Полный текст (2 873 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
أديبٌ مهيبٌ قانتٌ ذو تبسم ... وليس لأرباب الضلال يصاحب
حسامٌ على الكفار من كل مبطلٍ ... وليس على أهل الهداء بعائب
حليمٌ عليه للوقار مهابةً ... وثابت رأيٍ في اشتداد النوائب
تقيٌ نقيٌ صادقٌ ذو سماحةٍ ... وذو خلقٍ زاك وليس بناكب
أبي وفيٌ ما له من مماثل ... ولا مشبه في شرقها والمغارب
تفرد في التقوى وفي العلم والحجا ... وكان لعمري ما له من مقارب
يرى نصرة الإسلام حقًا وواجبًا ... ويحمي حما السمحاء عن ثلب ثالب
مناقبه في الناس أضحت شهيرةً ... وليس بمحصيها يراع لكاتب
فوائده ذاعت بشرقٍ ومغربٍ ... وسارت بها الركبان فوق النجائب
له مجلسٌ بالعلم يزهر دائمًا ... تشد إليه مضمرات الركائب
ترى حوله من مبتغي الخير عصبةً ... يحفونه من مستفيدٍ وطالب
إليه أتى الطلاب من كل وجهةٍ ... لكي يردوا من صافيات المشارب
ويلقون ما قد أملوه وزائدًا ... من العلم والتحقيق خير المكاسب
لقد كان بدرًا في البسيطة ساطعًا ... وردمًا على الأعداء أهل المشاغب
له همة تسمو إلى المنتهى العلى ... فحل على هاماتها والغوارب
تفرع من قومٍ كرامٍ أعزةٍ ... لهم همةً فوق النجوم الثواقب
سعوا جهدهم في نصر سنة أحمد ... وحاطوا سياج الدين من كل جانب
جزاهم إله العرش عنا بفضله ... وفازوا من المولى بخير العواقب
أقول ودمع العين جارٍ بعبرةٍ ... على الخد مني مثل هطالٍ ساكب
إلا ذهب الشيخ التقي أخو الندى ... وكشافٍ وهمٍ مد لهم الغياهب
قضاءٌ قضاه الله ﷻ ... وكان قضاء الله أغلب غالب
وإن عاش في الدنيا عزيزًا منعمًا ... فنرجوا له الجنات أعلى المطالب
فلا زال رضوان الإله يحفه ... وفاز بخيراتٍ حسان كواعب
ويا رب يا مولاي بوأه منزلًا ... بأعلى جنان الخلد مع كل صاحب
стр. 702
وأسألك اللهم غفر ذنوبه ... وعفوك عنه يا سميعًا لطالب
لأن كان شيخ العلم أضحى مفارقًا ... ففينا أخو السمحاء غيظ المحارب
وذاك إمام الدين من شاع ذكره ... وفاق الورى من عجمها والأعارب
عنيت به عبد العزيز الذي غدى ... يحامي على دين الهدى بالقواضب
فلا زال في حفظٍ وعزٍ ورفعةٍ ... من الملك الرحمن مسدي المواهب
وأبقاه ربي في أمان وغبطةٍ ... وبلغه ما يبتغي من مأرب
وصل إلهي كل حين وساعة ... على خاتم الرسل الكرام الأطايب
وآل وأصحاب ومن كان تابعًا ... على نهجهم ما أنهل ودق السحائب
ومما قال الفقير إلى الله تعالى حمد بن مزيد يرثي الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف قدس الله روحه ونور ضريحه وتغمده برحمته إنه أرحم الراحمين:
أيا عين جودي بالدموع السواجم ... ونحي الكرى عني فلست بنائم
ويا حزني لا تبرح الدهر نازلًا ... ويا شجوتي دومي وللقلب لازم
ويا حر قلبي لا تزل متلهبًا ... ويا لوعتي حلي فؤادي وداومي
ويا كبدي ذوبي أسًا وتصدعي ... ويا نفس كفي عن لذيذ المطاعم
ويا فرحي مع سلوتي ومسرتي ... ويا طيب نفسي فارقيني وصارم
فقد مات شمس الدين قطب رحى الهدي ... حليف العلى بحر الندى والمكارم
إمام الهدى بدر الدجى معدن الوفا ... ومصباح دين الله بين العوالم
وشيخ الورى بل قدوة الناس كلهم ... به يقتدى بل يهتدى للمعالم
وصفوة أهل العصر طرًا وخيرهم ... سلالة ساداتٍ هداةٍ أكارم
هموا جددوا دين الهدى بعد أن عفت ... مآثره في عربها والأعاجم
وأحيوا رسومًا دائراتٍ وأطدوا ... قواعد رشدٍ هدها كل ظالم
جزاهم إله الناس روحًا ورحمةً ... وأسكنهم في الخلد أرحم راحم
فسار على مناهجهم وطريقهم ... يشدُّ ويرفا ما وهي من دعائم
إلى أن توفاه الإله على الهدى ... فلله ربي الحمد أحكم حاكم
стр. 703
فوالهفًا من فادحٍ جل أمره ... وهد لركن الدين إحدى القواصم
فمن مثل عبد الله يرجى لمشكل ... ويقصد عند المعضلات العظائم
ومن مثله في العلم والحلم والتقى ... وزهدٍ وكفٍ عن جميع المآثم
لقد كان ذا صبر وصدقِ وعفةٍ ... فليس له في عصره من مقاوم
وقد كان ذا للهداة ومفخرًا ... وغيظًا وإرغامًا لكل مراغم
وكان شجى في حلق كل منافقٍ ... قذا وأذىً في كل عين مخاصم
وكان له حظٌ من العلم وافرًا ... يقصر عن تحصيله كل عالمٍ
وقد كان في الإتقان والضبط آيةً ... وتقريره التوحيد بين العوالم
يقضي بتدريس العلوم نهاره ... وتوضيحه النهج القويم لرائم
وإن جنه داجي الدجى كان قائمًا ... مناجي إله العرش أرحم راحم
وكان تقيًا ناسكًا متورعًا ... كريمًا سليم القلب غيظ المصادم
أبيًا وفيًا فاق في الجود والندى ... وحل على هام السهى والنعائم
أديبًا أريبًا المعيا مهذبًا ... لنيل العلى مستيقظًا غير نائم
محبًا لأهل الدين والصدق والوفا ... وذا نفرةٍ في كل خبٍ وظالم
يعز ذوي التقى ويدنيهموا ولا ... يداني لأهل الزيغ من كل آثم
وقد كان ذا عقلٍ رزين وفطنةٍ ... يقصر عنها كل شهم وحازم
وكان لأهل العلم كهفًا وموئلًا ... إذا أعجمتهم معضلات المخاصم
يحل عويص المشكلات بفهمه ... ووقاد ذهنٍ ما له من مقاوم
له في فنون العلم باعٌ طويلة ... وفي الرأي مع بذل الجدا والمكارم
فلله من حبر إمامٍ موفقٍ ... حميد المساعي ذي النهى والعزائم
لقد عاش فينا يأمر الناس بالتقى ... وينهى الورى عن موبقات الجرائم
وجاهد في مولاه حق جهاده ... وما خاف في الرحمن لومة لائم
ومطلوبه إظهار دين إلهه ... وما قصده الدنيا وجمع الدراهم
فأكرم به بحرًا خضمًا وجهبذًا ... سأذكره بين الورى في الأقالم
стр. 704
فلست أرى أن يوجد اليوم مثله ... بكل الورى من عربها والأعاجم
لقد أظلمت نجدٌ وقلَّ بهائها ... وقد أصبح الإسلام واهي القوائم
وقد كسفت شمس الهدى بعد ضوئه ... وبدر الدجى غطاه إحدى العمائم
لدن غيبو شمس الهدى داخل الثرى ... وواروا لشخص الحبر عالي الدعائم
فما مرَّ دهرٌ للورى من مصيبةٍ ... ورزءٍ فظيعٍ قد أتى بالقواصم
بأعظم من خطب أتانا بموته ... أعول كل بالبكاء والتلاوة
فضج أولوا الإسلام ضجة واحد ... وسالت جفونٌ بالدموع السواجم
وأضحت ربوع العلم ثكلًا بواكيا ... لفقد الإمام الحبر زين العوالم
فلو ينفع المرء البكا لوجدتني ... أجود بدمعٍ مثل صوب الغمائم
ولو يقبل الموت الفداء لواحدٍ ... بخلقٍ كثيرٍ أو كثير الدراهم
لفدَّيته أهلي ونفسي وعصبتي ... ومالي وأولادي وخل مصادم
ولكن أسى الإنسان ليس بنافعٍ ... ولا مانع مما قضى أو مصادم
فصبرًا بني الإسلام صبرًا لما دهى ... من المزعجات الفظعات العظائم
فذا قدرٌ ولا بد كائنًا ... وأمرّ قضاه الله أحكم حاكم
وذي سنةً في العالمين جميعهم ... قضى بالفنى ربي على كل عالم
ولو قد قضى بالخلد ربي على امرءٍ ... لخلّدَ خير الخلق صفوة آدم
عسى ربنا الرحمن ﷻ ... إله الورى ذو الكبريا والمراحم
يقدس روح الشيخ في الفوز والرضى ... ويسكنه الفردوس مع كل ناعم
ويجبر صدع المسلمين وشجوهم ... بإصلاح آل الشيخ أهل المكارم
ويجعلهم في العلم والخير قادةً ... كآبائهم من جددوا للمعالم
ويحفظ نجل الشيخ أعني محمدًا ... حليف المعالي ذو الوفاء الملازم
ويرزقه علمًا وفهمًا وحكمةً ... يفوق بها الأقران من كل عالم
ويبقي لنا بدر الدجى علم الهدى ... حليف التقى سامي الذرا والدعائم
يلم به شعث الهداة وشملهم ... ويحميهموا من كيد باغٍ وغاشم
стр. 705
ويجعلهم في الدين والخير إخوةٌ ... ويمنعهم من فرقةٍ وتصادم
وأعني بذا عبد العزيز أخا العلى ... مبيد العدا بالمرهفات الصوارم
ومن جدد الدين الحنيفي والهدى ... وأفنى جموع الزيغ من كل ظالم
فأكرم به من ذي نهى وشهامةٍ ... سلالة أمجادٍ هداةٍ ضراغم
إمامٌ تحلى بالشجاعة والندى ... وبالبر والتقوى وصدق العزائم
فإقدامه آزا بإقدام عنتر ... وفي جوده أربا على جود حاتم
فلا زال محفوظ الجناب مؤيدًا ... له النقض والإبرام بين العوالم
وأزكى صلاة الله ثم سلامه ... على المصطفى المختار من آل هاشم
كذا الآل والأصحاب مع كل تابعٍ ... وتابعهم ما أنهل صوب الغمائم
وما لاح نجمٌ أو تألق بارق ... وما أطرب الأسماع نوح الحمائم
وقال الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحالي في نجد يرثي علم الأعلام والهادي إلى سنة سيد الأنام الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن:
على الحبر بحر العلم شمس المعالم ... وبدر الدجى فَليبكِ كل العوالم
بكاءً بدمعٍ وكفها مترادف ... بعدِّ هتون المدجنات السواجم
فحقٌ لذي لبٍ يبيت مفارقًا ... لذيذ الكرى مما به غير سالم
أحق به همٌ وغمٌ وفادحٌ ... وخطبٌ جسيمٌ من دواه قواصم
لفقد فريد العصر غوث زمانه ... وقطبُ رحى ذا الدين فرع الأكارم
ورب الحجا مرد العدى باذل الندى ... بحلٍ عويص المشكلات العظائم
تقيٌ نقيٌ المعى وعالمٌ ... بنص رسول الله صفوة آدم
عنيت به شمس الهدى علم التقى ... وحامي الحمى عن كل باغ وظالم
هو الشيخ عبد الله حجة دهرنا ... أقرت له بالفضل كل العوالم
تفرع من أصلٍ أصيل مؤثلٍ ... هم السادة الأنجاب أهل العزائم
أقام لدين الله في الخلق معلنًا ... على أنفٍ راضٍ من معادٍ وراغم
стр. 706
ويحمي حمى الإسلام عن جب ساقها ... ولم يثنه عن ذا ملامة لائم
يقرر توحيدًا وينشر سنةً ... وينهى عن الفحشا وفعل الذمائم
يقرب ذا التوحيد ويبعد ذا الخنا ... ويزجر من لا يرعوي عن مآثم
يناضل عن ذا الدين بالعلم والهدى ... ويكدح في نحر العدو المخاصم
وذاك بقال الله قال رسوله ... فمنهله عذبٌ زلالًا لطاعم
يحف به قومٌ على كل صائحٍ ... بمجلسه الأسنى لنيل المكارم
يفيدهموا طورًا وطورًا مؤديًا ... بآداب أهل العلم من كل حازم
يغوص بفهمٍ ثاقبٍ متوقد ... يبحر خضم زاخر متلاطم
لسل فنونٍ في العلوم غوامضٍ ... دلائلها تخفى على غير فاهم
وقد كان للطلاب كهفًا ومعقلًا ... وركنًا شديدًا في الأمور الدواهم
جليلًا نبيلًا فاضلًا ذا درايةٍ ... به يقتدي بل يهتدي كل عالم
وقد كان ذا عقلٍ رزينٍ مسدد ... وليس بسخاب جهولٍ وغاشم
ولكنه حبر تصدى للعلى ... وحاذي لعمري للسها والنعائم
فلله من حبر أحوذي ومسقع ... أغاض العدى من عربها والأعاجم
أدبٍ أريبٍ أحوذيٍ ومسقع ... زهيٌ بهيٌ فاضلٌ بل وقاصم
لظهر مريد الشر من كان قصده ... ذميمًا وللنكران والفسق رائم
تراه إذا ما جئته متللًا ... رحيبًا رسيبًا ماله من مقاوم
لقد جد في نصر الشريعة جهده ... وإعلاء دين الله في ذي الأقالم
لعمري لقد أعطاه ربي فضائلًا ... يقصر في تعدادها كل ناظم
قفا آثار آباء حشام أثمةٍ ... أولى العلم والسبق الهداة الأكارم
لقد أطدوا الإسلام بالنور والهدى ... وقاموا بأصل الدين عالي الدعائم
عليهم من المولى شأبيب رحمةٍ ... تسح كومق المعصرات الغمائم
ولم نر في ذا الدهر رزءٍ أصابنا ... بمثل وفاة الشيخ محي العوالم
أحل جمال الدين في اللحد ربه ... فأظلم من نجدٍ سطيع المعالم
стр. 707
فآه على بدرٍ تبدى بضوئه ... فهدَّ صريعًا في الجدوث المظالم
أرى موت هذا ثلمةً لا يسدها ... فئامٌ كثيرٌ من فحولِ أعالم
سقى قبره مولاي وابل رحمةٍ ... وهتان عفو من مليكٍ وراحم
ويا رب أدخله الجنان برحمةٍ ... ومتعه فيها بالحسان النواعم
فصبرًا بني الإسلام صبرًا فإنما ... ينال الرضى من ربنا ذي الكرائم
فمن كان ذا صدق وليس بساخطٍ ... ويسكن للبلوي بذلٍ ملازم
ومن كان ذا سخطٍ كفورٍ بربنا ... فذاك له سخط بذلٍ مداوم
لأن كان رب العرش عنا أماته ... ففينا من الأحرار بدر الأقالم
إمامٌ همامٌ بلتعيٌ مهذبٌ ... وليثٌ عظيمٌ ما له من مصادم
إمام الهدى عبد العزيز أخو الندى ... مذيق العدى كأس الردى في الملاحم
صفيٌ وفيٌ لوذعيٌ وصارمٍ ... يحامي على الإسلام عند التزاحم
سريع إلى الهيجاء جرى على العدا ... مبيد عداة الدين من كل غاشم
به أمن الله البلاد وأهلها ... وأنقذهم من رق باغٍ وظالم
وأظهر هذا الدين من بعدما عفت ... معالمه في الأرض بين العوالم
له فتكاتٌ بالعدى شاع ذكرها ... على جند عباد القبور الذمائم
يصول على الأعدا بهمةً ضيغمٍ ... بفتيان صدق في اللقا والتزاحم
وينهض للعلى إذا الحرب شمرت ... فيطفئها قهرًا ببتر صوارم
ويحمي جناب الشرع بالسيف سالكًا ... لهدي النبي الأبطحي ابن هشام
هو الشهم وابن الشهم من طاب أصله ... حليف العلى بدر النهى والعزائم
ولا غرو من هذا فإن جدوده ... ذوو السبق في نصر الهدى والعزائم
فيا رب ثبتنا بفضلٍ ورحمةٍ ... على الملة السمحاء ذات الدعائم
وأيد إمام الدين بالعز والتقى ... وساعده بالإسعاف يا خير حاكم
وصل إلهي ما تألق بارق ... وما سبحت بالغرد جون الحمائم
وما هبت النكباء وما أغسوسق الدجا ... وما أنهل ودق من خلال الغمائم
стр. 708
على السيد المعصوم والآل بعده ... وأتباعهم أهل النهى والمكارم
وهذه أيضًا مرثية في الشيخ عبد الله قيلت فيه ويظهر أن قائلها سماحة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ:
على الشيخ عبد الله بدر المحافل ... نريق كصوب الغاديات الهواطل
دموعًا على الخدمين تجري بعبرةً ... ولوعة محزون مهاج البلابل
فقد حق أن العين تهراق مائها ... وتسكب دمعًا بالضحى والأصائل
وآن لكبدي أن تذوب وينطوي ... فؤادي على حزب به متواصل
وللأنس أن يزور عني جانبًا ... به الكل مفجوع مصاب المقاتل
فما مرنا يومٌ فضيعٌ على الورى ... كيوم وفاة الشيخ زاكي الشمائل
فأعظم به من فادح جل خطبه ... تحنُّ على فقدانه في المنازل
ويا لك من رزءٍ به أنبت حبلنا ... وداهيةٍ من قاصمات الكواهل
ويا لك من نقصٍ عظيم وثلمةٍ ... وهد بسور الدين صافي المناهل
فهل أحد يرجى لسد انثلامه ... وفرجته هيهات ذا غير حاصل
فما أم بكرٍ قد أظلته أمه ... فإني مصاب القلب مذكى الغلائل
بأعظم مني لوعةً ومصيبةً ... لدن قيل مات الشيخ جم الفضائل
هو العالم النحرير والجهبذ الذي ... يبين الهدى في مشكلات المسائل
هو الناصح البذّال في النصح وسعه ... وغايته كي ينتهي عن أباطل
إمام لعمري عارفٌ أهل وقته ... طبيب زمانٍ ماله من مماثل
تقيٌ نقيٌ حازمٌ ذو رزانةٍ ... وثابت جأشٍ في اشتداد النوازل
حليمٌ ذكيٌ ذو دها وسماحةً ... وذو خلقٍ زاكٍ وحسن شمائل
فقيه نبيهٌ ناسك متورع ... وذو نصفٍ في أمره غير ماثل
مهيبٌ اذا ما جئته ذو تبسم ... وذو شبةٍ بالسالفين الأماثل
قفا إثرهم بالصالحات ونصرهم ... لدين الهدى العالي على كل طائلٍ
إليه تشد اليعملات وتمتطي ... ظهور الفلا من شاسعات المنازل
стр. 709
وصول لأرحام إن قطعت به ... صفوح عن الزلات من جهل جاهل
عفو عن الجاني عليه وجارم ... وعن نائلٍ من عرضه أي نائل
وقد كان شمسٌ للأنام منيرةٌ ... وكفهًا لعمري للهداة الأفاضل
وكان شهابًا محرقًا لذوي الردى ... وأجناد ابليس اللعين المخاتل
يرد على ذي الابتداع ابتداعه ... ويثنيه مغلولًا على غير حاصل
وسيفًا على الكفار قد سل نصله ... يفلق من هاماتهم كل طائل
من الترك والأرفاض أخبث شيعةٍ ... وعباد أوثان من اهل الغوائل
وجهميةٍ في غيرهم من طوائفٍ ... وأحزاب سوء قد أقاموا لباطل
وقد كان ردمًا دون كل كريهةٍ ... تنوب شجًا في حلق كل مماطل
وقد كان قصدًا للعناة ومجتدًا ... ووالد أيتامٍ وغيث أرامل
إذا منصفٌ يومًا تأمل حاله ... وبهجته للارتياح لنائل
تيقن أن الشيخ قد أحرز العلا ... بأجمعها سبحان مولي الفضائل
وما قلته من زاكيات خصاله ... فو الله نزر من أقل القلائل
وشهرته تكفي وأخباره التي ... يسار بها في الضاعنين ونازل
فيا عين سحي أدمعًا بعد أدمعٍ ... على وجناتي واستمري وواصل
سأبكيه جهدي ما حييت بحرقةٍ ... ويبكيه غيري من شريف وفاضل
ويبكيه أصل الدين قطب رحا الهدى ... ويشجو على تقريره في المحافل
ونشر له من بعد لف يبين ما ... أراد به الإعلام من كل فاضل
ويبكيه فروع طال ما كان موضحًا ... لمرجوحها من راجحات المسائل
ويبكيه حقًا كل صاحب سنةٍ ... من العلماء العاملين الأماثل
ويبكيه طلاب العلوم بلوعةٍ ... وأعينهم كالمستهل بوابل
على مجلسٍ ينتابه كل مبتغٍ ... لدين الهدى من ذي استماع رسائل
ومن حافظٍ تقريره بفؤاده ... وآخر بالأقلام راو وناقل
ومن قارئٍ ما يشتهي من مصنفٍ ... ولا سيما الأصل المنافي لباطل
стр. 710
وكتب حديث للبخاري ومسلمٍ ... وغيرهما من أمهات الدلائل
فكان لعمري جنَّةً قد تزخرفت ... وقد أدنيت منه القطوف لنائل
فهل عوض منها فنقطف مثلما ... قطفناه منها عاجل غير آجل
ويا ليت شعري إنني كنت واجدًا ... كمجلسه يومًا فأروي غلائلي
فهيهات هيهات انقضى وتصرمت ... لياليه بالحسنى وجم الفضائل
جزاه إله الناس عنا بجنةٍ ... وأسكنه الفردوس أعلى المنازل
وأخلفه بخيرٍ في عقب وفي ... عشيرته والله مولي الفضائل
وأبقاهموا دهرًا يذبون جهدهم ... عن الملة السمحا برد الأباطل
ووفقهم للصالحات فإنه ... قريب لداعٍ مستجيبٌ لسائل
وأحيالنا أشياخنا أنجم الهدى ... لإرشاد غاوٍ بل وتعليم جاهل
ومما قال الشيخ سليما بن سحمان بل الله ثراه بوابل الغفران ونعمه في فرادس الجنان مرثيةً في الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف أتينا بما وجدنا منها:
لقد كسفت شمس العلا والمفاخر ... وقد صاب أهل الدين إحدى الفواقر
وقد فتقت في الدين أعظم ثلمةً ... لدن غيبوا في الرمس بدر المنابر
عنيت به شيخ الهدى معدن الندى ... وجالي الصدا بالقاطعات الظواهر
جمال الورى جزل القرى شامخ الذرا ... ومفتي القرى شيخ الشيوخ الأكابر
هو الشيخ عبد الله من عم صيته ... لدى كل صقعٍ في بعيد الجزائر
سليل الرضا عبد الله اللطيف الذي له ... مآثرٌ تزهو كالنجوم الزواهر
سلالة من أحيوا لدين محمدٍ ... نبي الهدى أكرم بهم من أطاهر
لقد أشرقت نجد بنور ضيائهم ... وقاموا بنشر الدين بين العشائر
تغمدهم رب العباد بفضله ... ورحمته والله أكرم غافرٍ
هموا جددوا دين الهدى بعد ما عفت ... بصدقٍ وجدٍ قامع للمكابر
فأصبح أصل الدين يزهو بنوره على رغم أهل الشرك من كل كافر
وآزرهم في نصرة الدين والهدى ... عصابة حقٍ من كرام العناصر
стр. 711
ليوثٌ إذا الهيجاء شب ضرامها ... بهم تقري غرثى السباع الضوامر
بآل سعود أظهر الله دينه ... فقد جردوا في نصره للبواتر
وقد جاهدوا في الله حق جهاده ... بحزمٍ وعزمٍ في الوغى والتشاجر
إلى أن أعاد الله دين نبينا ... على حالةٍ يرضى لها كل شاكر
فلا زال من أبنائهم نصرةً له ... ولا زال حزب الله أهل تناصر
أقول ودمع العين يهمي بعيرةً ... على الخد مني مثل تسكاب ماطر
وفي القلب نار الحزن تذكي ضرامها ... لواهبها أورت أليم السعائر
أرقت وما لي في الدجا من مسامرٍ ... يرى فيض دمعي والنجوم الزواهر
أروم لنفسي في دجى الليل راحةً ... وكيف ونومي لا يلم بخاطر
ألا ذهب الحبر المحبب في الورى ... مجدد أصل الدين غيظ المناظر
مضيِّفُ من بقصده يلق بشاشةً ... وبشرًا وجودًا في الليالي العسائر
به الجود طبعًا لا يفارق كفه ... ومن طبعه حسن الوثوق بقادر
له السبق في غايات مجدٍ وسؤدد ... وعلم وإنصافٍ وعفة صابر
وحلم عن الجاني وصدق مودة ... وإرشاد ذي جهل وقمع مقامر
ورأي سديد يستضاء بنوره ... لدى الحادثات المنصعات البوادر
أبى وخذ ما شئت من لين جانب ... لدى الصحب والإخوان أو ذي أطامر
ولكنه ليث عليه مهابة ... ولاسيما عند الغواة الغوادر
وكم من مزايا لا يطاق عدادها ... وليس بمحصيها يراع لحاصر
وليس بمحتاج إلى مدح نادب ... شمائله مشهورة في العشائر
ولكن لنا بعض التسلي بذكرها ... وحق بأن يرثى له كل شاعر
وما مات إلا بانقضاء لمدة ... من الأجل المحدود في علم قاهر
فلا جزع مما قضى الله ربنا ... وقد منح المولى مثوبة صابر
ولقد فجع الناس بموته وصلى عليه في جامع الرياض جمع لا يعهد مثله وحملت جنازته وغصت الأسواق بالناس المشيعين له ودفن بمقبرة العود وهذه مرثية قالها فيه بعض المحبين:
стр. 712
على الحبر بحر العلم نسل الأكارم ... سلالة أمجاد سموا في العوالم
إمام همام المعي مهذب ... أبي وفي ذي علوم عظائم
على الحبر ذي التحقيق لا زلت باكيًا ... بدمع غزير ما حييت وساجم
على الشيخ ابكوا ما حييتم وكثروا ... فقد غاب نجم الحق حقًا لرائم
لقد أفلت شمس العلوم وأدبرت ... فيالهف نفسي من خطوب القواصم
فأضحت ربوع العلم أقفر رسمها ... لفقدانه أعظم بها من مصادم
لقد وجد الإسلام يوم فراقه ... مصائب لا تحصى وإحدى القواصم
لقد نصر الإسلام جهرًا بعلمه ... ولم تثنه في الله لومة لائم
وشاد منار الدين والله فانمحت ... دياجي الردى من كل أهل المآثم
يقرر توحيد الإله بجهده ... وينشر دين الله بين العوالم
فآها على هذي وآهًا لفقده ... وآهًا على بدر القرى والأقالم
لأن مات شمس الدين علامة الورى ... مكارمه ليست تموت لرائم
فيا من علا فوق الخلائق واستوى ... على عرشه أحصى جميع العوالم
وقام بتدبير الورى جل شأنه ... أنله الرضى والعفو يا خير عالم
وبوئه في الجنات أكرم منزل ... ونعمه مع حور حسان نواعم
فيا أيها الإخوان قوموا لربكم ... جميعًا وضجوا بالدعاء لعالم
وأوصيكموا بالصبر أيضًا مع التقى ... كذا الزهد بالدنيا وصدق العزائم
ودرس علوم الدين والفقه والنهى ... وتحقيق علم الدين عالي الدعائم
فذي سنة الله الكريم بخلقه ... فذو العدل والإنصاف ليس بظالم
فيا حاكمًا بين العباد بعدله ... أجب لدعائي يا إله العوالم
وابق حماة الدين وانصر رواته ... ولا سيما التوحيد عالي الدعائم
شموس النهى أهل التقى معدن الوفا ... بدور الدجا أهل العلى والعزائم
همو جددوا دين الإله بدأ بهم ... أقاموا بنشر الحق بين العوالم
فأضحى بذا التوحيد تزهو رياضه ... وأمسا ظلام الشرك أبعد شائم
стр. 713
مجالسهم أضحت رياض وجنة ... لأهل التقى والفقه أزكى المناعم
فأيدهمو ربي وأصلح قلوبهم ... ووفقهمو للرشد يا خير قائم
وأصلح إله العالمين إمامنا ... إمام الهدى نجم التقى والمكارم
ووفقه للإنصاف والعدل والتقى ... وبوئه في الفردوس أعلى المقائم
وصل إله العالمين مسلمًا ... على المصطفى المعصوم صفوة آدم
كذا إله مع صحبه ثم من قفى ... على أثرهم من كل حبر وعالم
إمارة عبد الله بن متعب بن رشيد وقتال أهل حائل بساحة دارهم
لما قتل عمه سعود تولى الإمارة بعده فأركب رسل السلام إلى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن يريد تجديد عهد الصلح والولاء فجعل ابن سعود يشدد في شروطه بأن قال لرسل حائل إني مجيبكم في كل ما تطلبون ولكني ألفت نظركم إلى ما بدا من أمراءكم السابقين فهذه كتبهم إلى الشريف ينكثون العهد بيننا وبينهم ويرموننا بأشنع التهم يقولون إننا خوارج وإننا وإننا فعلى هذا تكون شئون شمر الداخلية إلى أهلها فلا أتدخل فيها وأما الخارجية فيهمني أمرها فقد طالما أضرت سياستها بنجد ومصالحها فلا بد إذن من تنازلكم عن إدارة الشئون الخارجية في شمر واعترافكم لي بذلك ويكون الاعتراف بذلك تحريريًا لينشر بين جميع الناس ويكون معلومًا، فعاد الوفد إلى حائل يحمل شروط ابن سعود إلى أهلها وإلى أولى الأمر فيها فقبل الأهالي وأكثر المقدمين في شمر لهذه الشروط وأجمعوا على القبول لأنهم قد طالما تعبوا وملوا الحروب وأبى أولوا الأمر من آل رشيد وآل سبهان وبعض الزعماء "كعقال بن عجل، وضاري بن طوالة" ناهيك بعبيد القصر وسيدتهم فاطمة بنت سبهان فأعلنوا الحرب ولم يذعنوا لابن سعود ولا لشروطه، فعند ذلك استنفر عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل أهالي نجد وزحف إلى القصيم في شوال بجيش بلغ عدده عشرة آلاف مقاتل فأقام هناك وجعل على قسم من الجيش أخاه محمدًا وأمره أن يهاجم حائلًا وأن يطوقها بالحصار وولى نجله سعودًا على القسم
стр. 714
الآخر وأمره أن يزحف ببقية الجيش إلما شمر فيناوشهم القتال فزحفت الجيوش وأحاطت بحائل فعندها قام الأمير عبد الله وأهل حائل يستأذنون الأمير محمد بن عبد الرحمن بإرسال وفد من قبلهم إلى صاحب الجلالة عبد العزيز فأذن بذلك فجاء الوفد إلى الملك يطلب الصلح على أساس الشروط المفروضة غير أنه وافق وقتًا ليس أمامه إلا الحرب أو التسليم فلم يقبل الملك بما كان قد عرض عليه وأجاب بأن قال اعلموا أن الرئاسة القائمة بين عبد وامرأة لا تدوم وكتب كتابًا إلى أهل حائل وهو هذا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب الكرام عبد الله آل متعب وعثمان آل عبد الكريم وكافة أهل حائل سلمهم الله تعالى آمين سلام على من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته وبعد ذلك الخط وصل الجماعة خدام وخويًا وصلوا وتفاوضنا معهم بحضرة من علماء المسلمين وأكابرهم ولا بد من أن يبلغوكم ما حصل بيننا وبينهم من الكلام شفهيًا ولكن حقيقة الأمر أنا طلبنا منهم كما أنكم قد أمضيتموهم وكلاء أن يخاصمونا عند الحاكم الشرعي وأن اجعل وكيلًا من جهتي وهم وكلاء عنكم ويعملوا ما تحكم به الشريعة، فلما أن سمعوا ما تكلم به علماء المسلمين وأكابرهم من أنه لا يصلح ولا يرتضا أن يكون لآل رشيد إمارة على شيء من أمور المسلمين إلا أن يكون لهم حجة شرعية، فأجابوا أن ليس لنا وكالة مطلقة بموجب عزل آل رشيد عن الإمارة وإنما أتينا لأمر غير هذا وهو مجرد السمع والطاعة وإننا ندخل فيما دخل فيه المسلمون فشهدوا وأفتى الحاضرون من علماء المسلمين بأنه لا يحل ذلك لابن سعود ولا نجيزه فأجاب الجماعة إنا لا نقيد المحاكمة على ذلك بل نراجع ابن رشيد، بقي الآن في الحاضر أنتم تفهمون أن الأمر يومئذ لله، وأن الدنيا دول فأحببنا إخباركم بما يلزم، فإن أجبتم فنرجوا أن الله سبحانه أن يحقن الدماء ويوفق الجميع لاتباع هذه الشريعة، وإن أبيتم فتكون الذمة بريئة، فبموجب فتوى المشايخ ونظرنا في عواقب الأمور ومصالح المسلمين رأينا أنه ما يصلح أمر ولا يكون بيننا اتفاق إلا على شرطين.
стр. 715
الأول: نزع إمارة آل رشيد من الجبل.
والثاني: تسليم شوكة الحرب من جميع آلاتها فإن كان الأمر ثابتًا عندكم معلومًا أنه الحقيقة وأنكم مجيبون للأخذ بما أفتى به علماء المسلمين على عدم إمارتكم وحضوركم تحت أيدينا وتسليم شوكة الحرب فأجيبونا على ذلك واطلبوا لأنفسكم غير هذين الأمرين مما تريدون، فإن كان عندكم إشكال أو أن لكم حجة شرعية تفلجون بها فيجب أن تحضر أنت يا ابن رشيد ومن ترى أنه عارف أو ناصح لكم من أهل الجبل وحكم الشرع باذلونه لكم فأي حاكم شرعي تريدونه ندفعكم إليه وأنا معطيكم وجهي وأمان الله وعهد الله والخائن عليه ألف لعنة من الله إني لأمضين حكم الشريعة بأي حال تكون فلو تحكم الشريعة بنزع إمارتي وإمارتك يا ابن رشيد لأمتثل لذلك، فإن كنتم منقادين لفتوى علماء المسلمين وتدرون أن ليس لكم علينا حجة، وما ثم إلا تسليم الأمر وطلب الراحة فأنا معطيكم وجهي يا ابن رشيد وأمان الله وعهد الله على دمائكم وأموالكم غير شوكة الحرب من أي جنس يكون، إنكم بأنفسكم من سائر أولادي ومحرمكم من سائر محرمي أحامي عليكم وإني ما أرضى فيكم يحميع أمر تكرهونه إلا بما أرضى في ديني وأولادي فاما أنتم يا أهل حائل لكم وجهي وأمان الله على دمائكم وأموالكم وأعراضكم وعلى أنكم ما تباحثون في جميع أمر فائت إلا أن كان معاملة بينكم وبين المسلمين ففيها حكم الشرع، وأما الأمور الفائتة من قتل رجال وأخذ أموال وغير ذلك من الأمور التي بينكم وبين أهل نجد أو فيما بينكم قبل ولايتنا إنه مدفون ولا له باعث وأن جميع ما قلت لكم وأمضيت إنه تام وبنية خالصة، ولا يكون لها نقض إلا أن تنقضوا أنتم إما بخيانة تخل على المسلمين في أمر دينهم أو دنياهم أو غلول في شوكة الحرب أو غير ذلك فآمنوا بالله إن شاء الله؛ فإن كان تريدون زيادة أمان أو شيء غير ذلك فبينوه لنا وإن أبيتم قبول ما ذكرنا فلا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ثم قال جلالة الملك للوفد شفاهيًا فإذا رفضتم ذلك ولم تعملوا بشروطي
стр. 716
فاعلموا بأني زاحف بنفسي إليكم بعد ثلاثة أشهر، فقام الوفد من عنده قائلين سنعرض الأمر على صاحب الأمر فإذا قبل كان خيرًا وإلا فأنت بريء الذمة.
وبعد أن عاد الوفد بالكتاب رفضت تلك الشروط ولم يعمل بها وخرج ابن طوالة غازيًا بعض قبائل ابن سعود في مكان تريب من حائل على مسافة خمس ساعات منها بمسير الجمال ولكنه لم يعد من تلك الغزوة سالمًا بل أخذه الله فمات ولم يحصل على طائل وحدثت بين المحاصرين والمرابطين مناوشات ومصادمات في جهة حائل، ثم أنه استدعا جلالة الملك باخيه محمد ووحد القيادة تحت إمرة نجله سعود فعاد محمد إلى أخيه الملك واشتد الحصار بحائل وانقطعت السبل عنها لأنه حاصرها سعود شهرين، غير أنه لم يكن النجاح في الأمر زائدًا على من تقدمه، وقد لاح في حائل شبح المجاعة المخيف، هذا والأمير عبد الله بن متعب قد عزم على الدفاع حتى النفس الأخير، ولكنه رمي بطامة كبرى لم تكن في الحسبان وهي أنه قدم محمد بن طلال ابن عم الأمير وأخو قاتل عمه، وكان قدومه من الجوف بالدفاع عن قومه ووطنه فلما قدم محمد بن طلال أوجس في نفسه خيفة الأمير عبد الله لأنه لا يأمنه أن يفعل مثل أخيه توصلًا إلى الإمارة ولو في ذلك الوقت العصيب فوقع عبد الله بن متعب بين نارين نار في الخارج محيطة به ونار كامنة في جوفه لا يعلم متى يمنه لهيبها فتلتهمه، فالمسألة الآن مسألة موت أو حياة ولا يدري أيدافع خصمه عن بلاده، أم يدافع ابن عمه الأدنى عن حياته.
وبما أن الحياة لديه أعز من الأمارة لأن سنه لا يتجاوز عشرين سنة فقد التجأ إلى الخصم لأن وجود السلامة عنده أيسر، ففر إلى سعود بن عبد العزيز وألقى نفسه عليه فرحب به وأخذه إلى الرياض غنيمة باردة ورجع به في شهر ذي الحجة من هذه السنة فرجع سعود بن عبد العزيز بعد حصاره لحائل بأميرها الشاب عبد الله بن متعب آل رشيد وبسمت الرياض لطلائع النصر في الحرب ولبشائر الفوز بالظفر، وكان رجوع القائد سعود بن عبد العزيز من حائل امتثالًا لأوامر والده لأنه عاد من القصيم إلى العاصمة وأمر نجله سعودًا بالرجوع من الجبل لأنه فقد هناك بسبب القيظ وقلة المرعى عددًا كبيرًا من رواحله.
стр. 717
ذكر إمارة محمد بن طلال
لما أن تنازل عبد الله بن متعب عن الإمارة ظنًا بنفسه عن القتل وخلى الجو في حائل تولى الإمارة فيها محمد بن طلال، وكان هذا الرجل شابًا شجاعًا باسلًا إلى حد التهور وفيه أشياء من خصال عبد العزيز بن متعب الفاتك الجريء وناهيك به من أسد صائل تولى الإمارة باعباء الدفاع وقد تنفس نوعًا ما لرحيل سعود إلى الرياض فباشر القتال وحمل على قرى حائل التي كان أهلها موالين لابن سعود حملات شعواء فهدمها وقتل أغلب رجالها صبرًا عياذًا بالله، ويكفيك ما أوقعه الله به من الذل والقتل بعد ذلك، فعندها أمر صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن أميره فيصل الدويشً. بالزحف إلى حائل وزوده بالتدابير اللازمة بأن يحاصرها إلى أن يجيئها هو بنفسه مباشرة.
كما قيل "لا يفل الحديد إلا الحديد" فزحف الدويش بألفين من رجاله ونزل على ماء ياطب القريب من حائل، فلما أقام أربعة أيام بلغه أن طلال خارج بقواته إلى الجثامية وهي على مسيرة ثلاث ساعات من المدينة فشد مسرعًا ومشى إليها فاحتلها قبل أن يصل ابن طلال إلى النيصية القرية الجاورة لها، ولما وصل النيصية عسكر فيها وكان معه ألف وخمسمائة مقاتل من الحضر وسبعمائة من البدو ومعه مدفعان وكان معسكره بالنيصية جيدًا لأنها محصنة بتلال هي متاريس يصعب التغلب عليها إلا بقوة من الجيش كافية.
أما الجثامية التي عسكر فيها الدويش وإخوانه فهي في منبسط من الأرض تقل فيه المكامن ولم يتمكن من احتلال حصنها لأن ابن طلال كان يضربه بالدافع ضربًا متواصلًا.
فلما كان بعد عيد الأضحى بيومين زحف السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن بعشرة آلاف مقاتل ومعه بضعة من المدافع، ولما أن اجتاز "بأم جريف" الواقعة بين قبة وجراب بلغه أن الدويش مشتبك مع ابن طلال في الحرب فترك في الحال جملة الجيش وراءه وخف مسرعًا، وهذا كان قبل دخول شهر محرم بيوم واحد.
стр. 718
وفيها عقد مؤتمر القاهرة البريطاني وتقرر أن يكون الأمير فيصل بن الملك حسين الشريف ملكًا على العراق، ولما تقرر ذلك وتوج كما قدمنا عقد مؤتمر في الرياض حضره العلماء والرؤساء وقرر أن يتخذ حاكم نجد الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ومن يخلفه بعده لقب "سلطان" فكتب عبد العزيز كتابًا إلى المفوض السامي لدولة بريطانية العظمى في العراق يخبره بما تقرر، ويرجو أن يكون ذلك مستحسنًا لدى الحكومة البريطانية، فذهب هذا الكتاب إلى المفوض وقدم من حضرة المندوب في بغداد كتاب إلى ابن سعود يخبره فيه أن قد تقرر انتخاب الأمير فيصل بن الحسين ملكًا على العراق ويرجو أن يكون ذلك مستحسنًا لديه فأجاب أنه يكون مسرورًا بما يريده العراق والدولة البريطانية للأمير فيصل بشرط أن يكون ذلك غير مجحفًا بحقوق نجد ومضرًا بمصالحه، فلما كان في ٢٧ من ذي الحجة اعترفت الحكومة البريطانية لابن سعود ولمن يخلفه من ذريته بلقب "سلطان".
وفي هذه السنة بعث الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن علماء يرأسهم الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ إلى أهل اليمن، وعسير، وتهامة، وشهران، وبني شهر، وقحطان، وغامد، وزهران وغيرهم من بلاد الحجاز لينشروا التوحيد ويعظوا ويرشدوا ويبينوا للناس طريقة الرسول ﷺ وأصحابه، ويا حبذا هذا الفعل الذي يرد الخلائق عن طريق الغواية والضلال ويهديهم طريقة رسول الله ﷺ وما أحسن تلك الحالة التي ينصر الله القائمين بها والداعين إليها، وما قام شعب بأوامر الله واجتناب نواهيه إلا زاده الله قوة ومنعة ونصرة.
وفيها وفاة الشيخ عبد الله بن راشد؛ وهو عبد الله بن محمد بن راشد بن جلعود العنزي العالم الفاضل الفقيه الفرضي، كان مقره "باية" في بلد القصب إحدى قرى الوشم، ثم أن والده انتقل إلى بلدة الروضى إحدى قرى سدير فاستوطنها ثم انتقل الشيخ بعد مدة من الروضة إلى بلد الرياض وكانت له اليد الطولى في علم الفرائض وانتفع به خلق كثير فيها، وممن أخذ عن الترجم من العلماء.
الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين، وأخذ عنه غيره من العلماء، وكان من معلوماته الفرائض، وقد سبق أقرانه في معرفتها.
стр. 719
وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن عيسى وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم العلامة القدوة الفهامة، أحمد بن إبراهيم بن حمد بن محمد بن حمد بن عبد الله بن عيسى، ولد في بلدة شقراء سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف، أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، وعن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ثم بعدما أقام في مدينة الرياض لطلب العلم عاد إلى بلده ثم توجه إلى مكة المكرمة للحج وجاور بها، وكان يمارس التجارة في تلك المدة واجتمع بعلمائها والقادمين إليها وحصل بينه وبينهم مناظرات في دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم قضاء الحوائج وتفريج الكربات فأدحض حججهم الباطلة بالأدلة القاطعة، وألف في ذلك ورد على "دحلان، والمدراسي، وغيرهما" وله أجوبة سديدة ونظم جيد وحصل له قبول فانتفع به خلق كثير منهم: الشيخ عبد الستار الهندي الدهلوي، والشيخ بكر خوقير الحنبلي، والشيخ سعد بن عتيق.
وكان معظمًا عند والي مكة وأميرها الشريف عون فكان يجله ويحترمه، وجعل الله على يديه وبأسبابه هدم بعض القباب والبنايات التي على القبور في مكة المشرفة، وكان ﵀ متواضعًا حتى كان إذا طلبه الشريف أرسل مع خادمه إليه حصانًا ليركبه فيأبى إلا إذا كانت المسافة بعيدة فإنه يركب في المواضع التي لا يمر فيها أحد فإذا قارب الأسواق نزل وذهب ماشيًا على قدميه وأمر الخادم أن يذهب بالحصان.
وكان ذات يوم جالسًا عند الشريف فمر ذكر أصحاب الطرق وما يفعلونه من الأذكار المبتدعة فبين الشيخ قبح فعلهم وقال: إن أفعالهم أمور مبتدعة لا أصل لها في الشرع، فإن مجرد ذلك التكرار للنط الاثبات في قولهم "إلا الله" لا يكون ذكرًا وهم ما اقتصروا على ذلك بل كرروا الضمير فقط فقالوا "هو" "هو" فعجب الشريف من كلامه، ثم قال له أفأضرب لك مثلًا لو أن خدامك وحاشيتك وقفوا ببابك وجعلوا ينادون جميعهم بصوت عال يقولون "عون" "عون" أيسرك هذا ويكون لديك حسنًا، قال: لا، قال فماذا تصنع بهم قال آمر
стр. 720
بتأديبهم على فعلهم قال أفتأمر بتأديبهم على استهانتهم باسمك ولا تؤذيهم على استهانتهم بذكر الله وأسمائه فمن ذلك الوقت فرق شملهم ولم يترك منهم أحدًا يجتمع على شيء من ذلك.
وكان مكبًا على الطالعة والتأليف وإذا مر على شيء يحتاج إلى توضيح أو تعقيب أو رد كتب عليه بخطه النير الذي لا يشتبه بغيره، وكان بينه وبين الشيخ صديق حسن القنوجي مكاتبات وأرسل إليه صديق تفسيره ليطالعه ويبدي ما عنده من ملاحظات عليه: فكتب على جملة مواضع أصلح فيها.
وبقي في مكة حتى توفى الشريف عون فرجع إلى بلده شقراء وأخذ في التعليق على نونية ابن القيم، وكان له اطلاع تام على الملل والنحل وأسماء الرجال فلم يقدر له إتمامه لاشتغاله بالقضاء في بلد المجمعة وملحقاتها من قبل الحاكم إذ ذاك محمد بن عبد الله بن رشيد؛ وكان مشكور السيرة في القضاء.
ولما استولى ابن سعود على المجمعة ولى بدلًا عنه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري وظيفة القضاء فقاسى المترجم بعد عزله وانقطاع ما كان يجري له من المكافئات حاجة شديدة، وكان في صفته أنه طويل نحيف الجسم يخضب بالحناء وعليه سكينة ووقار: هذا والثه المسؤل الرجو أن يبقي لنا علماء الدين ويحفظهم بالإسلام ويحفظ الإسلام بهم لأن بهم صلاح الأمة ويكفينا ما قام به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب والأمير الشريف محمد بن سعود وما نشر الله لهما من الذكر الجميل وما منحهما من العز والتمكين فأعزهم الله تعالى بعد الذلة وأغناهم بعد القلة: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، ووصيتي لعلماء المسلمين وأئمتهم بتقوى الله تعالى ونصرة دينه فإن من قام لله قام الله معه ومن توكل على الله كفاه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ومهما قام أهل هذه الدعوة بما قام به سلفهم فإن الله ﵎ سينصرهم ويظفرهم بعدوهم ويعاملهم بالتوفيق.
وفيها أو في التي قبلها توفى الشيخ حسن بن حسين آل الشيخ قدس الله روحه وهذه ترجمته:
стр. 721
هو الشيخ العالم الفاضل العابد الزاهد الفقيه الفهامة ذو الفضائل الكثيرة والمناقب الشهيرة، حسن بن الشيخ حسين العالم المحبوب صاحب القصيدة العظيمة في شرح أسماء الله الحسنى ابن الشيخ العالم علي بن الحسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كان لعلي هذا قصيدة عظيمة لما أدار الله الدائرة على أهل نجد بطلعة من لا يفلح "إبراهيم بن محمد علي المصري" وذلك حين ما شتت علماء نجد وحكامها فأنشأ الشيخ علي قصيدة باح بما في مكنونه نأتي بأبيات منها:
خليلي عوجا عن طريق العواذل ... بمهجور ليلى فابكيا في المنازل
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي غليل البلابل
أرى عبرة غبراء تتبع أختها ... على أثر أخرى أو تستهل بوابل
تهيج ذكر الأمور التي جرت ... تشيب النواصي واللحى للأماثل
ويسقط من بطن الحوامل حملها ... وتذهل أضيار النساء المطافل
فبينا نسود الناس والأمر أمرنا ... وتنفذ أحكام لنا في القبائل
وتخفق رايات الجهاد شهيرة ... بشرق وغرب يمنة والشمائل
تبدلت النعماء بؤسًا وأصبحت ... طغاة عتاة فحاء للأراذل
وبث عتاة الدين في الأرض بغيهم ... وريعت قلوب المؤمنين الغوافل
وأقبل قادات الضلالة والردى ... وساداتها في عسكر وجحافل
ولد المترجم سنة ١٢٥٦ هـ، في بلد الرياض ونشأ بها نشأة حسنة فأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ عبد اللطيف، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسين المخضوب، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن عدوان، وأخذ عن الشيخ محمد بن محمود، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين، وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس علم الفرائض، وأخذ عن الشيخ حمد بن عتيق وبرع في فنون العلم.
وكان فاضلًا حسن السمت دائم البشر كريم النفس مشتغلًا بإلقاء الدروس المفيدة، حسن الخلق والخلق قد أكب على المطالعة حتى فاق أقرانه، فولاه محمد بن عبد الله بن رشيد حال كونه حاكمًا في بلاد نجد قضاء الأفلاج ثم نقله إلى الجمعة
стр. 722
وجعله على قضاء كافة قرى سدير ثم ولاه القضاء في بلد الرياض كما ولي القضاء في تلك النواحي للإمام عبد الله بن فيصل، وكان في صفته ونعته من الرجال ليس بالطويل ولا بالقصير نحيف الجسم منور الشيبة يخضب بشيء من الصفرة، وكان قويًا في أمر الله تعالى وله هيبة وعليه سكينة ووقار، وله رسائل وأجوبة وفتاوى وله نظم رائق، وكان ينظر إليه في حل المشكلات حتى أن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن لما اضطر إلى جمع العلماء العول عليهم للمؤتمر الكبير الذي عقده في الرياض لتنظر في الأمر الذي كاد أن يكون بسببه الفوضى بنجد وذلك بسبب الخلاف الناشئ بين الإخوان "البدو" وبين الحضر قبل هذه السنة بسنتين دعاه من جملة العلماء والرؤساء كما قدمنا، وأخذ عنه من العلماء أبناؤه الشيخ حسن، والشيخ عبد الله، والشيخ عمر؛ وأخذ عنه الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف، وأخذ عنه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، والشيخ عبد الله بن فيصل، والشيخ عبد الرحمن بن سالم، والشيخ إبراهيم بن ناصر، والشيخ سعد بن سعود، والشيخ إبراهيم السياري، والشيخ حسن بن إبراهيم؛ والشيخ مبارك أبو حسين، والشيخ فالح؛ والشيخ سالم ومحمد بن حميد وخلق كثير وطال عمره ونفع الله به الخلق، وكانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة، وصلى عليه بعد العصر في جامع الرياض، وأم الناس في الصلاة عليه الشيخ حمد بن فارس وشيعه خلق كثير من الأعيان والعلماء ودفن في مقبرة "العود" ﵀.
وبذلك نختم المجلد الثاني من هذا التاريخ الحافل أثاب الله جامعه، وسدد أقواله وأفعاله إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
ويليه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى ومبتدأه دخول سنة ١٣٤٠ هـ.
стр. 723
تَذْكَرةُ أُولِي النُّهى والعِرْفَانْ
بأَيَّام اللهِ الوَاحِدِ الديَّان
وَذكْر حَوَادِثْ الزَّمَانِ
تألِيف
فَضِيلَة الشّيخ إبراهيم بن عبيْد آل عبد المحْسن
"مِن عُلَماء أهل القَصِيم"
الجُزْء الثّالِثْ
مكْتَبَة الرُّشْدِ
نَاشِرُونَ
стр. 724
(ح) مكتبة الرشد، ١٤٢٧ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
آل عبد المحسن، إبراهيم عبيد
تذكرة أولى النهى والعرفان بأيام الواحد الديان وذكر حوادث الزمان./
إبراهيم عبيد آل عبد المحسن.- الرياض، ١٤٢٧ هـ
٣٢٠ ص؛ ١٧× ٢٤ سم
ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٨ - ٦٢١ - ٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٣)
١ - التاريخ الإسلامى ٢ - التراجم أ- العنوان ٤٧٩٢/ ١٤٢٧
ديوي ٩٥٣
ردمك: ٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٤٧٩٢/ ١٤٢٧
٨ - ٦١٨ - ٠١ - ٩٩٦٠ (خ ٣)
جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ-٢٠٠٧ م
مكتبة الرشد - ناشرون
المملكة العربية السعودية - الرياض
شارع الأمير عبد الله بن عبد الرحمن (طريق الحجاز)
ص. ب: ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ - هاتف: ٤٥٩٣٤٥١ - فاكس: ٤٥٧٣٣٨١
Email: alrushd@alrushdyn.com
Website: www.rushd.com
فروع المكتبة داخل المملكة
* الرياض: فرع طريق الملك فهد: هاتف: ٢٠٥١٥٠ - فاكس: ٢٠٥٢٣٠١
* فرع مكة المكرمة: شارع الطائف: هاتف: ٥٥٨٥٤٠١ - فاكس: ٥٥٨٣٥٠٦
* فرع المدينة المنورة: شارع أبي ذر الغفاري: هاتف: ٨٣٤٠٦٠٠ - فاكس: ٨٣٨٣٤٢٧
* فرع جدة: ميدان الطائرة: هاتف: ٦٧٧٦٣٣١ - فاكس: ٦٧٧٦٣٥٤
* فرع القصيم: بريدة - طريق المدينة: هاتف: ٣٢٤٣٢١٤ - فاكس: ٣٢٤١٣٥٨
* فرع أبها: شارع الملك فيصل: تلفاكس: ٢٣١٧٣٠٧
* فرع الدمام: شارع الخزان: هاتف: ٨١٥٠٥٦٦ - فاكس: ٨٤١٨٤٧٣
* فرع حائل: هاتف: ٥٣٢٣٣٤٦ - فاكس: ٥٦٦٢٢٤٦
مكاتبنا بالخارج
* القاهرة: مدينة نصر: هاتف: ٢٧٤٤٦٠٥ - موبايل: ٠١٠١٦٢٢٦٥٣
* بيروت: بئر حسن: هاتف: ٨٥٨٥٠١/ ٠١ - موبايل: ٥٥٤٣٥٣/ ٠٣ - فاكس: ٨٥٨٥٠٢/ ٠١
стр. 725
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
ثم دخلت سنة ١٣٤٠ ه ـ
ففيها فتح حائل أو سقوط حائل بلغة العامة وذلك لأنه لما زحف السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن بعشرة آلاف من قومه لمباشرة قتال محمد بن طلال بلغه خبر اشتباك الدويش بابن طلال فخف مسرعًا بخفيف الجيش والباقي على الساقة، فوصل في ٤ محرم إلى بقعا وهي قرية من قرى حائل فالتقى هناك برسول من الدويش يحمل كتابًا ضمنه كتاب من ابن طلال، يقول فيه: "إننا جميعًا مسلمون وبيننا كتاب الله وسنة رسوله" فقبل الدويش منخدعًا لذلك، وما كأنه مر عليه خدع سالم بن صباح، وكتب إلى ابن طلال يلي الدعوة للتحكيم وشماله أن يرسل وفده لهذه الغاية، وقد دفعت به الثقة الطائشة إلى إهمال الجانب الشمالي من معسكره فلم يستحرسه، فاغتنم ابن طلال الفرصة وأرسل ثلة من جنوده في الليل فاحتلوا ذلك المكان وأشرفوا على معسكر الدويش وشرعوا عند انبلاج الفجر يرمون الإخوان بالرصاص فأركب الدويش نجابًا آخر إلى السلطان عبد العزيز يخبره بأنه وابن طلال مشتبكان في القتال وأنه خسر عشرة من رجاله وجرح عشرون منهم أيضًا.
فلما وصل الرسول في وقت العصر إلى مخيم السلطان وأخبره غضب لما حدث وأمر ابنه سعودًا أن يركب الخيل ويتقدمه مسرعًا، ثم وصل الرسول الثالث من جهة الدويش يخبر أن الأخوان كسروا جيش ابن طلال فأرسل السلطان عبد العزيز إلى الدويش يأمره بان ينزل مكانه وألا يأتي بحركة أخرى إلى أن يصل إليه ثم بعد ذلك زحف السلطان وقصده الهجوم على ابن طلال ونيته أن يبيته تلك الليلة ولكنه اضطر إلى انتظار الحملة والمدافع التي تأخر وصولها ولم يكن من المستطاع الهجوم في
стр. 726
النهار لأن العدو في حصون حصينة ولأن بين الحصون والمهاجمين سهل لا يحميهم فيه شيء ولأن جبل أجا وهو حصن طبيعي قريب منهم لا يلذون به ساعة الفرار فيقدم القائد العام جلالة الملك تدريجيًا إلى مركز الدويش في ساعة لم ينتبه لها ابن طلال وجموعه. ومن العجائب عدم علمه بقدوم ابن سعود على قربة منه.
ذكر همة عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل
فنقول لما فتح الرياض والقصيم والأحساء وسطا سطوات يشيب لهولها المولود لم تقنع نفسه بما قد حصل عليه إلا بالتوسع مهما كلف الثمن فإن من كانت همته عالية لا يرضى لنفسه بالدنايا وكيف تطيب نفسه أن يشاركه في حكم نجد أحد ولله در القائل:
ومن تكن العلياء همة نفسه ... فكل الذي يلقاه فيها محبب
إذا أنا لم أُعط المكارم حقها ... فلا عزني خال ولا ضمني أب
خلقت عيوفا لا أرى لابن حرة ... لدي يدا أغضي لها حين يغضب
فلست لأمر لم يكن متوقعا ... ولست على شيء مضى أتعتب
أسير على نهج يرى الناس غيره ... لكل امريء فيما يحاول مذهب
ولما أن كان ابن طلال معسكرا في النيصية وقد تحصن بها اجتمع ابن سعود في عصر اليوم الخامس من محرم بقواد جنوده ورؤساء قومه وشاورهم في الأمر وكيفية الهجوم ومتى يكون موعده فقرروا أن يكون الهجوم في الهزيع الثاني من الليل.
إن صاحب الجلالة قد حظي بقواد محنكين وظهر من رجاله زعماء صقلتهم التجارب من هؤلاء محمد بن هندي العتيي وقدمنا شيئًا من شجاعته ومنهم فيحان بن قاعد بن زريبا من كبار قبيلة مطير من الرخمان قتل في حرب الاحساء سنة ١٣٣٣ في الطراد وقاتله على ما يقال ناصر بن سرحان من العجمان وكان مشهورًا بالشجاعة والكرم ويمتدحه الشاعر ابن سبيل بقوله:
وين أنت يااللي توصل الخط ملفاه ... فيحان شوق اللي تنقض جعوده
стр. 727
عوق الخصيم وستر من تذهل غطاه ... لاهج من عج السبايا قعوده
ولا يسند الامروي حد شلفاه ... يمنى على نثر الدمى محموده
ويمتدحه بقصيدة أخرى من أبياتها قوله بعد تصوره ركاب عشر من المطايا العمانيات لم تشق أنيابها لقوات أسداس مشملة لم يطرقها الفحل حرائر أصل قد رعين بالحمى عامين لا تقدر قيمتها بالاثمان ثم يقول:
وإلى نطحكم واحد للميات ... قولوا نخطرهن على بن زريبان
ردوا سلامًا بكاغد من دوات ... على ذوي ناصر وخصوه فيحان
أهل بيوت بالقسا بينات ... يفرح بهن اللي من بعد صلفان
أرباعهم مدهل أهل الموصفات ... ولا شدن إلا مستردات وبدان
أهل صحون للفضائل مواتي ... يرمي بهن أذناب حيل من الضان
ندوه بثر ندوه يجون سيحات ... ولا يفهق إلا محتري السور شبعان
الراوية تدهن من الفارغات ... والبيت ياكف مقدمه دثر الإيمان
ومنارة كنها نثيلة هباة ... ونار ثناها مثل صبح إلى بان
مركي دلال نجرهن ما يباتي ... محامسهن دايم على النار حميان
من البن يصفق به ثلاث غرازات ... تنشف على المبراد والكيس مليان
وإن فرغ الطبخة وإلى ذيك تأتي ... ولا مازح المجلس عليها بشفقان
ومن رجاله المحنكين فهد بن معمر أمير بريدة بعد عبد الله بن جلوي وكان قائدًا لا بأس به قتل في السنة التي قبل هذه ﵀ من قواد ابن سعود وأمراءه عبد الله ابن جلوي وسيأتي له بقية ذكر.
ومنهم الأمير منصور اللواء صاحب السمو عبد العزيز بن مساعد بن جلوي أمير بريدة بعد ابن معمر ثم كان أميرًا في منطقة حائل وكان الأمير عبد العزيز موضع الإعجاب في الصرامة والقوة والمقدرة والسياسة والعفة والدين والأخلاق الطيبة ومنهم صاحب السمو سعود بن عبد الله بن جلوي وسيأتي له بقية ذكر.
ومن قواده صحن بن الجعباء المشهور بالشجاعة والإقدام.
стр. 728
ومنهم سلطان بن بجاد بن حميد.
ومنهم فيصل الدويش.
ومنهم عبد المحسن الفرم هذا ولا نطيل بذكر البقية الكرام فشهرتهم تغني عن ذكرهم ومن مشاهير شجعان العرب فيصل بن سقيان.
رجعنا إلى ما نحن بصدده فنقول: لما كان في منتصف الليل تقدم سلطان بن بجاد معه جنود الغطغط ثم تقد فيصل الدويش ومعه جنود مطير وتقدم عبد المحسن الفرم ومن معه من حرب وتقدم بن نحيث ومن معه من حرب أيضًا ثم تقدم بقية جنود أهل الهجر من قحطان وعتيبة وغيى هم فطوقوا النيصية التي قد تحصن فيها ابن طلال وجيشه طوقوها من كل الجهات وقطعوا خط الرجعة على المحاصرين.
أما صاحب الجلالة فقد ظل في مكانه ومعه الحضر وثبتوا في مركزهم الرئيسي ولما كان ميعاد الهجوم أطلقت نيران المدافع على النيصية وذلك من آخر الليل ثم هجم الأخوان هجمة واحدة وفتكوا بجنود ابن طلال وأبادوا صفوفه فالتحمت المعركة وكانت موتًا أحمر على ابن طلال وأهل حائل وفتك الأخوان بجيش ابن طلال فتكا هائلا وعمل السلاح الأبيض عمله الجبار في رقابم وكان ذلك على الرغم مما كانت قنابل العدو تأز فوق رؤسهم ففر الأمير ابن طلال ومن قدر له الفرار إلى جبل أجا ثم إلى حائل ولاذ الآخرون بحصون النيصة فعندها ركبت المدافع السعودية على المتحصنين وجعلت تضرب بقنابلها الذين تحصنوا بها حتى أبادت معظمهم وسلم البقية وهم قليل لعبد العزيز بن عبد الرحمن وكان يقول أحد الذين سلموا للسلطان عبد العزيز وهو يخاطبه بعد التسليم طبجتكم ماهرون يا مولانا فقال له السلطان لا بل كنا نضرب على النية والظلام ولكنه توفيق من الله.
ولما أن تقهقر ابن طلال إلى حائل أرسل الملك عبد العزيز إلى أهل مدينة حائل يقول سلموا فجاء التسليم منهم على شرط أن يؤمر عليهم ابن طلال وكان هذا موحى به منه لأنه كان لا يزال سائدًا بمن ثبت معه من الجند وحزب آل رشيد ولم
стр. 729
يكن لأهل حائل زعيم يوحد كلمتهم ويعززها فأنفد ابن طلال فيهم سهام أرادته على أن المغلوب لا يشترط الشروط.
ولما بلغنا إلى هذه الغاية فلا أن نذكر حائل هذه بحدودها: فنقول حائل كائنة بين جبلي أجا وسلمى لها سهل يتسع إلى الغرب ويضيق إلى الشمال فيفتح من الجهة الشمالية الشرقية طريقا إلى النجف ويتقلص في الجهة الشرقية وفي شطر من الجنوبية هي إذًا محاطة من جهاتها الثلاث بالجبال ولا يمكن الاستيلاء عليها من غير الجهة الغربية والشطر الجنوبي الغربي يمتد منه الطريق إلى نجد فجاء مع هذا الطريق السلطان عبد العزيز ناقلا من الجثامية بعد ما تقهقر ابن طلال إلى حائل ولما زحف صاحب الجلالة أمر بحمل الدافع والقنابل والبرود والذخيرة أمامه ثم نزل بين حائل وبين النيصية ثم قسم جيشه هناك قسمين فرقة جعلها عنده والأخرى تقدمت إلى جبل أجا فملكت مركزًا منه حصينا وهناك مركز آخر يدعى عقده غرب البلد يحسبه أهل حائل أحصن حصونهم فتقدمت الجنود وهم يضربون العربان النازلين في الجبل ضربا هائلا فيقتلون ويشتتون ويغنمون الغنائم فاستولوا في اليوم السابع على عقدة واستمروا زاحفين إلى حائل وهم يتترسون بأكياس من الرمل حتى وصلوا إلى مكان بينها وبين جبل أجا أتخذوه خطًا أولًا للدفاع وكان الهاجمون ورائهم قد أحاطوا بالمدينة من جهتها الغربية وأحاطوا إلى الجهة الجنوبية فطوق الجيش السعودي مدينة حائل من جميع الجهات وكانوا لما طوقوها شددوا الحصار عليها فجعل أهل حائل يئنون من شدة الحصار وكانوا لما طلبوا التسليم بشرط أن يكون ابن طلال هو الأمير عليهم كان الأكثر منهم متكرهين لإمارته وذلك لظلمه وطغيانه فعند ذلك أرسلوا إلى صاحب الجلالة يقولون لا تتركنا فريسة لابن طلال وكانوا على وجل شديد في ذلك الوقت من أن يضرب حائل بالمدافع فتتهدم بيوتها.
ولما أن رأى ابن طلال أن البلاد قد استهدفت للسحق والمحق وأدرك أنها لا تصل إليه الإمارة بواسطتهم وأن ابن سعود قد عزم على تنفيذ إرادته في استيلائه
стр. 730
على حائل كتب إلى المفوض السامي للدولة البريطانية العظمى في العراق يسأله التوسط بينه وبين ابن سعود وكان من حينما سلم الأمير عبد الله بن متعب وأخذه سعود بن عبد العزيز ورجع به إلى الرياض لأمه والده الملك وعنف عليه في كونه لم يتقدم إلى حائل فيحتلها غير أن الأمور مرهونة لأوقاتها ولقد كانت من الواجب المتحتم على أهلى حائل وأمراء حائل ألا ينازعوا ابن سعود مثلا ذلك لأن المنطقة تابعة لآل سعود وهم أهل الحق الشرعي في ملكها لأننا علمنا من التاريخ أن والد هذه الأسرة المتغلبة عليها أمير من أمراء آل سعود قد جعله الحاكم فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود أميرًا عليها مكافأة على إخلاصه له حينما أراد أن يأخذ بالثأر من قاتل أبيه ولكنه قيل والأمثال تضرب للناس.
أعلمه الرماية كل وقت ... فلما اشتد ساعده رماني
وبما أن حكام آل سعود من لدن وفاة الإمام فيصل إلى أن تولى عبد العزيز هذا ضعفاء لم يستطيعوا أن يستردوا هذه الباعة التي غلبوا عليها ولانشغالهم بالمخالفات بينهم فإن آل رشيد تنفسوا الصعداء وتغلبوا على بلاد حائل وغيرها، وبولاية الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن أخذ ظلهم يتقلص حتى انحصروا في مدينة حائل.
ومن الغرائب التي تذكر أن الأمير عبد الله بن متعب الذي سلم نفسه لابن سعود خوفًا من محمد بن طلال، كان قد أرسل محمد المواجهة لوضع البائس في الشمال حيث كان الجوف في خطر الاحتلال من قبل نوري الشعلان، فأطلق محمد بن طلال من السجن ليقود جيشًا لإنقاذها ولدى عودة ابن طلال إلى حائل دبر ثورة ضد ابن متعب ففر هذا الضعيف إلى ابن سعود والتجاء اليه حيث عاش ضيفًا مكرمًا إلى أن وافته المنية بعد ذلك بسبع وعشرين سنة.
ولما هيأ ابن سعود مدافعه لضرب مدينة حائل وقصفها بالقنابل طلب منه بعض عقلاء المواطنين البارزين، ومنهم الزعيم إبراهيم بن سالم بن سبهان أن يتريث عن القصف حتى يتمكنوا من وضع الترتيبات لتسليم المدينة.
وبما أن المفوض السامي في العراق قد ألح عليه ابن طلال فإنه كان يقول -أعني
стр. 731
السربرسي كوكس- أني قد عرضت الوساطة على ابن سعود غير أنه رفض ذلك، وقد بذل الأمير محمد بن طلال جهودًا جبارة لدى السلطات البريطانية والملك فيصل بن الحسين الشريف فلم يفلح وكان من حينما سلم الأمير عبد الله بن متعب وتولى الإمارة هو تابع الكتب إلى السربرسي كوكس يطلب منه أن يتوسط بينه وبين ابن سعودن فجعلت الأنباء تأتي من عند السربرسي كوكس إلى جلالة الملك عبد العزيز فأبى أن يقبل شيئًا إلا التسليم أو بضرب حائل.
فلما دنت مدة الحصار من الشهر الثالث كتب السلطان عبد العزيز إلى أصدقاه في حائل وقال في كتابه قد طال الحصار وأقبل الشتاء فليعذرنا الأهالي إذا أنذرناهم لهم ثلاثة أيام ليسلموا المدينة وعائلة آل رشيد فإذا تم ذلك ولم يمتثلوا فإنا إلى غرضنا مسرعون، سنمطرهم نارًا ورصاصًا فليستعدوا للموت، فجاء الجواب أن الأهالي ينفضون أيديهم من ابن طلال وبيت آل رشيد، وسيسلمون الحصون المحوطة بالبلاد لسراياه إذا جائتهم، فعد ذلك بعث الملك عبد العزيز ألفي مقاتل لتنفيذ الخطة المرسومة، وما كان إلَّا أن فتحت لهم الحصون الخارجية المشرفة على حائل، ثم أمن الناس على أرواحهم وأموالهم فخرجوا إليه أفواجًا شاكرين له ويستبشرون، أما ابن طلال فإنه لما رأى الأمر قاب قوسين أو أدنى وأن يديه تفلتتا من جميع العلاقات تحصن وحاشيته في القصر وشوهد منه اقدام وبسالة عجيبة لأنه كان فارسًا شجاعًا غير أنه أتاه أمر من حيث لا يحتسب فبعث إليه السلطان يدعوه أن يستسلم ويؤمنه على حياته وهذا كعادة الجلالة والرحمة، فلم ير ابن طلال بدًا من أن يسلم فسلم لجلالة الملك ابن سعود وذلك في ٢٩ من صفر.
وكانت مدة الحصار من حين ما وصل عبد العزيز بن سعود إلى حائل إلى التسليم خمسة وخمسين يومًا أما بداية الحرب فلها أكثر من سنة قبل ذلك، فسبحان من بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
ذكر معاملة ابن سعود لأهل حائل ورأفته بهم لما انقطعت القوافل من الكويت والعراق وغيرها عن بلدة حائل وشمل أهلها الضيق والجوع والمشاغب لشدة الحصار،
стр. 732
وكان حقها التنكيل بأهلها وشدة الوطأة عليهم لمقاومتهم ومعاداتهم ومنابذتهم عشرين سنة في حرب وخيانة وأمور لا تنبغي ولا تليق يعاهدون ويغدرون وتحت راية كل أمير لهم يقاتلون ما كانت إساءتهم ومعاداتهم لتمنع عنهم عفو بن سعود وتحرمهم رأفته فما قتل مجرمًا ولا نهب مالًا ولم يبح المدينة كعادة كل أمير فاتح مسلط بل دخلها وقد شمل أهلها الضيق والحرج ففرق عليهم المؤن والأرزاق لعلمه بما هم فيه من الحاجة وشدة المؤنة وجاءهم بالثياب والمال فقسمها بينهم وأجزل للناس العطاء ووزع ألوفًا من أكياس الأرز وألوفًا من الثياب حتى قال أحد الذين سلموا لمن يخبره: كنا ليلة الحصار الأخيرة على آخر رمق شبح المجاعة والموت فأمسينا ليلة التسليم الأولى كلنا شباع مكتسون مطمئنون، ثم بعد ذلك شاورهم الفاتح فيمن يكون عليهم أميرًا ومن يريدون أن يؤمروه عليهم، فأجابوا قائلين واحد من آل سعود أو كبار رجالك، فقال الفاتح لست من رأيكم فقد كنا وإياكم قومًا أعداء مدة طويلة فلا يجوز أن نحكمكم الآن مباشرة وأنا أعرفكم يا أهل حائل أنكم أهل قيل وقال وأصحاب فتن ولكني لا أخشى أن أؤمر عليكم واحدًا منكم وأني أريد أن أحافظ على كرامتكم، هذا إبراهيم السبهان فهو منكم ورجل عاقل جعلته أميرًا عليكم وأني واثق بالله وعادته معي جميلة فهو ينصفني ممن يغدر أو يخون.
أما إبراهيم بن سبهان فهو الذي مهد السبيل لتسليم الحصون واتفق وابن سعود على ذلك فأمره بعد ذلك على حائل وما قال الشيخ عبد الرحمن بن سلمان بن ملق هذه القصيدة يعلن بها المودة ويمتدح الملك عبد العزيز:
يا صاح قم فاستمع إن كنت يقظانا ... ولا تكن عند داع الخير وسنانا
انظر أمورًا وأحوالًا تدور بنا ... ما كنت تأملها لو كنت يقظانًا
انظر لشمس الهدى قد أشرقت وصحت ... من بعد ما غربت في الأفق أزمانًا
سادت بنا قادة يا صاح ما عدلت ... صمًا عن الخير والمعروف عميانًا
الحمد لله لم يبقَ لهم أثر ... فينا بمجد أمام الخير من جانا
من جاءنا بجنود الله يقدمها ... كاليث عند اللقا تلقاه غر ثانا
стр. 733
من كان كهفًا لأهل الخير أجمهعم ... من كان عن سمت أهل الجور عريانا
من كان برًا بأيتام وأرملة ... قد كان يوليهمو فضلًا وإحسانا
من كان في طاعة الرحمن مجتهدًا ... وكان فيها قرير العين جذلانا
من كان في نصرة التوحيد ذا جلد ... وقمع أهل الردى والظلم مشتانا
فالحمد لله زال الظلم أجمعه ... بعدله أصبح الملهوف جذلانا
وأشرقت حائل بالعدل وافتخرت ... والجور زال سريعًا بعد أن كان
إلى أن قال:
بشراك يا بلدة حل الإمام بها ... بشراك بشراك عصر العدل قد آنا
هذا الإمام الذي نجد به افتخرت ... وشاد فيها لأهل الدين أركانا
أضحى بها الدين في عز وفي دعة ... وصاحب الشر أضحى اليوم حزنانا
ثم هنأه بهذا الفتح وقال:
فالشكر منا جميعًا والخصوص لكم ... إن كان فينا ولي الأمر أولانا
يا ابن الأماجد يا من فاق في كرم ... أجواد طي ومن يدعى بن جدعانا
أنت الإمام الذي دين مودته ... ونصحه هكذا الوغاض أشقانا
أرخ الستور على ما كان من زلل ... لا زلت كهفًا لأهل الدين معوانا
هذا وختم نظامي بالصلاة على ... محمد المصطفى من نسل عدنانا
وآله والصحاب الكائنين له ... على المحجة أنصارًا وأعوانا
وقال سالم بن سالم بن صالح آل بنيان هذه القصيدة تهنئة للفاتح ومدحًا له بما من الله عليه به من فتح حائل:
بدأت بحمد الله مبيدي الفضائل ... فليس سوى المولى باراج وسائل
ولله آلاء علينا كثيرة ... وأنعامه تترى بكل الفواضل
فكم ظلم جلى وكم فتن وقى ... وكم كف عنا معضلات النوازل
فلله رب الحمد والشكر والثنا ... يقصر عن إدراكه كل فاضل
على نصر أعلام الشريعة والهدى ... وإعزاز دين الله بعد التضاؤل
стр. 734
لك الحمد مولانا على نصر حزبنا ... على كل طاغ في البلاد وخاتل
لك الحمد ما هب النسيم من الصبا ... وما أنهل ودق المعصرات الهواطل
على الفتح والنصر الذي كان فاعتلى ... فقرت به والله عين لآمل
فمن مبلغ عني الإمام هدية ... إماما لأهل العصر بحر الفضائل
إمام الهدى عبد العزيز أخا التقى ... إمام هز برا ما له من مماثل
ليهنك هذا الفتح والعز والهنا ... ونيل المنى في كل مصر وحائل
فسر به أهل التقى وذود الهدى ... وغاض لعمري كل فدم وجاهل
ملكت ديار القوم أقطار حائل ... فنلت فخرا لم يكن للأوائل
فلا زلت فينا واطا هامة العدى ... ولا زلت محفوظا شرور النوازل
ولا زلت منصور اللواء مؤيدا ... على كل باغ من رفيع وخامل
ويا أيها الوالي الذي شاع فضله ... وحاز الثنا من بيت تلك القبائل
عليك بتقوى الله والحلم والوفا ... وإكرام أهل العلم أهل الفضائل
وشكرا لمولاك الذي عز قدره ... فلله رب الحمد معطي الجزائل
فلا زلت بالأسعاف والنصر مسعدا ... على خير مطلوب ونيل الفضائل
ولا زلت للإسلام والدين معقلا ... ووفقت للخير يا ابن الأفاضل
ولا زلت للإخوان والدين ناصرا ... وحصنا حصينا من شرور الأسافل
فدونك من نظمي الذي أنت سامع ... فسامح قصورا إن رأيت لقائل
وكل امرئ يهدي على قدر وسعه ... وهذا الذي نهدي إلى خير فاضل
وختمي صلاة الله ثم سلامه ... على السيد المعصوم بدر الفضائل
محمد المختار والصحب بعده ... كذا الآل والأتباع زين المحافل
وقال الشيخ محمد بن عبد الله بن عثيمين شاعر نجد الكبير مهنئًا الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بما منّ الله به عليه من فتح حائل قال في معرض قصيدة له:
فلولا التقى والصفح عنكم لاصبحت ... منازلكم يشتو بها الربد والعفر
وإلا ففيها قد جرى أهل حائل ... عليكم لكم من غيكم والهوى غجر
стр. 735
وقدما أقام المسلمين دعاكم ... إلى رشدكم لكن باذانكم وقر
هو الملك الوهاب والضيم الذي ... له العزمات الشيم والفتكة البكر
هو الملك السامي الذي سطواته ... تبيح حمى من كان في خده صغر
بجيش يغيب الشمس عثير خيله ... ويحمده بعد القا الذئب والنسر
كان اشتغال البيض في جنباته ... سنا البرق والرعد الهماهم والزجر
وصادق عزم أن طما ليل فتنة ... تبلج حفد في حفادسها فجر
ثم أطال إلى أن قال منذرًا للحسين الشريف:
فقل لحسين دام في القوس منزع ... ألا ترعوي من قبل أن يقصم الظهر
زجرت طيور النحس تحسب أنها ... سعود فلا طرق إفساد ولا زجر
أماني مخدوع يعلل نفسه ... ومن دون هاتيك المني المشرب المر
وضرب كأن أفواه المخاض مجاجة ... دم تمت به البيض والذته السمر
ترقب لها ملمومة تملا الفضا ... يسوق إليك الوحش من لغطها الذر
تظل عليها سغب الطير عكفا ... معودة أن القبيل لها جزر
يدبرها عزما ودراى ومنفصلا ... مدير رحاها لا كهام ولا غمر
إمام الهدى عبد العزيز الذي رنت ... إليه المعاني قبل أن تكمل العشر
أتانا به الله الكريم بلطفه ... على حين ماج الناس واسفحل الشر
وشعبت الأهواء دين محمد ... ولم يك نهي عن فساد ولا أمر
وولي أمور الناس من لا يسوسهم ... بشرع وخاف الفاجر المؤمن البر
فاسفر صبح المسلمين وأشرقت ... بطلعته أنواره وانتى العسر
إلى آخرها وهي طويلة جميلة.
وقال أيضًا قصيدة في ذلك وهي هذه:
منال العلي إلا عليك محرم ... وكل مديح في سواك يذمم
ولا مجد إِلا قد حويت لجلة ... ولا فضل إلا أنت فيه المقدم
стр. 736
ومن يعتقد غير الذي جاء نصه ... لكم في كتاب الله لا شك يأثم
الستم أقمتم ميل نهج محمد ... وقد كاد يعفو أو يبيد ويهرم
سيأتي قتيل الطف في الحشر شاهدا ... بهذا وحجر والمقام وزمزم
غداة كسوتم كعبة الله واعتلى ... بابطحها الدين القويم المعظم
ولم يبق فيها قبة أو ذريعة ... إلى الشرك ألا وهي تمحى وتهدم
معال متى تذكر تصاغر عندها ... معالي ملوك أخروا أو تقدموا
فلا مجد إلا خشية الله والتقى ... ولا فخر إلا الشرع فيه المقدم
ليهنك يا عبد العزيز بن فيصل ... مغانم تدعي وهي في الأجر مغنم
إذا شق أمر المسلمين مضلل ... فأنت له الموت الزؤام المحتم
دلفت له قبل الشروق بفيلق ... إحم الرحى فيه المنايا تقسم
فأسقيتهم سما زعافا يشوبه ... بأفواههم بالموت صاب وعلقم
تظل به غرث السباع نواهلا ... وعقبانه منها وقوع وحوم
كما قد جرى يوما على أهل حائل ... وقد صرفوا عن منهج الرشد أو عموا
وظنوا بأن الدار كالاسم حائل ... نفور عن الإزاج جداء معرم
فانكحتها حم الرماح فأصبحت ... كشافًا بعيد الحمل بالشر تلتئم
فكم كاعب حسناء تلطم وجهها ... وأخرى تشق الجيب بالثكل أيم
وكم نصحوا لو كان للنصح موضع ... وكم عدل لو كان فيهم محلم
ولكن أبوا إلَّا شقاق لم يكن ... لهم وزر إلَّا حسام ولهذم
وقال زعيم القوم لا بل شقيهم ... ابن طلال أرسلوا فهو أحزم
فلما أتاهم زادهم مع خبالهم ... خبالًا وعقبى ما أتوه التندم
وظنوا بأن الله يخلف وعده ... وهيهات وعد الصادق الوعد أحكم
وقد قال جندي غالب لا محالة ... بذاك قضائي في البرية مبرم
أطل عليهم واحد في كماله ... ولكنه في الباس جيش عرمرم
بفتيان صدق في اللقاء أعزة ... لهم نسب ما شابه قط أعجم
стр. 737
على ضمر بين الوجيه ولاحق ... تعارض ما أبقي الجديل وشدقم
أولائك بنو الإسلام حي هلابهم ... وأكرم بهم أكرم بهم حيث يمموا
هم عرفوا حق الإله ورسله ... وحق ولاة المسلمين وعظموا
رأو أنه لا دين إلا بطاعة ... لمن هو بالدين الحنيفي قيم
وذاك أمير المؤمنين بن فيصل ... أمام الهدى للمكرمات متمم
فلما رأو حزب الإله يقوده ... إليهم ربيط الجأش في الهول مقدم
تولوا سراعا والسيوف شوارع ... بأكتافهم والسمهري تحطم
ومن قد نجا منهم إذا سمع الندا ... يراع وبالأموات في الليل يحلم
إليك إمام المسلمين تواهقت ... بها ضمر تطوي المهامة عليهم
إلى أن قال:
فحبكم عند المهيمن قربة ... ونصحكم فرض علينا محتم
ومن لا يراه فهو إما مغفل ... وإما على تكذيبه الوحي مقدم
وما إنس لا إنس بن سلطان فيصلا ... له ما بقي مني الثناء المنمنم
أخ الحرب إن عاضت به الحرب لم يكن ... جزوعًا ولا من مسها يتألم
وزير إمام المسلمين للذين له ... نشاهد فيها معطس الفسق يرغم
إذا ناكث أو ماذق مرقت به ... عن الدين نفس للشقاوة ترام
سما مشمعلا فيصل نحو داره ... يخوض بحارًا بعض خلجانها دم
بأمر إمام المسلمين ورأيه ... ولا عز إلا بالإمامة يعصم
وإخوانه في الله لا تنس فضلهم ... هم نصرة الإسلام والله يعلم
قبائل فيها من رجال عتيبة ... أسودًا إذا حمي الوطيس تقحم
يسومون في الهيجا نفوسًا عزيزة ... ولكنها بالقتل في الله تكرم
وفي الحرب من حرب ليوث ضراغم ... أشدا على الباغين في الله رحم
إلى آخرها وهي حسنة جميلة.
стр. 738
وقال الشيخ عثمان بن أحمد بن بشر تهنئة للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل لما فتح الله على يديه بلدة حايل وولاه الله شوكتهم، وفي هذه أبيات متكسرة فأقمنا ما تكسر من أبياتها بدون تصرف وحذفنا بعض أبياتها للمصلحة.
لك الحمد اللهم ياذا الفضائل ... عل كل حال في الضحى والأصائل
لك الحمد حمدًا يملأ الكون كله ... بعد هتون المدجنات الهواطل
فلله ربي الحمد والشكر والثنا ... على نعم تترى بعد الجنادل
فقد جاءت البشرى بعلم يسرنا ... ويخزى ذوي الأضغان أهل الغوائل
فبشرنا أن الإمام قد احتوى ... وولاه رب الناس شوكة حائل
ومن قبل في الرؤيا رأيت بشارة ... كان الإمام فاتح سور حائل
لأنهم قوم عن الحق قد أبوا ... وولوا سفيهًا أمرهم غير عاقل
فلم يفلح المأفون بل خاب سعيه ... فمذ قتل الإخوان أهل الفضائل
على غير جرم غير توحيد ربنا ... فما الله عما يعملون بغافل
جزاه الإله الحق ما يستحقه ... وباء من المولى بخزي الأوائل
وأتباعه من كل قدم وجاهل ... يعمهم ربي بشر العواضل
وأطال ثم أنه أتى على العدو الآخر فقال:
حسين الذي قد بان للناس شره ... فلم يختفي إلا على كل جاهل
فيا ربنا احشره ومن قد أحبه ... مع آل فرعون بشر المنازل
فإنك يا ربي على الكل قادر ... وأمرك غلاب لكل مماطل
فلم يفلحوا والحمد لله بل أتى ... عليهم عقاب عاجل غير آجل
وأخرجهم للموت من لا أفادهم ... وهرب مخذولًا على غير طائل
فخمس مئين عدة القتل فيهم ... بنصية تدعى قريبًا لحائل
فاضحوا ركامًا في البقاع تزورهم ... سباع الفلا والطير خمص الحواصل
على يد مأمون السريرة من غدا ... حميد السجايا ما له من مماثل
وأعنى به عبد العزيز أخا الندى ... وغيث اليتامى عصمته للأرامل
стр. 739
إمامًا همامنا المعيا مهذبًا ... يحامي على دين الهدى بالبواسل
وإخوان صدق من ذوي اللباس في اللقا ... يريدون عند الله أعلى المنازل
حماهم إله العرش من كل بدعة ... ووفقهم للصالحات الكوامل
والفهم ربي على الحق والهدى ... يذودون عن ذا الدين كل مماطل
وأحيا لنا أشياخنا أنجم الدجى ... لإرشاد حيران وتعليم جاهل
إلى أن قال:
فيا راكبًا من فوق قوادا ضامر ... صبورًا على الشدات يبغي لحائل
تحمل هداك الله مني تحية ... إلى المك الضرغام زاكي الشمائل
وسلم على نسل الكرام وقل له ... هنيئًا لك الإقبال يابن الأفاضل
هنيئًا لك النصر الذي شاع ذكره ... بكل النواحي عند كل القبائل
فقد تمت النعما فقابل بشكرها ... لمولاك من يعطي الجزيل لسائل
وعامله بالإنصاف فيمن وليته ... وكن تابعًا للشرع في كل نازل
إلى آخرها وهي طويلة تضمنت المديح والدعاء للمشائخ الكرام والعلماء العظام وقد أكثر الشعراء من القصيد والمديح لصاحب الجلالة تهنئة له ودعاء له بالتسديد، وقال أيضًا الشيخ عثمان بن أحمد هذه القصيدة في فتح حائل وقد أقمنا بعض ما تكسر منها.
وقول شاعرنا ﵀ ولاه الله برزان المراد به قصر آل رشيد الذي يسكنه الحاكم فيهم، وكان قصرًا منيعًا فسيحًا كثير الغرف محكم البناء، وقد أقيم من طين وحيطانه ضخمة في وسط البلد، ولا تزال أثاره أطلالًا موجودة إلى الآن يسكنها البوم، ثم أنه استطرد الشاعر حتى أخذ يدعوا للفاتح ويمتدح أصحابه وشيعته بقوله:
حماه إله العرش من كل محنة ... وبواه في الخلد أسنى المفاخر
وإخواننا أهل المودة والصفا ... حماهم إله العرش من كيد فاجر
وليس لهم قصد سوى نصرة الهدى ... يذودون عن دين الهدى كل ماكر
فيا أيها الغادي على ظهر جلعد ... عرند سنة من طيب العيس ضامر
стр. 740
إلى الملك السامي إلى منهج العلى ... له همة فوق النجوم الزواهر
فأبلغه تسليمًا كثيرًا وقل له ... محبكموا يدعو لكم بالسرائر
ويمتر فيما نالكم من مسرة ... ويشكر ربًا عالمًا بالضمائر
هنيئًا لكم ذا الفتح يا أهل ودنا ... هنيئًا لأصحاب النهى والبصائر
فهذا هو الفتح الذي شاع ذكره ... بكل النواحي بين بدو وحاضر
وهذا هو الفتح الذي منه زلزلت ... اربًا وبلدان الغوات الكوافر
فأصبح مسرورًا به كل مسلم ... وأصبح مغموضًا به كل فاجر
وإنا لنرجو فتح مكة بعده ... بحول إلهٍ للخلائق قاهر
الخ وهي طويلة نضرب عنها للاختصار.
ولما أن سلم آل رشيد نقلوا إلى الرياض؛ وكان محمد بن طلال بن نائف آخر الذين سلموا من أهل حائل وقد نقل من جملة الذين نقلوا، ونذكر عنه قصة رأيتها في تاريخ الريحاني: وذلك بأنه خرج مرة من بيت في الرياض بالليل وهو مختف في ثوب امرأة فلما رآه أحد رجال السلطان قبض عليه وجاء به إلى السلطان فأمر بنقله إلى القصر واسر مدة طويلة ثم أطلق سراحه، فلما جلس جلالة الملك عبد العزيز مرة في المجلس العالي بالقصر على الديوان كان عصا الشوحط بيده وإلى يمينه ويساره رجال بيت الرشيد وعلى الدواوين والكراسي خمسون ونيف من وجهاء الرياض وعلمائها، فأمر العبيد أن يدخلوا المجلس ومعهم ابن طلال، فأجلسه السلطان إلى يمينه ثم قال: اعلموا يا آل رشيد أنكم عندي مثل أولادي وأنتم في الرياض تعيشون كما أعيش أنا وأولادي لا أقل ولا أكثر، ثيابكم مثل ثيابنا وطعامكم مثل طعامنا، وشرابكم مثل شرابنا، وخيلكم مثل خيلنا وأحسن، وليس في القصر أو في البلاد شيء تحت يدي تريدونه إلا وهو حاصل لكم، وهل منكم من يشك في ذلك فتكلموا، فلم ينطق منهم أحد، ثم قال خطابًا لمحمد بن طلال: يا محمد إنه ما جر عليك الأسر غير نفسك، غير عملك السيء، كن عاقلًا حكيمًا ولا تعر أذنك النساء إني عالم بما تعمل وبما تقول فاعقل لصالح نفسك وتجنب الطرق التي فيها القيل والقال، والتي تؤدي إلى الفتن كن صادقًا مخلصًا، تكرم كل الإكرام
следующие страницы →