← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

هذا الإقدام، وهذه الجراءة كان الأمير عبد الله يومئذ متغيبًا، فعندها صدرت أوامر الحكومة بالدفاع، فبادر العربان وفي مقدمتهم الصخور والحويطات إلى محاربتهم، فاشتبكوا في معركة دامية، واستمروا بضع ساعات، وكان بيك باشا القائد الإنكليزي للجند النظامي قد أرسل الطيارات، والسيارات المدرعة على الإخوان، فحلقت الطيارات فوق العربان المتلاحمين، وشرعت ترميهم كلهم بالقذائف، كما أن السيارات أطلقت عليهم جزافًا مدافعها الرشاشة، كأني بأولئك الإنكليز يقولون من أين لنا أن نعرف النجدي من الأردني، والعرب في القيافة لا يفرقون بعضهم عن بعض، نعم كلهم عرب أغمض عينيك يا ابن جانبول، واضرب فكانت القتلى بين الفريقين قبل مجيء الطيارات والسيارات نحوا من مائة رجل، فلما رعدت الطيارات والسيارات، وألقت قنابلها على المتلاحمين، انفصلت هذه الواقعة عن أربعمائة قتيل من الإخوان وعربان عمان، واختلط الحابل بالنابل، وكان بعض الأسرى من الإخوان، يحملون علبًا من التنك الإنكليزي الصنع، فيها لحم مقدد، حتى قال بعض أهل المعرفة من تلك الناحية: من ينكر بعد ذلك أن الإنكليز يساعدون ابن سعود هذا لحمهم المقدد يأكله الإخوان، وكان هذا اللحم من الحملة التي غنمها الإخوان في طريقهم، نعم إنه لحم من لحم الإنكليز ومن بلاد الإنكليز، ولولا القوة الهائلة التي كانت تديرها الأيدي الإنكليزية، لاكتسح النجديون الشرق العربي، ولرفعوا العلم السعودي فوق ربى عمان. أما الأمير عبد الله فبعدما عاد إلى عاصمته شكر الإنكليز التي لا تزال إلا تكلى بعينها الزرقاء البيت الهاشمي، وأما سيد هذا البيت الأكبر الملك حسين فقد كان في قصره بمكة متوسدًا وسادة الخلافة، مطمئنًا واثقًا بما تضمره الأيام، ويدبج المقالات لجريدة القبلة، نحن نشكر كمالات حكومة بريطانيا العظمى على ما أظهرته من الحمية في الشرق العربي، ولكننا مع ذلك لا نتنازل عن حق من حقوقنا، إن سورية جزء من البلاد العربية وإن فلسطين للعرب، ولا نوقع معاهدة فيها، ما ينفي هذا القول بل هذا الحق، ومن أعرف من بالبدو وبالمتدينة قنبلة من مدفع تبددهم، وطيارة واحدة تشتت شملهم، والبرهان في الشرق العربي، وكان يفكر في تعزيز ملكه في الشرق الأوسط أيضًا، فعين وزير خارجيته الشيخ فؤاد الخطيب سفيرًا للحجاز في طهران.

стр. 772

قلت يا عجبًا لأمر الشريف، ومبلغ عقله، حيث يغوص في هذه البحار العميقة، وتحدثه أمنيته إلى هذه الغاية، وأغفل إرادة الله، وأمره الغالب لكل مغالب وسطوة، من لا يفوته شارد ولا هارب، فلو علم ما حبلت به الأيام والليالي من العجائب لكان له غير هذه الحالة، ومن عاش فسوف يرى. وبينما هو كان يحلم بسيادة أعظم من السيادة العربية، بسيادة شاملة إسلامية، جالسًا على فراش الملك، والخلافة والنصر رافعًا يده بزعمه على العرب بالقهر، إذا بالإخوان يدبرون الأمر، في غزوة بعقر داره وأخذ الحجاز منه، ومما هو جدير بالذكر أن الشريف لم يحسب لهم حسبانًا ولم يجر في خلده ذلك. ذكر فتح الطائف سنة ١٣٤٣ ه ـ لما رجع الإخوان من غزو الشمال زحفوا إلى الطائف يقودهم القائد سلطان بن بجاد بن حميد، والشريف خالد بن منصور بن لؤي أمير الخرمة، بجيش من الإخوان مؤلف من خمسة عشر راية من رايات الغطغط، والخرمة، وتربة، ورنية، وعتيبة، وقحطان، وبني تميم، فانضم إليهم بعدئذ من أشراف الحجاز وعربانة، كالحرث، وبني ثقيف، عدد لا يبلغ هو والجيش أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل، وكان مركز الاجتماع في تربة، فزحف هذا الجيش بأجمعه، وما كان قد علم بزحفه أحد في مكة أو في الطائف بل لم تشعر الحكومة بهجومهم قبل أن يصلوا إلى قرية الحوية التي تبعد عن الطائف بضعة أميال. فلما أن وصلت سراياهم الحوية في غرة صفر، استيقظت الحكومة عند ذلك، فأصدر ناظر الحربية الهاشمية أمير اللواء صبري باشا أوامره إلى جنود النظام بالدفاع، فخرجوا من الطائف وهم نحو أربعمائة ومعهم بعض المدافع الجبلية والرشاشة وقصدوا الحوية، ليصدوا الإخوان فاستعرت بينهم وبين سرايا الجيش هناك معركة دامت بضع ساعات كانت الغلبة فيها للإخوان، فتقهقر النظاميون إلى جهة الطائف، وانضم إليهم جند من البدو فرابطوا معهم في الهضاب الغربية من

стр. 773

البلد إلى الشمال، ووقفوا ثانية لسرايا الجيش الزاحف، وشرعوا يطلقون عليهم المدافع، فاستمروا في مناوشتهم دون أن يتمكنوا من ردهم ثلاثة أيام، كما أنه انضم قسم من البدو والذين كانوا في المراكز الأمامية الإخوان وسلم الباقون. أما الجنود النظامية فبعدما ولو الأدبار، وتحصنوا في الهضاب للدفاع، لم يتمكنوا من شيء، ولم يحصلوا على طائل، وما حسبوا لهذه الجراءة حسابًا، بل كانت حكومة الحسين تظن نفسها قادرة على إخضاع كل أمير عربي لسيطرتها. فلما أن وصلت أخبار الهزيمة إلى مكة، أمر الملك حسين نجله عليًا بإنجاد جيش المدافع، فجاء الأمير مسرعًا بسرية من الخيالة وأخرى من الهجانة. أما النجدة التي مشت في طريق السيل فلم تصل إلا بعد سقوط الطائف، فوصل الأمير علي يوم الخميس الموافق ٦ صفر، فدخل الطائف ليلًا، وخرج منها في عصر ذلك اليوم، ليعسكر بالهدي الذي هو على مسافة أربع ساعات من الطائف، وكان الجيش النجدي يزداد قوة وعددًا، فاضطرت الجنود النظامية أن يتقهقروا إلى مدينة الطائف في صباح يوم الجمعة، فتقدم الإخوان وصار رصاصهم قرب الظهر يسقط داخل السور، فاستولى الذعر والخوف على الأهالي، وكان الأشراف في مقدمة الهاربين فقد خرج آخر ذلك اليوم أمير الطائف الشريف شرف عدنان، ووزير الحربية وجنوده النظاميون، وسائر الأمراء والموظفين من الطائف، لأنهم رأو كما قيل: أنه خير لسلامتها ولسهولة استردادها فلحقوا بالأمير علي. فلما شرد الأشراف وتشتت الجيش في الساعة الثانية ليلًا من ثامنة صفر، دخل الإخوان مدينة الطائف في غسق الدجا كالسيل الجارف وهم يكبرون ويعتزون ويطلقون بنادقهم في الفضا، ثم طفقوا يطلقونها في الأسواق وهم يطوفون في المدينة، فقتلوا عددًا من الأثرياء الذين لم يسارعوا مثل غيرهم من الأهالي إلى بيوتهم مستأمنين. وكان قد تخلف في مدينة الطائف جماعات من عرب الحجاز من الطويرق والنمور والعقوم وغيرهم، ناهيك بمن دخل مع الجيش من البدو والذين جل

стр. 774

قصدهم النهب والسلب، فاختلطت هذه الجموع في ظلمات الليل، وكانت ساعة هول مزعج، وشرع العربان والبدو يطوقون الأبواب ويكسرونها ويدخلون البيوت إما قهرًا وإما بعد أن يؤمنوا أصحابها، ثم يعملون فيها أيدي النهب والسلب، وكانوا يقتلون في سبيل السلب من يتعرض لهم ولكنهم لم يقتلوا من النساء سوى امرأة واحدة، ولا كانوا يتعرضون لهن إلا إذا أَبَيْنَ أن يدللنهم على الكنوز والسلاح. وكان لهذا الحادث أعني كسر البيوت والسلب ألم في نفس السلطان عبد العزيز، وحين بلغه ذلك أمر بتأليف لجنة لتقرير الخسائر والتعويض على المنكوبين من الأهالي من الهنود والجاوبين وغيرهم، ودفع عشرة آلاف ليرة من التعويضات، وأقامت اللجنَة مدة من الزمان تواصل عملها، ولكن ذلك له مسوغ: أولًا: يعلم أن الحروب لاشك عمياء، ولا بد لها من ضحايا خصوصًا، إذا دخل الهاجمون ليلًا. ثانيًا: تسبب بعض الأهالي لذلك لأنهم جعلوا يطلقون على الإخوان البنادق من شبابيك البيوت ونوافذها، فحملهم على أن دخلوا البيوت عنوة وفتكوا برجالها، وإنما ذكرنا ذلك لأن دعاة البيت الهاشمي اتخذوا حادثة الطائف آلة للتشهير بعدوهم، واخذوا يصفون فظائعها وأهوالها، حتى بالغت الدعاة بأن الوهابيين شقوا بطون النساء وأخرجوا أولادها، وكل هذا كذب لا أصل له، ولو كان أمراء الجيش حاضرين لما وقع سيء من الضرر، وشاهد على ذلك فتح حائل فقد كانت أقرب إلى أن تخرب وتقتل رجالها، لما هناك من الضغائن القديمة فراجعه هل وقع شيء من التدمير والشراسة، بل غمرهم الفاتح بعطفه وإحسانه، وقسم عليهم الثياب والأرزاق، فقبح الله دعاة السوء ما أمقتهم وأرذلهم وأكذبهم. ذكر أعيان المقتولين في هذه الحرب العمياء كان منهم مفتي الشافعية الزواوي، وقد قيل أنه قتل بقنبلة من مدافع الأشراف،

стр. 775

وقتل أيضًا في هذه الواقعة أبناء الشيبي السادتين للكعبة حسن بن عبد القادر بن علي، وجعفر بن عبد الرحمن بن عبد الله. أما الشيخ عبد القادر الشيبي سادن الكعبة فقد نجا من الإخوان بحيلة ظريفة وذلك أنه لما وقع بين أيديهم بكى وجعلت دموعه تساقط على الأرض، فسأله أحدهم وقد سل السيف فوق عنقه قائلًا له: ليش تبكي يا كافر؟ فأجابه الشيخ يقول أبكي والله من شدة الفرح أبكي يا إخوان لأني قضيت حياتي كلها في الشرك بالله والكفر ولم يشأ الله أن أموت إلا مؤمنا موحدًا الله أكبر لا إله إلا الله فانخدعوا لذلك، وبكوا لبكائه ثم طفقوا يقبلونه ويهنئونه بالإسلام، وبذلك تعرف حسن نيتهم وأنهم يطلبون إعلاء كلمة الله لا غير. وبما أنه انضم إلى الجيش النجدي فريق من عرب الحجاز وأشرافه نفرة من الحسين، وابتغاء لسقوطه، كذلك كان أشراف الحرس في مقدمة الثائرين وتبع الجيش النجدي فئات من الجيش الهاشمي، فاستولى الإخوان على بلاد الطائف، فقد كان مع هذه الأمور متكئًا على أمانيه، ولم يثبت عزمه ولا حوله ذلك مقدار ذرة عن مقصده، ولما وصل الأشراف هاربين ومن معهم بالأمير علي بن الحسن إلى عرفات، علم الملك حسين وغضب غضبة مضرية، وشرع يعد العدة لإعادة الكرة على الإخوان، ولاسترجاع الطائف بزعمه، وما علم أن منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بثوب احتلالها، وعناق القنا دون عناقها، والأخذ بساق الأسد دون الأخذ بساقها، فهيهات وهيهات وأين الثريا من يد الملتمس والأماني رأس مال المفلس. قام الحسين وجمع شتات الجند وجمع ما استطاع من البدو، وجرد نهضة جديدة مؤلفة من ٥٠٠ من النظام و ٩٠٠ من قبائل الحجاز الموالين من هذيل وقريش وبني سفيان و ٢٠٠ من أهل مكة، ثم أمر عليا على الجميع وأمره بالرجوع إلى ساحة الحرب فمشي الأمير علي بن الحسين على رأس هذا الجيش الذي بلغ عدده ألف وثلثمائة وقصد الهدي، وكان الإخوان قد علموا بزحفه وانتبهوا لذلك فحمل منهم

стр. 776

ألفان على الجيش الهاشمي، واشتبكوا وإياهم في ٢٦ من شهر صفر، في معركة استمرت من نصف الليل إلى الساعة العاشرة صباحًا. وكان القائد علي يدير جيشه وهو في قصر يبعد عن ساحة القتال بألف وخمسمائة متر في هذا الهاتف يصله بوسطة مركز الارتباط في سفح جبل كرا بقصر جلالة والده الحسين، فكانت الأنباء تأتي وتذهب مراجعة وتكليما بالتليفون إلى الديوان الهاشمى مثل هجم المتدينة علينا فرددناهم خاسرين ومثل أعاد المتدينة الكرة فأمطرتهم مدافعنا وابلًا من الرصاص فعادوا مدحورين. فلما كان في الثالثة من الهجمات هجم سلطان الدين بإناس من الإخوان فضربوا الجبهة ضربة ثلتها، وكان في وسطها سرية من الفرسان من عرب عتيبة فتقهقر فدخل الإخوان من تلك الثلة، وأول من انهزم من بدو الحجاز هذيل وسفيان، ثم أهل مكة ثم جنود النظام، وفي هذه الساعة عند صلاة الفجر سكتت بنادق الإخوان ففرح موظف الهاتف وهتف يخاطب ضابط الارتباط في الكر بسفح جبل كرا وهذا يخاطب الديوان الهاشمي بمكة انهزم المتدينة سكتت بنادقهم وما علموا أنهم يصلون الفجر. ذكر واقعة الهدى لما فرغ الإخوان من صلاة الفجر، عادوا مستبسلين فتقهقر الأمير علي بشرذمة من الجيش إلى الكرى، وعند وصوله إلى سفح الجبل في الساعة الثامنة صباحًا من بعد نصف الليل، أمره والده الحسين بالهاتف أن يرجع إلى الهدي وأكد عليه الطاعة ولو ذبحت، قال هذا وعاد ورجاله كارين، فما كادوا يصلون إلى منتصف الطريق حتى انهال عليهم رصاص الإخوان كالمطر، وكان ضابط الارتباط في الكرى، وقد لحقهم بنجاب يقول فانقطع التليفون بيننا وبين الهدي فقفل الأمير ورجاله راجعين، وتوقفت الإخوان بعد هذا النصر في الهدي فلم يتعقبوا فلول الجيش الهاشمي ولا هاجموا مكة يومئذ اجتنابا للقتال في الحرم.

стр. 777

وقد قال الشيخ حمود بن حسين الشغدلي قاضي مدينة حائل في الوقت الحاضر يهنيء الإمام الأعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل بفتح الطائف له على يد الإخوان في هذه السنة: له الحمد مولانا إله البرية ... كما ينبغي لله في كل حالة له الحمد إذ أردى حسينًا وجنده ... وحل به من بطشه شر نقمة فما بين مقتول وما بين شارد ... وما بين ما سور بقهر وذلة بأيدي ذوي التوحيد من شع ذكرهم ... أولئك إخوان الصفا والمودة ومن بذلوا لله صدقًا نفوسهم ... فأعظم به بذلًا وأكرم بخصلة وهم جند من فاق الجنود شهامة ... وعلمًا وعدلًا مع سخاء وخشية إمام الهدي عبد العزيز بن فيصل ... مذيق العدى كاسات سم المنية فأثاره في العالمين شهيرة ... ويحمدها أهل النَّهى والبصيرة أطال لنا رب العباد بقاءه ... يعيش زمانًا في حبور وغبطة ومن بعد أن ألفى البشير مبشرًا ... بذل الأعادي وانتصار الأحبة وضبطه تلك الحصون بطائف ... على رغم أصحاب الخنا والشقاوة وشق أسماع المحبين ذكره ... وسيرته لأهل التقى في الحقيقة تبدي لنا أن نحمد الله جهرة ... مهنين للوالي بإدارك منية فهناك يا شمس البلاد وبدرها ... بلوغ المنى من كل باغ لفتنة فلا زلت تسمو إلى المعالي والعلى ... تؤيد منهاج التقى والهداية ولا زال تأييد الإله قرينكم ... ولا زلت ملحوظًا بعين العناية وشكر الذي أعطى المنى وكفى الردى ... هو القيد للنعما واصل الرايدة فكن مولعًا في شكره متذللًا ... لسلطانه فالعز في ذا المذلة وعنوانه والحمد لله ظاهر ... وتذكيركم لا عن جفاء وغفلة ولكنما نشكر المولى عند فضله ... لا مفر شيء لا يوافي بنعمة على أننا نرجو الكريم بلطفه ... لام القرى تسليمها بسهولة

стр. 778

ويعلو بها أمر الإله وشرعه ... وتدرس من أرجائها كل بدعة وتبدو بها لله يومًا رؤسنا ... ملبين للمولى بحج وعمرة وتعلو لمرضاة الإله وجوهنا ... مهلين في لبيك من كل وجهة نعظم فيها البيت والحرم الذي ... بتحريمه أي الكتاب تجلت فلأجل ذا مال الجنود لغيرة ... فإهراضهم عن ذا لعلم وخبرة وما ذاك من خوف الحسين وآله ... ولا من بها من ذي جفاء وغفلة ولكنه خوف من الله وحده ... لتحريمه أرجاء بيت بمكة ويا رب فاقطع من يروم جناية ... تدس على الإسلام أدنى دسيسة وأزكى صلاة مع سلام على الذي ... به كان ختم الرسل خير البرية كذا للآل والأصحاب ما قال قائل ... لك الحمد مولانا إله البرية ولما أن دارت الدائرة على الأمير على مرة ثانية، وفر تاركا وراءه بعض القتلى والجرحى مخلفا أجود مدافعه وسلاحه بعد أن خانه جنده وأنصاره وذلك لما رأى أقدام الإخوان والنيران مستعرة نجى بمن معه من الجنود، كما فعل في وقعة الطائف، حين أراد الأهالي الخروج منه لما رأوا قرب الخطر، فمنعهم وطمأنهم وأبدى أن لا يخرج كل الأهالي ويكون آخر من يخرج، ثم أنه فر كفعله الأول تاركا وراءه بعضا من قومه، وجميع الأهالي المساكين الذين لم يعلموا بخروجه إلا بعد ما رأوا الأيادي تلعب بهم والرؤوس تتساقط. ذكر خلع الحسين بن علي لما جرت واقعة الهدى وانهزم جيشه، جعل يظهر الشجاعة، ويضرم نيرانها، واستبسل لمن بقي من جيشه، ويمد حبال الأمل، ويظن أنه قادر على إخراج المتدينة وابن سعود من الطائف بل من الحجاز متى شاء، وقد طالما قال ابن سعود من الدرجة الخامسة بين أمراء العرب؛ فقال أحد رجال الديوان لما رأى من أفعال الجنود السعودية بفتكهم في الديار الحجازية يا مولاي، ومعنى الدرجة الخامسة يا مولانا هو أن ابن سعود صاعد إلينا ولم يبق بينه وبيننا غير خمس درجات أو خمس ساعات أو خمسة أيام إنما النتيجة واحدة، فقد جاء يوم الحجاز وهو المقدمة ليوم ابن سعود.

стр. 779

وفي نفس الوقت نشرت الصحف برقية من مكة، أن الواهبيين استولوا على الطائف، وبقروا البطون، وقتلوا الشيوخ، وسلبوا الأموال، فاستعبد المعتمد في مصر، وكان أنذاك في حل مشكلة بين الحسين والحكومة المصرية، وهم بتكذيب الخبر لأنه لم يتلق خبرا رسميا به، ولكنه رأى أن يبرق إلى الحسين مستطلعا حقيقة الأمر، فتلقى منه برقية في ٢٧ صفر قال فيه معتمد مصر نعم هو كذلك لا تكن يا عبد الملك ممن يقعقع له بالشنان، تقدم جيشنا للهدى ستسمع ما يسرك -حسين. ولما انهزم علي في موقعة الهدى وفر إلى بازان في أعلي مكة؛ بعث الحسين إلى معتمده برقية بتاريخ ٢٩ صفر وهذا نصها: رحنا يا عبد الملك، تراجع جيشنا إلى بازان، قابل المندوب السامي الإنكليزي وبلغه أننا نعتبر إعتداء ابن سعود علينا هو من جانب الإنكليز، وأني سأتولى الدفاع بنفسي عن مكة ولو حول جدار الكعبة، وأحملهم مسؤولية ذلك أمام العالم الإسلامي؛ ولقد بالغ المندوب عندما قابله المعتمد بأنه لا دخل لبريطانيا في الأمر، وتنصل من كل تلك الحوادث، وأنه كان بودها أن تسوي ما بين البلدين من خلاف فأبى قبل ذلك الحسين، وليس لها الآن شأن في الموضوع، فأبلغه المعتمد ذلك فاعتبر الحسين ذلك شماتة من الإنكليز وأجاب بقوله الله المستعان، وصمم على القتال حتى النفس الأخير. ولما رأى أهل الحجاز تصميم الحسين على مقاتلة الوهابيين في شوارع مكة حول جدار الكعبة، تملك عليهم الذعر، وأخذوا يهربون إلى جدة ومصر وسوريا ومصوع وغيرها طلبا للنجاة وفرارا من الخطر الذي أحاط بهم حتى لم يبق في مكة أحد من ذوي اليسار، وارتفعت أجور النقل فقام أولوا الحل والعقد يفكرون في الطريقة التي يعالجون بها الموقف. ولما كان بعد ستة أيام، كان الحسين في أثنائها يفكر أن هذا الإقدام من الوهابيين على الحجاز بإيعاز من الإنكليز لمجرد إرهابه والتأثير عليه، ليترخص في بعض مقررات النهضة، وبغض الطرف عن وعد بلفور أيد له هذه الفكرة، توقف

стр. 780

الوهابيين عن استمرار الزحف إلى مكة إذا به يتلقى في ٤ ربيع الأول هذه البرقية التي أرسلها إليه الأشراف والعلماء والرؤساء بأجمعهم وهذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم صاحب الجلالة الملك المعظم بمكة، بما أن الشعب الحجازي بأجمعه واقع الآن في الفوضى العامة بعد فناء الجيش المدافع وعجز الحكومة عن صون الأرواح والأموال، وبما أن الحرمين الشريفين خاصة وعموم البلاد، مستهدفة لكارثة قريبة ساحقة، وبما أن الحجاز بلد مقدس يعني أمره جميع المسلمين لذلك قررت الأمة نهائيًا تنازل الشريف وتنصيب ابنه الشريف على ملكا على الحجاز فقط مقيدًا بدستور ومجلسين وطنيين على شريطة أن ينزل على رأي المسلمين وأهل الحجاز في تحقيق أمالهم ورغباتهم، فنرجو التكرم بتنفيذ هذه الرغبة لتضيفوا هذه المكرمة إلى سابق خدماتكم للإسلام والأمة مولاي، ثم وقع على هذه البرقية مائة وأربعون من الأعيان والكبراء، وأرسلت هذه البرقية بعد الظهر من اليوم المذكور، فدعا بابنه علي وأخذ رأيه في الموضوع، ثم أمر برئيس ديوانه فحضروا وأملى عليه في الحال برقية جوابًا للأمة وهي هذه. مكة ٥٤٠ نوفمبر ٥/ ٤/ ٣ الساعة ٣ ليلًا عدد ٦٨ بواسطة قائم مقام جدة إلى الهيئة الموقرة مع الممنونية والشكر هذا أساس رغبتنا التي أصرح بها منذ النهضة وإلى تاريخه، وقد صرحت قبله ببضع دقائق إني مستعد لذلك بكل ارتياح إذا عينتم غير علي، وإني منتظر هذا بكل سرعة وارتياح، الإمضاء حسين؛ بعث بهذه البرقية ولكنه لم يرض المجلس بهذا الجواب، وبينما هو كذلك إذا بجرس التيلفون يقرع وإذا بالمتحدث رئيس بلدية جدة سليمان قابل أحد الموقعين يردد طلب التنازل فكبر على الحسين أن يجرؤ على مخاطبته بهذا الأمر، وانتهره قائلا أنت موظف من قبلي فلا تخاطبني بهذا الشأن، ووضع السماعة والدم يغلي في عروقه وإذا بالجرس يدق ثانيا يكلمه الشيخ محمد نصيف في التنازل عن العرش أيضًا فأجابه أنه من رجال حكومتي فلا أسمح لك بمخاطبتي في هذا الأمر. وما كاد يلقي السماعة حتى دق الجرس فوضع السماعة على أذنه وقال

стр. 781

من؟ فأجابه المتحدث بلهجة صارمة: أنا سكرتير الحزب الوطني الحجازي، وهذا هو طاهر الدباغ. أجابه الحسين ماذا تريد؟ فأجابه الدباغ: مولاي بناء على المركز الحرج الذي وصلت إليه البلاد، قررت الأمة طلب تنازل جلالتكم لسمو الأمير علي، فقاطعه الحسين أنا وابني واحد، وإذا كنت أنا قد صرت عندكم بطالًا فلا بأس، ولكني لا أفهم ما القصد من هذا، أنا لا يهمني أمر الملك في أي شخص كان ولكني لا أتنازل لولدي علي أبدا، لأني إذا كنت أنا بطال فولدي بطال، الدباغ يجيب: كلا يا مولاي لا ننسب لجلالتكم شيئًا من ذلك، وإنما نريد أن نسلك سياسة غير السياسة التي سرتم عليها عسى أن نتمكن من تخليص البلاد من مأزقها الحرج، والأمة قد اجتمعت على طلب ذلك من جلالتكم، وأرجو إجابة رغبتها، أجاب الحسين: يا ابني لكم أن تفعلوا ما تشاؤن، اما أنا فلا أتنازل لولدي علي أبدًا، عندكم الشريف علي أمير مكة السابق، وأخي ناصر، وعندكم خديوي مصر عباس حلمي، وعندكم الأشراف كثيرون، اختاروا أي واحد تشاؤن، وأنا مستعد للتنازل له. أما ولدي علي فلا يمكن لأني أنا وهو شيء واحد خيره وشره عائد لي، أجابه الدباغ: مولاي إن الأمة التي قد سهرتم على مصالحها وحرصتم على إرضائها، هي التي اختارت الأمير علي، فنرجو من جلالتكم الموافقة. أجاب الحسين: لا يمكن قطعيا، انظروا غير ابني وأنا مستعد، أجابه الدباغ: يقول سأخبر الهيئة ثم نعلم جلالتكم. ولما بلغ الهيئة كانت هذه الهيئة ذاك النهار والليل في مناقشاتها، واجتماع رأيها، وسرعة تقاريرها، وإمضاء عزمها آية من أعجب ما دون في تاريخ الشرق حتى أنها أقفلت أبواب مدينة جدة أثناء هذه المفاوضات، ليبقى الأمير علي فيها ويقبل البيعة. ثم بعد المحادثة بالهاتف، أرسلت الأمة البرقية التالية، وفيها البلاغ النهائي والتهديد "صاحب الجلالة الملك المعظم بمكة الحالة حرجة جدا، وليس الوقت وقت مفاوضات، فإذا كنتم لا تتنازلون للأمير علي، فنسترحم بلسان الإنسانية أن

стр. 782

تتنازلوا جلالتكم، لتتمكن الأمة من تشكيل حكومة مؤقتة وإذا تأخرتم عن إجابة هذا الطلب فدماء المسلمين ملقاة على عاتقكم". فما صدرت هذه النكتة تحول بعد مراجعتها في الهاتف عن رأيه وفكرته الأولى لما رأى الإمضاء تحتها، الحزب الوطني الحجازي، لم ير بدا من الجواب في هذه البرقية. مكة في ٤ ربيع الأول الساعة ٤ ليلا، لا بأس قد قبلنا التنازل بكل ارتياح إذ ليس لنا رغبة إلا في سكينة البلاد وراحتها وسعادتها، فالآن عينوا لنا مأمورين من هنا يستلمون البلاد بكل سرعة ونحن نتوجه في الحال، إذا تأخرتم ووقع حادث فأنتم المسؤولون، والأشراف عندكم كثير، أرسلوا واحدا منهم أو من سواهم، علاوة على هذا إذا قبل منكم على الأمر عينوه رأسا الحسين. ثم أبرق إلى معتمده بمصر، يقول: أن أصحابك يعني الإنكليز لم يرضهم أن على الملك ورغبوا في تعيين ابننا علي، فلا بأس، اعتمدوا ما يأتيكم منه حسين. وما كادت الأمة تتلقى تنازله حتى بعثت إليه هذه البرقية، في ٥/ ٣ صاحب الشرف الأسمى الشريف حسين المعظم برقيتكم رقم ١٧ بحمد الله، ومساعي مولاي، قد تمت البيعة لجلالة نجلكم المعظم، وقد فاوض جلالته من يلزم في استلام البلاد، وإدارة شئونها فالمنتظر من مولاي مبارحتها بكل احترام تهدئة للأحوال. وكتب الحزب الوطني هذا الخطاب الآتي: إلى حضرت صاحب الجلالة الملك علي بن الحسين المعظم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد بناء على طلب الأمة قد تنازل جلالة والدكم بموجب البرقية رقم ١٩ المؤرخة في ٤ ربيع الأول، وقد قررت الأمة نهائيا البيعة لجلالتكم مالكًا دسوريًا على الحجز فقط، وأن يكون للبلد مجلس نيابي وطني وقانون أساسي، تضعه جمعية تأسيسية، كما هو جاري في الأمم المتمدنة، وبما أن الوقت ضيق يضيق الآن دون تأسيس المجلس النيابي الوطني، فقد قررت الأمة أن تشكل هيئة لمراقبة أعمال الحكومة، وإنا نبايعكم على ذلك وعلى كتاب الله وسنة رسوله.

стр. 783

وقد وقع على هذا الخطاب جمع من الحاضرين، بصفتهم أعضاء الحزب الوطني الذي تقرر فيما بينهم وحمله إلى علي، وكان إذ ذاك في جدة وأكدوا لجلالته البيعة بأنفسهم، ولقد تلقى الناس خبر التنازل والبيعة بكل تحفظ، ولم يصدقوا بأنها حقيقة واقعة، وذهب الكثير منهم إلى أن هذه السياسة مدبرة من الحسين إذ انه لا يزال في قصره محتفظا بكل مظاهر العظمة، إلا أن الهرج والمرج قد عمّ البلاد، وحتى أن من يحمل الغيظ والحقد على الحسين أرادوا أن يعتدوا على قصره، وينكلوا به، لما هناك من البغض الدفين، فخاف الحسين، وأبرق من الغد/ ٥/ ٣ برقية إلى رئيس الحزب الوطني الحجازي: يقول فيها أن الفوضى الذي ذكرتموها وقعت بداعي إشهاركم رغبة التنازل وأني لا أقبل أية مسؤولية تقع إذا لم تسرعوا اليوم، في تعيين من يتولى الأمر، لأتوجه في الحال إلى الجهة التي يختارها الباري على طريق جده، وهذا ليس هربا من أي شيء تتصورونه كلا، ثم قل كلا بل لئلا تتضاعف التصورات والظنون بنا. ثم أنه توجه الملك علي ابن الحسين إلى مكة بعد المبايعة بيوم وبقي الحزب يفعل ما شاء من النقض والإبرام، واجتمع الملك الجديد بوالده بمكة، مرات على حساب الأمة واتفقا على وضع برنامج سيسيران عليه، غير أنه ما شيع والده ولا سار معه عند ذهابه. ولما كان بعد أربعة أيام من قدوم علي وصلت القافلة الحاملة أمتعة الحسين إلى جدة، وفيها عشرون جملا تحمل اربعين صفحة من صفائح البترول مملوءة ذهبا، وقد قدرت على التحقيق بمائة وستين ألف ليرة، وأقام الحسين أياما في جدة، أبي أن يقابل أحدا من الناس، فأثمرت هذه العزلة بلاغا أرسله إلى فخامة رئيس وكلاء الحكومة العربية الهاشمية، وفيه يحتج على الحكومة الدستورية، ويعدد طغاوي ابن سعود، ومطامع الإمام يحيى صاحب اليمن. وقال في بلاغه أما الحكومة الدستورية سيما في الحرمين الشريفين، فالعمل فيهما ينبذ أحكام كتاب الله وسنة رسوله، وأن العمل في البلاد المقدسة بالقوانين البشرية مما تأباه شعائر الإسلام وفرائض الدين والأخلاق الشريفة مادة ومعنى؛ ثم

стр. 784

قال الشريف محتجا على سلطة الحجاز بالحجاز، لو لم يكن في هذا التحديد إلا تأملنا ما في مساعي الحضرة السعودية من الاستيلاء على حائل قاعدة إمارة الرشيد والجوف مقر الشعلان، وتشبثه في ضبط الكويت، وتعرضه في عسير لإمارة آل عائض بل تجاوزه على مكة المكرمة ومساعي إمام صنعاء لضم بلاد حاشد وتهامة الشوافع وحضرة الإدريسي على الحديدة وما حولها ثم قطع جواب الشرط على عادته ثم قال: وعليه بلغوا الهيئة الموقرة احتجاجي القطعي أولا: على تحديد نفوذ الحجاز، ثانيا: على ما فيه إبدال العمل بكتاب الله، ولذا فإني أحتفظ بحقوق اعتراضي وإنكاري بالمادة والمعنى بكل ما ذكر، تحرر في ١٥ ربيع الأول سنة ١٣٤٣. أعمال الحزب الوطني وتدابيره كانت مهمة هذا الحزب لثلاثة أمور: أولا: السعي بكل الوسائل لحفظ البلاد من الكارثة الساحقة المحدقة. ثانيا: المحافظة على جعل البلاد سالمة من كل شوائب الدسائس والنفوذ الأجنبي. ثالثا: النزول على ما يرتئيه العالم الإسلامي لمصلحة البلاد والعباد وكيفية إدارة البلاد. ثم أقسم أعضاء الهيئة الإدارية للحزب اليمني الآتي: أشهد الله وملائكته وأقسم بالله الكريم، أن أكون مخلصا للوطن، وأن أدافع عن كل فرد من أفراد الحزب كدفاعي عن نفسي، وإني أعاهد الله على ذلك، والله على ما أقول شهيد. أما تأسيس هذا الحزب الوطني الحجازي فإنه لما تنازل الحسين وخلى الجو من تعكيراته، اجتمعت أعيان الأمة في دار الشيخ "محمد نصيف" بجدة لينتخبوا حزبا يمثلهم، وهذا قبل قبول علي للملكية، فانتخبت اثني عشر شخصا يرأسهم، محمد طويا ناظر الجمارك، وبعده محمد طاهر الدباغ، سليمان قابل، قاسم زينل، عبد الله رضا، محمد نصيف، صالح شطا، محمد صالح نصيف، عبد الرؤوف الصبان، محمود شلهوب، شرف بن راجح، علي سلامة، ماجد كردي، وجعلوا طاهر الدباغ سكرتيرا للحزب، وعينوا لهذه الهيئة كاتبا محمد با جبير.

стр. 785

وكانت الأمة قبل ذلك لما رأت امتناع الحسين وعدم قبوله أن يكون ابنه الملك، أسست الحزب ولم يدر الحزب إلا ورئيسه محمد طويل الذي كلم الحزب بالتليفون بأن الأمير عليا قبل الملك، فأجابه الحزب بأن المسألة قد تمت ولا هنا لزوم لعلي ولا خلافه، وأن الحزب يكفي لإدارة الأمور إلى حين انتهاء الحال. فلم يرض الطويل ولم يقبل إلزامهم بالبيعة لعلي، ثم إنه أقسم بقية الأفراد للهيئة الإدارية، نعاهد الحزب الحجازي الوطني معاهدة طوع وإيثار وإخلاص من طويتنا، وصدق نيتنا، طائعين غير مكرهين، ونحلف بالله وعظيم آياته أن نكون طائعين للحزب في كل ما ينفع الأمة وأن نحفظ أسراره، ونكون له عينا على كل أعداءه، نعادي من عاداه، ونوالي من والاه، علينا بهذا العهد عهد الله؛ إن عهد الله كان مسئولا، وما أخذه الله على أنبيائه ورسله ﵈، وعلى من أخذ من عباده مواثيق ومحكمات عهوده أن نتمسك بهذا العهد، وأن نستقيم ولا نميل، وإن نكثنا هذا العهد أو بدلنا شرطا من شروطه معلنين أو مسرين أو محتالين أو متأولين، خذلنا الله يوم نحتاج إليه وبرأنا من حوله وقوته وألجئنا إلى حولنا وقوتنا، والله بذلك شهيد وكفى بالله شهيدا ليلة الاثنين ٧ ربيع الأول سنة ١٣٤٣. فقام رئيس الحزب محمد طويل ولبس عقالا ذهبيا (شطفه) وانتفخت أشداقه، وصعر خده يبحلق عينيه، ويرخي ويزبد على كرسيه ينكت الأرض بقضيبه يتهدد ويتوعد، ونشر الحزب للأمة التدابير في منشورات تحث على التعاون والتعاضد، وصدرت التدابير في منشورات يمضي عليها محمد الطويل، فلا تسأل عما كان يديره من الأعمال العجيبة، لكنها مع الأسف لم تسمن ولم تغن من جوع. ورفع الحزب برقيات عديدة إلى العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، وصرخوا صرخة رنت لها شعاب مصر والشام والهند والسند وتركيا وإيران، ودوت إلى لندن وغيرها أخبارا بأن الحجاز بلاد مقدسة، وقد تنازل الحسين وولوا ابنه عليا، فبما أن الشعب الحجازي بأجمعه الواقع الآن في فوضى العامة بعد فناء الجيش المدافع وعموم البلاد الحجازية مستهدفة لخطر كارثة ساحقة خلعوا ونصبوا.

стр. 786

وبعد هذا البلاغ يلقي كل مسؤولية على عاتق المسلمين إذا لم يسارعوا في إنقاذ البلاد لإيقاف جيوش الإمام ابن سعود، وعند آخر نقطة وصلت إليها، وإرسال المندوبين بكل ما يمكن من السرعة، فجاءت الجوابات من رئيس جمعية الخلافة بالهند بأنها لا ترضى الحكومة يكون على رأسها أحد أبناء الحسين، وأن الحجاز يجب أن تكون خاضعة لرأي العالم الإسلامي، وأكد شوكت علي رئيس الجمعية بأن سعى جهده لحمل بريطانيا على عدم التدخل في مشكلة الحجاز ورفع في ٣٠ ربيع الأول خطابا وتقريرات إلى حكومة الهند، يذكر فيها أن جمعية الخلافة تضع ثقتها فيها لأنها في مركز يؤهلها لفهم مقاصد المسلمين في البلاد المقدسة أكثر من حكومة لندن، لهذا يطلب منها أن تمنعها في مسألة الحجاز. أما مجلس فلسطين فقبل الوساطة، وكتب الرئيس أمين الحسيني برقية رفعها من المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس إلى السلطان عبد العزيز بن سعود متوسطا بالسلم بينه وبين الملك الشريف، فأرسل إليه السلطان عبد العزيز بهذا الجواب. إلى سماحة المفتي رئيس المجلس الأعلى بالقدس يحزننا أن تكون جاءت وساطتكم في وقت متأخر، فأنا منذ سبع سنين نتوسل بجميع الوسائل لإحلال الصلح والوفاق محل الجفا والشقاق، فلم تثمر مساعينا وكنا كلما لنا للحسين تجافى، فتصرفاته المتكررة في شرقي الأردن التي تبرهن عن نواياه الأكيدة في بلادنا من عسير وغيرها، ومعاملته كافة حجاج بيت الله وعجزه عن تقرير الأمن في الحجاز مما أجبرنا أن نتخذ التدابير الفعالة لتستقر الحالة في بلاد الحرمين وليأمن مستقبل بلادنا، وإنا نرغب في وجود إدارة في الحجاز تكفل حقوق جميع المسلمين بوجه المساوات، وتضمن راحة الحجاج، وتزيل عنهم المظالم كلها. ثم أنه رفع الحزب كتابا عظيمًا إلى سلطان نجد فيه تمام الحفاوة والوقار وهذا معناه. إنا معشر العرب أمة واحدة شرفها الله بالإسلام، وذكروا حرمة البلاد السعودية لما ذكروا أنه قد وقع بينه وبين الحسين سوء تفاهم ومنازعات بأسباب

стр. 787

عائدة لشخص الحسين، وليس للأمة الحجازية علاقة بها لأن السلطة المطلقة بيده ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأنه يتكلم بلسان الأمة وينسب لهم ما لا يوافقون عليه، إذ ليس بينه وبين الأمة المجاورة لهم من سكان نجد ما يوجب المقاطعة والعداوة مع وحدة الدين والمذهب أنهم هبوا إلى خلعه لما جنى تلك الجنايات، وكلفوه التنازل عن ملكه لما ظهر من امتناعه عن تلافي هذا القتال بالطرق السلمية، وبايعوا عليا بشرط أن ينزل على رأي الأمم الإسلامية، فبلسان هذه الأمة وباسم الإسلام الذي قمتم لنصرته وأوقفتم حياتكم لرفعة شأنه وعلو مكانته نخاطبكم ونرغب من شهامتكم العربية بإيقاف الجيوش عند آخر نقطة وصلت إليها، والموافقة على إرسال المندوبين من طرفنا للمفاوضة معكم فيما يجب عمله، ثم ذكروه بالله ورسوله أن يستوصي بهم خيرا، وذكروا أنهم مسلمون متقيدون بالكتاب والسنة، وبينوا اعتقادهم الذي يربطهم معه، وختموا الكتاب بهذه العبارة، هذا ونلتجأ إلى الله تعالى ثم إلى عدلكم وشهامتكم أن تأمروا بإجابة رغائب الأمة الحجازية المستعدة لقبول طلباتكم العادلة، والله على ما نقول وكيل، وإنا نحمد الله إليكم أولا وآخرا والسلام ٥/ ٤/ ٤٣/ و ٧/ ٤/ ٤٣. وقد ذكر لنا أن هذا الكتاب وقع في يد الحسين، وأنه سكت عليه فلم يصل إلى ابن سعود، في خلال ذلك كان الملك علي في مكة يعمل على تهدئة الخواطر لما وجد أهلها في أشد حالات الذعر لما كانوا يتوقعونه من القتل على يد الواهبيين فطمنهم بوعوده وأنه على تفاهم مع ابن سعود والإنكليز إلى تسوية الخلاف. وأبرق لابن سعود برقية رفعها عن طريق البحرين وذلك طلبا للصلح وإن كان عليه بعض الهضم، وهذه صورة برقية لابن سعود. إن أقصى رغبتي أن سود السلام في الجزيرة وأن تعود السكينة ما بين نجد والحجاز، وإني باسط لك رأيي في السلم ومقترح عليك عقد مؤتمر فيه إتمام المفاوضات التي بدأت في مؤتمر الكويت ينتهي بحول الله إلى حل يرضي الجميع، وذلك بعد سحب الجنود النجديين.

стр. 788

فكان جواب السلطان عليها بالإيجاز هي أن شروطي الأخيرة أن لا صلح ما دام أبناء الحسين يتوارثون الملك في الحجاز، وأنتم تعلمون أن الحجاز للعالم الإسلامي لا يخص به طائفة من المسلمين على طائفة. وكان الحزب الوطني قد بلغ القناصل والوكلاء للدول الأجنبية في جدة بتنازل الحسين، ورفعوا برقياته إليهم برهانًا على صدقهم، وإنما فعل الحزب الوطني هذه الأفاعيل العجيبة السريعة لأن الإخوان أحاطت بهم، وبما ان الجهود قد بذلت، فنظر إلى خيبة الأمل أيقن على أنه لا طاقة له على المقاومة في مكة، لأن جيشه لا يتجاوز أربعمائة جندي، فخرج منها ليلا على حين غفلة بما لديه من قوة، ذلك بأن شراذم من الجيش النجدي قد وصلت إلى قريب مكة في ١٥ ربيع الأول، فما بزغت الشمس يوم الأربعاء ١٦ ربيع الأول إلا وقد انتشرت الإشاعات في طول مكة وعرضها بأن الحسين قد ركب الباخرة، وأن ابنه الملك علي قد بارح مكة بجيشه إلى جدة ولا يعلم إذا كان ينوي البقاء فيها أم مغادرتها أيضًا، فهلعت القلوب ووقف كل رجل حيال داره، وأخذت بادية الحجاز القريبة من مكة تفد إليها، وهاجمت دور الحكومة لسلبها وكادت تسطو على البيوت لولا أن الشريف حمزة الفعر أحد أشراف مكة أخذ ينادي فيهم بأن البلاد في أمن ابن مسعود وأنه سيتوقع أشد الجزاء على كل معتد فهدأت الحال إلى حد ما. ذكر فتح مكة الرعب الذي ألقى الله في قلوب أهلها لما قرب الإخوان من مكة استولى على أهلها الرعب والقلق، لما كانوا يسمعونه عن الإخوان من أنهم قساة غلاظ كما نشرت الحكومة الهاشمية في الجرائد، وزادهم هلعا القادمون من الطائف حينما كانوا يرون أخبار عجيبة مخيفة فحصل لهم كالمأتم واشتد بكاؤهم، وفي كل دار استعداد للسفر إلى جدة بل قد جلا الأغنياء وأسرتهم، وأخذوا معهم أموالهم لأنهم ظنوا الإخوان سيفعلون بهم فعلهم بالطائف، حتى كان طريق جدة كالمحشر أطفالا ونساء ورجالا وصبيانا يحملون الطعام والنقود، وما غلا ثمنا وخفَّ وزنا، حتى جاء في نقل من رأها على تلك

стр. 789

الحالة، قالوا وجدنا مكة كالمقبرة في الصمت الرهيب والسكون الشامل وألفينا الدكاكين مغلقة. وكان زحف الإخوان من الطائف في يوم الاثنين الموافق ١٤ ربيع الأول، وفي هذا اليوم المبارك زحفت القوات النجدية إلى مكة من الطائف، وكانوا قد بعثوا سؤالا إلى علماء الرياض في أن يحرموا ويدخلوا مكة منكسي البنادق فإن لاقوا من يصدهم عن البيت قاتلوه، وإن لم يلقوا أحدا دخلوا، فمنعتهم العلماء عن ذلك، بدليل عدم جواز قصد القتال في الحرم. وكان خروج علي حين وصولهم إلى قرية الزيمة التي تبعد ست ساعات عن مكة، وقد صمموا على الحصار واستبسلوا كأنهم الأسود في شدة السورة خيال التوحيد أخو من أطاع الله. وما أسفر صباح اليوم ١٧ الموافق ليوم الخميس إلا وقد دخل الإخوان مكة محرمين لهم زجل بالتلبية وقد نكسوا البنادق، فطافوا وسعوا واستولوا بعد حل الإحرام على البلد المقدس وهم ينادون فيه الأمان، فساد السكون بمكة بخلاف تلك الفرصة التي بين خروج علي ودخول قوات الجيش السعودي، فإن بعضا من أوباش مكة ونزرا يسيرا من أهل الغطغط كادوا أن يجوسوا خلالها وانبعثوا يسألون أهل مكة أين بيت أبي خيشة ولكن المكيين لا يعرفون من أبي خيشة فكانوا يجيبون لا نعرف وأخيرا عرفوا صاحب هذه الكنية وأنهم يريدون الحسين سموه أبا خيشة. فلا غرابة من خشونة البدو، وأنهم أجلاف، فنهبوا ما وجدوا في بيت الحسين من علب المربيات، والساعات والمفروشات وكل غال ورخيص، وباعوا بثمن بخس، ولولا أنهم كانوا في مكة منكمشين لا يستطيعون أن يقتلوا أو ينهبوا كما فعلوا بالطائف، لأن أوامر ابن سعود قاسية شديدة إلى القائدين، خالد وسلطان وبلغاها الجيش ونصحاه بلزوم السكينة والهدوء، فمن أذنب وأجرم فلا يلومن إلا نفسه، لكانت لهم غير هذه الحالة، ولكنهم يرقبون القائد الأعظم لأنهم عرفوا أن عين الأسد حمراء.

стр. 790

وأما ما حصل من خوف الأهالي وظنهم السيء فيأبى الله لصاحب الجلالة والمهابة أن يهمل أمر البوادي ويتركهم سدى، بل دخل الإخوان أم القرى حاسرين الرؤوس قد ملؤا الفجاج بالتلبية، ما بين قال لكتاب الله ومصل، وطائف وراكع، وساجد، وجعلوا يصرخون بالأمان وما جرى منهم أذى على أحد، ولو استمرت القيادة يومئذ في الزحف غربا لدخلت جدة بسرية صغيرة دون أن تلقى من الحكومة فيها أو من الأهالي أقل مقاومة ولكنها وقفت في مكة عملا بالأوامر العالية التي كانت مجهولة في جدة. أما غالب الذين فروا من مكة إلى جدة ومن ضمنهم بعض الجنود فجعلوا ينتظرون الباخرة الأولى للفرار، ولكن الباخرة الأولى وصلت في ١٩ ربيع الأول من العقبة "رضوى" نقل كتيبة من الجنود عددهم ثلثمائة قدموا من شرقي الأردن، ومائة من عرب شمر النازحين إلى الشرق العربي بقيادة أمير اللواء تحسين باشا الفقير؛ قد جندهم الأمير عبد الله بمساعدة بعض الأنصار في فلسطين نجدة للملك علي، فأنعشت هذه النجدة آمال الملك علي فشدت أزر جنوده المنهزمين إلا أنها لم تغير في نفسية المدينة، ولا أضرمت في الأهالي شيئًا من الحماسة، وما كان قولهم إلا أن قالوا الإخوان ظافرون والجنود منهزمون وعلي متأهب للرحيل فما لنا أذن غير التسليم وخير البر عاجله. ولما رأى القناصل الذين في جدة خطورة الأمر كتبوا إلى قواد الجيش النجدى كتابا معناه انه لا دخل لهم بأحد، ومن واجباتهم احترام أشخاص رعاياهم فإذا وقع عليهم ما يسوؤهم فهي على عاتق جيشكم لأننا على الحياد. فجاءهم الجواب من قواد الجيش النجدي ما معناه: بإنه وصل إلينا كتابكم ولا يخفاكم أنا معاشر العرب لم نقصد ملككم ولا رعاياكم، بل قصدنا محاربة من حال بيننا وبين البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، سنبذل في حمايته المال والنفس، وأهل مكة مؤمنون على دمائهم وأموالهم وجدة وأقطارها لا غرض لنا فيها وإن حصل على شيء منها تعدي فعرفونا نمنعه.

стр. 791

وبعث خالد بن منصور وسلطان بن ابجاد بشخصيتهما كتابا آخر إلى القناصل معناه: أن ليس لنا في رعاياكم قصد، بقي مسألة، وهي وجود علي بن الحسين ومكثه الذي هو ساع بالفساد وقطع السبل، وغير ذلك، إن كان لكم قدرة على إخراجه من جدة فأخرجوه، وإلا ميزوا رعاياكم ومن التحق بهم، عرفونا بمحلهم ونحن به أبصر .. إلخ. الجواب مطلوب بحال السرعة، فجاءهما الجواب. بعد الاحترام وصلنا كتابكم ولا يخفا كما أن حكوماتنا ملتزمة الحياد التام في الحرب القائمة بين نجد والحجاز وعلى ذلك فنحن محايدون ولا يمكننا التدخل بأي وجه كان في هذا الخصام، وقد أخذنا عليكما أمرًا محكما بأن ليس لكما نظر في رعايانا، ونؤيد مضمون كتابنا الأول والآخر بهم والسلام، ٤ نوفمبر معتمد قنصل جلالة ملك بريطانيا، نايب قنصل ملك هولندا، قنصل جنرال جلالة ملك إيطاليا، وكيل قنصل جلالة شاه إيران. ثم أنه بعث الحزب الوطني إلى خالد بن منصور المنشور الذي فيه القسم المغلظ تاريخ ٧/ ٣ الذي قدمنا فبعث الجواب الآتي: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إلى محمد الطويل واتباعه من الأعضاء المذكورين وكافة أهل جدة وسكانها، سلام على عباد الله الصالحين، أما بعد. فقد وصل إلينا منشوركم وما أشرتم به كان لدينا معلوم، وتعلمون أن ليس لنا معشر المسلمين قصد إلا امتثال أمر الله تعالى وفرائضه التي أمرنا بها، ومحبة من قام بها وإن كان عبدا حبشيا، وإن كان أبعد الأبعدين ومعاداة الكفار والمشركين؛ وإن كانوا أقرب الأقربين، ثم ذكر آيات من آيات الولاء والبراء، فقال بعدها فمن قام منكم بما ذكرتم فطريقه طريق المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وأما تأمينكم فقد أتاكم كتاب الإمام وبه الكفاية وهذا زيادة تأكيد منا لخواطركم كافة لمن أتى أو بقي فعلية ذمة المسلمين، يكون آمنا مطمئنا يكون معلوما حرر في ٢٠/ ٣ وبعث في طيه

стр. 792

خطاب جلالة الملك عبد العزيز بن سعود الذي قد وجه إلى أهل الحجاز قاطبة قبل أن يتم له الاستيلاء على مكة وهذا نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى كافة من يراه من إخواننا، أهالى مكة وجدة وتوابعها من الأشراف والأعيان والمجاورين والسكان وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه آمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد. فإن الموجب لهذا الكتاب هو شفقتنا على المسلمين، والصلاح في أحوالهم، في أمر دينهم ودنياهم، ولم نزل نكرر على الحسين النصائح على ما يجمع شمل العرب لتكون كلمتهم واحدة، ولكن الطبع يغلب التطبع ولا يحتاج تطويل الشرح بما انطوى عليه، إن أكبر شاهد على ذلك ما رأيتموه منه، وشاهدتموه من أقواله وأفعاله في هذه البقع المباركة التي هي مهابط الوحي، مما ينكره عقل كل مسلم، وعلاوة على ذلك ينكره كل من يحب المسلمين ولو لم يكن منهم، فالرجل ترك مزايا الانصاف وهي ما انتسب في هذا البيت الكريم؛ وأهمل حقوق هذه البقعة المباركة عليه في عدم ركوب طريقة السلف الصالح التي هي شرفه وشرف المسلمين خصوصًا وشرف العرب عموما، ولاشك أنه من ترك ما كان عليه النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وخلفائه وأصحابه، وهو يتسمى باسم الإسلام، وبالخصوص إن كان من أهل البيت الشريف وطمح إلى غيره من الزخارف التي هى أكبر شؤم على الإسلام خصوصًا وعلى العرب عموما فهو لا خير فيه، فمنذ دخل الحجاز يجعل أكبر همه الإيقاع بنجد والنجديين، وقد تظاهر بذلك منذ أن تفرد بالحكم، وقبض على زمام الأمور فيها، وقد بلغ منه التهور أن قد منع أهل نجد قاطبة عن حج بيت الله الحرام، وهو أحد الأركان الخمسة، فهذا فضلا عما يأتيه هو وعماله من المظالم والمعاملات القاسية تجاه حجاج بيت الله الحرام الذين يأتون من مشارق الأرض ومغاربها، وفي هذه المدة قد تركنا التدخل في أمور الحجاز لأجل احترام هذا البيت ورجاءًا للسلم والأمان، ولكن من الأسف أننا لم

стр. 793

نحظ منه بذلك، وفي هذه الأيام الماضية في سفره إلى الأردن بانت نواياه ومقاصده للمسلمين نحونا حينما طلب تجزئة بلادنا وتشتيت شملنا، حتى لقد يئسنا من الوصول إلى حسن التفاهم معه لجمع كلمة العرب، ولا والله نعلم شيئًا له من النقم علينا إلا كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ولكننا ولله الحمد لسنا بآسفين على شيء إذا سلم لنا شرفنا في أمر ديننا ودنيانا، فليس لنا قصد في زخارف الحسين وأتباعه لا في ملك ولا في خلافه، ولكن غاية قصدنا وما ندعوا إليه هي أن تكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر، ويسلم شرف العرب، فلذلك لحقتنا الغيرة الإسلامية والحمية العربية أن نفدي في أموالنا وأنفسنا فيما يقوم به دين الله، ويحمي به حرمه الشريف الذي أمر بتطهيره وتعظيمه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقد أرسلنا سرية من المسلمين لاحتلال الطائف لأجل القرب للتفاهم بيننا وبين إخواننا، فأحببت أن أعرض عليكم ما عندي فإن أجبتمونا فنعم المطلوب، وإن أبيتم فهذا الذي يعذرنا عند الله وعند المسلمين، وأبرء إلى الله أن أتجاوز شيئًا منها حرمته الشريعة خصوصا في هذا الحرم الشريف الذي قال الله فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وحرمة هذا البيت معلومة حتى عند المشركين الأولين كما قال الشاعر: إن الفضول تعاقدوا وتعاهدوا ... أن لا يقر ببطن مكة ظالم وأما الأمر الذي عندي لكم فهو أني أقول عليكم يا أهل مكة وأتباعها من أشراف، وأهل البلد عموما والمجاورين والملتجئين من جميع الأقطار، عهد الله وميثاقه على أموالكم ودمائكم، وأن تحترموا بحرمة هذا البيت كما حرمه الله على لساني خليله إبراهيم ومحمد عليهما أفضل الصلاة والتسليم، وأن لا نعاملكم بعمل تكرهونه، وأن لا يمضي فيكم دقيق أو جليل إلا بحكم مشروع لا في عاجل الأمر ولا في آجله، وأن نبذل جدنا وجهدنا فيما يؤمن هذا الحرم الشريف وسكانه وطرقه للوافدين إليه، الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا، وأن لا نولي عليكم من

стр. 794

تكرهونه، وأن لا نعاملكم معاملة الملك والجبروت، بل نعاملكم معاملة النصح والسكينة والراحة، وأن يكون أمر هذين الحرمين شورى بين المسلمين، وأن لا يمضي فيهما أمر يضر بهما أو بشر فيهما أو بأهلهما إلا ما توافق عليه المسلمين وأمضته الشريعة، وهذا الكتاب شاهد لي وعلي عند الله ثم عند جميع المسلمين، وعلى ما قلته أعلاه أيضًا عهد الله وميثاقه، فهذا الذي يلزمنا، ولا بد إنشاء الله ترون ما يسر خواطركم أكثر مما ذكر، ونرجوا الله أن يهدينا وإياكم لما يحب ويرضا ويصلح بنا وبكم البلاد والعباد، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، ويمنعنا وإياكم من سوء الفتن، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويذل أعدائه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثير الختم، عبد العزيز بن عبد الرحمن ٢٢ صفر ١٣٤٣. الإشارة إلى الكتب المتبادلة بين الفريقين وجهود ضائعة لما تلقى الحزب الوطني الحجازي خطاب خالد بن لؤي مشغوعا بكتاب ابن سعود، كتب الحزب إلى خالد كتابا ذكر فيه أن قد وصل إليهم كتاب ابن سعود، وأنهم تلقوا ذلك بالإكرام، وأن الأمة بايعت لعلي بن الحسين لما يعرفونه من حسن، أخلاقه وحبه للمسالمة لعموم من في جزيرة العرب، واشترطوا النزول على رأي المسلمين فيما يقررونه لسعادة البلاد واستقرارها، وذلك بعدما تنازل الحسين؛ وحيث أن الإمام عبد العزيز قد ذكر في كتابه أنه سيجعل أمر هذه البلاد المقدسة شورى بين المسلمين، فقد اتفقنا والحمد لله نحن وإياه في نقطة واحدة، ثم قالوا فنرى أنه لم يبق موجب للقتال وسفك الدماء، وأصبح الحل المطلوب من الطرفين واضحا جليا؛ وحيث أن الأمر كما ذكر نكلف سيادتكم بالموافقة على إرسال مندوبين من طرفنا إليكم يكونون في أمان الله ثم أمان الإمام عبد العزيز بن السعود وأمانكم لعقد هدنة توقف القتال وتصون الطرفين عن سفك الدماء، إلى أن تحضر الوفود التي طلبنا حضورها من جميع الأقطار الإسلامية، وعلى الخصوص من جمعية

стр. 795

الخلافة بالهند، وبعد اجتماع الوفود ننزل على ما تقرره وتراه هذا ما ندعوكم إليه ونكلفكم بقبوله طبقا لما جاء بكتاب الإمام عبد العزيز بن السعود؛ ولا شك أنكم توافقون عليه والله ولي التوفيق. السكرتير السيد طاهر الدباغ، رئيس الحزب الوطني الحجازي محمد الطويل، الجواب عليه: من خالد بن منصور بن لؤي إلى محمد الطويل وكافة الأعضاء، السلام على عباد الله الصالحين؛ أما بعد: خطابكم وصل، وفهمنا مضمونه بعده من طرف بيت الله الحرام وأتباعه، جاء الله به عنوة للمسلمين، وطهر الله بيته من الحسين وأولاده بسبب إلحادهم في حرم الله وتعديهم حدود الله وظلمهم في كل قطر، والذي يثني عليه ويتعلق بمحبته ومعاونته ماله عندنا إلا القوامة بحول الله وقوته، وإن بغى علي بن الحسين الأمان فيقبل ويواجهنا مأمونا والمجالس والمخابرة لها راع، وهو الإمام عبد العزيز حفظه الله ورعاه ومع وصول الخبر يستوي علم زين ومقام علي عندكم من غير مواجهة بيننا وبينه نتيجة الفساد يكون معلوم، وصلى الله على محمد وصحبه وسلم ٢٢/ ٣. من محمد الطويل وجميع الأعضاء إلى حضرة الأمير خالد بن منصور بن لؤي قائد الجيوش، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد وصل كتابكم وجميع ما به علم، وسنرسل لكم بعد باكر أربعة أشخاص بالنيابة عن جميع الأهالي الموجودين بجدة، السلام عليكم، وإفهامكم الحقائق وأخذ الحقائق منكم رأسا، وأما ما ذكرتموه من المحبة والتعلق بالرجل فليس عندنا من هذا شيء لا لنا تعلق إلا بما فيه مصلحة المسلمين، والله على ما نقول وكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ٢٣/ ٣/ ١٣٤٣. الإمضاءات سليمان قابل، صالح أبو بكر شطا، محمد شلهوب، عبد الرؤوف الصبان، عبد الله رضا. وقد جاءهم الجواب بالقبول، هذا وكان ناجي الأصيل في لندن، يبذل كل جهوده لحمل الحكومة البريطانية على حماية الحجاز بما لها من نفوذ قوي من ابن

стр. 796

سعود، فقد اعتذرت بريطانيا بأعذار باردة، فكان ناجي يعالج بأن الحسين إذا اعتزل الملك وبارح البلاد، فالحجاز ما يزال مكانه وملكه الحاضر، علي لم يشترك في التعديلات التي قام بها أبوه وهو موافق على تلك المعاهدة إلى غير ذلك، فانتهى الأمر على أن بريطانيا لا تستطيع عمل أي شيء مع حكومة علي قبل أن ينجلي الموقف الحاضر؛ فطلبت حكومة علي من بريطانيا أن تتدخل في الصلح بين عاهل نجد وعاهل الحجاز الجديد فأبت، كما تقدم أنها بعثت إلى العالم الإسلامي تناشدهم الوساطة لحل الموضوع، ودرء الخطر الوهابي عن البلاد المقدسة. ولما أن كان في يوم الأربعاء ٢٣/ ٣ توجه الوفد إلى مكة المكرمة لمفاوضة الأمير خالد مشكلات من ستة أشخاص، رئيسه الشيخ محمد أفندي نصيف في معيته عبد الرؤوف الصبان، وعلي سلامة، وسليمان عزاية، ومحمود شلهوب، وصالح شطا، وقصد الوفد مكة يحمل كل مفاوضة تعود بحقن الدماء؛ ولما كان في أثناء سفره لحقه سيارة تحمل كتابا من الحزب الأساسي يفيد أن الأمة حررت بعد توجههم مضبطة تحتوي على طلب عدم الدفاع، وأنه لا قبل لهم بالجيوش النجدية، وعرضوها على رئيس الوكلاء؛ وصورتها أنه لما جاءهم الكتاب الأخير من الأمير خالد كتبوا تلك المضبطة (بناء على ما بلغ الأمة من تشييد الخنادق والمعاقل والحصون، والإستعداد للحرب، وتحضير كل ما يلزم من الجبخان وآلات الحرب، فهم يسخطون عن كل مشروع كهذا، يكون نتائجه إراقة الدماء وإزهاق الأرواح البريئة، وبالعكس قوات الجيش الهاشمي في عدم استطاعتها الثبات، وقرروا بعدم الدفاع الذي استعد له الملك علي في ٢٣/ ٣. ولما قدمها رئيس الوكلاء للملك علي، أصر علي أنه لا بد من الدفاع عن البلاد، بلاد أبيه وجده وجميع الموقعين على المضبطة وغيرهم، أخلاط لا أهمية لهم بالبلاد، فبعث الحزب كتابا إلى الوفد، فيه البيان النهائي من الملك أنه لا بد من الدفاع، ولضعفهم وقوته طلبوا منه أن يكتب كتابا للأمير خالد بالموافقة على توقيف الحرب، والأخذ في أسباب التفاهم بينه وبين خالد أن يكون

стр. 797

مفوضا، وإن لم يكن مفوضا يمهل خصمه بدون حركة حتى يقدم الإمام عبد العزيز، وأن عليا يأمل وصول الإمداد إليه والدبابات والطيارات، فإن وافق على ذلك خاله وإلا تأخذوا في أسباب رجوعكم إلى جدة حالًا، قبل وصول كتاب الملك للأمير، والحذر من التأخير. ولما أن وصل الوفد إلى مكة المكرمة، ووضع المسألة على بساط البحث مع الأمير خالد بن منصور، لم يدع الأمير لهم مجالا للبحث بل تصلب وخيّرهم بين ثلاث مسائل، إما أن يقبضوا على الملك علي، وإما أن يجبروه على مبارحة الحجاز، وأما أن لا يقدروا لضعفهم، فلديهم خارج البلدة قوة من الجيش النجدي المرابط يساعدونهم على ما يريدون، وكان مع الوفد رجل اسمه عثمان باعثمان جاء في معيتهم موفدا وهو جاسوس من رئيس الحزب محمد طويل ليترصد حركاتهم وأعمالهم، ولا عجب من نصح الطويل وإخلاصه للبيت الهاشمي، لأنهم سبب تقدمه وغناه ورفعته، ولما أن رجع الوفد يحمل شروط خالد ليعرضها على الأمة لترى المصلحة التي تتلافى بها منفعتها وصل إلى جدة في ٢٦/ ٣ الموافق ليوم السبت، فاجتمعت الأمة في الثانية عشر ليلا من ذلك اليوم، وعزموا على الهجوم على دار الملك ليجبروه على التنازل، لكن الرئيس محمدا لما علم بالهجوم الذي سيحصل على الملك علي أرسل رسولا في تلك الساعة إلى مولاه، فاستعد الملك بالحرس على بيته ورأت الأمة أن تؤجل المسألة إلى الغد؛ فلما اجتمعت الأمة قام حضرة الرئيس وسأل الأمة عن إجتماعها، فقالوا لدعوتك لنا وتقرير مصيرنا، فقام وهددهم وصاح وأرغى وأزبد، ثم قال من الآن أعد نفسي منفصلا عن الحزب، فألغي الحزب، وصارت الأمة في وجل والأعضاء في جدال، فانحل الحزب في تلك الساعة من اليوم ٢٧ من ربيع الأول المواقف للأحد. ثم أمر الملك علي بالقبض على بعض رجال الحزب وهم صالح شطا، وقاسم زينل، وعبد الرحمن باجنيد، وعلي سلامة؛ وسليمان عزابة، وقدمهم للمحكمة العسكرية بتهمة التآمر على قلب نظام الحكم، فامتثل الأمر وزير الحربية، وطلبهم

стр. 798

إلى الثكنة العسكرية وحاكمهم، فقضت عليهم المحكمة بسجن بعضهم، وقتل الآخرين، وذلك في ٩/ ٤. ولما عرض الحكم على الملك علي أظهر لهم أنه حليم وغفور عن الزلات، فأحضرهم وعفا عنهم ونصح لهم عن التكلم في الحكومة، وأطلق سراحهم يوم الخميس المواقف ١٦/ ٤ ثم أنه كتب بعدما اطلع على شروط الإخوان كتابا لخالد وهذا نصه: المحترم الشريف خالد بن لؤي، وبعد: اطلعنا إلى عدة كتب منكم لأهالي جدة عموما وخصوصا وفيها التهديد والوعيد، وحيث أن أهالي جدة محكومين بحكام رؤساء ليس في استطاعتهم تنفيذ ما تطلبوا منهم، وليس من شيمتهم إجراء ذلك، رأينا أن نحرر لك كتابنا هذا بأنك إن كنت مفوضا من قبل حضرة الأخ السلطان عبد العزيز في المذاكرة فيما يختص بحقن دماء المسلمين وبدفع السحق والمحق عن البلاد، فعين لنا مندوبين من طرفك ومندوبين من طرفنا عينهم ويجتمعون عندك في مكة أو في بحرة، وإن كنت غير مفوض من الأخ سلطان نجد فتخبر عظمته يفوضك أو يفوض من يراه للمذاكرة في ذلك، وتكون الحركات الحربية موقوفة من طرفك ومن طرفنا إلى أن يأتي الجواب من حضرة الأخ السلطان، وإن كنت تقول لا هذا ولا هذا فالأمر مفوض لمن بيده العزة والقدرة، وفي ذلك الوقت جاء من ابن سعود برقية إلى الحزب قبل أن ينحل، وكانت جوابا لبرقية بعثوها إليه لما أبطأ الجواب عن الكتاب الذي رفع إليه بالتودد والحنان تاريخ ٥ - ربيع الأول ظنا منهم أنه وصله، فجاء الجواب برقيا في ٢٦ ربيع الأول عن طريق البحرين، طاهر الدباغ سكرتير الحزب الوطني الحجازي بجدة وصل تلغرافكم العمومي، أما رسالتكم الرسمية الخاصة المتعلقة بالصلح، فلم تصل لا يمكن نشر روح السلام في الجزيرة مطلقًا ما دام الحسين وأولاده حكام الحجاز لا نقصد الطمع في امتلاك الحجاز والتسلط عليه، ولهذا فهي تترك للعالم الإسلامي وهذا ما نراه من البداية بتلك البلاد المقدسة، وإذا خرج الحسين وأولاده فأنتم آمنون في بلادكم، ولقد أرسلنا التعليمات اللازمة المتعلقة بذلك إلى رؤساء جيشنا -السكرتير الخصوصي لسلطان نجد عن طريق البحرين.

стр. 799

سفر الحسين إلى العقبة لما كان في ليلة ١٦ ربيع الأول، نزل هو وحرمه وعبيده إلى البحر بذهبه وأمواله، ولم يجد من يمنعه أو يطالب بحقوق الأمة المسكينة التي أثقل كاهلها بالضرائب، ويجمع باسمها يرافقه للوداع أحمد السقاف رئيس ديوانه السابق وناظر الجمار كمحمد الطويل، فامتطى الباخرة التي تدعى بعدئذ "الرقمتين"، فقال معجبا به سنسافر فيه يوما من الأيام سفرة بعيدة نعم إنه سافر سفرة بعيدة إلى العقبة، وكان الذي زين له السفر قبل ذلك ابنه علي، وأنهم لا يقصدون من سفره إلا حل الموضوع إذا بارح البلاد، وأنهم اختاروا له السفر إلى العقبة لاعتبارها إحدى البلاد التابعة له، ليستطيع تزويدهم من هناك بآرائه ويمدهم بمساعداته حتى ينالوا النصر النهائي، فيرجع إذ ذاك إلى مكة مكرما معززا، وقد سعى رشدي باشا لدى الملك فؤاد ولدى رئيس الوزارة المصرية سعد باشا بأن يسمحا لعاهل الحجاز السابق أن يسكن مصر فأبيا خشية من حدوث ما لا تحمد عقباه. ولما استقر بالعقبة جعل يرسل الإمداد والذخيرة والمال إلى ابنه علي، ولقد قام الحسين بتجنيد بعض العربان من شرقي الأردن وإرسالهم إلى جدة كما أرسل طبيبه الخاص الدكتور "ثابت نعمان" لإبتياع بعض المهمات للحكومة من مصرفا كلها عليه وظل في مصر، واشترى بواسطة معتمده بمصر عبد الملك الخطيب بعض السلاح، ولكنه حجز في جمرك السويس، كما عهدت الحكومة إلى السيد عبد الملك الخطيب بمصر في مقاولة بعض الشركات لإحضار كمية من السلاح لها من الخارج وأبرقت إلى كل من الملك فيصل في العراق والأمير عبد الله بشرق الأردن بطلب المساعدة بالمال والرجال والعتاد، وباتوا ينتظرون النتائج. ولما انقطع كل أمل للحكومة الحجازية في التفاهم مع ابن سعود ولم تجد التوسلات شيئًا، وجاءت إلى جدة بعض النجدات للملك علي رأي أن يظهر لخصمه الجلد والثبات، ويلوح له بما لديه من قوات فربما كان في ذلك ما يحمله

стр. 800

على تعديل خطته، فكتب هذه المرة خطابا لابن سعود فيه التهديد والوعيد، من علي بن الحسين إلى صاحب العظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود. أما بعد: فإني على يقين من أن التسافك في الجزيرة يقطع الأرحام، وذهب بالأحلام، ويغري عدو العرب على الإستفادة من الخصام، وأنت تعلم أنه عدو شديد عنيد لا يستنيم إلى رعاية العهود ولا يطمئن إلى السكينة، فماذا أنت فاعل وقد بسطت لك الحالة كما هي من غير تشويه في حقيقتها أو لبس في مظاهرها وأن أقصى رغبتي هي أن يسود السلام في الجزيرة، وأن تعود السكينة ما بين نجد والحجاز، وإني لباسط لك رأيي في السلم، ومقترح عليك عقد مؤتمر لإزالة بواعث الخلاف وينبغي أن تعلم عظمتك أن تدخل الأجانب بين الأمم المسلمة ضار بنا وبمصلحة بلادنا وهذا التدخل لا يبعد أن يجر إلى تشاحن عظيم، وهذا أمر لا أرغب فيه ولا أوافقك عليه، وما شأن الأعاجم (١) في بلادنا، وأنت تعلم أن لهم من مشاغلهم في بلادهم ما يضطرهم إلى التنحي عن الإهتمام بمصير الحجاز، فإذا هم جدوا في استقلال بلادهم كان ذلك أحرى لهم من كل أمر لذلك، فإني أقترح عليك عقد مؤتمر يحضره مندوبوا الطرفين للصلح، والرجوع إلى إتمام المفاوضات التي دارت في مؤتمر الكويت من قبل، وأرغب إليك جلاء النجديين من الأراضي الحجازية المحتلة، وإلا فسنردها بالسيف، فإذا لم يبلغك صوتي ويصلك نذيري فإني مضطر إلى الإطلاء بنار الحرب بلا شفقة ولا رحمة، وللتاريخ بعد ذلك حكمه الذي لا يرد في الباغي منا، وإذا كنت باغيا فلا يذكرني التاريخ بخير، وإن كنت أنت الباغي حقت عليك كلمة الله "وما الله بغافل عما يعمل الظالمون"، فتلقى ابن سعود هذا الخطاب يتبسم وعرف أن القلق قد أزعجه وفر من قلبه الثبات، وما وسعه إلا أن يرد عليه ردا قاسيا على علي بن الشريف حسين.

стр. 801

جدة ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٤ م، إني أحترم شخصكم احتراما عظيما ولكن معاملة والدكم لأهل نجد وسائر المسلمين هي التي جعلتنا نقف هذا الموقف، فإذا كنتم تحبون السلام وحقن الدماء، فاخلوا الحجاز وانتظروا حكم العالم الإسلامي، فإن اختاركم أو اختار غيركم فنحن نقبل حكمه بكل ارتياح، أما إذا بقيتم في أرض الحجاز فإن مسؤولية ما يقع من الحوادث تقع على عاتق غيرنا -عبد العزيز. وقد بذلت حكومة علي جهودا جبارة لإطالة أمد الحرب استجلابا للأمداد، ولعل الحكومات الأخرى تحل هذا النزاع، واستعدت للقتال وقامت تعمل بجد في تنظيم خط دفاعها والمحافظة على كيانها بكل ما تملك، فنصبت الأسلاك الشائكة خارج جدة وبثت الألغام من حولها، وأخذت تنفق في هذا السبيل من جيوب أعضاء الحزب المؤسسين، ودأب محمد الطويل في هذا السبيل، فكان أعظم مساهمة حيث بذل كل ما لديه وما ادخره من مال في عهد الحسين، وبذل الملك علي كل ما لديه حتى باع حلي أهله وباع أطيانه وأطيان عمته في مصر لسد حاجة الدولة، وحاولت الحكومة أن تحصل على قرض من بعض الدول والشركات الأجنبية، فلم تفلح لعدم وجود الضمانة الكافية لديها. ذكر سفر صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى الحجاز لما كان في العشر الأول من ربيع الثاني، تأهب الملك عبد العزيز بن سعود للسفر إلى الحجاز هذا وكل من في جدة يجهل مقر السلطان ومقاصده الحربية أو السلمية، وقد انتظروا ماذا يبدوا من هذا العاهل العظيم، ثم أنه أم العاصمة الرياض رؤساء القبائل والأعيان ليدعوه. فخطب فيهم خطبة بليغة تجذب القلوب وتسحر العقول، قال فيها إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها، بل لرفع المظالم التي أرهقت كل العباد، إني مسافر إلى مهبط الوحي لبسط أحكام الشريعة وتأييدها، إن مكة للمسلمين كافة، وسنجتمع هناك بوفود العالم الإسلامي فنتبادل وإياهم الرأي في الوسائل التي تجعل بيت الله بعيدا عن الشهوات السياسية، وسيكون الحجاز مفتوحًا لكل من يريد عمل الخير

стр. 802

من الأفراد والجماعات، ثم أرسل إلى الإمام يحيى وغيره من أمراء الإسلام المستقلين هذا الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أما بعد، فقد استقبلت الطريق إلى مكة غير باغ ولا آثم، فليتفضل الأخ العظيم بإرسال من يمثله في مؤتمر مكة حبًا لنشر السلام بين الأمم الإسلامية. سلطان نجد/ عبد العزيز هذا فيما يختص بشؤون البلاد الخارجية فكان لكلامه أبلغ الأثر في قلوب العالم الإسلامي، حتى أن جريدة البلاغ التي تصدر في الإسكندرية علقت على كلمة ابن سعود البليغة قائلة بهذا المنهج، يذهب سلطان نجد إلى أم القرى مشهدًا لله والناس على أنه لا يتردد في تنفيذ ما صحت نيته على تنفيذه وما انتوى عمله، فما أسمى الغاية التي ينشدها، وما أحراه بتأييد العالم الإسلامي قاطبة له في تلك المهمة الشاقة التي عهدت الظروف أدائها، وأن لهجة السلطان لتذكرنا بلهجة السلف الصالح، ثم أطال بإبلاغ وإفصاح في مدح ابن سعود، وأنهم يثقون بأقواله ويؤمنون بإخلاصه وصدق طويته. أما شؤون البلاد الداخلية فإنه جعل على حدود العراق ابن عمه عبد الله بن جلوي، لرد عاديته إن جاء منه شر، وناهيك به من رجل باقعه صلب العود شديد البطش، يستطيع أن يوقف كل معتد عند حده، وجعل على حدود سوريا الأمير الخطير وما أدراك ما هو إنه عبد العزيز بن مساعد، اليقظ الحزم القدير يراقب أعمال الأمير عبد الله بن حسين، ويمنع مساعداته إذا وردت لأخيه علي، وجعل ابنه سعود على العارض يدبر شؤونه، وأقام والده عبد الرحمن مرجعها إلى علي، وضبط شؤون بلاده لئلا ينتهز باغ فرصة غيابه عنها فأمر خيرة رجاله وأعظمهم حنكة وشجاعة وسياسة في مواقع الخطر، فإليك أيها الغر عن الوقوع في المهالك فإن في الحياض من يزود عنها، كلا والله إن الليث مفترش على برائنه للوثوب على من يقرب من الحمى وقاطنه.

стр. 803

ثم كتب إلى أهل بريدة وعنيزة وإلى بعض الهجر من الأخوان أن يوافوه بألويتهم وجموعهم إلى أماكن عينها، فلما كان في ١٣/ ٤ استقل موكبه من الرياض بما في ذلك من الفرسان وحاشيته المؤلفة من كتاب السر وبعض العلماء وفيهم من آل الشيخ العالم الشيخ عبد الله بن حسن قاضي جيشه إذ ذاك ورئيس القضاة اليوم وفيهم الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف أمامه، وقد رافقه في هذه الرحلة أخواه محمد وعبد الله وأبناه محمد وخالد وغيرهم من آل بيته ونفر من آل سبهان وآل رشيد وغيرهم من وجهاء نجد، ثم انضم إلى الموكب الشاعر عبد الرحمن بن نفيسه وراويه نجد المشهور عبد الله العجيري، وكان مع عظمته من المستشارين السوريين الدكتور محمد حمدي، ومحمد النحاس، ويوسف ياسين، وجمال الغزي. أما الألوية التي لحقت بالموكب السلطاني في الطريق فعددها خمسة عشر لواء، خمسة ألوية من أهل القصيم من بريدة، وعنيزة، والبكرية، والمذنب، والخبراء، وهؤلاء الحضر، وعشرة ألوية من هجر دخنة، والداهنة، ونفي، والشبيكة وغيرها. كيفية ذلك السفر الميمون لما كانت الطرق المعروفة بين نجد والحجاز كثيرة، أقصرها من الرياض بعد الخروج من وادي حنيفة هي الطريق الجنوبية التي تبدأ من ضرمة فتمر بالركبة، مسافتها إلى مكة نحو خمسمائة ميل فإن السلطان اختار الطريق الشمالية التي تمر بالوشم وأطراف وادي السر ثم الشعراء، وهذه الطريق تزيد على الأولى نحو مائة ميل وهى مسيرة عشرين يومًا للقوافل، ومن ٢٥ إلى ٣٥ يومًا للجند، أما النجاب حامل البريد فيمكنه قطع مسافة ما بين الرياض والحجاز ونعني مكة بعشرة أيام، زد على ذلك في السرعة سير السيارات، فإنها تقطعها بيومين والمستعجلة بيوم واحد، وأعلى في السرعة الطائرة فإنها تقطعها بساعتين و ٢٠ دقيقة. فلما سار الموكب كان سيره معتدلا لا كالقوافل ولا كالجيش، وكان يقف يوما أو يومين على بعض المياة القريبة من العمران، فتجيء الوفود تسلم على الإمام وتجيء معهم في بعض الأحايين الشكايات التي كان يسمعها، ويمهد لسبيل العدالة

стр. 804

لأصحابها فأربعة وعشرون يوما كان سير الموكب في الطريق، وكان يمشي سيرا وسراء من الثمان ساعات إلى الخمس عشرة ساعة كل يوم ويمشي حتى في البادية بنظام عسكري. هذا ولم يكن في هذا الموكب ما يدل على الحرب ولا أثر للحرب من صفوف وغيرها سوى النظام، ما هو إلا رهط من الناس خرجوا للسياحة يحملون في حقائبهم الكتب يطالعونها في ساعات السفر من الكتب الدينية والتاريخية للمطالعة في الليل والنهار، إذا ما طال الليل ومل الحادي تكلم السلطان ينادي العجيري وقد يكون العجيري معتزلا الركب كما هي عادة رواية نجد فيكرر أحد الرجال كلمة السلطان، العجيري يا عجيري يقدم فبحث العجيري راحلته، وبعد أن يدنو من السلطان يسلم ويشرع في القراءة إذا ما سمعته تظنه يقرأ في كتاب وإنما يقرأ عن ظهر قلب لأنه لا يحمل كتابا بل كان يحفظ الأدب والشعر من كتاب الأغاني، والكامل والبيان والتبيين والكشكول، وكان له ذاكرة وخاطر سريع، وله أدب وصوت ونطق وطريقة في الإلقاء تدهش أكبر الممثلين. ماذا يبغي الإمام فصلا في نوادر في مكارم الأخلاق، فصلا في الشجاعة والإقدام، في البر والتقوى، وإذا ما بدا في الرواية كان كالساحر يتمشى في حدائق الأدب والشعر والتاريخ، فينقلها بأزهارها ويطيب شذاها، فتنعش الركبان وتطرد النعاس من الأجفان، وفي ساعة الأدلاج بعد أن تمشي الحملة وأمامها العلم وإلى جانبه راكب يحمل قنديلا منيرا. قال الراوي: نسمع الصوت ينادي العجيري فيدنوا الراوية من عظمة السلطان فيرتل طائفة من الذكر ترتيلا جميلا أنيقا تكاد تعد منه حروفه، ثم يؤذن المؤذن لصلاة الفجر وبعد الصلاة والقهوة يستأنف الموكب السير فينادي السلطان أين الشيخ؟ فيليه أحد العلماء ويشرع يتلو شيئًا من القرآن، ثم بعد الضحى يدعوه ثانية أو يدعو غيره من العلماء فيسلم هذا قياد راحلته إلى خادم يقودها ويتناول من حقيبته السيرة النبوية أو صحيح مسلم، أو تاريخ ابن الأثير، أو كتاب الترغيب والترهيب، فيقرأ ساعة أو ساعتين بصوت عال يسمعه المتقدمون في الموكب

стр. 805

والمتأخرون، ويظل الموكب سائرًا بنظام لا يخرج في الصورة الإجمالية عنه، تتقدمه كوكبة الفرسان وتكاد أحيانا تختفي عن الأنظار، فاحرى بها أن تدعى كوكبة الكشافة؛ وبعدها علم السلطان وبعده الحملة التي فيها المؤن والأمتعة والأواني، وهي تمشي قبل الموكب السلطاني بساعة أو ساعتين فتختفي بعض الأحايين مثل كوكبة الفرسان، أما الموكب فتقدمه الإعلام ورايات الجيوش المنظمة إليه، وكلها تمشي في صف واحد، وبعدها الموكب والسلطان حينا على رأسه، وحينا في الوسط، فيسير أمامه أو وراءه الكبير والصغير بدون تمييز وبدون نظام. وها هو ذا قد أناخ في مرات بلدة امريء القيس فجاءته الوفود من الوشم وسدير مسلمة عليه وها هو إذا جالس في فسطاطه يسمع أحد الشعراء يتلو قصيدة في مديح الإمام وانتصار جيش التوحيد في الحجاز، وها هو إذا في صراحته المعتادة يقول للشاعر: أحب سماع الشعر، ولكن نوعين منه لا أحبهما، الهجو، والغلو في المديح، ولا وقت له لدينا لنقف نبكي من ذكرى الأحباء والمنازل، ولكننا نمر في بسقط اللواء؛ والعجيري يتلو علينا شيئًا من أخبارك يا بن حجر الكندي. فإذا تم المجلس تكلم الإمام توكلنا على الله؛ اركب يا بن مطرف، اركب يا عبد الرحمن؛ وعبد الرحمن بن مطرف هو حامل راية ابن سعود فأول من يعلو فوق راحلة في الموكب ابن مطرف، قال الراوي وها نحن بعد خروجنا من بلدة امريء القيس نشرف على أماكن نشاطرها ولو في الكتب جلال القدم والذكرى. هذه الجبال والشعاب والمياه وضح الحمى، والنير، والخفاف قد طالما زانت في غابر الزمان قوافي الشعراء وأفسدت عيش سادة العرب، هاهنا كانت تتطاحن القبائل، وها هنا كانت تندب الشعراء المنازل والأحباب، وهو ذا (ريع الريان) ذا الشعب الخصيب الذي تخرج إليه من الشعر محط رحال التجار والقوافل بين الحجاز والقصيم والعارض وما دون الشعب الجبل الذي قال فيه جرير: يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا وهو الذي حن كذلك إلى لا أهله الشريف الرضي:

стр. 806

أيا جبل الريان إن تعر منهم ... فإني سأكسوك الدموع الجواريا ولا نزال مسندين مصعدين من الريان إلى وادي الرشا بين جبال شهلان والخوار فتبدو أعالي نجد في أبهى الحلل من الاخضرار، تلك البلاد التي يتغنى الشعراء بعرارها وبطيب هوائها وبفسيح أرجائها. حنينا إلى أرض كان ترابها ... إذا أمطرت عود مسك وعنبر بلادكان الاقحوان بروضه ... ونور الأقاحي وشي برد محبر أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر أما وادي الرشا فيعلو نحو ألف وأربعمائة قدم عن البحر، ونستمر مسندين فنصل إلى ماء يدعى المصلوم، وهناك التقوا بنجاب من مكة يحمل البريد إلى السلطان وفي البريد كتاب قناصل الدول الذي بعثوه إلى قواد الجيش النجدي بعثه خالد وسلطان إلى عظمة السلطان فزاد إعجاب السلطان بقدرة الله التي حملت تلك الدول على التزام جانب الحياد، هذا وقد حضرت رسل السلام في الحجاز للتوفيق بين عظمة السلطان وبين الملك علي بن الحسين؛ وحضرت الاجتماعات والمفاوضات، ولكن العاهل العظيم المتوقف على حضوره أمر المفاوضات لم يحضر ولا يعلم ما قصده هل التوجه إلى مكة، أم البقاء في العاصمة مركز الحكم في الرياض، أم كان يريد التوجه عن قريب أو بعيد ومتى يتحرك من عاصمة نجد إلى الحجاز فما كان في جدة لا في الحكومة ولا في القناصل ولا بين التجار من يستطيع أن يجيب عليها، وما كان في جدة شخص أو أحد يعرف شيئًا عن ابن سعود. وقد كان ممن قدم لهذه الغاية المستر فلبي فكتب عند ذلك إلى أحد قائدي الجيش النجدي بمكة مستخبرًا غير أنه لم يحظ يحواب؛ وكتب أيضًا الأديب أمين الريحاني إلى القائدين كليهما فما جاء منهما جواب، ولا عاد الرسول مع أن سلطان ابن بجاد قد يتبادر إلى علمه أن الريحاني يتظاهر بصداقة ابن مسعود فرأى أمين الريحاني أن يبعث برقية إلى عبد العزيز بواسطة وكيله في البحرين، وتباحث هو

стр. 807

والمستر فلبي في السفر إلى الرياض برًا عن طريق الطائف لعلمها يجتمعان بعظمته في العاصمة أو في الطريق وعقدا النية على ذلك، فأبرق للقصيبي في البحرين أولا وثانيا وجاء منه الجواب برقيتين إحداهما بالعربية وهو أرسلنا برقيتك إلى الإمام والثاني باللغة الإنكليزية، قد سافر الإمام إلى الحجاز وهذه البرقية الإنكليزية أول نبأ وصل إلى جدة ينبيء بسفر السلطان، فسر به الملك علي، وسرت الحكومة والقناصل، بل سرت المدينة بأسرها، كيف لا وهو السلطان الأعظم، والرئيس الأفخم، والرجل العاقل الحكيم، فلا بد في قدوم جلالته أن تتغير الحال، ويضع حدًا لتلك الفظائع التي كانت تروى أخبارها في جدة ويتفاهم وإياه الرسل. ثم أنه بعث السلطان عبد العزيز من مكانه كتابا إلى قناصل الدول في جدة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: السلطنة النجدية وملحقاتها في ٢٤ ربيع الثاني ١٣٤٣ هـ ٢٢ نوفمبر ١٩٢٤ م من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود إلى حضرات الكرام قناصل الدول العظام في جدة معتمد الدول البهية البريطانية، وقنصل جنرال الدول الإيطالية، ووكيل جنرال الجمهورية الفرنسية، ونائب قنصل مملكة هولندة، ووكيل قنصل شاه إيران المحترمين، بعد إهداء ما يليق بجنابكم من الاحترام نحيط علمكم بأننا أحطنا علما بكتابكم المؤرخ في ٤ نوفمبر المرسل إلى أمراء جيشنا خالد بن منصور، وسلطان بن بجاد، بخصوص موقف حكوماتكم إزاء الحرب الواقعة بين نجد والحجاز، ولقد كنت أود من صميم قلبي أن تحقن الدماء، وتنفذ رغائب العالم الإسلامي الذي ذاق المتاعب في السنوات الثماني الأخيرة ولكن الشريف عليا بن الحسين بموقعه في جده لم يجعل لنا مجالا للوصول إلى أغراضنا الشريفه، ولذلك فإني حبا لسلامة رعاياكم ومحافظة على أرواحهم وأملاكهم وما قد يحدث لهم من الأضرار أحببنا أن نعرض عليكم ما يأتي. أولًا: أن تخصصوا مكانا ملائما لرعاياكم في داخل جده أو خارجها وتخبرونا بذلك المكان لنرسل إليهم من رجالنا من يقوم بحفظهم ورعايتهم. ثانيًا: إذا أحببتم أن ترسلوهم إلى مكة ليكونوا في جوار حرم الله بعيدين عن

стр. 808

غوائل الحرب وأخطارها فإننا نقبلهم على الرحب والسعة، وننزلهم المنزلة اللائقة بهم، وإننا نرجوكم أن ترسلوا كتابا طيه إلى أهل جدة حتى يكونوا على بينة من أمورهم، وإننا لا نعد أنفسنا مسؤولين عن شيء يقع بعد بياننا، هذا وتقبلوا في الختام تحية خالصة مني -الختم. وهذا نص الكتاب الذي في طي كتاب التفاضل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، السلطنة النجدبة وملحقاتها، من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، إلى أهالي جدة كافة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فلا بد أنه بلغكم أن أغلب العالم الإسلامي قد أبدى عدم رضاه عن حكم الحجاز بواسطة الحسين وأولاده، وحبا لسيادة السلام وحقن الدماء، نعرض عليكم أنكم في عهد الله وأمانة على أموالكم وأنفسكم إذا سلكتم مسلك أهل مكة، وبالنظر إلى وجود الأمير علي بين أظهركم وخروجه عن الرأي الإسلامي، فإنا نعرض عليكم الخروج من البلد إلى مكان معين، أو القدوم إلى مكة سلامة لأرواحكم وأموالكم، أو الضغط على الشريف علي وإخراجه من بلادكم، فإن فعلتم غير ذلك بمساعدة المذكور أو موالاته فنحن معذورون أمام العالم الإسلامي، وتبعة ما قد يقع من الحوادث تكون على المسبب، والسلام الختم ٢٤ ربيع الثاني ٤٣ عدد ١١٥. ثم أرسل الكتابين إلى القناصل وأمر ثلاثة من حاشيته بأن يتقدموه إلى مكة فيطمئنون الناس، فراحوا يبشرون بقدومه وسار الموكب بعد أن اجتازوا جبل النير جنوبا بغرب إل الدفينة وهي في رأس الحرة التي تعلو نحو أربعة آلاف قدم عن البحر وفيها بقية طريق معبدة غير السكة السلطانية أي سكة زبيدة القديمة، وفي هذه الحرة أعلام منصوبة تدل على الأرض الوعرة التي لا تسلك بل تحذر القوافل من أخطارها؛ وهناك بعد أن نجتاز الحرة سالمين نجد بيوتا متهدمة في وسط بساتين من الأثل ونخيل الدوم هي مران التي وصفها ياقوت بقوله إنها قرية غناء كبيرة كثيرة العيون والآبار والنخيل، وقد كانت لبني هلال ولكنها اليوم للاضمحلال. مررنا على مران ليلا فلم نعج على أهل آجام بها ونخيل.

стр. 809

وفي ٢٩ وصل الموكب عشيرة التي تتناهى إليها طرق نجد كلها وتعلو أربعة آلاف قدم عن البحر، فأقام السلطان فيها يوما يستقبل الوفود التي جاءت من جهات الحجاز للسلام يتقدمهم القائد سلطان بن بجاد وفيهم عدد كبير من أشراف الحجاز وعظمائه، جاءوا لإستقبال السلطان وتقديم الطاعة له. ثم أدلج الموكب من عشيرة مصعدين إلى قرية السيل وهو الميقات فأحرموا هناك وانحدروا في وادي السيل بين جبال جرداء ملساء سمحاء، فمروا بالزيمة وأناخوا في مكان يبعد ساعتين عن الأميال، ثم تقدموا بعد الظهر مكبرين ملبين، لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، ملأت تلك الجموع الشعاب، وتزاحمت بين الهضاب؛ وتصاعدت أصوات الملبين، فتصادمت في الفضاء، فرددت صداها الجبال والوهاد. ذكر قدوم ابن سعود إلى مكة لما كان في مساء الخميس ٧/ ٥ وصل جلالة الملك إلى الأبطح وحط رحاله في أعالي مكة، فأناخ ذلوله واستقبله هناك الأهلون بالتهليل والترحيب، وبعد أن استراح قليلا ركب حصانا وامتطى حاشيته ظهور الخيل إلى قلب مكة، فترجلوا عندما قربوا من المسعى ومشوا إلى الحرم فدخلوه من باب السلام وطافوا وصلوا وسعوا تلك الليلة، ثم عادوا إلى المخيم في المعابدة. فلما كان من الغد في صباح الجمعة استعرض السلطان الجيش من خيالة ومشاة ثم جلس في السرداق الكبير الذي نصبته البلدية وفرشته بالطنافس، وحرقت فيه البخور، فاستقبل أولا الإخوان وكان منهم أناس كثيرون لا يعرفون الإمام فكانت المشاهدة الأولى، وقد تهافتوا عليه يصافحنوه ويقبلونه في خشمه (أنفه) وفي جبينه وهم يبكون من شدة الفرح والسرور، لم جاء من أهل مكة أعيانها وتجارها يسلمون ولم يفرق الناس بينه وبين رجاله لبساطة ملبسه وعظيم تواضعه، وهكذا يكون من أراد الملك فإن الملك بيد الله يؤتيه أهل التواضع والعدل

стр. 810

الذين لا يهمهم ترف أبدانهم ولا لين ملبوسهم إنما يهمهم أمر الرعية والسهر على مصالحها ورعيتها ولما التفوا حوله وأرادوا تقبيل يديه على حسب ما عودهم الأشراف في عهدهم منعهم بعبارة قال فيها المصافحة من عادات العرب وعادة التقبيل لليد جاءتنا من الأجانب هذا ما يفعله الأعاجم بملوكهم فكان لهذه الكلمات أحسن الأثر في نفوس القوم واستبشروا منها خيرًا وأعجبهم ذلك كثيرًا فمن قائل ياله من سلطان متواضع لا يريد أن يسلم أحد عليه، ومن قائل حقا أنه على فطرة العربي وسليقته يكرهالملق ويمقت المداهنة، ومن قائل أنه يشعر بالعظمة في نفسه فلا يحتاج إلى من يعظمه، ومن قائل: اليوم تذوقنا لذة الحرية وشعرنا بالخلاص من رق الاستعباد، ومن قائل يقول لقد ورمت شفاهنا من كثرة تقبيل الأيدي والركب فلنهنأ بالراحة الدائمة. ولما سمعوه يقول أن المصافحة عادتنا كما كان يصنع النبي ﷺ وأصحابه جعل يقول قائلهم أسمعتم أنه يصلي على النبي بعكس ما فهمنا من قبل أنه يكرهه ﵊، ومن قائل أنه لا يريد بنا السوء بل إنه يعلمنا كيف نحتفظ بعزة العربي وكرامته والتمسك بأخلاقه وعاداته. ولما استقر السلطان في مكانه وقف الشيخ عبد القادر الشيبي عميد بني شيبة سادن الكعبة وعين أعيان أهل مكة فأخذ يقدم له كبار الشخصيات والأعيان؛ ثم وقف ابن سعود وبين لهم أنه لم يأتهم مقاتلا ولا ظالما وإنما جاء ليخلصهم من جور الحسين وعسفه ولييسر للمسلمين سبيل الحج إلى بيت الله الحرام، جاء ليدعو الناس إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويبسط لهم حقيقة الوهابية ليفهم الناس عنها فكرة صحيحة بعيدة عن الأغراض وأقوال الكاذبين وأبدى أسفه لما حدث في الطائف ووعد بتعويض المصابين بضياع الأموال، فتقدم إليه الشيخ عبد القادر الشيبي وقال هل لكم يا عظمة السلطان أن تتفضلوا بتعيين موعد تجتمعون فيه بعلماء المسجد الحرام وتوضحون لهم ما خفي عليهم من حقيقة عقيدة الوهابية فقد كثر حولها الكلام ونفر منها العوام فأجابه ابن سعود لكم ذلك ووعدهم من الغد في الساعة الثامنة بدار الحكومة.
следующие страницы →