ولما أن قدم عبد العزيز بن رشيد بريدة حال كونه حاكمًا في نجد تلقاه وجوه الأهالي وكبراء الناس يهرولون للسلام عليه واستقباله فلم يحضر الشيخ معهم، ولما أن فرغ الحفل سأل هل بقي أحد من الأعيان لم يفد إليه فقيل له بقي عبد الله بن فداء فجعل يبحث عنه حتى قيل أنه زاهد ولا يحب الخلطة بالناس وجعلوا يروون له عزلته وانفراده ولكنه اغتنمها أعداء الله ورسوله قائلين له أنه يبغض بيت آل رشيد، وما منعه إلا الكبر والاستخفاف بحقك أيها الحاكم فبعث إليه ابن رشيد من يخبره بأنه سيأتيه بنفسه لرؤيته والسلام عليه في بيته فخجل المسلمون وخافوا عليه من سطوته، ذلك ابن رشيد الذي لا تؤمن عقوبته فخرج على حصانه بين العبيد والرجال مغيطًا محنقًا لا ملئ به صدره من المسبة ولما أن وصل إلى بيته استأذن عليه فلم يسعه إلا الخروج إليه فخرج وعليه غترة قد طواها على رقبته كبيرًا نحيف البدن فلما رأه ابن متعب رق لحالته مع ما به من العنف والغلظة والجبروت وكاد أن يبكي فقال ابن رشيد لما رآه على تلك الصفة "حسبنا الله عليكم يا أهل القصيم فلو أن أحدًا سلم منكم لسلم هذا الشيخ" ثم سلم عليه فلم يزد في الرد على قوله الله يعافيك فتكلم ابن رشيد قائلًا ما لك يا شيخ لم تزريا للسلام علينا، فتكلم قائلًا نحن مقتصرون لا نأتي ولا نؤتى فقلبه الأمير إلى بيته ولم يصل إليه منه شر ثم عاد ابن رشيد إلى قصره، ولما أن قرب من القصر بعث إليه خادمًا بثلاثمائة ريال وقال له قل له يقول الحاكم هذه من النفقة الطيبة التي ادخرها لوالدتي فليتعاون بها على مؤونة الدنيا وأكد على الخادم أن يسلمها إياه فإن رجع بها قتله فجاء الخادم يحملها إليه، ولما أن استأذن ناوله الدراهم والوصية فأبى أن يقبلها فجعل الخادم يعالجه لقبولها فقال للخادم ردها عليه وأخبره أنا بخير ولما أبى وأصر على عدم قبولها استعان عليه الخادم بأحد إخوانه المجاورين له وأخبره أنه إذا رجع بها سيقتله فعرض عليه تلميذه أن يأخذها فأبى وقال للخادم خذها فهي لك أنا لا أريدها وقال لصاحبه اذهب أصلحك الله إلى أهلك فخجل الرجل وعاد بها الخادم يحملها إلى ابن رشيد ليخبره بعدم قبوله لها فلما أخبر سيده قال هذه المقالة "سلم منا" يعني الشيخ ابن فداء.
стр. 667
ويظهر أنه بعث إليه بها ليمتحنه بها، وكان معظمًا تزوره اللوك ويوقف عند كلامه وآراءه وكثيرًا ما يتمثل بهذين البيتين:
ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الشفا وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
ولقد خرج مرة لما نودي بالجراد ومعه رفيق له يدعى راشد بن حميد وكان مؤذنًا في مسجده، قال ابن راشد فلقطنا جرادًا في كيسين وأخذ كل منا كيسًا صغيرًا يسع صاعين فحملناهما على الرؤوس ورجعنا على أقدامنا من مسافة ساعتين لنبعث إلى الكيسين الكبيرين من يحلهما فمررنا ببئر لحسن بن مهنا أمير بريدة وكانت عظيمة سانيتها ثمانية من الجمال من هاهنا أربعة ومن هناك أربعة وفيها الخيل لها صهيل والأدباش وغير ذلك وتسمى "بالرفيعة" تقع عن البلد شرقًا على مسافة نصف فرسخ فالتفت إلى وقال يا راشد والله لو أعطوني بهذا الكيس كل هذه البئر بما فيها لما أبدلتهم فكيف بالكيس الكبير هناك يا راشد هذا مال حلال ليس فيه شبهة.
ولما كان ذات ليلة بعد صلاة العشاء الآخرة في فصل الشتاء صلى ما كتب له ثم قام يريد إغلاق المسجد فرأى غريبًا في ناحية المسجد ترعد فرائصه من البرد ويتضور جوعًا فأخذ بيده وذهب به إلى بيته فأوقد النار وقدم له تمرًا فجعل يصطلي على النار ويأكل تمرًا للجوع الذي أصابه، فكلمه الشيخ فإذا هو عراقي فلما دفئ وشبع قام موليًا فقال له أين تريد هذه الليلة الشتائية فأجابه بقوله أكلت واستدفأت وسأواصل سيري إلى السيد عبد القادر فقال له الشيخ يا عجبًا تذهب إلى عبد القادر وتذر القادر هلا عكست إن كنت رشيدًا، ثم أنه اقترح ﵀ اقتراحًا بعد هذه أن لا يسأل غريبًا عن حالته لأنه أحزنه ذلك.
ولما فرغ مرة من صلاة الفجر وقام المؤذن لتفقد الجماعة دخل رجل يركض ركضًا وجلس في الصف من غير أن يصلي فحينما وصله دوره إذا به يتكلم بقوله "حاضر" وكان قد رآه أعني الشيخ، فقال يا بني إنما قد شرع التفقد مساعدة على
стр. 668
أداء الصلاة في الجماعة وأنت لم تصل، فقال وما أدراك بأني جنب لم أغتسل غير أني فعلت ذلك للسلامة من التبعة وقلت في نفسي أن الله أسمح منهم في حقه وألطف، فبكى الشيخ وتأثر لمقالته، ثم نهى عن تفقد المأمومين بعد صلاة الفجر.
ولما كان بعد الوباء المذكور بشهرين توفاه الله تعالى وانتقل إلى جواره مخفًا من الدنيا متقللًا متعففًا، فيا طوبى له إذ أحشر بين يدي رب الأرباب وراحم من خضع له وأناب، نقول هذا ولا نعلم إلا خيرا.
وكان إمامًا في مسجده الكائن بشرقي بريدة وبيته إلى جانبه فما زال كذلك حتى قدم إلى رحمة الله تعالى، وما كانت إلا ساعة قم انقضت وأعقبت الخير الدائم والمسرات والعيش الهني في شامخ الغرفات مع الذين أنعم الله عليهم من أهل الطاعات وأهل الفضائل والكرامات إن شاء الله تعالى.
وكان له من الأبناء عبد العزيز وعبد الرحمن؛ فأما عبد العزيز فكان ثقة عارفًا متفننًا في العلوم، وله أيضًا صلاح وزكاء وفضل، وأما عبد الرحمن فكان أيضًا رجلًا طيبًا وخلف أباه في الإمامة في مسجده ولا يزال من سلالته من يلازم على إمامة مسجدهم ويكرم لكرامة الشيخ عبد الله.
رجعنا إلى ذكر الشريف وعداوته لأهل نجد فنقول:
بعدما نكب في وقعة تربة وخسر جيشه بأجمعه لم يزدد إلا عتوًا وعدوانًا ومقاومة فأوصد البيت الحرام في وجوه أهل نجد ومنعهم من الحج كأن البيت الحرام ملكه أو ملك أبيه وجده وأخذت جريدة القبلة تنشر المقالات التي يحبرها الحسين بقلمه في الطعن بأهل نجد وابن سعود مما كان له الأثر الأسوأ في نفوسهم وصارت من أكبر الأسباب الدافعة لعبد العزيز بن سعود على فتح الحجاز كما سيأتي، ثم أن ابن سعود بعث بالتعاليم إلى رعاياه يحذرهم عن الشريف وشره بان لا يجلب عليه مبيع ولا يخدم عنده أحد، ولا يعان ولا يوالى وهذه صورة الكتاب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إلى جناب الكرام فهد بن معمر وكافة الجماعة سلمهم الله تعالى وأبقاهم آمين بعد مزيد
стр. 669
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السؤال عن أحوالكم لا زلتم بخير وسرور أحوالنا بحمد الله جميلة بعد ذلك تفهمون أمرنا نحن وهذا الفاجر الشريف وكل مسلم يخاف الله لو رجل له عقل يدري بمقاصده الخبيثة فينا، ولما كانت الأمور فيما مضى أن القصد فيها مصالح وبيع وشراء ومنافع للناس والعرب وكنا تاركيها بقايا الحاضر اليوم هذا تعين كل إنسان يواده أو يخدمه أو يبيع عليه ويشتري فهو خارج من الدين والدنيا كافر في دينه مارج في دنياه، وهؤلاء الناس الذين يذهبون إليه واحد يكتب نفسه عقيلي وآخر يبيع ويشتري، ما رائح إليه إلا مثل ما ذكرنا وذاك مستعين عليه الله بأخذ ماله وزوال نفسه إن شاء الله وأحببت أبين لكم ليثبت عندكم ذلك ويكون معلومًا فوا لله لمن راح إلى الشريف أو تفدوا عنده أو فعل شيئًا من المصالح التي تنفعه وتضر المسلمين باطنًا أو ظاهرًا لأن الله أظفرنا به ولو بعد حين لندينن الله بقتله وكلما وجدنا مما يعز عليه لنتلفنه، والواجب علي تعريفكم حتى لأجل أن من كان له علقة أو قريب معه يتسبب في جلبه ومن كان عنده قريب أو رفيق يمنعه من الذهاب إن أراد الذهاب ومن جهة هؤلاء العقيلات الذين هم عندة طلبنا لهم "ابن مهوس" وأعطيناه لهم وجهًا وهذا الذي يقبل منهم والذي لا يقبل نأخذه ونأخذ طوارفه.
وأنت يا ابن معمر كل عقيلي عند الأشراف ويقدم فإني مؤمنه لا تعارضه وأما الإنسان الذي يتم شهر شوال وما جاء أو يسافر بعد كتابنا هذا إليهم من جميع القصيم فما وجدت من ماله خذه وألحق به محرمه ولا يستقروا عندنا في نجد ومن جاءك يعتذر أو يتوجه لهم كبيرًا كان أو صغيرًا في ذلك الأمر فاجعل طريقه طريقه والمنع والتحيير على مكة والمدينة وجميع حاشية الشريف ولا تخشى في هذه المسألة فوا لله إني معاهدك بالله لأن خشيت فيها لأجعلنها في رقبتك، وخطي اقرأه على الناس نهار الجمعة، هذا ما لزم تعريفه - والسلام ٢٩ ن سنة ١٣٣٧ هـ.
ذكر ما جرى على تركيا من الهوان
لقد كان من العلوم أن الترك لم يقاوموا أحدًا من العرب وأمرائهم
стр. 670
كمقاومتهم لآل سعود منذ ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وساعده محمد بن سعود إلى عهد استيلاء الملك عبد العزيز على الإحساء والقطيف، حاربوهم بالسلاح "بعرعر" و"دجيني" و"محمد علي باشا" وما جرى في انتدابه لابنه طوسن وابنه الثاني إبراهيم في طلعة إبراهيم باشا على نجد وأذيته لأهل هذه الدعوة المحمدية الإبراهيمية فقد عاث في نجد فسادًا مما لا فائدة في ذكره هنا، وكذلك خورشيد باشا وما فعلت الترك من كونهم خلقوا لهم المشاكل وألبوا عليهم أمراء العرب من آل رشيد وغيرهم، وكذلك أيضًا حاربوهم بتشويه دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب بواسطة "زيني دحلان" وما لفقه من أكاذيبه وترهاته حيث شن الغارة عليهم ومن نحا نحوه كجميل أفندي الزهاوي، وابن جرجيس وأمثالهما بحيث قبحوا ذكر الوهابية في العالم الإسلامي ونسبوا إليهم الفتاوى الكاذبة الباطلة والدعاوى التي اختلقوها من تلقاء أنفسهم فسلط الله على هذه الدولة العثمانية بسبب هذه المصادمة للحنفية المحمدية أن جلبت عليها حكومة بريطانية العظمى فسامتها سوء العذاب وما زالت الإنكليز تضرم نيرانها على تركيا وتستجيش العرب لما رأوا من كمال معاداتهم لها حتى كسروهم وأذلوهم وآخر أمرهم أن طردوهم عن جزيرة العرب وهذه عادة الله بمن عصاه وسعى في الأرض فسادًا عياذًا بالله.
ولما سقطت تركيا فر السلطان وحيد الدين وذلك لما انتصر الكماليون على اليونان وكان قد أفتى السلطان بكفرهم وإلحادهم وبخروجهم عن طاعته فالتجأ إلى مدرعة إنكليزية، ولما علم الشريف الحسين بفراره دعاه للإقامة بالحجاز ولا يعلم ما قصد الشريف بذلك إلا طلب الخلافة فقدم السلطان إلى الحجاز بعد هذه السنة بأربع سنين، وأقام في مكة أربعة أشهر إلا قليل وعاد منها.
والظاهر أن عودته منها لنحس الشريف، وقد كتب السلطان وهو في مكة منشورًا عظيمًا باللغة التركية وترجم بالعربية ثم طبع في مطبعة الحكومة بمكة ذكر في ذلك النشور خطته في الحرب وأنه لم يرتض خوض الدولة غمرات معامعها
стр. 671
وبسط فيه خيانة "مصطفى كمال" وما جرى من "رؤوف بك" واحتلال أضنة والموصل، وأنطاكية والأستانة، وأزمير؛ وهدنة؛ ومندروس عهده سيفر، وبرء نفسه من الجبانة والخيانة وما عامله به الوزراء والرؤساء من الخيانات التي آخرها أن فر خوفًا على نفسه، وقد جاء هذا المنشور في نصف كراسة حائزًا من الفصاحة والبلاغة شيئًا عجيبًا؛ ولولا خشية الإطالة لأتينا به ولكن على من أحب مراجعته أن يطلبه في مواضعه.
وفيها استنجد الشريف حسين بن علي بأمير الجبل سعود بن عبد العزيز بن رشيد لقتال ابن سعود، وقد قدمنا أنه لما محت جيشه واقعة تربة وجرى عليه من أمر الله ما لا يطاق وكان قبلها لا يحسب لابن سعود حسابًا التفت إلى خصم ابن سعود الألد ليكون وإياه يدًا واحدة على ابن سعود فلا يدعه يستريح لما هناك من العداوة المستمرة، فقال لابن رشيد هذه المرة يا بني إن عدوك عدونا بل عدو العرب والإسلام، خذ السلاح والذخائر والمال فهو عندنا، وعندك شمر ففيها الأشبال والأبطال فسر لقتال ابن سعود فاستفزه.
وقد كان سعود بن رشيد هذا قد عقد مع ابن سعود بعد أن جهز عليه صاحب الجلالة عبد العزيز نجله سعود بحملة على الجبل في صيف هذا العام فوصل بهذه الحملة إلى وادي الشعيبة جنوبي جبل أجا وأغار على عربان لابن رشيد هناك فأصاب منهم مغنمًا، ولكنه لقلة المرعى للركائب في الصيف وتلة الأرزاق للجيش لم يتقدم إلى حائل.
وقد حدث في ذلك الحين حادث في نواحي الكويت شغل ابن سعود عن ابن رشيد فاكتفى بإرسال سراياه عليه للغزو والمناوشات، فبعدها عقد ابن رشيد هذا الصلح بينه وبين ابن سعود وكان صلحًا سمينًا غير أنه لما أمده الشريف بالمال والسلاح وحسن له الباطل في زخرف القول انخدع وقبل توجيهات الشريف وذلك لقرب نظره وسوء تدابيره لصغر سنه الذي لا يتجاوز الحادية والعشرين.
ولما أن أراد قتال ابن سعود وجد تطور الأحوال وانعكاس أمره وخيبة الآمال،
стр. 672
وهيهات فقد فضح ظلمة الليل ضياء النهار، وزال عن قلوب أكثر شمر غطاء الأكدار ذلك بأن صاحب الجلالة قد أدخل خلال الحرب العظمى سفن التوحيد في شمر فشقها نصفين فعندما أعلن ابن رشيد العداء كتب ابن سعود إلى رؤساء تلك القبيلة الأصدقاء منهم والأعداء ينذرهم ويقول من كان معنا فليقدم إلينا، ومن كان مع ابن رشيد فليرحل إليه، فجاء الجواب سريعًا من المقدمين فيهم أنهم مقيمون على ولاءه، لا يلبون دعوة ابن رشيد.
فلما علم هذا السفيه أن قبائل شمر ليست يدًا واحدة معه أرسل إلى ابن سعود وفدًا يقول أنه قد تسرع وأنه آسف على ما بدا منه بل أنه راغب في تجديد الولاء.
وفيها جاء رؤساء العجمان خاضعين لأمير الإحساء الندب عبد الله بن جلوي يطلبون منه التوسط بالصلح بينهم وبين ابن سعود، وقد كتبوا أيضًا إلى الإمام عبد الرحمن بن فيصل بذلك فطلب من ابنه جلالة الملك أن يعفو عنهم، وذلك لا صدق إخلاصهم وتحقق نصحهم ففعلًا عفا عنهم وثبتوا على السمع والطاعة.
وفيها ولد الأمير ناصر بن جلالة الملك عبد العزيز، وولد فيها أيضًا نجله سعد بن عبد العزيز.
وفيها ولد أيضًا الأمير فهد نجل جلالة الملك عبد العريز وزير المعارف في زماننا هذا. (١)
وفيها قام الإخوان البدو بتشديدات يريدون بها وجه الله تعالى غير أنهم تجاوزوا الحد، لأنه لما جمع الله شمل المسلمين بصاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن جعل الله الجنة مأواه ورياضها منقلبه ومثواه، وبنى الهجر للبدو كانوا فيها متحضرين وبشرع الله متمسكين ولنبيه متبعين، جرى منهم إفراط والعياذ بالله وما زال هذا الإفراط فيهم حتى جرى منهم ما سنذكره إن شاء الله، وهذا الذي يريده الشيطان من العبد فإنه يشم قلبه فإن وجد فيه إفراطًا فإنه يأخذه بالغلو
стр. 673
ومجاوزة الحد، وإن شمه ووجد فيه جفاء وتفريطًا فإنه يأخذه بالرخص والتفريط، والمعصوم من عصمه الله، ولا خير للعبد من العلم إلا ما كان منجيًا من ورطات الجهل، لذلك طغى البدو وتجبروا حتى ضجت الأمة منهم وقاموا يحاربون من لم يتحضر من البدو فيكفرون وينهبون ويقتلون، وحصل بسبب بناء الهجر لهم أن قام البدوي الذي في الهجرة على الذي لم يهاجر يقول له أنت مشرك والمشرك حلال الدم والمال، أنت يا أبا العقال من الكفار ونحن أهل العمائم أخو من أطاع الله، وأنت أخو من أطاع الشيطان، لذلك عقد الإمام عبد العزيز في هذه السنة مجلسًا في الرياض للنظر في هذه الأمور حضره كبراء العلماء والرؤساء وتفاوضوا في وضع خطة لهذا المهم، فاتفق العلماء على كتابة هذا الكتاب تسكينًا لمتحرك البدو الذين قام كل منهم يلبس عصابة بيضاء على رأسه ثم يسطو على من سواه من البدو يغير ويسب، وهذا نص الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد اللطيف، وحسن بن حسين، وسعد ابن حمد بن عتيق، وعمر بن محمد بن سليم وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وسليمان بن سحمان ومحمد بن عبد اللطيف، وعبد الله بن بليهد وعبد الرحمن بن سالم.
إلى الإخوان كافة من أهل الهجر وغيرهم وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه وجعلنا وإياهم من حزبه وأولياءه آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ذلك إنكم تفهمون ما من الله به علينا وعليكم من نعمة الإسلام وتجديد هذه الدعوة، والذي علينا وعليكم شكر الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه، ولا يخفى عليكم ما جرى من الاختلاف وكثرة الشبه وهي على ثلاثة أمور:
الأول: وهو الأكثر طلب الخير والاجتهاد ووقوع الناس في أمور تخل في دينهم ودنياهم لأنهم يأتون ذلك محبة للدين بغير دليل.
الثاني: لا بد أن في بعض الإخوان المتقدمين شدة وتعصبًا بغير دليل فلما تبين له الأمر وسأل طلبة العلم وتحقق عنده أن تعصبه خطأ استنكر منه إخوانه وصار بينه وبينهم اختلاف بغير سؤال ولا تبيين حقيقة ما عنده.
стр. 674
الثالث: أتى به أناس من الذين يدعون طلب العلم من الحضر وهم جهال يدخلون على بعض الإخوان أمورًا مشتبهة يريد أحدهم الحق وهو مخطئه، وآخر يرغب في معرفة الأمور المخالفة فلما تحقق ذلك عند ولاة الأمر وعند العلماء أحبوا اجتماع المسلمين مع علمائهم وولاة الأمر منهم فلما حضروا سمع الحاضر بنفسه، والغائب تبلغه بهذا الكتاب فقد سألنا الإمام عبد العزيز بحضرتهم عن أمور هي:
الأول: هل يطلق الكفر على بادية المسلمين الثابتين على دينهم القائمين بأوامر الله ونواهيه أم لا.
الثاني: هل من فرق بين لابس العقال ولابس العمامة إذا كان معتقدهما واحدًا أم لا.
الثالث: هل في الحضر الأولين وفي المهاجرين الآخرين فرق أم لا.
الرابع: هل في ذبيحة البدوي الذي في ولاية المسلمين وطريقه طريقهم ومعتقده معتقدهم، وفي ذبيحة الحضر الأولين أو المهاجرين فرق حلال أو حرام أم لا.
الخامس: هل للمهاجرين أمر أو رخصة في اعتدائهم على الذين لم يهاجروا فيضربونهم أو يؤذونهم أو يهددونهم أو يلزمونهم بالهجرة أم لا، وهل لأحد أن يهجر أحدًا بدويًا كان أو حضريًا بغير أمر واضح أو كفر صريح أو شيء من الأعمال التي يجب هجره عليها بغير إذن من ولي الأمر والحاكم الشرعي أجبناه بحضور الحاضر من المسلمين أن كل هذه الأمور مخالفة للشرع، وما أمرت بها الشريعة وأن الذي يفعلها ينهى عنها ويزجر فإن تاب وأقر بخطأه فيعفى عنه، وإن استمر على أمره وعاند فيجب عليه تأديب ظاهر بين المسلمين، وأن لا يعادي ولا يصادق إلا على ما أمرت به الولاية أو حكم به حاكم الشرع والذي يفعل ما يخالف ذلك فطريقته غير طريقة المسلمين، وهذا الذي ندين الله به ونشهد الله عليه ونرجوه أن يوفقنا وإياكم للخير وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم سنة ١٣٣٧ هـ، ووقعوا بأسفله ختم كل نفر منهم، ثم كتب تصديقًا عليه صاحب الجلالة ما نصه.
стр. 675
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل، إلى الإخوان كافة، وفقنا الله وإياهم لفعل الخيرات وترك المنكرات آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد ذلك تفهمون أن الله سبحانه أنعم علينا بنعمة الإسلام ومن علينا أن جعلنا من أهله ولا يخفى عليكم ما مضى على أسلافكم من الأمور التي تغضب الله وتخالف الشريعة، وحيث أن الله من عليكم بهذا الأمر فيجب عليكم أن تذكروا ذلك بالشكر، وأعظم الشكر وأكبر، هو أن تتقيدوا باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه.
ثم لا يخفى عليكم ما جرى من النزاع والاختلاف الذي يخشى علينا منهما إخفاق الأعمال والفتنة، وليس قصدنا غير تقويم الشريعة ونجاة أنفسنا من عذاب النار ولا يتم هذا إلا بالاقتصاد واتباع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلماء المسلمين أولهم وأخرهم، وربما يلتبس عليكم الأمر في بعض أئمة المسلمين واعتقاداتهم؛ فأحببت لذلك أن أشرح لكم العقيدة التي ذكرها المشايخ في فتواهم وهو أن معتقد المسلمين واحد حضرهم وبدوهم، وتعلمون أن أصل المعتقد كتاب الله وسنة رسوله، وما كان عليه أصحاب محمد ﷺ ثم السلف الصالح من بعدهم، ثم أئمة المسلمين الأربعة الإمام مالك والإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام أبو حنيفة، فاعتقاد هؤلاء واحد في الأصل، وهو أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، كما هو مقرر في كتب العلماء التي يمكنكم مراجعتها والحمد لله في كل ساعة، فهم في هذا الأصل سواء قد يكون بينهم اختلاف في الفروع وكلهم ومن حذا حذوهم على حق إن شاء الله إلى يوم القيامة.
ونحن يا أهل نجد كافة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع، وأما في الأصل فنحن والمذكورون أعلاه على ما جاء به محمد ﷺ على أنه في آخر الأمر أظهر الله شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ثم بعدهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما اندسرت أعلام الإسلام وكثرت الشبهات والبدع فلما رأى أسلافنا موافقة أقوالهم وأفعالهم لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله قبلوا ذلك وقاموا بما أظهره الله على أيديهم ونحن إن شاء الله على سبيلهم
стр. 676
ومعتقدهم، نرجوا الله أن يحينا على ذلك ويميتنا عليه، وقد عرفناكم بذلك لموجب ذكر المشايخ في الاعتقاد والعمدة على ما ذكروه، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر وقصده إلى هجرته وانتسابه إلى الخير، طلب ما عند الله فليعتمد على ذلك قولًا وفعلًا ولا يحيط فيه لبس وترك مخالفه، ومن أشكل عليه شيء من الأمور فليردّه إلى طالب العلم المنصوب عندكم بأمر الولاية ورضى المشايخ، ونحن نعتقد أن ليس عندكم ما يخالف ذلك إن شاء الله، وإن قصدكم رضى الله، وإنما من الشفقة عليكم أحببنا التبيين لكم بذلك إنذارًا للمخالف أو المتكلم بضده، وأن من خالف ذلك بقول أو فعل فذمتنا وذمة المسلمين بريئة منه ولا يأمن البطش بنفسه وبحلاله، هذا حقكم علينا ومن أنذر فقد أعذر. (١)
نرجوا الله أن يوفقنا وإياكم للخير وينصر دينه ويعلي كلمته ويجعلنا وإياكم من أنصار دينه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه. سنة ١٣٣٧ هـ. الختم السعودي.
ثم دخلت سنة ١٣٣٨ ه ـ
ففيها في ١٩ جمادى الأولى توج الأمير فيصل بن الحسين الشريف ملكًا دستوريًا على سوريا، فغاظ ذلك فرنسا وأخذوا يكيدون له، وآخر ذلك أن قامت فرنسا فأخرجت مركز فيصل وهذا بمساعدة من ذوي الأغراض وممالاة من بريطانيا، فأبلغت فرنسا فيصلا شروطًا مجحفة وضربت له موعدًا ضيقًا لإخراجه وإرغامه ليعترف بها، فوقع في حيرة وآخرتها الجاته فرنسا على الخروج من سوريا في مدة ٤٨ ساعة، فبارحها والحزن يكاد يزهق نفسه لانهدام صروح الآمال التي كان يحلم بها، فاحتلت فرنسا سوريا بعد مبارحته لها وحصول حوادث يشيب لهولها الولدان، ولا ينسى أثرها أهل سوريا على مر الليالي والأيام والدهور والأعوام، وكان ذلك في الحجة من هذه السنة.
стр. 677
وفيها ولد الأمير منصور بن جلالة الملك عبد العزيز وزير الدفاع السابق، وكانت أمه تركية.
وفيها جدد عهد الصلح بين ابن سعود وبين ابن رشيد، ولكنه لم يدم منذ جدد عام كاملًا، وقد كانت السيادة في الجوف للأمير نوري بن شعلان، فعمل أعمالًا أثارت عليه الأهالي فحاربوه واستنجدوا عليه بابن رشيد، فانتهز هذه الخطة وقدمها عذرًا بين يدي الشريف حسين، وبعث إليه يخبره أن الباعث له على تأجيل الحملة على ابن سعود هو فتنة الجوف، كأنه يقول اضطرتنا وقام مسرورًا بفرصة سانحة للاستيلاء على ناحية الجوف، فأنجد أهالي الجوف حبًا وكرامة، ومشى سعود ابن رشيد برجاله إلى الجوف فاصطدم هناك بقوات لابن شعلان يقودها ابنه نواف "وعودي أبو تائه" فنازلوه وغلبوه، فأرسل يستنجد شمّرًا فلم يلبه أحد خوفًا من ابن سعود، ومحافظةً على العهد الذي بينهم وبينه، لأنهم أرسلوا إليه يستشيرونه في الأمر فأجابهم أنه مصلح هو وابن رشيد فلا أمانع من أرادوا أن ينجدوه.
وكان النوري بن شعلان قد أرسل أيضًا إلى ابن سعود بكتاب قال فيه:
إني صديق لك ولابن رشيد فلست إذن مشاركًا في هذه الحرب، ولكني أنصح لك أن تتحصن في حصون الجوف وتتخذ خطة الدفاع فلا تهاجم ابن رشيد ولا تحاربه في الخارج، لأن جنوده مدربون على القتال، وقديموا العهد في الحروب، وجنودك من البادية من أهل الإبل، فلا يركن إليهم ولا هم في القتال أقران شمّر، ولكنه لم يعمل ابن شعلان بنصيحته فكان من الخاسرين، لأنها وصلت نجدات شمر إلى أميرهم في الوقت الذي هجم فيه عليهم فكسروه كسرةً شنيعة، واستولوا على الجوف، غير أن سعود بن رشيد لم يعش بعد انتصاره على ابن شعلان شهرًا كاملًا، بل قتل بعد أن عاد إلى حائل.
وفي هذه المدة القصيرة كانت مناوشات بين ابن سعود وبين ابن رشيد فانتهز هذه الفرصة سالم بن صباح بصفته عدو ابن سعود لسوء تفاهم سنذكره عن
стр. 678
قريب، وكتب إلى ابن رشيد يستنجده على خصم الجميع، لأنه كان يومئذٍ مخيمًا في أطراف العراق، فزحف ضاري مسرعًا بقوة من شمّر ونزل الجهراء حيث كان دعيج ورجاله، غير أن الله أهلك سعود بن رشيد ولم يتم له ما أمله، ولم يحصل على طائل، وخاب ظن الشريف وما أفلح فيما علقه به، وهذه صفة قتلة على سبيل البسط:
ففي أحد أيام سنة ١٣٣٨ هـ خرج الشاب أمير حائل سعود بن رشيد إلى البرية للنزهة والفرجة، وكان في صحبته عبد الله بن طلال بن رشيد، خرج للصيد والمناصلة على الأغراض، وكان مع الأمير حاشيته وعبيده يعتنون بالخيل ويجمعون الحطب، وبينما كان الأمير عبد الله بن طلال قد نصب لهما هدف، وقد وثق الأمير واطمأن تلك الساعة فلم يلازمه غير واحد من العبيد، وقد كان هناك رابع يسدد الرصاصتين، رصاصة الأمير ورصاصة عبد الله إذ رفع الأمير سعود بندقيته يريد الهدف، إذا بعبد الله بن طلال خلفه ببندقيته قد صوبها في الهدف بالظاهر، فلما أطلق الأمير رصاصته على كبد الهدف إذا بعبد الله قد أطلق رصاصته في رأس الأمير فاخترقته، وبما أن الرصاصتين أطلقتا معًا كان العبد معجبًا برمي سيده ولم ينتبه لما حدث إلا وقت ما خر الأمير إلى الأرض صريعًا، ففتح العبد فاه للصياح فلم يمهله عبد الله يفر أو يصيح حتى أطلق عليه الرصاصة الأخرى، قبعثرت دماغه وخر كالخشبة إلى جانب الأمير.
فلما رأى أحد العبيد الأخرين ما جرى صاح للبقية من العبيد فهجموا على عبد الله بن طلال، ثم جاء الرجال ومعه عبد الله بن متعب بن عبد العزيز ابن أخ المقتول، فلما رأه ابن طلال لم يهتم إلا به يريد قتله لأنه يحول بينه وبين ما يريد لو بقي في الحكم في حائل، فصوب إليه البندقية ليلحق بالأمير، وكان ماهرًا بالرمي، غير أنه حال بينه وبينه العبيد فصاروا ردمًا دونه عن الرصاص فقتل واحد منهم وأصيب عبد الله بن طلال برصاصة قضت عليه والعياذ بالله، فتلقف الإمارة عبد الله بن متعب وجلس على عرش الحكم، ولكنه مرعوب مدهوش من ضربة تأتيه غدرًا، وجعلتا عيناه تذرفان من رؤية الدم المهراق حوله، وهذه ترجمته:
стр. 679
هو الأمير سعود بن عبد العزيز بن متعب بن عبد الله بن علي بن رشيد أصغر إخوته الذين قتلهم بنو عمهم، غير أن سعودًا هذا فربه أخواله آل سبهان في آخر سنة ١٣٢٤ هـ إلى الحجاز خوفًا عليه من القتل، ولما أن كان قبل هذه السنة بعشر سنين عاد به أخواله إلى حائل وتقلد إمارتها وكان جاهلًا سفيهًا لصغر سنه، قد جعل سياسة الأمارة لجدته فاطمة بنت السبهان، فهي التي تتصرف في أمرهم وتديره من وراء الستار، وكانت شديدة الشكيمة، قصيرة النظر، تبغض أهل نجد وآل سعود، وكان على تدبير المالية العبد سعيد بن محمد، وقد كان من المقربين عنده لأنه قد رفع مقام العبيد في الديوان الرشيدي خوفًا من آل سبهان، فيقرب الأمير هؤلاء العبيد المماليك لا سيما هذا الملوك الخصي السوداني، وقد حمل مفتاح الخزينة في أيام عبد العزيز بن متعب، والعبد الثاني اسمه سليمان العنبر، وكان هو الذي يحمل سيف الحجابة الأول، ويدخل على الأمير برأي، حتى في السياسة، وكان مسموع الكلمة.
فبتدبير امرأة ورأى العبيد تضمحل سحائب الهيبة تكوسف شمس السياسة لقرب نظر الفريقين، فلسوء تدابير الأمير الذي تعوزه أشياء كثيرة من شروط الإمارة لعدم معرفته وتجاربه للأشياء، ولأن المتصرف فيهم امرأة ولا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة كما جاء في الحديث، ولاختلاف شمّر وانقسامهم بعد أن كانوا يدًا واحدة اضمحلت إمارة بيت آل رشيد، ويزاد على ذلك أيضًا وقعة تربة التي رنَّ صداها في المشارق والمغارب، وإلا فهناك ما يجرئه على العداء ويدفعه على القتال وهو مساعدات الأتراك له، وبعدهم الشريف، أضف إلى ذلك سالم بن صباح الذي قام يؤلب على ابن سعود في هذه السنة.
ذكر سوء التفاهم بين صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود وبين سالم بن صباح
قد أشرنا إلى ذلك في التي قبلها وذلك بأنه لما توفى مبارك بن صباح، تولى الإمارة بعده ابنه جابر، فكان حصيفًا حكيمًا، ولكنه توفى في السنة الثانية من
стр. 680
حكمه، فتولى بعده أخوه سالم، ولكنه مفلس من السياسة والحكمة ففعل أفعالًا أغضبت ابن سعود، وما كان له حق في تلك المعاملة، كطرد التجار النجديين من بلاده ومساعدته للعجمان، أضف إلى ذلك أنه عدو لأهل هذه الدعوة الوهابية والعياذ بالله، وآخر ذلك أن فعل الفعلة التي أدت إلى محاربة النجديين للكويتيين، فركب سالم ذات يوم إلى مكان على الخليج بين جبيل والكويت يدعى "بلبول" فيه مغاص للؤلؤ وميناء طبيعي حصين للسفن الشراعية، وعزم على أن يبني قصرًا هناك وبلدة أيضًا تنافس جبيل بالتجارة والغوص، فلما علم ابن سعود بذلك كتب إلى سالم ليمتنع من العمل فأبى، فكتب ابن سعود إلى الوكيل السياسي البريطاني في الكويت يخبره أن الشيخ سالمًا فيما يقصد متجاوز حدوده وحقوقه لأن ذلك المكان من أراضي القطيف التابعة للحكومة النجدية، وقد طلب منه أن يحول دون هذا التعدي.
أما سالم بن مبارك فكان يزعم أن بلبول ضمن حدود الكويت، ولكنه أذعن على ما يظهر للوكيل البريطاني فعدل عن قصده، وكان في تلك الناحية شمالًا بغرب من بلبول ماء يدعى "قرية" هو ملك قديم لعرب مطير، فنزح إليه بعض المهاجرين من الإخوان من هذه القبيلة وأسسوا هناك هجرة لهم، فاحتج ابن صباح على هذا العمل وأرسل إليهم فرقة صغيرة مئتي رجل ومائة خيال، أكثرهم من عربيدار بقيادة أحد أبناء الصباح اسمه دعيج، وكان للكويت في المراعي القريبة من تلك الناحية بضعة آلاف رأس من الجمال والغنم، وليس هناك من يستطيع حمايتها إذا اعتدى عليها، فسار دعيج برجاله حتى نزل في "حمض" قريبًا من قرية، وأرسل إلى الإخوان يأمرهم بأن يخلوا ذلك المكان وإلا فسنصبحكم ونقتلكم، وكان الإخوان عندما علموا بقدوم عساكر الكويت أرسلوا إلى فيصل الدويش أمير الأرطاوية يستنجدونه، فبادر فيصل إلى نجدتهم بألفين من رجاله وزحف مسارعًا حتى وصل إلى حمض، فصبح الكويتيين هناك،
стр. 681
ولكنه لم يذبحهم كلهم، ففرَّ دعيج وأكثر جنوده هاربين، وقد تركوا ورائهم ذلك القطيع من الإبل والغنم، فكان للإخوان غنيمة باردة، كل ذلك وابن سعود في الرياض جاهل بما حدث، فغضب لما بلغه الخبر وكتب إلى الدويش يؤنبه ويقول قد تجاوزتم أوامري التي تنحصر في الدفاع، فأجابه أن الكويتيين جاءوا إخوانهم صائلين، وقد وصلوا إلى مكان يبعد عنهم أربع ساعات فقط، ثم أمر ابن سعود أن تجمع الأموال التي استولوا عليها من إبل وغنم وسلاح حتى وأواني وتودع عند أمير الأرطاوية إلى أن يأتيهم أمر آخر بخصوصها، فعمل الإخوان بالأمر بعد أن أرسلوا إليه خمس من الغنائم، وكان الأمير سالم قد عرض المسألة على الوكيل البريطاني، فأشار عليه بالتسوية السلمية، فأرسل إلى ابن سعود رسولين هما "عبد الله السميط" و"عبد العزيز الحسن"، فاعتذر ابن سعود عما حدث بدون أمر منه، ثم إنه قدم إليهما خمس الغنائم الذي كان عنده قائلًا هذا أول الأداء، وإذا أركبتم رجالًا من قبلكم إلى الأرطاوية فأخره هناك يسلم إليهم.
ثم كتب ابن سعود إلى الشيخ سالم كتابًا قال فيه: إن السبب في هذا الحادث تدخلكم فيما لا يعنيكم، اعلموا أنه لا حق لكم فى بلبول أو في قرية، وإني أرى أن يقرر ذلك في عهد يعقد بيننا وبينكم فنرعاه، أما ما كان لآبائك وأجدادك من الحقوق والواجبات على آبائي وأجدادي فإني معترف به، فلما جاءه الكتاب لم يعبأ به ولا قبل بأن ترد الغنائم إليه، بل غضب غضبة يقتضي لتعزيزها عند العرب جيش كبير ولم يكن عنده سوى اليسير منه.
ولما أن كتب سالم إلى ابن رشيد يستنجده ويهيجه فيما مرَّ وبعث ابن رشيد ضاري بن طوالة بقوة من شمّر، نزل الجهراء حيث كان دعيج ورجاله فأمرهما سالم بالهجوم مرةً ثانية على قرية فقتل ابن رشيد واستمرت الحال إلى ما سنذكره في واقعة الجهراء في السنة الآتية إن شاء الله تعالى.
وفيها منع الحسين بن علي الشريف أهل نجد من الحج وأغلق في وجوههم
стр. 682
أبواب الحجاز حتى أصبح الحج بهذه المعاملة منه كالآعيب الصبيان يقبلون محرمين فيردهم من حيث أتوا، فرفع ابن سعود طلبًا حارًا إلى بريطانيا العظمى، أن تضع حدًا لهذه المشاكل التي لا تزال نارها مشبوبة بينه وبين خصمه الذي طالما آذاه وأساء إليه بالتأليب عليه ومنع رعيته من حج البيت الحرام، وإذا كان قد عمل بنصائحها فرجع فورًا بعد وقعة تربة، وترك الشريف وشأنه، ومع ذلك فهي لا تزال تقف في نحره دون الشريف، فكيف لا تمنعه من هذا الأذى أو تترك ابن سعود وشأنه في مشكلته يعالجها بنفسه، فكتب نائب مصر خطابًا إلى الحسين فيه:
إنها لا تزال بريطانيا باذلة عنايتها بمصالح العرب، وإنه مما يؤلمها الحركات العدائية بينه وبين ابن سعود، وإنه لا يجهل شروط المعاهدة الحالية بين الحكومة البريطانية وبين ابن سعود الضامنة حقوقه داخل حدود بلاده، ثم أطال بتمام الاحتفاء والتوقير للحسين، وقال في آخر الكتاب مستنكرًا منه قطع علاقات الود مع ابن سعود بإرجاع رسله ورفض كتبه ثم قال:
إنني أرجوكم أعظم الرجاء أن تجتهدوا لمنع كل البواعث الجوهرية التي تؤدي إلى سوء التفاهم مع الأمير المشار إليه بشأن سياستكم نحوه، فإنه وإن كان أقل درجة من جلالتكم وأضعف موارد لا ينكر أنه ذو أهمية في السياسة العربية.
وحقًا أن يقال ما قصرت الإنكليز باحترام الحسين، ولكنه من قبل نفسه أتي ولو لم يقس هذه القساوة، وتوسل إلى أغراضه بالإناءة وسعة الحيلة لاستطاع أن ينال مبتغاه.
فبعد هذا الكتاب عاد إلى الملكين الهدوء والسكينة، ولكن القلوب فيها ما فيها، ولم يدم الصفاء إلا أشهرًا قليلة حتى استيقظت الضغائن بالحوادث التي اندلعت نارها من جديد بين قبائل نجد والحجاز من أمر الاعتقادات، وعاد النزاع كأشد ما يكون، فاشتعل غضب الحسين ومنع أهل نجد من الحج، فتدخلت الحكومة البريطانية وبعثت خطابًا إلى ابن سعود وطلبت منه أن يمنع الحوادث، ورجت الحسين رجاءً حارًا أن يأذن بالحج لمن يرغب من أهل نجد أسوةً بالمسلمين في جميع الأقطار، ولكن الحسين أبى أن يظهر بمظهر السميع لتعاليم بريطانيا ليرى خصمه
стр. 683
جانب التعالي، فسكت ثم أذن بالحج بعدها بسنتين، وكان قد تطلب ونصلب كقوله: يجب أن يبين عددهم، ثم نادى بأن يكون عددهم محدود لا يقبل الزيادة، ثم طلب بأن يأتوا عن طريق البحر كبقية المسلمين.
وهذا والله من المبالغة الشديدة في العناد، وهكذا أخذ يشتد في الطلبات ويقسو في لهجة كتبه إلى بريطانيا ويتهمها بمحاربة خصمه، كما أنه طفق ابن سعود يتصل ببريطانيا عن طريق المندوب السامي بالعراق ويلح عليها أن تضع حدًا لعناد الشريف وإصراره على رغباته غير المشروعة، لأنه لا يمكن تحديد عدد الحجاج النجديين، وما داموا قد حجوا قبل ذلك بدون أن يحدث منهم شيء من الأذى فليس من الرأي وضع العراقيل أمامهم، ولم تيأس بريطانيا من السعي بينهما في الصلح، وكرهت أن تتخطى ليصطرعا وهي ترى أن هناك شعاعًا ضئيلًا.
ولما رأى ابن سعود بكامل فكرته معاملة الشريف للإنكليز وعدم وفائه بالوعود، لذا أحب أن يكسب الخلاف الذي بينها وبينه، فالحسين طالما ألبَّ عليه ابن رشيد وآل صباح وغيرهم، وأراد أن يضربه ضربةً لا يفيق منها، ولكن الإنكليز لم تتخل عن الشريف لأنهم لا يزالون يذكرون أيامه ومقاماته لهم، ولكن ما الحيلة وقد بلغ السيل الزبى.
ثم دخلت سنة ١٣٣٩ ه ـ
استهلت هذه السنة وسالم بن صباح يرغي ويزيد غضبًا على ابن سعود والشريف مصرّ على مقاومته، والأمير على الجبل عبد الله بن متعب.
وفيها في محرم أمر الشريف ابنه عبد الله أن يتوجه إلى معان ويتخذ منها الركز الحربي للجيش الحجازي، فتوجه عبد الله من مكة يوم الأربعاء الموافق ١٦ محرم، وذلك لما فكر الحسين في استرجاع سوريا بعد أن طرد منها ابنه فيصل أو على الأقل أن يتفق مع فرنسا، وكان قد أخبر نجله عبد الله أنه سيكون وكيلًا عن أخيه فيصل في سوريا، فوصل عبد الله معان في ١١ ربيع الأول من هذه السنة وبرفقته قوة من بدو الحجاز، فأخذ يتحدث إلى أعوانه وقادة جيشه بما ملخصه:
стр. 684
إننا سنأخذ سوريا من يد الغاصب، سنخلصها من يد الاستعمار، سنمنحها حريتها واستقلالها وأن لا تلقبوني إلا "نائب جلالة ملك سوريا" وسبب ذلك أنه كان طامعًا في ملك العراق، ولكن المقادير وسوء السياسة خيبت أمله.
ذكر أنجال الشريف وإمارتهم
لما دفعنا التاريخ إلى هنا فلا بد من ذكر هؤلاء الأمراء، فأحدهم علي بن الحسين ولي العهد لأبيه، وكان نحيفًا عليه آثار السكينة، دقيق العضلات، ضعيف البنية، بليدًا، ولكنه يظهر من أخلاقه أنه ألطف من عبد الله، وسيأتي ذكر ملوكيته وأنه اسم لأحقيته، وفيه بعض السياسة غير أنه لم يوفق، ولما أخرج من الحجاز نزل ضيفًا عند أخيه فيصل في العراق.
عبد الله بن الحسين
كانت ولادته في مكة المكرمة في شهر ربيع الأول عام ١٢٩٩ هـ، نشأ في حجر أبيه نشأةً أبناء الأشراف، فتعلم القراءة والكتابة في داخل قصر والده، ورحل في صحبته إلى الأستانة وعمره ست عشرة سنة، ولما رجع والده إلى مكة أميرًا رسميًا من قبل الدولة كان معه واشترك مع أخيه فيصل في قيادة حملة أبها لإخضاع الإدريسي، وقام مقام أبيه في إمارة مكة حينما سار والده إلى نجد لتأديب بعض قبائلها قبل هذه بعشر سنوات، وقد ساعد والده في إن شاء الحكومة الجديدة، وتقلد وزراة الخارجية.
وهو الذي أرسل البلاغات الرسمية إلى الدول الأوربية الشرقية بإنشاء الحكومة الهاشمية الجديدة في الحجاز، وكثيرًا ما يجري الخلاف بينه وبين أبيه في السياسة، ويعارضه بقبول اقتراحات الإنكليز مراعاةً لمصلحة البلاد.
ولما أن لامه مرةً والده بعد أن استدعاه من جدة إليه بمكة على موقفه وتساهله مع بريطانيا، استقال بعد يومين من استدعائه عن وزارة الخارجية أو وكالة الخارجية.
ولما أن قام في معان يتحدث بذلك الحديث، كان لوصوله وحديثه رنة هناك
стр. 685
عظيمة مادت لها بلاد الشام من أقصاها إلى أقصاها، وكان يتبجح ويتعاظم ويتغطرس لإعجابه بنفسه، ثم إنه تولى إمارة شرق الأردن بعدما اجتمع بالمستر تشرشل وزير المستعمرات البريطانية يومئذ.
فيصل بن الحسين
ولد في ١٣٠٢ هـ وكان مفكرًا نبيهًا، بل إنه أنبه إخوته وأدهاهم وأنبلهم، ولما خرج من سوريا ذهب إلى أوربا يجول فيها عساه أن يجد تاجًا أو يصادف ما يبدد حزنه ويسليه عما أصابه، وما هي إلا أيام قلائل حتى منحته الحكومة البريطانية تاج العراق، بينما أن عبد الله يحلم بملك العراق العتيد وشبح في هذه الآمال إذا بالخبر يفاجئه أن أخاه فيصلًا وصل من لندن إلى القاهرة، ومنه سافر إلى الحجاز فدخل مكة لأول مرة بعد خروجه منها على رأس الجيش الشمالي، وبعدما أقام أيامًا ركب باخرة خاصة أقلعت به إلى البصرة فبلغها، وكان تتويجه على العراق في ٢٠ ذي الحجة سنة ١٣٣٩ هـ، فاستشاط عبد الله غيظًا على أخيه وشقيقه فيصل، ولما سمع بقصيدة لفؤاد الخطيب وزير خارجية الحجاز يمدحه فيها على أثر اعتلاء فيصل لعرش العراق، من أبياتها قوله:
تنازل عن عرش العراق تكرمًا ... وأفضل من عرش العراق تنازله
قام وقعد وقال للمنشد من الذي أخبر فؤاد أني تنازلت، والله لم أتنازل ولن أتنازل، العراق لي ولن يتم لغيري أمره.
وكان ملكه في العراق بصفته يأخذ من الحكومة الإنكليزية راتبًا شهريًا، غير أنه يمتاز عن أخيه عبد الله في ملكه بميزات كثيرة، فإن قيل أن الأمة العراقية انتخبته ملكًا عليها قيل نعم، ولكن أباه قد ألح على الإنكليز بالطلب لذلك، فتوجته الإنكليز ملكًا، وإن كان في العراق الرجال الأكفاء والمقتدرون لهذا المنصب والعارفون، ولكن ما يكون التدبير والسيف ورائهم ليسوقهم إلى حيث لا يريدون.
أقام فيصل في العراق وعاش أمنًا مطمئنًا من الزعازع، مقنعًا بما لذ وطاب من
стр. 686
طعام وشراب، تاركًا بريطانيا تعمل ما تريد في العراق وما تعقده من المعاهدات، وقد ضج أهل العراق وأصدر العلماء فتوى بخلع فيصل بإهماله بشأن العراق.
أما الأمير عبد الله بن الحسين فجلس على عرش إمارة شرق الأردن في هذه السنة إلى أن قتل.
زيد بن الحسين
كان أصغر أنجال الحسين بن علي، وكان جميلًا حسن الصورة، مستدير الوجه وأمه تركية، فهو أخو إخوته من الأب، ويقال أنه شجاع حتى لقب بجمرة العرب، وحضر مع والده وإخوته وقاد بعض الجيش في الحرب العامة جهة الشمال، وغزى بعض المواقع جهة المدينة والشام، وكان قائد الجيش في مكة أثناء الحرب بين الحسين وتركيا، ولازم أخاه فيصلًا في كل حركاته ولم يأت مكة من بعد النهضة إلا مرتين وله شوق إلى التعلم حتى في مدارس أوربا، وكان يتولى النيابة عن أخيه فيصل في العراق، وله نزعة في لباسه وأكله ومشيته وأفكاره وآرائه إلى أهل أوربا، والذي جره إلى ذلك قربه من تلك الديار وبعده عن والده الذي كان يحافظ على تقاليد بلاده، وربما زجره والده عن ذلك وأنبه ولكن لا فائدة في ردع من طمحت أفكاره إلى ما يريد أو جمح به شبابه ونعرته على السير فيما نشأ على ما قررت فكرته له.
وفيها بعث صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن ابنه فيصلًا إلى لندن مع أحمد بن ثنيان، وكان فيصل بن عبد العزيز إذ ذاك في السادسة عشرة من عمره، غير أنهما لم يقابلا هناك مقابلةً حسنة تليق بمقامهما، حتى أن "اللورد كرزون" وزير الخارجية قدم لفيصل بعض الحلوى لأنه رآه غلامًا، وحادثه محادثةً لا تخرج عن محادثة وزير لغلام، فأغضبت هذه المعاملة فيصلًا ورجع من لندن ناقمًا، ففهم ابن سعود من هذا الأمر أن لندن تجهل قوته وحقه وتؤثر عليه خصمه الحسين الشريف وتقوي عزمه، فصارح ابن سعود فلبى بما في نفسه وأفهمه أن بريطانيا أساءت إليه كثيرًا، غير أن حكومة الهند البريطانية كانت خلاف لندن في فهم ابن سعود، فهي تؤثره وتؤيده لأنها علمت أنه رجل ألّف المرتجى فهو أولى بالتقدير والاحترام.
стр. 687
ذكر واقعة الجهراء
وذلك لأنه لما جرت تلك الصدمة من الإخوان على الكويتيين لما جاروا عليهم، زحف ابن سعود إلى الأحساء على أثرها ليكون على قرب من تلك المقاطعة، ولما أن بلغه خبر مغزى ضاري ودعيج وتذامر بيت آل رشيد مع آل صباح على عشائر، أرسل إلى فيصل الدويش يأمره بإنجاد أهل قرية، فقام الدويش على حسب تدابير صاحب الجلالة وسار في آخر السنة الماضية، ولكن دعيجًا وضاريًا اختلفا في الطريق على القيادة، فلم يهاجما أحدًا بل عادا إلى الجهراء، فتعقبهما الدويش ونزل الصبيحية، فعلم سالم بن صباح بذلك وسارع بنفسه إلى الجهراء بخمسمائة مقاتل من أهل الكويت، فزحف الدويش من الصبيحية بإخوانه وكان عددهم أربعة آلاف مقاتل فيهم خسمائة خيال وكانت هذه الحملة لا بأس بها في القوة.
أما سالم بن صباح فبلغ جيشه نحو ثلاثة آلاف مقاتل ووزع هذه القوات كلها من الرجال والخيالة في حصون الجهراء وبساتينها، فعند ذلك جاء الإخوان من الجنوب الشرقي فأشرفوا على الجهراء، وكان ذلك في ٢٦ محرم، أشرفوا من رأس منحدر لا صخرة فيه ولا شجرة، وجاءوا على عادتهم في الصباح كالسيل المنهمر إلى البساتين تحت وابل من الرصاص، فكانت بنادق المدافعين المتحصنين تحصدهم بالعشرات والمئات وهم يتقدمون مستبسلين مستشهدين، فكانت ملحمة كبرى وموتًا أحمر على جيوش ابن صباح.
ولما رأوا الأقدام والجراءة فرَّ من نجا منهم، ودخل الإخوان الجهراء واستولوا عليها وعلى حصونها، أولئك الإخوان الذين فضلهم لا ينكر وبسالتهم لا تزال على المدى تذكر، يشهد لهم التاريخ بالمقامات الدينية والمجاهدات الإسلامية، فكان الواحد منهم يلقي نفسه بجحيم الوغى ولا يحجم، ويخوض بحار الموت ولا يهاب اللقاء والموت، فتقهقر الأمير سالم بقوة جيشه إلى قصر هناك خارج البلد شرقًا منها فتعقبه الدويش وحاصره فيه يومين كانا شبه هدنة للمفاوضات.
стр. 688
وكان الإخوان في جهادهم إذ ذاك ليس لهم قصد سوى أن يدين الناس وينقادوا للإسلام، وتكون كلمة الله هي العليا على حسب اجتهادهم، وما ترشدهم إليه أفهامهم، فخدعهم سالم لما قالوا له كن معنا ومنا، كن موحدًا ونظف بيتك من الشرك والمنكرات، فلك ما لنا وعليك ما علينا، فراغ روغان الثعلب وأجاب الدويش وإخوانه بقوله: وهل يرفض مثل هذه النعمة إلا الأحمق، إني والله منكم خيال التوحيد أخو من أطاع الله، ولكن في بيتي ما يقتضي رجوعي إليه قبل أن أجيئكم، انتظروني في الصبيحية، فصدقه الدويش وقفل راجعًا إلى الصبيحية بعد أن قتل من رجاله خمسمائة.
ولكن بالنسبة إلى أن تدين الكويت ويدين صاحبها ليس الخمسمائة الذين بهم من رجاله بشيء، وبذلك تعلم حسن نية الأخوان وسلامة قلوبهم.
أما أهل الكويت فقتل منه ثلاثمائة مقاتل، ولما أن وصل سالم بن صباح إلى الكويت طلب من الإنكليز أن يحموا بلاده وإلا فإنه سيقبل شروط الإخوان، وبدأت المفاوضات البرقية بين الكويت وأبي شهر، ثم بين حكومة الهند ولندن، واستمرت ثلاثة أيام بينما كان الدويش وإخوانه ينتظرون توبة سالم وأصحابه، فجزع خلالها الدويش وهو ينتظر سالمًا في الصبيحية يقدم إليه بطاعة أهل الكويت وإسلامهم، فأرسل وفدًا من قبله إلى الأخ سالم فتمارض ولم يقابله، ثم جاء الجواب من الحكومة البريطانية ومع ثلاثة مراكب حربية، فرست في مياه الكويت وشرعت في الليل تطلق الأسهم النارية تهويلًا وترويعًا، فلما كان من الغد وصلت طائرتان من العراق فشفي سالم بن صباح من مرضه إذ ذاك وقابل وفد أخيه الدويش في مجلس رسمي حضره الوكيل البريطاني الماجرمور الذي هم بمخاطبة الإخوان، فسمع جوابًا أقنعه في الحال، وكان كلامه في مخاطبته لوفد الدويش أن قال:
الشيخ سالم صديق لدولة بريطانيا البهية وأنتم جئتم تحاربونه بدون أمر من ابن سعود، فقال رئيس الوفد: ما جئنا إلا بأمره، وهو أيضًا صديقكم، تالله أن هذا الجواب لمن الأجوبة المسكنة، فسكت الوكيل، وأرسل كتابًا إلى الدويش وفيه أن
стр. 689
حكومة بريطانيا العظمى باسطة على الكويت حمايتها وأن من يحاولون الهجوم عليها يعرضون أنفسهم لضرب الطائرات والمراكب الحربية.
من فيصل بن سلطان الدويش، إلى سالم الصباح سلمنا الله وإياه من الكذب والبهتان وأجار المسلمين يوم الفزع الأكبر من الخزي والخزلان: أما بعد فمن يوم جاءنا ابن سلمان يقول إنك عاهدته على الإسلام والمتابعة لا مجرد الدعوى والانتساب كففنا عن قصرك بعدما خرب، وأمرنا برد جيش ابن سعود على أمل أن ندرك منك المقصود، فلما علمنا أنك خدعتنا آمنا بالله وتوكلنا عليه، يروى عن عمر أنه قال: (من خدعنا بالله انخدعنا له) فنحن بيض وجوهنا، نرجو الله أن يهديك أو يسلطنا عليك إيها نعبد وإيه نستعين.
تالله إنها لحالة عجيبة من الدويش وإخوان في اتحداعهم لذلك الماكر، ولكن لا عجب منهم، وقد قال الشيخ حمد بن مزيد قصيدة في هذا الموضوع ذكر فيها ما من الله به من الفتح وهزيمة صاحب الكويت وخذلانه سالم بن صباح ومن معه من الأوباش المعتدين على يدي الأمير فيصل الدويش ومن معه من إخوانه المهاجرين حين سيرهم لحربهم الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل حفظه الله وأيده، وكانت تلك منقبةً عليا لفيصل الدويش لو دام عليها وعلى جهاده وطلبه الحق، ولكنه صارم عراه الانثلام، وقد أطال ابن مزيد بمديحه والثناء عليه بالشجاعة والشهامة، ثم إنه بعد تلك الواقعة قام أحمد الجابر ابن أخي سالم و (كاسب بن خزعل) أمير المحمرة يفاوضان ابن سعود بالصلح، وتوفى الأمير سالم بعدها ببضعة أشهر وكانت وفاته في ١٧ جمادى الثانية ١٣٣٩ هـ، ثم تولى إمارة الكويت بعده أحمد الجابر وتحسنت العلاقات بينه وبين ابن سعود فكان في غنى عن وفد يصالحه مع ابن سعود لكمال سياسته.
وفيها في ١٨ من رجب وفاة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀ وعفا عنه وبوأه في الجنة منزلًا ومقيلًا، وهذه ترجمته:
هو الإمام العالم العلامة الحبر السميدع، علم الأعلام وهادي الآنام، البحر
стр. 690
الزاخر والعلم الظاهر، من افتخرت به الأواخر على الأوائل ونال من الفضائل ما قصرت عنه سورة كل مطاول، الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام وكاشف الأوهام محمد بن عبد الوهاب، أعظم الله لهم الثواب وأدخلهم الجنة بغير حساب، هؤلاء الأئمة الذين تنجلي بذكرهم الغياهب ويجئوا على الركب أمامهم كل طالب، فحقيق بمناقب هؤلاء الأئمة الذين رفع الله قدرهم وشاد في العالمين ذكرهم أن يعض عليها بالنواجذ، وتأنى عليها الخناصر، وتجمل بها بطون الدفاتر، وينادى بها فوق أعالي المنابر جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا.
كان الشيخ عبد الله جوادًا كريمًا وألمعيًا محققًا له هيبة عظيمة في الصدور ويملأ المسامع ويقنع المسترشد والسامع، وله مقامات في الإسلام وتسديد في أجوبته وتصديراته، وقد أقرِّ له بذلك الخاص والعام وغرس الله له المحبة في صدور المؤمنين وأذلَّ به الكفار والمنافقين، وكان في زمنه إليه الرجع في علوم الدين، فـ لله دره من إمام تقتدي به العلماء وملجأ منيع تأوي إليه الضعفاء، وتجثو لاستفراغ منطوقه رقاب الفصحاء والبلغاء، فإن بحثته في علم التوحيد والأسماء والصفات فهو البحر الخضم الغزير، وإن طلبت إليه علوم الحلال والحرام وجدت عنده الجم الكثير، وإن سبرت أخلاقه وفضائلة ومكارمه، قلت ذلك تقدير الرب الكبير، فسبحان من أخصه بالمكارم، وحلاه بالقبول والحظ الذي ليس له فيه مزاحم، منحه الله من سيله العميم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
ذكر جوده وكرمه
لما كان الله ﵎ قد أحب الجود والسخاء والكرم وجبل نبيه ﷺ على ذلك، كان لأوليائه وأتباع رسله من ذلك الحظ الأوفر فأصبح هذا العالم آية من آيات الله في البذل والسخاء ينحر الجزور ويطعم طلاب العلم ويمنح الغريب والمسكين وذا الحاجة والقريب والبعيد، فحدث عن البحر ولا حرج، يبذل لله وفي طلب مرضاته، فـ لله كم أشبع من بطون جائعة في ليال مسغبة، وكسا من عراة، وكفل من أيتام.
стр. 691
ولما دعا به الحاكم محمد بن رشيد ليجتمع به ويشاهده حينما رويت له أخلاقه وأفعاله فسار إليه في بلدة حائل وعند قدومه إليها جلس في أحد بيوتها فأقبل إلى ساحته الناس يهرولون شيوخًا وكهولًا وشبانًا وامتلأت الشوارع فجعل يدرس في بيته وأصبح ذلك البيت ناديًا عظيمًا للدين والشرف والأكل والشرب حتى كانت الأطعمة وأنواع التمر والألبان يسعى بها إلى بيته، ومن دخل فإنه يجلس وينبسط ويشرب ويأكل ويستمع لكلام الله ورسوله والسلف الصالح ويا حبذا هذه الخصال الجميلة.
ولما درس في حائل ونشر علمه هناك وأتم أيام إقامته بذل له محمد بن رشيد أموالًا طائلة وإبلًا كثيرة وسار منها إلى الرياض فكان ينحر في كل منزل جزورًا ويطعمه رفقته ومن يأوي إليه، حتى لم يصل منها إلى الرياض جزورًا واحدًا، وكان يدرس في بيته فإذا جلسوا فإن أواني القهوة من الشاي والبن والبخور لا تزال تدار على الحاضرين من المتعلمين والمستمعين، وما دام في التدريس فإن النار لا تزال تضطرم والأباريق تحمل كلما فرغ منها شيء، وإذا الأخرى تهيأ فلذلك كان مجلسه عامرًا ينتابه القريب والبعيد وكل من يقصده فإنه يحصل على الدنيا والدين، وقد أمر طاهيه أن يذبح في كل ليلة شاة فلما رأى أنها لا تكفي جعل يذبح ذبيحتين ودائمًا يحثه على الزيادة في المطعم.
ذكر تدريسه وسعة علمه
كان له مجلس في بيته فإذا جلس للتدريس فإن العلماء والجهابذ وطلاب العلم يترددون إليه ويتعلمون منه، وكان لهم كهفًا ووالدًا ورئيسًا وجعل الله في تعليمه بركة حتى أنه ليؤثر نفعه في كل من جالسه ولو مرة واحدة، وجميع الذين تعلموا منه وتخرجوا عليه وفقهم الله للعلم والدين، حتى أنه ليرى على تلامذته ومجالسيه آثار البهاء والإجلال، وهذه بحوثه ومسائله وفوائده تطلعك على ما حواه من العرفان وانطوى عليه ذلك الجنان، فكان علماء نجد ونحاريرها ترجع في العلوم إليه
стр. 692
وتجثوا للتعلم بين يديه، فهو شيخ المشايخ ورئيس القضاة في نجد؛ وضربت إليه آباط الإبل وقصده الطلاب من سائر الأقطار واحتاج إلى تفريغ منطوقه القاصي والداني إذا رأيته فإنك لا تستطيع أن تحد النظر إليه إجلالًا وهيبةً ومحبةً، فمن أجل هذا هابته الملوك وأذعنت له ووقره الصغير والكبير والصديق والعدو وانقلبت إليه الأمة وألفه الخاص والعام، والعالم والجاهل، وكان المتعلمون يسيرون إليه من كل جهة ويذهبون إلى الرياض رجالًا وركبانًا من القصيم وغيره، حتى حدثني بعض إخواننا من أهل القصيم أن منهم من سار على رجليه من القصيم إلى الرياض مرات ليتعلم ويدرس.
فمن تلامذته الشيخ سليمان بن سحمان أخذ عنه وتعلم منه أخوه إبراهيم بين يديه ومنهم الشيخ عمر بن محمد بن سليم، والشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعبد اللطيف بن إبراهيم، والشيخ عبد الملك بن إبراهيم، وأخذ عنه اخوته الشيخ محمد بن عبد اللطيف، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف.
وأخذ عنه الشيخ سعد بن عتيق، وأخذ عنه الشيخ عمر بن حسن، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن اسحق، وأخذ عنه الشيخ صالح بن سالم بن بنيان، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وأخذ عنه أيضًا الشيخ عبد الله بن محمد بن فداء، وأخذ عنه أيضًا ابنه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن فداء، وكل هؤلاء أئمة علماء أقلهم يصلح للقضاء والفتيا، وأخذ عنه أيضًا الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان وأخوه محمد بن حمد بن مضيان، وأخذ عنه آل عتيق أنجال الشيخ حمد، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن رشيدان، وأخذ عنه أيضًا الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن عيسى صاحب أشيقر، وأخذ عنه أيضًا الأخ في الله والمحب فيه سليمان بن علي الوهيبي، وأخذ عنه أيضًا الأخ المحب عبد الرحمن بن غيث، وأخذ عنه أيضًا صاحب الأصل والدين سليمان بن عبد الله بن حميد، وأخذ عنه أيضًا الحافظ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد، وأخذ عنه أيضًا الشيخ الكبير العالم المحقق عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وأخذ عنه أيضًا رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين؛ وناهيك بهما من حبرين جليلين.
стр. 693
وأخذ عنه الأخ الفاضل صالح بن كريديس، وأخذ عنه أيضًا الزاهد عبد الله بن محمد أبا الخيل، وأخذ عنه أيضًا الشيخ عبد الله بن حسين أبا الخيل، وأخذ عنه غير هؤلاء جم غفير، وخلق كثير غير أنه لا يحضرني الآن أسماؤهم.
أما مشايخه الذين أخذ عنهم فمنهم والده الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وجده عبد الرحمن بن حسن صاحب شرح التوحيد، وأخذ المترجم عن الشيخ حمد ابن عتيق وغيرهم.
ذكر شجاعته ونباهته وصفته ومقاماته في الإسلام
لما كان في أيام الحاكم عبد العزيز بن متعب كثرت الوشاية من المنافقين به عند الحاكم وأكثروا في مسبته فبعث إليه رسولًا ينهاه عن التدريس وقال للرسول أخبره أنا في غنًا عن تدريسه، فلما بلغه رسول ابن رشيد مقالته أجاب بقوله: أخبر الحاكم إني سأدرس وأعلم وأخبره أن الأمر من ها هنا ويشير إلى السماء: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٥]، وكان يومًا من الأيام جالسًا في المسجد الجامع في الرياض فسمع غناء وأصواتًا من جهة الجنوب أتى بنغمتها هبوب الرياح فلما سمع ذلك وعظ الناس موعظة بليغة شفت وكفت ثم قام من فوره إلى ذلك النكر وخرج من الباب الجنوبي فأزال المنكر في لحظة.
وكان آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر لا يهاب الملوك ولا العظماء وذا هيبة ووقار وإجلال ولين جانب متوددًا إلى الناس كافة على اختلاف طبقاتهم لا يغضب إلا الله ولا ينتصر لنفسه، وكان بيته لا يخلو من عشرة أنفس إلى خمسين نفسًا من الغرباء الذين يفدون لطلب العلم ويطعمهم ويتفقد أحوالهم ويقوم بمصالحهم بنفسه، ولقد رحل إلى الأفلاج للأخذ عن الشيخ حمد بن عتيق، وأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن عدوان، والشيخ عبد الله بن حسين المخضوب، وأخذ عن الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود، والشيخ عبد العزيز المرشدي، فمهر في الفقه والفرائض، والحديث؛ والتفسير وظهر أمره، ونيل قدره، وبعد وصيته وصار رفيع القدر وانتهت إليه الرئاسة في العلم والرأي والكرم.
стр. 694
وكان لا يوفر جانبه عمن قصده قريبًا كان أو بعيدًا ولا يدخر شفاعتها عمن اعتمده ضعيفًا أو شديدًا، وينتابه الأمراء والملوك والعلماء.
ولقد وعظ مرة في أحد المجامع الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وأغلظ في الموعظة كعادة آل عتيق في الصدع بأوامر الله تعالى لا يخشون إلا الله كائنًا من كان ومن عامل الله لم يفقد شيئًا، وكان فيما ذكر في الموعظة دخول الأجانب في المملكة واختلاط الطيب بالخبيث، فانبعث أناس من أهل الأغراض والقاصد وأوقعوا في مسبته لدى صاحب الجلالة الملك عبد العزيز رفع الله درجاته في الجنات العالية فأحدث ذلك له سرعة انفعال، وذهب الملك إلى الشيخ عبد الله يبدي له بعض ما صدر من المذكور وكيف يهاجم ولا يبالي عظمة السلطان، وكان قد غضب غضبًا شديدًا، وناهيك بالليث في ثورته، والضرغام في وثبته، فلما فرغ من كلامه تكلم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف قائلًا: يا عبد العزيز: احلم هداك الله فمن عادتك الحلم يا أبا تركي، واعلم بأن الشيخ سعد بن عتيق إنسان العين ولا نرضى أن يناله سوء فاستعذ بالله من الشيطان يا عبد العزيز، وإن كنت لا ترعى لنا حرمة ولا توقر العلماء فإن الله من فوق الجميع وما من يد إلا يد الله فوقها فسكن غضب الملك ونزل عن فرسه إلى الأرض وأبدى ندمه قائلًا: توكلنا على الله إئت بالقهوة يا شيخ، وجلس مطمئنًا وذهب ما في نفسه، ثم أن الشيخ عبد الله دعى بالشيخ بعد ذلك وحثه على الرفق.
ولو ذهبنا نتتبع مآثره ومحاسنه وفضائله لخرجنا عن المقصود، أما ولادته فقد ولد في الإحساء سنة ١٢٦٥ هـ، وقدم إلى الرياض ١٢٧٢ هـ، وقد قدمنا ذكر بعض تلامذته وإليك بقية منهم.
فممن أخذ عنه اسحق بن عبد الرحمن، وأخوه عبد العزيز، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن داود، والشيخ عبد الله بن سليمان السياري، وأخذ عنه عبد الله بن حمد الدوسري، وأخذ عنه الشيخ سالم الحناكي، والشيخ محمد الحناكي، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن عودان، وأخذ عنه الشيخ محمد بن عثمان الشاوي،
стр. 695
وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر؛ وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن سالم، وأخذ عنه عبد الله بن فيصل؛ وأخذ عنه الشيخ ناصر بن سعود بن عيسى، وأخذ عنه الشيخ مبارك بن عبد المحسن، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن زاحم؛ وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله النمر، وأخذ عنه فيصل بن عبد العزيز آل مبارك، وأخذ عنه الشيخ إبراهيم بن سليمان بن راشد وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن عتيق، والشيخ عبد اللطيف بن عتيق؛ وأخذ عنه الشيخ سليمان بن حمدان، وأخذ عنه الشيخ محمد بن علي البيز، وأخذ عنه الشيخ فالح بن عثمان بن صغير، وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز الشتري، وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن مرشد، وأخذ عنه إبراهيم وعبد الرحمن ابنا حسين، وأخذ عنه عبد الرحمن بن الشيخ محمد وغيرهم.
ذكر ثناء العلماء عليه وميل الناس إليه
اعلم أن الشيخ المترجم كان متسمًا بأخلاق يندر مثلها ذلك بأنه مع علو مرتبته ورفعة مقامه لا يمل جليسه حديثه ويسبق من لقيه بالسلام ويعرض نفسه لقضاء الحاجات قبل أن تعرض عليه فيبادر في قضائها بماله وجاهه؛ وإذا من الله على عبد فليفعل ما شاء من خصال الخير، قال الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى يمتدحه ويثني عليه:
صحا القلب عن ذكر الحمى والأخاشب ... وعن ندب أطلال عفت بالذنائب
وأقلعت عن شوق ووجد من ينب ... وإن تيمت قلبي بزج الحواجب
وأبدلت من وصف اللواء وضيائه ... حسان الوجوه الناعمات الكواعب
بمدح إمام الدين والحق والهدى ... إلا ذاك عبد الله فرع الأطائب
هو العالم النحرير والماجد الذي ... سما مجده أوج النجوم الثواقب
هو العلم الفرد الذي سار ذكره ... بكل القرى من شرقها والمغارب
حليف التقى والعلم والحلم والنها ... حميد السجايا الشهم جم المناقب
شقيق الندي عف الأزار أخو الثنا ... رحيب الفنا جزل الحبا والمواهب
стр. 696
كريم المحيا باسم متهلل ... ثمال لمعتر وكنز لراغب
ضياء علوم إن دجا ليل مشكل ... وغيث سماح هاطل بالرغائب
نصيح بليغ متقن متفنن ... همام له في الفضل أعلى المراتب
لقد نال من نهج البلاغة رتبةً ... يقصر عنها كل ساع وراكب
إذا قام يومًا فوق أعواد منبر ... خطيبًا فيا لله من وعظ خاطب
مهيب عليه للوقار سكينة ... حباه بها الرحمن أكرم واهب
إليه لأخذ العلم من كل بلدة ... يشد رجال القوم نجب الركائب
فيلقون حبرًا في العلوم مهذبًا ... يجلي بشمس العلم ليل الغياهب
يحل الذي أعيا ويكشف ما خفى ... بفكر كعضب للإصابة صائب
يجيب على الفتيا جوابًا مسددًا ... يزيح بها الأشكال عن فكر طالب
فيا لك من شهم إذا قال لم يدع ... مقالًا لأرباب العلى والمناصب
هو الندب وضاح الجبين كأنما ... أنامله مخلوقة من سحائب
أشم عصامي من النفر الألى ... فضائلهم لم يحصها عد حاسب
مقادم من عليا تميم توارثوا ... كرام المساعي عن جدود مناجب
وقال الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن عيسى صاحب أشيقر يمتدحه ويثني عليه وعلى آباءه وأجداده:
ألا خلياني من زرود وحاجر ... ومن قاعة الوعسا ومن شعب عامر
ومن ندب أطلال العذيب وبارق ... ومن غزل في وصف تلك الجادر
وما حب ذات الخال مهضومة الحشا ... مدملجة الساقين بدر الدياجر
موردة الخدين معسولة اللما ... بديعة حسن مخجل للزواهر
مهفهفة هيفاء يلعب لحظها ... بألباب أرباب النها والبصائر
بأفضل عندي من مسامرة العلي ... ومدح كريم من كرام أكابر
هو الشهم عبد الله ذو الجود والتقى ... شهاب سماء المجد ليث المحاجر
إمام الهدى قالي الخفا شامخ الذرا ... بعيد الدى تاج العلى والمفاخر
стр. 697
فصيح بليغ فيصل متبحر ... أمير المعالي الغرقسي المنابر
فريد وحيد عالم متفنن ... نبيه نبيل ما له من مناظر
أديب أريب ثاقب الرأي مصقع ... فوائده تبري كلوم الضمائر
حليم كريم مشفق متعطف ... سليم طباع بل سليم سرائر
وريث أثيل الجد ذو البذل والندى ... فضائلها لم يحصها حصر حاصر
فيا لك من ندب همام سميدع ... حميد المساعي كلها والمآثر
نجيب لبيب لوذعي مهذب ... تقي نقي مخلص القلب طاهر
تفرع من قوم صدور أئمة ... جهابذة غر كرام العناصر
هم القادة الشهم الأثيل فخارهم ... حديث علاهم في صدور الدفاتر
نجوم الهدى أهل المكارم والوفا ... هداة الورى من كل باد وحاضر
لقد نصروا دين الإله وحذروا ... من الشرك طرا واقتحام الكبائر
فكم هزموا جند الضلال ومزقوا ... جموع الأعادي بالنصوص الظواهر
وكم دهموا ضدًا بشهب علومهم ... وذادوا عن الإسلام كل مكابر
فيا ابن الرضا عبد اللطيف الذي حوى ... علومًا عظامًا كالبحور الزواخر
ويا أيها الحبر الذي كان دأبه ... يري نصرة الإسلام أسنى الذخائر
إليك من البحر الطويل قوافيا ... أجل وأبهى من عقود الجواهر
أتت من محب للإخاء ملازم ... حليف وفاء ليس يومًا بغادر
حباك بها من خالص الود ذا النها ... وإن تر تقصيرًا فكن خير ساتر
فلا زلت في خير وعز ورفعة ... وعافية من كل بؤس وضائر
وعشت حميدًا في سرور وغبطة ... تدوم على رغم الحسود المدابر
ولما أن وردت هذه القصيدة على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف كان حاضرًا في المجلس حسان السنة في وقته الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ وعفا عنه، فأجابه على لسان الشيخ عبد الله بالجواب الوافي السديد مادحًا للناظم ومثنيًا عليه.
أهاجك رسم بالديار الدواثر ... ببرقة فالوعسا فأكناف حاجر
стр. 698
فغور فحليت فسلع فبارق ... فوادي الحمى فالمنحنى فالظواهر
ديار فتات كالمهات لحاظها ... أحد من البيض المواضي البواتر
معندمة الخدين بدرية السنا ... وداجي الدياجي من فروع الغدائر
مخضبة الكفين رحضاوتيهما ... مدلجة الساقين دعجا النواظر
برهرهة في حسن قد وقامة ... كأنبوب بان مائد بالأزاهر
مهضمة الكشحين غيداء بضة ... مهفهفة الأحشاء ملأ المآزر
وتسفر عن در نضيد موشر ... كألطف أزهار الأقاح الزواهر
ويومض برقًا ثغرها إن تبسمت ... ولا شيء أبهى من ثغور الجآذر
ويشفي إذا تسقي لعمري من الصدى ... رضاب ثناياها الحسان لزائر
ويعبق من فيها أريج كأنه ... قسيمة مسك فاح من نشر تاجر
ويكلم قلب المستهام كلامها ... بلفظ رخيم يستبي ذي البصائر
لئن أصبحت قد حازت الحسن والبها ... لقد حاز إبراهيم جمم المآثر
فتى بلتع بل مصقع ليس صلقعا ... ولا بلقعا بل لوذعي لسابر
وفاق بترصين القريض الذي نما ... وأفصح مذأ بدى مودة خانر
وأبدى بديعًا من عويص غويصه ... فشام المعانلي المحكمات لناظر
فـ لله من ندب فصيح ومنطق ... فصيح حوى ما لم يهيأ لشاعر
معاني مبانيه الطوامح في العلى ... لئالئ أصداف البحور الزواخر
ويحتار فيهما مطاويح ما انطوى ... عليه من الترصيع قسر المحاضر
فيا أيها الأخ الأكيد إخاؤه ... تمسك بأصل الدين سامى الشعائر
وكن باذلًا للجد في طلب الهدى ... من العلم إن العلم خير الذخائر
وبالعلم ينجو المرء من شرك الردي ... ويسمق بالتقوى لشأو المفاخر
ويرسب في قعر الخضيض مجانب ... لأسبابه اللائى سمت بالأطاهر
وما العلم إلا الاتباع وضده ... فذاك ابتداع من عضال الكبائر
وتقديمه شرط وقد قيل أنه ... لثالث أركان التوحيد قاهر
стр. 699
وتقديم آراء الرجال وخرصها ... عليه ضلال موبق في النهاير
وملة إبراهيم فاسلك سبيلها ... فمهيعها المنجي لأهل البصائر
هي العروة الوثقى فكن متمسكًا ... يحذر عراها من جهول مقامر
وما الدين إلا الحب والبغض والولا ... كذاك البرا من كل طاغ وكافر
ومهما ذكرت الشم ذوي الفضل والندا ... أولى العلم والحلم الهداة الأكابر
فانهموا أهل لكل مديحة ... تسامى بهم نحو النجوم الزواهر
فكم فتحوا بالعلم والدين والهدى ... قلوبًا لعمري مقفلات البصائر
وكم شيدوا ركنًا من الدين قد هوى ... وأقوى ففازوا بالهنا والبشائر
وكم هدموا بنيان شرك قد اعتلى ... وشادوا من الإسلام كل الشعائر
وكم كشفوا من شبهة وتصدروا ... لحل عويص الشكلات البوادر
وكم سنن أحيوا وكم بدع نفوا ... وكم أرشدوا نحو الهدى كل حائر
لقد أطدوا الإسلام بالعلم والهدى ... وبالسمر والبيض المواضي البواتر
تغمدهم رب العباد بفضله ... وإحسانه والله أقدر قادر
وجوزيت من مولاك عنا وعنهم ... بأفضل ما يجزي به كل شاكر
ولا زلت مسرورًا بارفة حبرة ... معافى من الأسواء ومن كل ضائر
لأن كنت قد أديت حقًا مؤكدا ... بمدحة أشياخ كرام العناصر
وحررت درًا من نظامك مبرزا ... أجل وأبهى من عقود الجواهر
لقد نلت حمدا يخرس النطق دونه ... ويقصر عن تعداده كل حاصر
ولم أر تقصيرًا وأنى وإنما ... سموت لشأو يستبين لسابر
ومن أجله كان الجواب مطولًا ... ليجبر من نظمي إذا كل قاصر
وصل إلهي كلما ذر شارق ... وما انهلت الجون الفوادي بماطر
وما ماض برق أو تنسمت الصبا ... سحيرًا على روض زهي الأزاهر
وما لاح نجم في دجا الليل طافح ... وما أم بيت الله من كل سائر
وما انبعثت تبكي هديلًا حمائم ... على الأيك في آصالها والبواكر
стр. 700
على السيد المعصوم والآل كلهم ... وأصحابه الغر الكرام الأطاهر
وكان العلماء والرؤساء من الملوك والأمراء يعظمونه ويقفون عند أوامره ونواهيه، ولا يستطيع أحد من الناس مجاوزتها لأنه قطب رحى الدين في وقته يرجع إليه في مهمات الأمور إذا انسدت أبوابها وحاربها فكر الأنجاب، فيجدون عنده كشفها، وله مؤلفات مفيدة، وأجوبة سديدة عباراتها عذبة المجتنى وفصاحتها قد بلغت الغاية والمنتهى تدل على سبقه ونباهته وكمال غوصه ودرايته، ويلهج بها أهل العلم والدين، ويهجم بها مردة الشياطين من الكفار والمنافقين، ولقد كان في ناحية العارض بل في نجد كلها عظيمًا بموته يصاب الإسلام وأهله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولما أصابه طارق الموت والفنا، ونزل به مبيد الأمم الذي لا يفوته هارب ولا يرده ممتنع، بَكتْهُ محارب العلماء ودروس الفقه والتوحيد، ورزئت به الأمة ورثى بمراثي كثيرة حسنة، فمن ذلك ما رثاه به الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم بن عبد اللطيف، وهي:
على عالم الأعلام زاكي المناقب ... بكيت طويلًا بالدموع السواكب
وحقٌ لعيني أن بريق دموعها ... وللأنس أن يزور عني بجانب
وحقٌ لقلبي أن يرى متصدعًا ... لخطبٍ دهانا بالهموم اللوازب
فأعظم به من فادحٍ جلَّ خطبه ... ورزءٍ دها من معضلات المصائب
به أظلمت أرجاء نجدٍ جميعها ... لما عمها من فادحات النوائب
فوا الله إن العيش عاد منغصًا ... لدن غيبوا بالرمس جم الرغائب
وأعني به الشيخ الإمام الذي له ... مآثر مجدٍ عاليات المراتب
هو الشيخ عبد الله ذو الجود والتقى ... وذو الحلم والإحسان صافي الشارب
إمام لدين الله كان مجددًا ... شهابٌ على الأعداء من كل ناكب
إمامٌ لعمري كان بالعلم عاملًا ... وكهفًا لأيتامٍ وغيثًا لطالب
إمامٌ همامٌ ماجدٌ ذو تورع ... وبذال جودٍ في ليالٍ سواغب
стр. 701
أديبٌ مهيبٌ قانتٌ ذو تبسم ... وليس لأرباب الضلال يصاحب
حسامٌ على الكفار من كل مبطلٍ ... وليس على أهل الهداء بعائب
حليمٌ عليه للوقار مهابةً ... وثابت رأيٍ في اشتداد النوائب
تقيٌ نقيٌ صادقٌ ذو سماحةٍ ... وذو خلقٍ زاك وليس بناكب
أبي وفيٌ ما له من مماثل ... ولا مشبه في شرقها والمغارب
تفرد في التقوى وفي العلم والحجا ... وكان لعمري ما له من مقارب
يرى نصرة الإسلام حقًا وواجبًا ... ويحمي حما السمحاء عن ثلب ثالب
مناقبه في الناس أضحت شهيرةً ... وليس بمحصيها يراع لكاتب
فوائده ذاعت بشرقٍ ومغربٍ ... وسارت بها الركبان فوق النجائب
له مجلسٌ بالعلم يزهر دائمًا ... تشد إليه مضمرات الركائب
ترى حوله من مبتغي الخير عصبةً ... يحفونه من مستفيدٍ وطالب
إليه أتى الطلاب من كل وجهةٍ ... لكي يردوا من صافيات المشارب
ويلقون ما قد أملوه وزائدًا ... من العلم والتحقيق خير المكاسب
لقد كان بدرًا في البسيطة ساطعًا ... وردمًا على الأعداء أهل المشاغب
له همة تسمو إلى المنتهى العلى ... فحل على هاماتها والغوارب
تفرع من قومٍ كرامٍ أعزةٍ ... لهم همةً فوق النجوم الثواقب
سعوا جهدهم في نصر سنة أحمد ... وحاطوا سياج الدين من كل جانب
جزاهم إله العرش عنا بفضله ... وفازوا من المولى بخير العواقب
أقول ودمع العين جارٍ بعبرةٍ ... على الخد مني مثل هطالٍ ساكب
إلا ذهب الشيخ التقي أخو الندى ... وكشافٍ وهمٍ مد لهم الغياهب
قضاءٌ قضاه الله ﷻ ... وكان قضاء الله أغلب غالب
وإن عاش في الدنيا عزيزًا منعمًا ... فنرجوا له الجنات أعلى المطالب
فلا زال رضوان الإله يحفه ... وفاز بخيراتٍ حسان كواعب
ويا رب يا مولاي بوأه منزلًا ... بأعلى جنان الخلد مع كل صاحب
стр. 702
وأسألك اللهم غفر ذنوبه ... وعفوك عنه يا سميعًا لطالب
لأن كان شيخ العلم أضحى مفارقًا ... ففينا أخو السمحاء غيظ المحارب
وذاك إمام الدين من شاع ذكره ... وفاق الورى من عجمها والأعارب
عنيت به عبد العزيز الذي غدى ... يحامي على دين الهدى بالقواضب
فلا زال في حفظٍ وعزٍ ورفعةٍ ... من الملك الرحمن مسدي المواهب
وأبقاه ربي في أمان وغبطةٍ ... وبلغه ما يبتغي من مأرب
وصل إلهي كل حين وساعة ... على خاتم الرسل الكرام الأطايب
وآل وأصحاب ومن كان تابعًا ... على نهجهم ما أنهل ودق السحائب
ومما قال الفقير إلى الله تعالى حمد بن مزيد يرثي الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف قدس الله روحه ونور ضريحه وتغمده برحمته إنه أرحم الراحمين:
أيا عين جودي بالدموع السواجم ... ونحي الكرى عني فلست بنائم
ويا حزني لا تبرح الدهر نازلًا ... ويا شجوتي دومي وللقلب لازم
ويا حر قلبي لا تزل متلهبًا ... ويا لوعتي حلي فؤادي وداومي
ويا كبدي ذوبي أسًا وتصدعي ... ويا نفس كفي عن لذيذ المطاعم
ويا فرحي مع سلوتي ومسرتي ... ويا طيب نفسي فارقيني وصارم
فقد مات شمس الدين قطب رحى الهدي ... حليف العلى بحر الندى والمكارم
إمام الهدى بدر الدجى معدن الوفا ... ومصباح دين الله بين العوالم
وشيخ الورى بل قدوة الناس كلهم ... به يقتدى بل يهتدى للمعالم
وصفوة أهل العصر طرًا وخيرهم ... سلالة ساداتٍ هداةٍ أكارم
هموا جددوا دين الهدى بعد أن عفت ... مآثره في عربها والأعاجم
وأحيوا رسومًا دائراتٍ وأطدوا ... قواعد رشدٍ هدها كل ظالم
جزاهم إله الناس روحًا ورحمةً ... وأسكنهم في الخلد أرحم راحم
فسار على مناهجهم وطريقهم ... يشدُّ ويرفا ما وهي من دعائم
إلى أن توفاه الإله على الهدى ... فلله ربي الحمد أحكم حاكم
стр. 703
فوالهفًا من فادحٍ جل أمره ... وهد لركن الدين إحدى القواصم
فمن مثل عبد الله يرجى لمشكل ... ويقصد عند المعضلات العظائم
ومن مثله في العلم والحلم والتقى ... وزهدٍ وكفٍ عن جميع المآثم
لقد كان ذا صبر وصدقِ وعفةٍ ... فليس له في عصره من مقاوم
وقد كان ذا للهداة ومفخرًا ... وغيظًا وإرغامًا لكل مراغم
وكان شجى في حلق كل منافقٍ ... قذا وأذىً في كل عين مخاصم
وكان له حظٌ من العلم وافرًا ... يقصر عن تحصيله كل عالمٍ
وقد كان في الإتقان والضبط آيةً ... وتقريره التوحيد بين العوالم
يقضي بتدريس العلوم نهاره ... وتوضيحه النهج القويم لرائم
وإن جنه داجي الدجى كان قائمًا ... مناجي إله العرش أرحم راحم
وكان تقيًا ناسكًا متورعًا ... كريمًا سليم القلب غيظ المصادم
أبيًا وفيًا فاق في الجود والندى ... وحل على هام السهى والنعائم
أديبًا أريبًا المعيا مهذبًا ... لنيل العلى مستيقظًا غير نائم
محبًا لأهل الدين والصدق والوفا ... وذا نفرةٍ في كل خبٍ وظالم
يعز ذوي التقى ويدنيهموا ولا ... يداني لأهل الزيغ من كل آثم
وقد كان ذا عقلٍ رزين وفطنةٍ ... يقصر عنها كل شهم وحازم
وكان لأهل العلم كهفًا وموئلًا ... إذا أعجمتهم معضلات المخاصم
يحل عويص المشكلات بفهمه ... ووقاد ذهنٍ ما له من مقاوم
له في فنون العلم باعٌ طويلة ... وفي الرأي مع بذل الجدا والمكارم
فلله من حبر إمامٍ موفقٍ ... حميد المساعي ذي النهى والعزائم
لقد عاش فينا يأمر الناس بالتقى ... وينهى الورى عن موبقات الجرائم
وجاهد في مولاه حق جهاده ... وما خاف في الرحمن لومة لائم
ومطلوبه إظهار دين إلهه ... وما قصده الدنيا وجمع الدراهم
فأكرم به بحرًا خضمًا وجهبذًا ... سأذكره بين الورى في الأقالم
стр. 704
فلست أرى أن يوجد اليوم مثله ... بكل الورى من عربها والأعاجم
لقد أظلمت نجدٌ وقلَّ بهائها ... وقد أصبح الإسلام واهي القوائم
وقد كسفت شمس الهدى بعد ضوئه ... وبدر الدجى غطاه إحدى العمائم
لدن غيبو شمس الهدى داخل الثرى ... وواروا لشخص الحبر عالي الدعائم
فما مرَّ دهرٌ للورى من مصيبةٍ ... ورزءٍ فظيعٍ قد أتى بالقواصم
بأعظم من خطب أتانا بموته ... أعول كل بالبكاء والتلاوة
فضج أولوا الإسلام ضجة واحد ... وسالت جفونٌ بالدموع السواجم
وأضحت ربوع العلم ثكلًا بواكيا ... لفقد الإمام الحبر زين العوالم
فلو ينفع المرء البكا لوجدتني ... أجود بدمعٍ مثل صوب الغمائم
ولو يقبل الموت الفداء لواحدٍ ... بخلقٍ كثيرٍ أو كثير الدراهم
لفدَّيته أهلي ونفسي وعصبتي ... ومالي وأولادي وخل مصادم
ولكن أسى الإنسان ليس بنافعٍ ... ولا مانع مما قضى أو مصادم
فصبرًا بني الإسلام صبرًا لما دهى ... من المزعجات الفظعات العظائم
فذا قدرٌ ولا بد كائنًا ... وأمرّ قضاه الله أحكم حاكم
وذي سنةً في العالمين جميعهم ... قضى بالفنى ربي على كل عالم
ولو قد قضى بالخلد ربي على امرءٍ ... لخلّدَ خير الخلق صفوة آدم
عسى ربنا الرحمن ﷻ ... إله الورى ذو الكبريا والمراحم
يقدس روح الشيخ في الفوز والرضى ... ويسكنه الفردوس مع كل ناعم
ويجبر صدع المسلمين وشجوهم ... بإصلاح آل الشيخ أهل المكارم
ويجعلهم في العلم والخير قادةً ... كآبائهم من جددوا للمعالم
ويحفظ نجل الشيخ أعني محمدًا ... حليف المعالي ذو الوفاء الملازم
ويرزقه علمًا وفهمًا وحكمةً ... يفوق بها الأقران من كل عالم
ويبقي لنا بدر الدجى علم الهدى ... حليف التقى سامي الذرا والدعائم
يلم به شعث الهداة وشملهم ... ويحميهموا من كيد باغٍ وغاشم
стр. 705
ويجعلهم في الدين والخير إخوةٌ ... ويمنعهم من فرقةٍ وتصادم
وأعني بذا عبد العزيز أخا العلى ... مبيد العدا بالمرهفات الصوارم
ومن جدد الدين الحنيفي والهدى ... وأفنى جموع الزيغ من كل ظالم
فأكرم به من ذي نهى وشهامةٍ ... سلالة أمجادٍ هداةٍ ضراغم
إمامٌ تحلى بالشجاعة والندى ... وبالبر والتقوى وصدق العزائم
فإقدامه آزا بإقدام عنتر ... وفي جوده أربا على جود حاتم
فلا زال محفوظ الجناب مؤيدًا ... له النقض والإبرام بين العوالم
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى المختار من آل هاشم
كذا الآل والأصحاب مع كل تابعٍ ... وتابعهم ما أنهل صوب الغمائم
وما لاح نجمٌ أو تألق بارق ... وما أطرب الأسماع نوح الحمائم
وقال الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحالي في نجد يرثي علم الأعلام والهادي إلى سنة سيد الأنام الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن:
على الحبر بحر العلم شمس المعالم ... وبدر الدجى فَليبكِ كل العوالم
بكاءً بدمعٍ وكفها مترادف ... بعدِّ هتون المدجنات السواجم
فحقٌ لذي لبٍ يبيت مفارقًا ... لذيذ الكرى مما به غير سالم
أحق به همٌ وغمٌ وفادحٌ ... وخطبٌ جسيمٌ من دواه قواصم
لفقد فريد العصر غوث زمانه ... وقطبُ رحى ذا الدين فرع الأكارم
ورب الحجا مرد العدى باذل الندى ... بحلٍ عويص المشكلات العظائم
تقيٌ نقيٌ المعى وعالمٌ ... بنص رسول الله صفوة آدم
عنيت به شمس الهدى علم التقى ... وحامي الحمى عن كل باغ وظالم
هو الشيخ عبد الله حجة دهرنا ... أقرت له بالفضل كل العوالم
تفرع من أصلٍ أصيل مؤثلٍ ... هم السادة الأنجاب أهل العزائم
أقام لدين الله في الخلق معلنًا ... على أنفٍ راضٍ من معادٍ وراغم