة لالمانيا، فطلبت ألمانيا سحب هذه القوات فورًا فرفضت روسيا أجابتها إلى مطلبها فأعلنت ألمانيا الحرب عليها في أول أغسطس وطلبت من فرنسا أن تحدد موقفها, ولما ردت عليها ردًا لم تطمئن إلى جانبه أشهرت عليها الحرب أيضًا في ٣ أغسطس. زحف ألمانيا على البلجيك بادرت جحافل الألمان إلى الزحف فاحتلت دوقية لكسمبرج المحايد وأرسلت الحكومة الألمانية في نفس اليوم إنذارًا نهائيًا إلى البلجيك أمهلتها فيه اثنتي عشرة ساعة، وطلبت منها السماح للجيوش الألمانية بعبور أرضها في طريقها إلى فرنسا، فرفضت الحكومة البلجيكية هذا الطلب واستصرخ مليكها الملك جورج الخامس البريطاني، فطلبت الحكومة البريطانية مشددة من ألمانيا احترام حيدة البلجيك بمقتضى معاهدة لندن سنة ١٨٣٩ م التي وقعت عليها روسيا نفسها. ولما شرعت القوات الألمانية تشق طريقها في البلجيك على أثر انتهاء موعد الإنذار ونزلت كل دولة ساحة الوغى، وقد كانت النمسا ترتعد فرائصها فزعًا من الخطر الذي داهم إمبراطوريتها المتعددة الأجناس. وكانت الحكومة العثمانية قد عقدت مع ألمانيا معاهدة سرية في أول أغسطس في نفس اليوم الذي أشهرت فيه تلك الدولة الحرب على روسيا، وتظاهرت تركيا بالحياد فترة من الزمن، ولكن حينما بدا لها أن استعداداتها الحربية قد اكتملت

стр. 572

بدرجة كافية أرسلت أسطولها، فضرب في ٢٩ أكتوبر ١٩١٤ م الموانئ الروسية على البحر الأسود، فردت روسيا على هذا الاعتداء بإشهار الحرب عليها. وفي ٥ نوفمبر أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على الدولة العثمانية وقطعت علاقاتها بها. وفي ١٨ ديسمبر أعلنت بريطانيا الحماية على مصر، وبذلك غدا القتال عالميًا في فترة لم تزد على ثلاثة أشهر، وشمل خمسًا من قارات العالم الست، ووقفت الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية والعثمانية في جانب، وروسيا وفرنسا وبريطانيا ومستعمراتها وصربيا والجبل الأسود واليابان والبلجيك في الجانب الآخر. أما إيطاليا فقد رفضت أولًا أن تدخل الحرب، ولما وقعت الواقعة توقع الألمان أن يحرزوا نصرًا خاطفًا على أعدائهم، وكانت خطتهم ترمي إلى انقضاض جحافلهم على فرنسا فتحطم جيوشها في الغرب في مدى أسبوعين، ثم ينقضون على الروس بعد ذلك في الشرق. ولما أن شق الجيش الألماني الزاحف في فرنسا طريقه دون أن يستطيع الفرنسيون والبريطانيون وقفه اضطرت فرنسا إلى الاستعداد لحصار مرير، ولكن القائد للجيش الفرنسي المارشال "جوفر" أحرز نصرًا فاصلًا على الألمان فاضطروا إلى التقهقر سريعًا إلى نهر ألاين، وما لبث القتال إلى أن تحول إلى حرب خنادق تحصن في داخلها المقاتلون من كلا الفريقين، وامتدت المتاريس والخنادق من بحر الشمال إلى سويسرا جنوبًا، وبدا في هذه الحرب استخدام الطائرات لاستطلاع حركات العدو وكشف مواقعه وضرب قواته ومدنه بالقنابل. قتال روسيا في الجبهة الشرقية لما تقدم جيش روسيا الجرار لشن هجوم كبير على ولاية بروسيا الألمانية استعد له القائد الألماني "المارشال هند نبرج" فضرب الروس ضربةً ساحقة، اضطروا إلى التقهقر على عجل عن جميع الأراضي الألمانية بعد ما تكبدوا خسائر هائلة في القتلى

стр. 573

والجرحى، وأسر منهم ٢٥ ألف مقاتل، وكذلك أرغم جيش روسي آخر على الانهزام لا يلوي أحد على أحد، وأصيب بخسائر فادحة، فاضطر الروس إلى الانسحاب، وتقدم الألمان فاحتلوا "كورلند" "ليفونيا" "أستونيا". ولما رأت بريطانيا وفرنسا ما حل بروسيا أرادتا أن تخفف عنها الضغط الهائل الذي أوقعته عليها دولتا الوسط وأن تشقا لها طريقة لتوصيل الذخيرة التي كانت جيوشها في أشد الحاجة إليها لمواصلة القتال، فحاول أسطول فرنسي إنكليزي أن يخترق عنوةً مضيق الدردنيل، ولكن الألمان أحبطوا هذه المحاولة، ورأى الحلفاء أن يبذلوا محاولة أخرى، وذلك بأن ينزلوا قوة برية كبيرة في الطرف الجنوبي من شبه جزيرة غالبيولي، لكن المارشال الألماني "ليمان فون ساندرس" قد جعلها أمنع من عقاب الجو، فاستقبلت قوات الحلفاء بنار حاصدة عند نزولها، وأخيرًا أكرهت على الانسحاب دون أن تحرز تقدمًا مذكورًا، وقد تمكنت القوات البريطانية المدافعة عن قناة السويس بمعاونة بعض كتائب الجيش المصري من أن تصد حملة تركية على القناة وتغلغل جيش هندي بريطاني في أرض العراق، ولكن قوة تركية حاصرته وأرغمته على التسليم في كوت العمارة في أبريل سنة ١٩١٥ م. وما زالت الحرب متطاحنة حتى خسر الجيش الفرنسي في معركة واحدة نصف مليون مقاتل، وبلغت خسائر الألمان نحو ستمائة ألف. بلغاريا تعلن الحرب على صربيا لما دحر الألمان الروس استميلت بلغاريا الخوض في غمار الحرب إلى جانبهم، فأعلنت الحرب على صربيا في ١٤ أكتوبر سنة ١٩١٥ م، وهوجم الجيش الصربي من الشمال ومن الشرق فأكره على إلقاء سلاحه بعد أن أنزلت به خسائر ماحقة، والتجأت فلوله إلى ألبانيا. ولقد أغرق الألمان عددًا كبيرًا من السفن التجارية وسفن الركاب مما أثار احتجاج الدول المحايدة، ولا سيما الولايات المتحدة، فقد هلك بإغراق غواصة

стр. 574

ألمانية لسفينة بريطانية نحو ألف ومائتي رجل وامرأة وطفل من بينهم نحو مائة أمريكي، فانسحبت روسيا من الحرب لما وقع فيها من الخسائر، ودخلت الولايات المتحدة في الحرب، وقد ذكرنا أن الأتراك أمدوا ابن رشيد بالأموال والذخائر، فأخذها الشمّري الشاب ليستعين بها على قتال خصمه، وهذه مبادئ واقعة جراب التي كان يؤرخ بها أهالي نجد، وكان ذلك في الوقت الذي تم فيه عقد المعاهدة بين ابن سعود وبين الدولة العثمانية بواسطة السيد طالب النقيب على ماء الصبيحية. فيا عجبًا من أمر الدولة حيث كان الباب العالي يعمل بيمناه وتنقض يسراه، فدونك تقريب المسألة: هو أن الوفود تعددت في باب ابن سعود وعقدت عهود ناسخة لعهود، وقد حالت الحرب العظمى دون ذلك وهدمت الناسخ والمنسوخ، وكان لم يعلم ابن سعود باتفاق ابن رشيد بوالي البصرة إلا بعد رجوعه إلى الرياض في أول هذا العام. ولما أن كتب إلى ابن رشيد يذكره بعهد الصلح الذي بينهما ويعيب عليه ذلك الاتفاق بينه وبين الأتراك، أجابه ابن رشيد بكتاب يقول فيه إني من رجال الدولة ومصالحتي وإياك لا تكون إلا إذا رضيت الدولة بها، فعد ذلك عبد العزيز خيانة منه، وكتب إليه يقول إذا كنت مصرًا على نكث العهد فالمقاومة أولى، وما خطر في باله عنه ما كتب هذه الكلمة بأن الدولة قد قام بعضها على بعض بالسلاح. ولما أعلنت الحرب العظمى وعبأت تركيا جيشها، سارع عبد العزيز عندما اتصل به خبرها إلى مراسلة أمراء العرب إلى الشريف حسين وابن رشيد وابن صباح في الموضوع، فأرسل رسله تحمل الكتب إلى هؤلاء بما مضمونه في هذا الكلام "قد علمتم ولا شك بوقوع الحرب فأرى أن نجتمع للمذاكرة علنًا نتفق فننقذ العرب من أهوالها ونتحالف مع دولة من الدول لصون حقوقنا وتعزيز مصالحنا، فلما بعث الرسل بهذه الكتب جاء طالب النقيب من قبل الأتراك ثانيةً ليسترضي ابن سعود فاجتمع به في القصيم، ولكن الإنكليز كانوا أثناء ذلك قد احتلوا البصرة، فجاء الملازم شكسبير المتقدم ذكره قريبًا يحمل في حقيبته تفويضات لا قيد يقيدها غير المصلحة البريطانية واقترانها بمصلحة نجد.

стр. 575

ثم قدم من المدينة وفد عثماني يحمل إلى ابن سعود عشرة آلاف ليرة، وينزلف منه بواسطة صديقه محمود شكر الآلوسي أحد أعضاء الوفد، ثم خرج من الحجاز الأمير عبد الله بن الشريف حسين موافدًا من والده للنظر في المسألة التي كتب عبد العزيز بخصوصها فاجتمع على الحدود بمندوب ابن سعود وافتراق الاثنان كما اجتمعا دون أن يقررا شيئًا. والحقيقة أن الشريف يتحين الفرص للهجوم على ابن سعود تنفيذًا كما قيل لتلك المعاهدة التي وصفها الأمير خالد بن لؤي في قوله اكتب له ورقة تنفعه عند الترك ولا تضرك. أما ابن رشيد فقد أجاب بصراحة بقوله: إني رجل من رجال الترك فأحارب إذا حاربت، وأصالح إذا صالحت وكتب مبارك بن صباح يخبر ولده عبد العزيز بأن "اللورد هاردنغ" حاكم الهند قادم إلى البصرة، ومن رأيي يا ولدي أن تقدم أنت إلينا للمفاوضة. فلما رأى جلالة الملك عبد العزيز هذه الرياح المتحركة والعواصف المكدرة، جعل يعمل بما تقتضيه المصلحة، فرد وفد الآلوسي ردًا حسنًا، وقال لمحمود شكري إنها كما ترى فلا يمكنني مقاومة الإنكليز بعد احتلالهم البصرة، أما طالب النقيب فإنه بعد ذلك الاحتلال يخشى الرجوع إلى بلده، فتوسط ابن سعود من أجله فأذن له الإنكليز، وعاد كما عاد الآلوسي خائب الأمل. ذكر الطراد أمدن وما جرى منه وعليه كان لألمانيا طراد سمي باسم بلدة تسمى أمدن، وهي ميناء في ألمانيا، وقد فعل هذا الطراد أفعالًا عظيمة بهمة قائده الكابتن "كارل فون مولر في الأقيانوس" الهندي بخليج بنغال وغيره، تشهد له بالمقدرة وتقر له بالشجاعة والإقدام، فقد قهر وأغرق ما بين بواخر تجارية ومدرعات حربية ما ينوف عن ثلاثين، تقدر قيمتها بستمائة وخمسين ألف جنيه، وهكذا كل يوم، ويصيد ويقتل حتى صيد، وكان قد

стр. 576

أتلف من محمول البواخر والمدرعات ما ينوف أيضًا عن ثلاثة ملايين جنيه، وما أوقفه في خليج بنغالة تسعة ملايين جنيه. وسبب القبض عليه لما صيد في جهة الأقيانوس الهندي اتجاه جزر كوكس كيلنغ، أن في تلك الجزيرة مركز تلغراف لاسلكي، فقصدها أمدن ليخرب ما فيها ويعطلها، فعندما أقبل رآه صاحب اللاسلكي فاستغاث بأقرب مركز للحلفاء. ثم وصل أمدن الجزيرة وأنزل بعض بحارته وضباطه ورشاشاته ليخربوا ما فيها فبادرت نجدة الحلفاء بإرسالهم لأقرب طراد "يسمى سدني" فما أمهله طراد الحلفاء لأن يقضي غرضه بل وصل الجزيرة سريعًا فعارضه طراد الألمان أمدن فأصيب الطراد أمدن بعد دفاع عظيم وأسر قائده وقتل من بحارته عدد وأسر عدد، أما البحارة الألمانيين الذين نزلوا في الجزيرة فبقوا كامنين حتى ذهب سدني ولم يدر عن وجودهم بها فقاموا وواصلوا السير بلنش من جزائر كوكس كيلنغ إلى سومطرة التابعة لهولندا ومروا بسواحل الهند متنكرين حتى عبروا مضيق باب المندب فالحديدة فالقنفذة ومنها إلى الليث قاصدين جدة فلما قربوا لجدة قام البدو عليهم يرمونهم بالرصاص وذلك بإيعاز من الحسين بن علي ولكن وجود الرشاشات والذخيرة مع الألمان هو الذي منع تغلب البدو عليهم. ولما سمعت تركيا بالخبر خابرت الشريف الحسين بذلك فأرسل ابنه عبد الله منجدًا لهم فوصل إلى جدة فأقام لهم الشريف الحسين وليمة فخمة إكرامًا لهم، ثم غادروا جدة عن طريق البر مارين بالسواحل حتى وصلوا سوريا وكان ذلك قبل هذه السنة بسنتين، وقد نقل عن قبطان أمدن أنه أسر لخديوي مصر عباس لما قابلهم أن قال أن الشريف حسينًا وابنه عبد الله خونة يجب قطع دابرهما عن الحجاز فإن كانت هذه قد وصلت إلى أذن الشريف فيوشك أن ينتفخ لذلك غيظًا وخنقًا ونذكر قتله لإخوانهم في السنة التي بعدها. وفي تلك الآونة هبت رياح شديدة على أهل الغوص بين الكويت والبحرين وأصيبت السفن الكائنة بذلك البحر بضربة شديدة، وقد حدثني من

стр. 577

كان في تلك الورطة، قال لما كان في أواخر الخريف نشأت سحابة من الأفق الغربي فلما كانت فوق رؤوسنا وتوسطت السماء صبت أمطارًا غزيرة ممزوجة بالحجارة والبرد وهبت رياح عاصفة وأمسى البحر تلك الليلة يرمي بزبده وتتحرك زوابعه وكانت السفن المجلجلة فيه تبلغ ثمانمائة سفينة فأصيبت كلها بالعطب واصطفقت وتحطمت كلها وكان من هذه السفن ما تبلغ حمولتها من ثمانين راكبًا إلى خمسة عشر راكبًا وكان ذلك في أوائل الشهر وظلمة شديدة في الليل فكان من لا يحسن السباحة حظه الهلاك. أما الناجون فهم قليل ركبوا ألواحًا وبراميل على ظهر الماء وكان البرق في شدة لمعانه يضيء إلى مسافة بعيدة، قال فما زلنا طول ليلنا ركابًا على تلك الألواح المحطمة والبراميل حتى طلع الفجر فأغاثني الله وصاحبي بسفينة حوالي البحرين فمسكنا بحبالها ونحن في حالة يرثى لها قد تمزقت ثيابنا وأنهكنا الموج والبرد فلما نزلنا في السفينة فزعوا إلينا لأنهم رأونا في حالة مزعجة وخشوا أنا لصوص فلما أخبرناهم بحديثنا وحالتنا رقوا لنا وحملونا معهم إلى البحرين فنزلنا ضيوفًا على ابن خليفة وساعدنا بشيء من النقود ثم سرنا إلى العقير بحرًا ثم سرنا إلى الإحساء عن طريق البر. وفي هذه السنة سافر سعود بن عبد العزيز الملك الحالي إلى قطر ليسلم سليمان بن محمَّد الذي فر إلى أحمد بن ثاني فأتى به إلى أبيه. وفيها سافر الشيخ سليمان بن سحمان قدس الله روحه وأسكنه الجنة يريد البحرين، كما أنه سافر أيضًا الأمير خالد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن نجل الملك ورفقتهما إلى البحرين، كذلك لمعالجة أعينهم وذلك لأنه قد عمى الشيخ سليمان لنزول الماء في عينيه وتألم لذلك فعرض عليه جلالة الملك أن يسافر للعلاج، فسافر إلى الدكتور المسيحي في البحرين لأجل قدح الميل فيهما, ولما أن قدما البحرين وباشر الدكتور علاجه ذلك الدكتور الذي يدعي المعرفة والبراعة، فقال الشيخ قصيدة في أعماله وخذقه يظنه كذلك:

стр. 578

إلى الله في كشف المهمات نرغب ... ونسأله الفضل العظيم ونطلب فذو العرش أولى بالجميل ولطفه ... وآلائه الحسنى بها نتقلب ليكشف عنا الهم والغم والأسى ... فنحن على أوصابها نترقب من الله إِفراجًا ولطفًا ورحمةً ... فلولاه ما كنا عن الإلف نذهب ولا عن رياض المجد والدين والهدى ... إلى بلد فيها من الكفر أضرب ولكننا نرجوا رضاه وعفوه ... وإحسانه والله بالخير أقرب ولولا رجاء الله جل ثنائه ... لما كنت للبحرين في الفلك أركب وقد صابنا من خوفه وركوبه ... غمومٌ وأهمام عضال وأكرب إلى أن وصلنا دخترًا ذا درايةً ... ومعرفةً في الطب والحذق منجب فقرب أهوالًا لدينًا مخوفةً ... وكرخانة من نارها تتلهب وأشياء لا ندري بها غير أنها ... يحار بها العقل السليم ويعجب فغسل من أجفاننا قبل ضربها ... بأدويةً شتى بها يتقلب فميل سير العين مني بميله ... وميلٌ من عثمان من كان يصحب كمثلي وأرجانا ليالٍ قليلة ... لينتظر البرء الذي هو يطلب وأبصرت من كف الحكيم أناملًا ... يحركها من بعد أن كان يضرب وعثمان بعد الضرب أبصر وجهه ... وكفاله يسمو بها ويصوب وقد جاء هذا بأشياء لم يكن ... ليفعلها من كان للقدح ينسب فشد على العينين منا بخرقةٍ ... لتسعة أيام تشد وتعصب وألزمنا أن لا نزيل عصائبًا ... إلى أن يجيء الوقت ذاك المرتب وما كان هذا فعل من كان قد أتى ... إلى أرضنا من حجزه يتطبب ولا كان هذا من شأنه وصنيعه ... ولا كان هذا حاله حين يضرب فهذا الذي قد كان من بعض شأنه ... على إنما نخفيه من ذاك أعجب وأما الذي كان من شأن خالد ... فأمر ورى منه ما كانت النفس تحسب رأى منه صبرًا في حدوثة سنه ... وقد كان منه دائمًا يتعجب

стр. 579

فقص الذي في عينه قد أشانها ... وأصلح ما يؤذيه منها ويتعب وما خاف لما أن رأى منه ما دهى ... ولا كان من أهواله ينيب فقلنا له هذا سلالة ماجدٍ ... ونسل ملوكٍ لا تخاف وترهب غطارفة شوسٍ مساعير في الوغى ... مداعيسُ في الهيجا إذا هي تنشب وقد كان عبد الله في حال ضربه ... لأعيننا من خيفةٍ يترقب فغسل جفن العين منه وشقها ... بمقراضه والعين تهمي وتسكب دمًا بدموع وهو في ذاك كله ... له مستكينٌ خاضعٌ يتقلب وخيَّط ما قد شقه وأصاره ... إلى حالةٍ يرضى بها المتطبب وها نحن في همٍ وغمٍ وكربةٍ ... من القدح لليمنى وإنا لنرغب إلى الله في كشف المهمات كلها ... وعاجل ما نرجوا وما نتطلب فيا من هو العالي على كل خلقه ... على العرش ما شيءٌ من الخلق يعزب ولا ذرةٍ أو حبةٍ في سمائه ... وفي أرضه على علمه يتغيب بأسمائك الحسنى وأوصافك العلى ... وألطافك اللاتي بها تتحبب أنل ملكًا فاق الملوك وسادها ... رضاك وبلغه الذي هو يطلب وذاك هو الشهم الهمام الذي له ... تضعضعت الأملاك بل منه ترهب إمام الهدى عبد العزيز أخو الندى ... مذيق العدى كأس الردى حين ينكب حليف العلى بحر الندى معدن الوفا ... إمام به نار الوغى تتلهب فيصلى العدى منه سعيرًا ويسقهم ... كؤوس الردى منها وفيها يكبكب سعى جهده في برئنا من سقامنا ... لدى دخترٍ ذي خبرةٍ يتطبب فما آل جهدًا في تطلب برئنا ... وما كان يرضى ربه ويقرب فلا زال رضوان الإله يمده ... بعزٍ وإسعافٍ به يتقلب ولا زال في عزٍ أطيدٍ موثل ... يلاحظه الإقبال أيَّان يذهب وأحسن ما يحلو الختام بذكره ... صلاةٌ وتسليمٌ بها نتقرب على السيد المعصوم والآل كلهم ... وأصحابه ما لاح في الجو كوكب

стр. 580

وما حن رعدٌ أو تألق بارقٌ ... وما أنهل صوبٌ ودقه يتحلب ثم إنه لما كشف عنها الدكتور العصب كان عليها بياض وحمرة شديدة، ولم يبصر كما أبصر في أول الضرب، فضربها بالميل ثانيًا، فلم يغني ذلك شيئًا، فقال في الموضوع قصيدة أخرى ونحن نأت بها: أرى كل ما قد قدر الله يكتب ... وليس عن المولى مفرٌ ومهربٌ قضاءٌ من الرحمن ﷻ ... وما قدر الرحمن لا شك أغلب لعمري لقد أوفى الإمام بكل ما ... يؤمله مما يريد ويرغب سعى جهده في برئنا من عمائنا ... وسبب أسبابًا لذاك تقرب فجازاه مولاه الرضا وأثابه ... بأحسن ما يجزي به المتقرب فيا من سما مجدًا وجودًا وسؤددًا ... حنانيك ما سر عليك محجب سنشرح من أخبارنا بعض ما جرى ... سوى ما مضى مما رقمناه يكتب ولما انقضت تلك الليالي التي لها ... يؤمل منه ما أراد ويطلب ثمان ليالي حل منا عصائبًا ... تشد على العينين منا وتعصب فلم أرى مما كنت أبصرت أولًا ... يحركها من كفه ويصوب وقد صار في عيني غواشٌ وحمرةٌ ... وأوساخ ما يطفو عليها ويحجب من الغم للعين والعصب والأسى ... وأمرار ما قد كان يؤذي ويوصب وأرجأني خمسًا وفي كل ليلةٍ ... يحاول أوساخًا تزول وتذهب بأدويةٍ شتى فما بين باردٍ ... وما بين ذا حرٍ بها يتقلب فلم يغني شيئًا ما يحاول كشفه ... ولا كل ما يهوى وما يتطلب فميلها أخرى وكانت مريضةً ... وقد صابني همٌ شديدٌ عصبصب أدار عليها الميل من بعد ضربها ... ثلاثًا يزيد الماء عنها وينضب وهرةً منها حرة العين بالدواء ... وكان شديدًا حره يتلهب وقد سفحت بالدم من أجلها ضربها ... وتهريتها بالميل أيان يضرب ودامت على عيني الحرارة بالدوى ... لعمر إلهي ساعةٌ وهي توصب

стр. 581

وعثمان بعد الحل للعين قد رأى ... وأبصر منها ما رأى حين يضرب سوى أنه قد كان أبصر حمرةً ... على عينه تعلو عليها وتحجب كذلك أوساخٌ عليها كثيرة ... وورمٌ يجفن العين يؤذي وينصب فهرتها بالميل وهو مشربٌ ... بذاك الدوى المؤذي لها حين ينكب وصرنا على ذا الحال كل عيشةً ... يجيء إلينا بالقطور ويذهب دواءٌ لذيذٌ باردٌ لم يكن به ... أذًا سوى غم لها حين يعصب إلى أن مضت من حين أيام ضربها ... ثلاثة أسباع تعد وتحسب فقال لعثمان ستبصر بعد ذا ... بيومن ما قد كان في الصحف يكتب وما أنا فالحال أن شكيتي ... وما كان من أمري يرجا ويطلب على حالها ما تم لي ما أريده ... وشكواي لم أبرح بها أتقلب أبيت بطول الليل من حين ضربها ... إلى أن مضت عشرون والعين تعصب أنام قليلًا ثم أحبس برهةً ... وأعراق رأسي من جوى العين تضرب وقد كنت فيما قبل أرجو سلامةً ... وعافيةٌ والله بالخير أقرب وها أنا في حال الرجاء مترقب ... من الله ما أرجو وما أتطلب ولكنه قد زادني ذاك علةً ... وداءً سوى ما كنت أرجوه يذهب فهذا الذي قد رابني وأمضني ... على أنني من فضله أترقب وأطلب منه العفو مما جنيته ... وعافيةً مما يمضي وينصب وقد عيل مني الصبر من أجل أنني ... رأيت مقامي أمره منتصب فلا زاد إلا بلغةً بتكلف ... ولا نوم إلا ريثما أتقلب ثم إنه لم يجد شفاءً وعزم على الرحيل من البحرين إلى وطنه أنشأ قصيدة حسنة جميلة نالت الإعجاب وذكر فيها أن الدكتور إلا عماءً ولم يفد شيئًا وامتدح صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن وأشاد بذكره ونوه في ما له من المقامات السامية وبعث بالسلام في آخر القصيدة على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وإخوانه وأنجاله ولولا خشية الإطالة لأتينا بها.

стр. 582

وفيها وفاة الشيخ محمَّد بن إبراهيم بن محمود ﵀ وعفا عنه، وهو العالم العلامة والبحر الفهامة فقيه نجد على الإطلاق هكذا يطلقونه عليه في زمنه، وكان رجلًا عظيمًا مقدرًا وفقيهًا جليل القدر مقدمًا، وفيه قوة وحسن طوية وقوة إرادة ويعد من خيرة أهل زمانه يعظمه العلماء وتجثوا بين يديه لاستفراغ منطوقه وله باع طويلة في جلب العلوم واستخراج غامضها. ويتصل نسبه بعلي بن أبي طالب ﵁، كانت ولادته سنة ١٢٥٠ هـ ببلد ضرما ونشأ بين والديه إلى سن التمييز، ثم أنه كان بعد ذلك في حضانة أمه وتعلم القرآن وحفظه وهو ابن تسع سنين ثم أخذ يطلب العلم على الشيخ عبد الله بن نصير وارتحل إلى مدينة الرياض في سنة ١٢٦٥ هـ فأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، وأخذ عن ابنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وأخذ عن ابن عدوان، وأخذ عن ابن عيد، وابن شلوان وغيرهم من العلماء، وما زال يتقدم حتى أطلق عليه فقيه نجد وجد واجتهد ونبغ في العلم فعينه الإِمام فيصل بن تركي قاضيًا في وادي الدواسر فباشره مدة ثلاث سنين، ثم كان قاضيًا في بلد ضرما إلى سنة ثمانين وبعد وفاة الإِمام فيصل عينه الإِمام عبد الله بن فيصل قاضيًا في بلد الرياض وجلس للتدريس بها وانتفع به خلق كثير وجثت العلماء بين يديه على الركب، فمن أخذوا عنه الشيخ عبد اللطيف، وعمر بن اللطيف، وحسين بن حسن، والشيخ عبد الله بن حسن، وحسن بن عبد الله، وحمد بن حسين، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الحميد بن الشيخ محمَّد، وعبد العزيز بن عبد الوهاب، وعبد العزيز بن حمد، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر، وعبد الله بن مسلم، وابن دريهم، وعبد الله الحجازي، وعبد العزيز الملهمي، وابنه ناصر، وعبد الله بن فيصل، ومحمد بن عياف، ومحمد بن فيصل، وعبد الله السياري، وأبو عرف، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وعبد الله بن زاحم، ومحمد بن حمد بن فارس، ومبارك بن باز، وعبد الله بن سعد بن محمود، وعبد الله بن عتيق، وعبد الله بن جريس، وسعد الخرجي، ويعقوب بن محمَّد، وصالح السالم وعبد العزيز المرشدي، وغيرهم من المشايخ بحيث أخذ عنه أربعون قاضيًا.

стр. 583

وكان له مؤلفات منها كتاب الرحيق المسلوف في اختلاف الأدوات والحروف. ومن محفوظاته كتاب منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية وانفرد بعلم الفقه وشارك في غيره كالحديث والنحو والتفسير. وقد رثاه الأدباء والشعراء فمن ذلك ما رثاه به الشيخ حسين بن علي بن نفيسة وهي هذه: خيال زارنا وقت الهجود ... فحي الطيف من أم الوليد فأهلًا بالذي قد زارنا سحرًا ... وسهلًا بالمريدة للبريد رعاك الله من خل وفي ... فداك الكاشحون مع الحسود فتاه باللآلئ قد تحلت ... فنور الحسن مع نور العقود دماليج وأقراط وشذر ... فمال الغصن بالطلع النضيد أضاء الليل إذا أرخت لثامًا ... فذيا البدر أم ورد الخدود تحاكي البان لينًا واعتدالًا ... وتكسو القد بالفرع المديد تفوت الغانيات بهى وحسنًا ... وترمي الصيب بالطرف الصيود علينا من لحاظ الجفن سلت ... سيوفًا كلها للقوم مود فكم قد طل منا من قتيل ... بسهم الطرف لا سهم الحديد وفي كل الحروب لنا جلاد ... وفي ميدانهم ما من جليد فدعنا منهم فالهم جمر ... ودعنا من وصال أو وعود لقد حلت خطوب شيبتنا ... وشاب لهو لها رأس الوليد فلو حلت على أركان رضوى ... لأضحى الصخر منها كالهييد زمان الأنس عنا قد تولى ... وبدلناه بالهم العميد غداة أتى إلينا نعي حر ... ونحرير غذاء المستفيد فهل الدمع منا مثل عقد ... وهي سلكاه من نحر وجيد فابكوا شيخكم يا أهل نجد ... على الإطلاق ذي الخلق الحميد أبا محمود ذو فضل وعلم ... كفضل القائمين على القعيد وأما فضله في الفقه فاعلم ... كفضل السائدين على العبيد

стр. 584

وفي كل العلوم له اطلاع ... فوا قلباه لما قيل أودي حليم بل عليم ذو تقاء ... وذو زهد وخوف للوعيد ترى الطلاب عاكفة عليه ... يميحون السائل كالورود إذا ما قال قائلهم أفدنا ... أجاب بلا فتور أو جمود برفق ثم إرشاد بعلم ... وأن تبحثه يأتي بالمزيد لتبكيه المحافظ حيث لفت ... عن التدريس في الزمن السعيد كذا الأقلام تبكي حيث جفت ... عن التسويد في الورق الجديد ربوع الشيخ أمست دارسات ... وقد كانت تضيق من العديد قلاها الراتعون بها زمانا ... كفقد المستفيد من المفيد بدور العلم غابت عن أناس ... على الدنيا تواصوا بالخلود وفي تحصيلها كدوا وجدوا ... ولم يدروا إذا النقص الشديد إذا غابت رجال العلم منهم ... فباقيهم كأشباه القرود أرانا موجعين بكل عام ... لنا حبر يواري في الصعيد رزئنا الشيخ إبراهيم قدما ... ومفتي الوشم أنعم بالرشيد فغابت شمسنا المومى إليها ... فتم العقد بالنبل الفريدي ومفتيها إذا أشبكت فروع ... ولم يمتاز شوك من نضيد سيعطيك الجواب بلا توان ... عليم بالزكي من النقود سلام الله ما هبت رياح ... على من حل في بطن الصعيد ورضوانًا وغفرانًا يوالا ... وإحسانًا إلى يوم المزيد على أشياخنا أولاك كنا ... بهم نسمو على كل العبيد فيا مولاي أوردهم جنانًا ... مع الأبرار في دار الخلود ثم أنه امتدح الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأثنى على آبائه وأجداده ومراده بالشيح يعني أخاه المتقدم ذكر وفاته، وأما مفتي الوشم فهو الشيخ علي بن عيسى المتقدم ذكر وفاته في السنة التي قبلها فالله المستعان.

стр. 585

ثم دخلت سنة ١٣٣٣ ه ـ ففيها وصل إلى جدة تجار ألمان أتوا من الصين الألمانية واي هاي واي، متنكرين باسم تجار يابانيين وعبروا مضيق ملقا إلى سواحل الهند فالبحر العربي فباب المندب فجدة ثم أرادوا الذهاب إلى سوريا فشرعت الحكومة تستعد لهم بقوة لتوصلهم وتحافظ عليهم ولكن الشريف على ما يقال حال دون ذلك وتعهد بإصالهم من قبله أناسًا ليكونوا أدلاء ورفقاء لهم ثم أوعز لقومه أن يقتلوهم عن بكرة أبيهم فقتلوهم بعد مغادرتهم لجدة بمراحل. ذكر مساعي بريطانيا العظمى وقيامها ضد تركيا فنقول قامت الإنكليز بما لديها من القدرة فاستمالت العرب إليها بالسياسة والأطماع والمكر والخديعة وبذلت الأصفر الرنان لأمراء الأتراك ومنتهم بوعودها فخانت الأمراء والوزراء دولتها ما عدا ابن رشيد فإنه لا يزال على ولاء الأتراك. ولما انضم العرب إلى الحلفاء وكان في صفها روسيا قامت بريطانيا تستقرض من اليهود والأمريكيين لأن أمريكا كانت إذ ذاك على الحياد، فدفع اليهود قرضًا سمينًا للإنكليز ووعدتها وعدًا عرف بوعد بلفور نتيجته أن يعطي اليهود مقابل ذلك القرض سكنى فلسطين، ولقد أخطأت بريطانيا بهذا الوعد وظلمت العرب مساكنهم، ثم أنها شرعت الإنكليز في مفاوضة الشريف على أن الأتراك يفاوضونه لأنهم في ريب منه. مفاوضة الفريقين للشريف بينما كان الملك حسين بن علي الشريف في ظهر يوم من الأيام على المائدة في الطائف عنده ابناه عبد الله، وزيد، دخل الحاجب يقول غريب في الباب يبغي سيدنا وكان هذا الغريب رسولًا خفيًا جاء إلى الحجاز متذرعًا بالحج وهو يحمل إلى الشريف سرًا من مندوب بريطانيا العظمى في مصر "اللورد كتشن" دعوة للانضمام

стр. 586

إلى مصاف الأحلاف فأبى يومئذ الشريف ثم كتب إليه "السير هنري مكماهون" في الموضوع نفسه فتردد وتودد، وكان لا يزال محافظًا على ولائه للعرش العثماني مع أنه لم يحضر إلى المدينة للسلام على أنور وجمال عندما زاراها في هذه السنة، وقد كان نصح للأتراك أن لا يدخلوا في الحرب العظمى ولكنه بعد دخولهم عرض عليهم المساعدة بشروط منها: العفو عن المسجونين السياسيين في سوريا والعراق وإعطاء البلدين نوعًا من الاستقلال أي إنشاء حكم لا مركزي فيهما وعندما رفض الترك طلبه وألحوا عليه رغم ذلك بالتجنيد في الحجاز ذهب إلى قرية خارج مكة يعتزل السياسة إلى حين ثم حدثت الفظائع في سوريا وعلى رأسها شنق أحرار العرب فأثارت غضب الشريف فكتب إلى جمال باشا الذي هو أحد رجال الدولة العثمانية وأحد نقبائها يحتج على أعماله القاسية فأجابه جمال أن يتقي بنفسه بدل أن يدافع عن سواه، ثم كان يفاوض الإنكليز ليتفق معهم ويفاوض أيضًا الأتراك على السوية بل أنه كان يترقب الفرص ليثور على الأتراك ويستقل بالحجاز، ثم أنه أرسل بعض المتطوعين إلى المدينة المنورة وطلب من جمال باشا إرسال المال والسلاح لمساعدة المتطوعين فجاءه من الدولة ستون ألف جنيه، وعلى أثر ذلك أبرق الحسين إلى أنور باشا يقول له إذا كنت حقًا ترغب في إلزامي لجانب الهدوء والسكينة فينبغي الاعتراف باستقلالي في سائر الحجاز من تبوك إلى مكة وجعلي أميرًا وراثيًا فيها كما ينبغي أيضًا العدول عن محاكمة العرب المتهمين وإعلان العفو العام في سوريا والعراق فأرسل أنور باشا هذه البرقية إلى جمال باشا، فكتب جمال للحسين لقد نمى إلى خبر برقيتك إلى أنور باشا فأنت تطلب أن تكون الإمارة وراثية في أسرتك وأن يمنح أشخاص عديدون العفو الشاهاني بعد أن قامت البراهين على خيانتهم للوطن والملة، وليس من المستطاع إجابة هذا الطلب الثاني ولا أدى ذلك إلى ضرر شديد في مسألة لها تعلق وارتباط بالمصلحة العامة فإن الحكومة التي تصفح عن الخونة خليقة بأن يتهمها الجمهور بالضعف بل قد يغري ذلك الصفح كثيرًا من الناس بالخيانة وطعن الدولة والملة طعنة نجلاء فلو عرفت محتويات الوثائق التي ظهرت في المحكمة لرأيت إلى أي حد من الخيانة قد تسفل إليه أولئك المتهمون.

стр. 587

أما فيما يختص بمسألة جعل الإمارة وراثية في أسرتك فإني يخيل لي وأظنك تسامحني في ذلك الرأي لأن الفرصة ليست مناسبة للمطالبة بذلك الطلب فإني في وقت الحرب الذي تتعرض فيه كل قوى الإنسان العقلية والجسمية لأشد العناء والنصب أراك تعترف بأن الإعراب عن مثل تلك الرغبات من شخص يشغل مركز إمام وفي أهم بقعة من بقاع الدولة العثمانية بقعة هي أكثر تعرضًا للأخطار عما عداها لا بد أن يكون له أسوء وقع في نفوس الجمهور والذي اعتقده أنه ما كان ينبغي لك أن تطلب مثل ذلك الطلب حتى لو كان لك الحق في طلبه وذكر أن الهم ينبغي صرفه إلى جهة واحدة وهي إحراز النصر في تلك الحرب وأشار إلى أن دخول الدولة في تلك الحرب لمصلحة العالم الإسلامي. ثم بعد شهر جاء رد الشريف الحسين على البرقية وفيها: إن جواب جمال باشا وقع في نفس الشريف أسوء وقع؛ وأرسل إلى الصدر الأعظم جوابًا يقول فيه أنه لا يعرف أي الرجلين يصدق أهذا السياسي الذي يتعامل معه مباشرة ولطالما أظهر له المجاملة والود، أم ذاك الذي استعمل معه ألفاظًا جارحة مهينة فهو يرى نفسه مضطرًا إلى قطع العلاقات مع الحكومة حتى تجاب المطالب التي طلبها من أنور باشا منذ شهرين، وأيضًا أرسل إلى جمال باشا برقية بهذا المعنى، هذا ما دار بين الحسين وتركيا وما حصل بينه وبين جمال باشا الحازم الذكي. وإليك ما دار بين الشريف وبين بريطانيا العظمى من المفاوضات فنقول: انتخبت الإنكليز لمفاوضة الشريف وضمه إليها أحد رجالها، وتشير إلى تلويحة هنا قليلة بأن بريطانيا وقفت برجال من قومها مخلصين مهذبين يكدحون لمصالح الدولة ويسهرون لها ويبذلون النفس والنفيس في رضا حكومتهم وإن قضى ذلك بهلاك ذاتهم وما تنهض الأمة إلا برجال قدراء وقواد مثقفين محنكين شذبتهم التجارب وفطروا على نجاح الطلب والتضحية بالنفوس في سبيل الحكومة ولولا

стр. 588

ذلك لم تتقدم الشعوب ولم تتسع الممالك، نسأل الله تعالى أن يغيث الحكومات الإسلامية برجال الدين والقدرة والشجاعة والسياسة والنصح، وإني لآسف أن يكون للحكومات الأخرى رجال في هذه الصفة حافظوا على شرفهم وشخصياتهم ومقاماتهم وقانونهم ودستورهم ولا يشاركهم رجال حكوماتنا، فليس دستورهم القرآن وأمتهم العرب الذين تشهد لهم الأمم بالتقدم وشرف الدين وحسن الملبس وهو الصلاح والوفاء إذًا فنقول ندبت بريطانيا لمفاوضة الشريف ذلك الباقعة وهو "السير آرثر هنري مكماهون" الأتبع اللوذعي الساحر بفصاحته الماهرة له هامة عظيمة سبحان من وضعها على ذلك العنق الطويل. ذكر النهضة العربية واتفاق الشريف مع الإنكليز كتب الشريف هذه الاتفاقية المشتملة على خمسة بنود وبعث بها مع كتاب إلى مكماهون ليطلع عليها دولته وهذا نصها: ١ - تتعهد بريطانيا العظمى بتشكيل حكومة عربية مستقلة بكل معاني الاستقلال في داخليتها وخارجيتها وتكون حدودها شرقًا من بحر خليج فارس ومن الغرب بحر القلزم والحدود المصرية والبحر الأبيض وشمالًا حدود ولاية حلب والموصل الشمالية إلى نهر الفرات ومجتمعة مع الدجلة إلى مصبها في بحر فارس ما عدى مستعمرة عدن فإنها خارجة عن هذه الحدود وتتعهد هذه الحكومة برعاية المعاهدات والمقاولات التي أجرتها بريطانيا العظمى مع أي شخص كان من العرب في داخل هذه الحدود بأنها تحل في محلها في رعاية وصيانة تلك الحقوق وتلك الاتفاقيات مع أربابها أميرًا كان أو من الأفراد. ٢ - تتعهد بريطانيا العظمى بالمحافظة على هذه الحكومة وصيانتها من أي مداخلة كانت بأي صورة كانت في داخليتها وسلامة حدودها البرية والبحرية من أي تعد بأي شكل يكون حتى ولو وقع قيام داخلي من دسائس الأعداء أو من حسد بعض الأمراء فيه تساعد الحكومة المذكورة مادة ومعنى على دفع ذلك القيام

стр. 589

لحين اندفاعه وهذه المساعدة في القيامات والثورات الداخلية تكون مدتها محدودة أي لحين يتم للحكومة العربية المذكورة تشكيلاتها المادية. ٣ - تكون البصرة تحت أشغال العظمة البريطانية لحينما يتم للحكومة الجديدة المذكورة تشكيلاتها المادية ويعين من جانب تلك العظمة مبلغ من النقود يراعى فيه حال احتياج الحكومة العربية التي هي حكمها قاصرة في حضن بريطانية وتلك المبالغ تكون في مقابلة ذلك الأشغال. ٤ - تتعهد بريطانية العظمى بالقيام بكل ما تحتاجه ربيبتها الحكومة العربية من الأسلحة ومهماتها والذخائر والنقود مدة الحرب. ٥ - تتعهد بريطانية العظمى بقطع الخط من مرسين أو ما هو مناسب من النقط في تلك المنطقة لتخفيف وطأة الحرب عن البلاد ولعدم استعداها أهـ سنة ١٣٣٣ هـ فأجابه مكماهون في ١٩ شوال منها بهذا الجواب: إلى السيد الحسيب النسيب سلالة الأشراف وتاج الفخار وفرع الشجرة المحمدية والدوحة القرشية الأحمدية صاحب المقام الرفيع والمكانة السامية السيد ابن السيد الشريف ابن الشريف السيد الجليل المبجل ذو الدولة الشريف حسين سيد الجميع أمير مكة المكرمة قبلة العالمين ومحيط رحال المؤمنين الطائعين عمت بركته الناس أجمعين: ثم شرع في كلام حلو لطيف يسبي عقول الأذكياء وأطال ثم ذكر أن مصالح العرب نفس مصالح الإنكليز والعكس بالعكس وذكر رغبتها في استقلال بلاد العرب وسكانها وأن جلالة ملك بريطانيا العظمى رحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدولة النبوية. ثم قال أما من خصوص مسألة الحدود والتخوم فالمفاوضة فيها تظهر أنها سابقة لأوانها وتصرف الأوقات سدى في مثل هذه التفاصيل في حالة أن الحرب دائرة رحاها ولأن الأتراك لا يزالون محتلين لأغلب تلك الجهات احتلالًا فعليًا وعلى الأخص ما علمناه وهو مما يدهش ويحزن أن فريقًا من العرب القاطنين تلك

стр. 590

الجهات نفسها قد غفل وأهمل هذه الفرصة الثمينة التي ليس أعظم منها وبدل إقدام ذلك الفريق على مساعدتنا نراه قد مد يد المساعدة إلى الألمان والأتراك، نعم مد يد المساعدة لذلك السلاب النهاب وهو الألمان وذلك الظالم العسوف وهو الأتراك ومع ذلك فأنا على كمال الاستعداد لأن نرسل إلى ساحة دولة السيد الجليل ما للبلاد العربية المقدسة والعرب الكرام من الحبوب والصدقات المقررة من البلاد المصرية، وستصل بمجرد إشارة سيادتكم وفي المكان الذي تعينونه، وقد علمنا الترتيبات اللازمة لمساعدة رسولكم في جميع سفراته إلينا، ونحن على الدوام معكم قلبًا وقالبًا ومستنشقين رائحة محبتكم الزكية ومستوثقين بعرى محبتكم الخالصة سائلين الله دوام حسن العلائق بيننا، وفي الختام أرفع إلى تلك السدة العليا كامل تحياتي وسلامي وفائق احترامي. المخلص السير آرثر مكماهون نائب جلالة الملك بمصر ثم أجابه الحسين الشريف على هذا الكتاب بكتاب مؤرخ في ٢٩ شوال يلح فيه بقبول تلك الحدود المعينة في الاتفاقية، فأجابه في ١٥ ذي الحجة بكتاب أشد لهجة من الأول وأعذب، وقال بعد الديباجة المفعمة والألفاظ التي بالمسك مضمخة إني قد أسرعت في بلاغ حكومة بريطانيا العظمى مضمون كتابكم وأجابه إلى كل ما طلب سوى تعديلات يسيرة، وتلطف وأطال بالمديح والثناء العجيب، ثم قال بعد ذلك: وفي الختام أرفع إلى دولة الشريف ذي الحسب المنيف والأمير الجليل كامل تحياتي وخالص مودتي، وأعرب عن محبتي له ولجميع أفراد أسرته الكريمة راجيًا من ذي الجلال أن يوفقنا جميعًا لما فيه خير العالم وصالح الشعوب أنه بيده مفاتيح الأمر يحركها كيف يشاء، ونسأله تعالى حسن الختام والسلام. نائب جلالة الملك السير آرثر مكماهون فردَّ الحسين على هذا الكتاب بأنه يعترف بأن الولايتين مرسين وأضنة لستا داخليتين في حدود البلاد العربية التي تطلبها، وقبل تأجيل البحث في ولايتي حلب وبيروت إلى ما بعد الحرب.

стр. 591

ولا غرو ولا بدع للشريف بن علي إذا أنتفخ من هذه التعطفات وامتلأت نفسه عجبًا، وكان عظيم الاستبداد بالأمر دون الوالي التركي حتى كان لا يترك واحدًا من الأهالي يتقاضى في قليل أو كثير إلا عنده سواء في ذلك الأحوال الشخصية والحقوق المدنية، وكان مع هذا يوعز إلى أعيان الحجاز الذين استولى على قلوبهم بدهائه، وما كان يظهره لهم من التحبب والعطف والتواضع أن يكتبوا للدولة بالشكايات من الولاة الأتراك، وأن يفتروا عليهم أمورًا لم تكن، ولقد ساعد الحسين على هذه المشاكسة ضعف الكثير من الولاة الأتراك الذين كانت تبعثهم الدولة العثمانية غافلةً عن ضخامة المركز الذي سيشغله وحروجته وشدة حاجته إلى رجل باقعة في السياسة، صلب العود شديد البطش، يستطيع أن يوقف كل معتدٍ عند حده، بل غفلت الدولة عن كل هذا، فكانت تبعث كل عام من الولاة من يمثل ضعف العزيمة والخور، فما يلبث أن تبث الشكايات فيه بالحق والباطل، فيذهب ويجيء غيره، وهكذا إلى أن وقفت الدولة لرجل جمع صفات الولاية ومؤهلاتها من سياسة إلى ذكاء وفطنة إلى حب للخير، وعطف على الناس إلى شجاعة وقوة عزيمة وصرامة، رأي ذلك هو "وهيب باشا" الرجل الذي بيض بالحجاز وجه الدولة، ونال بحق إعجاب عقلاء الحجازيين، ولكنه مع الأسف جاء والخرق كان واسعًا والشريف كان ذا عصبية لا يستهان بها، فأخذ وهيب يعمل بجد وهمة لا يفتر على تحسين مركزه والضرب على يد العابثين، فكانت حرب عنيفة بين الحسين وبينه غبارها مرةً يعلو ومرةً يهبط، ونارها مرةً تصل إلى عنان السماء ومرةً تخبو، حتى كادت تؤدي إلى استعمال السلاح والتقاء الجيوش، ومن كان له أنفةً وشيمةً فلا يرضى لنفسه بالدنايا ولا يدع حقوقه تمتهن، ويسكن غبار تلك المشاغبات سياسة وهيب وحكمته، وما كان وهيب باشا يقرب من الغاية، حتى جاءت الحرب العالمية التي نحن بصددها، فغيرت مجرى الحوادث، ودبرَّ الحسين ما دبره، وذهب وهيب باشا إلى المدينة من متطوعي الحجاز، وأقام بمكة خلفه غالب باشا وانتهى الأمر بنهضه الحسين التي كان يمني العرب والحجاز بأنها ستنيلهم استقلالًا تامًا وتحررهم

стр. 592

من قيود التبعية التركية وتعطيهم من الحربة ما يعيدون به مجد السالفين، وعز الغابرين فعاونوه على نهضته بكل ما استطاعوا، وأطاعوه حتى فيما كرهوا، وأسفر الصبح عن مأساة شنيعة جدًا أحمر لها وجه العرب والمسلمين خجلًا، وقرت بها عيون الحلفاء والأوربيين جذلًا. ذكر وقعة جراب سنة ١٣٣٣ ه ـ قد قدمنا أن الدولة العثمانية قد اتفقت من ابن رشيد أمير حائل وهو سعود بن عبد العزيز بن متعب، وأمدته بعشرة آلاف بندقية من أمهات خمس القصار، وأمد الإنكليز ابن سعود على حرب ابن رشيد، وقد كان ابن سعود لا يلتفت إلى شريف مكة ولا إلى منع المارين من رسل الدولة للاجتياز إلى اليمن، وإنما كان يهمه ابن رشيد أمير الجبل، فما كان إلا القليل حتى تأهب الفريقان للحرب في وقت قصير ولم يتجاوز جيش كل منهما ثلاثة آلاف مقاتل، فقد كان مع ابن سعود نحو ألف مقاتل من الحضر وأكثرهم من أهل الرياض ونواحيها، ويمتاز هؤلاء المقاتلة بالبسالة والشدة ومعه ثلاثمائة خيال من العجمان ما عدى البادية ومدفع واحد لا غير، كما أن ابن رشيد معه ستمائة من الحضر وألف فارس من فرسان شمّر، وقد رافق ابن سعود الضابط الإنكليزي شيكسبير المتقدم ذكره، فما استحسن ابن سعود خروجه معه وقال له: ليس من رأي أن تمشي معنا وإني أفضل انتظارك إيانا في الزلفي فنعود إن شاء الله إليك، غير أن الضابط أجابه بقوله لا يجوزان يقال أن رجلًا إنكليزيًا قرب من ساحة القتال بين ابن سعود وابن رشيد ورجع جبانةً وخوفًا، وقد ألحّ عليه ابن سعود بالرجوع، وألح هو أيضًا بالحضور، فركب مع الجيش إلى ساحة القتال في جراب، وجراب هذا ماء من مياه القصيم. ولما أن حضر شكسبير في جيش ابن سعود قام على تعصبه بعادات أجداده وتقاليد أمته فما غير لباسه، بل ركب وبين يديه آلة التصوير، فلما كان في سابع ربيع الأول التقى الجمعان واصطدم الفريقان وذلك في شدة الحر وعلت بالقوة

стр. 593

والبسالة قوم ابن سعود يقولون "أهل التوحيد أهل العوجاء وشمر يعترون بهذه الكلمة "سناعيس سناعيس" وقد أخرجت شمر عمارياتها وهذه العماريات بنات أبكار، من عادات العرب أن كل قبيلة تنتخب في الحرب بنتًا من بناتهم الأبكار تسمى العمارية، فتركب في هودج أو تقف وتكون سافرة مرخية شعرها وتتقدم قومها إلى ساحة القتال والوغي منتخية منخية ولا أعلم لأي فائدة في ذلك ويقرب أن وجود هذه البنت بين قبيلتها يشجعهم على القتال فيقوموا بواجب الدفاع عن النساء والذرية، وقد أبطل ابن سعود هذه العادة القبيحة، أما الانتخاء بأهل العوجاء فهو لأهل الرياض والاعتزاء يكون بأسماء الآباء والأجداد وأسماء القبائل أو البلدان وما فيه مفخرة. ولما أن تبادرت الأصوات "أهل العوجاء أهل العوجاء" ويردد الإخوان من قوام ابن سعود أيضًا هؤلاء الكلمات التي تقذف البدوي في الوغى وتصليه نيران الحرب: هبت هبوب الجنة ... أين أنت يا باغيها كما أنه يجيبهم أولئك سناعيس سناعيس، ما كان إلا أن تصادمت الأبطال وتقارعت في المجال وتطاردت وتراجعت، وكان ذلك في ظهر ذلك اليوم، فكانت الغلبة في بادئ الأمر لابن سعود وجعل رصاص أهل التوحيد يقع أمام الشمريات الواقفات فوق أسمنة الإبل فيصحن بالرجال إلى القتال ويهتفن هازجات: يلي يتمنًا حربنا ... غويت يا غاوي الدليل كم واحدٍ من ضربنا ... دمه على الشلفي يسيل فاحتدم القتال ودوت البنادق فأصيب شكسبير برصاصة قضت عليه، وظهر تخاذل من فرسان العجمان الذين هم مع ابن سعود بأن تراجعوا فأغارت إذ ذاك بادية ابن رشيد على جناح أهل التوحيد الأيسر فدحروه وغنموا أمواله. وكان بدو ابن سعود الذين أكثرهم من مطير قد أغاروا أثناء ذلك على جيش ابن رشيد ومخيمه فغنموا وفازوا وانفصلت الواقعة عن هزيمة ابن سعود، وقد حدثنا من حضرها أن رايته تجر على الأرض حتى مزق بعضًا منها.

стр. 594

ولحق رجل من العدو ابن سعود وكان الرجل فارسًا ولم يعرفه، فقال له ألق السلاح، فالتفت إليه ابن سعود وبيده سيفه فقال خذه فإنك أهلٌ له، فضربه بالسيف بقوة فقسمه السيف شطرين. وقد قال الشيخ سليمان بن سحمان قصيدة في هذا الموضوع يسلي بها صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود، وأن الحرب سجال وفيها تحريضه أيضًا على الجهاد. أمور القضا ليست بحكم العوالم ... ولكن إلى ربٍ حكيمٍ وعالم فضاها إله العرش ﷻ ... وقدرها من قبل خلق العوالم بخمسين ألفًا قدرت من سنينا ... فليس لأمر حمه من مقاوم فلوا أن "لو" تجدي وتنفع قائلًا ... لأصبح مفتونًا بها كل لائم يلوم على ما قدر الله والقضا ... فتبًا له ماذا جنى من مآثم وما كان هذا الأمر بدعا فقد جرى ... لأفضل خلق الله صفوة هاشم محمَّد الهادي إلى الرشد والهدى ... وأصحابه أهل النهي والمكارم لأن كان قد أضنا بنا وأمضنا ... بشؤم الذنوب المعضلات العظائم من القرح ما نرجوه من فضل ربنا ... وإحسانه محوًا لتلك الجرائم فقد مسهم من ذلك القرح فادحٌ ... فكانوا طعامًا للنسور الحوائم بأيدي رجال من ذوي الصدق في اللقا ... حماةٍ كمات كالأسود الضراغم يسومون في الهيجا نفوسًا عزيزةً ... وترخص منهم في حضور الملاحم وقد غادروا أبناء حائل في الوغى ... جثاثًا ركامًا كالهشيم لشائم وقد منَّ مولانا بطلعتك التي ... أضاءت بها شمس العلى في العوالم فأصبح هذا الناس في ظل مجدكم ... بأمنٍ وفي رغدٍ من العيش ناعم وجاء بك المولى معافًا مسلمًا ... وأعداك في كبتٍ وذلٍ ملازم الخ. على أن العدو لم سلموا من الانهزام لكن شدة الوقعة كانت على ابن سعود.

стр. 595

ومن أبيات للشيخ حسين بن علي بن نفيسة يسلي بها صاحب الجلالة ويذم بها العجمان الخائنين بأنهم لئام لا يفيد فيهم الإحسان وهي قوله: سبحان من يجمع الأوصاف في بشرٍ ... حتى يذل له في الحب شجعان قلت أمتعينا بوصلٍ يا حبيبتنا ... فطالما جد بي وجدٌ وهجران قالت تروم وصالًا لا سبيل له ... هلا سمعت بما قد رام ضيدان رأس النفاق ضعيف الرأي أسفهم ... أبدا الخنا فغدى للشر ديدان واستسمن الكلب بالنعما فقابلها ... بالكفر والغدر إذ غيره عجمان هذا تذكر ما أسدى الإمام له ... له النفائس أفراسٌ وذيدان بل والفلوس وما قد صيغ من ذهبٍ ... الكل تأتيه أمنان وأثمان يا ضيعة المال فيمن ليس يشكره ... إذ قال ربي جزى الإحسان إحسان في فرقة نكثت للعهد فاسدةً ... تأتي الفساد كما يأتيه فيران لا غرو قد وافقوا الأتراك دهرهم ... فليس ينهاهم دينٌ وإيمان من حبهم أجلبوا نحو العراق وقد ... جدوا بآثارهم رحلٌ وأضعان فخاب ما أملوه من مفاسدهم ... ضلوا كما ضل في مسراه حيران لا يهتدون إلى رشدٍ وقد جبلوا ... على طبائع أسلاف لهم بانوا فالشرى لم تنقلب أريًا مرارته ... وقد يكون من الثعبان ثعبان فالسحت مأكلهم والغدر شيمتهم ... لم تغن عنهم مواثيق وأيمان كم خربوا بلدًا كم فرقوا عددًا ... كم أيتموا ولدًا كم مسلمٌ هانوا قد قال جدي حسين فيهم مثلًا ... تلقاء عمك إذ وافاه راكان لو ترم في البحر صلبوخًا وتخرجه ... فأقدح ففي وسطه شرٌ ونيران هم الزناديق لا تقبل لعذرهم ... كم نالهم منك إعراضٌ وإحسان فلم تزدهم سوى البغضاء من سفه ... إذا صدهم عن سبيل الرشد شيطان إياك إياك أن تريحهم أبدًا ... أن اللئام إذا لم يغدروا خانوا فالعفو عن مثلهم ذل ومنقصةٌ ... والجور في مثلهم جود وإحسان

стр. 596

بنو القطيعة ها هم قطعوا سبلًا ... فاقتل وصلب كما قد قال قرآن كسر أنوفًا من الإعجاب قد شمخت ... كما تكسر أصنام وأوثان بالقتل والأسر والتشريد عاملهم ... ما للصنيع مع الفجار ميدان أعدَّ لهم ملحًا مع طبعةٍ سلفت ... حتى يكونوا كأن القوم ما كانوا لا تبق مصاص ثدي منهم أبدًا ... كي لا تثور من الكبريت نيران شردّ بهم من بهجرٍ من بواديها ... فهم أناسٌ لأهل البغي أوثان لا يسكنون بها ما دمت مالكها ... فإنما وطن الأشرار نجران يقول قائلهم فاتتكم رطبٌ ... فابكوا وقد فاتكم خوخٌ ورمان فلا يغرك من أبدا بشاشته ... والقلب بالغش والبغضاء ملآن مهلًا رويدًا بنوا السوآت فاتئدوا ... حتى يصبحكم جيشٌ وفرسان مع الهمام زكي الأصل يقدمهم ... ليثٌ إذا ما التقى الأبطال غضبان عبد العزيز الذي سارت فضائله ... في الأفق غنى بها جمعٌ ووحدان في فتيةٌ من بني الإِسلام قد عرفوا ... في الحرب إن خالط الأقران أقران كم وقعةٍ أوقعوها في عدوهم ... يكاد من ذكرها ينهد ثهلان فأصبح الملك للرحمن ثم له ... والمسلمون له جندٌ وأعوان الخ. وهي طويلة جميلة حذفنا باقيها خشية الإطالة. ذكر التعريف بالعجمان هم من قبائل اليمن من قحطان وينسبون إلى همدان وينتمون إلى مذكر بن أيام بن أصبا بن رافع بن مالك بن جشم بن خيوان بن نوق بن همدان يسكنون في الماضي نجران، ثم ارتحلوا شرقًا وهم قبيلة، ولما أن سكنوا نجدًا ما كان لهم في ذلك الوقت قوة يمتنعون بها, ولما كان في أيام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود جعلوا ينافقون ويظهرون حلو الكلام فأحسن الإِمام إليهم وأنزلهم بلدة بني خالد وبعد هلاك الإمام تركي عاملهم نجله فيصل بمثل معاملة أبيه لهم فبطروا النعمة،

стр. 597

واستفحل أمرهم فصاروا يقطعون الطرق على السابلة والحجاج، وكان لهم صرامة وحميةً وعصبيةً يندر مثلها في العشائر وفيهم التقلب والغدر، عصوا الدولة العثمانية فتركتهم وشأنهم وكثيرًا ما كان عمالها في الحسا يشاركون رؤسائهم الغنائم ومع ذلك فقد كان الواحد منهم يسلب جندي الدولة فرسه ويدخل بها الحساء لينعلها، وعصوا مبارك بن صباح فحاربهم واسترضاهم وما تمكن لا من قهرهم ولا من ولائهم. وكان من تمردهم أن نسوا معروف الإِمام تركي، وناصبوا ابنه فيصل بالعداوة، فسيّر إليهم نجله عبد الله فأوقع بهم في ملح، وكاد يفنيهم بعدها بعام في واقعة الطبعة بقرب كاظمة على خليج الكويت، ثم أجلاهم إلى نجران، وبعد ولايته واختلافه مع أخيه سعود ذهب سعود إلى نجران فاجتمعوا عليه وآزروه وجاءوا معه يناصرونه وليثأروا باسمه من عبد الله وقد قدمنا في موضعه وآخر أمرهم ووالوا ابن سعود ثم حالفوا عليه أبناء عمه العرائف، هذا مع أنهم أصغر القبائل عددًا فمقاتلتهم لا تبلغ خمسة آلاف مقاتل، وقد تفوقوا حتى نازعوا بني خالد الإمارة, كما قال الشاعر: وقد قسموا الإحساء جهلًا بزعمهم ... لعجمانهم شطر وللخالدي شطر وكان لهم شدة بأس وعصبيةٌ يفنى بعضهم في سبيل بعض إذا سئل الواحد منهم أتقبل الخير من الله بنفسك يجيب قائلًا: لا أقبل خيرًا لا يكون للعجمان كافة. ولقد جائهم ابن سعود بالخير العميم فرفضوه مرارًا بل امتشقوا الحسام عليه والتاريخ شاهد عليهم كما في جراب والإحساء، وسنذكر قصة فيما بعد ذلك في قتل ضيدان وما جرى منهم من إلقائهم أنفسهم إلى التهلكة في طلب ثأره. ولما أن انتهت واقعة جراب عاد ابن سعود إلى القصيم، وعاد ابن رشيد إلى جبل شمّر فأدبَّ كل واحد من الأمير بن بادية الآخر، ووفق كل واحدٍ بمقصوده، ولكن ابن سعود لم يقتنع بما نال من البادية بل ذهب يطلب خصمه الذي قد رحل

стр. 598

برجاله إلى العراق، ثم عاد منه فلما كان ابن سعود بشقراء جاءه رسول من ابن رشيد يطلب الصلح والسلام فجددت المعاهدة السابقة. ولما أن كان في ذلك اعتدى العجمان على عشائر ابن صباح فنهبوا مواشيهم، فكتب ابن صباح إلى عبد العزيز يشكوهم ويطلب منه تأديب المذنبين ورد المنهوبات، وكان مجيء الرسول إليه في شقراء أيضًا، فأرسل ابن سعود ابن عمه ناصر إلى الشيخ مبارك بكتاب يقول فيه: لست يا مبارك بصديق صدوق قد نالني من العجمان أكثر مما نالك فصبرت وتحملت، ونحن الآن في وقت القيظ ولا نتمكن من شدته أن نسير بجيش إلى ديرة العجمان، والأمر الثاني هو أني في ريب من صلح ابن رشيد فأخشى نكث العهد إذا أنا غادرت نجد ودخلت في حرب العجمان، والأمر الثالث نفقات هذه الحروب وقد تكاثرت علي فضاقت في سبيلها الأسباب، والأمر الرابع يا حضرة الوالد هو أني أخشى أن يلجأ العجمان بعد الحرب إليك فتنقلب علي كما فعلت يوم سعدون والظفير، ومن رأيي في حال العجمان أن تؤجل المسألة إلى فصل الصيف، فكتب مبارك إلى ولده عبد العزيز إن الأمر لا يؤجل ولا بد استرجاع المنهوبات فأجابه عبد العزيز قائلًا: إن العجمان لا يرجعون ما ينهبون إلا مكرهين بحرب وعنف لأن مباركًا مسلفهم الإساءة، فإذا عزمت على محاربتهم تعطيني عهد الله وميثاقه أن تعينني بالمال والرجال وأن لا تسلك في سياستك معهم مسلكًا غير مسلكي، ولا تستقبلهم إذا لجأوا إليك ولا تتوسط بالصلح بيني وبينهم، ولما أن عاهده مبارك على ذلك بعهد الله وميثاقه مشى عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى الحساء بفرقة صغيرة من الحضر والبدو في صيف هذا العام بشدة الحر القائظ، أضف إلى ذلك أنها على أثر واقعة جراب، فعلم العجمان بقدومه فرحلوا اتجاه قطر، فعندها حشد عبد العزيز بن عبد الرحمن جيشًا من أهل الحساء وزحف جنوبًا متقفيًا أثرهم، وقد كان لشدة الحر لا يستطاع المشي نهارًا فكيف بالقتال، ولم يكن لديهم رواحل لضعف الحال فأسروا ماشين حتى وصلوا موضعًا يسمى كنزان، وكان العدو معسكرًا فيه، أولئك العجمان فلا يستهان بشرهم.

стр. 599

ولما أن وصل ابن سعود بجنوده إلى ذلك الموضع كانت النخيل تبدوا في الليل كأبيات من الشعر فشرعوا يطلقون الرصاص عليها ظنًا منهم أنها العجمان، غير أن العجمان أخلدوا ورائها حتى أفرغ أهل الحساء ذخيرتهم على الأشجار، فخرجوا من مكامنهم والتقوا بابن سعود وذويه فهاجموهم من ورائهم، فتلاحم الفريقان واستمروا طيلة ذلك الليل الشديد الظلمة، فاختلط الحابل بالنابل، بل ظل أهل الإحساء يفتك بعضهم ببعض من شدة الظلمة فجرح صاحب الجلالة عبد العزيز، وقتل أخوه سعد بن عبد الرحمن رحمة الله تعالى عليه، وكان عمره حين قتل في السابعة عشرة، فدارت الدوائر على رجال ابن سعود وعادوا منهزمين إلى الحساء، وتقفاهم العجمان حتى نزلوا قرب الهفوف فحاصروها ثلاثة أشهر. ولما رأى ابن سعود تفاقم الأمر بعث إلى والده ليستنفر أهل نجد، وبعث إلى الشيخ مبارك يستنجده أيضًا، فسارع أهل نجد تحت قيادة أخي الملك محمد بن عبد الرحمن، وقد انضم إليه سعود بن عبد العزيز العرافة وكان قد فرَّ قبل ذلك من الخرج إلى ابن رشيد وحارب معه في واقعة جراب، غير أنه لما رأى هذه المرة ابن عمه الملك عبد العزيز في تلك المحنة أخذته الحمية وعاد إليه تائبًا ومناصرًا وما أحسنها من حالة نسأل الله أن يلم شمل المسلمين ويعطف قلوب بعضهم على بعض، وما فازت أمة إلا بالتعاضد والتناصر والمساعدة كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وما حدث الفشل والضعف إلا عن نتيجة التفرق والنزاع والتخاذل. ولما أن علم العدو الألد ابن رشيد تحفز للوثوب ملقيًا بالعهود والصلح عرض الحائط ونكث العهد يريد احتلال بريدة، فزحف إليها ما دام ابن سعود منشغلًا بورطة العجمان، ولما أن زحف يريد بريدة، لم يعجب الشريف حسينًا عمل ابن رشيد هذه المرة، ذلك بأنه يريد الانضمام إلى الإنكليز، وابن رشيد كان حليف الأتراك فأرسل ابنه عبد الله لمضادة ابن رشيد، ولما علم ابن رشيد بزحف عبد الله بن الحسين ليصده رجع من أثناء الطريق مدحورًا، وعاد عبد الله بن الشريف إلى الحجاز مطمئن البال، ولما لم يأت من قبل مبارك بن صباح مدد بعث إليه ابن سعود ثانيًا يذكره العهد وما بينهما من المساعدة فجاءت منه نجدة صغيرة مجهزة تحت قيادة

стр. 600

ابنه سالم واثنين آخرين من أولاده، وكانت هذه القوة صغيرة لا تتجاوز مائة وخمسين رجلًا من الحضر ومائتين من البدو، ثم إنها قدمت الإحساء وانضموا إلى جيش ابن سعود، ثم إنه امتد حصار العجمان للهفوف ثلاثة أشهر مدة الصيف، والحقيقة أنهم نزلوا أماكن تكثر فيها الثمار وتتفجر الأنهار فلا يستطيع المهاجمون الوصول إليهم، فلما كان في آخر ذي القعدة رحلوا منها فتبعهم عبد العزيز وأمر أخاه محمد وسالم بن صباح وجنودهما أن يبقوا في مراكزهم وزحفوا ليلًا بفرقة من رجاله ومعهم بضعة مدافع، ومشوا على الأقدام لأن أكثر الإبل كانت قد أرسلها إلى نجد لقلة المرعى في الحساء، فأدركوا العجمان في وقت الصباح فنصبوا عليهم المدافع، ثم هموا بالهجوم، ولكن سارع أولئك العربان إلى ركائبهم ففروا عليها هاربين إلى جهة الكويت فلم يتمكن السعوديون من اللحاق بهم لقلة الركائب، ثم إنه عاد عبد العزيز إلى مقره وأمر أخاه وسالمًا حليفه بمطاردة العجمان، فجمع الاثنان رجالهما ومشوا كلهم طائعين متآلفين، ولكنه ما كان إلا قليل حتى تفرقوا، فلما أن أدركوا العجمان ظهرت خيانة آل صباح بأن هجروا حليفهم ابن سعود واتفقوا مع أولئك العشائر العاصية، وكان الباعث لذلك أن سالمًا لما اشتبك بالقتال مع العجمان نصرةً لابن سعود، وظهرت الفرصة للظافر انقلب سالم فجأةً فصالح العجمان وأعلن حمايتهم لكتاب جائه من قبل أبيه مبارك يؤتيه فيه ويقول: أرسلتك مراقبًا لا مقاتلًا. ولما أن ظهرت تلك الخيانة من ابن صباح أرسل محمد بن عبد الرحمن إلى أخيه الملك يخبره أعمال ابن صباح ويستأذنه بالهجوم على العدوين ابن صباح والعجمان، فأجابه الملك بقوله: لا تفعل، كيف نكون حلفاء في أول النهار وأعداء في آخره، والناس لا يعرفون حقيقة الحال، ثم كتب عبد العزيز إلى الشيخ مبارك يشكو إليه خيانة سالم ويقول: لم أقدم على تأديبه إكرامًا لك، فأجابه الشيخ مبارك في كتاب يقول فيه بأن بينه وبين العجمان صداقة قديمة، وما طلبت منك أن تحاربهم بل أن تسترجع منهوباتي منهم، ما طلبت منك أن تطردهم من ديارهم، فلما قدم كتاب مبارك على الملك عبد العزيز وقرأه جعل يحتدم غيظًا وهتف يردد
следующие страницы →