ذكر البدو والهجر
الهجر هي مساكن البدو التي أمرهم بلزومها الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن، والداعي لذلك ثلاثة أمور هي: تعليم البدو الدين، ونفعهم بأرض يحرثونها، والاستيلاء عليهم، فباشر ابن سعود تلك المهمة للإصلاح الكبير، وكان يرسل المطاوعة إلى البادية ليعلموا أهلها التوحيد والفرائض وكان يعين بقعة من الأرض فيها ماء لقبيلة أو لفخذ منها فتنتقل إليها وتباشر بناية البيوت فيها ويساعدهم ماليًا في بناء البيوت الجديدة، ولقد كان ذلك صعبًا على البدو إذ من المعلوم أن رزق البدوي أباعره فما زالت عنده لا تزال البادية تستغويه فيروح في ساعات الضمير طالبًا الرزق حلالًا وحرامًا غز وَا أو غيره فلذلك جبر البدو على بيع جمالهم وألزمهم ليعيشوا كالحاضرة.
فيا عجبًا لأمر البدو وحيث لا يستريحون ولا يريحون فما مثلهم إلا كالسراب يلوح للظمآن ولقد قال الله فيما نزل: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ﴾، فقد كان البدو منذ القدم غزاة عصاة عتاة ولهم غريزة دينية غذتها الخرافات ومطامع تكاد تنحصر بالأقوات ولكنهم في طاعتهم وإخلاصهم وجهادهم وولائهم لا يحتملون فوق طاقتهم يحاربون ويشدون ويخونون ويغدرون وهم وإن غلوا في دينهم فإن ردتهم سريعة، دعاهم مسيلمة فلبوه ثم دعاهم ابن طاهر القرمطي فضاربوا معه كالبنيان المرصوص، ثم تشتتوا بعد كسرة القرامطة ثم بعدها بنوا القباب على القبور وعلقوا الرقاع على الأشجار.
ثم لما قام الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب قدس الله روحه جعل يبين لهم أن الدعاء والعبادة لله وحده وجاء يعلمهم التوحيد بمساعدة سيف بن سعود ولكنهم في كل أطوارهم بدو لا يحملون شيئًا في جيوبهم ولا في قلوبهم بل لا جيوب لهم ولا قلوب رفاقك في الطريق اليوم وأعداؤك غدًا وجل مقصودهم هو الطمع، أما
стр. 632
الدين عندهم فكالرداء يلبسونه زمنًا فيغسلونه مرة أو مرتين ثم يلبسونه مقلوبًا ثم ينبذونه وقد تمزق نبذ النواة، كيف نتوضأ ونحن نبغي الماء للشرب، ولم الصوم والسنة كلها رمضان عندهم إلى غير ذلك.
وكذلك كانوا في ولائهم لهذا الأمير وذاك لا يفرقون وربك بين ابن سعود أو ابن رشيد أو ابن صباح بل من رجحت كفة ميزانه فهم معه سيف في يد الأمير يومًا، وخنجر في ظهره غدًا مجاهدون إن كان ثم غنائم يحاربون ما زالوا آمنين ويفرون شاردين عند أول خطر يلوح، لذلك كان ابن سعود يقدمهم في القتال ويدعمهم بالحضر وكان فيهم شجاعة إذا كان لهم ظهر وإلا فإنهم فارون، وقد جاء في أمثال العرب.
"البدوي كالقرلي إن رأى الخير تدلى وإن رأى الشر تعلى" ولكن البدوي وحده يدافع عن نفسه وبعيره حتى الموت وإن كان خصمه قبيلة بأسرها فسبحان من خلقهم والسلام.
وكان عبد العزيز بن عبد الرحمن يقول محدثًا عن البدو الذين اشتهروا بالإخوان يجيئوننا في السلم فنعطيهم كل ما يحتاجون إليه من كسوة ورزق ومال ولكنهم في أيام الحرب لا يطلبون شيئًا منا فيتزر الواحد منهم الخرطوش ويبادر إلى البندق ثم يركب الذلول إلى الحرب ومعه شيء من المال والتمر قائلين القليل عندنا يقوم مقام الكثير عند غيرنا كنا نمشي ثلاثة أيام بدون أكل يأخذ الواحد منا تمرة من حين إلى حين يرطب فيها فمه.
وقد كانت الحاضرة قدمًا وأشد بأسًا من البادية أما الآن فالبادية المتحضرون أهل الهجر هم في القتال أثبت من الحاضرة وأسبقهم إلى الاستشهاد فرأى عبد العزيز أثابه الله أن يجعل لهم هجرًا فيكون وطن البدو البادية وهي مهد الشرك، فالهجرة منها إذن هي الهجرة إلى الله والتوحيد فنقلهم من بيوت الشعر إلى بيوت من لبن وحجر.
стр. 633
أسماء الهجر
قد أسست هذه الهجر في ابتداء سنة ١٣٣٠ هـ وأولها الأرطاوية لعرب مطير شرقي بريدة وقرب الدهنا وسميت بهذا الاسم لأن الأرطا الشجر المعروف الذي ترعاه الإبل يكثر في جوارها ثم تبعتها بقية الهجر كالغطغط والروضة، والسنام، وعروى هذه لبرقة من عتيبة، والصرار، وحنيذ والصحاف، والعقير، وعريعر، وهذه للعجمان، والنخيل، والفيضة، والطرفية لبني عمرو؛ ومشاش جوان والبعايث ومطلق، وضيده، ومدرج وبقيعا الجنوبية هذه لحرب، وعفيفة، والسليسة، والترجمة والشعراء والقاعية، والقويعية ووثيلان، والبرود، وعريفجان، والعرفجية، والبجادية، وقرين الدلابحة، ونفي، والحيد، وشبيرمه هذه لعتيبة، والثعيبان، والبلازية، وعقيلة لبن، وعقلة جديد والجعلة، هذه لعنزة والعظيم، والأجفر، وفيد؛ والربع والصفراء، والبير، وسلما، وغمرة، والغيمار؛ وسميرا، والكهفة والكهيفية، والصغوا، والثعيلبى هذه لشمر، والفواره، ومرغان؛ والعمودة والنومانية، والحجر، وبقيعا الشمالية والنابتية، والبدع ومغيرا؛ والقحصاء؛ وأم العراد، ومشاش جرود، والنجنة؛ والصلبية، والأرطاوي وكحيلان، وكحلة، ومكحول، ومطيوي غلاب، والقرائن لابن شطينة، والخشيبي، والدحلة؛ ودهيما، وعبلا، ومشاش ركيان والرديهة وشويمان، والنمرية، والطرار الشمالي والخرشا هذه أيضًا لحرب والهبيرية، وقطن والمباري، والمحيلاني وعقلة الصقور وعطا وعطى، وثادج، وثويدج، وجرار الجنوبي، والبتراء، والرويضية، والنجيبية، والنقرة، وجبيرة والحنينية هذه أيضًا الحرب، والميسرية، والشهيكية ودخنة، والطرفاوي، وغسل وغسيلة، والحجازية، ودريميحة، والقرين، وقبة وطراق قبة والزبيرة، والقوارة، وطراق الخرم، والخرم، والجرثمي؛ وذويبان ودويح والبعجاء، والبصيري؛ والقنينة الداث، والزهيرية والهمجة والنغازي هذه أيضًا لحرب، ومبايض، وفريتان، ومليح، والعمار والأثلة ومسكة وضرية، وقرية العليا وقرية السفلى هذه لمطير؛ والهياثم والجفير، والحصاة والرين الأسفل والرين الأعلى هذه لقحطان؛ ومشيرفة، والوسيطي للدواسر، والصرح وساجر، وعرجا،
стр. 634
وعسيلة، ونفي؛ والدهنا هذه للروقة، والدليمية، والساقية وحليفة هذه لحرب في نجد؛ والحسي؛ والحفات، والعتيق هذه للعوازم، والشباك، والبيرق، وعين دار سكانها بنو هاجر لبني مرة، والقصير، والحفير، والخبذ، وبنوان، والتيم، وأم القلبان، والشقيق، وخريفط، والمصارع، والمرير هذه لشمر، وبيضاء نثيلة لعنزة كما أن بنوان وخريفط والمرير فهن لهتيم، والضبيعة والمنيصف، والأخضر، وطيبسم، والرويضة هذه هجر في الخرج، والدفينة، والصمعورية، واللافيدة؛ والحليفة، وأم الهشيم، والمستجدة، والسليمي والجفن والعوشزية قرب الجفن؛ والمصتلح والشنانة الشمالية والحفيج، وعجاجان والبيصيات.
ومن قبائل نجد سبيع؛ والدواسر وبنو هاجر، وبنو خالد وتنتشر قبيلة بنو خالد في الإحساء كالقطيف والجبيل، ومن أشهر قبائل نجد قبلة قحطان التي تسكن في وادي الرين ومن قبائل نجد قبيلة مطير ومن أشهر القبائل عنزة وتمتد منازلها من وادي القرى وتنتشر في نجد.
ومن أشهر القبائل عتيبة وتمتد منازلها من الأماكن المجاورة لمكة من جهة الشرق إلى أطراف الوشم.
ومن قبائل المملكة السعودية ثقيف وجهينة وبلى وهذيل القاطنة في الحجاز فأصبحت هذه الهجرة يبلغ المجاهدون منها مائة ألف وسبعون ألفًا متأهبين للحرب يلي الجهاد رجالها الذي عرفوا بالتجارب يقدمون على الملك فيدفع لهم الإكراميات وقيمة مرضية من المال أو يدفعها لهم في العواصم يردونها فيأخذون ما رتب لهم وصار سكانها هم الإخوان أهل التوحيد إذ ذاك ولكنهم بعد ما باعوا جمالهم وصاروا إخوانًا يتعصبون بالعصابة البيضاء التي تميزهم عن الناس أقاموا في الهجر في أول تأسيسها لا يعملون شيئًا في أيام السلم غير الصلاة وغدت بيوتهم مناسك وقد نزلوها ابتغاء وجه الله تعالى لكنهم أصبحوا عالة على صاحب الجلالة لذا قام ابن سعود يعالج هذا المشكل فبعث إليهم مطاوعة وعلماء يبثون فيهم الخير وينشرونه فقام أولئك يعلمون المتحضرين ما فيه سعادة دينهم ودنياهم ويحبذون إليهم العمل لإصلاح معيشتهم وأن
стр. 635
التجارة والصناعة لا تنافي الدين وأن المؤمن الغني خير من المؤمن الفقير غير الصابر الذي معيشته على السؤال فهذا أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه كان يملك ثمانية آلاف رأس من الإبل والخيل وهل تشكون في أن الله يفتح لكم إذا أنتم زرعتم وتاجرتم أبواب الثروة والجاه، وقد أفلح المطاوعة أو كادوا في تحبيب العمل والمال إلى الإخوان فشرعوا يزرعون الأرض حول الهجر ويتاجرون وقد نشأت هذه القرى نشوءً سريعًا فصارت أسوة القرى القديمة وألف أهلها الزراعة واستعذبوا ثمارها، وكان البدو اليوم على غير حالتهم بالأمس فلا يشردون ولا ينهبون بل يحاربون حبًا للجنة وخوفًا من النار.
هبت هبوب الجنة ... أين أنت يا باغيها
وعرفوا الشرع فخشوا عاقبة الفرار وبما أن البدوي فطر على النهب والسلب والقتل فلا تزال الحكومة تدخل عليهم التحضر شيئًا فشيئًا، ولكنه نشأ فيهم غلو وإفراط ومجاوزة للحد بعد ما انقطعوا عن النهب وتفرغوا لعبادة الله تعالى وتلبدت غيوم في الأفق يخشى منها وأصبح مستقبلهم ينذر، وجرى منهم ما سنذكره فيما بعد إنشاء الله تعالى.
هذا ولا تزال فيهم تلك العادات التي فطروا عليها كامنة في نفوسهم من سرعة الانفعال وعدم النظر في العواقب وحبهم للنهب والسلب؛ ولولا سيف الحكومة الذي لا يزال مسلولًا على كل معتد لكان لهم تغيرات وتبديلات كما سيمر بنا بعد ذلك.
وفيها وفاة رجل الدين والفضل علي بن مقبل قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، وكان المترجم من قبيلة سبيع وصاحب صدق وإحسان ومحبة لأولياء الله وبغض لأعدائه ويعد من رجال الوطن في الدين وحسن المعاملة ومن صفاته الحسنة وأعماله الطيبة أنه أحاط بعض المقابر الكائنة في مدينة بريدة وله معاملة في مداينة الفلاحين يراعي الفقراء في المعاملة فإذا تمت المدة ضرب على الزيادة عن رأس المال وأخذ رأس ماله، ومن صفاته التي امتاز بها أنه إذا خرج ليكتال
стр. 636
من الغريم فإنه لا يطعم شيئًا من ثمرة الفلاح إلا بعد ما يقبض ماله فيأخذ بقلنسوته رطبًا ويأكلها.
وأخذ العلم عن الشيخ محمَّد بن عبد الله بن سليم وأخذ عن ابن عمه الشيخ محمَّد بن عمر بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمَّد بن فدا وكان مناصرًا للشيخ محمَّد بن عبد الله بن سليم وعضده الأشد فلذلك تضخمت بمسبته السنة المنافقين وشنوا عليه الغارة، وما زال ثباته ونصرته لأهل الدين وكانت ولادته في سنة ١٢٤١ هـ وتوفى عن عمر يناهز الخامسة والسبعين رحمة الله تعالى عليه.
ثم دخلت سنة ١٣٣٧ ه ـ
ففيها جرت واقعة تربة بين الإخوان من جنود ابن سعود وبين الشريف وأسباب ذلك الخلاف الذي توترت له العلاقات في مسائل الحدود بين نجد والحجاز ونحن نبسط الواقعة فنقول وبالله المستعان وعليه الاتكال.
ذكر واقعة تربة
لما أعلنت الهدنة بين الأتراك والحلفاء سلمت المدينة بعد إعلان الهدنة بثلاثة أشهر في ٨ ربيع الثاني من هذه السنة بعد حصار امتد ثلاث سنين فكتب الأمير عبد الله بن الملك حسين إلى أمراء العرب يخبرهم بذلك وأرسل إلى ابن سعود هذا الكتاب:
إلى حضرة المحترم المكرم الأمير عبد العزيز بن سعود الفيصل، وبعد فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله وصحبه أجمعين ثم أخبرك بأن الله فتح لنا أبوب مدينة خير البرية وأن حاميتها قد أسرت واستولينا على جميع ما فيها من السلاح الثقيل والخفيف وجميع الأملاك والآلات والأدوات العائدة للحكومة الغابرة، كما أن فخري باشا قد اعتقل في بئر درويش.
وأما العساكر فبادرنا بنقلهم إلى بلادهم ولا يخفى على مدارككم بأنه لم يبق والحالة هذه هنا ما يشغل حكومة صاحب الجلالة أدامه الله وأيده عن الالتفات
стр. 637
لإصلاح داخليتها وشؤونها والتنكيل بمن يسعى للإفساد والتخريب من العشائر التابعة لها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في ربيع الآخر ١٣ سنة ١٣٣٧ هـ قائد الجيوش الشرقية الختم الأمير قال إني عبد الله وقد كتب ابن سعود إليه كتاب تهنئة دعاه فيه للتفاهم بخصوص العشائر وأكد له أنه لا يبغي غير السلم إذا كان هو من المسالمين فجاءه الجواب الآتي:
"إلى جناب سامي الرحاب الشهم الأوحد والهمام الأمجد الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود سلمة الله، وبعد الديباجة المفعمة بالتودد والتبجيل يقول إني منكف راجع إلى الوطن إن شاء الله تعالى في الأسبوع القادم لأكون في خدمة صاحب الجلالة الهاشمية أدام الله نصره، وإني أرجوكم أن تبلغوا سلامي إلى معالي والدكم الجليل والأنجال والإخوان الكرام، ومن لدينا حضرة صاحب السمو الملكي سيدي الأمير على نصرة الله يهديكم جزيل السلام" في ٣ جمادى الثانية ١٣٣٧ هـ.
قائد الجيش الهاشمي الختم الأمير
ومع هذا الكتاب كتاب مثله لهجة من جلالة الحسين وملحق خير من سمو الأمير فيه ما يأتي:
إني أخوكم الصادق ومستعد لمساعدتكم بما تأمرون ولا يجوز أن يفرق بينكم وبين والدي أمور البادية التي لا أهمية لها، وكيف يمكن أن يحدث خلاف بين رجلين كبيرين بخصوص تربة والخرمة والبادية، ها أنا متوجه إلى مكة فأرجوكم أن ترسلوا أحد رجالكم وأن ارتأيتم أن يكون أحد أنجالكم فذلك أولى وأنا كفيل النجاح بحسم الخلاف والاتفاق مع سيدي الوالد.
ولكن أحد العقيلات الذين كانوا في الحجاز جاء يخبر إلى الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن بأن الأمير عبد الله يتأهب للزحف إلى التربة ثم جاءه آخر يقول أن الأمير خرج من المدينة ووجهته تربة فكتب عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى حكومة
стр. 638
بريطانيا العظمى بواسطة مندوبها في العراق يخبرها بمقاصد الملك حسين وقائد جيشه ابنه عبد الله فجاءه الجواب أن ذلك من الإشاعات التي لا صحة لها.
فكتب ابن سعود ثانيًا يقول ما معناه:
إني متحقق ما أخبرتكم به وما أخبرتكم خوفًا أو شكاية بل لتكونوا عالمين بالحوادث وبما قد يعقبها، وكتب ثالثًا يخبر المندوب السامي أن الأمير عبد الله مشى بجيشه من المدينة ووجهته تربة فلم يجيئه جواب الكتاب الأخير، وكان عبد العزيز لا رأى هذه الحركة قد جهز سرية مؤلفة من ألف ومائتي هجان بقيادة سلطان بن بجاد أمير الغطغط فأمرها بالمسير إلى الخرمة وتربة للمحافظة على أهالي تلك الناحية وأمر ابن بجاد والعالم الرافق للسرية بأن تكون خطتهما الدفاع لا غير، ثم أرسل بعض العقيلات متجسسين وأمرهم بأن يخبروه خصوصًا بما يفعله الأمير عندما يصل إلى عشيرة فإذا ترك عسكره هناك ودخل مكة كان فيما كتب صادقًا وإذا استمر سائرًا كان جوابه خدعة فزحف الأمير عبد الله بجيشه من المدينة جنوبًا إلى عشيرة فوافاه إليها والده الحسين إلى مكة وبعد المفاوضة عاد الحسين إلى مكة واستأنف عبد الله السير جنوبًا فخيم في شعب يدعى البديع في جبل حضن، وكان قائد الجيوش الهاشمية عبد الله بن الحسين يقول لمن يحدثه بعد ذلك أنه لم يكن من رأيي مهاجمة تربة وقد حاولت أن أقنع جلالة الوالد بالعدول عن عزمه ولكني كقائد الجيش الهاشمي مطيع لأوامر مولاي حتى أني كتبت إليه بعد أن تذاكرنا في عشيرة ولبثت في البديع أنتظر جوابه فلم يكن غير الأمر بالزحف.
ولما أن علم المعتمد البريطاني بمقصد الحسين حينما عزم على تسيير الحملة المذكورة وتبين له ما يبيته لابن سعود، بعث إليه خطابأ مع سكرتيره "حسين أفندي روحي" ينهاه عن ذلك وينصح له فصمم وأجابه بصوت جهوري سمعه الحضور وبعض الجنود امض وقيل لهم لا نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا ولنا الحق في أن نفعل ما نريد فبذلك عصى بريطانيا التي هي عضده الأشد وما عمل بنصيحة قريب ولا بعيد.
стр. 639
ولما أن أكد على ابنه عبد الله بالزحف كان قد كتب الأمير عبد الله في أوائل رجب إلى ابن عمه الأمير عبد الله بن محمَّد وهو يومئذ في الخرمة أو في جوارها هذا الكتاب:
بعد السلام ورحمة الله وبركاته، كتابكم رفقة عائض بن جوير وصل وعلم مضمونه وعيال مهزي الصفار نوخوا البارح على صاحب الجلالة وأخبرونا بالكون عليهم وبكسرة الوهابية، ولا شك أن العرب إذا صدقوا اللقاء كسروا المغير عليهم هذا أمر ثابت وحسب الرغبة أمر صاحب الجلالة بإنقاذ ابن مهزي فاخترنا مائتين من الجعدة مع غالب ابن عنيزة يمشون غدًا أو بعده إن شاء الله كلمة مبهمة أمير الخرمة السيد غازي الحارث من السطوة في البلاد الآن فبعد وصولي بالقوة الكافية إليكم نزودها بما تستحقه والتوفيق بيد الله، هذا ما لزم ودمتم ونحن على ممشًا في هذين اليومين، الأمير القائد عبد الله في ٣ رجب سنة ١٣٣٧ هـ.
مشى بعد كتابة هذا الكتاب من عشيرة إلى جبل حضن فخيم في البديع وجاء إلى ابن سعود في غرة شعبان أحد عقيلاته يخبره بذلك فكتب صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى الأمير كتابًا في ١٠ شعبان قال فيه:
قد تحقق عندي خلاف ما أخبرتني به سابقًا أي أنك عائد إلى مكة المكرمة والظاهر أنك مهاجم تربة والخرمة، وذلك مخالف لما أبديتموه للعالم الإِسلامي عمومًا والعربي خصوصًا، واعلم رعاك الله أن أهل نجد لا يخذلون إخوانهم وأن الحياة في سبيل الدفاع عنها ليست بشيء، نعم وأن عاقبة البغي وخيمة.
خير لك إذن أن تعود إلى عشيرة وأنا مرسل إليك أحد أولادي أو إخوتي للمفاوضة فتتم الأمور على ما يرغب به الفريقان إن شاء الله.
والكتاب طويل تدرك مباحثه من جواب الأمير الذي فيه كل الخبر وهو الذي قد تضمن شيئًا عجيبًا من الفصاحة ولكن لا غرابة إذا كان لديه من القوات ما غره:
من عبد الله بن أمير المؤمنين الحسين بن علي إلى حضرة أمير نجد ورئيس عشائرها عبد العزيز بن سعود دامت كرامته، وصلني خط الجناب الموقر المؤرخ ١٠
стр. 640
شعبان فتلوته وفهمته فلم أجد فيه ما استغربته واستعذبته تقول أني بينما أكتب إليك مسالمًا إذا أنا أجر الأطواب على المسلمين وأن مظهري هذا أثار ثائر الناس علينا، وأنك دامت مدتك خرجت فزعًا إلى أن يأتيك مني الجواب وإليك به وهو ينطق بلسان صاحب الشوكة والدي وحكومته:
أولًا: أظن أن صاحب الشوكة سيد الجميع يرحب بكل من يطلب كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويحيي ما أحيا الكتاب والسنة ويميت ما أماته الكتاب والسنة لأن هذا دأبه ودأب أجداده منه إلى صفوة الخلق عليهم سلام الله.
ثانيًا: لا أذكر أحدًا منا وقع على كتاب ذكر فيه أنك أو أحد آل مقرن من الخوارج أو أنكم لستم على ملة الرسول.
ثالثًا: كل من شق عصا الطاعة من رعايا صاحب الشوكة وعتا في الأرض فسادًا يستحق التأديب شرعًا شخصًا واحدًا كان أو ألف شخص.
رابعًا: اعلم وتيقن أن نيتنا نحوك ونحو أهل نجد نية خير وسلام.
خامسًا: أما قولك أن الناس نفروا جميعًا لحربنا إناثهم قبل رجالهم فأذكرك بقول الله و ... فإن جاءونا أي عرب برفة والروقة الذين أنذرهم بنية حسنة فنحن لهم وهم لنا يا عبد العزيز قبل أن ينزل أجدادك بنجد وإن بغوا فلكل باغ مصرع والله مع الصابرين.
سادسًا: تأمرني بالرجوع إلى ديرتي من أرض هي لأبي وجدي، ومتى كنت تمنع الناس عن ديرتهم جزيت خيرًا، ولكن هل تذكر أن رجلًا من قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني هشام، جده رسول الله وعلي بن أبي طالب يقعقع له بالشنان، ويروع بمثل هذه الأقاويل.
سابعًا: تقول إني لو ألتمس رجلًا في نجد لا يرجح الحياة على الموت في سبيل الله لما أجده، فكان الأوفق لهم، أذن أن يأتونا ويجاهدون الأتراك معنا عن بيت الله ومسجد رسوله، حتى ينال الشهادة منهم من كتبت له، ثم بعد ذلك تردون بمن النظر.
стр. 641
ثامنًا: أخبرتك بكتابي بفتح المدينة المنورة بأنني متوجه إلى الوطن لتأديب العصاة، وسألتك: هل أنت على عهدي بك أم تغيرت نياتك؟ فجاءتني نجاجيبك بجواب منك فيه الميل إلى التقرب والمسألة، فرجوت خيرًا وعززته بالجواب الثاني، فجاء ثاني كتبك لي ومثله لوالدي ولأخي ملؤها المودة المؤكدة باليمين، وكل ذلك محفوظ فما حملك الآن على تغيير لهجتك، أمن أجل أننا نؤدب رعايانا ونصل ما فسد في قبائلنا.
تاسعًا: إن كنت تنوي الخير للمسلمين كما زعمت فاردد الذين أمرتهم ببيع مواشيهم وبنيت لهم الدور: يريد ذلك، الهجر، أخل أنت مكانك الذي وصلت إليه وانحر ديرتك ولك علي ألا أمس أحدًا من أهل نجد بسوء، إني مرسل إليك كتابي هذا مع أحد نجاجيبك وهو القسماني، وأبقيت الآخر ليأتيك بخطاب صاحب الشوكة والدي والسلام.
في ٢٣ شعبان ١٣٣٧ هـ
القائد العام للجيوش الشرقية الهاشمية
لا بد في هذا الموضع وقد وصلنا إلى هذا الحد من التعريف بتربة والخرمة اللتين أثارتا الحرب بين نجد والحجاز، فنقول: الخرمة هي على مسافة خمسين ميلًا من جبل حضن إلى الشرق وتربة على مسافة خمسة وأربعين ميلًا منه إلى الجنوب، وجبل حضن هذا هو الحد الفاصل بين نجد والحجاز، فقد جاء في الحديث: "من رأى حضنًا فقد أنجد" من هذه الوجهة.
إذن تكون البلدتان في نجد، ولكن أصحاب السيادة فيهما من أشراف مكة، فادعى الحسين أنهم من رعيته، وادعى ابن سعود أنهم من رعيته، كما أفاده التحديد مع الأهالي من بدو وحضر فيهم الأشراف تمذهبوا من قديم بالمذهب الوهابي، فعلى هذا هم من رعايا ابن سعود، وكلهم بأجمعهم لا يتجاوزون خمسة وعشرين ألفا من الأنفس البشرية.
أما الخرمة ففي وادي سبيع وتعلوا عن البحر ثلاثة آلاف قدم وخمسمائة
стр. 642
قدم، وسكانها خمسة آلاف، ثلثاهم من العبيد المعتوقين، وثلثهم من عرب سبيع الذين طردتهم عتيبة عن سكنى جهات الحجاز فنزحت سبيع إلا بقية منهم سكنوا رنية الخرمة.
أما الأشراف في الخرمة فلا يتجاوز عددهم ثلاثمائة نفس، وأمير الخرمة هو الشريف خالد بن منصور بن لؤي ﵀، وهو من أقارب الملك حسين، ولكنه محب لأهل الدعوة الوهابية جدًا، فلم تصف حالته مع حسين الشريف واتفق مع هذا أنه حدث خلاف بينهما في السنة المتقدمة حمل جلاله الملك حسين على حبس خالد، فاشتعل في صدر خالد زناد الانتقام، ولكنه غطاه دثار العقل إلى حين فرصة الانتقام، وذهب خالد بعد ذلك يساعد الأمير عبد الله في حصار المدينة، وهناك حدث بينه وبين الأمير عبد الله خلاف وتكررت الإساءة منهم إليه، فتكلم خالد منذرًا، غير أن الأمير عبد الله غضب ولطمه بيده لطمةً أثارت تلك المغطى، وقيل أن الذي لطمه رجل يدعى فاجر بن شليويح أحد شيوخ قبيلة الروقة، فاعتقل عبد الله المعتدي ولكنه أطلقه بعد أيام، فلم يرض خالد بهذا الجزاء وأسرّها في نفسه واستأذن الأمير عبد الله في الرحيل فأذن له، وما أصغى إلى نصح ناصح وهو الشريف شاكر بن زيد بن فواز ألا يأذن له بالرحيل، فإن خالد في نفسه شيء لا يغسله ذلك الاقتصاص من خصمه وسوف يطول يومه بعد ذلك معهم إن لم يرضه، لكنه أجابه عبد الله ليمضي حيث شاء، وبالرغم من استخفافه بحقه فقد أمره أن يهبط إلى مكة، ويقابل الملك فتظاهر بالطاعة وغادر العيص مغيظًا محنقًا وآلى على نفسه لينتقمن لنفسه وليجعلن خصومه أحدوثة للناس، فخرج من رابغ إلى تربة، وأخبر كبار قومه بما لقي من إهانة بالغة، واستثار حماستهم فأجابوه أنهم معه ولو خاض بهم البحر، فأفشى إلى ابن سعود ما كان عليه الحسين، ودأب على تقوية الصلات بينه وبينه، واستنجده عليه وطفق خالد يدأب في ضبط القبائل لابن سعود ونشر الدعوة له، وقد علم الحسين ببعض جهود خالد وأعماله فارتاب منه وبعث إليه يطلب حضوره إلى مكة، فاعتذر خالد وتعلل، وبعث إليه للمرة الثانية
стр. 643
والثالثة وخالد يعتذر ويختلق المعاذير، وعين الحسين قاضيًا لتربة فجر خالد أسبابًا إلى رده بواسطة الشيخ عبد الله سراج.
ولما استفحل أمر خالد بعث إليه الحسين يطلب منه أن يأتيه لأمور مهمة، فأبى لعلمه أنه لا يعود إذا ذهب، فئنى الحسين وعزز بثالث وخالد يرفض طلبه حتى أجابه خالد بأنه مستقل بإمارته وليس بتبعيته، فثار الحسين وجهز له قوة بعد قوة تحمل الرشاشات والمدافع، وكلها يردها خالد مدحورة مخذولة، وآخر القوات في الحملة الرابعة بلغ عددها أربعة آلاف بقيادة شاكر، كان حظها أيضًا الفشل.
أما تربة فسكانها من عرب البقوم، وفيها مثل الخرمة عدد من الأشراف يملكون أرضها، وكلهم بدو وحضر وعبيد من أتباع ابن سعود منذ أيام سعود الأول، بيد أن قسمًا منهم انضموا إلى جيش الحجاز في الحرب العظمى، ثم انقلبوا على الشريف حسين لأسباب دينية ومالية، فآلى على نفسه تأديبهم ولم يتمكن من ذلك إلا بعد أن انتهت الحرب، فهذا الذي بعث الإشكال بين ابن سعود والشريف.
ومع أن تربة قرية لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثة آلاف فإنها ذات أهمية لأنها في الطريق إلى الطائف، وهي باب الطائف من الوجهة النجدية وحصن الطائف من الوجهة الحجازية.
ويتبع تربة سهل شرقي إلى الشمال الشرقي من مستنقعات البقوم، وعدد سكانها ثلاثة آلاف من البادية وحول هاتين القبيلتين سبيع، والبقوم وقراهما تسرح وتموج قبيلة عتيبة الكبيرة.
رجعنا إلى ذكر الجيش الزاحف إلى تربة، فقد بالغ الرواة في تقديره، فقال بعضهم أنه بلغ خمسة وعشرين ألفًا، منهم خمسة آلاف من النظام والباقي من البدو، وقال بعضهم أنه كان مؤلفًا من سبعة آلاف من النظام وثمانية آلاف من البدو، وقيل مجموعه ثلاثة عشر ألفًا.
أما الحقيقة فهو عشرة آلاف، ثلاثة آلاف من النظام وسبعة آلاف من البدو مزودًا بعشرين مدفعًا وخمسة وعشرين رشاشًا، وعلى كل حال فإنه كان كافيًا
стр. 644
لغرض الأمير، فقد دخل تربة بدون قتال يذكر، دخلها في ٢٤ شعبان من هذه السنة بعد يوم واحد من كتابة الكتاب إلى ابن سعود، والذي مكنه من ذلك هو أنه كان قد استخدم بعض عربان البقوم في جبل حضن ليدخلوا البلدة مدعين أنهم جاءوا يحذرون أهلها من الأمير ويستنهضونهم على محاربته، بل قالوا للمدافعين أنهم جاءوا يحاربون معهم، فأنزلوهم في الحصون مع من تحصن فيها، فما لبثوا أن انقلبوا عليهم فاستولوا على أسباب الدفاع وصاحوا بالناس الملك للشريف، وفي تلك الساعة في صباح الرابع والعشرين من شعبان دخل الأمير بجيشه فصادف لأول الأمر بعض المقاومة، فأمر بإطلاق المدافع والرشاشات على المقاومين فتشتتوا ثم فروا هاربين إلى الحرة جنوبي البلد، فلما دخل الأمير ظافرًا وزع جيشه في جوار تربة وحولها، وكانت ساعة لرجاله أباح فيها البلد، فنهبوا وأفسدوا فيها وتبروا ما علو تتبيرا على ما تقتضيه أهوائهم، ثم أمر بقتل بعض المشايخ واثنين من التجار النجديين وبمصادرة أموالهم.
ثم إنه كتب من مخيمه في الجهة الغربية إلى والده الحسين كتابًا جاء فيه:
إني في ثلاثين يومًا سأطوي نجدًا بأجمعها وأخاطبكم من البحرين، وبث كتبه إلى رؤساء البادية في تلك النواحي، خصوصًا في رنية يخبرهم بما حل في تربة، ويهددهم بمثل ذلك إذا كانوا لا يجيئونه طائعين صاغرين، ومن هذه الكتب هذا الكتاب -قيادة الجيوش العربية الشرقية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله بن أمير المؤمنين الحسين بن عون إلى المكرم فيحان بن صامل، أما بعد فإني أحمد الله إليكم ثم أخبرك بأننا وفقنا الله فأطفأنا نار الخارجة التي في تربة ومزقناها كل ممزق، وضربنا أعناق أرباب الزيغ والنفاق ومن جملتهم "الطعامة" و"ابن مسيب" نزيل قريتكم وإن هذه الفتنة التي أثارها خالد بن منصور بلا لازم ينعاه أو حق يطلبه، وأدخلكم فيها نأمركم بتركها والإسراع بالركوب إلينا، وكف كافة سبيع أهل رنية بدو وحضر عن الاستمرار فيها، ونأمركم بجلب شيوخ الزكور "قبيلة من القبائل" معكم إلينا في
стр. 645
ست ليالٍ للاستئمان من سطوتنا، وإن لم تفعلوا فسأميل ميمنةً البيرق المنصور عليكم مستعينًا بالله تعالى مستنجدًا عظيم قدرته، ولا تكتم إنذاري هذا عن كل صغير وكبير لأني سأسلك عنه حين لا تنفعك الندامة ... والسلام على من أَتبع الهدى في ٢٤ شعبان سنة ١٣٣٧ هـ.
القائد العام للجيوش الشرقية الهاشمية الختم.
وفي كتاب إلى ماضي بن قاعد ومحمد أبرق نقيش يقول: ما خفي عليكم ما حل بتربة من ذبح الرجال وتدمير المال بعد أن طغى أهلها وبغوا، وأنتم يا أهل رنية بدو وحضر إن ما كفيتم طوارفكم وركبتم إلى في ست ليالٍ مع شريفكم وإلا حزمتكم حزم السلم وطردتكم طرد غرائب البل، وعاقلكم يعلم جاهلكم، ولولا مشاري بن ناصر وغازي بن محمَّد لكان صباحي يسبق كتابي إليكم والسلام على من اتبع الهدى.
ثم إنه استقر الأمير ذلك النهار في المخيم المنصور، وبعد إرساله كتب التهديد إلى رؤساء القبائل إذن لنجاب ابن سعود أن يعود بالجواب الذي ذكر، وكان قد علم بأن السرية التي جاءت إلى الخرمة بقيادة ابن بجاد وخالد قد مشت منها إلى مكان يدعى "القرين" فقال عبد الله لرسول ابن سعود هذا الكلام:
أخبر الخوارج ومن التف حولهم في القرين بما جرى وقيل لهم ما جئنا تربة من أجل تربة والخرمة فقط، سنصوم في الخرمة إن شاء الله وسنعيد عيد الأضحى في الحساء، فركب الرسول وقت الظهر كئيبًا مدهوشًا إلى أن وصل إلى القرين الذي يبعد عن تربة خمس ساعات وصله بعد صلاة العصر، فأحاط به الإخوان مستخبرين فشق جيبه حتى انسلخ من ثيابه وجعل يروي ما جرى على أهل تربة وما فاه به الشريف، فما كاد يتم كلامه حتى صاحوا صيحةً واحدة "إياك نعبد وإياك نستعين خيال التوحيد أخو من أطاع الله" وهموا بالهجوم فسكن العالم والقائد رعبهم، فقال سلطان بن بجاد بن حميد كيف نتجاوز أوامر صاحب الأمر فهو لم يأمرنا بغير الدفاع، ولكنه نسي كتابًا آخر جاء من ابن سعود وفيه ما معناه:
стр. 646
إذا جاءكم الخبر بمسير الشريف إلى مكة فالزموا مساكنكم إلى أن يأتيكم مني أمر آخر، وإذا علمتم بأنه تجاوز حدود تربة فإني أذنكم أن تفضوا كتابه وتقرؤه فترون فيه رأيكم، فما كانوا بحاجة إلى استماع كتاب الأمير وقد سمعوا كلماته من فم النجاب، ولكن العالم عمل بالأمر العالي فصاحوا وهو يتلو الكتاب عليهم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
ذكر الهول في وقعة تربة
لما كان في آخر اليوم ٢٤ من شعبان زحف الإخوان في الساعة الحادية عشر مساء، وقد كاد الواحد منهم يطير عقله غضبًا وانتقامًا، وكان عددهم ألفًا وخمسمائة مقاتل، وقد استبسلوا كأنهم الأسود لهم وجبة عظيمة:
هبت هبوب الجنة ... أين أنت يا باغيها
ولما أن زحفوا بهذه الصفة جاء منذر من البادية إلى الأمير عبد الله يقول:
تحذر يا شريف المتدينة في الخرمة هاجمون عليكم، فغضب الأمير وأمر بقطع عنق الرجل، وفي رواية أنه أمر "دخنًا" كبير عبيده بضربه فضربه حتى مات، كل ذلك استصغارًا لخصمه، ثم نام الأمير تلك الليلة مطمئن النفس خالي البال تحدثه نفسه بالأماني والملك الواسع.
وكان الإخوان قد علموا من رسول ابن سعود كيفية توزيع جيش الأمير، فانقسموا إلى ثلاث فرق قبل أن يصلوا إلى نخيل تربة، فرقة خيالة، وفرقة خالد، وفرقة ابن بجاد.
وكان ابن الشريف قد ربط أهل المدافع والكائن حولها بسلاسل الحديد لئلا يفروا عند نازلة وتجبر بزعمه فلا يقاومه أحد.
стр. 647
وهذه صفة المعركة بتربة رسمًا
[صورة]
стр. 648
وعندما وصلوا هكذا في منتصف ليلة ٢٥ شعبان هجموا هجمة واحدة، وكانت الخيالة قد جاءت من وراء مخيم الأمير لتقطع عليه خط الرجعة، فتقدم خالد ومعه الذين شردوا من تربة فدخلوا الباطن ليستولوا على مخيم الأمير، مشوا وسلاحهم الأبيض يلوح في ظلام شفاف، فرفع الإخوان أصواتهم بالتهليل والتكبير فاصطدموا بالسرية الأولى من الجيش الحجاز فذبحوا رجالها كلهم، وكذلك السرية الثانية ثم هجموا على السرايا المقيمة عند مخيم الأمير فتكوا بهم فتكًا هائلًا، وهجم سلطان بن بجاد برجاله وكله من أهل الغطغط على الجنود النظامية وراء المتاريس والأطواب فكانت السيوف تشتغل كالمقاصل، وكان الرجل من أهل الغطغط يثب على المدفع فيذبح الضابط المقيد ورائه بالحديد، ولكن هم يظنون أنهم يبطشون بالإخوان.
أما فرقة الخيالة فقد قطعت خط الرجعة خصوصًا على حرس الأمير فلم ينجو منهم غير الأمير نفسه وبعض الضباط، ونجاب ابن سعود الثاني، وفرَّ عبد الله قبل أن يصل خالد ورجاله إلى سرايا الخيم فثبت بعضهم في النضال ليردوا العدو عن تعقبه وسقط من حاول الفرار صريعًا بين سنابك الخيل.
أما الذين نجوا من الذبح تلك الليلة ولم يستطيعوا الفرار فقد التجأوا إلى حصن من حصون البلد، فهجم الإخوان عليهم في اليوم التالي وجعلوا خاتمة المذبحة كأولها، فتراكمت الجثث بعضها فوق بعض، وكان من اللاجئين إلى ذلك الحصين الشريف شاكر، فكتبت له النجاة ونجا معه شاب من الأشراف اسمه عون بن هاشم سنة إذ ذاك خمس عشرة سنة، وكان يقول لمن يحدثه عن هول ذلك اليوم رأيت الدم يجري في تربه كالنهر بين النخيل فكنت بعدها قد بقيت سنتين عندما أرى المياه الجارية أظنها والله حمراء، ورأيت القتلى في الحصين متراكمة قبل أن طحت من الشباك، ومن عجب ما رأيت أن الإخوان أثناء المعركة يدخلون الجامع ليصلوا ثم يعودون إلى القتال، ثم لم ينج من جيش الأمير النظامي غير ستة ضباط واثني عشر جنديًا، ولم ينج من البدو غير من سلموا وانضموا إلى جنود خالد وأكثرهم من عتيبة وعددهم لا يتجاوز الألف.
стр. 649
فكانت هذه الواقعة هائلة خيم فيها الموت وتطايرت الرؤوس عن الأجسام، وجرت الدماء كأنها السيل والذين قتلوا في الوقعات من جنود الشريف على طريق الضبط خمسة آلاف مقاتل ولم يفلت غير الأمير عبد الله وستة ضباط واثني عشر رجلًا، واثنين من الأشراف وهما شاكر وعون، وفرَّ بقية المنهزمين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة، وأدار الله دائرة السوء على الشريف وجنوده وقفت هذه الواقعة على آماله، وقتل من الإخوان أربعمائة لأنهم ألقوا نفوسهم على المكائن الرشاشة والأطواب، وقتل من أهل تربة والخرمة مائة فقط، ثم صارت هذه الأسلحة الثقيلة والخفيفة وجميع الأملاك والألات والأدوات التي استولى عليها عبد الله بن الحسين من الدولة الغابرة في كتابه الأول بتاريخ ربيع الثاني ملكًا لابن سعود وخسرها كلها الشريف بعد كتابه المشار إليه بأربعة أشهر واستولى عليها ابن سعود.
ومما هو جدير بالذكر أن الحسين قد جهز هذه الحملة بكل ما يملك من سلاح ومدافع ورشاشات حديثة مما كان أخذه من الحلفاء وغيرها من الأسلحة، فكانت من حسن حظ ابن سعود سلحت جيشه بأحدث الأسلحة بقدر ما أضعف من خصمه الحسين.
وكان ابن سعود قد حشد جيشًا عدده اثنا عشر ألف مقاتل، وجاء بهم قادمًا من نجد فزعةً لأهل الخرمة وتربة من هذا الظالم الشريف، ولم يعلم بما جرى إلا بعد الواقعة بخمسة أيام فلما زحف بهذا الجيش العرمرم التقي في الطريق بين ماء الفيصلية والخرمة بالنجاب الشارد فقص عليه الخبر، فاستمر عبد العزيز سائرًا إلى الخرمة ومنها إلى تربة فلما دنى منها رأى جثت القتلى كأنها الجبال فخنقته العبرة، وبكى لهذه الجزرة الهائلة وأمر بدفنهم، فجمع بين يديه الأثاث والآلات والأسلحة النارية فاستولى عليها.
وما كاد يستقر في تربة حتى صاح الإخوان بأصواتهم إلى الطائف رخص لنا بالطائف يالإمام، فمنعهم قائلًا: كفى الباقي جزاء بغيه.
стр. 650
وقد قال الشيخ حمد بن مزيد قاضي قبة قصيدة طويلة يهنئ فيها صاحب الجلالة بهذا الفتح وذكر فيها كيفية ما جرى، فلنذكر شيئًا من أبياتها وهي قوله:
الحمد لله ذي الآلاء مولانا ... حمدًا كثيرًا على ما كان أولانا
وأشكر الله شكرًا لا نفاد له ... وليس يحصى لذي الأنعام شكرانا
وحسبنا الله مولانا وناصرنا ... على الذي رام للإسلام خذلانا
لقد أتى ابن حسين الوغد في خيلًا ... بالكبر والفخر والإعجاب سكرانا
على ذوي الدين والإِسلام ذا حنقٍ ... بالغيض والحقد والعدوان ملآنا
يقول جندًا كثير العدِّ ذا عدد ... كادت تضيق به أفواه ريعنًا
بدوًا وحضرًا وإسقاطًا ملفقه ... من كل قطر وأتراكًا وسوادنا
جاءوا بهولٍ عظيمٍ من مدافعهم ... مع المكائن تحكي ضوء نيرانا
قد سلسلوا عندها أصحابها حذرًا ... من أن يفروا إذا وقت الوغى حانا
جاء يريد إطفاءً لنور هدى ... وينقضوا من الإِسلام أركانا
إذ جاء صيتان من عد الخبيث بما ... يهيج من قلبِ ذي الإيمان أشجانا
وقال إخوانكم بالأمس قتلهم ... وظل يسبي لأهل الدين نسوانا
فبادروا بالبكا حتى كأنهموا ... ثكلى أعاد عليها الدهر أحزانا
وما استكانوا لذاك الهول بل صبروا ... واستمنحوا الله تثبيتًا وإيمانا
سلوا السيوف وبانوا من ثيابهموا ... واستبدلوها سرًا ويلًا وأكفانا
جاؤه في حفرٍ في الأرض خندقها ... أعدَّ فيها دناميتًا ونيرانا
وخالطوهم عيانًا في خنادقهم ... وأثخنوهم بحد السيف أثخانا
لما رأوا فعلهم فيهم وصبرهموا ... ألقو سلاحهموا ذلًا وإذعانا
وظل جند الهدى بالبيض ليحصدهم ... حصاد زرعٍ هشيم وقته حانا
لم ينج منهم سوى قوادهم هربوا ... على جيادٍ لهم ذعرًا لما كانا
وخلفوا خلفهم رغمًا مدافعهم ... مع المكائن مع بز وعقيانا
إذ فلَّ عبد العزيز الشهم رايته ... وجاد بالنفس في مرضاة مولانا
стр. 651
في عصبةٍ من بني الإسلام عادتهم ... يوم التحام الوغى تصريع أقرانا
وحارب النوم مع حلو الطعام ولم ... يشرب لذيذًا ولو أن كان عطشانا
وظل كالأسد الموذى بغايته ... له زئير ولم ينفعك غضبانا
حتى يضرج من آذاه في دمه ... ومنه يخضب أظفارًا وأسنانا
إلى آخر القصيدة وهي طويلة أثابه الله.
ونحن نسوق قصيدة جادت بها قريحة شاعر نجد الشيخ محمد بن عبد الله بن عثيمين في هذه المناسبة فإنه قال: الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من خالف أمره وأضاعه، يبتلي ويختبر، ثم يعيد الكرة لن أطاعه وينتصر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة موحد بلسانه وعمله وقلبه مستقبل من عثرانه وذنبه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المؤيد بالعصمة، القائل: "إن من الشعر لحكمة" ﷺ وعلى آله وصحبه مصابيح الظلمة.
وبعد فإني نظمت في معالي إمام الهدى والدين حامي حوزة الإسلام والمسلمين الناصر لهم بسيفه وسنانه المؤيد في أفعال يده وأقوال لسانه إنسان عين الوجود وجوهر الموجود، عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، ثم قال بعد ذلك:
عج بي على الربع حيث الرند والبان ... وإن نأى عنه أحباب وجيران
فللمنازل في شرع الهوى سنن ... يدري بها من له بالحب عرفان
وقل ذاك لمغنى قد سحبن به ... ذل التصابي برسم الشجو غزلان
القاتلات بلا عقل ولا قود ... سلطانهن على الأملاك سلطان
لله أحرر ساجي الطرف مقتبل ... عذب اللمى لؤلؤي الثغر فتان
عبل الروادف يندى جسمه ترفًا ... ظامي الوشاح لطيف الروح جذلان
كأنما البدر في لألاء غرته ... يا ليت يصحب ذاك الحسن إحسان
يهتز مثل اهتزاز الغصن رنحه ... سكر الصبا فهو صاحي القد نشوان
لو كان يمكن قلنا اليوم أبرزه ... لينظر الغاس كنه الحسن رضوان
стр. 652
قد كنت أحسب أن الشمل ملتئمٌ ... والحبل متصلٌ والحي خلطان
فاليوم لا وصل أرجوه فيطمعني ... ولا يطيف بهذا القلب سلوان
في ذمة الله جيرانٌ إذا ذكروا ... هاجت لذكرهم في القلب أحزان
فارقتهم أمتري أخلاف سائمةٍ ... يسوقها واسع المعروف منان
لعل نفحة جودٍ من مواهبه ... يروي بها من صدى الأقفار عطشان
أريش منها جناحًا حصه قدر ... شكى تساقطه صحبٌ وإخوان
وفي اضطراب الفتى نجح لبغيته ... وللمقادير إسعادٌ وخذلان
فاربأ بنفسك عن دار تذل بها ... لو أن حصبائها درٌ ومرجان
طفت المعالم من شامٍ إلى يمنٍ ... ومن حجاز ولبتني خراسان
فما لقيت ولن ألقي ولو بلغت ... بي منتهى السد هماتٌ ووجدان
مثل الجحا جحة الغر الذين سموا ... مجدًا تقاصر عن علياه كيوان
الضاربي الكبش هبرًا والقنا قصدًا ... والتاركي الليث يمشي وهو مذعان
والفارجي غمم اللاجي إذا صفرت ... أوطابه واقتضاه الروح ديان
والصائنين عن الفحشا نفوسهم ... والمرخصيها إذا الخطى أثمان
خضل المواهب أمجاد خضارمة ... بيض الوجوه على الأيام أعوان
غر مكارمهم حمر صوارمهم ... خضرٌ مراتعهم للفضل تيجان
لكن أوراهم زندًا وأسمحهم ... كفا وأشجعهم أن جال أقران
عبد العزيز الذي نالت به شرفًا ... بنو نزار وعزت منه قحطان
مقدم في المعالي ذكره أبدًا ... كما يقدم باسم الله عنوان
ملك تجسد في أثناء بردته ... غيثٌ وليثٌ وإعطاءٌ وحرمان
خبيئة الله في ذا الوقت أظهرها ... وللمهيمن في تأخيرها شان
ودعوةٌ وجبت للمسلمين به ... أما ترى عمهم أمن وإيمان
حاط الرعية من بصرى إلى عدنٍ ... ومن تهامة حتى ارتاح جعلان
فجددوا الشكر للمولى وكلهم ... يدعو له بالبقا ما بقى إنسان
стр. 653
ورب مستكبرٍ شوس خلائقه ... صعب الشكيمة قد أعماه طغيان
تركته وحده يمشي وفي يده ... بعد المهند عكاز ومحجان
وعازبٍ رشده إذ حان مصرعه ... بخمرة الجهل والإعجاب سكان
أمطرته عزمات لو قذفت بها ... صم الشوامخ أضحت وهي كثبان
عصائبًا من بني الإسلام يقدمهم ... من جدك المعتلي بالرعب فرسان
ويل أمه لو أتاه البحر ملتطمًا ... أذية الأسد والأجام مران
لأصبح الغر لا عينٌ ولا أثر ... أو شاعفته قبيل الصبح جنان
ومشهد لك في الإسلام سوف ترى ... يوفى به لك يوم الحشر ميزان
نحرت هديك فيه الشركين ضحى ... فانحر فنحر سواك المعز والضأن
أرضيت آبائك الغر الكرام بما ... جددت من مجدهم من بعد ما بانوا
نبهت ذكرًا توارى منه خير علا ... للمارقين ضباب فيه دخان
فجئت بالسيف والقرآن معتزمًا ... تمضي بسيفك ما أمضاه قرآن
حتى انجلى الظلم والأظلام وارتفعت ... للدين في الأرض أعلامٌ وأركان
دينٌ ودنيا وبأسٌ في الوغى وندى ... تفيض من كفه بالجود خلجان
هذي المكارم لا ما روى عن هرمٍ ... ولا الذي قيل عمن ضم غمدان
أقول للعيس إذ تلوي دفاريها ... لإلفها ولها في الدو تحنان
ردي مياهًا من المعروف طاميةً ... نباتها التبر لا شبح وسعدان
تدوم ما دام للدنيا بشاشتها ... فاسلم فأنت لهذا الخلق عمران
ثم الصلاة على الهادي الذي خمدت ... في يوم مولده للفرس نيران
والآل والصحب ما ناحت مطوقةٌ ... خضبًا يميد بها في الدوح أغصان
ولما انهزم القائد عبد الله وفرَّ من بين رجاله على فرسه حاسر الرأس، حافي القدمين، وصل إلى الطائف وأثرت تلك الهزيمة في نفسه، ثم ألقى العمامة عن رأسه التي هي شارة الأشراف وآلى على نفسه أن لا يضعها على رأسه بعد ذلك حتى يتم له الأخذ بالثأر من ابن سعود، غير أنه شعر بغلطته وأنه لو احتاط للأمر وأصغى إلى نصح أحد لما حل به وبجيشه ما حل، وأنب نفسه.
стр. 654
ولما أن جرت واقعة تربة كما ذكرنا ارتج لها الحجاز ودوت بها اللاسلكيات في مشارق الأرض ومغاربها، وقام الحسين وقعد خوفًا على الحجاز، وسمع بها نجله فيصل وهو إذ ذاك ملك على سوريا فأرسل عددًا من الجنود السورية تبلغ ثلاثمائة وصلت إلى جدة بعد الواقعة، ولكن كيف يصنع الحسين بهذا العدد القليل وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأضاف إلى هؤلاء مائتين وجعل عليهم وزير حربيته محمد القيسوني، وخاطب رئيس حكومته عبد الله سراج يطلب منه الرأي في هذه المحنة فلم يجد لديه إلى الرأي الحازم، وهو متابعة الحرب ودفع الغزاة دفعًا لا هوادة فيه، ولكن أين الجيش، أين الغزاة، وعلى أثر ذلك خاف الحسين من النجديين أن يقتحموا الحجاز، ولكنه عاد ابن سعود إلى نجد بعدما أقام خمسة عشر يومًا في تربة، ولا يعلم ما الذي حمله على العودة.
وقد حامت حول الخطة عبارات المؤرخين، فقد قيل أنه اكتفى بما نال الحسين من الخيبة والفشل، ولم يرَ في تلك الفرصة السانحة أن يتقدم إلى الحجاز وأن الساعة لم تحن، وإلا فلو تقدموا تلك الساعة إلى الحجاز لما وجدوا أقل مقاومة، لأن الجيوش الهاشمية انحلت، ويتعذر جمعها، بل إن البادئ بالعدوان هو الشريف، فإن عبد العزيز التصف بالإناءة والحلم اكتفى بما نال خصمه، وأمر الإخوان بالرجوع إلى نجد وهذا احتمال حسن.
ولكن الصحيح أن الشريف حسين بن علي لما بلغت به الساعة الحربية غايتها حقوق الطلب من رئيس حكومته أن يتصل بسفير بريطانيا بجدة المستر "بولارد" يرجوه التدخل في شؤون هذه الشكلة الجديدة ويرد ابن سعود عن حدود الحجاز، فوعده بالسعي بعد أن قال له: أردنا أن نتدخل في الأمر من قبل فأبيتم، فاتصل السفير بلندن ورفع شكاية الشريف وطلبه حماية بلاده، وكان الشريف قد ذكر الإنكليز وعودها وعهودها، فجاء البلاغ من بريطانيا العظمى للسفير فكتبه وسلمه إلى محمد الطويل ناظر الجمارك ليسلمه إلى الحسين بمكة، فاستلم الشريف حسين البلاغ وبعث به إلى ابن سعود في تربة، وهذه صورته:
стр. 655
في ظهر ١٥ رمضان سنة ١٣٣٧ هـ أمرتني حكومة جلالة الملك أن أبلغكم بأن تعودوا إلى نجد حالما يصل إلى يديكم كتابي هذا وتتركوا تربة والخرمة منظقة غير مملوكة حتى مفاوضات عقد الصلح وتحديد الحدود، وإذا أبيتم الرجوع بعد الاطلاع على هذا الكتاب فحكومة جلالة الملك تعد كل معاهدة بينكم وبينها لاغية، وتتخذ ما يلزم من التدابير ضد حركاتكم العدائية، وبالعكس تقدر عملكم إذا عدتم وتعتبر أنكم قمتم بحقوق الود والولاء وأخذتم بنصائحها الودية لأنها تعد الجميع أصدقاء لها، وهي تأسف أشد الأسف لما وقع بين أصدقائها سواء أكان النصر في جانبكم أو في جانب الحسين.
وما كاد ابن سعود يتم قراءة الخطاب الوارد عليه من السفير البريطاني إلا وهو ينادي بالرحيل في قومه، وغادر تربة والخرمة عائدًا إلى نجد، ورد على السفير وسلم رسوله الرد، وبارح تربة ميممًا بلاده حشية أن يكون سببًا في تدخل الأجانب في الحرمين، ولم تكتف بريطانيا ببعث ذلك الخطاب خوفًا من بأس ابن سعود وعدم إذعانه لنصحها بعدما حازه من نصر، فبادرت بإجابة طلب الحسين وأحضرت بواخر حربية رست في ميناء جدة تحمل كمية من المعدات والطائرات، وهمت بإنزال معداتها في رصيف خاص سمي سقالة الإنكليز.
ذكر الوباء (١) ومن توفى في هذه السنة
هذه السنة يؤرخ بها أهل نجد ويعرفونها بسنة الرحمة، لأنه وقع فيها طاعون والعياذ بالله، وهلك بسببه في قلب الجزيرة العربية ألوف من الأنفس البشرية، وكان عظيمًا، وفشى الرض في الناس وقلِّ من يسلم منه، وقد ذكر لنا عن شخص أصابه
стр. 656
ذلك المرض فسلم، قال إني رأيت فارسًا أقبل علي وبيده رمح فأراد أن يطعن قلبي فأخطأه إلى الجنب الأيسر.
وكان الوباء فيما يزعمه أهل الكشف بأنه جراثيم قتالة لا تدركها العيون المجردة، ولهذه الجراثيم وخز خفي دونه وخز الرماح، هنا أقول فيه غير أننا نذكر ما نحن بصدده: فذكر لنا أن رجلًا من أهل الديانة والفضل موطنه بلد المذنب في القصيم، رأى في بداية هذا الطاعون في منامه كانه خارج البلد، فرأى فارسين خرجا من خلف أكمةً هناك سلاحمها ولباسهما وخيلهما البياض، فخاف لذلك خوفًا شديدًا وقام هاربًا من سطوتهما يعلوه الفزع والاضطراب، غير أنه لم يستطع السعي لشدة الهول حتى أدركاه فسلما عليه وسكناه بقولهما لا بأس عليك قائلًا: لا نقصدك وإنما نريد أهل هذه القرية، فوالذي لا إله غيره لأن لم يتوبوا لنفعلن بهم كما فعل بقوم هود أو قوم لوط، ثم دخلا قرية المذنب فاستيقظ من رقدته، وكان له ورد من آخر الليل يصلي ما بدا له ثم يوقظ أهله ويذهب هو إلى السجد، غير أنه هذه المرة عجز عن النهوض من منامه حتى أيقظه أهله وأقاموه، فتوضأ وذهب إلى المسجد بعدما طلع الفجر فحينما دخل السجد وجد الناس في الصلاة إذ سقط رجل خلف الصف ثم سقط آخر من الصف، ثم فشى الوباء.
وقد حدثني ثقة قال: مرض إمام مسجدنا ومؤذنه والواعظ الذي يرشد في المسجد، فكنت أؤذن وأصلي بهم وأعظ، وقد كان يصلي في المسجد الواحد في اليوم الذي هو اثنتا عشر ساعة على ما يربو عن مائة جنازة حتى تكسرت النعوش وجعلوا عوضًا عنها أبوابًا وبسطًا تحمل بها الموتى، وهلك من بعض بيوت أهل القصيم قدر من ثلاثة أرباعها، ومرض أهل بيت كلهم غير واحد كان يتولى قضاء حوائجهم ويقوم بميانته وكانوا اثني عشر من الأنفس البشرية، فكان ذلك الصحيح يتولى رعايتهم عنايةً من الله في تسخيره لهم، يتولى شؤونهم، وكان يقول إنني أنا مريض مثلهم غير أني لم أجد فرصة للنوم والمرض، ولقد كان المحسن من الناس من همه حفر الحفور والنقل إليها.
стр. 657
فممن توفى فيها من الأعيان تركي بين جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، وكان بكره ويكنى به وموضع الأعاجب منه لما له من الصرامة والشجاعة، وترى علامات النجابة عليه رحمه الله تعالى، وتوفى أيضًا إخوان له من أنجال الملك، وسنذكر بعض الأعيان:
فمنهم أخونا وشقيقنا عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن وهذه ترجمته:
هو الشيخ الشاب الأديب النبيه العارف الذكي ذو العلوم الربانية والمنح الألهية، العالم عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، كان رحمة الله عليه عاقلًا ذكيًا مهيبًا، حفظ القرآن عن ظهر قلب وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، ويحفظ المعلقات السبع وله معرفة تامة في علم الحديث والفقه واللغة، وجد واجتهد ونافس في نيل العلوم والسعي في طلبها، فأدرك ما قصر عن نيله غالب الأماثل، ونال مقام أولى النهى والفضائل، وكان قارعًا للشعر فصيحًا بليغًا منطقيًا جهوري الصوت، لا يمل الطالعة والمراجعة، وله بعض المؤلفات وغالبها ردود على أهل المخالفات لأنه نشأ في زمان كثر فيه الشقاق وظهرت علامات النفاق.
وكان والدنا السعيد يعجب من كثرة اجتهاده وحلاوة منطقه، ولما رآه بهذه المثابة فرغ بآله عن الأشغال وتركه وشأنه مكفي المؤنة، فلازم الشيخ عمر بن محمد بن سليم وتخرج عليه، واستمسك بغرزه حضرًا وسفرًا حتى صار آية من آيات الله، وأعجب به شيخ ورأى علامات القبول لائحة عليه، وتوفى وهو مصاحب الشيخ المذكور في الأرطاوية، وكان مولعًا بتلاوة القرآن ودرس كتب الصحاح والسنن والمسانيد واللغة والعروض، وما زال يتقدم حتى فاق أهل الزمان وتقدم الإخوان ونبغ من بين الأقران، يقول ويفعل ويتلو كتاب الله وبه يعمل، فلو سألت عنه الناس لملأ أذنيك ثناء، ولو سبرت حاله لرأيته جوادًا لا يبارى وسباقًا في الفضائل لا يجارى، وله جراءة عظيمة وصلابة في دين الله لا تأخذه في الله لومة لائم.
стр. 658
وهذه صفته ﵀:
كان قوي البنية ربعة من الرجال، يميل إلى الطول، أسمر اللون على وجهه أثر الجدري، وإحدى عينيه فيها نكتة بيضاء، قوي الإرادة شجاعًا، ولقد جرى له مع الشريف حسين بن علي قصة: وهي أنه حج في رفقة الشيخ عمر بن سليم، فبينما هو راكب في بعض شوارع مكة المشرفة وقد ازدحمت الشوارع بالحجيج وافق أن نفحت ناقته صبيًا برجلها من غير قصده ولا علمه، فما كان إلا قليل حتى أخذ وناقته صباحًا ورفعت المسألة للحسين، فلما علم أن صاحبها سعودي دعى به إليه ليسأله القصة، ولما أن جلس بين يديه وتكلم، عرف ما تحت الأديم من لسان بليغ وقلب عقول، فأعجب بكلامه وملأ عينيه، فعندها أخذ في البحث معه والمناقشة وكل إناء بالذي فيه ينضح، فسأله عن مشايخه وأساتذته فأخبره بأنهم آل سليم الذين أخذوا العلم عن آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب فأجابه الحسين بقوله: لعنهم الله لقد أضلوكم سواء السبيل، فقال له عبد الرحمن: لا تلعنهم فإنهم على تحقيق شريعة جدك رسول الله ﷺ وإن لم نتبعهم لحسن لباسهم ولا لطيب أنسابهم، فأكرم الخلق عند الله أتقاهم، ولكنا وجدنا عندهم الشرع المحمدي فأخذناه عنهم، فقال له أخبرني يا بني عن التوسل وبغضهم للرسول؟ فقال: أما التوسل فعلى ما قرره شيخ الإسلام بن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة ينقسم إلى ثلاثة أقسم:
- توسل إلى الله بأسمائه وصفاته فهذا مطلوب ومندوب إليه، حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
- وتوسل بالأعمال الصالحة كما فعله أهل الغار فهذا جائز.
- وتوسل بذوات الأموات فهذا شرك وضلال.
وأما بغضهم للرسول فحاشا وكلا، إنهم لم يبغضوا الرسول، بل كانوا يرون الصلاة عليه في الصلوات الخمس والنوافل فرضة ولا تصح صلاة من
стр. 659
لا يصلي عليه فيها، وأنتم ترونها سنة فأصبح تعظيمهم له أعظم من تعظيمكم واحترامكم، أما دعائه وسؤاله الحاجات فغير مشروع.
ثم إنه دعى الشريف بطعان الغداء وقدم لذلك المأكولات قائلًا: اطعموا ضيفنا من غدائنا، تقدم أيها الشيخ للغداء فاطعم معنا، وكان ﵀ قد غاب عن رفقته وتأخر عنهم، ولم يعلموا بما صدر منه ولا بغيابه، فقال: يا حضرة الأمير إن كرامة النفس فيما يلائمها ويوافقها وأنا لا يعجبني هذا الطعام، فأجابه الشريف قائلًا: وما طعامكم؟ فذكر له أن العجين يجعل أقراصًا فيلقى في الماء بعدما يغلي فيخرج من ذلك المرقوق وهو الذي يعجبني، فضحك لذلك الشريف ضحكًا شديدًا وقال: هل تريد الذهاب إلى رفقتك فإنك علينا لعزيز، قدم طلب ما تريده منا، فأجاب قائلًا: أريد بعيري والذهاب إلى رفقتي الذين لا يعلمون كيف حالتي، فأمر خادمًا أن يذهب به إلى ناقته التي قدم له البرسيم إكرامًا لصاحبها وشيعه مودعًا، فأخذ بخطامها وعاد إلى رفقته مصحوبًا بالسلامة.
ومن العجب أنه لم يخبر الشيخ والزملاء إلا بعد رجوعه إلى بريدة لما جلسوا على مائدتنا في القصيم، وكان سنه يوم وفاته ستًا وعشرين سنة، وهو أكبر إخواني وله قصائد حسنة، فنذكر منه قصيدة أنشأها جوابًا لقصيدة لبعض الأحباب وهي:
لك الحمد اللهم في كل حالةٍ ... على نعم تسموا على عد حاسب
ومن بعده أزكى صلاةٍ على الذي ... أقام منار الدين في كل جانب
كذا آله مع صحبه ثم تابع ... على المنهج الأسنى على المراتب
وسار على قصد عن الميل معرضًا ... ولم يثنه عذل العداة الكواذب
وبعد فقد عم الفتور مع المنى ... وكذا العجز والتسويف في كل جانبٍ
نقضي زمانًا بالمنى ثم نرتجي ... ونبغي ارتقاء الذرى والمراتب
وما ذاك إلا كالسراب بقيعةً ... يراه الذي يهواه عذب المشارب
стр. 660
وأسباب جلب العلم يعلم أنها ... بعيدٌ على أهل الفتور الخوالب
وأسباب حفظ العلم ليست خفيةً ... فمن شائها يلقى وليست غوارب
فمنها لذكاء والحرص مع ذا اجتهاده ... كذا نصح أستاذٍ وبلغه صاحب
وآفاته ضحكٌ جدالٌ مع المراء ... كذاك اعتصابٌ للهوى والمناصب
كما قد نهى المختار في غير موضعٍ ... فلا تعترض للنهي والمزح جانبِ
وقد جاءت الآثار في حظ فعله ... فلا سيما منهم علي بن أبي طالب
وليس به بأسٌ إذا قيل قد روى ... هداةٌ عن المعصوم أزكا الأطائب
فسل ربك التوفق والمن والهدى ... لينجيك من نار عظيم اللهائب
ويا راكبًا إن ما لقيت فبلغن ... سلامًا على أهل النهي والمناقب
ومن بعده أبلغه عني وصيةً ... ونفسي وإخواني وكل مصاحب
على العلم فاحرص دائمًا في اقتنائه ... فما بعده إلا الردى في العواقب
وأفنِ جميع العمر في غرس كرمه ... ولازم تقى الرحمن والشر جانب
فإن تلقه فليهنك العلم إنه ... حقيقٌ بأن تفنى وتحفي النجائب
فكم من حديثٍ قد تواتر لفظه ... عن المصطفى والصحب يجلو الغياهب
بمدحٍ وحفظٍ للعلوم مع التقى ... فتبًّا لبعدٍ للعلوم مجانب
يحن إلى الدنيا ولذات أهلها ... يرى زهرة الدنيا على المناصب
ينافس مشتاقًا إليها وإنه ... لفي غفلةٍ قد غره فعل ناكب
حريصًا على جمع التلاد وكنزه ... ويمنع حق الله في كل نائب
يرى فعل هذا من كثافة جهله ... سلوكًا على نهج الهداة الأطائب
وببغض أهل الحق والعلم دائبًا ... ويمدح أهل الكفر من كل خائب
فلا تنتظر من قد سما عنك رتبه ... وأعني به في المال لا في المراتب
كذلك أقنع بالرزق لا تطلب المراء ... فإن الغنى بالنفس لا في المطالب
ولازم تقي الرحمن في كل مشهدٍ ... ولا تكثرت بالناس في العلم دائب
وأسأل رب العرش ذا المن والهدى ... سلوكًا على سير الهداة الأطائب
стр. 661
وعني على الشيطان والنفس والهوى ... وكل أمور الشر خبث المآرب
وآخر قولي وابتدائي مصليًا ... على المصطفى المبعوث للشرك عائب
مدى ما بدا نجم وما هبت الصبا ... وما اهتز روضٌ من هطول السحائب
وما ضحكت أنواره وترعرعت ... وما سبحت ورقاء في كل ثائب
محمد المعصوم والصحب كلهم ... هداة الورى للحق خير المطالب
وله قصائد حسنة منها قصيدة رد فيها على أعداء الشيخ صالح بن سالم آل بنيان وذبَّ فيها عنه، فمن معرض أبياتها قوله في الشيخ صالح منوهًا في فضله ومبينًا عقيدته:
فقد طالما دل العباد بعلمه ... إلى الله ذي الأفضال يا نعم ما عمل
وقرر توحيد الإله بحجةٍ ... ووالى لمن والى فيا حسن ما فعل
وصابر ما يلقى وقام بجهده ... على نصرة الدين الحنيفي وما نكل
فما زال هذا دأبه وجهاده ... إلى أن أتاه الحق في الفعل لم يزل
إلى أن قال:
بأي دليل تستبيح لعرضه ... لدى كل نادٍ تحتليه بلا خجل
ستعلم يوم الحشر ما قلت نادمًا ... وتخرج مما قلت يا ويل من خذل
فربك بالمرصاد لا تستهن به ... ثكلتك فاستعتب هديت ولا تمل
إلى آخر القصيدة التي بلغت خمسة وثمانين بيتًا، وله قد قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه كتاب رد فيه على بعض المنافقين وغير ذلك، وجمع كتبًا كثيرة وغالبها أوقفها على أخوته وله رسائل مثبتة في خط يده، ومات ولم يتزوج لاشتغاله بالعلم ولأن المنية لم تمهله.
وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ عبد الله بن صالح الربدي كانت أسرته من أكبر الأسر في مدينة بريدة، وظهر من أسرته رجال عظماء لهم شهرة ومكانة في العالم خدموا أمتهم وقضوا واجبًا يشكرون عليه، فمنهم زعيم بعث إليه صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن في حال شدة وضيق لا أرهقته الحروب يستقرضه
стр. 662
قرضًا وبعث إليه برهان ليقبضها، فبعث إليه يقول هذا القرض اليذي طلبه منا نحن ومالنا تحت إشارته، والرهن مردود وفي كرامة عن قبضه، فإن أظهره الله قضانا ورد علينا القرض، وإن كان غير ذلك فما كان المال بأعز منه.
وكان المترجم عالمًا عارفًا مقبلًا على الله والدار الآخرة، وله همة في طلب العلم والجد والاجتهاد والصبر على ضيق المعيشة ما كان موضع الإعجاب، وكان زميلًا للشيخ عبد الرحمن، وتوفى معه في الأرطاويه لأن الشيخ عمر بن محمد بن سليم إذ ذاك فيها وهو من الملازمين له أيضًا.
وممن توفى فيها أيضًا الشيخ عبد الله بن محمد بن جربوع كان أيضًا من أسرة عظيمة في بريدة ويلقب "الدبيية" تصغير دباة على وزن سمية والدة عمار بن ياسر، وكان عالمًا متقنًا متفننًا عارفًا، وله أكباب على طلب العلم، ومن خيرة تلامذة الشيخ عمر وزميلاه اللذين قبله، توفى في الأرطاوية صحبة الشيخ المذكور نسأل الله تعالى أن يتغمدهم برحمته ويجبر الصاب بفقدهم، وإنها لخسارة عظيمة، ورزء فادح أن يصاب الإسلام بهؤلاء وأمثالهم، فإنا لله وانا إليه راجعون.
وممن توفى فيها عبد الله بن إبراهيم بن معارك، كان ﵀ إمامًا في أحد مساجد بريدة المشهورة، وزاهدًا متعففًا، وفيه رقة وخشوع عند تلاوة الذكر الحكيم، كما نقل لنا عن بعض رفقته في السفر أنه كان راكبًا جملًا لحج بيت الله الحرام، ويتلوا القرآن وهو راكب فلما بلغ قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فجعل يرددها ويبكي حتى جعلت لحيته تهتن بالدموع من خشية الله تعالى، وكان محبوبًا عند الناس لأنه مؤدب ومعلم للصبيان ومتواضع، وله سجع مليح في الكلام وذا عبادة وصبر على قوارع الزمان.
وله من الأولاد عثمان وعلي، فأما عثمان فإنه جد في طلب العلم حتى نال درجة القضاء، وأما علي فكان دمث الأخلاق، طلق المحيا، خدم حيكومته في المنطقة الشرقية وكان موضع الثقة والتقدير.
стр. 663
وممن توفي فيها من الأعيان أيضًا الشيخ عبد الله بن فداء وهذه ترجمته:
هو الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد الورع التقي من نشر الله ذكره في العالمين وجعل له لسان صدق في الآخرين، ذو الأسرار الإلهية والمعارف الربانية، الموسوم بالفضل والدين وشهاب الرحمن على أعناق الكافرين عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مُفَدَّا هل وزن مهنا ويعرف بين الناس (بابن فداء) من آل ظفير.
ولد في سنة ١٢٧١ وأخذ العلم عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وأخذ عن الشيخ محمد بن عمر بن سليم وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن سليم وغيرهم، ورشح مرات للقضاء فرفض وكان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن يراسله بكتب ويكتب له بابن مفداء وطلب منه أن يقابله عدة مرات ليتفق به فقابله الشيخ عبد الله ووعظه وأهدى له نصائح وأسدى إليه مواعظ في مقابلته منها قوله (يا عبد العزيز إياك والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة كررها ثلاثًا) ثم انصرف الشيخ عنه وتركه.
أما الذين أخذوا عنه العلم فمنهم: الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، ومنهم الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع مدير المعارف سابقًا، وأخذ عنه عبد العزيز بن عودة السعوي، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن عبيد، والشيخ عبد المحسن بن عبيد، وأخذ عنه سليمان بن ناصر السعوي، وأخذ عنه الشيخ محمد بن مقبل وغير هؤلاء خلق كثير؛ وألف بعض الرسائل فمن مؤلفاته "القول المتين في الرد على المحتالين في المعاملات" وقد لقي بعض المضايقات من بعض أمراء القصيم فاضطر إلى النزوح إلى بلدة عنيزة، وصبر وصابر وعلم وأرشد وله عناية بالرفق وكان عالمًا بصيرًا في دينه زاهدًا في الدنيا معرضًا عنها مقبلًا على الله والدار الآخرة ويندر مثله في زمانه لأنه جمع بين العلم والزهد والورع وله محبةٌ في قلوب المؤمنين مديمًا على العزلة لا
стр. 664
يزور ولا يزار خاليًا بربه وفاطره محبًا لأهل الدين مبغضًا للكفار والمنافقين وكهفا منيعًا لأهل الحق ينتابونه في الشدائد ويفزعون إليه في وجوده إذا دهمتهم المهمات والمكائد.
أما عبادته واجتهاده وزهده وورعه فشيء لا تبلغه العبارة، ولقد كانت شهرته تكفي عن ذكر ترجمته:
جاء إليه صاحب له فقال له: يا شيخ كيف أصبحت فقال لست بطيب إذا لم أخلف الصراط خلف ظهري فلست بطيب، وجاء إليه صديق يشكو الحال من كثرة الاختلاف والشقاق وقال: يا شيخ إن الناس في خبط وتقلب، فأجابه قائلًا، يا أخي قل الله اجعل هواي تبعًا لما جاء به نبيك محمد ﷺ ، ودع الناس في خبطهم لهم مدبر يدبرهم، فلله دره ما كان أعرفه بربه، فانظر إلى ما تحت هذا الدعاء من السر البديع.
ولما سمع بقدوم الدولة العثمانية إلى بريدة خرج إلى خب يسمى "زنقب المريدسية" فارًا بدينه ونزل عند نسيب له فيها وكان قد استصحب معه منيحة عنزًا اشتراها بنفقة طيبة فكان يشرب حليبها هناك فقدر أن انطلقت ليلة من الليالي إلى خضرة الجيران تأكل فلما علم بذلك تأثر واغتم لها ودعا بأهل البرسيم ليقوموا ما أكلته فأبوا عليه وأخبروه أنهم في حال المسرة بذلك وعلى الرحب أن تأكل منيحة الشيخ منهم لحبهم لصاحبها، فحبسها سبعة أيام واجتنب درها فيها.
ولما جاءته زوجته مرة بلوبيا من فلاحة أهلها لعشائه فسألها من ناولها إياه أأمها أو أبوها وحرج عليها إذا لم يعلم به أبوها فلترجع به عنه، وهذا غريب في زمانه وبعد زمانه وشيء يعجب له من تركه المشتبهات، وإنه ليجمل بنا ذكره.
ولما أن قدمت الدولة العثمانية إلى بريدة بسعي الأمير عبد العزيز بن متعب ابن رشيد كما قدمنا خرج إليه بعض أحبابه وأصدقاءه في خبه ذلك وجلس إليه يبكي مما دهى من العضلات والفتن وكان الزائر من المنتسبين إلى العلم وقال له
стр. 665
يا شيخ أنا في غاية المحنة لقد قدمت الدولة وتتابعت المحن وترادفت أسباب البلاء وقد بلغت بي الحال إلى أن أتمنى الموت؛ فأجابه الشيخ قائلًا له تفريجًا لكربته وتطمينًا لنفسه، يا أخي هل أنت تتصرف في الخلق والتدبير أم الله هو المتصرف في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد الخلق يا ولدي له مدبر وتدبير الله لنا خير من تدبيرنا آمنا بالله، فقام الرجل منشرح الصدر مطمئن البال راضيًا بتدبر الله مفوضًا إليه الأمر.
فانظر يا أخي وفقني الله وإياك إلى كلام هذا العالم الموفق وإلى ما أرشده إليه حيث دله بعلمه وعقله إلى ما يستريح به من عدم تدبير نفسه وتدبير العالم وأن الله هو المدبر لا شريك له، فلو أن الإنسان رضي بأقدار الله وأقضيته لاستراح من هموم كثيرة، وهذا معنى ما ذكر عن بزرجمهر الحكيم أنه لما حبس وضيق عليه في أمر المأكل والمشرب زاره بعض أحبابه وإذا به لم يتأثر فسألوه عن ثباته وصبره فقال إذا لم أصبر فكيف أصنع إني لا أعين عدوي على نفسي بالجزع.
وكان من صفة ابن فداء أنه ناحل الجسم دائم السكينة وكان خائفًا متواضعًا كأن النار أمامه تهابه الأمة وتحبه وترجع إلى أقواله، فنسال الله أن يتغمده برحمته ويسكنه في جنته.
ذكر صدقه في معاملته لربه وثقته به
لما كان في زمنه شقاق ومخالفات وجهاد بالسيف والسنان والحجة واللسان اختفى في بيته فجاء إليه بعض المنافقين ليعذبوه على حين غفلة من الناس وقدموا واحدًا منهم على رأسه عمامة وقد ارتدى بعباءة برقاء فاستأذن الشقي عليه متسمًا بوسم أهل الديانة والفضل، وقد اختفى أصحابه خلفه ليفتكوا به فلما أن سمع الشيخ بالاستئذان الشرعي خرج فساعة خروجه جذبوه يريدون تعذيبه فأنقذه الله منهم ولم يصل إليه منهم شر وكفاه الله مؤنتهم.
стр. 666
ولما أن قدم عبد العزيز بن رشيد بريدة حال كونه حاكمًا في نجد تلقاه وجوه الأهالي وكبراء الناس يهرولون للسلام عليه واستقباله فلم يحضر الشيخ معهم، ولما أن فرغ الحفل سأل هل بقي أحد من الأعيان لم يفد إليه فقيل له بقي عبد الله بن فداء فجعل يبحث عنه حتى قيل أنه زاهد ولا يحب الخلطة بالناس وجعلوا يروون له عزلته وانفراده ولكنه اغتنمها أعداء الله ورسوله قائلين له أنه يبغض بيت آل رشيد، وما منعه إلا الكبر والاستخفاف بحقك أيها الحاكم فبعث إليه ابن رشيد من يخبره بأنه سيأتيه بنفسه لرؤيته والسلام عليه في بيته فخجل المسلمون وخافوا عليه من سطوته، ذلك ابن رشيد الذي لا تؤمن عقوبته فخرج على حصانه بين العبيد والرجال مغيطًا محنقًا لا ملئ به صدره من المسبة ولما أن وصل إلى بيته استأذن عليه فلم يسعه إلا الخروج إليه فخرج وعليه غترة قد طواها على رقبته كبيرًا نحيف البدن فلما رأه ابن متعب رق لحالته مع ما به من العنف والغلظة والجبروت وكاد أن يبكي فقال ابن رشيد لما رآه على تلك الصفة "حسبنا الله عليكم يا أهل القصيم فلو أن أحدًا سلم منكم لسلم هذا الشيخ" ثم سلم عليه فلم يزد في الرد على قوله الله يعافيك فتكلم ابن رشيد قائلًا ما لك يا شيخ لم تزريا للسلام علينا، فتكلم قائلًا نحن مقتصرون لا نأتي ولا نؤتى فقلبه الأمير إلى بيته ولم يصل إليه منه شر ثم عاد ابن رشيد إلى قصره، ولما أن قرب من القصر بعث إليه خادمًا بثلاثمائة ريال وقال له قل له يقول الحاكم هذه من النفقة الطيبة التي ادخرها لوالدتي فليتعاون بها على مؤونة الدنيا وأكد على الخادم أن يسلمها إياه فإن رجع بها قتله فجاء الخادم يحملها إليه، ولما أن استأذن ناوله الدراهم والوصية فأبى أن يقبلها فجعل الخادم يعالجه لقبولها فقال للخادم ردها عليه وأخبره أنا بخير ولما أبى وأصر على عدم قبولها استعان عليه الخادم بأحد إخوانه المجاورين له وأخبره أنه إذا رجع بها سيقتله فعرض عليه تلميذه أن يأخذها فأبى وقال للخادم خذها فهي لك أنا لا أريدها وقال لصاحبه اذهب أصلحك الله إلى أهلك فخجل الرجل وعاد بها الخادم يحملها إلى ابن رشيد ليخبره بعدم قبوله لها فلما أخبر سيده قال هذه المقالة "سلم منا" يعني الشيخ ابن فداء.
стр. 667
ويظهر أنه بعث إليه بها ليمتحنه بها، وكان معظمًا تزوره اللوك ويوقف عند كلامه وآراءه وكثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين:
ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الشفا وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
ولقد خرج مرة لما نودي بالجراد ومعه رفيق له يدعى راشد بن حميد وكان مؤذنًا في مسجده، قال ابن راشد فلقطنا جرادًا في كيسين وأخذ كل منا كيسًا صغيرًا يسع صاعين فحملناهما على الرؤوس ورجعنا على أقدامنا من مسافة ساعتين لنبعث إلى الكيسين الكبيرين من يحلهما فمررنا ببئر لحسن بن مهنا أمير بريدة وكانت عظيمة سانيتها ثمانية من الجمال من هاهنا أربعة ومن هناك أربعة وفيها الخيل لها صهيل والأدباش وغير ذلك وتسمى "بالرفيعة" تقع عن البلد شرقًا على مسافة نصف فرسخ فالتفت إلى وقال يا راشد والله لو أعطوني بهذا الكيس كل هذه البئر بما فيها لما أبدلتهم فكيف بالكيس الكبير هناك يا راشد هذا مال حلال ليس فيه شبهة.
ولما كان ذات ليلة بعد صلاة العشاء الآخرة في فصل الشتاء صلى ما كتب له ثم قام يريد إغلاق المسجد فرأى غريبًا في ناحية المسجد ترعد فرائصه من البرد ويتضور جوعًا فأخذ بيده وذهب به إلى بيته فأوقد النار وقدم له تمرًا فجعل يصطلي على النار ويأكل تمرًا للجوع الذي أصابه، فكلمه الشيخ فإذا هو عراقي فلما دفئ وشبع قام موليًا فقال له أين تريد هذه الليلة الشتائية فأجابه بقوله أكلت واستدفأت وسأواصل سيري إلى السيد عبد القادر فقال له الشيخ يا عجبًا تذهب إلى عبد القادر وتذر القادر هلا عكست إن كنت رشيدًا، ثم أنه اقترح ﵀ اقتراحًا بعد هذه أن لا يسأل غريبًا عن حالته لأنه أحزنه ذلك.
ولما فرغ مرة من صلاة الفجر وقام المؤذن لتفقد الجماعة دخل رجل يركض ركضًا وجلس في الصف من غير أن يصلي فحينما وصله دوره إذا به يتكلم بقوله "حاضر" وكان قد رآه أعني الشيخ، فقال يا بني إنما قد شرع التفقد مساعدة على
стр. 668
أداء الصلاة في الجماعة وأنت لم تصل، فقال وما أدراك بأني جنب لم أغتسل غير أني فعلت ذلك للسلامة من التبعة وقلت في نفسي أن الله أسمح منهم في حقه وألطف، فبكى الشيخ وتأثر لمقالته، ثم نهى عن تفقد المأمومين بعد صلاة الفجر.
ولما كان بعد الوباء المذكور بشهرين توفاه الله تعالى وانتقل إلى جواره مخفًا من الدنيا متقللًا متعففًا، فيا طوبى له إذ أحشر بين يدي رب الأرباب وراحم من خضع له وأناب، نقول هذا ولا نعلم إلا خيرا.
وكان إمامًا في مسجده الكائن بشرقي بريدة وبيته إلى جانبه فما زال كذلك حتى قدم إلى رحمة الله تعالى، وما كانت إلا ساعة قم انقضت وأعقبت الخير الدائم والمسرات والعيش الهني في شامخ الغرفات مع الذين أنعم الله عليهم من أهل الطاعات وأهل الفضائل والكرامات إن شاء الله تعالى.
وكان له من الأبناء عبد العزيز وعبد الرحمن؛ فأما عبد العزيز فكان ثقة عارفًا متفننًا في العلوم، وله أيضًا صلاح وزكاء وفضل، وأما عبد الرحمن فكان أيضًا رجلًا طيبًا وخلف أباه في الإمامة في مسجده ولا يزال من سلالته من يلازم على إمامة مسجدهم ويكرم لكرامة الشيخ عبد الله.
رجعنا إلى ذكر الشريف وعداوته لأهل نجد فنقول:
بعدما نكب في وقعة تربة وخسر جيشه بأجمعه لم يزدد إلا عتوًا وعدوانًا ومقاومة فأوصد البيت الحرام في وجوه أهل نجد ومنعهم من الحج كأن البيت الحرام ملكه أو ملك أبيه وجده وأخذت جريدة القبلة تنشر المقالات التي يحبرها الحسين بقلمه في الطعن بأهل نجد وابن سعود مما كان له الأثر الأسوأ في نفوسهم وصارت من أكبر الأسباب الدافعة لعبد العزيز بن سعود على فتح الحجاز كما سيأتي، ثم أن ابن سعود بعث بالتعاليم إلى رعاياه يحذرهم عن الشريف وشره بان لا يجلب عليه مبيع ولا يخدم عنده أحد، ولا يعان ولا يوالى وهذه صورة الكتاب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إلى جناب الكرام فهد بن معمر وكافة الجماعة سلمهم الله تعالى وأبقاهم آمين بعد مزيد
стр. 669
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السؤال عن أحوالكم لا زلتم بخير وسرور أحوالنا بحمد الله جميلة بعد ذلك تفهمون أمرنا نحن وهذا الفاجر الشريف وكل مسلم يخاف الله لو رجل له عقل يدري بمقاصده الخبيثة فينا، ولما كانت الأمور فيما مضى أن القصد فيها مصالح وبيع وشراء ومنافع للناس والعرب وكنا تاركيها بقايا الحاضر اليوم هذا تعين كل إنسان يواده أو يخدمه أو يبيع عليه ويشتري فهو خارج من الدين والدنيا كافر في دينه مارج في دنياه، وهؤلاء الناس الذين يذهبون إليه واحد يكتب نفسه عقيلي وآخر يبيع ويشتري، ما رائح إليه إلا مثل ما ذكرنا وذاك مستعين عليه الله بأخذ ماله وزوال نفسه إن شاء الله وأحببت أبين لكم ليثبت عندكم ذلك ويكون معلومًا فوا لله لمن راح إلى الشريف أو تفدوا عنده أو فعل شيئًا من المصالح التي تنفعه وتضر المسلمين باطنًا أو ظاهرًا لأن الله أظفرنا به ولو بعد حين لندينن الله بقتله وكلما وجدنا مما يعز عليه لنتلفنه، والواجب علي تعريفكم حتى لأجل أن من كان له علقة أو قريب معه يتسبب في جلبه ومن كان عنده قريب أو رفيق يمنعه من الذهاب إن أراد الذهاب ومن جهة هؤلاء العقيلات الذين هم عندة طلبنا لهم "ابن مهوس" وأعطيناه لهم وجهًا وهذا الذي يقبل منهم والذي لا يقبل نأخذه ونأخذ طوارفه.
وأنت يا ابن معمر كل عقيلي عند الأشراف ويقدم فإني مؤمنه لا تعارضه وأما الإنسان الذي يتم شهر شوال وما جاء أو يسافر بعد كتابنا هذا إليهم من جميع القصيم فما وجدت من ماله خذه وألحق به محرمه ولا يستقروا عندنا في نجد ومن جاءك يعتذر أو يتوجه لهم كبيرًا كان أو صغيرًا في ذلك الأمر فاجعل طريقه طريقه والمنع والتحيير على مكة والمدينة وجميع حاشية الشريف ولا تخشى في هذه المسألة فوا لله إني معاهدك بالله لأن خشيت فيها لأجعلنها في رقبتك، وخطي اقرأه على الناس نهار الجمعة، هذا ما لزم تعريفه - والسلام ٢٩ ن سنة ١٣٣٧ هـ.
ذكر ما جرى على تركيا من الهوان
لقد كان من العلوم أن الترك لم يقاوموا أحدًا من العرب وأمرائهم
стр. 670
كمقاومتهم لآل سعود منذ ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وساعده محمد بن سعود إلى عهد استيلاء الملك عبد العزيز على الإحساء والقطيف، حاربوهم بالسلاح "بعرعر" و"دجيني" و"محمد علي باشا" وما جرى في انتدابه لابنه طوسن وابنه الثاني إبراهيم في طلعة إبراهيم باشا على نجد وأذيته لأهل هذه الدعوة المحمدية الإبراهيمية فقد عاث في نجد فسادًا مما لا فائدة في ذكره هنا، وكذلك خورشيد باشا وما فعلت الترك من كونهم خلقوا لهم المشاكل وألبوا عليهم أمراء العرب من آل رشيد وغيرهم، وكذلك أيضًا حاربوهم بتشويه دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب بواسطة "زيني دحلان" وما لفقه من أكاذيبه وترهاته حيث شن الغارة عليهم ومن نحا نحوه كجميل أفندي الزهاوي، وابن جرجيس وأمثالهما بحيث قبحوا ذكر الوهابية في العالم الإسلامي ونسبوا إليهم الفتاوى الكاذبة الباطلة والدعاوى التي اختلقوها من تلقاء أنفسهم فسلط الله على هذه الدولة العثمانية بسبب هذه المصادمة للحنفية المحمدية أن جلبت عليها حكومة بريطانية العظمى فسامتها سوء العذاب وما زالت الإنكليز تضرم نيرانها على تركيا وتستجيش العرب لما رأوا من كمال معاداتهم لها حتى كسروهم وأذلوهم وآخر أمرهم أن طردوهم عن جزيرة العرب وهذه عادة الله بمن عصاه وسعى في الأرض فسادًا عياذًا بالله.
ولما سقطت تركيا فر السلطان وحيد الدين وذلك لما انتصر الكماليون على اليونان وكان قد أفتى السلطان بكفرهم وإلحادهم وبخروجهم عن طاعته فالتجأ إلى مدرعة إنكليزية، ولما علم الشريف الحسين بفراره دعاه للإقامة بالحجاز ولا يعلم ما قصد الشريف بذلك إلا طلب الخلافة فقدم السلطان إلى الحجاز بعد هذه السنة بأربع سنين، وأقام في مكة أربعة أشهر إلا قليل وعاد منها.
والظاهر أن عودته منها لنحس الشريف، وقد كتب السلطان وهو في مكة منشورًا عظيمًا باللغة التركية وترجم بالعربية ثم طبع في مطبعة الحكومة بمكة ذكر في ذلك النشور خطته في الحرب وأنه لم يرتض خوض الدولة غمرات معامعها