Полный текст (2 873 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
بنو القطيعة ها هم قطعوا سبلًا ... فاقتل وصلب كما قد قال قرآن
كسر أنوفًا من الإعجاب قد شمخت ... كما تكسر أصنام وأوثان
بالقتل والأسر والتشريد عاملهم ... ما للصنيع مع الفجار ميدان
أعدَّ لهم ملحًا مع طبعةٍ سلفت ... حتى يكونوا كأن القوم ما كانوا
لا تبق مصاص ثدي منهم أبدًا ... كي لا تثور من الكبريت نيران
شردّ بهم من بهجرٍ من بواديها ... فهم أناسٌ لأهل البغي أوثان
لا يسكنون بها ما دمت مالكها ... فإنما وطن الأشرار نجران
يقول قائلهم فاتتكم رطبٌ ... فابكوا وقد فاتكم خوخٌ ورمان
فلا يغرك من أبدا بشاشته ... والقلب بالغش والبغضاء ملآن
مهلًا رويدًا بنوا السوآت فاتئدوا ... حتى يصبحكم جيشٌ وفرسان
مع الهمام زكي الأصل يقدمهم ... ليثٌ إذا ما التقى الأبطال غضبان
عبد العزيز الذي سارت فضائله ... في الأفق غنى بها جمعٌ ووحدان
في فتيةٌ من بني الإِسلام قد عرفوا ... في الحرب إن خالط الأقران أقران
كم وقعةٍ أوقعوها في عدوهم ... يكاد من ذكرها ينهد ثهلان
فأصبح الملك للرحمن ثم له ... والمسلمون له جندٌ وأعوان
الخ. وهي طويلة جميلة حذفنا باقيها خشية الإطالة.
ذكر التعريف بالعجمان
هم من قبائل اليمن من قحطان وينسبون إلى همدان وينتمون إلى مذكر بن أيام بن أصبا بن رافع بن مالك بن جشم بن خيوان بن نوق بن همدان يسكنون في الماضي نجران، ثم ارتحلوا شرقًا وهم قبيلة، ولما أن سكنوا نجدًا ما كان لهم في ذلك الوقت قوة يمتنعون بها, ولما كان في أيام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود جعلوا ينافقون ويظهرون حلو الكلام فأحسن الإِمام إليهم وأنزلهم بلدة بني خالد وبعد هلاك الإمام تركي عاملهم نجله فيصل بمثل معاملة أبيه لهم فبطروا النعمة،
стр. 597
واستفحل أمرهم فصاروا يقطعون الطرق على السابلة والحجاج، وكان لهم صرامة وحميةً وعصبيةً يندر مثلها في العشائر وفيهم التقلب والغدر، عصوا الدولة العثمانية فتركتهم وشأنهم وكثيرًا ما كان عمالها في الحسا يشاركون رؤسائهم الغنائم ومع ذلك فقد كان الواحد منهم يسلب جندي الدولة فرسه ويدخل بها الحساء لينعلها، وعصوا مبارك بن صباح فحاربهم واسترضاهم وما تمكن لا من قهرهم ولا من ولائهم.
وكان من تمردهم أن نسوا معروف الإِمام تركي، وناصبوا ابنه فيصل بالعداوة، فسيّر إليهم نجله عبد الله فأوقع بهم في ملح، وكاد يفنيهم بعدها بعام في واقعة الطبعة بقرب كاظمة على خليج الكويت، ثم أجلاهم إلى نجران، وبعد ولايته واختلافه مع أخيه سعود ذهب سعود إلى نجران فاجتمعوا عليه وآزروه وجاءوا معه يناصرونه وليثأروا باسمه من عبد الله وقد قدمنا في موضعه وآخر أمرهم ووالوا ابن سعود ثم حالفوا عليه أبناء عمه العرائف، هذا مع أنهم أصغر القبائل عددًا فمقاتلتهم لا تبلغ خمسة آلاف مقاتل، وقد تفوقوا حتى نازعوا بني خالد الإمارة, كما قال الشاعر:
وقد قسموا الإحساء جهلًا بزعمهم ... لعجمانهم شطر وللخالدي شطر
وكان لهم شدة بأس وعصبيةٌ يفنى بعضهم في سبيل بعض إذا سئل الواحد منهم أتقبل الخير من الله بنفسك يجيب قائلًا: لا أقبل خيرًا لا يكون للعجمان كافة.
ولقد جائهم ابن سعود بالخير العميم فرفضوه مرارًا بل امتشقوا الحسام عليه والتاريخ شاهد عليهم كما في جراب والإحساء، وسنذكر قصة فيما بعد ذلك في قتل ضيدان وما جرى منهم من إلقائهم أنفسهم إلى التهلكة في طلب ثأره.
ولما أن انتهت واقعة جراب عاد ابن سعود إلى القصيم، وعاد ابن رشيد إلى جبل شمّر فأدبَّ كل واحد من الأمير بن بادية الآخر، ووفق كل واحدٍ بمقصوده، ولكن ابن سعود لم يقتنع بما نال من البادية بل ذهب يطلب خصمه الذي قد رحل
стр. 598
برجاله إلى العراق، ثم عاد منه فلما كان ابن سعود بشقراء جاءه رسول من ابن رشيد يطلب الصلح والسلام فجددت المعاهدة السابقة.
ولما أن كان في ذلك اعتدى العجمان على عشائر ابن صباح فنهبوا مواشيهم، فكتب ابن صباح إلى عبد العزيز يشكوهم ويطلب منه تأديب المذنبين ورد المنهوبات، وكان مجيء الرسول إليه في شقراء أيضًا، فأرسل ابن سعود ابن عمه ناصر إلى الشيخ مبارك بكتاب يقول فيه: لست يا مبارك بصديق صدوق قد نالني من العجمان أكثر مما نالك فصبرت وتحملت، ونحن الآن في وقت القيظ ولا نتمكن من شدته أن نسير بجيش إلى ديرة العجمان، والأمر الثاني هو أني في ريب من صلح ابن رشيد فأخشى نكث العهد إذا أنا غادرت نجد ودخلت في حرب العجمان، والأمر الثالث نفقات هذه الحروب وقد تكاثرت علي فضاقت في سبيلها الأسباب، والأمر الرابع يا حضرة الوالد هو أني أخشى أن يلجأ العجمان بعد الحرب إليك فتنقلب علي كما فعلت يوم سعدون والظفير، ومن رأيي في حال العجمان أن تؤجل المسألة إلى فصل الصيف، فكتب مبارك إلى ولده عبد العزيز إن الأمر لا يؤجل ولا بد استرجاع المنهوبات فأجابه عبد العزيز قائلًا:
إن العجمان لا يرجعون ما ينهبون إلا مكرهين بحرب وعنف لأن مباركًا مسلفهم الإساءة، فإذا عزمت على محاربتهم تعطيني عهد الله وميثاقه أن تعينني بالمال والرجال وأن لا تسلك في سياستك معهم مسلكًا غير مسلكي، ولا تستقبلهم إذا لجأوا إليك ولا تتوسط بالصلح بيني وبينهم، ولما أن عاهده مبارك على ذلك بعهد الله وميثاقه مشى عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى الحساء بفرقة صغيرة من الحضر والبدو في صيف هذا العام بشدة الحر القائظ، أضف إلى ذلك أنها على أثر واقعة جراب، فعلم العجمان بقدومه فرحلوا اتجاه قطر، فعندها حشد عبد العزيز بن عبد الرحمن جيشًا من أهل الحساء وزحف جنوبًا متقفيًا أثرهم، وقد كان لشدة الحر لا يستطاع المشي نهارًا فكيف بالقتال، ولم يكن لديهم رواحل لضعف الحال فأسروا ماشين حتى وصلوا موضعًا يسمى كنزان، وكان العدو معسكرًا فيه، أولئك العجمان فلا يستهان بشرهم.
стр. 599
ولما أن وصل ابن سعود بجنوده إلى ذلك الموضع كانت النخيل تبدوا في الليل كأبيات من الشعر فشرعوا يطلقون الرصاص عليها ظنًا منهم أنها العجمان، غير أن العجمان أخلدوا ورائها حتى أفرغ أهل الحساء ذخيرتهم على الأشجار، فخرجوا من مكامنهم والتقوا بابن سعود وذويه فهاجموهم من ورائهم، فتلاحم الفريقان واستمروا طيلة ذلك الليل الشديد الظلمة، فاختلط الحابل بالنابل، بل ظل أهل الإحساء يفتك بعضهم ببعض من شدة الظلمة فجرح صاحب الجلالة عبد العزيز، وقتل أخوه سعد بن عبد الرحمن رحمة الله تعالى عليه، وكان عمره حين قتل في السابعة عشرة، فدارت الدوائر على رجال ابن سعود وعادوا منهزمين إلى الحساء، وتقفاهم العجمان حتى نزلوا قرب الهفوف فحاصروها ثلاثة أشهر.
ولما رأى ابن سعود تفاقم الأمر بعث إلى والده ليستنفر أهل نجد، وبعث إلى الشيخ مبارك يستنجده أيضًا، فسارع أهل نجد تحت قيادة أخي الملك محمد بن عبد الرحمن، وقد انضم إليه سعود بن عبد العزيز العرافة وكان قد فرَّ قبل ذلك من الخرج إلى ابن رشيد وحارب معه في واقعة جراب، غير أنه لما رأى هذه المرة ابن عمه الملك عبد العزيز في تلك المحنة أخذته الحمية وعاد إليه تائبًا ومناصرًا وما أحسنها من حالة نسأل الله أن يلم شمل المسلمين ويعطف قلوب بعضهم على بعض، وما فازت أمة إلا بالتعاضد والتناصر والمساعدة كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وما حدث الفشل والضعف إلا عن نتيجة التفرق والنزاع والتخاذل.
ولما أن علم العدو الألد ابن رشيد تحفز للوثوب ملقيًا بالعهود والصلح عرض الحائط ونكث العهد يريد احتلال بريدة، فزحف إليها ما دام ابن سعود منشغلًا بورطة العجمان، ولما أن زحف يريد بريدة، لم يعجب الشريف حسينًا عمل ابن رشيد هذه المرة، ذلك بأنه يريد الانضمام إلى الإنكليز، وابن رشيد كان حليف الأتراك فأرسل ابنه عبد الله لمضادة ابن رشيد، ولما علم ابن رشيد بزحف عبد الله بن الحسين ليصده رجع من أثناء الطريق مدحورًا، وعاد عبد الله بن الشريف إلى الحجاز مطمئن البال، ولما لم يأت من قبل مبارك بن صباح مدد بعث إليه ابن سعود ثانيًا يذكره العهد وما بينهما من المساعدة فجاءت منه نجدة صغيرة مجهزة تحت قيادة
стр. 600
ابنه سالم واثنين آخرين من أولاده، وكانت هذه القوة صغيرة لا تتجاوز مائة وخمسين رجلًا من الحضر ومائتين من البدو، ثم إنها قدمت الإحساء وانضموا إلى جيش ابن سعود، ثم إنه امتد حصار العجمان للهفوف ثلاثة أشهر مدة الصيف، والحقيقة أنهم نزلوا أماكن تكثر فيها الثمار وتتفجر الأنهار فلا يستطيع المهاجمون الوصول إليهم، فلما كان في آخر ذي القعدة رحلوا منها فتبعهم عبد العزيز وأمر أخاه محمد وسالم بن صباح وجنودهما أن يبقوا في مراكزهم وزحفوا ليلًا بفرقة من رجاله ومعهم بضعة مدافع، ومشوا على الأقدام لأن أكثر الإبل كانت قد أرسلها إلى نجد لقلة المرعى في الحساء، فأدركوا العجمان في وقت الصباح فنصبوا عليهم المدافع، ثم هموا بالهجوم، ولكن سارع أولئك العربان إلى ركائبهم ففروا عليها هاربين إلى جهة الكويت فلم يتمكن السعوديون من اللحاق بهم لقلة الركائب، ثم إنه عاد عبد العزيز إلى مقره وأمر أخاه وسالمًا حليفه بمطاردة العجمان، فجمع الاثنان رجالهما ومشوا كلهم طائعين متآلفين، ولكنه ما كان إلا قليل حتى تفرقوا، فلما أن أدركوا العجمان ظهرت خيانة آل صباح بأن هجروا حليفهم ابن سعود واتفقوا مع أولئك العشائر العاصية، وكان الباعث لذلك أن سالمًا لما اشتبك بالقتال مع العجمان نصرةً لابن سعود، وظهرت الفرصة للظافر انقلب سالم فجأةً فصالح العجمان وأعلن حمايتهم لكتاب جائه من قبل أبيه مبارك يؤتيه فيه ويقول: أرسلتك مراقبًا لا مقاتلًا.
ولما أن ظهرت تلك الخيانة من ابن صباح أرسل محمد بن عبد الرحمن إلى أخيه الملك يخبره أعمال ابن صباح ويستأذنه بالهجوم على العدوين ابن صباح والعجمان، فأجابه الملك بقوله: لا تفعل، كيف نكون حلفاء في أول النهار وأعداء في آخره، والناس لا يعرفون حقيقة الحال، ثم كتب عبد العزيز إلى الشيخ مبارك يشكو إليه خيانة سالم ويقول: لم أقدم على تأديبه إكرامًا لك، فأجابه الشيخ مبارك في كتاب يقول فيه بأن بينه وبين العجمان صداقة قديمة، وما طلبت منك أن تحاربهم بل أن تسترجع منهوباتي منهم، ما طلبت منك أن تطردهم من ديارهم، فلما قدم كتاب مبارك على الملك عبد العزيز وقرأه جعل يحتدم غيظًا وهتف يردد
стр. 601
هذه الكلمة التي يأخذها من فاتحة الكتاب إذا هو أعلن الحرب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، صبرنا على مبارك صبرًا جميلًا وأمثلنا منه شيئًا كثيرًا وفادينا من أجله بالمال والرجال وما نحن بصابرين إلى الأبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وختمت هذه السنة بتلك التقلبات فالله المستعان.
ثم دخلت سنة ١٣٣٤ ه ـ
استهلت هذه السنة والكتب تتبادل بين الإنكليز وبين الشريف حسين، وكانت المفاوضات في هذه السنة مستمرة بين عدن وجيزان وبين القاهرة ومكة وبين أبي شهر والرياض، وذلك من جهة الحكومة البريطانية تستجلب أمراء العرب ليدخلوهم في تلك الحرب الضروس في صف الأحلاف، وفعلًا بادر أمراء العرب إلى ذلك، وقد انضم الإدريسي إلى الحلفاء وحمل على الترك حملات منكرة ثم لبى ابن سعود ذلك الطلب وعقد وإياهم معاهدة بعد ستة أشهر، كما أن الشريف يفاوض عميد بريطانيا العظمى في القاهرة، والغرض في إدخال العرب في سلك الأحلاف والوقوف بصفهم هو محاربة الأتراك وصدهم عن تأليف كتلة عربية يقفون بها في وجه بريطانيا العظمى هناك فيقطعون عليها طريق الهند.
ولما كان في ٨ صفر من هذه السنة جاء كتاب من نائب ملك مصر إلى الشريف قال فيه: من نائب ملك الإنكليز إلى الشريف حسين أمير مكة إلى صاحب الإصابة والرفعة وشرف، المحترم سلالة بيت النبوة والحسب الطاهر، والنسب الفاضل، دولة الشريف المعظم السيد حسين بن علي أمير مكة المكرمة قبلة الإِسلام والمسلمين أدامه الله في رفعةٍ وعلاء، ثم إنه صرح بالمبالغة بالمديح والثناء وخدع والله صاحبه بذلك، ثم إنه تكلم بخصوص الحدود وأفصح عن نصح الإنكليز للعرب، ثم قال بعد تلك العبارات العذبة، وإن حكومة بريطانيا مستعدة لتنفيذ تطلباته هذا وعربونًا على صدق نيتنا ولأجل مساعدتكم في مجهوداتكم في غايتنا المشتركة، فإني مرسل مع رسولكم الأمير مبلغ عشرين ألف جنيه، وأقدم في الختام عاطر التحيات القلبية
стр. 602
وخالص التسليمات الودية مع مراسم الإجلال والتعظيم المشمولين بروابط الألفة والمحبة الصادقة، لمقام دولتكم السامي ولأفراد أسرتكم المكرمة مع فائق الاحترام ثم أنه أمضى وذكر اسمه فرد عليه الشريف بكتاب، ووعده بالقيام بجمع كلمة العرب على قتال الأتراك طالبًا بعض الأسلحة والذخائر والأقوات فأجابه مكماهون بكتاب في جمادى الأولى بلغ في التعطف واللين غاية بديعة قال: إلى ساحة ذلك المقام الرفيع ذي الحسب الطاهر والنسب الفاخر، قبلة الإِسلام والمسلمين، معدن الشرف وطيب المجد سلالة مهبط الوحي المحمدى الشريف بن الشريف صاحب الدولة السيد الشريف حسين بن علي أمير مكة المعظمة زاده الله رفعة وعلاء آمين، ثم بعد إني أعرب عن كامل الولاء والمحبة والاحتشام وتقديم خالص التحية والسلام تكلم بكلام عظيم في الإطراء وقال: وقد سرني أن أخبركم بأن حكومة جلالة الملك صادقت على جميع مطاليبكم، وإن كل شيء رغبتم الإسراع فيه وفي إرساله فهو مرسل مع رسولكم حامله هذا والأشياء الباقية ستحضر بكل سرعة ممكنة وتبقى في "بور سودان" تحت أمركم لحين الحركة. ثم أطال في ذكر أن جميع مطلوباته ستدفع إليه على مأموريته، وحثه على الأتراك حثًا مزعجًا بانتهاء الفرصة في مصادمتهم وأنه بلغ دولته أنهم إلى أن قال: وقد بلغنا أن ابن رشيد قد باع للأتراك عددًا عظيمًا من الجمال، وقد أرسلت إلى دمشق والشام ونؤمل أن تستعملوا كل مالكم من التأثير عليه حتى يكف عن ذلك وإذا هو صمم على ما هو عليه أمكنكم عمل الترتيب مع العربان الساكنين بينه وبين سوريا أن يقبضوا على الجمال حالًا، ولا شك أن في ذلك مصالح لمصلحتنا المتبادلة، وقد يسرني إن أبلغ دولتكم أن العربان الذين ضلوا السبيل تحت قادة السيد أحمد السنوسي وهم الذين أصبحوا ضحية دسائس الألمان والأتراك فقد ابتدأوا يعرفون خطأهم وهم يأتون إلينا وحدانا وجماعات يطلبون العفو عنهم والتودد إلينا، والحمد الله قد هزمنا القوات التي جمعها هؤلاء الدساسين الخ.
ثم إنه ختم الكتاب بكمال الاحترام والدعاء وإخلاص المودة التي لا يزعزعها
стр. 603
كر العصور والأيام وأمضى عليه كتبه المخلص نائب جلالة الملك "السير آرثر مكماهون".
فهذا تمام أربعة كتب، وقد ألقت الطائرة الإنكليزية في صباح أحد تلك الأيام على أهل جدة منشورات تحث الأهالي على الثورة والانتفاض على الأتراك وقالت فيها أن الحامل على ذلك العداء للأتراك هو حب العرب والشفقة عليهم من أن يكونوا ألعوبة في يد دولة أجنبية بل يريدون للعرب تمام المصلحة لما عندهم لهم من الرأفة والحنان وسيصيرون بحول الله وقوته أمة مجتمعة بكل معاني الاستقلال، ألا فاعلموا أن الديانة الإِسلامية قد احترمتها الإنكليز وأنهم ما فتئوا لمساعدة سلطان تركيا حتى أنكر كل جميل صنعوه به إلى أن قالوا وإن أقرب برهان على ما ذكرنا هو رغبتنا في مساعدة سكان الأراضي الحجازية بمقادير من الحبوب ولكن ضباط الألمان والأتراك صادروا هذه المقادير حال وصولها جدة؛ وألجئونا إلى عدم متابعة إرسال الحبوب لأعدائنا كذا ليسدوا ما بهم من ألم المسغبة في حين أن الفقراء خماص البطون يتضورون من ألم الجوع وبالرغم من كل هذه الصعوبات فإن الحكومة الإنكليزية بعد ما سمعت بما يتكبده الحجاج وسكان بلاد العرب الأبرياء من آلام الجوع لندرة المأكولات قد حركتها عوامل الشفقة والصداقة السرمدية نحو العرب أجمع فقررت التصريح بجلب المأكولات إلى جدة عن طريق البحر فليتأكد العرب أنفسهم أن هذه المؤن الغذائية هي قوت لهم ولعائلاتهم وليجتهدوا في منع مصادرتها من هؤلاء الذين يعملون على نقض القواعد المتبعة إِبان الحروب ويخطفون لقمة الجائع من فمه أه.
ولكن ينبغي للعاقل أن يعرف أن بريطانيا فعلت ذلك لأمر ما، والدليل عليه تناقضها بعد ما وضعت الحرب أوزارها، وكانت مفاوضة الإنكليز للشريف بعد ما فاوضت ابن سعود بشهر، أما ابن سعود فإنه قد نهض في محرم من هذه السنة وزحف مسارعًا يريد مهاجمة العجمان وابن صباح على السواء ذلك ابن صباح الذي ظهرت خيانته وتحريشه بين ابن سعود والعشائر، فلما أن وصل إلى مخيم أخيه
стр. 604
محمَّد ومعسكره أتاه نعي مبارك بن صباح فوقف مدهوشًا يقول إنا لله وإنا إليه راجعون مات الشيخ مبارك.
وهذه ترجمته:
هو شيخ الكويت وأميرها مبارك بن صباح آل صباح وهو السابع من آل صباح الذين تولوا حكم الكويت؛ وآل صباح من ربيعة وكانت الكويت عبارة عن بيوت صغيرة حقيرة لبني خالد فقدمها جدهم الأعلى صباح وعمل على إصلاحها فنمت وعظم أمرها ولا تزال حتى الآن في ازدياد.
ولما كان في سنة ١٣١٣ هـ تولى المترجم إمارة الكويت بعد ما قتل أخويه محمدًا وجراحًا نسأل الله العافية طمعًا في الإمارة وحبًا للمجد فقام عليه خال أبناء المقتولين يوسف بن عبد الله وجازف في حياته وأرخص الأموال وبذلها في سبيل محق مبارك فلم يفلح ولحسن حظ مبارك هلك يوسف هذا ولم يشف غيظه.
كان الأمير مبارك رجلًا سياسيًا مخادعًا مكارًا ذا دهاء لقب بالحواقة من قولهم حاق أذلف ودار، ونصف عمله سرًا لا يدركه سواه ونصفه خدعة باهرة أو خدعة مضحكة أو خدعة كثيفة مدلهمة لاعب العشائر وغالبها، وما كان دائمًا من الفائزين وذلك لكثرة التقلب منه فكان يجزل العطاء للعشائر وتأخذ ماله وهداياه على غير مصلحة، وكان حاد المزاج شديد البأس فيه صفات من الأسد وأشياء من الحرباء، بدوي الطبع حضري الذوق تارة يحبه الخصم، وتارة يجامله وكان كريمًا جوادًا بل كان مسرفًا يسترسل إلى الترف والبذخ يطلب المجد مقدمًا في ذلك نواعم العيش ونوافله على كل شيء شيد قصورًا في الكويت وهدم قصورًا في السياسة خطب ود الدولة العثمانية ولا مهر عنده سوى الحب والإخلاص، نقسم بالله العلي العظيم أننا مخلصون للدولة ونفديها بدمنا، ففتحت له قلبها ثم انقلبت عليه، وغازل الدولة البريطانية فبادرت إليه ولهانة ويدها على قلبها الذي ما كان لينجذب مع مخادع ثم بنت ملكها في بلاده، وأحب آل سعود فطوقهم بذراعيه يقول أنتم أعز من أولادي ثم ضرب بهم عدوه ابن رشيد، وأحب العجمان ثم حاربهم فلما لم
стр. 605
يفد فيهم حربه ولا صلحه جعل يشعل النار بينهم وبين ابن سعود، وكان صديقًا لخزعل وأحبه حبًا شديدًا صافيًا فبنى له قصرًا في الكويت وبنى خزعل لمبارك قصرًا في المحمرة إلى غير ذلك لكن إذا تأملنا سياسته وتقلباته العجيبة بعد إمعان النظر في سيرته وجدناه من دهاة العرب وحكامهم الذين يصلحون الدنيا بإفساد الدين ولا يتقيدون بشرع رب العالمين. وهذه صفته:
كان طويل القامة أسمر اللون أدعج العينين ماكرًا قوي الذاكرة قليل النسيان وكان مع ذلك قليل الإناءة كثير اللهو صلب الإرادة ولا يرده راد إذا ما عزم على أمر، طموحًا طامعًا ويحلم بالسيادة على البلدان المجاورة له.
ولما استجمع الباب العالي على جعله عضوًا في مجلس الشورى لدى الدولة العثمانية وضايقته في بلاده التجأ إلى الإنكليز فكان الكويت لهم غنيمة باردة وما أحسن مثلًا له بالثعلب في مكره وروغانه، وكان في آخر أمره يتظاهر بالفاحشة حتى في رمضان هكذا نقله المؤرخون عنه نسأل الله السلامة، ولما مات قام بالأمر بعده ابنه جابر بن مبارك، فعدل ابن سعود عن مهاجمة العجمان وبعث تعزية له بأبيه ونصيحة له أن لا ينهج على منوال أبيه في السياسة ثم رجع ابن سعود من جهة الكويت، ولما أن كان في أثناء الطريق التقى برسول من الممثل البريطاني في خليج فارس السير برسي كوكس أحد رجال الإنكليز يرجوه أن يوافيه إلى القطيف للمفاوضة في أمور هامة فتوجه عبد العزيز إلى تلك الناحية واجتمع به هناك.
ذكر اتفاق ابن سعود مع الإنكليز وعقده معهم
لما هلك شكسبير لم يسأم الإنكليز من ابن سعود فقد جعلوا مكانه السير برسي كوكس يطلبه إلى الانضمام إلى الإنكليز ضد تركيا فاتفق بابن سعود في جزيرة دارين ولما اجتمع به كوكس سأل ابن سعود عما يستطيع أن يؤديه من الساعدة للأحلاف فأجابه ابن سعود إني أساعدهم بأمرين؛ أعاهدهم، أولًا أن لا يجيئهم ضرر مني ما دامت المعاهدة بيني وبينهم مرعية الجانب، وأعاهدهم ثانيًا أن
стр. 606
لا أنضم إلى حلف عربي ضدهم، وإني أؤكد لكم أن العرب لا يجتمعون عليكم إذا لم أكن أنا معهم إني أحب أن يجتمع أمرنا على مساعدة الأحلاف؛ نعم وسأكتب إلى الشريف حسين بهذا الخصوص إذا أحببتم؛ ولكن ذلك الأمر لم يتم كما يأتي، فظل لذلك موقف ابن سعود موقفًا سلبيًا ومن المسائل التي تستطلعها الدولة البريطانية مسألة الخلافة وكانت بريطانية تفاوض أمراء العرب بواسطة رجالها سرًا وتكتم كل واحد ما أبرمته مع الآخر لأنه كان يجيئها أحد الأمراء مدعيًا أنه سيد العرب أجمعين وأنهم أطوع له من بنانه فيسبرون غوره ويتحققون صدق كلامه أو كذبه ولكنهم يوالونه على شيء من القوة ثم يجيئهم الآخر ودعواه أكبر من دعوى من تقدمه وكذلك الآخرون وقد فعلت مع الشريف فعلة لا تليق فوهبته البلاد العربية كلها ما عدا عدن والبصرة وأعطته ما لا تملكه، وقد اعترفت لابن سعود والإدريسي بسيادة كل منهما في بلاده وبسيادة من يتولى الحكم بعدهما من بيتهما ثم ضمنت حدود البلدين وتعهدت بالدفاع عنهما إذا اعتدي عليهما، ثم بعد ذلك كله أدخلت البلدين عسير وبلاد نجد في دولة عربية يرأسها الملك الشريف فخدعت الجميع.
وكان ابن سعود أثناء الحرب من المخدوعين ولكنه كان حكيمًا لا يطمح إلى غير ما يستطيع تحقيقه، فبهذا صارت بلاد العرب كلها ضد الترك ما عدا ابن رشيد الذي ما زال مخلصًا لهم وهم مخلصون له يعطونه كل ما يريد من السلاح والعتاد والمال.
ولما خشيت إنكلترا من ابن رشيد أن يعرقل سير أعمالها فاوضوا ابن سعود وأمدوه بالمال والسلاح وكان هم الدولة البريطانية يومئذ إخراج الترك من العراق وسوريا بل من البلاد العربية وتؤمن لبواخرها وجنودها الخليج والبحر الأحمر فاتخذت لهذا الغرض طرائق شتى منها: محالفة أمراء العرب كما قدمنا ونذكر اتفاقهم مع ابن سعود.
معاهدة العقير سنة ١٣٣٤ ه ـ
فنقول: لما فتح ابن سعود الإحساء وانتصر على الأتراك أخذ يفكر
стр. 607
فيما يبيتون له من الكيد وما سينصبونه له من الأشراك لعلمه أن الدولة لا تدعه وشأنه، ولحسن حظه اشتعلت نيران الحرب العالية الأولى وانشغلت الدولة عنه، ولكنه ماذا يصنع لما سمع بانتصاراتها الباهرة وهي متى ما خرجت من الحرب فلا بد أن تحمل عليه حملة قوية للتنكيل به واسترجاع البلاد منه، لا سيما وهي لا يزال لها الحجاز قوة لا يستهان بها، أضف إلى ذلك أن بريطانيا العظمى تفاوض الشريف وقد اعترفت له بالزعامة على بلاد العرب وتمنيه ببسط حمايته على نجد بمقتضى خطابات مكماهون للشريف فإن سلم ابن سعود من الأتراك فإنه لا يسلم في الغالب من نفوذ بريطانيا فبينما هو يفكر في الموضوع إذا ببريطانيا تطرق أبوابه لوضع اتفاقية معه تأمن بها شره وتخطب بها وده ويأمن بها في ملكه، فيا لهذا الفرج الذي من به الله عليه.
ولما كلمه السير برسي كوكس انتهز الفرصة ليأمن على حكومته فقال له المندوب أن بريطانيا العظمى قد انتدبتني إليك لأعقد معك أيها الأمير معاهدة صداقة تحقق لك كلما تصبو إليه وتمنع عنا ما نخشاه من ضرر قد يتأتى منك فماذا تريد فلم يكد يسمع هذا من مندوب بريطانيا حتى تلألأ وجهه فرحًا وأجابه بصراحة العربي وطيبة قلبه أن نجدًا والإحساء والقطيف والجبل وملحقاتها والمرافئ التابعة لها على سواحل خليج العجم كل هذه المقاطعات متابعة لي ولآبائي من قبلي وأنا الحاكم المطلق على جميع القبائل الموجودة فيها، وكلما أريده هو أن أحتفظ باستقلالي ولا يعارضني أحد في الحكم والسلطان، وإذا حاول أحد الاعتداء علي فأريد منكم أن تعينوني عليه ولا أريد منكم غير هذا، وأنتم ماذا تريدون، فأجابه السر برسي كزكس بلغة السياسي العظيم ودهائه: نحن على استعداد لأن نجيبك إلى طلبك هذا ولا نريد منك إلا ما فيه رعاية مصالحك وتقديم كل ما يمكن من الخدمات إليك: ثم عقدت الاتفاقية في سبع مواد وهذا نص بعضها:
رابعًا: يتعهد ابن سعود بأن لا يسلم ولا يبيع ولا يرهن ولا يؤجر الأقطار المذكورة ولا قسمًا منها ولا يتنازل عنها بطريقة ما.
стр. 608
ولا يمنح امتيازًا لدولة أجنبية أو لرعايا دولة أجنبية بدون رضي الحكومة البريطانية وبأن يتبع مشورتها دائمًا بدون استثناء على شرط أن لا يكون ذلك مجحفًا بمصالحه.
خامسًا: يتعهد ابن سعود بحرية المرور في أقطاره على السبل المؤدية إلى المواطن المباركة وأن يحمي الحجاج في مسيرهم إلى المواطن المباركة ورجوعهم منها.
سادسًا: يتعهد ابن سعود كما تعهد آباؤه من قبل أن يتحاشى الاعتداء على أقطار الكويت والبحرين ومشايخ قطر وسواحل عمان التي هي تحت حماية الحكومة البريطانية، ولها صلات عهديه مع الحكومة المذكورة، وأن لا يتدخل في شؤونها وتخوم الأقطار الخاصة بهؤلاء ستعين فيما بعد.
وجرى توقيعها في ١٨ صفر من هذه السنة الموافق ٢٦ ديسمبر ١٩١٥ م، ولا ريب أن هذه الاتفاقية جائرة لأنها جعلت بريطانيا كأنها ولي الأمر على ابن سعود وقد انتقدها الكتاب فقال عنها الضليع فؤاد حمزة لما أشرف عليها أنها معاهدة جائرة.
وقال عنها الماهر الذكي حافظ وهبة المشهور بحرية الفكر ورجاحة العقل واستقلال الرأي ما نصه: تجلى قصر نظر مستشاري ابن سعود بما يجري في العالم والاستفادة من الفرص ولكن يقال عنها أن الظروف والأحوال ذلك الوقت دعت إلى توقيعها.
ولما خلى ابن سعود وصحبه الذين فيهم الشرف والدين والقوة غير أنهم لا يعرفون لغة السياسة وأساليب الاستعمار ولا يصدقون بالظفر لغير الصارم البتار واستشارهم كعادته أجابوه بأننا في حال ضعف وخصمنا قوي جبار فنراها تنفعنا بإذن الله ولا تضرنا إذا كنا في حالة منعة وقوة ويمكن تعديلها فيما بعد فالعبرة في القوة في كل وقت وحال، فقم وتوكل على الله ووقعها، كما أنه أدرك بأنه لا يبيع ولا يتخلى ولا يرهن ومن نيته حسن الجوار وتسهيل طرق الحجاج فما أحسن نتائج هذه الآراء والأفكار ولنا أسوة في صلح الحديبية، أضف إلى ذلك أنها لغت
стр. 609
بعد سبع سنوات وعدلت فيما بعد ذلك لما فتح الله له الحجاز واعترفت له بريطانيا بالاستقلال التام يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ثم أنه عاد ابن سعود بعد عقدها إلى الرياض فبعث رسولًا إلى الحسين بن علي الشريف وهذا الرسول هو صالح العذل ليخبره بما جرى بينه وبين الإنكليز ويسأله المؤازرة في مساعدة الأحلاف فعندما علم الشريف بعقد المعاهدة خشي أن يتقدمه ابن سعود في الزعامة والنفوذ لدى الأحلاف إلى قبول البنود الخمسة، وتم الاتفاق سرًا بينه وبين المعتمد البريطاني فكتم الدولة اتفاقه مع الإنكليز، وكتم ابن سعود ذلك وأعطى الشريف رسول ابن سعود جوابًا نصفه شكر والنصف الآخر إيهام في ثوب المجاملة وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى اشتعلت نار الثورة، ولما خاض السر برسي كوكس في الخلافة وانتقالها إلى العرب اتخذت المجاملة سبيلًا إلى غرضه فعرضها على ابن سعود قائلًا إن حكومة جلالة الملك تستحسن ذلك وتساعد في تحقيقه، وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن حكيمًا لم يخف عليه قصد المعتمد أجاب قائلًا: لا ذوق لي بالخلافة، وإني لا أرى من هو أجدر بها من الشريف حسين فاطمأن بال الوكيل وتلقفها حسين بن علي الشريف.
ذكر الخلافة وعقد الحسين مع بريطانيا
قد قدمنا اتفاق الشريف مع بريطانيا وكان عظيمًا في الأرض ملكًا في مكة خليفة في عمان أسيرًا في قبرص؛ ولقد رفعته الإنكليز رفعة بلغ بها الثريا ثم بعد ذلك وضعته حتى كان في قعر الحضيض.
ولما أن تلقف الخلافة وأبرم اتفاقيته مع الإنكليز خدع الأتراك وجر أسبابًا إلى إبعاد الوالي التركي الماهر وهيب باشا الذي كان في نحوه بأن دبر الحسين في إبعاده مع فرقة المتطوعين إلى المدينة وخلفه غالب باشا، كان نجل الحسين علي بن الحسين في المدينة المنورة قبل الثورة يمهد لها بالتدخل في الشؤون الإدارية والأعمال التي لا علاقة له بها ويضايق بذلك بصري باشا الذي هو حاكمها فاشتكاه بصري على
стр. 610
جمال باشا وطلب منه أن يكف عنه الأمير عليًا من التدخل في هذه الأمور ففعل جمال باشا ذلك بواسطة والده وأخيه فيصل حين كان فيصل عنده في سوريا.
ولما أراد الحسين أن ينفذ خطته في الثورة أرسل لابنه فيصل يحبره بما سيحصل ورسم الخطة للانسحاب من سوريا، فاستأذن الأمير فيصل جمالًا بالخروج من سوريا والذهاب إلى المدينة فأذن للمتطوعين الذين معه ثم أذن له بعد ما قرأَ كتاب الشريف وأنه أمرهم بالتجنيد وسيشترك العرب مع عسكر الدولة وحليفتها ألمانية في الزحف على ترعة السويس إذا أسرع في إرسال الأمير فيصل إلى الحجاز فجاء ومعه عشرة آلاف ليرة وأربعة آلاف بندقية ليقاتلوا بها ويتقووا على قتال الإنكليز.
ولما أن وصل فيصل إلى المدينة اجتمع بأخيه علي واتفقا على مغادرة المدينة ففعلا، خرجا منها ليضمنوا حولهم القبائل وليستعدوا لحصارها وكان جمال باشا قد لحظ أن بوادر النهضة قرب وقتها فأرسل فخري باشا إلى المدينة ليكون قائدًا عسكريًا ويبقي بصرى باشا حاكمًا إداريًا فقط وعندما وصل فخري باشا إلى المدينة أرسل الأمير علي إليه كتابًا قال فيه: بناء على الأوامر الصادرة من أبي سيقف نقل المتطوعين إلى فلسطين.
ولهذا عقدت النية على العودة بالمجاهدين إلى مكة بدلًا من ضياع الوقت هنا وإني آسف لاضطراري إلى الرحيل بدون أن أودعك فالمرجو قبول عذري، وفي الحال تحول بمن معه من مكانهم إلى جهة غير معلومة لفخري باشا، فلما أن وصل الكتاب لفخري باشا أسرع إلى مكان نزول الشريف علي وأخيه ومن معهما فلم يجد أحدًا واتضح له حينئذ ما يجول بنفس الحسين وأولاده من الثورة وأنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى فأخذ لذلك عدته واحتاط للأمر جيدًا، وحصن المدينة بأقصى ما استطاع وجلب إليها من الأقوات والأرزاق ما أمكن.
أما الخليفة الهاشمي فقد بعث بعد ما خرج نجلاه من المدينة بالمتطوعين إلى جمال باشا بكتاب خلاصته أنه يعتذر عن عدم استطاعته الاشتراك في الحملة على القناة إلى أن تجاب الطلبات التي طلبها في برقيته.
стр. 611
ذكر إعلان الثورة
لما أراد الحسين الشريف الثورة على الأتراك زار بعد صلاة الجمعة الدور الرسمية ولاطفهم وحثهم على المواظبة في أعمالهم، وأظهر لهم مودته للحكومة العثمانية حتى إذا سمعوا أنه يريد الثورة لا يصدقون، فلما كان فجر السبت الموافق ٩ شعبان سنة ١٣٣٤ هـ في الساعة التاسعة تزيد اثنتي عشرة دقيقة أعلن الثورة بتنفيذ طلق ناري كان علامة لذلك، فقامت على أثره البدو وبعض الأهالي يطلقون النار من أربع جهات، فأخذ الأتراك التدابير وثبتوا في مراكزهم لكنه ما ظفر الشريف إذ ذاك لا في أسر ولا استيلاء، أما بلدة جدة فقد اتفق الإنكليز على ضربها ذلك اليوم، فضربت بوارج الإنكليز جدة وألقت قنابل مدافعها على الثكنة العسكرية ليلًا في الساعة الثالثة من ليلة ١٠ شعبان، واستمر الحصار لها من البر والبحر جاءها جند الشريف برًا بقيادة الشريف محسن بن منصور، وجاءها ضرب الإنكليز من البوارج البحرية.
وكان في جدة من جند الأتراك ما يقارب خمسمائة، وقد طال الحصار وما ظن أنها تلبث، زيادة عن يومين، فخابر الإنكليز في إرسال الطائرات فأرسلت له على ظهر إحدى البوارج، فطارت الطائرات وألقت مناشيرها وقنابل على مراكز الجيش تنصح وتحذر، فذعر أهالي جدة وضجت لما رأت المنشورات، فخابر الشريف أعيان البلاد وقال لهم: إن الأنكليز يريدون ضرب جده رأسًا، وأنه ليس له دخل أو مسؤولية إذا لم يسلموا له، فذهب الأهالي إلى قواد الأتراك فيها وأخبروهم أنهم يخشون على الأهالي من الخطر والضرر الذي أحاط بهم فقبلوا ذلك وسلموا جده في ليلة ١٥ شعبان سنة ١٣٣٤ هـ.
وإليك نصر المنشور بحروفه: قالت إنكلترا -وما ربك بظلامٍ للعبيد.
إلى سعادة قائد القوات التركية وحضرات ضباطه الكرام بخط الدفاع بجدة
стр. 612
أعلمكم علم اليقين وأخبركم بالحقيقة التي لأمراء فيها أن مكة المكرمة والطائف أصبحتا في يدي دولة أمير مكة المعظم الشريف حسين بن علي وانتصاراته على الجيوش التركية متوالية فقد أصبحت أرض الحجاز خالية بالمرة من دوائر الحكومة الاتحادية مع إعلامكم بأن الحركة لم تكن إلا لتأسيس دولة خلافة عربية إسلامية وأن العرب لا يكرهون الترك من حيث هم لأنهم مسلمون مثلهم، وإنما يريدون التخلص من الحكومة الاتحادية الجائرة التي تلعب بها الألمان، والله على ما أقول شهيد، فبدلًا من وقوفكم في وجه العرب الذين لكثرة عددهم وعدتهم سيحرزون النصر المبين إن شاء الله بعد إزهاق الكثير من الأرواح وبدلًا من المقاومة التي لا نتيجة لها، أنصح لكم أن تسلموا بدلًا من أن تبيدوا عن آخركم ومهلتكم هي مجرد وصول هذا إليكم لأنكم بعد رفضكم لهذا النصح تصب عليكم القنابل من السفن الهوائية، ومن البحر والبر حيث استعد لكم العرب بالمدافع الجبلية السريعة ومدافع الميدان الحديثة والرشاشات السريعة، وعلى كل حال فإنا لا نعد ذلك جبنًا منكم ولا إهانة لشرف رايتكم ولكن الرجل المضطر يركب الصعب من الأمر وهو عالم بركوبه ويتجاوز الأدب وهو كاره لتجاوزه فلا تلقوا بانفسكم إلى التهلكة وحسن رعايتكم بعد التسليم مضمونة والعاقبة للمتقين.
الإمضاء: الحكومة الإنكليزية
إن مكة والطائف وغيرها لم تسلم ولكن لدهاء الإنكليز وتمام سياستهم أقنعوا الأتراك بذلك.
ولما سلمت جده دخلها جيش الحسين بقيادة الشريف محسن وهاج وماج فيها ونهب كل ما يحمله الجندي العثماني من ألبسة خاصة، وسرق حقائب الأسرى، ثم بعد أيام قلائل هجم على دار أحد أعيان جده وهو أحمد الهزاز ونهب جميع ما لديه حتى كان البيت قاعًا صفصفًا، ويظهر أن ذلك بإيعاز من الحسين لعداء بينهما، وقد أصيب برصاصة في يده اليمنى قبل ذلك يذكرون أنها بإيعاز من المذكور.
أما مكة المشرفة فإنه مكث الضرب فيها ليلًا ونهارًا، ثم لما عجز الشريف عن
стр. 613
الاستيلاء على المواقع التركية صبر إلى أن سلمت جدة ثم طلب من الإنكليز إرسال جنود مصرية فأرسلت له ووصلت مكة فتوالي الضرب من الطرفين، وكان القصر الهاشمي مرمى قذائف الأتراك وقنابلهم، وكان الشريف لشجاعته ثابت الجنان في قصره لا يبالي، وقد أصيبت الكعبة المعظمة ببعض القذائف لوقوعها أمام موقع من المواقع الهاشمية، ثم سقطت آخر المواقع وهي ثكنة أجياد في ٩ رمضان صباحًا في الساعة الرابعة، ولما سقطت هجم البدو وبعض من الأهالي على القلعة وقتلوا طبجنها وكل من فيها، وذهبوا إلى محلات الأتراك العمومية والخصوصية فنهبوا ما فيها من أثاث وأموال وغيرها.
أما الطائف فكان فيه الأمير عبد الله بن الحسين مقيمًا قبيل الحركة بأيام فجاءته التعاليم من أبيه أن يخرج ويقيم في جبالها، فخرج قبل الحركة بثلاثة أيام ثم زحف يوم الثورة إلى الطائف بجنود من البدو، ومن حضر لديه من والده من الجنود المصرية التي بعثتها بريطانيا امتثالًا لأمره، فحاصر عبد الله الطائف وضيق عليها.
وبما أن في الطائف عددًا من الجنود التركية والضباط ما ليس بهيّن، فقد امتد الحصار بين أقدام وأحجام حتى نفدت الأرزاق من يد الأتراك بعد دفاع أربعة أشهر من ابتداء الثورة إلى يوم الاثنين الموافق ٢٦ من ذي القعدة، فسلمت ثم أرسلت الجنود التركية مع والي الحجاز غالب باشا إلى جدة فركبوا على ظهر إحدى البواخر لنقلهم إلى معتقلتهم، ولما سلمت تلك المذكورات نزلت بحارة الإنكليز مطمئنة آمنة.
ذكر الحرب في المدينة والسواحل
لما قام الحسين بنهضته في جدة ومكة والطائف تقدم أبناء علي وفيصل لمهاجمة المدينة، فوجدوا فخري باشا قد استعد اللقاء استعدادًا مهما فوقعت بين الطرفين مواقع ارتد فيها جيش الشريف مرات عديدات، حتى أن الجيش التركي في بعض الوقعات طاردهم حتى أوصلهم إلى ينبع النخل، ولولا قنابل مدافع المدرعات الإنكليزية التي كانت راسية في هذا الميناء ومالها من شدة التدمير لقضى على الجيش الهاشمي، ثم إنه امتد الحرب والضرب بين الفريقين ثلاث
стр. 614
سنين، وسبب ذلك أن حامية المدينة بقيادة فخري باشا وما أدراك ما فخري باشا، إنه رجلٌ من رجال تركيا، قائد عظيم لا يستهان بحقه، وقد استطاع بما معه من الحامية أن يصابر جيش الشريف كل هذه الثلاث سنين بدون كلل ولا ملل، مع أن جيش الشريف كان به من الجنود المصرية والمغربية والضباط الإنكليز والفرنسيين وغيرهم عدد غير قليل، وكان مجهزًا بأقصى ما يمكن من مدافع الحصار ومعدات الحرب العتيدة، ومع أن جيش الشريف كان قد قطع سكة الحديد التي مدت منها إلى الشام حتى انقطع ورود الأرزاق والأقوات والسلاح والمدد عن المدينة بتاتًا، فإن فخري باشا حين رأى ذلك وأن الأرزاق قوإنقطع موردها وأيقن بإصرار جيش الحسين بمساعدة الحلفاء على فتح المدينة والاستيلاء عليها مع ما حل بالأتراك في مكة وجدة والطائف، أصرَّ هو كل الإصرار على الدفاع إلى آخر لحظة من حياتهم، وناهيك به من شهم همام غير أنه لا يستطيع أن يسد مجرى السيول في عباءته.
ولما رأى خطر المجاعة المهلكة محدقًا بالمدينة ومن فيها من جيش وأهالي أخذ يخفف وطأة المجاعة بترحيل الأهالي منها، وكان ذلك قبل أن يقطع الخط الحديدي فكان في كل يوم يقل القطار عددًا يذهبون إلى الشام مرةً ومرة يذهبون إلى العراق ومرةً إلى غير ذلك ولم يكن الجيش الهاشمي يتعرض لهم بل كان يترك القطار يذهب حيث يشاء إذا كان به من أهالي الحجاز الراحلين وقد ذهب بعضهم إلى مكة وغيرها من البلاد الحجازية حيث تشتت جميع أهل المدينة أي شتات، وكان هذا لا بد منه فرارًا من المجاعة التي خيمت على المدينة أثر الحصار فإن الأزواد والأقوات كانت قد فرغت من بيوت الأهالي ومن الأسواق وكان يوزع عليهم فخري باشا كل يوم شيئًا قليلًا، وقد مات بعض أهل المدينة جوعًا ولولا ما استعمله فخري من هذا الترحيل لكانت المصيبة أطم وأعظم.
ومع شدة الحصار وتضييقه فإنه ما كان يمنع فخري باشا من تعمير ما كان يخرب من المنازل بضرب قنابل الجيش الهاشمي التي كانت تصب صبًا على
стр. 615
المدينة بعد أن عقدت الهدنة بين الحلفاء بثلاثة أشهر، وبعد حرب دامت ثلاث سنين كتب فيها لفخري باشا صحيفة من الشجاعة والثبات لا تمحى مدى الأيام ولا تنسى إلى آخر الدهر.
أما السواحل الحجازية فقد سلم أغلبها أو كلها على أثر سقوط جدة بعضها سلمًا والبعض الآخر بعد حرب بسيط، ومما هو جدير بالذكر أنه قد اشتركت الطائرات في حرب المدينة وأكثر السواحل وذلك أن تركيا بعثت طائرات قوادها ألمان ونمساويون فقابلهم الشريف بمثلها استمد الحلفاء فأمدوه بطائرات يقودها ضباط إنكليز.
وقد تعدى الألمان والنمساويون والإنكليز حدود الحرم وخالف بذلك قواد الأتراك نصوص الشرع الإِسلامي الذي يحضر على غير المسلم فعله وهو مجاوزة هذه الحدود وكانت تركيا هي السبب في ذلك.
وكانت المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام قبل هذه الحرب العامة خير بلاد الحجاز، وأكثرها عناية والتفاتا من الدولة العثمانية وملوكها وأفرادها فقد وصلت بالشام في سكة الحديد التي تقدم ذكرها، وكان لهذه السكة شأن كبير جدًا في اتساع عمران المدينة المنورة بما سهلت من أسباب الرفاهية وركد العيش لأهلها بما كان يجري معها من الأرزاق والخيرات، حتى كثر المهاجرون إليها فأصبح عدد سكانها كبيرًا جدًا، والذي ساعد على ذلك قابلية المدينة بجوها المعتدل وكثرة مياهها العذبة وغير ذلك مما كان يدعو الأتراك إلى العناية بها، وقد فكروا إذ ذاك في جعل كلية علمية إسلامية بها لشباب الحجاز وغيرهم على أساس فكرة لوحدة إسلامية، ولما أوفدت جمعية الاتحاد لذلك وفدًا لارتياد المكان اللائق لبنائها جاء الوفد ووجد المكان وشرع في العمل وتأسيسها.
ولا ريب أنها لو كانت لانتفع بها الحجاز انتفاعًا عظيمًا، وقد حالت الحرب دون تنفيذ هذه الخطة، فتبين بهذا أن مركز المدينة المادي والأدبي كان يخالف بكثير جدًا مراكز البلاد الحجازية الأخرى بل لم يكن هناك نسبة تقريبًا فتبين بهذا السر في
стр. 616
طوال مدة الحرب بين الأتراك والأشراف إلى هذا المدى في شأن المدينة، وكان وقت تسليمها في اليوم الثامن من ربيع الثاني سنة ١٣٣٧ هـ.
ذكر الحرب في دمشق
لما خرج نجلا الحسين علي وفيصل من المدينة قبل الحرب ترك فيصل أخاه عليًا لمحاصرة المدينة وذهب هو لينضم إلى جيش الحلفاء الذي كان يحارب في سوريا، فقام فيصل بجيش من العرب والمصريين والمغربيين وغيرهم، يطوق الجيش التركي من جهة شرق الأردن والحلفاء يشاغلونه من جهة قنال السويس وفلسطين، وهناك أبدى الجيش التركي بسالةً وشجاعةً في رد هذه الجيوش المتظافرة من أجناس شتى، وأحاطت به من جميع جهاته فضربهم الجيش التركي ضربات أوقفتهم عند حدهم مرات عديدة، وحملت الحلفاء خسائر فادحة، وأخيرًا بعد حرب وكفاح دخل الشريف فيصل دمشق مع جيش الحلفاء وذلك بعد سنتين.
رجعنا إلى ذكر بن سعود وشأنه في هذه الحرب، فنقول: لما كان الشريف قد كتم أمره قبلها عن دوائر الحكومة الحجازية غير أن تلك المفاوضات السرية أو في الأقل مجيء الرسل من بورسودان ورواحهم أيقظ في دوائر الحكومة الحجازية عيون الريب والشبهة، فأدرك الوالي غالب باشا بعض ما كان يبطنه الشريف حسين وعقد النية على مفاوضة ابن سعود في الأمر ولكنه موه قصده بالطريقة التي اتخذها إليه، فقد أرسل رسوله وهدية إلى عبد العزيز بواسطة الشريف الذي خانه، فبقي الهدية عنده وأذن للرسول بالسفر إلى نجد، وكان ذلك الرسول يحمل كتابًا من غالب باشا إلى ابن سعود ما نصه:
إنك تعلم بأعمال الشريف وأنا الآن أزيدك علمًا أنه يفاوض الإنكليز وهو على وشك أن يخون الدولة ويفتح لأعدائها الحرمين، فإذا قدمت إلى الحجاز أسلمك الحرم وأساعدك بكل ما لدي من قوة -نعم إن هذه المفاوضة من غالب لابن سعود لحسنة من رجال تركيا، ولكنها ضعيفة السراية لضخامة أمر الحسين
стр. 617
إذ ذاك، فأرسل ابن سعود إلى غالب باشا هدية، وقال في جوابه إنه والحسين يدًا واحدة ولكنها لم تصل الهدية إلى مكة إلا بعد الثورة، فاستلمها الحسين وأكل الهديتين، ونهض كما نهض بأنجاله على الترك طمعًا في الهدية الكبرى التي وعدته بها الإنكليز.
ولما أن ثار ثورته طفقت تتوارد إلى جدة من بور سودان الإمدادات الحربية والمالية، وجاء الذهب إليه بالصناديق ليستخدمه في تجنيد العرب واستمالة أمرائهم ورؤسائهم إلى النهضة، فأرسل إلى ابن سعود سورة في آخرها هذا العام وبعث في السنة التي بعدها إليه أيضًا بثلاث صرر مقدار الواحدة خمسة آلاف ليرة، ولكنه لم يكتب كلمة بخصوصها، كان يجيء الرسول بهذا المال فيقول: من جلالة الملك ليس إلا، وكان ابن سعود بعد ما عقد معاهدة دارين بواسطة السر "برسي كوكس" المتقدم ذكرها، واستمرت سبع سنين إلى بداية ١٣٤٢ هـ اشترط في مفاوضاته مع كوكس أن يتكلم الشريف باسم العرب ويدعي أنه ملك العرب، فقبل وتوسط كوكس بين ابن سعود وبين ابن صباح في مسألة العجمان، فقبل ابن سعود أن يوقف حركاته الحربية على شرط أن يطرد صاحب الكويت العجمان من بلاده، فعمل جابر ابن صباح بنصيحة السر رسي وأجاب طلب ابن سعود.
أما العرائف الذين أغراهم الأعداء بنسيبهم الأكبر جلالة الملك ابن سعود فإنهم لما أدركوا أن أخوالهم العجمان لم يناصروهم إلا لحظ أنفسهم.
وأيضًا أدركوا حقيقة ابن رشيد والشريف أنهما أكبر عليهم عداوة، عندما تحققوا الثقة بنسيبهم بعد ما بعث إليهم الكتب اللاهجة بالتودد وكمال الحنان والشفقة عليهم، وعادوا إليه تائبين وأصبحوا مشمولين بعنايته وحسن عطفه مقيمين في الرياض بسبعة أبيات بخير.
أما ما كان من أمر الحسين بن علي فإنه كما قيل عنه إذا أمعنا النظر في سيرته وما لديه من الدهاء وأساليب السياسة، نتأكد أنه اتخذ الدين والعاطفة الدينية في العرب سبيلًا إلى تحقيق مقاصده، فقد نشر منشورًا طويلًا ذكر فيه سبب الثورة، ثم
стр. 618
إنه دعا فيه لسلاطين آل عثمان، وأنه لم يأل جهدًا في مناصرتهم إلى أن نشأت في الدولة جمعية الاتحاد وما جرى منهم من خوضهم في غمرات الحروب الحاضرة وتفريق سكان ممالكها وتمزيقهم، فريقًا بالصلب وأنواع بالإعدام والآخر بإجلائه عن وطنه، علاوةً على ما أصيب به في أموالهم وأنفسهم واضطروا العموم إلى بيع أبواب دورهم ودواليبهم وأخشاب سقفها، وآخر ذلك مصادمتهم لنص الكتاب من جعل نصيب الأنثى مثل نصيب الذكر في الأرث، وهدم أركان الإِسلام وهي إباحة الفطر للجند في المدينة ومكة والشام، وما حصل من خلعهم السلطان المعظم، حتى أصبحت الدولة في يد "أنور باشا" و"جمال باشا" و"طلعت باشا" يحكمون بها ما يشاءون ويفعلون بها ما يريدون، ثم أطال بذكر تعديد مساويها ومناقضتهم لسورة البقرة في أمر الشهود، وصلبهم في آن واحد لإحدى عشرين رجلًا من عظماء المسلمين وكبراء نوابغ العرب، عدى من صلبوه من قبل، فلو كان هؤلاء المصلوبون من بهائم الأنعام لعدمنا فيا للرحمة، وإنهم نفوا العوائل وفيها الشيوخ والأطفال وربات الخدور ما تنفطر له القلوب وتزهق الأنفس حسيرات، وشنع عليهم برميهم للبيت العتيق الذي أضافته العزة الأحدية لذاتها السبحانية، وأصابوه بقنبلتين من قنابل مدافعهم وقعت إحداهما فوق الحجر الأسود والثانية تبعد عنه بثلاثة أذرع حتى التهبت بالنار ستاير البيت وهرع الألوف من المسلمين لإطفاء لهيبه بالضجيج والنحيب، وثرك الحكم في هذا الاستخفاف للعالم الإِسلامي، ثم إنه بعد ما أطال قال رافعين أكف الضراعة لرب الأرباب متوسلين برسول الملك الوهاب أن يتولانا بالتوفيق، ويمدنا بالهداية إلى ما فيه خير الإِسلام والمسلمين والاعتماد على الله العلي الكبير وهو حسبنا ونعم النصير، وأمضي تحته شريف مكة وأميرها الحسين بن علي ٢٥ شعبان سنة ١٣٣٤ هـ.
وقد كان يظهر من هذا المنشور غيرة الحسين لدين الله وشرعه من فعل تركيا ولكنه كان ذلك منه لأمرٍ ما.
أما مفاسد تركيا وما هي عليه من التدهور قبل الثورة وبعدها فليس يخفي
стр. 619
كوضعها للدستور المنافي للشريعة ومنابستها لأهل الدين وغزوهم وتشتيت شملهم كما فعلوا بالوهابين قديمًا وحديثًا وهم بفعلهم ذلك إنما نابذوا التوحيد وأهله وقس على ذلك، ثم إنه قام الشريف بعوإنتصاراته في أخر هذه السنة ونظم مرسوماته بتأليف هيئة الوكلاء وتأليف مجلس الشيوخ وغيرها.
وفيها أنشأ الأديب حسين بن علي بن نفيسة قصيدة يمتدح بها الأمير عبد الله بن جلوي ويعرض فيها بزيارة أهله ومطلعها قوله:
لكل زمان طلعةٌ وأفول ... وكلٌ له نحو الفناء سبيل
هو الموت ألا إِن في الموت راحةً ... إذا لم يساعد صاحب وخليل
أبيت أناجي الهم حران مولعًا ... ونومي إذا نام الخلي قليل
صحابي قفوا لي بالديار فإنني ... حنيني إلى تلك الديار طويل
وهل بالحمى أحبابنا إِن دنا الحمى ... مقام فود القلب ليس يزول
وهل من معين منجحٍ لمطالبي ... فما لمرءٍ إلا شافعٍ ومنيل
ثم إنه قال بعد وصفه لوجده وبالغ في ذلك:
أقول لنفسي حين عز غرامها ... وطول الأسى للمغرمين قتول
هبيني فما في الناس لي من مساعدٍ ... فأهل الندي والمكرمات قليل
عفت طرق المعروف من كل سالكٍ ... وليس لحل المشكلات فعول
مضى محسن لم يلحق المنَّ رفده ... ومستحسن منه الثناء جميل
وكل جوادٍ يسبق السؤل جوده ... فلم يبق إلا مانع وسؤل
فقالت بدا منك القنوط سفاهةً ... فأنت لعمري مخطئ وجهول
إذا ما رأيت الناس لا نفع فيهم ... وكل شفيعٍ ليس منه حصيل
فهلا لعبد الله تشكو فإنه ... وفيٌّ سخيٌّ ماجدٌ ونبيل
وفرعٌ نما من أصل قوم أماجدٍ ... وما الفرع إلا ما نمته أصول
فدع كل قولٍ كالسراب بقيعةٍ ... إلى قوله إِن قال فهو يطول
فما الحزم والإقدام إلا لمثله ... هو الليث كل الليث حين يصول
стр. 620
أرى الجود والأتلاف منه سجيةٍ ... عياذًا بربي أن يقال بخيل
له همةٌ تسمو ونفسٌ أبيةٌ ... وعزمٌ كعضبٍ ليس فيه فلول
لبيبٌ على الأصحاب سهل جنابه ... وأما على الأعداء فهو ثقيل
أبا فهد هل لي بوعدٍ وعدته ... فما أنت تراك الوعود مطول
أبا فهد ترجي لكل ملمةٍ ... إذا لويت عندالخصوم ذحول
فهل لي رجاء بعد مكثي وغربتي ... فإن شقائي في البلاد مقيل
فعود على ضعفي فإني ربما ... لفقد عيالي في العباد أعيل
فأرجو إلهي ثم أرجوك نافعًا ... فلا تعترضني إِن أردت أجول
وكن راحمًا فالله يرحم راحمًا ... لينجيك في يوم بلاه يهول
ولا تحسبن الله لاهٍ وغافلًا ... عليك رقيب في الذي ستقول
بحق الذي أعطاك عزًا ومفخرًا ... وأعطاك ما لا تستنل وتنيل
وأعطاك أولادًا وجاهًا ورفعةً ... مطاع فلا يلغا لقيلك قيل
إلى آخرها وهي حسنة على من أراد مراجعتها تصفح الديوان.
وفيها في ١٥ جمادى الآخرة ولد المؤرخ أثابه الله تعالى وهو الفقير إلى الله عز شأنه "إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن".
ثم دخلت سنة ١٣٣٥ ه ـ
استهلت هذه السنة ورحى الحرب طاحنة.
وفيها في ٢ محرم عيد البيعة للحسين، فقد بايعه الحجازيون ملكًا على الحجاز ووفدت لذلك الوفود من سائر الأقطار الحجازية للبيعة، وتبارى الخطباء والشعراء أمام جلالته، فصار هذا اليوم عيدًا رسميًا مشهورًا بعيد البيعة تقام له في كل بلدة من الأقطار الحجازية احتفالات في كل سنة، وعيد النهضة والاستقلال يقام في ٩ شعبان من كل سنة تقام فيه ذكرى النهضة والاستقلال في جميع الأقطار الحجازية فيتبارى فيه الخطباء والشعراء وتلاميذ الدارس وتمتد معالم الزينات.
стр. 621
ولما أن أراد الشريف الحسين من الأمة الحجازية أن تبايعه فكر في أي لقب يلقب نفسه به، أملكًا على العرب، أم ملكًا على الحجاز، أم خليفة للمسلمين، فقرر وأيد على ملك العرب فأوعز إلى مندوبه بمصر إذ ذاك "محمَّد شريف الفاروقي" أن يجسّ نبض الحلفاء في الاعتراف له بملك العرب، فأخبره مندوبه باقتناعهم عن الموافقة بهذا اللقب الذي يشمل بظاهره جميع العرب في عدن، واليمن وتونس والجزائر ونجد والعراق وفارس ومصر، وخلافه من بلاد العرب وخشي الحلفاء من الاعتراف بملكيته على جميع مستعمراتهم العربية، وأن يكون متابعة للحسين هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فنهضته لم تسر جميع المسلمين ولا العرب، فاعتراف الحلفاء له بذلك يغضب المسلمين وربما يقع ما يقع ولكنهم اعترفوا للحسين بملك الحجاز فقط واستقلاله ليس إلا.
ولما لم توافق الحلفاء على طلبه بقي يلقب نفسه به في كتبه ومجالسه وتلقبه جريدة القبلة وأنجاله والأشراف حتى غضب لذلك سلطان نجد.
ذكر توتر العلاقات بين ابن سعود وبين الشريف
ولما حصل التتويج والمبايعة للحسين هللت جريدة القبلة، وازدهت بتلقيب الشريف حسين صاحب الجلالة العظمى ملك العرب، ولما هللت الجريدة بهذا اللقب ستبشر به غلاة القومية، وزعماء النهضة ولسان حالهم يقول هو ذا الزعيم الأكبر هو ذا المنقذ الأعظم ولكنه ما كاد ينتشر هذا اللقب حتى جاءت الأنباء من الأحلاف أنها اعترفت بالحسين ملكًا على الحجاز فقط، والمانع من ذلك ما تقدم، وأيضًا فإن صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل غضب لذلك لأنه يدخل تحت هذا اللقب فخابر الحكومة الإنكليزية بصفتها حليفة الاثنين بان تمنع الحسين عن قصده وإلا أدى ذلك إلى مالًا خير في عقباه ففعلًا خابرت الحسين ومنعته عن تسمية نفسه بذلك "أعني أمير المؤمنين وملك العرب" فبدأت فكرته تهبط وأخذ عن هذا اللقب.
стр. 622
ولما أن جاءت في هذه السنة هدايا الشريف لابن سعود كالتي قبلها بلغت هذه المرة قريبًا من خمسة عشر ألف جنيه استراب لذلك ابن سعود وعقد مجلسًا عاليًا دعى إليه حضرة والده الإِمام عبد الرحمن ورئيس قضاة نجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وغيرهما من الأكابر والرؤساء وأطلعهم على الأمر، وقال إذا كان القصد من إرسال هذا الذهب المساعدة في الحرب فالقصد محقق لأني أمرت أهل نجد خصوصًا أهل القصيم وعتيبة وحرب بمساعدة الشريف، وأمرتهم بأن لا يتعدي أحد منهم على من أراد أن ينضم إلى جيش الحجاز، فتكلم الإِمام عبد الرحمن قائلًا: لو كان الشريف يبغي المساعدة فقط لكتب إلينا بذلك ولست أرى في قصده غير الخوف من أن نغتنم فرصة قيامه على الترك فنحمل عليه فأراد في إرسال الذهب تسكينًا، وقد كان الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف من هذا الرأي فقال: عبد العزيز يمكن ذلك، وإنني سأكتب إليه فأتحقق الأمر فإذا كان يريد المساعدة وهو صادق في عمله وقوله ساعدناه بأكثر مما تقدم، وإذا كان له قصد آخر انتبهنا إليه، يا حضرة والدي إننا وإياك في هذه الحروب وثمرتها لنا ولك فقد مشت عرباننا وعشائرنا عملًا بأوامرنا إلى مساعدتكم ولكني أبغي أكثر من ذلك، وإني مستعد أن أرسل إليك أحد أخواتي أو أولادي ليحارب مع أولادكم، وفي ذلك الفوز الأكبر إن شاء الله، قد يكون حدث بيننا وبينكم سوء تفاهم في الماضي فلا بد إذن من التفاهم والتأمينات وذلك بأن تحدد الحدود بيننا وبينكم فتزول الشكوك وتتضاعف من أهل نجد المساعدات.
فلما أن وصل هذا الكتاب إلى صاحب الجلالة قام يذيع في جريدة القبلة وفي الديوان الهاشمي فسمع صوته في نجد، وكان من جوابه قال: إنك سكران يا ابن سعود أو مجنون، أفلا تعلم لأي أمر قمنا وأي غرض نبغي، فكتب عبد العزيز إلى الوكيل البريطاني في البصرة يطلب الاجتماع به في العاجل، فاجتمعا في العقير وبعد أن أطلع السر برسي كوكس على كتاب الحسين قال له الوكيل: لا تكترث به نحن ضامنون استقلالك ونتعهد بأن لا يتعدى عليك الشريف أو غيره، وأنت تعلم أن
стр. 623
آية حركة على الشريف اليوم هي علينا ومساعدة لأعدائنا وأعدائك، وقد ألح ابن سعود عليه في هذا الاجتماع أن يعطيه جوابًا قاطعًا لأن لا يكون بينه وبين الشريف محاربةً، فوعده بأمرين:
أولهما: أن لا يتدخل الشريف في شؤون نجد.
الثاني: أن لا يتكلم باسم العرب.
تعهد السر برسي كوكس لابن سعود بذلك، ثم إنه دعى عبد العزيز لزيارة البصرة فلبى عبد العزيز الدعوة وعرج في طريقه على الكويت ليعزي آل صباح بوفاة كبيرهم الشيخ مبارك، ثم إنه جاء وفود الإنكليز والعرب وذلك لأن الشريف لما رفعته الإنكليز إلى هذه الغاية وأمدته بالأسلحة والذخائر والأموال وقلدوه الخلافة سولت نفسه أن العرب كالخاتم بيده، وأن وعود بريطانيا له كانت لا يغيرها شيء، لم يحط علمًا بأنها جعلته لها يدًا تضرب به أعدائها، فإذا حصلت على أمرها أتت علي بن يانه من أسه فسقط عليه، لهذه الرفعة التي حصلت له، كان لا يرى ابن سعود ولا يعده إلا أنه أمير يجب أن يخضع للجلالة الهاشمية، وإذا تحدث عنه قال إنه أمير من الدرجة الخامسة لما يجده لأهل نجد من الكره الموروث، فبسبب ذلك ثارت كوامن الساكنات، وقام لا يريد مفاوضة بين الإنكليز وبين ابن سعود، على أن الإنكليز أهمهم أمران، حربي وسياسي، أما السياسي: ففي الحجاز، وأما الحربي ففي العراق، فجاءت الوفود البريطانية وقدم المستر ستورس ورفيقه المستر هوغرث إلى جدة ليسافرا من قبل المعتمد البريطاني في القاهرة إلى الرياض عن طريق الحجاز فلم يأذن الشريف وادعى بعدم الأمن، وحقيقته أنه يخشى أن ترجح كفة النفوذ في الرياض، بل كان يخشى أن يكون اتفاق الإنكليز وابن سعود مضرًا بمصالحه أو مجحفًا باتفاقه معهم فلا يرضى لهذا بأي اتفاق يكون بينهم وبين أمير من أمراء العرب إلا بواسطته قائلًا: اتركوا لي ابن سعود فأنا أعالجه لخيركم وخير العرب.
وقد كان ابن سعود محافظًا على عهوده مع بريطانيا العظمى، غير أنه يخشى أن يكون بينها وبين خصمه اتفاق سري ملحق للمعاهدة يضربه ومصالحه، ولا
стр. 624
يستغرب هذا كما قدمنا، فهل يصلح رسل التوفيق ما أفسده عاقدوا المعاهدات.
فلما أغلق باب الطريق إلى ابن سعود مع الحجاز في وجه وقد القاهرة جاء الوفد الآخر من الطريق الثاني إلى الرياض.
وفيها أمر فخري باشا بوضع أساس النصب التذكاري، وكان موضعه بالمناخة جنوبي السبيل، تذكارًا لتولية الدولة العثمانية للشريف علي حيدر على إمارة مكة، وبينما كان العمال يحفرون لوضع الأساس هناك إذا انفتحت لهم هوة كشفت عن بيوت سقوفها تحت طبقة هذه الأرض، فنزلوا إليها ووجدوا فيها ثيابًا معلقة على حبال ومع بلاها، فإنها كانت محتفظه بهندامها متماسكة بحكم الرطوبة وعدم خلل الهواء للغرف الموجودة بها، ولكن بمجرد لمس العمال أيًا منها تناثرت كما تناثر الرماد وتساقطت تساقط الأجساد المحنطة إذا مستها يد، فدمروا البيوت وأشادوا عليه ابن اية التذكار، وقد دمرت هي أيضًا في عهد الحكومة الهاشمية، وقد جرى مثل هذه القصة منذ سنتين وكثيرًا ما يوجد أسفل المدينة مدينة مدفونة إذا نقبت الأرض فيوجد آثار الأديار وأعمال الأولين.
وفيها عظم الإقبال والجد والاجتهاد في طلب العلم والدراسة والنشاط بين يدي الشيخ الفاضل عمر بن محمَّد بن سليم وآل الشيخ، واتسع نطاق العلم ونظمت القصائد في فوائد العلم وفضله وآدابه وأسبابه وموانعه، وكثرت المجاوبات عليها والمراسلات بينهم وذلك يدل على هممهم العالية ومطالبهم السامية، ويعد ذلك الوقت في القصيم عصر النهضة والتقدم والتعليم، وأولع الطلاب بدراسة القرآن وحفظه والبحث في مسائل العلم، وسهروا ليالي الشتاء، وضربت أباط الإبل إلى الرياض وبريدة وغيرها للأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وعن الشيخ عمر بن محمَّد بن سليم، وكان من الطلاب من يسافر راجلًا إذا لم يجد مركوبًا.
وفيها وفاة راشد بن سليمان أبو رقيبة من أهالي بريدة في القصيم وهذه ترجمته:
стр. 625
هو راشد بن سليمان بن محمَّد بن سبيهين، كان من آل شيحة آل سبيهين في القرائن في شقراء من وهبة تميم، ولد في سنة ١٢٦٥ هـ، وكان من طلاب العلم أخذ عن الشيخ محمَّد بن عمر بن سليم، وأخذ عن الشيخ محمَّد بن عبد الله بن سليم، وكان تاجرًا من تجار أهالي بريدة، وله أيادي في "الإحسان والبذل لا سيما في سنة المسغبة التي جرت عام ١٣٢٧ هـ، وكان له خط جميل وكثيرًا ما يعتمد عليه في الوثائق والصكوك الشرعية.
ومن النوادر أن جمالًا من الذين يجلبون الحطب وَفَدَ يحمل البعير، فاستامه راشد بن سليمان ثم إنه طلب الجمال الزيادة فلم يزد في القيمة عن سومه إلا قليل، فترك صاحب هذه الزيادة وباع على أبي رقيبة عله أن يطعمه من طعام بيته، فذهب به إلى بيته، وأمر أنجاله أن يلقوا الحطب عن ظهر البعير، ثم ذهب به إلى موضع التمر وكان مجب وَا في موضع لا ينقص عن خمسة آلاف وزنة فأجلسه وكشف له الغطاء وأذن له في الأكل مهما استطاع، وكانت الأمة إذ ذاك في قلة من المأكولات لقلتها ولم يفتح الله ﵎ عليهم في كثرة الأرزاق، فغاب عنه ثلاثين دقيقة ثم جاء إليه لعلمه أنه أخذ نصيبه في ذلك الوقت من الأكل، فلما جاء إليه وجده لم يذق منها شيئًا، فسأله وقد وجده جاعلًا يده على خده ويفكر لم لا تتناول شيئًا؟ فقال يا عم إني شبعت قبل الأكل لما رأيت هذه الأنعام بارك الله لك فيها، فأتى بزنبيل وملأه وناوله إياه لأولاده فانصرف من عنده شاكرًا.
ثم دخلت سنة ١٣٣٦ ه ـ
ففيها قدم وقد من الكويت ومن البحرين مؤلف من الوكيل السياسي "الكولونل هاملتن" و"المستر فلبي" و"الكولن أون" ليفاوضوا ابن سعود في الأمرين السياسي والحربي الذين تقدم ذكرهما، أي ليوافقوا بينه وبين الحسين وليستنهضوه على ابن رشيد وعلى أحلافه من عشائر العراق، وكان عبد العزيز قد علم بتوقيف وقد القاهرة في جدة، فطلب المستر فلبي أن يتوسط في الأمر وتعهد إذا أذن بالسفر إلى الحجاز أن
стр. 626
يعود مسرعًا ومعه المعتمد البريطاني، فأذن له عبد العزيز بالسفر وأرفقه برهط من رجاله، وقد كان فلبي له قصد في رحلته، وهو أنه قطع صحراء نجد في رحلة طويلة ليضع كتابه في قلب الجزيرة، وكان معتمدًا عظيمًا لبريطانيا في نجد، ومن المعلوم أن الطريق إلى نجد برًا من الحجاز هي أقصر جدًا من الطريق البحرية الهندية، وقد كان يزعم الشريف في ادعائه أنها آمن منها في تلك الأيام، وكان هذا المال الذي يبذل في شبه الجزيرة يجيء عن طريق مصر، وأن الحكومة الإنكليزية في الخليج الفارسي كانت في حاجة إلى قسم كبير ليصرف في أطراف العراق ونجد.
ولما سار المستر فلبي إلى الحجاز هو متأكد أن سيعود في الطريق نفسها ومعه في الأقل المال الذي كان متوقفًا في جدة، سار ومعه كتاب من ابن سعود إلى الملك حسين مدبجًا بيراع اللطف والولاء، فلما قدم الطائف وعلم به الشريف لم يسعه إلا إبداء السرور به لأنه ضيف كريم، فدعاه إلى جدة ليكون في ضيافته، فتوجه فلبي من الطائف مارًا بالسيل فعين مبارك فالوزيرية فحجوم فالمرشدية فحده فبحره حتى وصل جدة.
ولما أن اتفق بالحسين وناوله كتاب ابن سعود قابله بالفظاظة والغلظة وقال للمستر فلبي أن الرجوع إلى نجد يا حضرة النجيب غير ممكن، ولما أراد الذهاب أبى أن يعود فارغ الوطاب بدون أن يعمل شيئًا، فجس نبض الحسين وأراده على وضع معاهدة صداقة بينه وبين الإنكليز فلم يوفق، وكذلك عاوإلاثنان الآخران من وقد الإنكليز وما حصلوا على شيء من الحسين.
أما رجال ابن سعود فأذن لهم الحسين بالرجوع إلى بلادهم، ولم يزودهم بكلمة لطف أو عنف، ما هو إلا إن قال لهم لا لزوم يا أولادي للكتابة نحن نحل مشاكلنا بيدنا، كذلك عولج المشكل السياسي خلال الحرب، فظل مشكلًا بعدها.
أما المشكل الحربي فقد كان حله يختص بمصادرة المؤن والذخائر التي كانت تصل إلى الأتراك في بغداد وفي الشام عن طريق الكويت والبادية، وكانت الكويت هي الباب الأكبر للتهريب تجيئها المؤن من جميع الأرزاق كالشاي والأرز والسكر من الهند
стр. 627
والعجم فتباع بأسعار باهظة وتتسرب إلى الدولة وإلى رؤساء العشائر فيهربونها إلى الأتراك والألمان في سورية وفلسطين ومن أولئك الرؤساء ماجد ابن عجل شيخ العبده أكبر قبائل شمّر، وضاري بن طوالة شيخ شمّر العراق وعجيمي السعدون رئيس المنتفق فقد كان العدو في الشام وفي بغداد يحصل بواسطتهم مهمًا كانت الأسعار باهظة على كثير من الأرزاق والذخائر التي كانت تجيء إلى الكويت للإنكليز في جنوب العراق فعلى الإنكليز إِذن أن يصادروا المهربين ويحكموا نطاق الحصار لمنع التهريب أو تخفيفه، فحاولوا لذلك حراسة خط يمتد من الكويت إلى البصرة فالناصرية، ولكن الكويت نفسها كانت أضعف حلقة في سلسلة الحصار، وكان حاكم الكويت سالم ابن صباح من كبار المستثمرين تجارة بلاده ومن المستغلين عملية التهريب.
ومع أن الكويت في حوزة الإنكليز فلم يتمكنوا من إحكام النطاق الحربي عليها فاضطروا في النهاية أن يحددوا ويحتفظوا من غير ضغط، ومع ذلك كان يتسرب إلى العدو قسم كبير منها فبذلوا الم الذي العشائر للمصادرة واشتروا كبار المهربين مثل ماجد بن عجل وضاري بن طوالة.
ولما عاد فلبي في ربيع من هذه السنة جاء عن طريق الهند والبصرة وخرج إلى البادية ينشد المصادرين، وكان في قافلته جمال تحمل أكياس الفضة والذهب، وكان ضاري بن طوالة قد انخرط في السلك الإنكليزي لقاء مشاهرات معلومة ووظيفته مصادرة البضائع التي كانت تصل إلى الشام بواسطة ابن رشيد في حائل، ولكن ضاري شيخ من مشايخ شمّر، وشمّر هي ظهر ابن رشيد فهل يلام إذا صادر أعدائه، فقد جاءه فلبي وهو في الحفر يحمل النقود عاقدة العهود وناقضة الوعود، فشكى إليه ضاري ضيق الحال وفقر الرجال والحاجة يا فلبي شديدة إلى المال، فأناخ فلبي جماله وشحذ نصحه بالفضة فابتسم ضاري، وقال والله يا فلبي نحن رجالك على السمع والطاعة وخلع طاعة ابن رشيد تحت قدميه فقال له فلبي: قوموا إِذن وارحلوا معي إلى ابن سعود، فامتثل ضاري أمره ومشى في موكبه بستين من رجاله وجاءوا مع فلبي إلى ابن سعود يتوددون ويعاهدون.
стр. 628
ولما أن اجتمعوا بابن سعود على غدير يدعى الشوكي اتفقوا على أن تكون المصادرة عامة بدون تمييز، وأقسم ضاري يمينًا مغلظة أن شمّر العراق تكون دائمًا أبدًا مخلصة للإنكليز ولابن سعود، ثم أرسل ماجد بن عجل أيضًا رسوله إلى ابن سعود يطلب الصلح فقال له: إني أنذركم يا شمّر فإذا كنتم مخلصين لنا تعالوا أقيموا في كبدي وأما إذا كنتم تفاوضون الإنكليز وتساعدون الترك فأنا عدوكم والله قاهركم إن شاء الله.
ذكر اتفاق فلبي مع ابن سعود
لما خدع فلبي رؤساء شمّر ببذل النقود وضمهم إلى ابن سعود جعل ابن سعود يفاوض فلبي فقال له: يا فلبي أما حائل فإذا تركتم أمرها لي فأنا أعالجه بالسياسة وإذا ألححتم فعليكم بالمدد وليس المقصود بالمدد المال فقط، بل الأسلحة والذخيرة وهي يومئذٍ قليلة عزيزة، ثم قال عبد العزيز أن حائلًا في فكرنا دائمًا، ولكن حائلًا جدار، ونار ترى الصحيح أن ابن رشيد محصن فيها وراء الجدران والمدافع.
ثم إنه عاد المستر فلبي مع ابن سعود إلى الرياض وكانت المفاوضات والمباحثات متواصلة، وكان من جملة ذلك أن ابن سعود يقول: إني قادر أن أمنع ابن رشيد عن محاربة الشريف، وهذا جلّ ما يبغونه الآن لكن عهدًا بيني وبين شمّر يوجب التربص، فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، فإذا رجع ابن رشيد وكان حليفًا لنا فذلك خير تحقق بدون قتال وإلا فسنحاربه.
أما العهد الذي أشار إليه عبد العزيز فهو أنه بعد سفر فلبي إلى الحجاز، شد على ابن رشيد الذي كان يومئذ على الحجر عند الترك ولكن مشايخ قبائله جاءوا ابن سعود يعاهدونه على الطاعة والولاء ودليل صدقهم كما قالوا هو أن ابن رشيد طلب منهم أن يحاربوا مع الترك الشريف، فأبوا وقد تعاهدوا وابن سعود أنهم ينذرون ابن رشيد فإذا قدم من الحجر وكان معك يدًا واحدة، فنحن عشائره
стр. 629
وعشائرك، وإذا رفض الرجوع فنحن معك عليه، فلبث عبد العزيز ينتظر الجواب من مشايخ شمّر، ولم يرَ أن يبقى المستر فلبي أثناء ذلك عنده في الرياض فصارحه في الأمر فرغب فلبي في رحلة علمية إلى وادي الدواسر، واستأذن ابن سعود بذلك فرحله مصحوبًا برهط من المحافظة، وذلك في شهر رمضان، ثم إنه جاء الجواب من ابن رشيد يرفض مطالب رؤساء شمّر فجمع عبد العزيز جيشه يريد الزحف إلى حائل، وكان فلبي مرافقًا للجيش ولكنه لم يكن كمواطنه الذي سار معه في وقعة جراب شكسبير وشارك في القتال حتى قتل، بل تخلف هذا في القصيم وتقدم عبد العزيز بجيشه إلى حائل وكان قصده أن يشغل ابن رشيد عن مناوشات العرب الذين كانوا يحاربون مع الأحلاف في شرقي الأردن.
ولما وصل إلى ماء ياطب في أطراف حائل رأى جموعًا كبيرة من العربان وقد حالوا دونه وأمنيته، ولكنه هاجمهم فأصاب منهم مغنمًا، وعاد فنزل على ماء قريب من المدينة فخرج ابن رشيد في آخر النهار يريد الهجوم عليه ليلًا، لكنه عدل عن قصده وقفل راجعًا بدون قتال، وسبب ذلك أن الترك استنجدوه، لأن "الجنرال اللنبي" قد بدأ في الهجوم العام على الترك في فلسطين وشرقي الأردن، فعدل ابن رشيد عن محاربة ابن سعود إلى نجدة الأتراك، وقد كان من المألوف في مثل هذه الحال أن ينهض الجيش المهاجم فيتأثر الجيش المتقهقر ويجتز ساقته، ولكن الله تعالى ما أرادها لابن سعود في تلك الساعة بل عاد في اليوم الذي بعد هذا إلى القصيم وقصده أن يجمع قوة أكبر من تلك القوة التي كانت معه فيقسمها إلى قسمين، قسم لمنازلة عربان شمّر، وقسم لمهاجمة حائل، ولكنه مثل خصمه عدل أيضًا عن قصده والسبب في الحالين هو ما أحرزته جيوش الأحلاف والعرب في هذه المدة من النصر المبين في فلسطين وسوريا، وكان ذلك في ذي القعدة، فوصل الخبر كالبرق إلى البلاد العربية، ودخل العرب الشام ظافرين وفر الترك منهزمين، وسلم الألمان وعقد الصلح، فعندها تعظ العرب وتوقف ابن سعود وابن رشيد عن القتال وعقدا فوق ذلك مثل الأحلاف وألمانيا صلحًا صغيرًا.
стр. 630
ذكر سكون العرب العظمى
لما كان في ذي القعدة من هذه السنة انتهت حركة هذه الحرب بظفر الأحلاف والعرب وهزيمة الأتراك، فأخرجوا من الجزيرة ووضعت الحرب أوزارها ودخل الشريف فيصل بن الحسين دمشق مع جيش الحلفاء في ٢٤ ذي الحجة، فأقيمت المهرجانات ومعالم المسرات لقدومه، وتوافدت العرب إلى شطر المسجد الحرام قادمة من سائر الجهات لشد أزر الحسين بن علي ومعاونته على نهضته شامًا وعراقًا ومن مصر وطرابلس وفرنسا وإيطاليا، وقد كان للحسين منهم أكبر مصلحة ولكنه ويا للأسف لسوء حظه وقبح تصرفه اختلف معهم، وما كان ليرى إلى نصح ناصح ولا إلى إرشاد مرشدًا، فارتحل أولئك المخلصون عنه ولم تف له الإنكليز بوعودها لسوء معاملته.
ولما أن استقر فيصل بن الحسين ملكًا في سوريا وهدأت الخواطر، بدأت الأمة السورية تفكر في مصلحة وطنها وبلادها، وذلك لا يكون إلا بالاستقلال التام والحرية المطلقة، فبدأت تعمل لذلك وعلى رأسها الأمير فيصل يطرقون الأبواب ويواصلون السعي مع الساسة من رجال الحلفاء، فتكاثرت الأحزاب وتخالفت الآراء، حزب يطلب الاستقلال تحت الحماية وحزب يطلب الاستقلال الناجز بدون شرط ولا قيد، وحزب يطلب احتلال فرنسا لسوريا، فبقيت سوريا هائجة مضطربة، ولما رأى بعض الأحزاب تلاعب السياسة الفرنسية أعلنت تتويج فيصل ملكًا دستوريًا في السنة التي بعدها بسنتين، فحصل بذلك ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
أما جلالة الملك حسين الشريف فقد كان مغرورًا جدًا بما لديه من وعود الحلفاء التي ظنها مواثيق لا تقبل نقضًا وأن إشارة منه واحدة تطير في الهواء كل من يقف في سبيل غاياته إذ كان يعتقد أن إنكلترا حليفته وبكل حال فإن الحسين بن علي تعدى طوره وأغضب أيضًا الإنكليز.
стр. 631
ذكر البدو والهجر
الهجر هي مساكن البدو التي أمرهم بلزومها الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن، والداعي لذلك ثلاثة أمور هي: تعليم البدو الدين، ونفعهم بأرض يحرثونها، والاستيلاء عليهم، فباشر ابن سعود تلك المهمة للإصلاح الكبير، وكان يرسل المطاوعة إلى البادية ليعلموا أهلها التوحيد والفرائض وكان يعين بقعة من الأرض فيها ماء لقبيلة أو لفخذ منها فتنتقل إليها وتباشر بناية البيوت فيها ويساعدهم ماليًا في بناء البيوت الجديدة، ولقد كان ذلك صعبًا على البدو إذ من المعلوم أن رزق البدوي أباعره فما زالت عنده لا تزال البادية تستغويه فيروح في ساعات الضمير طالبًا الرزق حلالًا وحرامًا غز وَا أو غيره فلذلك جبر البدو على بيع جمالهم وألزمهم ليعيشوا كالحاضرة.
فيا عجبًا لأمر البدو وحيث لا يستريحون ولا يريحون فما مثلهم إلا كالسراب يلوح للظمآن ولقد قال الله فيما نزل: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾، فقد كان البدو منذ القدم غزاة عصاة عتاة ولهم غريزة دينية غذتها الخرافات ومطامع تكاد تنحصر بالأقوات ولكنهم في طاعتهم وإخلاصهم وجهادهم وولائهم لا يحتملون فوق طاقتهم يحاربون ويشدون ويخونون ويغدرون وهم وإن غلوا في دينهم فإن ردتهم سريعة، دعاهم مسيلمة فلبوه ثم دعاهم ابن طاهر القرمطي فضاربوا معه كالبنيان المرصوص، ثم تشتتوا بعد كسرة القرامطة ثم بعدها بنوا القباب على القبور وعلقوا الرقاع على الأشجار.
ثم لما قام الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب قدس الله روحه جعل يبين لهم أن الدعاء والعبادة لله وحده وجاء يعلمهم التوحيد بمساعدة سيف بن سعود ولكنهم في كل أطوارهم بدو لا يحملون شيئًا في جيوبهم ولا في قلوبهم بل لا جيوب لهم ولا قلوب رفاقك في الطريق اليوم وأعداؤك غدًا وجل مقصودهم هو الطمع، أما
стр. 632
الدين عندهم فكالرداء يلبسونه زمنًا فيغسلونه مرة أو مرتين ثم يلبسونه مقلوبًا ثم ينبذونه وقد تمزق نبذ النواة، كيف نتوضأ ونحن نبغي الماء للشرب، ولم الصوم والسنة كلها رمضان عندهم إلى غير ذلك.
وكذلك كانوا في ولائهم لهذا الأمير وذاك لا يفرقون وربك بين ابن سعود أو ابن رشيد أو ابن صباح بل من رجحت كفة ميزانه فهم معه سيف في يد الأمير يومًا، وخنجر في ظهره غدًا مجاهدون إن كان ثم غنائم يحاربون ما زالوا آمنين ويفرون شاردين عند أول خطر يلوح، لذلك كان ابن سعود يقدمهم في القتال ويدعمهم بالحضر وكان فيهم شجاعة إذا كان لهم ظهر وإلا فإنهم فارون، وقد جاء في أمثال العرب.
"البدوي كالقرلي إن رأى الخير تدلى وإن رأى الشر تعلى" ولكن البدوي وحده يدافع عن نفسه وبعيره حتى الموت وإن كان خصمه قبيلة بأسرها فسبحان من خلقهم والسلام.
وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن يقول محدثًا عن البدو الذين اشتهروا بالإخوان يجيئوننا في السلم فنعطيهم كل ما يحتاجون إليه من كسوة ورزق ومال ولكنهم في أيام الحرب لا يطلبون شيئًا منا فيتزر الواحد منهم الخرطوش ويبادر إلى البندق ثم يركب الذلول إلى الحرب ومعه شيء من المال والتمر قائلين القليل عندنا يقوم مقام الكثير عند غيرنا كنا نمشي ثلاثة أيام بدون أكل يأخذ الواحد منا تمرة من حين إلى حين يرطب فيها فمه.
وقد كانت الحاضرة قدمًا وأشد بأسًا من البادية أما الآن فالبادية المتحضرون أهل الهجر هم في القتال أثبت من الحاضرة وأسبقهم إلى الاستشهاد فرأى عبد العزيز أثابه الله أن يجعل لهم هجرًا فيكون وطن البدو البادية وهي مهد الشرك، فالهجرة منها إذن هي الهجرة إلى الله والتوحيد فنقلهم من بيوت الشعر إلى بيوت من لبن وحجر.
стр. 633
أسماء الهجر
قد أسست هذه الهجر في ابتداء سنة ١٣٣٠ هـ وأولها الأرطاوية لعرب مطير شرقي بريدة وقرب الدهنا وسميت بهذا الاسم لأن الأرطا الشجر المعروف الذي ترعاه الإبل يكثر في جوارها ثم تبعتها بقية الهجر كالغطغط والروضة، والسنام، وعروى هذه لبرقة من عتيبة، والصرار، وحنيذ والصحاف، والعقير، وعريعر، وهذه للعجمان، والنخيل، والفيضة، والطرفية لبني عمرو؛ ومشاش جوان والبعايث ومطلق، وضيده، ومدرج وبقيعا الجنوبية هذه لحرب، وعفيفة، والسليسة، والترجمة والشعراء والقاعية، والقويعية ووثيلان، والبرود، وعريفجان، والعرفجية، والبجادية، وقرين الدلابحة، ونفي، والحيد، وشبيرمه هذه لعتيبة، والثعيبان، والبلازية، وعقيلة لبن، وعقلة جديد والجعلة، هذه لعنزة والعظيم، والأجفر، وفيد؛ والربع والصفراء، والبير، وسلما، وغمرة، والغيمار؛ وسميرا، والكهفة والكهيفية، والصغوا، والثعيلبى هذه لشمر، والفواره، ومرغان؛ والعمودة والنومانية، والحجر، وبقيعا الشمالية والنابتية، والبدع ومغيرا؛ والقحصاء؛ وأم العراد، ومشاش جرود، والنجنة؛ والصلبية، والأرطاوي وكحيلان، وكحلة، ومكحول، ومطيوي غلاب، والقرائن لابن شطينة، والخشيبي، والدحلة؛ ودهيما، وعبلا، ومشاش ركيان والرديهة وشويمان، والنمرية، والطرار الشمالي والخرشا هذه أيضًا لحرب والهبيرية، وقطن والمباري، والمحيلاني وعقلة الصقور وعطا وعطى، وثادج، وثويدج، وجرار الجنوبي، والبتراء، والرويضية، والنجيبية، والنقرة، وجبيرة والحنينية هذه أيضًا الحرب، والميسرية، والشهيكية ودخنة، والطرفاوي، وغسل وغسيلة، والحجازية، ودريميحة، والقرين، وقبة وطراق قبة والزبيرة، والقوارة، وطراق الخرم، والخرم، والجرثمي؛ وذويبان ودويح والبعجاء، والبصيري؛ والقنينة الداث، والزهيرية والهمجة والنغازي هذه أيضًا لحرب، ومبايض، وفريتان، ومليح، والعمار والأثلة ومسكة وضرية، وقرية العليا وقرية السفلى هذه لمطير؛ والهياثم والجفير، والحصاة والرين الأسفل والرين الأعلى هذه لقحطان؛ ومشيرفة، والوسيطي للدواسر، والصرح وساجر، وعرجا،
стр. 634
وعسيلة، ونفي؛ والدهنا هذه للروقة، والدليمية، والساقية وحليفة هذه لحرب في نجد؛ والحسي؛ والحفات، والعتيق هذه للعوازم، والشباك، والبيرق، وعين دار سكانها بنو هاجر لبني مرة، والقصير، والحفير، والخبذ، وبنوان، والتيم، وأم القلبان، والشقيق، وخريفط، والمصارع، والمرير هذه لشمر، وبيضاء نثيلة لعنزة كما أن بنوان وخريفط والمرير فهن لهتيم، والضبيعة والمنيصف، والأخضر، وطيبسم، والرويضة هذه هجر في الخرج، والدفينة، والصمعورية، واللافيدة؛ والحليفة، وأم الهشيم، والمستجدة، والسليمي والجفن والعوشزية قرب الجفن؛ والمصتلح والشنانة الشمالية والحفيج، وعجاجان والبيصيات.
ومن قبائل نجد سبيع؛ والدواسر وبنو هاجر، وبنو خالد وتنتشر قبيلة بنو خالد في الإحساء كالقطيف والجبيل، ومن أشهر قبائل نجد قبلة قحطان التي تسكن في وادي الرين ومن قبائل نجد قبيلة مطير ومن أشهر القبائل عنزة وتمتد منازلها من وادي القرى وتنتشر في نجد.
ومن أشهر القبائل عتيبة وتمتد منازلها من الأماكن المجاورة لمكة من جهة الشرق إلى أطراف الوشم.
ومن قبائل المملكة السعودية ثقيف وجهينة وبلى وهذيل القاطنة في الحجاز فأصبحت هذه الهجرة يبلغ المجاهدون منها مائة ألف وسبعون ألفًا متأهبين للحرب يلي الجهاد رجالها الذي عرفوا بالتجارب يقدمون على الملك فيدفع لهم الإكراميات وقيمة مرضية من المال أو يدفعها لهم في العواصم يردونها فيأخذون ما رتب لهم وصار سكانها هم الإخوان أهل التوحيد إذ ذاك ولكنهم بعد ما باعوا جمالهم وصاروا إخوانًا يتعصبون بالعصابة البيضاء التي تميزهم عن الناس أقاموا في الهجر في أول تأسيسها لا يعملون شيئًا في أيام السلم غير الصلاة وغدت بيوتهم مناسك وقد نزلوها ابتغاء وجه الله تعالى لكنهم أصبحوا عالة على صاحب الجلالة لذا قام ابن سعود يعالج هذا المشكل فبعث إليهم مطاوعة وعلماء يبثون فيهم الخير وينشرونه فقام أولئك يعلمون المتحضرين ما فيه سعادة دينهم ودنياهم ويحبذون إليهم العمل لإصلاح معيشتهم وأن
стр. 635
التجارة والصناعة لا تنافي الدين وأن المؤمن الغني خير من المؤمن الفقير غير الصابر الذي معيشته على السؤال فهذا أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان يملك ثمانية آلاف رأس من الإبل والخيل وهل تشكون في أن الله يفتح لكم إذا أنتم زرعتم وتاجرتم أبواب الثروة والجاه، وقد أفلح المطاوعة أو كادوا في تحبيب العمل والمال إلى الإخوان فشرعوا يزرعون الأرض حول الهجر ويتاجرون وقد نشأت هذه القرى نشوءً سريعًا فصارت أسوة القرى القديمة وألف أهلها الزراعة واستعذبوا ثمارها، وكان البدو اليوم على غير حالتهم بالأمس فلا يشردون ولا ينهبون بل يحاربون حبًا للجنة وخوفًا من النار.
هبت هبوب الجنة ... أين أنت يا باغيها
وعرفوا الشرع فخشوا عاقبة الفرار وبما أن البدوي فطر على النهب والسلب والقتل فلا تزال الحكومة تدخل عليهم التحضر شيئًا فشيئًا، ولكنه نشأ فيهم غلو وإفراط ومجاوزة للحد بعد ما انقطعوا عن النهب وتفرغوا لعبادة الله تعالى وتلبدت غيوم في الأفق يخشى منها وأصبح مستقبلهم ينذر، وجرى منهم ما سنذكره فيما بعد إنشاء الله تعالى.
هذا ولا تزال فيهم تلك العادات التي فطروا عليها كامنة في نفوسهم من سرعة الانفعال وعدم النظر في العواقب وحبهم للنهب والسلب؛ ولولا سيف الحكومة الذي لا يزال مسلولًا على كل معتد لكان لهم تغيرات وتبديلات كما سيمر بنا بعد ذلك.
وفيها وفاة رجل الدين والفضل علي بن مقبل قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، وكان المترجم من قبيلة سبيع وصاحب صدق وإحسان ومحبة لأولياء الله وبغض لأعدائه ويعد من رجال الوطن في الدين وحسن المعاملة ومن صفاته الحسنة وأعماله الطيبة أنه أحاط بعض المقابر الكائنة في مدينة بريدة وله معاملة في مداينة الفلاحين يراعي الفقراء في المعاملة فإذا تمت المدة ضرب على الزيادة عن رأس المال وأخذ رأس ماله، ومن صفاته التي امتاز بها أنه إذا خرج ليكتال
следующие страницы →