ومن يعتقد غير الذي جاء نصه ... لكم في كتاب الله لا شك يأثم
الستم أقمتم ميل نهج محمد ... وقد كاد يعفو أو يبيد ويهرم
سيأتي قتيل الطف في الحشر شاهدا ... بهذا وحجر والمقام وزمزم
غداة كسوتم كعبة الله واعتلى ... بابطحها الدين القويم المعظم
ولم يبق فيها قبة أو ذريعة ... إلى الشرك ألا وهي تمحى وتهدم
معال متى تذكر تصاغر عندها ... معالي ملوك أخروا أو تقدموا
فلا مجد إلا خشية الله والتقى ... ولا فخر إلا الشرع فيه المقدم
ليهنك يا عبد العزيز بن فيصل ... مغانم تدعي وهي في الأجر مغنم
إذا شق أمر المسلمين مضلل ... فأنت له الموت الزؤام المحتم
دلفت له قبل الشروق بفيلق ... إحم الرحى فيه المنايا تقسم
فأسقيتهم سما زعافا يشوبه ... بأفواههم بالموت صاب وعلقم
تظل به غرث السباع نواهلا ... وعقبانه منها وقوع وحوم
كما قد جرى يوما على أهل حائل ... وقد صرفوا عن منهج الرشد أو عموا
وظنوا بأن الدار كالاسم حائل ... نفور عن الإزاج جداء معرم
فانكحتها حم الرماح فأصبحت ... كشافًا بعيد الحمل بالشر تلتئم
فكم كاعب حسناء تلطم وجهها ... وأخرى تشق الجيب بالثكل أيم
وكم نصحوا لو كان للنصح موضع ... وكم عدل لو كان فيهم محلم
ولكن أبوا إلَّا شقاق لم يكن ... لهم وزر إلَّا حسام ولهذم
وقال زعيم القوم لا بل شقيهم ... ابن طلال أرسلوا فهو أحزم
فلما أتاهم زادهم مع خبالهم ... خبالًا وعقبى ما أتوه التندم
وظنوا بأن الله يخلف وعده ... وهيهات وعد الصادق الوعد أحكم
وقد قال جندي غالب لا محالة ... بذاك قضائي في البرية مبرم
أطل عليهم واحد في كماله ... ولكنه في الباس جيش عرمرم
بفتيان صدق في اللقاء أعزة ... لهم نسب ما شابه قط أعجم
стр. 737
على ضمر بين الوجيه ولاحق ... تعارض ما أبقي الجديل وشدقم
أولائك بنو الإسلام حي هلابهم ... وأكرم بهم أكرم بهم حيث يمموا
هم عرفوا حق الإله ورسله ... وحق ولاة المسلمين وعظموا
رأو أنه لا دين إلا بطاعة ... لمن هو بالدين الحنيفي قيم
وذاك أمير المؤمنين بن فيصل ... أمام الهدى للمكرمات متمم
فلما رأو حزب الإله يقوده ... إليهم ربيط الجأش في الهول مقدم
تولوا سراعا والسيوف شوارع ... بأكتافهم والسمهري تحطم
ومن قد نجا منهم إذا سمع الندا ... يراع وبالأموات في الليل يحلم
إليك إمام المسلمين تواهقت ... بها ضمر تطوي المهامة عليهم
إلى أن قال:
فحبكم عند المهيمن قربة ... ونصحكم فرض علينا محتم
ومن لا يراه فهو إما مغفل ... وإما على تكذيبه الوحي مقدم
وما إنس لا إنس بن سلطان فيصلا ... له ما بقي مني الثناء المنمنم
أخ الحرب إن عاضت به الحرب لم يكن ... جزوعًا ولا من مسها يتألم
وزير إمام المسلمين للذين له ... نشاهد فيها معطس الفسق يرغم
إذا ناكث أو ماذق مرقت به ... عن الدين نفس للشقاوة ترام
سما مشمعلا فيصل نحو داره ... يخوض بحارًا بعض خلجانها دم
بأمر إمام المسلمين ورأيه ... ولا عز إلا بالإمامة يعصم
وإخوانه في الله لا تنس فضلهم ... هم نصرة الإسلام والله يعلم
قبائل فيها من رجال عتيبة ... أسودًا إذا حمي الوطيس تقحم
يسومون في الهيجا نفوسًا عزيزة ... ولكنها بالقتل في الله تكرم
وفي الحرب من حرب ليوث ضراغم ... أشدا على الباغين في الله رحم
إلى آخرها وهي حسنة جميلة.
стр. 738
وقال الشيخ عثمان بن أحمد بن بشر تهنئة للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل لما فتح الله على يديه بلدة حايل وولاه الله شوكتهم، وفي هذه أبيات متكسرة فأقمنا ما تكسر من أبياتها بدون تصرف وحذفنا بعض أبياتها للمصلحة.
لك الحمد اللهم ياذا الفضائل ... عل كل حال في الضحى والأصائل
لك الحمد حمدًا يملأ الكون كله ... بعد هتون المدجنات الهواطل
فلله ربي الحمد والشكر والثنا ... على نعم تترى بعد الجنادل
فقد جاءت البشرى بعلم يسرنا ... ويخزى ذوي الأضغان أهل الغوائل
فبشرنا أن الإمام قد احتوى ... وولاه رب الناس شوكة حائل
ومن قبل في الرؤيا رأيت بشارة ... كان الإمام فاتح سور حائل
لأنهم قوم عن الحق قد أبوا ... وولوا سفيهًا أمرهم غير عاقل
فلم يفلح المأفون بل خاب سعيه ... فمذ قتل الإخوان أهل الفضائل
على غير جرم غير توحيد ربنا ... فما الله عما يعملون بغافل
جزاه الإله الحق ما يستحقه ... وباء من المولى بخزي الأوائل
وأتباعه من كل قدم وجاهل ... يعمهم ربي بشر العواضل
وأطال ثم أنه أتى على العدو الآخر فقال:
حسين الذي قد بان للناس شره ... فلم يختفي إلا على كل جاهل
فيا ربنا احشره ومن قد أحبه ... مع آل فرعون بشر المنازل
فإنك يا ربي على الكل قادر ... وأمرك غلاب لكل مماطل
فلم يفلحوا والحمد لله بل أتى ... عليهم عقاب عاجل غير آجل
وأخرجهم للموت من لا أفادهم ... وهرب مخذولًا على غير طائل
فخمس مئين عدة القتل فيهم ... بنصية تدعى قريبًا لحائل
فاضحوا ركامًا في البقاع تزورهم ... سباع الفلا والطير خمص الحواصل
على يد مأمون السريرة من غدا ... حميد السجايا ما له من مماثل
وأعنى به عبد العزيز أخا الندى ... وغيث اليتامى عصمته للأرامل
стр. 739
إمامًا همامنا المعيا مهذبًا ... يحامي على دين الهدى بالبواسل
وإخوان صدق من ذوي اللباس في اللقا ... يريدون عند الله أعلى المنازل
حماهم إله العرش من كل بدعة ... ووفقهم للصالحات الكوامل
والفهم ربي على الحق والهدى ... يذودون عن ذا الدين كل مماطل
وأحيا لنا أشياخنا أنجم الدجى ... لإرشاد حيران وتعليم جاهل
إلى أن قال:
فيا راكبًا من فوق قوادا ضامر ... صبورًا على الشدات يبغي لحائل
تحمل هداك الله مني تحية ... إلى المك الضرغام زاكي الشمائل
وسلم على نسل الكرام وقل له ... هنيئًا لك الإقبال يابن الأفاضل
هنيئًا لك النصر الذي شاع ذكره ... بكل النواحي عند كل القبائل
فقد تمت النعما فقابل بشكرها ... لمولاك من يعطي الجزيل لسائل
وعامله بالإنصاف فيمن وليته ... وكن تابعًا للشرع في كل نازل
إلى آخرها وهي طويلة تضمنت المديح والدعاء للمشائخ الكرام والعلماء العظام وقد أكثر الشعراء من القصيد والمديح لصاحب الجلالة تهنئة له ودعاء له بالتسديد، وقال أيضًا الشيخ عثمان بن أحمد هذه القصيدة في فتح حائل وقد أقمنا بعض ما تكسر منها.
وقول شاعرنا ﵀ ولاه الله برزان المراد به قصر آل رشيد الذي يسكنه الحاكم فيهم، وكان قصرًا منيعًا فسيحًا كثير الغرف محكم البناء، وقد أقيم من طين وحيطانه ضخمة في وسط البلد، ولا تزال أثاره أطلالًا موجودة إلى الآن يسكنها البوم، ثم أنه استطرد الشاعر حتى أخذ يدعوا للفاتح ويمتدح أصحابه وشيعته بقوله:
حماه إله العرش من كل محنة ... وبواه في الخلد أسنى المفاخر
وإخواننا أهل المودة والصفا ... حماهم إله العرش من كيد فاجر
وليس لهم قصد سوى نصرة الهدى ... يذودون عن دين الهدى كل ماكر
فيا أيها الغادي على ظهر جلعد ... عرند سنة من طيب العيس ضامر
стр. 740
إلى الملك السامي إلى منهج العلى ... له همة فوق النجوم الزواهر
فأبلغه تسليمًا كثيرًا وقل له ... محبكموا يدعو لكم بالسرائر
ويمتر فيما نالكم من مسرة ... ويشكر ربًا عالمًا بالضمائر
هنيئًا لكم ذا الفتح يا أهل ودنا ... هنيئًا لأصحاب النهى والبصائر
فهذا هو الفتح الذي شاع ذكره ... بكل النواحي بين بدو وحاضر
وهذا هو الفتح الذي منه زلزلت ... اربًا وبلدان الغوات الكوافر
فأصبح مسرورًا به كل مسلم ... وأصبح مغموضًا به كل فاجر
وإنا لنرجو فتح مكة بعده ... بحول إلهٍ للخلائق قاهر
الخ وهي طويلة نضرب عنها للاختصار.
ولما أن سلم آل رشيد نقلوا إلى الرياض؛ وكان محمد بن طلال بن نائف آخر الذين سلموا من أهل حائل وقد نقل من جملة الذين نقلوا، ونذكر عنه قصة رأيتها في تاريخ الريحاني: وذلك بأنه خرج مرة من بيت في الرياض بالليل وهو مختف في ثوب امرأة فلما رآه أحد رجال السلطان قبض عليه وجاء به إلى السلطان فأمر بنقله إلى القصر واسر مدة طويلة ثم أطلق سراحه، فلما جلس جلالة الملك عبد العزيز مرة في المجلس العالي بالقصر على الديوان كان عصا الشوحط بيده وإلى يمينه ويساره رجال بيت الرشيد وعلى الدواوين والكراسي خمسون ونيف من وجهاء الرياض وعلمائها، فأمر العبيد أن يدخلوا المجلس ومعهم ابن طلال، فأجلسه السلطان إلى يمينه ثم قال: اعلموا يا آل رشيد أنكم عندي مثل أولادي وأنتم في الرياض تعيشون كما أعيش أنا وأولادي لا أقل ولا أكثر، ثيابكم مثل ثيابنا وطعامكم مثل طعامنا، وشرابكم مثل شرابنا، وخيلكم مثل خيلنا وأحسن، وليس في القصر أو في البلاد شيء تحت يدي تريدونه إلا وهو حاصل لكم، وهل منكم من يشك في ذلك فتكلموا، فلم ينطق منهم أحد، ثم قال خطابًا لمحمد بن طلال: يا محمد إنه ما جر عليك الأسر غير نفسك، غير عملك السيء، كن عاقلًا حكيمًا ولا تعر أذنك النساء إني عالم بما تعمل وبما تقول فاعقل لصالح نفسك وتجنب الطرق التي فيها القيل والقال، والتي تؤدي إلى الفتن كن صادقًا مخلصًا، تكرم كل الإكرام
стр. 741
مثل أهلك هؤلاء والله وبالله وتالله إن الضرر الذي يمسكم يا آل رشيد يحرك قلبي قبل لساني إلى مساعدتكم أنت يا محمد واحد من بيتي الآن وكل ما عندي للدفاع عن بيتي عن العيال والحريم أقدمه إذا اقتضى الأمر في الدفاع عنك في الدفاع عنكم كلكم، وهناك وقف السلطان فوقف من في الجلس وأعطى يده إلى ابن طلال قائلًا أعطيك عهد الله مازلت مخلصًا لنا فصافحه ابن طلال وهو يقول: إذا حدت عن الطريق الذي أمرت به فاقطع رأسي ثم قبل عظمته في أنفه وفي جبينه، ثم صوت يهتف بالدعاء أدامك ووطد أركان ملكك، هذا هو صوت كبير بيت آل رشيد يومئذ، وهذه آخرة آل رشيد الذين سطر لهم التاريخ سطورًا من الدم حمراء ليس لهم سواها يذكر، وكان مدة حكمهم أربعًا وثلاثين سنة دانت لهم نجد من أدناها إلى أقصاها ومدة إمارتهم في حائل ما يقرب تسعين سنة.
ولما استقرت عائلة الرشيد في الرياض بقي جلالة الملك ابن سعود يعامل أفرادها معاملة أفراد آل سعود فأصبحوا في عيشة لم يروا مثلها أيام حكمهم وسيطرتهم المملوءة بالحروب والمغازي والمخاوف، واستراح أهل حائل من مكابدة الفقر والذبح والزعازع، حتى أنه نقل لنا عن شيغ طاعن السن في حائل أنه وجد أيام آل رشيد يغسل كرشًا وينظفها بيده، فسئل عن تلك الحالة؟ فقال: ذهبت أموالنا وقلت أرزاقنا لما نكابده من عسف آل رشيد، ثم دعا الله أن لا يبقى منهم رجل ولا إمرأة، فانظر يا أخي إلى شدة هذه المبالغة .. نسأل الله العافية والسلامة.
ولقد حرص جلالة الملك على عقد الصلة والألفة بين بيته وبيت آل رشيد حتى تزوج من أسرتهم، وفيها وفاة عبد الكريم بن ناصر بن سليمان بن جربوع -رحمه الله تعالى- وعفى عنه، وكان من رجال الدين، وأسرة آل جربوع من شمر.
ذكر آل عائض وما جرى منهم
آل عائض هؤلاء يدعون أنهم من سلالة معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأنهم نزحوا إلى عسير بعد سقود الدولة الأموية في الشام ولكنهم لم يكونوا قبل الفتح السعودي أمراء عسير، ولما أمر سعود الكبير في تلك الجبال رجلًا يدعى
стр. 742
ابن مجثل كان عائض جد الأسرة من الرعاة، وهذا كان في سنة ١٢٢٨، ثم لما جاءت الجنود المصرية وجاء محمد علي بنفسه يقود الحملة على أهل عسير كان آل يزيد من المتقدمين المستبسلين في القتال، وكان عائض بطل آل يزيد فأمره ابن مجثل مكانه وكتب إلى ابن سعود يوصيه به فأثبته في الإمارة، ثم خلفه بعد وفاته ابنه محمد الفاتح الذي بسط سيادة آل عائض، فوصل إلى بيشة شرقًا وإلى حدود الحجاز شمالًا وجنوبًا بغرب إلى المخافي تهامة، ولما تضعضعت في وقته حكومة آل سعود وعادت الدولة العثمانية إلى اليمن جهزت على عسير حملة بقيادة الشير رديف باشا فقتل الأمير محمد بن عائض غدرًا، وآخر من تولى هذه الوظيفة منهم هو حسن بن علي حفيد الأمير محمد الذي عينه المتصرف سليمان شفيق كمال باشا في سنة ١٣٣٠ المتقدمة، فلما شبت الحرب العظمى وجلا الترك عقب الحرب عن عسير تولى حسن هذه الإمارة استقلالًا مستبدًا وكان ظالمًا فنفرت منه القبائل خصوصًا قحطان وزهران وأرسلت وفودها شاكية إلى ابن سعود، فبعث إليهم عبد العزيز بن عبد الرحمن ستة من علماء نجد، وكتب إلى الأمير حسن وإلى رؤساء قحطان وزهران ينصحهم بالمسالمة ويدعوهم للرجوع إلى ما كان عليه أجدادهم ولكن الأمير حسنًا استمر في عصيانه فأبى توسط العلماء وردهم مكابرًا، قال: إذا كان ابن سعود يتدخل في شئون قبائل عسير فسنمشي إلى بيشة النخل قلعة بيشة ونستولي عليها، فعندها أرسل الملك عبد العزيز إليه ابن عمه عبد العزيز بن مساعد بن جلوي أمير حائل ومعه ألفان من الجنود، وأمره أن يدعو ابن عائض أولًا للسلم فيكون مع ابن سعود كما كان أجداده الأولون، ولقد كان الأولى بنا ذكر هذه الأمور في مواضيعها كعادتنا ولكن لأجل الضرورة جعلناها على حدة لاستغراق ما تقدم بذكر آل صباح وابن رشيد والشريف، ولكن تستفيد من ذلك ما كابده عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود من كثرة المشاق وتكبد الأخطار وصعوبة العقبات في تأسيس هذه المملكة.
стр. 743
ذكر التعريف بعسير وجباله
لما دفعنا التاريخ إلى تلك الناحية فلا بد من معرفتها فنقول عسير بين الحجاز واليمن في أعالي تهامة، وهناك جبالها التي قد كساها الاخضرار فتوفرت فيها الأشجار وغزرت المياه وتنوعت الثمار، ناهيك بهوائها الطيب الذي هو في الطيب والاعتدال مثل هواء الطائف.
وكانت جبالها أحصن الجبال للدفاع ورجالها من صفوة العرب في البأس والبسالة، ولكن أهل عسير أشد العرب نفرةً من الأجانب ويحبون الاستقلال، فلا يدينون لصحاب اليمن ولا لصاحب الحجاز، ولا سيما الأعراب منهم، فيوجد هناك أعراب لا يدينون حتى ولا لصاحب عسير، وكان أهل عسير قد أقبلوا في أيام آل سعود الأولين على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه ونور ضريحه، فترى مساجدهم قد خلت من الزخارف وقبورهم قد سلمت من البنايا والقباب وهم موحدون ولا يجري منهم شيء من التوسلات كخلوق، وكانوا يدفعون الزكاة للإمام في الدرعية مثلما يدفعونها اليوم للملك عبد العزيز، وقاعدة هذه المقاطعة هي أبها التي تعلو سبعة آلاف وثلثمائة قدم عن البحر فهي قائمة على رأسي وادي ضلاع ووادي شهران بين آكام وقمم تنتصب كالحراس حولها وهي مؤلفة من ثلاث قرى وحواليها ثمان قلاع صغيرة، تسع القلعة الواحدة عشرة رجال، وحوالي أبها بنو حفيظ وبنو دليم وبنو مالك وبنو زيد، وشمالًا منها بنو شهر، وشرقًا خميس مشيط يبعد عنها خمسة عشر ميلًا، وهو قاعدة زهران، وفي هذه الناحية وادي شعاف الذي يقطنه آل يزيد ومنهم آل عائض هؤلاء، فلما جرى من هذا الأمير حسن ما جرى من التمرد بعث إليه ابن سعود عبد العزيز ابن مساعد، فمشى إليه ابن مساعد في شعبان من سنة ١٣٣٨، وعندما دنا من أبها في رمضان لم يحتج ابن عائض إلى دعوة السلم بل خرج إليه بجنوده.
стр. 744
ذكر هزيمة آل عائض
لما ركبوا مطيعة العصيان وخرجوا لقتال ابن مساعد تصادموا في مكان يدعى حجلة بين العاصمة خميس مشيط، فكانت الواقعة شديدة جدًا فجعل الله الهزيمة على أهل عسير، ثم دخل جيش بن مساعد أبها وواصل سيره غربًا جنوب، فاستولى على السراة وغيرها من النواحي التي تتصل بحدود الإدريسي، وكان الإدريسي مواليًا لابن سعود فأسر بعض آل عائض الفارين ورجع حسن وابن عمه محمد إلى ابن مساعد مستأمنين مستسلمين، فأمنهما وأرسلهما إلى الرياض فلبثا شهرًا بضيافة السلطان عبد العزيز واتفقا وإياه على أن يكونا معه كما كان أجدادهما مع أجداده، فقال لهما عبد العزيز: ما تخلينا أبدًا عنكم يا أهل عائض، وعندما سأل الترك الشريف عبد الله بن عون أن يهاجمكم وينكل بكم أرسل الشريف يستنجد عمي الإمام عبد الله فأجابه قائلًا: ابن عائض رجل منا فكيف نساعدك عليه، ثم عرض السلطان إمارة عسير على حسن بالشروط التي تقيد بها أجداده فرفضها قائلًا: قد عادينا الناس ونخشى إذا أمرتنا أن يقوموا علينا ولكنا نكون معاونين لمن تؤمرون أيدكم الله ولا تقصروا عنا من جهة الدنيا، فلم يقصر ابن سعود وقد أعطاهما خمسة وستين ألف ريال وخصهما وأهلهما بالمشاهرات المالية ثم عاد الأميران إلى بلادهما راضيين مغبوطين، فأقام محمد في أبها عند حاكمها وكانت سيرته حسنة، أما حسن فاستأذن بأن يسافر إلى حرملة بلدته ليجيء بعائلته إلى العاصمة فأذن له بذلك ولكنه عندما وصلها تمنع فيها وشرع يدس الدسائس على ابن مسعود، ثم مشى بعد فتنة آثارها بقوة من قومه على أبها فحاصر الأمير فيها عشرة أيام واضطره إلى التسليم فسلم فأسر في خميس مشيط.
فلما أن عصى حسن وضرب بعهوده مع ابن سعود عرض الحائط واستولى على أبها وأسر أميرها قام الشريف حسين بن علي يمد حبائله في عسير وأرسل إلى قبائل شهران وغيرها يستحثها للانضمام إلى حسن بن عائض ويستنهضها ويمدها
стр. 745
بالذخائر والأموال فتفاقم الأمر وأعلن حسن العصيان واشتد الخطر على الحكومة السعودية فاستمرت هذه الحال قريبًا من شهرين، وكان ابن سعود مشغولًا بفتح حائل وبعد سقوط حائل ببضعة أشهر أعني في هذه السنة جهز السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن ابنه فيصل بحملة على عسير مؤلفة من ستة آلاف مقاتل من جنود نجد من الإخوان وأربعة آلاف من عرب قحطان وزهران انضموا اليهم عندما دخلوا تلك الجبال فزحف الأمير فيصل في شوال من هذه السنة بعشرة آلاف مقاتل يؤم عسير، فلما أن وصل بيشة كان بنو شهر زاحفين إليها يريدون مهاجمتها فأمر فيصل بابتداء القتال فهجمت عليهم كتيبة من الجيش فقتلت مائتين منهم وشتت الباقون وكان محمد بن عائض مرابطًا بجيشه في خميس مشيط، فلما علم بدنو فيصل تقهقر إلى حجلة فتقفته سرية من الفرسان فتراجع وجنوده إلى أبها بدون قتال.
وقد سأل بعض الجلساء الأمير فيصل هل كان في أبها عندما دخلتموها أحد من المقاومة، فقال: ما وجدنا فيها غير الكلاب والحريم، فر آل عائض وقومهم وفر معهم هاربًا من استطاع الفرار؛ فأرسل الأمير فيصل يؤمن الناس بشرط أن يسلموا شوكة الحرب، فسلم فريق من الذين كانوا ثائرين وظل فريق مع الأمير حسن الذي لجأ إلى بلدته حرملة وتحصن فيها، وحرملة هذه هي في معقل من الجبال يستحيل ارتقؤها إلا من منافذ معلومة لا يعرفها غير أهلها، وكان آل عائض في محاربتهم يلجئون إليها لأنها حصنهم المنيع.
أما الأمير محمد فقد هرب إلى القنفذة ومنها إلى الحجاز ليستنجد بالشريف حسينًا فأنجده بحملة صغيرة يقودها الشريف عبد الله بن حمزة الفعر ومعها مائتان من الجنود النظامية وبعض المدافع والرشاشات بقيادة الملازم حمدي بك.
ولما أن بلغ الأمير فيصل ما آل إليه أمر آل عائض حسن ومحمد أرسل على حسن في معقله بحرملة سرايا من الجيش يتلو بعضها بعضًا وبعد تذليل العقبات ومعركة دامت ست ساعات استمر الإخوان في التصعيد حتى وصلوا حرملة فلم يجدوا حسنًا فيها، فهدموا قصورها وحصونها وعادوا إلى أبها، وأرسل أيضًا الأمير
стр. 746
فيصل قوة من الجيش إلى تهامة لمحاربة القادمين من الحجاز، ولكن تهامة شديدة الحر على الإخوان ولم يطيقوا حمايتها فلم يمنعوا فيها بل عادوا منهزمين، هزمتهم الحمى إلى الجبال فتقفى جيش الحجاز أثرهم.
أما قيادة الجيش الحجازي فغير متفق عليها بين حمدي بك، والشريف عبد الله بن حمزة، فقال أحدهما في خطه والآخر في أخرى، فمشي الشريف عبد الله بالجيش في الطريق التي حذره منها حمدي بك فكان صيدًا للإخوان حيث لم يشعر إلا وهو في الشبكة بينهم فأحاطوا به ومن معه وكادوا يفنون جيشه بالرصاص والسيف، وفي آخر نفس نجا القائدان بقسم من رجالهما يسير من بقية النظام وبقية البدو ففروا ولاذوا ببارق فتعقبهم الإخوان ففروا منها منحدرين إلى تهامة متقهقرين إلى القنفذة.
وفيها في جمادى الثانية نقل يوسف بك السعدون بفرقة الهجانة إلى أبي الغار على مسيرة يوم من سوق الشيوخ غربي سكة الحديد بين البصرة والناصرية، فزاره المتصرف هناك وأمر العربان بان لا يؤدوا الزكاة إلى ابن سعود، وذلك له سبب وهو أنه لما فر بعض أهل الجبل أوان حصارها إلى العراق دخلوا هناك في العشائر المعادية لعشائر نجد واشتركوا في الإغارات التي تكررت، خصوصًا من عربان المنتفق والظفير فإنهم جعلوا يسطون على عشائر نجد وكان صويط على عداء قديم هو وابن سعدون وكلاهما عدوان لابن سعود.
ومن سوء التدبير أن عيّن ملك العراق فيصل بن الحسين يوسف بك السعدون قائد الفرقة الهجانة على الحدود وبينه وبين ابن صويط عداوة قديمة فأهاج ذلك خاطر شيخ الظفير حمود بن صويط ورحل إلى الرياض فكتب المندوب السامي السربرسي كوكس إلى ابن سعود يسأله أن لا يستقبله لأن حكومة العراق غير راضية عنه فلأجل أن ابن سعود لم يكن راضيًا على الحكومة العراقية لتعيين يوسف قائدًا لهذه الهجانة وسوء قيادته التي ليست على ظاهرها رحب الملك ابن سعود بشيخ الظفير بن صويط عند ما جاءه مستغفرًا وأعطاه الأمان على شرط أن ترد عربانه كل ما نهبت من أهل نجد وأن لا يشمل العفو غيرهم من المذنبين ثم
стр. 747
أجزل له العطاء وأرسل معه أحد رجاله وهو عبد الرحمن بن معمر للتأمين ولجمع الزكاة من أهل الظفير المسلمين فلما فعل ما فعل يوسف بك علم السلطان عبد العزيز بأفعاله وأمر فيصل الدويش أمير الأرطاوية أن يمشي إلى الحفر ويعسكر هناك للدفاع عن عشائر نجد.
أما ابن صويط فقام ينفذ في عربانه أوامر ابن سعود فعصاه رجال من المقدمين فيهم اسمه أبو ذراع وخرج إلى آل طوالة من شمر العصاة وشرع يشن الغارات وإياهم على عشائر نجد، فلما علم فيصل الدويش بذلك وهو على الحفر شد على ابن طوالة وأبي ذراع، وكان الخبيث يوسف بك السعدون قد زحف بهجانته على ابن صويط ومن معه من رجال ابن سعود فنزل ليلة ذاك النهار في مكان قريب من مناخ أبي ذراع وابن طوالة، فهجم الدويش على هذين الزعيمين ورجالها فغلبها وغنم أموالهما فبادرت هجانة يوسف إلى الدفاع عن المغلوبين فما كان إلا قليل حتى صاروا مثلهم فضربهم الدويش دفاعًا فانقلب ذلك الدفاع هجومًا لأن الإخوان المنتصرين ظلوا ماشين إلى أبي الغار فدخلوها ونهبوها ثم اتبعوا أثر جيش ابن سعدون فأدركوه في شقرة التي تبعد عشرين ميلًا من أبي الغار إلى الجنوب فضربوه ضربة ذهبت بأكثر أولئك الهجانة وشتت الباقين.
ثم خيم الإخوان في تلك الناحية بضعة أيام فضجت كربلاء والنجف بل ضج العراق بأجمعه ففعلت الحكومة البريطانية بالدويش وجنوده فعلها الأول المتقدم في الصبيحية حيث أرسلت عليهم الطائرات القاذفة المدمرة.
وترجع هذه المغامرات وخوض معامع هذه الحروب إلى شجاعة صاحب الجلالة وعظم حظه.
وكذلك أيضًا تعرف بها جراءة الدويش وتقدمه وما كتب له من النصر والظفر بكونه يغير بالجنود الحنيفية ويضرب بها المخالفين وذلك في حين سيره بأمر جلالة الملك ابن سعود وسيأتي له بقية ذكر في هذا التاريخ إن شاء الله تعالى.
ولما رعدت الطائرات المدمرة عليه وعلى جنوده توالت رسائل الأسف بين
стр. 748
المندوب السامي السير برسي كوكس وبين ابن سعود، ويقول في رسائله لا تؤاخذوا طائراتنا ولكن لا مبرر لهجوم الإخوان على عشائر العراق والسلطان عبد العزيز يقول: لا تؤاخذوا الإخوان ولكن التبعة على الحكومة التي لا تستطيع أن تكبح جماح العشائر ضمن حدودها هذا جزاء الضعف والإهمال وبعد هذا الحادث عقد مؤتمر المحمرة لتسوية الخلاف بين البلدين فحضره أحمد بن ثنيان من قبل السلطان عبد العزيز ومندوبان من قبل الحكومة والمفوضية في بغداد ولكن السلطان لم يصدق على ما قرر هناك فعقد المؤتمر الثاني بعد بضعة أشهر في العقير.
ثم دخلت سنة ١٣٤١ ه ـ
استهلت هذه السنة وحسين بن علي الشريف على مقاومته لابن سعود ولا يزال يغري عليه القبائل ويختلق له المشاكل وينصب الحبائل فمنع أهل نجد من الحج في هذه السنة وأغلق في وجوههم أبواب الحجاز وأضرم عليه نيران الأعداء من كل جانب وقد حج أهل نجد فما جرى منهم إلا الخير وعدم الحركة، ولما بعث ابن سعود إلى بريطانيا العظمى يسألها أن تضع حدًا لمشاكل الشريف حققت بريطانيا الطلب على الشريف وسألته أن يأذن لأهل نجد في الحج أسوة بالمسلمين فما استجاب على الفور ليرى خصمه تعاليه، ثم أذن لأهل نجد بالحج في السنة التي خرجت.
فأقبل وفود بيت الله الحرام من النجديين تحت أمرة مساعد بن سويلم فأدوا فرائضهم في هدوء وسكون ورجعوا بخير ويأبى الله أن يحدثوا ما يفسد العلائق كما يظنه بهم العدو الذي يرى أهل نجد بعين السخط كما قيل.
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
ولما أذن بالحج بعث ابن سعود إلى ابنه علي أن الحسين يثني على أبيه ويمتدحه ولكن أين الصلح، أين الهدنة يا عباد الله ولا يقتنع الحسين بالقول ويرى الفعل نفسه تمنية ببسط ملكه على كل عربي في الأرض وخصمه عاهل الجزيرة قد احتل خيبر وتيما وأخذ يتوسع في الجزيرة وقد قضى على الفتن في جنوب نجد وشمالها
стр. 749
ومحا دولة آل رشيد وأخضع آل عائض، فوربك ما بقي إلا الحجاز وهذا مؤذن بدنو الخطر بل أغرى قبائله فأطاعه بعضهم ورجع الخرمة وتربة في ملكه، فإذا لا يطيق الحسين أعمال ابن سعود.
ولما أن منع أهل نجد من الحج في هذه السنة وتوسلت بريطانيا إليه بأن يأذن في الحج ويبرم معاهدة مع ابن سعود، فجرت مفاوضات طويلة اشترط الحسين فيها بأن لا يسمح بالحج في هذه السنة حتى يتم جلاء ابن سعود عن الجوف ورنية وبيشة وتربة والخرمة وكل بلد اغتصبها على حد زعمه، فيقال يا عجبًا لذلك أفلا يرد الشام والعراق والحجاز التي أخذتها بريطانيا من الأتراك وجعلته وأبناءه فيها وبهذا تعلم سوء سياسة الحسين بن علي فإنه بعد انتهاء الحرب العظمى لوحظ أنه بصفته الوحيد المرشح للخلافة لما فيه من الصفات المؤهلة لها وأنه ناصر الحلفاء وانضم إليهم في ساعة الشدة، فلا تجد بريطانيا من المروءة أن تتخلى عنه، وأيضًا قد بسط ملكه وسلطانه على كل من العراق وسوريا بواسطة اعتلاء أبنائه على عرش الملك في تلك البلاد فأخذ يطالب بريطانيا أن تقنعه بأنه على غير حق في مطالبه، ولكنه أصر على عناده وأخذ يتهددها غير مرة بترك البلاد والتخلي عن الملك فلتعين من يستلم البلاد منه فتحيرت بريطانيا وعجز ساستها عن فهم هذه العقلية الغريبة فبينما هو يطالب باستقلال العرب أجمعين ويدعي لنفسه الزعامة عليهم ومن مصلحتها هي أن تظهره بهذا المظهر أمام العالم إذا هو يكتب لها بأنه سيترك البلاد لتسلمها إلى من تختاره بدلًا عنه فكأنه بذلك يعترف بأنه عامل من عمالها، ولقد حاولت فعلًا أن تصلح سياسته معها وتحتفظ به فلم تشعر إلا به أصدر منشورًا إلى الشعب الإنجليزي باللغة الانجليزية يشكو إليه حكومته فضاقت به ذرعًا وتوترت العلاقات بينها وبينه ورأت من المصلحة أن تتركه وشأنه مع ابن سعود وتتخلى عنه دون أن تتدخل بينهما فيما بعد ذلك، ثم جرت مفاوضات طويلة في هذه السنة
стр. 750
بين ابن سعود وبين المندوب السامي السير برسي كوكس وعقد مؤتمر لوزان ومؤتمر العقير، اما مؤتمر العقير فانتهى إلى خمسة أيام وأما مؤتمر لوزان فاستمر بضعة أشهر.
ذكر مؤتمر العقير
وما حصل فيه وذلك بأنه لما كان في خامس ربيع الثاني من هذه السنة نصبت الخيام للمؤتمر وذلك على كثيب إلى جنوب القصر في العقير، فجعل قسم الخيام وهي البيضاء الهرمية المزركشة من الداخل بالآيات والرسوم إلى الجانب الشرقي لوفد العراق للإنجليز، والقسم الأكبر وكثره من بيوت الشعر إلى الجانب الغربي لأهل نجد من المرافقين لعظمة السلطان عبد العزيز، وكان سرادق عظمته مقابل سرادق الاجتماع سرادق الطعام ووراءه المطبخ، وإلى جانبه قافلة من الجمال وقد أناخت بأحمالها.
وكانت شمس العقير فاترة لا تجفف هواء العقير وهواءه رطب كثيف ثقيل لا يصلح مزاج من جاء مزاجه معكر ليصلح مجاري السياسة بينه وبين جيرانه.
وكان السلطان عبد العزيز قد علم في الطريق من الحساء بقدوم فهد بن هزال شيخ العمارات مع المفوض السامي السير برسي كوكس فغاظه ذلك لأنه لم يجيء العقير لحل مشاكل العشائر، وقد كان فوق ذلك ناقمًا على الشيخ فهد لأنه أنزل عرب شمر الذين فروا من الجبل في أثناء الحصار لحائل فكتب إليه يذكره بأنهم من رعاياه وأن عرب عنزه والعمارات منها هم أبناء عم ابن سعود وأنهم لا يودون أعداءه ولا يساعدونهم عليه بل أنت يا فهد وعشائرك من رعايانا ولك علينا حق الحماية، هذا إذا كنت من المخلصين، ولكن فهد بن هذال يفضل على ما يظهر الحماية الانجليزية، وقد جاء محتميًا بالمندوب السامي ليسترضي السلطان عبد العزيز، وكان عبد العزيز يقول نحن دعونا السير برسي كوكس إلى العقير للنظر في أمرين، أحدهما الشريف وأولاده؛ والثاني الأتراك الطامعون الآن بالموصل، أما مسألة العمارات والظفير محلها لا يستوجب مجيئنا إلى هذا المكان، ولكن السير برسي
стр. 751
كوكس اغتنم هذه الفرصة ليعيد البحث في اتفاق المحمرة ويحدد الحدود بين نجد والكويت وبين العراق ونجد، فجاء ومعه فريق من السياسيين والأخصائيين وكتبة السر والخدم.
فلما كان في اليوم السابع من ربيع الأول مساء وصل اليخت الذي أقلهم من البحرين فأمر السلطان عبد العزيز بإرسال الخيل إلى الرصيف ونزل هو وحاشيته يلاقون الوفود ويستقبلونهم، ثم عادوا بعد نصف ساعة إلى المخيم فترجلوا أمام سرادق الاجتماع الذي أنير بأنار اللوكس، وبعد أن استقروا بالمجلس اعتذر المندوب السامي عن بطئه في السفر فقبل السلطان العذر وشرع يفصح عما كان يتقد في صدره، فجاءت الكلمة الأولى قنبلة زعزعت المكان وهي: أنا لا أخشى إلا الرجل الذي لا شرف له ولا دين، ثم قال لا ندري يا حضرة المندوب ما خفي المقاصد ولكننا نرجو منها الخير ومما نعلم علم اليقين أن العشائر خصوصًا عشائر العراق لا ترتاح إلى حكومة قوية بل لا تبغيها لأن الحكومة إذا كانت قوية تضربهم وتؤدبهم، أما إذا كانت ضعيفة فتسترضيهم كما هي الحال اليوم أن العشائر يا خضرة المندوب لا يفهمون إلا بالسيف، فهم إذا عاملتهم بالحسنى يتحكمون بالحكومة؛ اشهروا السيف يرتدعوا يتأدبوا، أغمدوا السيف ينهبوا ويقتلوا ويتقاضوكم فوق ذلك المشاهرات.
كان السلطان عبد العزيز يتكلم بهذه الكلمات وهو مدير ظهره لفهد بن هذال، ثم مال بوجهه إليه؛ وقال مبتسمًا أليس كذلك يا فهد فإنا نعرف بعضنا، فضحك كل من كان في المجلس سوى شيخ العمارات فإنه كان محدقًا بنظره في السجادة، ثم رفع نظره إلى المندوب السامي كأنه يقول لا بارك الله في ساعة جئت فيها.
هذه أول جلسة من مؤتمر العقير وإن كانت غير رسمية ثم تبعها جلسات خصوصية بين السلطان والمندوب السامي، وجلسات عمومية حضرها رئيس وفد العراق صبيح بك نشئت والوكيل السياسي الميجر مور في الكويت والشيخ فهد آل هذال، وكان الكتاب والمترجمون والأخصائيون من العرب في معرفة الآبار والطرق والمراعي يؤمون خيمة المترجم أمين الريحاني من حين إلى حين وكانت خيمة صغيرة.
стр. 752
ثم في ٨ ربيع الثاني اجتمع في الصباح حضرة السلطان عبد العزيز والمندوب السامي فخرج من هذا الجلس المندوب ومعه في جيبه تقرير طويل باللغة العربية، ولما أن وصل إلى مجلسه دعى بأمين الريحاني بعد أن استقر في مجلسه قريبًا من ثلاثين دقيقة ليترجم له تلك الرقعة التي فيها التقرير، فإذا هو يتعلق بقبيلتي العمارات والظفير كان قد قد أعده السلطان لمندوبه في مؤتمر المحمرة وهو مكتوب في صورة السؤال والجواب إذا سألوك كذا وكذا أجب كذا وكذا، واذا ألح المندوب الإنجليزي في أمر من الأمور اسأله إذا هل يتكلم بلسان حكومته أو بلسان حكومة العراق، فإذا كان بلسان حكومة العراق فالجواب هو أننا لا نتساهل بحقوقنا، وإذا كان بلسان حكومة بريطانيا فجاوب إكرامًا لحكومة بريطانيا، هذا إذا كان من الأمور الثانوية، أما إذا كان من الأمور الجوهرية فالجواب أننا لا نسلم إلا مكرهين، والحكومة البريطانية تفهم أن عاقبة الإكراه وخيمة، فلما قرأ عليه ما تقدم وترجمه كلمة كلمة لم يظهر السير برسي كوكس شيئًا من الاكتراث، وكان من هذه المحاورة قول السلطان للمترجم إذا سألوك عن العمارات قل إنها من عنزة كلها من أبناء عم ابن سعود ومن رعاياه، ولقد كانت هذه المفاجآت المزعجة التي تصدر من جلالة الملك، فأجاب السير برسي كوكس عنزة العراق يعني العمارات تفضل أن تكون من رعايا العراق، أما عنزة سورية يعني الرولة فقد تفضل أن تكون من رعايا ابن سعود وله ما يشاء ولقد كانت هذه مضحكة عجيبة كأنه يقول الذي عندنا هو لنا والذي عند غيرنا من الفرنسيين هو لك يا عبد العزيز إذا استطعت أن تستولي عليه، ثم في ربيع الثاني جلس المندوب السامي جلسة طويلة هو وعظمة السلطان، وكان المندوب قد زل زلة كبرى وذلك باستدعائه إليه عبد اللطيف باشا المنديل أحد المستشارين يومئذ لابن سعود ففاوضه مفاوضة استمرت نصف ساعة وأعطاه صورة كتابين مكتوبين بقلم الرصاص باللغة الانجليزية ليسلمها إلى السلطان، فأرسل السلطان عبد العزيز إلى أمين الريحاني يدعوه ليترجمها له، وكان ينبغي أن يكون بينهما مترجم رسمي للغة العربية واللغة الانجليزية فترجم الكتابين
стр. 753
والسلطان عبد العزيز يتزحزح في مجلسه ويضرب السجادة بعصاه وصورة الكتابين هو أنه يريد مجاوبة للملك فيصل بن الحسين الذي يقول في كتابه: بناء على تعهدات الحكومة البريطانية في معاهدتي وأياها أقبل الاتفاق الذي عقد في مؤتمر المحمرة، والثاني يريد أن يكتب له جلالة الملك عبد العزيز صورة الكتاب الذي كتبه إلى الملك فيصل ويعيده عما بان واحدة من التعهدات المذكورة في ذاك الكتاب تتعلق بالمادة الأخرى من المعاهدات وفيها أن أية دولة أجنبية يجب أن تشمل أيضًا حكومات الحجاز والشرق العربي والعراق أي أن الحكومة البريطانية تتعهد أن تحمي بلاد نجد إذا ما تعدت عليها إحدى الحكومات الثلاث، فقال السلطان عبد العزيز وهو يتميز غيظًا ومن قال للمندوب السامي أن ابن سعود يخاف الشريف وأولاده لا والله نحن في غنى عن الحمايات إذا كان المعتدي علينا من العرب، وقد ساءه قول المندوب له بقلم من الرصاص على قصاصة من الورق، ماذا يجب أن يكتب للملك فيصل أو إلى الحكومة البريطانية، فلما دخل بعض رجال السلطان عليه وما كان عنده سوى المترجم في الفسطاط أومأ إلى الداخلين أن أخرجوا فخرجوا مسارعين وعاد هو إلى بقية حديثه قائلًا: لا نخاف إلا الله، فلما أن أذن المؤذن لصلاة الظهر نهض يلبي الدعوة وهو يقول سنصلي سنصلي فلما كان في آخر النهار من ذلك اليوم رفض السلطان عبد العزيز بتاتًا أن يكتب الكتابين الذين أشار بكتابتهما المندوب السامي، فلما كان في اليوم ١٢ من ربيع الثاني تم الاتفاق بين من ابن سعود وبين مندوب العراق على الحدود النجدية العراقية وتقررت بقعة الحياد بين البلدين، بقعة تدعى العونية، وفي هذا التحديد تقرر أيضًا مصير العمارات والظفير الداخلتين في أرض العراق المعدودتين الآن من عشائره.
والحقيقة أن هذه التحديدات ليست من الأمور التي يعتنى بها لا سيما في مثل هذا المؤتمر الملحوظ بعين التعظيم.
ثم في ١٣ ربيع الثاني تم الاتفاق بين السلطان والمندوب السامي والوكيل
стр. 754
السياسي في الكويت الميجر مور على بقعة الحياد بين البلدين لتقي عربان الكويت وعربان نجد شر التصادم وهل يدري العربان بالمعاهدات وهل يحترمونها إذا ما أجدبت الأرض وخرجوا كلهم ينشدون الحيا، يطلبون المرعى والماء، وهذا أيضًا صلح صغير، وكان السلطان قد طلب توسيع حدود الجوف مقابل تنازله عن العمارات والظفير، ويظهر أن السير برسي وعده بذلك، وفي هذا اليوم أيضًا ورد كتاب من الملك فيصل أمير العراق وهو من بشائر المؤتمر خطه فيصل بيده إلى السلطان عبد العزيز، قال فيه: إلى أخي العزيز وأرسله مع رسوله الخاص عبد الله بن مسفر جار فهد الهذال في المخيم الأوربي، وكان مدبجًا بارق العبارات الولائية؛ وفيه ما يدل على أن جلالة الملك يرغب رغبة حقيقية في الصلح وأنه ليس بين العراق ونجد فقط، بل بين نجد والحجاز خلاف فهل ينبذ فيصل بن الحسين خطة والده، وهل يستطيع أن يوفق بينه وبين السلطان عبد العزيز ها هنا أساس الصلح الكبير والسلم الثابت في البلاد العربية، وكان جواب السلطان على كتاب فيصل ينبئ بالخير عسى أن يتوفقا إلى اجتماع شخصي خاص، ولا يخفى أن عبد العزيز راغب في ذلك ولكنه في الوقت الحاضر منحرف المزاج، وقد طالت إقامته في الحساء فهو يبغي الرجوع إلى الرياض ولا بأس بذكر الحال على وجهها وهي أنه يرجح رغبة الاجتماع بدون واسطة الحكومة البريطانية وآخر ما ترجم من المؤتمرات برقية أرسلها السير برسي كوكس إلى المستر تشرشل وزير خارجية بريطانيا يقول فيها: أن ابن سعود طلب أن تكون قريات الملح في الجوف تابعة لتلك الناحية من المملكة السعودية ويشير بالقبول، بل يقول: أكدت لعظمته أن ذلك يكون مقبولًا لدى حكومة جلالة الملك نأخذ من ابن سعود لنعطي العراق ونأخذ من شرقي الأردن لنعطي ابن سعود ونأخذ من الحجاز العقبة لنعطي شرقي الأردن وممن نأخذ لنرضي الحجاز؛ هذا ما دار في هذا المؤتمر، ثم بعد بضعة أشهر من مؤتمر العقير بل بعد أقل من ذلك عادت تلك العشائر في العراق تفسد ما أصلحه المصلحون وتثير ما سكنه المسكنون.
стр. 755
ذكر ما جرى من أهل العراق ومن التجأ إليهم من العشائر
لما اجتمع الفارون من حائل وقت الحصار والتجاؤوا إلى العراق كآل عبده التابعين لعجيل الياور قاموا في العراق يرحبون بإخوانهم الفارين من نجد ويشاركونهم في شن الغارات على قبائل ابن سعود، فكتب السلطان عبد العزيز إلى المفوض السامي وإلى جلالة الملك فيصل بن الحسين يشتكي هؤلاء ويطلب من الحكومة أن تردع هؤلاء وترجع ما نهبوه من أهالي نجد ويحذرهما من عواقب الاعتداء، فكان جواب أولى الأمر هناك ما يثبت دعوى حكومة نجد وعجز حكومة العراق عن تنفيذ ما رأته واجبًا عليها، وبعث الملك فيصل بن الحسين جوابًا لابن سعود يقول فيه: تلقيت كتابكم المرسل مع خادمكم الأمين عبد الرحمن الرباعي، فكان أعز واصل، أما بخصوص التفاوض فقد أجرينا اللازم وأخبرنا حامله شفهيًا بما يسهل الأمور، وقال وزير الداخلية يومئذ عبد المحسن بك السعدون في كتاب أرسله إلى المفوض السامي قد أصدرت الأوامر إلى متصرف الموصل لكي يرسل روؤساء شمر نجد وخصوصًا أولئك الذين اشتركوا في هذه الغارات وقد وعد عجيل الياور باسترجاع الأموال المنهوبة وتعهد بقبول المسؤولية عن وقوع الغارات في المستقبل ثم كتب الوزير إلى متصرف الموصل كتابًا شديد اللهجة جاء فيه أن التأثير الذي ينجم عن هذه الغزوات يغضب ابن سعود فإن لم تتخذوا الإجراء المستعجل فأقل ما ينتظر هو حدوث غزوات جسيمة مقابلة ذلك، ومما لا يطاق احتماله اتخاذ شمر مملكة العراق مركزًا لحركاتهم الحربية على ابن سعود فالحكومة عازمة على اتخاذ التدابير لكبح جماحهم ولطردهم إذا اقتضى الأمر.
وكان قد كتب عبد المحسن بك إلى المفوض السامي يسأله إذا كان في وسعه مساعدة الحكومة العراقية بالطيارات والسيارات المدرعة إذا كانت القوات الموجودة لديها غير كافية ولكن عجز الحكومة العراقية لكم يكن سوى مظهر من عجز حكومة الانتداب وبعث السير برسي كوكس كتابًا إلى عظمة السلطان بعد ذلك في آخر هذه السنة يثبت ذلك، وأنه أي المفوض السامي لم يقصر في الإسراع إلى لفت نظر الحكومة العراقية إلى هذه الحركات السيئة من قبل رجال شمر المقيمين داخل
стр. 756
حدودها وأنه سينظر مع الحكومة العراقية في أمر إمكان وضع دوريات منظمة في أطراف العراق لأجل منع حدوث مثل هذه الأمور وأنه واثق من التمكن قبل مدة طويلة من القيام بضمانات وافية ترضي كلا الحكومتين ومن اتخاذ تدابير من شأنها أن تمنع العشائر من تكرار هذه الأعمال ولكن الدوريات لم تنظم في السنة ولا التالية هذه في لها.
وفيها في ٢١ من جمادى الأولى عاد الأمير فيصل بن عبد العزيز بجيشه الظافر إلى الرياض من عسير بعد ما أمر في أبها بن عفيصان وأقام في أبها حامية عددها خمسمائة جندي وذلك بعد ما فر حسن ومحمد آل عائض وانكسر جيش الحجاز.
ولما أن رجع الأمير فيصل عاد الشريف حسين بن علي فجهز حملة أخرى إلى أبها وكان مع هذه الحملة حسن بن عائض فحاصرت بن عفيصان والجنود النجديين فيها فاستنجد الأمير سعد بن عفيصان بمن حوله من أهل الصبيحة وتثليث من عرب قحطان فجاؤا لنجدته مع رئيسهم بن شفلوت فزحف بن عفيصان بعد ما وصلت إليه النجدة فاشتبك مع الحملة في قتال مرير تقهقر بعده جنود الشريف ومن معهم من قبائل عسير إلى محايل والقنفذة، وتوفي بعد ذلك الأمير سعد بن عفيصان ﵀ بعد فك الحصار عن أبها بأيام قلائل، فبعث السلطان عبد العزيز بدلًا عنه عبد العزيز بن إبراهيم أميرًا عن مقاطعة عسير؛ وكان ابن إبراهيم هذا حازمًا قويًا شديد البطش ذا دهاء وحسن تصرف، يعد من أفذاذ الرجال، ففاوض حسنًا فطلب منه حسن أن يصل إليه في مقره المذكور وبذل ما اطمأن له حسن وجميع أسرته، ثم جاء بهم جميعًا إلى ابها ثم أنه رأى الأمير عبد العزيز بن إبراهيم أنه من المستحسن إبعاد حسن وذويه عن أبها إلى الرياض فأرسلهم إليها وعندما وصلوا إليها عفى عنهم السلطان عبد العزيز وأجزل لهم العطاء وخصص لهم شيئًا من المال شهريًا وعاش حسن بعد تلك المقاومة في الرياض مدة ثم توفاه الله تعالى وتوفي بعده بمدة يسيرة ابن عمه محمد بن عائض وأخوه ناصر ومحمد بن مسلط، وبهذا تعلم شدة عداء الحسين بن علي الشريف وأنه لم يقصر في الإيذاء.
стр. 757
ولما أن أظفر الله ابن سعود في واقعة تربة جعل فيها أميرًا من قبله عليها عبد الرحمن بن معمر مؤيدًا بسرية أغلبها من عبيد بن رشيد الذي قد فروا إليه من حائل، غير أنهم ما لبثوا إلا ثلاثة أشهر حتى قتلوا ابن معمر وفروا إلى الشريف فأكرمهم وقربهم ولعله بإيعاز منه، والدليل على ما ينطوي عليه أن أهل نجد لما حجوا في هذه السنة تحت إمارة ابن سويلم كما قدمنا ليؤدوا فرائضهم بعد ما منعوا من الحج عدة سنين وكان أمير حاج أهل القصيم الهمام النبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن شريدة اختاره الأهالي وقدموه على من سواه، وكان موجودًا إذ ذاك زعماء من القصيم غير أنها اقتضت المصلحة تقديمه على من سواه فجاءهم لما قربوا من الحجاز مطية من الشريف حسين بن علي تحمل نجابًا يحمل الأوامر وهي الأمر لأهل نجد بأن يطووا البيارق وينكسوا السلاح ولا يكبروا، فمنعهم حتى من التكبير الذي هو شعار الإسلام عياذًا بالله من ذلك.
وفي هذا الموضع نذكر نبذة في التعريف بآل شريدة فنقول هم أسرة يسكنون مدينة بريدة في القصيم، من أشهرهم زعيم بريدة محمد بن عبد الرحمن بن شريدة (١) وأخوه منصور بن عبد الرحمن بن شريدة، وكان رجلًا من خيار عقيل الذين كانوا يسافرون إلى الشام ومصر والعراق للتجارة وكان متمسكًا بدينه ويأمر اصحابه ومن في معيته بأداء الصلاة والمحافظة عليها علنًا.
ومنهم إبراهيم بن عبد الرحمن بن شريدة أمير حاج القصيم.
ومنهم يحيى بن عبد الرحمن بن شريدة ويلقب بأبي الأيتام لأنه يحنو على الفقراء والمساكين وله تمسك في العقيدة وأبوهم عبد الرحمن بن يحيى بن شريدة، وكان شريدة هذا عالمًا بعثه ابن سعود إلى الجوف ثم حمله عبيد بن رشيد معه إلى حائل فسكنها وتزوج بها وولد له يحيى وكان ليحيى هذا عدة أبناء وفي شريدة جد الأسرة يقول الشاعر معرضًا بأنه عالم ليس له همة في الدنيا:
стр. 758
ربح القبائل والنشاما ... أحب إلى من مناجي شريدة
ومن هؤلاء الأبناء عبد الله وعثمان وفهد وصالح ويحيى وحمود وسليمان وعبد العزيز وعلي وراشد وموسى.
وفي هذه السنة ولد الأمير بندر بن جلالة الملك عبد العزيز.
وفيها وفاة الأمير محمد بن علي الإدريسي في نيسان وكان رجلًا سياسيًا وذا معرفة وغور بعيد وسيدًا كبيرًا في قومه فالله المستعان.
ثم أن تولى بعده ابنه علي بن محمد فلم يحسن التصرف وما كان له ما لأبيه من السياسة لأن أباه محمد استطاع أن تعترف له الحلفاء بسيادته على تهامة واحتفظ بملكه رغم تهديد الشريف حسين بن علي له من الشمال والإمام يحيى من الجنوب اعتمادًا على تحالفه مع بن سعود وتقدم شيء ترجمته في سنة ولادته وعمره ثمان وقيل تسع وأربعون فالله المستعان.
وفيها وقع خلاف بين الحكومة المصرية وبين الشريف حسين ملك الحجاز وذلك لأنه رد المحمل المصري لما جاء في باخرة خاصة إلى جدة ومعه كسوة الكعبة وحنطة الجراية وحرس المحمل وبعثة طبية فلما أن منعهم من دخول مكة المكرمة توترت العلاقات ورجع المحمل من ثغر جدة في مركبة بكل ما معه من الكسوة والصدقات والمرتبات وذلك في آخر ذي القعدة من هذه السنة فلما رأى الشريف ذلك أبرق إلى المدينة المنورة وأمر أميرها بأن يرسل الكسوة التي أودعتها الحكومة التركية بها إلى ثغر رابغ على الفور ثم أرسل أحد بواخره لنقل الكسوة من رابغ إلى جدة فنقلت في سرعة عجيبة إلى مكة ووصلت في اليوم العاشر من ذي الحجة اليوم الذي تكسى فيه الكعبة المعظمة فكسيت بها الكعبة وقد حدث من ذلك ضجة عظيمة في مصر وصاروا في حيرة من اجراء إحضار كسوة الكعبة في تلك السرعة المدهشة ولم يعلموا أنها كانت حاضرة المدينة المنورة منذ بضع سنين حتى أن بعض جرائد مصر ذكرت أنها بحثت في عموم أساكل البحر الأحمر عن معامل تصنع كسوة الكعبة في عشرة أيام يعني من رجوع المحمل بالكسوة فاتفقوا على أنه لا
стр. 759
يستطاع عمل الكسوة في عشرة أيام حتى ولا في معامل أوربا وإنما هذا عمل مدبر وكانت هذه الكسوة من الحرير الأخضر قد صنعت بالأستانة في زمن خروج الأتراك من مكة وجعلوها بالمدينة المنورة إنتظارًا للفرصة صنعتها يوم كان عزمها لفتح مكة بمناسبة تأليف جيش الصاعقة الذي كان يأمل فتح ما سقط من الأراضي الحجازية وقد نشر الشريف حيدر الذي كان ابن عمه ينتظر فتح مكة المشرفة منشورًا طويلًا وكان قد منته نفسه بغرور من الأتراك أن يسترد إمارة مكة سنة ١٣٣٦، وقد أخطأت الحكومة المصرية في استرجاع الكسوة والصدقات والأوقاف التي ليس لها تعلق بالحكومة ولا بالرضى والسخط كما قد أخطأت في استرجاع رجال المحمل بعد ما أحرموا ووالله لمما يذيب القلب حزنًا وأسفًا اتخاذ أعمال الحج ألعوبة كألاعيب الصبيان يلعب بها كل من أراد ذلك وإذا كان هناك سوء تفاهم ولم يوفق المقام لحل فلا ينبغي أن تحرم الكعبة ثوبها ولا فقراء الحرمين ما أعطاهم الله صدقة من الأجواد التي جعلت تصرف مصرفها فيا للجهالة العميا استرجاع ما ذكر لأجل التشفي من أمير مكة.
ثم دخلت سنة ١٣٤٢ ه ـ
في هذه السنة عمل الشريف حسين بن علي كسوة للكعبة من القيلان نسجت بالعراق وهذا إنما فعله احتياطا لما عساه أن جاء وقت كسوة الكعبة يوم عيد الأضحى ولم يحل الخلاف الواقع بينه وبين الحكومة المصرية وامتنعت من إرسال الكسوة أن يكسوها بها لكنها جاءت الكسوة في هذه السنة وبقيت كسوة القيلان محفوظة.
وفي هذه السنة خلطت المؤتمرات وحصلت المفاوضات في شأن السلطان بن سعود والشريف الحسين وذلك لما كان يرسل صرر الذهب من الأموال لديه لمساعدة رجال ثورته وبعث إلى جلالة الملك عبد العزيز بصرر منها وبعد ما فهم ابن سعود قصده وما يبيته له من الكيد وخاب كل تدبير يدبره له الحسين ولم تفلح حملاته عليه لجأ إلى الدسائس في استفزاز ابن رشيد واستنهاض آل عائض ثم أوعز إلى إبنيه في العراق وشرقي الأردن الرقيم أن يحرضا عليه القبائل الموالية لهما ويشن الغارات
стр. 760
على البلاد النجدية، فأقلق راحة ابن سعود من كل الجهات ولم يترك وسيلة إلا لجأ إليها هذا، وابن سعود يقابل أعماله بالسكوت والمجاملات الودية ولا تقابل مجاملات ابن سعود إلا بالرد الشنيع الازدراء فضلًا عن اضطهاد الشريف لكل من هو نجدي في بلاد الحجاز ومن يتحدث عن نجد وعن الإخوان عنده أو ذكر اسمهم فإنه يمقته أشد المقت مع نشره مسبتهم في جريدة القبلة، ولم يكتف حتى منع أهل نجد عن الحج وصدهم عن البيت الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، كأنه ملك له ولأبيه يفتحه لمن يشاء ويصد عنه من شاء، فأين الجلالة الهاشمية وما يدعيه ما بالها لا تعمل بالكتاب والسنة.
فلما أن ضاق نطاق أهل نجد عما يقاسونه من الأذى وكلت كواهلهم من حمل ما يكابدونه من الشقاء فزعوا إلى صاحب الجلالة السعودية وأبدوا بما عندهم قائلين يا الإمام ما على هذا من صبر فأذن لنا في الشريف لنغزوه في عقر داره، فجعل السلطان عبد العزيز يسكنهم ويعدهم بحسم الأمور بالوسائل السلمية قبل الالتجاء إلى امتشاق الحسام.
ولما كان في تلك الأيام ذهب جلالة الملك الحسين بن علي الشريف إلى فلسطين وشرقي الأردن وعمان ليشرف على جميع البلاد المقدسة ويزور الأماكن التي فيها مراكز للحكومة ويوطد السيادة العربية في الشرق العربي، هذا ما زعم برأيه وحدثته أمنيته به، وهناك ألزم أنصاره أن يبايعوه بالخلافة العظمى ليجعلها حجة في إخضاع ابن سعود وغيره من أمراء العرب، ولكنه بذلك جني على نفسه فأغضب العالم الإسلامي أجمع وعجل في القضا على مملكته وعلى نفسها تجني براقش، فلما رأى ابن سعود ما صدر من الشريف لم ير أن يقدم على إعلان الحرب عليه حتى يرى العالم كافة موقف الحسين السلبي نحوه فعقد مؤتمر الكويت في هذه السنة الذي كان يشبه مؤتمر صلح الحديبية وما أشبهه به إذا كان بين الفتحين ثلاثة عشر قرنًا وثلث وتذكره وإن كان قد اعترض لقصة الشريف.
стр. 761
ذكر مؤتمر الكويت
لما كان في جمادى الأولى من هذه السنة عقد المؤتمر واستمرت المفاوضات إلى أربعة أشهر انتدبت بريطانيا العظمى مندوبها في الخليج العربي الكولونيل نوكس لفض الخلاف بين حكومة نجد وحكومات الحجاز والعراق وشرقي الأردن، أو بين عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود وبين الحسين وأولاده، فاشترط عبد العزيز مبتدئًا أن لا يتدخل وفد أية حكومة من الحكومات الثلاث في المباحث مع غيرها، فقبل هذا الشرط وعليه؟ انعقد مؤتمر الكويت ولم يرسل الحسين مندوبًا عنه وأصر على أن خصمه يجلو عن تربة والخرمة قبل المفاوضات وكاد الاتفاق يتم بين نجد والعراق لولا أن الوفد العراقي خالف الشرط المبتدأ وعلق نفوذ معاهدته على الاتفاق بين نجد والحجاز.
أما وفد شرقي الأردن فكان موقفه عجيبًا؟ فلم يكتف بالمطالبة بالجوف وقريات الملح بل شرط إرجاع إمارتي آل رشيد وآل عائض والتنازل عن تربة والخرمة، فكان هذا يخوض فيما لا يعنيه، ولما عقد هذا المؤتمر للبحث في مسألة حدود نجد وشرق الأردن والبحث في المواد الباقية بين نجد والعراق.
ومن جملتها قبائل شمر الملتجئين إلى هذا القطر والبحث في المشاكل التي بين نجد والحجاز، وقد قال الوكيل في كتابه إلى عظمة السلطان أن الحكومة البريطانية مستعدة أن تعرض الأمر على الملك حسين وأن غرضها من عقد هذا المؤتمر هو إزالة سوء التفاهم وحل جميع المشاكل التي بين الممالك المتجاورة.
فأول جلسة عقدت في ٧ جمادى الأولى من هذه السنة فتلتها أربع جلسات دار فيها البحث بين وفد نجد ووفد العراق، فتم الاتفاق بينهم على بضع مواد تختص بمعاقبة الذين يشنون الغارات في أطراف البلاد وبكيفية المعاقبة وبطريقة المراسلة بين الحكومتين فيما يختص بالعشائر وتم الاتفاق. أو كاد أن يتم لولا تدخل وفد العراق فيما لا يعنيه، أن الوفد ساعة التوقيع طلب أن يضاف إلى المعاهدة أنها لا تكون نافذة ما لم يتم الاتفاق مع الحجاز وبين الحسين، ولذلك فقد اشترط في أول الأمر
стр. 762
شروطًا منها: إرجاع إمارة آل رشيد وإمارة آل عائض وإمارة الجوف، وأن يرسل ابنه يزيدًا بعد ذلك ينوب عنه في المؤتمر وأن يرجع ابن سعود الخرمة وتربه، وطلب أن يرسل ابن سعود ابنه عنه فأبى ذلك ابن سعود، وقدمنا أنه لم يحضر الحجاز وفد، فأين الحسين أين وفده لقد سار بنفسه متوجهًا إلى عمان يخطب الخلافة في اليوم الذي جلس فيه الوفد فلما علق وفد العراق مشكلته بمشكلة الحجاز رفض الوفد النجدي المادة الشرطية، فعندها بعث رئيس المؤتمر برقية إلى حكومته، كان فيها أنه لا يكمن البت في شأن من الشئون ما لم يوفد الحجاز مندوبه، فتأخر المؤتمر إلى غرة جمادى الثانية ليتمكن الوفدان الرجوع إلى بلاديهما ليستشيروا حكومتيهما في المسائل المختلف فيها.
وكان الخلاف بين نجد وحكومة عمان هو الجوف وقريات الملح، وفي خلال هذا المؤتمر أرسل الأمير عبد الله قوة احتلت القريات لما علم بما كان من الاتفاق بين ابن سعود وبين بريطانيا العظمى، فهم عبد العزيز بن سعود أن يجهز حملة تخرج تلك القوة منها، فلجأ الأمير إلى الحكومة البريطانية فطلبت من ابن سعود عدم المعاجلة بالزحف إلى الجوف ووعدت بتسوية المسألة بالوسائط السلمية.
أما قريات الملح فهي تتألف من قريتين كبيرتين ويتبعهما ثلاث مزارع وفي أراضيها معادن ملح كثيرة، يشحن أكثر منتوجها إلى حوران وغيره، وقد استهل رئيس الوفد الأردني يخطب بإطراء صاحب الجلالة الهاشمية والنهضة العربية والحكومة البريطانية التي ساعدت في استقلال العرب، ثم قال متجرئًا أن شرقي الأردن هي من ثمار هذا الاستقلاق وأن الجوف وسكاكة وما يتبعهما هي لازمة له وهي ضرورية للمواصلات بين شرقي الأردن والعراق، فيجب إذن أن تكون تحت إشراف حكومة الأمير، وقال في الجلسة الثانية أن الجوف وسكاكة وتوابعها هي من الأراضي السورية التي تبدأ حدودها من مدائن صالح وتنتهي عند أو كمال على نهر الفرات، وأن حكومة شرقي الأردن هي من سوريا فيجب أن يكون الجوف بأجمعه تحت إدارتها، فأجابه المندوب النجدي أن الجوف وسكاكة ووادي السرحان
стр. 763
بأجمعه تتبع التطورات في نجد بينما أن تشكيلات الأردن الإدارية لم تكن سوى أقضية تابعة للكرك والقدس ولم يكن الجوف تابعًا لها إدارايًا أو سياسيًا.
ثم قال رئيس الوفد: لا نوافق مطلقًا على اتصال حكومة شرقي الأردن
بالعراق، ونطلب أن تكون حكومة نجد متصلة حدودها بسورية حتى تكون تجارتها
آمنة، فحفظًا لكياننا الاقتصادي وحماية لروحنا التجارية نطلب أن يكون الاتصال
بسوريا أساسًا للاتفاق بيننا وبين شرقي الأردن؛ لقد كان ظاهر هذا الخلاف بين
القطرين هو الجوف ونحوه وحقيقة الأمر أن الخلاف الحقيقي هو ما بين آل سعود
والبيت الهاشمي من العداء المتأصل، وقد صرح به رئيس الوفد بعد إطرائه جلالة
الملك حسين حيث قال اسمحوا لي أن أصرح لحضراتكم بأنه إذا لم تتخلى حكومة
نجد عن الجوف ووادي سرحان بأجمعه وعن الأراضي الحجازية التي احتلتها يعني تربة والخرمة وخيبر وغيرها، وتجعل تحديد الحدود بين الحجاز ونجد على أن يكون الحد الفاصل هو الصحراء القاحلة، فلا يمكن أن يحصل بيننا اتفاق، فتكلم رئيس المؤتمر الكولونيل نوكس قائلًا: لا يحق لوفد العراق أو وفد شرقي الأردن أن يتكلم عن الحجاز فتوقفت المفاوضات بين نجد وشرقي الأردن كما قد توقفت سابقًا بين نجد والعراق، فانفض هذا المجلس وما كانت المفاوضات التي حصلت لتغير الحال أو تلطفها فعاد وفد العراق يحمل قرارته وفيها أنه لا يمكن لحكومة العراق أن تسلم شمر نجد حالًا، وأنها غير مسئولة عن المنهوبات التي سيق تاريخها، وقد قدمت حكومة نجد لائحة بالمنهوبات التي نهبت بعد توقيع معاهدة العقير، وفيها أسماء المعتدين والمعتدى عليهم، فبلغ عدد من قتل من رعايا نجد سبعة وعشرين رجلًا، وعدد ما نهب من الإبل ٤٦٠ وقيمة ما سلب من المال ٥٠٠ ليرة و ٤٠٠٠ ريال، ما عدا ٣٥٠ حملًا من الدهن، و ١٠٠ حمل من البن.
وكذلك أيضًا قرر وفد العراق أن حكومته لا تقبل بمبدأ إخراج العشائر الملتجئين إليها لأن ذلك يولد ارتباكات في الحدود العراقية مع سوريا وتركيا وإيران وأهم ما يكون مسألة العشائر، فإذا كانت حكومة العراق لا تسكن الحركات العدائية التي تقوم بها تلك العشائر المجرمة فالوفد لا يمضي معاهدة.
стр. 764
أما وفد شرقي الأردن فقد صمم على متطلباته ولم يتنازل عن شيء منها، وقد اقترح رئيس الوفود استفتاء الأهالي في القريات، فقبل الوفد النجدي بذلك على شرط أن يعمل بهذا المبدأ في الأماكن المتنازع عليها بين نجد والحجاز، أي في تربة والخرمة، فلم يقبل الوفد الأردني بذلك بل طلب أن يكون الجوف ووادي سرحان منطقة حياد بين القطرين فرفض الوفد النجدي وأرفض المؤتمر وتأجل أيضًا إلى شعبان ليتمكن الرئيس من مفاوضة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن.
وقد كان يأمل في سعة الوقت أن يغير الحسين الشريف رأيه فيرسل مندوبه في المؤتمر، نعم قد غير رأيه الشريف فعين نجله الأمير زيدًا ممثلًا للحجاز ولكنه لم يحضر، وبينما كان وفد العراق قد عاد للمرة الثانية يستشير حكومته قادمًا للمرة الثالثة إلى الكويت خرج فيصل الدويش وقد فرغ صبر عربانه غازيًا في أطراف العراق، فعندها غضبت الحكومة وأمرت وفدها بالرجوع إلى بغداد فلم يعقد لذلك اجتماع ثالث.
ولما كتب بعض الأدباء إلى حضرة صاحب الجلالة عبد العزيز ساعيًا في الوفاق بين البلدين وعقد معاهدة نجدية عراقية أوسع نطاقًا مما سبقها في العقير وفي المحمرة بعث عبد العزيز إليه بهذا الجواب: أما ما ذكرته عن اتفاق مع حكومة العراق فكنت أرغب به من صميم قلبي ولكن حكومة العراق لا تزال تعمل ضدنا في تأليف العصابات من مجرمي العشائر لمهاجمة رعايانا الآمنين وقطع الطرق على القوافل، يعلم الله أن جل مقصدي هو أن أعيش بسلام مع جيراني وأن نتحد كلنا على ما فيه خير العرب، ولكن الأشراف لا يروقهم ذلك فحسبنا الله.
وبعث أيضًا جلالة الملك كتابًا من القصيم في ١٤ رمضان في هذه السنة يقول: قد جئنا القصيم بأمور لا بد منها، منها: الاستعداد للطوارئ قد عينا عبد العزيز بن مساعد الجلوي أميرًا في حائل وجعلنا المنطقة الشمالية بما فيها القصيم والجوف وخيبر تحت إمارته وزودناها بالتعليمات الكاملة والقوة الكافية والصلاحية الواسعة وبدلنا أمير الجوف، فعينا مكانه عبد الله بن محمد بن عقيل، وأصحبناه بما
стр. 765
يلزم من القوة. هذا جواب عظمة السلطان على مطالب سمو الأمير عبد الله وجلالة والده، وقد وعظوا بتربة لو كانوا يعقلون، بل كانت تلك التعاليم التي دبرها صاحب الجلالة عبد العزيز هي نتيجة مؤتمر الكويت وقد قيل في كلام الحكم أعط أخاك تمرة، فإن أبى فجمرة.
ذكر الخلافة وما استقبل به الحسين في عمان من الاحتفال
لما كان في جمادى الثانية وصل القطار الملكي إلى العاصمة عمان، وكان قد جاء ليقرب من الأقطار ليجس نبضها في هذه المسألة الكبرى مسألة الخلافة، فلما جاء شاهد جلالته في المحطة مشهدًا فريدًا مجيدًا خفقت له قلوب السيادة، ورفرفت فوقه آمال الملك كلها في انتظاره، وكانت الوفود والجموع هناك، وفد سوريا وفلسطين ومشايخ العربان، من نواحي الشرق العربي، ورجال الحكومة من عرب وانكليز والصحافيون من مصر والقدس وبيروت والشام والجموع والجنود والأعداد من بدو وحضر في الثياب العربية، والأفرنجية والجركسية؛ فلما أطل جلالته من القطار رفع الناس أصواتهم هاتفين ليحي ملك العرب ليحي الفذ الأعظم وقد كان الاستقبال حارًا باهرًا اصطفت جنود الجيش العربي على الطريق من المحطة إلى المدينة وجال العربان من فرسان وهجانه وهم يهزجون الأهازيج البدوية، ورفع تلاميذ المدارس أصواتهم بالهتاف والأناشيد وشاركت في الترحيب الطيارات الإنكليزية التي تغمغم في الفضاء؛ ثم صعد الخطباء والسفراء منصة البيان، وطفقوا يخطبون وينشدون مهللين مكبرين ومهددين الإنكليز والفرنسيين بل الأوربيين أجمعين ليحي ملك العرب المنقذ الأعظم لتحيي النهضة العربية، وليسقط كل من يسعى ضدها وضده، ليسقط الإستعماريون والمستعبدون، وكان جلالته يسمع الخطباء والشعراء من شرفة البيت الذي أعد له البيت القابل للأثر التاريخي الجليل الملعب الروماني المتهدم، وللزمان في ذلك هزة، بلاغة تعجز دونها الشعراء والخطباء، لقد كان يومًا عظيمًا ومحفلًا رائعًا، ثم قابل جلالته الوفود فقال تكرارًا: أنه لا يتنازل عن مبدء واحد من المباديء التي هي أركان النهضة لا أتنازل عن حق واحد من حقوق البلاد، لا أقبل إلا أن فلسطين لأهلها العرب أقول لأهلها العرب
стр. 766
لا أقبل بالتجزئة، ولا أقبل بالانتداب ولا أسكت وفي عروقي دم عربي، عن مطالبة الحكومة البريطانية بالوفاء بالعهود التي قطعتها للعرب إذا رفضت الحكومة البريطانية التعديل الذي أطلبه فإني أرفض المعاهدة كلها، أقول المعاهدة كلها، لا أوقع المعاهدة قبل أخذ رأي الأمة إني عامل دائما في سبيل الإتفاق وأمراء العرب، إني عامل دائما في سبيل الوحدة العربية والاستقلال التام، أقول الاستقلال التام للأقطار العربية كلها ولا فرق عندي إذا كان مركز الحكومة العربية في الحجاز أو في سوريا أو في العراق أو في نجد، ولا عجب بعد هذه التصريحات المدهشة إذا تمت المبايعة بالخلافة، فبعد المآدب والاجتماعات العامة المتعددة، وبعد الاجتماعات الخاصة وحضور رؤساء الوفود وكبار موظفي الإنكليز، نودي بالملك حسين بن علي خليفة على المسلمين، وأمير المؤمنين، فبايعه السوريون والفلسطينيون الذين كانوا هناك ورؤساء عرب الأردن والحجازيون الذين كانوا مع جلالته وفريق من العراقيين وبعض من الهند والسند، وسيان كان ذلك عن كره أو رضى منهم فقد وصل إلى بغيته ونال أمنيته وفعل أفاعيل تقرر خلافته ورجع إلى مكة في يوم السبت ٢٣ شعبان، فأعدت الزينات واستقبله أهالي جدة ومكة استقبالًا باهرًا.
ولما صنع الشريف ما ذكرنا عقد في غرة ذي القعدة اجتماع عام برئاسة الإمام عبد الرحمن بن فيصل، وذلك بمدينة الرياض عاصمة المملكة السعودية حضره العلماء ورؤساء القبائل وكان صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن قد عاد إذ ذاك إلى الرياض بعد إقامته في الأحساء أثناء مؤتمر الكويت يراقب نتائجه فلما حضرت الأمة واجتمعت إفتتح الإمام عبد الرحمن الجلسة قائلًا: (قد جاءني كتب عديدة من الإخوان (١) وهم يريدون الحج وقد أرسلت هذه الكتب في حينها إلى ولدنا عبد العزيز وها هو أمامكم فسألوه عما يبدو لكم فتكلم عبد العزيز قائلا: وصلني كل ما كتبتموه وأحطت علما بكل ما شكوتموه، إن لكل شيء نهاية، فلا تيأسوا وإن الأمور مرهونة لأوقاتها.
стр. 767
فتكلم سلطان بن بجاد المدعو سلطان الدين قائلا: يا للإمام نحن نبغي الحج، ولا نريد أن نصبر أكثر مما صبرنا على ترك ركن من أركان الإسلام مع قدرتنا عليه، ليست مكة ملكا لأحد، ولا يحق لأحد أن يمنع المسلمين، أو يصد المؤمنين عن أداء فريضة الحج، نريد أن نحج يا عبد العزيز فإذا منعنا الشريف حسين، دخلنا مكة بالقوة، وإذا كنتم ترون أن من المصلحة تأجيل الحج في هذا العام، فلا بد من غزو الحجاز لنخلص البيت الحرام من أيديهم، فأجاب السلطان عبد العزيز قائلا: إن مسألة الحج من المسائل التي يرجع الفصل فيها إلى علمائنا وها هم حاضرون فليتكلموا: تكلم الشيخ الورع سعد بن عتيق ﵀ أن الحج من أركان الإسلام، ومسلموا نجد والحمد لله يستطيعون أن يؤدوا هذا الركن على الوجه الأتم بالرضى أو بالقوة، ولكن من أصول الشريعة النظر إلى المصالح والمفاسد، فالأمر الذي قد يؤدي إلى ضرر أو مفسدة يدفع ويؤجل من أجله الحج، فهل هناك مفسدة أو مضرة قد تنتج عن الترخيص لمسلمي نجد بالذهاب إلى بيت الله، ذلك ما نريد أن نقف عليه من الواقفين على السياسة. ولقد كان السلطان عبد العزيز في الخمس السنين الماضية يجيب على هذا السؤال بالإجاب فيمنع أهل نجد عن الحج خوف أن يحدث ما لا تحمد عقباه، وقد كان يعالج مشاكل أهل نجد مع الحجاز بالطرق السلمية السياسية.
أما في هذا الاجتماع فقد قال عظمته مخاطبا العلماء والإخوان، نحن لا نود أن نحارب من يسالمنا، ولا نمتنع عن موالاة من يوالينا، ولكن شريف مكة دائما كما تعلمون يزرع جذور الشقاق بين عشائرنا، وهو الوارث من أسلافه بغضنا، ومع ذلك فقد بلغت كل ما في وسعي لحل المشاكل التي بيننا وبين الحجاز بالتي هي أحسن، وكنت كلما دنوت من الحسين تباعد، وكلما لنت له جفاني، إي ورب الكعبة، ولست أرى في تطور الأمور ما ينعش الأمل، بل أرى الأمور تزداد شدة وارتباكا، ولا يحسن الاستمرار في خطة لا تعزز حقوقنا، ومصالحنا، فوقف السلطان عند هذه الكلمة، فلما سمع الإخوان كلامه، هتف الجميع يقولون: توكلنا على الله
стр. 768
إلى الحجاز، فنظرا من السلطان عبد العزيز إلى عدم حل مشاكل الشريف إلا بالقوة، وإجابة لطلب أهل نجد في هذا الاجتماع الذي ثاروا فيه، وطلبوا أمرًا لا مفر منه، أجابهم إلى طلبهم، ومن أراد أن يطاع فليسأل ما يستطاع.
أما الشريف حسين فإنه بعدما قدم إلى مكة عائدا من عمان، أضاف إلى لقبيه الكبيرين لقبًا ثالثًا، فأصبح يلقب نفسه أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين وملك العرب، فالله المستعان.
سنة الغرق في القصيم
وفيها في رمضان في العشر الأواخر منه هطلت أمطار عظيمة على القصيم كادت أن تهلك الناس، وتلف بسببها أموال وضاعت أموال أخرجتها السيول من وسط المنازل، لما دخلت البيوت وجاء الوادي المسمى بالفاجرة من مجراه مع الخبيب الكاين في بريدة يمتد من الشمال إلى الجنوب، وكان هذا الوادي لا يجري إلا بتكاثر السيول وأنهارها، وقد أدركت ذلك وأنا في الثامنة من العمر، في حال الدراسة بعد صلاة الظهر على المؤدب، ومعي لوح من خشب، كتب فيه المؤدب آيات من أول سورة المعارج، فرأيت الماء يصب من السماء كهيئة العزالى أفواة القرب، وتعرف هذه السنة بسنة الغرقه، في لغة العامة تأنيث الغرق، وقد رأى رجل من الصالحين في منامه قبيل الغرق، آتيا أتاه في النوم فتكلم سائلًا: أتكون الواقعة في الأموال، أم في الأرواح؟ فسمع مجيبًا له يقول: لا بل بالأموال، فكان كما ذكر.
وفيها في ٢٥ من رمضان ولي الأمير مبارك بن مبيريك إمارة بريدة، وكان رجلًا حليمًا سكينًا.
وفيها وفاة الشاعر النبطي محمد بن عبد الله العوني وهذه ترجمته: هو شاعر الحرب والسياسة المهيج المتقلب ولد في بريدة.
وكان أبوه بناء ولم يكن من ذوي البيوت والشهرة، ولكنه نبغ بالشعر السياسي، فطار صيته، وسارت بأشعاره الركبان.
стр. 769
وقد نشأ في عهد حروب وفتن وتطاحن، وذلك في عهد حروب أبناء فيصل فيما بينهم حتى أضاعوا ملك آل سعود.
وكان محمد بن رشيد قد انتهز هذه الفرصة للإستيلاء على نجد، وكان القصيم هو محور الدائرة لتلك الحروب، ففيه واقعة المليداء والبكيرية ومئات من الوقائع، شهدها كلها العوني وشارك في كثير منها بشعره الذي له وقع السيف والمدفع، وكان الشعر في تلك الحروب يمثل دور الصحافة ويمتلك عنان الدعاية فيهتم له الأمراء المتحاربون.
ولما جرت واقعة المليدا جلى العوني مع من جلى من أهل القصيم إلى الكويت، وكان العوني مولعًا بآل مهنا فكان صديقًا لعبد العزيز بن عبد الله بن مهنا، وبعد قتله وفرار أخيه محمد بن عبد الله آل أبي الخيل وأهل بيته إلى الكويت من حبس ابن رشيد، اتخذه العوني صاحبه وكان ذلك قبل وقعة الطرفية، ثم لما جرت الطرفية وجلى رؤساء أهل القصيم إلى الكويت فرارًا من ابن رشيد، اجتمع رجال عقيل واقترحوا على العوني أن ينظم قصيدة يثير بها ساكنهم، ويستجيش بها همهم، ليقوموا باسترجاع وطنهم بعد ما شتتوا عنه، في دمشق والكويت، فأنشأ قصيدة سماها الخلوج، وهي الناقة التي فقدت ولدها فهي لا تهدأ من الحنين.
ولما أنشأها كعادته في التهييج، وقرئت عليهم بكوا، وصفوا تجارتهم وتجهزوا على حسابهم الخاص، وجعلوا يحاربون تحت راية ابن سعود إلى أن تم استرجاع القصيم كما قدمنا وما زال العوني مترددًا بين سعدون وابن رشيد، وبعد سعدون ابنه عجيمي، ثم بقي عند ابن الرشيد في حائل، يثير الفتن حتى تم فتحها فطلب الأمان من ابن سعود فأمنه ورجع إلى الرياض، غير أنه لم يكف عن التهييج وإثارة الفتن، فقبض عليه ابن سعود، وأمر بزجه في السجن في الأحساء، فقال في ذلك السجن قصيدته التي كتوبة، وبعد ذلك توفى في هذه السنة وقصائده موجودة.
ثم دخلت سنة ١٣٤٣ ه ـ
في افتتاح هذه السنة زحفت جيوش نجد غربًا من الجنوب والشمال، ولكن
стр. 770
صاحب العظمة عبد العزيز أمر أولًا بغزو الشرق العربي قبل الزحف إلى الحجاز وهذا الغرض حربي، لإنها لم تكن هذه الغزوة بدون أسباب تبررها. قد تقدم البيان فيما كان بين حكومتي نجد وشرقي الأردن من النزاع المتواصل، وحجت الحكومة الأردنية استرجاع الجوف وقرى الملح، وإذا كانت جنود ابن سعود قد احتلت تلك القرى فما الداعي إذًا إلى تجاوزها إلى الحد وإلى الغرو فيقال: الداعي أن هناك تعديات وجرائم ذكرت في مطالب نجد في مؤتمر الكويت، فقد أغار ابن سليمان بن جازي من شيوخ الحويطات على قافلة من تجار نجد في طريقهم إلى الشام، فقتلوا ثمانية من رجالها، ونهبوا ما يزيد على سبعمائة بعير، وكذا تكررت الإغارات على أهل نجد من عربان الحويطات وبني صخر الذين كان الأمير عبد الله يقربهم منه ويجز لهم العطايا فبلغت المنهوبات ألف بعير، وأربعين فرسا من الخيل ما عدا الأحمال التي تقدر بثمانيين ألف ليرة عثمانية.
ولما أن طلب السلطان عبد العزيز أن تغرم قبيلة بني صخر بمئتي ألف ليرة
ضمانة لسلامة التجارة والتجار بين نجد وسوريا، لم تكترث الحكومة الأردنية لهذا الطلب، ولم تعره اهتمامًا، وذلك احتقار للخصم، وعدم مبالاة بما يوغر الصدور، فعندها عمد السلطان إلى القوة.
ذكر غزوة البلقا وما جرى للإخوان حين وصلوا أبواب عمان
لما كان في أوائل محرم زحف الإخوان من أطراف وادي سرحان وعددهم يتراوح بين الألفين والثلاثة آلاف، فالتقوا في طريقهم بثلة من جنود شرق الأردن، عددهم مع رجال الحملة خمسة وعشرون، وهم سائرون إلى القصر الأزرق، فيحملون المؤن والذخير، إلى الحامية فيه، فذبحوهم إلا واحدًا وغنموا الحملة كلها، ثم تقدموا غربًا، فهجموا على الطنيب وأم العمد والقسطل ويادودة، وكادوا بعد أن اجتاز فريق منهم سكة الحديد، أن يصلوا العاصمة أولئك الإخوان (١) وربك لا يعرفون نظامًا، ولا يخافون دولة، ولا يهابون موتًا، وما كان إلا أن أذن لهم في الغزو، فطاروا مجاهدين، فليسوا بأهمية من سطوة شريف ولا ضيع، فلما حصل
стр. 771
هذا الإقدام، وهذه الجراءة كان الأمير عبد الله يومئذ متغيبًا، فعندها صدرت أوامر الحكومة بالدفاع، فبادر العربان وفي مقدمتهم الصخور والحويطات إلى محاربتهم، فاشتبكوا في معركة دامية، واستمروا بضع ساعات، وكان بيك باشا القائد الإنكليزي للجند النظامي قد أرسل الطيارات، والسيارات المدرعة على الإخوان، فحلقت الطيارات فوق العربان المتلاحمين، وشرعت ترميهم كلهم بالقذائف، كما أن السيارات أطلقت عليهم جزافًا مدافعها الرشاشة، كأني بأولئك الإنكليز يقولون من أين لنا أن نعرف النجدي من الأردني، والعرب في القيافة لا يفرقون بعضهم عن بعض، نعم كلهم عرب أغمض عينيك يا ابن جانبول، واضرب فكانت القتلى بين الفريقين قبل مجيء الطيارات والسيارات نحوا من مائة رجل، فلما رعدت الطيارات والسيارات، وألقت قنابلها على المتلاحمين، انفصلت هذه الواقعة عن أربعمائة قتيل من الإخوان وعربان عمان، واختلط الحابل بالنابل، وكان بعض الأسرى من الإخوان، يحملون علبًا من التنك الإنكليزي الصنع، فيها لحم مقدد، حتى قال بعض أهل المعرفة من تلك الناحية: من ينكر بعد ذلك أن الإنكليز يساعدون ابن سعود هذا لحمهم المقدد يأكله الإخوان، وكان هذا اللحم من الحملة التي غنمها الإخوان في طريقهم، نعم إنه لحم من لحم الإنكليز ومن بلاد الإنكليز، ولولا القوة الهائلة التي كانت تديرها الأيدي الإنكليزية، لاكتسح النجديون الشرق العربي، ولرفعوا العلم السعودي فوق ربى عمان.
أما الأمير عبد الله فبعدما عاد إلى عاصمته شكر الإنكليز التي لا تزال إلا تكلى بعينها الزرقاء البيت الهاشمي، وأما سيد هذا البيت الأكبر الملك حسين فقد كان في قصره بمكة متوسدًا وسادة الخلافة، مطمئنًا واثقًا بما تضمره الأيام، ويدبج المقالات لجريدة القبلة، نحن نشكر كمالات حكومة بريطانيا العظمى على ما أظهرته من الحمية في الشرق العربي، ولكننا مع ذلك لا نتنازل عن حق من حقوقنا، إن سورية جزء من البلاد العربية وإن فلسطين للعرب، ولا نوقع معاهدة فيها، ما ينفي هذا القول بل هذا الحق، ومن أعرف من بالبدو وبالمتدينة قنبلة من مدفع تبددهم، وطيارة واحدة تشتت شملهم، والبرهان في الشرق العربي، وكان يفكر في تعزيز ملكه في الشرق الأوسط أيضًا، فعين وزير خارجيته الشيخ فؤاد الخطيب سفيرًا للحجاز في طهران.
стр. 772
قلت يا عجبًا لأمر الشريف، ومبلغ عقله، حيث يغوص في هذه البحار العميقة، وتحدثه أمنيته إلى هذه الغاية، وأغفل إرادة الله، وأمره الغالب لكل مغالب وسطوة، من لا يفوته شارد ولا هارب، فلو علم ما حبلت به الأيام والليالي من العجائب لكان له غير هذه الحالة، ومن عاش فسوف يرى.
وبينما هو كان يحلم بسيادة أعظم من السيادة العربية، بسيادة شاملة إسلامية، جالسًا على فراش الملك، والخلافة والنصر رافعًا يده بزعمه على العرب بالقهر، إذا بالإخوان يدبرون الأمر، في غزوة بعقر داره وأخذ الحجاز منه، ومما هو جدير بالذكر أن الشريف لم يحسب لهم حسبانًا ولم يجر في خلده ذلك.
ذكر فتح الطائف سنة ١٣٤٣ ه ـ
لما رجع الإخوان من غزو الشمال زحفوا إلى الطائف يقودهم القائد سلطان بن بجاد بن حميد، والشريف خالد بن منصور بن لؤي أمير الخرمة، بجيش من الإخوان مؤلف من خمسة عشر راية من رايات الغطغط، والخرمة، وتربة، ورنية، وعتيبة، وقحطان، وبني تميم، فانضم إليهم بعدئذ من أشراف الحجاز وعربانة، كالحرث، وبني ثقيف، عدد لا يبلغ هو والجيش أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل، وكان مركز الاجتماع في تربة، فزحف هذا الجيش بأجمعه، وما كان قد علم بزحفه أحد في مكة أو في الطائف بل لم تشعر الحكومة بهجومهم قبل أن يصلوا إلى قرية الحوية التي تبعد عن الطائف بضعة أميال.
فلما أن وصلت سراياهم الحوية في غرة صفر، استيقظت الحكومة عند ذلك، فأصدر ناظر الحربية الهاشمية أمير اللواء صبري باشا أوامره إلى جنود النظام بالدفاع، فخرجوا من الطائف وهم نحو أربعمائة ومعهم بعض المدافع الجبلية والرشاشة وقصدوا الحوية، ليصدوا الإخوان فاستعرت بينهم وبين سرايا الجيش هناك معركة دامت بضع ساعات كانت الغلبة فيها للإخوان، فتقهقر النظاميون إلى جهة الطائف، وانضم إليهم جند من البدو فرابطوا معهم في الهضاب الغربية من
стр. 773
البلد إلى الشمال، ووقفوا ثانية لسرايا الجيش الزاحف، وشرعوا يطلقون عليهم المدافع، فاستمروا في مناوشتهم دون أن يتمكنوا من ردهم ثلاثة أيام، كما أنه انضم قسم من البدو والذين كانوا في المراكز الأمامية الإخوان وسلم الباقون.
أما الجنود النظامية فبعدما ولو الأدبار، وتحصنوا في الهضاب للدفاع، لم يتمكنوا من شيء، ولم يحصلوا على طائل، وما حسبوا لهذه الجراءة حسابًا، بل كانت حكومة الحسين تظن نفسها قادرة على إخضاع كل أمير عربي لسيطرتها.
فلما أن وصلت أخبار الهزيمة إلى مكة، أمر الملك حسين نجله عليًا بإنجاد جيش المدافع، فجاء الأمير مسرعًا بسرية من الخيالة وأخرى من الهجانة.
أما النجدة التي مشت في طريق السيل فلم تصل إلا بعد سقوط الطائف، فوصل الأمير علي يوم الخميس الموافق ٦ صفر، فدخل الطائف ليلًا، وخرج منها في عصر ذلك اليوم، ليعسكر بالهدي الذي هو على مسافة أربع ساعات من الطائف، وكان الجيش النجدي يزداد قوة وعددًا، فاضطرت الجنود النظامية أن يتقهقروا إلى مدينة الطائف في صباح يوم الجمعة، فتقدم الإخوان وصار رصاصهم قرب الظهر يسقط داخل السور، فاستولى الذعر والخوف على الأهالي، وكان الأشراف في مقدمة الهاربين فقد خرج آخر ذلك اليوم أمير الطائف الشريف شرف عدنان، ووزير الحربية وجنوده النظاميون، وسائر الأمراء والموظفين من الطائف، لأنهم رأو كما قيل: أنه خير لسلامتها ولسهولة استردادها فلحقوا بالأمير علي.
فلما شرد الأشراف وتشتت الجيش في الساعة الثانية ليلًا من ثامنة صفر، دخل الإخوان مدينة الطائف في غسق الدجا كالسيل الجارف وهم يكبرون ويعتزون ويطلقون بنادقهم في الفضا، ثم طفقوا يطلقونها في الأسواق وهم يطوفون في المدينة، فقتلوا عددًا من الأثرياء الذين لم يسارعوا مثل غيرهم من الأهالي إلى بيوتهم مستأمنين.
وكان قد تخلف في مدينة الطائف جماعات من عرب الحجاز من الطويرق والنمور والعقوم وغيرهم، ناهيك بمن دخل مع الجيش من البدو والذين جل
стр. 774
قصدهم النهب والسلب، فاختلطت هذه الجموع في ظلمات الليل، وكانت ساعة هول مزعج، وشرع العربان والبدو يطوقون الأبواب ويكسرونها ويدخلون البيوت إما قهرًا وإما بعد أن يؤمنوا أصحابها، ثم يعملون فيها أيدي النهب والسلب، وكانوا يقتلون في سبيل السلب من يتعرض لهم ولكنهم لم يقتلوا من النساء سوى امرأة واحدة، ولا كانوا يتعرضون لهن إلا إذا أَبَيْنَ أن يدللنهم على الكنوز والسلاح.
وكان لهذا الحادث أعني كسر البيوت والسلب ألم في نفس السلطان عبد العزيز، وحين بلغه ذلك أمر بتأليف لجنة لتقرير الخسائر والتعويض على المنكوبين من الأهالي من الهنود والجاوبين وغيرهم، ودفع عشرة آلاف ليرة من التعويضات، وأقامت اللجنَة مدة من الزمان تواصل عملها، ولكن ذلك له مسوغ:
أولًا: يعلم أن الحروب لاشك عمياء، ولا بد لها من ضحايا خصوصًا، إذا دخل الهاجمون ليلًا.
ثانيًا: تسبب بعض الأهالي لذلك لأنهم جعلوا يطلقون على الإخوان البنادق من شبابيك البيوت ونوافذها، فحملهم على أن دخلوا البيوت عنوة وفتكوا برجالها، وإنما ذكرنا ذلك لأن دعاة البيت الهاشمي اتخذوا حادثة الطائف آلة للتشهير بعدوهم، واخذوا يصفون فظائعها وأهوالها، حتى بالغت الدعاة بأن الوهابيين شقوا بطون النساء وأخرجوا أولادها، وكل هذا كذب لا أصل له، ولو كان أمراء الجيش حاضرين لما وقع سيء من الضرر، وشاهد على ذلك فتح حائل فقد كانت أقرب إلى أن تخرب وتقتل رجالها، لما هناك من الضغائن القديمة فراجعه هل وقع شيء من التدمير والشراسة، بل غمرهم الفاتح بعطفه وإحسانه، وقسم عليهم الثياب والأرزاق، فقبح الله دعاة السوء ما أمقتهم وأرذلهم وأكذبهم.
ذكر أعيان المقتولين في هذه الحرب العمياء
كان منهم مفتي الشافعية الزواوي، وقد قيل أنه قتل بقنبلة من مدافع الأشراف،
стр. 775
وقتل أيضًا في هذه الواقعة أبناء الشيبي السادتين للكعبة حسن بن عبد القادر بن علي، وجعفر بن عبد الرحمن بن عبد الله.
أما الشيخ عبد القادر الشيبي سادن الكعبة فقد نجا من الإخوان بحيلة ظريفة وذلك أنه لما وقع بين أيديهم بكى وجعلت دموعه تساقط على الأرض، فسأله أحدهم وقد سل السيف فوق عنقه قائلًا له: ليش تبكي يا كافر؟ فأجابه الشيخ يقول أبكي والله من شدة الفرح أبكي يا إخوان لأني قضيت حياتي كلها في الشرك بالله والكفر ولم يشأ الله أن أموت إلا مؤمنا موحدًا الله أكبر لا إله إلا الله فانخدعوا لذلك، وبكوا لبكائه ثم طفقوا يقبلونه ويهنئونه بالإسلام، وبذلك تعرف حسن نيتهم وأنهم يطلبون إعلاء كلمة الله لا غير.
وبما أنه انضم إلى الجيش النجدي فريق من عرب الحجاز وأشرافه نفرة من الحسين، وابتغاء لسقوطه، كذلك كان أشراف الحرس في مقدمة الثائرين وتبع الجيش النجدي فئات من الجيش الهاشمي، فاستولى الإخوان على بلاد الطائف، فقد كان مع هذه الأمور متكئًا على أمانيه، ولم يثبت عزمه ولا حوله ذلك مقدار ذرة عن مقصده، ولما وصل الأشراف هاربين ومن معهم بالأمير علي بن الحسن إلى عرفات، علم الملك حسين وغضب غضبة مضرية، وشرع يعد العدة لإعادة الكرة على الإخوان، ولاسترجاع الطائف بزعمه، وما علم أن منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بثوب احتلالها، وعناق القنا دون عناقها، والأخذ بساق الأسد دون الأخذ بساقها، فهيهات وهيهات وأين الثريا من يد الملتمس والأماني رأس مال المفلس.
قام الحسين وجمع شتات الجند وجمع ما استطاع من البدو، وجرد نهضة جديدة مؤلفة من ٥٠٠ من النظام و ٩٠٠ من قبائل الحجاز الموالين من هذيل وقريش وبني سفيان و ٢٠٠ من أهل مكة، ثم أمر عليا على الجميع وأمره بالرجوع إلى ساحة الحرب فمشي الأمير علي بن الحسين على رأس هذا الجيش الذي بلغ عدده ألف وثلثمائة وقصد الهدي، وكان الإخوان قد علموا بزحفه وانتبهوا لذلك فحمل منهم