Полный текст (2 873 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
أيا جبل الريان إن تعر منهم ... فإني سأكسوك الدموع الجواريا
ولا نزال مسندين مصعدين من الريان إلى وادي الرشا بين جبال شهلان والخوار فتبدو أعالي نجد في أبهى الحلل من الاخضرار، تلك البلاد التي يتغنى الشعراء بعرارها وبطيب هوائها وبفسيح أرجائها.
حنينا إلى أرض كان ترابها ... إذا أمطرت عود مسك وعنبر
بلادكان الاقحوان بروضه ... ونور الأقاحي وشي برد محبر
أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر
أما وادي الرشا فيعلو نحو ألف وأربعمائة قدم عن البحر، ونستمر مسندين فنصل إلى ماء يدعى المصلوم، وهناك التقوا بنجاب من مكة يحمل البريد إلى السلطان وفي البريد كتاب قناصل الدول الذي بعثوه إلى قواد الجيش النجدي بعثه خالد وسلطان إلى عظمة السلطان فزاد إعجاب السلطان بقدرة الله التي حملت تلك الدول على التزام جانب الحياد، هذا وقد حضرت رسل السلام في الحجاز للتوفيق بين عظمة السلطان وبين الملك علي بن الحسين؛ وحضرت الاجتماعات والمفاوضات، ولكن العاهل العظيم المتوقف على حضوره أمر المفاوضات لم يحضر ولا يعلم ما قصده هل التوجه إلى مكة، أم البقاء في العاصمة مركز الحكم في الرياض، أم كان يريد التوجه عن قريب أو بعيد ومتى يتحرك من عاصمة نجد إلى الحجاز فما كان في جدة لا في الحكومة ولا في القناصل ولا بين التجار من يستطيع أن يجيب عليها، وما كان في جدة شخص أو أحد يعرف شيئًا عن ابن سعود.
وقد كان ممن قدم لهذه الغاية المستر فلبي فكتب عند ذلك إلى أحد قائدي الجيش النجدي بمكة مستخبرًا غير أنه لم يحظ يحواب؛ وكتب أيضًا الأديب أمين الريحاني إلى القائدين كليهما فما جاء منهما جواب، ولا عاد الرسول مع أن سلطان ابن بجاد قد يتبادر إلى علمه أن الريحاني يتظاهر بصداقة ابن مسعود فرأى أمين الريحاني أن يبعث برقية إلى عبد العزيز بواسطة وكيله في البحرين، وتباحث هو
стр. 807
والمستر فلبي في السفر إلى الرياض برًا عن طريق الطائف لعلمها يجتمعان بعظمته في العاصمة أو في الطريق وعقدا النية على ذلك، فأبرق للقصيبي في البحرين أولا وثانيا وجاء منه الجواب برقيتين إحداهما بالعربية وهو أرسلنا برقيتك إلى الإمام والثاني باللغة الإنكليزية، قد سافر الإمام إلى الحجاز وهذه البرقية الإنكليزية أول نبأ وصل إلى جدة ينبيء بسفر السلطان، فسر به الملك علي، وسرت الحكومة والقناصل، بل سرت المدينة بأسرها، كيف لا وهو السلطان الأعظم، والرئيس الأفخم، والرجل العاقل الحكيم، فلا بد في قدوم جلالته أن تتغير الحال، ويضع حدًا لتلك الفظائع التي كانت تروى أخبارها في جدة ويتفاهم وإياه الرسل.
ثم أنه بعث السلطان عبد العزيز من مكانه كتابا إلى قناصل الدول في جدة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: السلطنة النجدية وملحقاتها في ٢٤ ربيع الثاني ١٣٤٣ هـ ٢٢ نوفمبر ١٩٢٤ م من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود إلى حضرات الكرام قناصل الدول العظام في جدة معتمد الدول البهية البريطانية، وقنصل جنرال الدول الإيطالية، ووكيل جنرال الجمهورية الفرنسية، ونائب قنصل مملكة هولندة، ووكيل قنصل شاه إيران المحترمين، بعد إهداء ما يليق بجنابكم من الاحترام نحيط علمكم بأننا أحطنا علما بكتابكم المؤرخ في ٤ نوفمبر المرسل إلى أمراء جيشنا خالد بن منصور، وسلطان بن بجاد، بخصوص موقف حكوماتكم إزاء الحرب الواقعة بين نجد والحجاز، ولقد كنت أود من صميم قلبي أن تحقن الدماء، وتنفذ رغائب العالم الإسلامي الذي ذاق المتاعب في السنوات الثماني الأخيرة ولكن الشريف عليا بن الحسين بموقعه في جده لم يجعل لنا مجالا للوصول إلى أغراضنا الشريفه، ولذلك فإني حبا لسلامة رعاياكم ومحافظة على أرواحهم وأملاكهم وما قد يحدث لهم من الأضرار أحببنا أن نعرض عليكم ما يأتي.
أولًا: أن تخصصوا مكانا ملائما لرعاياكم في داخل جده أو خارجها وتخبرونا بذلك المكان لنرسل إليهم من رجالنا من يقوم بحفظهم ورعايتهم.
ثانيًا: إذا أحببتم أن ترسلوهم إلى مكة ليكونوا في جوار حرم الله بعيدين عن
стр. 808
غوائل الحرب وأخطارها فإننا نقبلهم على الرحب والسعة، وننزلهم المنزلة اللائقة بهم، وإننا نرجوكم أن ترسلوا كتابا طيه إلى أهل جدة حتى يكونوا على بينة من أمورهم، وإننا لا نعد أنفسنا مسؤولين عن شيء يقع بعد بياننا، هذا وتقبلوا في الختام تحية خالصة مني -الختم.
وهذا نص الكتاب الذي في طي كتاب التفاضل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، السلطنة النجدبة وملحقاتها، من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، إلى أهالي جدة كافة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فلا بد أنه بلغكم أن أغلب العالم الإسلامي قد أبدى عدم رضاه عن حكم الحجاز بواسطة الحسين وأولاده، وحبا لسيادة السلام وحقن الدماء، نعرض عليكم أنكم في عهد الله وأمانة على أموالكم وأنفسكم إذا سلكتم مسلك أهل مكة، وبالنظر إلى وجود الأمير علي بين أظهركم وخروجه عن الرأي الإسلامي، فإنا نعرض عليكم الخروج من البلد إلى مكان معين، أو القدوم إلى مكة سلامة لأرواحكم وأموالكم، أو الضغط على الشريف علي وإخراجه من بلادكم، فإن فعلتم غير ذلك بمساعدة المذكور أو موالاته فنحن معذورون أمام العالم الإسلامي، وتبعة ما قد يقع من الحوادث تكون على المسبب، والسلام الختم ٢٤ ربيع الثاني ٤٣ عدد ١١٥.
ثم أرسل الكتابين إلى القناصل وأمر ثلاثة من حاشيته بأن يتقدموه إلى مكة فيطمئنون الناس، فراحوا يبشرون بقدومه وسار الموكب بعد أن اجتازوا جبل النير جنوبا بغرب إل الدفينة وهي في رأس الحرة التي تعلو نحو أربعة آلاف قدم عن البحر وفيها بقية طريق معبدة غير السكة السلطانية أي سكة زبيدة القديمة، وفي هذه الحرة أعلام منصوبة تدل على الأرض الوعرة التي لا تسلك بل تحذر القوافل من أخطارها؛ وهناك بعد أن نجتاز الحرة سالمين نجد بيوتا متهدمة في وسط بساتين من الأثل ونخيل الدوم هي مران التي وصفها ياقوت بقوله إنها قرية غناء كبيرة كثيرة العيون والآبار والنخيل، وقد كانت لبني هلال ولكنها اليوم للاضمحلال.
مررنا على مران ليلا فلم نعج على أهل آجام بها ونخيل.
стр. 809
وفي ٢٩ وصل الموكب عشيرة التي تتناهى إليها طرق نجد كلها وتعلو أربعة آلاف قدم عن البحر، فأقام السلطان فيها يوما يستقبل الوفود التي جاءت من جهات الحجاز للسلام يتقدمهم القائد سلطان بن بجاد وفيهم عدد كبير من أشراف الحجاز وعظمائه، جاءوا لإستقبال السلطان وتقديم الطاعة له.
ثم أدلج الموكب من عشيرة مصعدين إلى قرية السيل وهو الميقات فأحرموا هناك وانحدروا في وادي السيل بين جبال جرداء ملساء سمحاء، فمروا بالزيمة وأناخوا في مكان يبعد ساعتين عن الأميال، ثم تقدموا بعد الظهر مكبرين ملبين، لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، ملأت تلك الجموع الشعاب، وتزاحمت بين الهضاب؛ وتصاعدت أصوات الملبين، فتصادمت في الفضاء، فرددت صداها الجبال والوهاد.
ذكر قدوم ابن سعود إلى مكة
لما كان في مساء الخميس ٧/ ٥ وصل جلالة الملك إلى الأبطح وحط رحاله في أعالي مكة، فأناخ ذلوله واستقبله هناك الأهلون بالتهليل والترحيب، وبعد أن استراح قليلا ركب حصانا وامتطى حاشيته ظهور الخيل إلى قلب مكة، فترجلوا عندما قربوا من المسعى ومشوا إلى الحرم فدخلوه من باب السلام وطافوا وصلوا وسعوا تلك الليلة، ثم عادوا إلى المخيم في المعابدة.
فلما كان من الغد في صباح الجمعة استعرض السلطان الجيش من خيالة ومشاة ثم جلس في السرداق الكبير الذي نصبته البلدية وفرشته بالطنافس، وحرقت فيه البخور، فاستقبل أولا الإخوان وكان منهم أناس كثيرون لا يعرفون الإمام فكانت المشاهدة الأولى، وقد تهافتوا عليه يصافحنوه ويقبلونه في خشمه (أنفه) وفي جبينه وهم يبكون من شدة الفرح والسرور، لم جاء من أهل مكة أعيانها وتجارها يسلمون ولم يفرق الناس بينه وبين رجاله لبساطة ملبسه وعظيم تواضعه، وهكذا يكون من أراد الملك فإن الملك بيد الله يؤتيه أهل التواضع والعدل
стр. 810
الذين لا يهمهم ترف أبدانهم ولا لين ملبوسهم إنما يهمهم أمر الرعية والسهر على مصالحها ورعيتها ولما التفوا حوله وأرادوا تقبيل يديه على حسب ما عودهم الأشراف في عهدهم منعهم بعبارة قال فيها المصافحة من عادات العرب وعادة التقبيل لليد جاءتنا من الأجانب هذا ما يفعله الأعاجم بملوكهم فكان لهذه الكلمات أحسن الأثر في نفوس القوم واستبشروا منها خيرًا وأعجبهم ذلك كثيرًا فمن قائل ياله من سلطان متواضع لا يريد أن يسلم أحد عليه، ومن قائل حقا أنه على فطرة العربي وسليقته يكرهالملق ويمقت المداهنة، ومن قائل أنه يشعر بالعظمة في نفسه فلا يحتاج إلى من يعظمه، ومن قائل: اليوم تذوقنا لذة الحرية وشعرنا بالخلاص من رق الاستعباد، ومن قائل يقول لقد ورمت شفاهنا من كثرة تقبيل الأيدي والركب فلنهنأ بالراحة الدائمة.
ولما سمعوه يقول أن المصافحة عادتنا كما كان يصنع النبي ﷺ وأصحابه جعل يقول قائلهم أسمعتم أنه يصلي على النبي بعكس ما فهمنا من قبل أنه يكرهه ﵊، ومن قائل أنه لا يريد بنا السوء بل إنه يعلمنا كيف نحتفظ بعزة العربي وكرامته والتمسك بأخلاقه وعاداته.
ولما استقر السلطان في مكانه وقف الشيخ عبد القادر الشيبي عميد بني شيبة سادن الكعبة وعين أعيان أهل مكة فأخذ يقدم له كبار الشخصيات والأعيان؛ ثم وقف ابن سعود وبين لهم أنه لم يأتهم مقاتلا ولا ظالما وإنما جاء ليخلصهم من جور الحسين وعسفه ولييسر للمسلمين سبيل الحج إلى بيت الله الحرام، جاء ليدعو الناس إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويبسط لهم حقيقة الوهابية ليفهم الناس عنها فكرة صحيحة بعيدة عن الأغراض وأقوال الكاذبين وأبدى أسفه لما حدث في الطائف ووعد بتعويض المصابين بضياع الأموال، فتقدم إليه الشيخ عبد القادر الشيبي وقال هل لكم يا عظمة السلطان أن تتفضلوا بتعيين موعد تجتمعون فيه بعلماء المسجد الحرام وتوضحون لهم ما خفي عليهم من حقيقة عقيدة الوهابية فقد كثر حولها الكلام ونفر منها العوام فأجابه ابن سعود لكم ذلك ووعدهم من الغد في الساعة الثامنة بدار الحكومة.
стр. 811
ولما كان في ظهر يوم السبت في الوقت المعلوم كان الاجتماع في الحميدية وحضر لذلك العلماء وذوا الرأي من أهل مكة والمهاجرين فحياهم السلطان وتقدم حافظ وهبه فألقى عليهم كلمة جميلة أفادت أن ابن سعود جاء ليطهر تلك البلاد المقدسة من البدع، وليجعل الأمر شورى فلا يستبد بأمر، وبابه مفتوح لنصيحة كل ناصح، ولا يكون هذا البيت الحرام ملكًا لأحد، وأن التجارب السابقة دلت على أن الحسين وآله غير صالحين لإدارة هذه البلاد ولذلك فإنا سنضحي بنفوسنا وأموالنا في تطهير البلاد المقدسة منهم؛ وهنا قام "حبيب الله الشنقطي" فقال ولينصرن الله من ينصره، وما دامت غاية السلطان عبد العزيز نصرة الإسلام فإن الله ينصره ويؤيده.
فوقف السلطان عبد العزيز ثم خطب فيهم خطبة دينية، حمد الله وصلى على نبيه، ثم قال إن الأمور كلها بيد الله، وأن الله قد ضرب الأمثال في القرآن ولم يترك شيئًا لتأديبنا إلا ذكره في كتابه؛ ولقد كان رسول الله ﷺ الذي من أحبه فقد أحب الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، يأخذ نفسه بآداب القرآن الذي نزل به أمين السماء جبريل على أمين الأرض محمد ﷺ ولا أظن رجلًا عنده ذرة من عقل وعرف ما جاء في كتاب الله إلا قدر هذه الآداب حق قدرها، ورأى أن الخير كل الخير في اتباع الهدى الحكيم، وأنتم تعلمون أن نبينا محمدًا ﷺ ما جاء إلا ليدلنا على طريق الخير ويبين لنا السبيل الأقوم، ثم قال إن أفضل البقاع بقاع يقام فيها شرع الله، وأفضل الناس من اتبع أمر الله وعمل به، فهل تعلمون قبيلة أفضل من قريش ومع فضلهم قاتلهم الرسول لما عصوا الله ورسوله وأعرضوا عن الحق، ألم يشرف بلال الحبشي وسلمان الفارسي بالإسلام والأول عبد حبشي والآخر رجل فارسي؛ ألم يذل أبو لهب بالكفر وهو عم رسول الله ﷺ فالشرف ليس بالحسب ولا بالنسب وانما هو بالعمل الصالح.
إن هذا البيت هو شرف الإسلام الخالد، وما عمل فيه من الأعمال الحميدة يضاعف الله أجره، وما عمل فيه من السيئات يضاعف الله وزره، إن لهذا البيت
стр. 812
شرفه ومقامه منذ رفع سمكه سيدنا إبراهيم ﵇، وقد عظم العرب شأنه في جاهليتهم فتحالفوا وتعاقدوا ألا يقروا ببطن مكة ظالم صيانة لهذا البيت أن يقع الظلم فيه.
إن الفضول تعاقدوا وتعاهدوا ... ألا يقر ببطن مكة ظالم
فتعالوا نتعاقد ونتحد، والله وبالله وتالله ورب هذا البيت لقد كان من أحب الأمور إلى أن يقيم الحسين شرع الله في هذا البيت المبارك، ولا يعمل لإبادتنا من الوجود، فأفد عليه مع الوافدين، أقبل يده وأساعده على كل شيء يريده، ولكن هكذا شاءت إرادة الله، ولو لم يلحق الأمر الأديان والنفوس لما أقدمنا على ما أقدمنا عليه، فقد قرر الحسين تقسيم بلادنا وتوزيعها وأصر عليه وأخذ يعمل له، وهذه جريدة القبلة أمامكم تعرفكم نياته نحونا، فإن الحسين أتى إلى هذه الديار مؤمرًا من قبل الترك وأقام فيها ثم خلع طاعتهم فنحن في ديارنا لم يأمرنا غير سيوفنا واتباع ما أمر الله لا ينفعنا غير الإخلاص في كل شيء؛ الإخلاص لله بالعبادة.
ثم قال: أنا بذمتكم وأنتم بذمتي، أنا منكم وأنتم مني، هذه عقيدتنا في الكتب التي بين أيديكم، فإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فمردنا إليه، إننا لم نطع ابن عبد الوهاب ولا غيره إلا فيما أيدوه بقول من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أما أحكامنا فسنسير فيها طبق اجتهاد الإمام أحمد بن حنبل.
لقد أشاع الترك عنا كثيرًا وقالوا في جملة ما كذبوه علينا إننا لا نصلي على محمد وإننا نعد الصلاة عليه شركًا بالله نعوذ بالله من ذلك، أو ليست الصلاة على محمد ﷺ ركنا من أركان الصلاة لا تتم إلا بها، ويقولون اننا ننكر شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة معاذ الله أن نقول هذا، وإنما نطلب من الله أن يشفع فينا نبينا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ بل ندعو الله أن يشفع فينا الولد الصغير ونقوا اللهم اجعله فرطا لأبويه وشفيعا مجابا ولا نطلب الشفاعة من الطفل.
وأما محبة الأولياء والصالحين فمن ذا الذي يبغضهم منا فإن كان هذا
стр. 813
مقبولا عندكم فتعالوا نتبايع على كناب الله وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، فأجاب الحاضرون كلنا نبايع، كلنا نبايع، فقال السلطان: قولوا لنا بصريح القول ما عندكم فرد الحاضرون ما عندنا غير هذا، فقال السلطان: أعيذكم بالله من التقية فلا تكتمون شيئًا، فتكلم الشيخ الشنقيطي قائلا: إنا نريد أن نجتمع بعلماء نجد فنتباحث في الأصول والفروع ونقرر ما نتفق عليه، فأجابه السلطان قائلًا: جميلًا، قريبا تجتمعون، واستأنف الشنقيطي الكلام فقال: إذا أردنا المناظرة مع علماء نجد فيقتضي أن يعرف كل منا طبيعة الآخر حتى إذا أقيمت الحجة عليه أذعن بدون سخط ولا غضب، فأجابه السلطان: ما دام المرجع كتاب الله فلا سخط ولا غضب.
ولما كان في يوم الإثنين ١١ جمادى الأولى، اجتمع ستة عشر عالما من علماء الحجاز من بينهم محمد المرزوقي، وعباس مالكي، ومحمد جمال مالكي، ودرويش عجيمي، بسبعة علماء من نجد من بينهم الشيخ عبد الله بن حسن، والشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف، والشيخ محمد بن عثمان الشاوي؛ والشيخ عبد الرحمن بن داود، والشيخ عبد الله بن زاحم، والشيخ مبارك بن باز؛ فتباحثوا في الأصول والفروع، وتبين أن ما يدعوا الوهابية هو الحق الذي دعى اليه جميع الأئمة، وصرحت به كتب كافة المذاهب وقرروا ما يأتي:
قد حصل الاتفاق بيننا وبين علماء نجد في مسائل أصولية، من جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه يدعوهم ويرجوهم في جلب نفع أو دفع ضر، فهذا كافر يستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتل، ومنها تحريم البناء على القبور وإسراجها وإقامة الصلاة عندها، لأن في ذلك بدعة محرمة في الشريعة، وزيارة القبور انما هي للدعاء للميت والتذكير بالآخرة، ومنها من سأل الله بجاه أحد من خلقه فهو مبتدع مرتكب حرامًا، في هذه المسائل تباحثنا واتفقنا فاتفقت بذلك العقيدة بيننا معاشر علماء الحرم الشريف وبين إخواننا أهل نجد، ثم وقعوا عليها بإمضاآتهم، وهذا البيان طويل أذاعوا به بيانا للأمة لتقتنع بأن كل ما كان يذاع عن الوهابيين من اختراق
стр. 814
المشاكل إنما هو مجرد دعاية لا صحة له، وقد طبع في مطبعة جريدة أم القرى معه خطاب رئيس القضاه الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وكان هذا تقريرا عظيما للمسائل الجوهرية في المذهب الحنبلي، هذه المطبعة للأتراك يطبعون فيها جريدة الحجاز الرسمية، ثم استولى عليها الحسين وشرع يطبع فيها جريدة القبلة، ثم استولى عليها ابن سعود وأصدر جريدة أم القرى، ثم أصدر ابن سعود بيانا رسميا إلى أهل الحجاز الحاضرة والبادية وهو هذا.
يا سكان الحجاز من حضر وبدو إننا لم نقدم من ديارنا إليكم إلا انتصارا لدين الله الذي انتهكت محارمه، ودفعا للشرور التي كان يكيدها لنا ولديارنا من استبد فيكم بالأمر قبلنا، وسنجعل الأمر شورى بين المسلمين في شأن هذه البلاد المقدسة، فلذلك أبرقنا لكافة المسلمين في سائر الأنحاء أن يرسلوا وفودهم لعقد مؤتمر إسلامي عام يقرر شكل الحكومة التي يرونها صالحة لأحكام الله في هذه البلاد المطهرة، إن مصدر التشريع في الأحكام بينكم يجب أن لا يكون إلا من كتاب الله، ومما جاء عن رسول الله ﷺ ، أو ما أقره علماء الإسلام عن طريق القياس أو أجمعوا عليه مما لم يكن في كتاب الله أو سنة نبيه، كل من كان من العلماء في هذه الديار من موظفي الحرم الشريف أو المطوفين ذا راتب معين فهو له على ما كان عليه من قبل، إن لم نزده فلا ننقصه إلا رجلًا أقام الناس عليه الحجة أن لا يصلح لما هو قائم عليه فهو ممنوع مما كان له من قبل، وكل من له حق ثابت في بيت مال المسلمين أعطيناه حقه لا كبير عندي إلا الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا ضعيف عندي إلا الظالم حتى آخذ الحق منه، وليس عندي في إقامة حدود الله هوادة ولا أقبل فيها شفاعة.
ولقد كان لكلام ابن سعود هذا وقع عظيم في قلوب أهل الحجاز وفتح به أغلاقا محكمة، وملك به قلوبهم وعملوا على مناصرته لا سيما حين أقرهم في وظائفهم ولو سلم هذا البيان من ذكر جعل الأمر شورى بين سائر المسلمين كما أشار إليه في مبتداه لملك به سائر الحجاز ولكنه لا يعجب الحجازيين تدخل الأجانب في أمرهم ولكن، السلطان رأيه من وراء ذلك كله أن يرضي سائر
стр. 815
المسلمين ويوقفهم عند حدهم، غير أنه أدرك بثاقب رأيه أن أهل الحجاز أحبوه وتعلقوا به، غير أنهم استاءوا لذلك فأسرع إلى دعوة العلماء وذوي الرأي في البلاد وألقى عليهم خطابا عدل، خطته الأولى فقال: يا أبناء الحجاز ويا جيرة البيت الحرام إن ديارا كدياركم تحتاج إلى اهتمام زائد في إدارة شؤونها عندنا مثل يعرفه الناس جميعا وهو أن أهل مكة أدرى بشعابها فأنتم أعلم ببلدكم من البعيدين عنكم وما أرى لكم أحسن من أن تلقى مسؤوليات الأعمال على عواتقكم، وأطال في هذا الموضوع إلى أن قال أريد رجالا يعملون بصدق وعلم وإخلاص، فإذا اجتمع أولئك المنتخبون وأشكل على أمر من الأمور رجعت إليهم في حله، وعملت بشؤونهم فتكون ذمتي سالمة وتكون المسؤولية عليهم وأريد الصراحة في القول، لأن ثلاثة أكرههم ولا أقبلهم، رجل كذاب يكذب علي عن تعمد، ورجل ذو هوى، ورجل متملق، هؤلاء أبغض الناس عندي، وطلب الانتخاب بسرعة.
فما كاد يتكلم بذا الخطاب حتى قام العلماء والأعيان والتجار لتأسيس مجلس شورى تنفيذًا لإدارة السلطان، واجتمعوا في دار البلدية، وانتخبوا من الأعيان والعلماء والتجار مجلسًا مؤلفا من أربعة عشر عضوا برئاسة الشيخ عبد القادر الشيبي.
وفي اليوم ١٥ من جمادى الأول أصدرت الحكومة السعودية صحيفة مكة أسمتها جريدة أم القرى وهي لسان الحكومة السعودية، ومحررها يوسف ياسين لاذقي الأصل، وعندما عرض نتيجة الانتخاب على ابن سعود أقرها، ودعا المنتخبين وأوصاهم بتقوى الله، ورغب إليهم أن يعملوا على عدم تخلف الناس عن الصلاة في الجماعة، فنادى مناد في البلاد يا معشر المسلمين سكان البلد الأمين على كل واحد منكم إذا سمع المؤذن أن يجيب داعي الله ويبادر إلى الصلاة في الحرم، ومن كان بعيدا عنه فليصل في أقرب مسجد منه.
كما أصدر السلطان أمره بتعيين حافظ وهبه محافظا على مكة، والشريف هزاع العبدلي أميرا على بدو الحجاز، وخصص خالد بن لؤي بشؤون نجد، فهدأت الأحوال وسرت الخواطر.
стр. 816
ذكر الإشاعات المكذوبة على الإخوان قبل ذلك
لقد مرض رؤساء أهالي جدة مرضا حسيا ومعنويا أما الحسي فنعم مرضوا بالأمراض السارية كالملاريا وغيرها من الأمراض، وأما المعنوي فيما كانوا يسمعونه من الأخبار التي شوهت بالإخوان وكذبت عليهم ما كان يحدذ الكربة ويزيدها بالهول الإخوان ويا للفظاعة ويا للعار تد عاهدوا بني جابر وبعض الأشراف الذين دينوا وأمنوهم، ثم حملوا عليهم فذبحوهم كلهم الرجال منهم والنساء والأطفال قد عاهدوا الجداعين وأمنوهم على حياتهم وأموالهم ثم ذبحوهم عن بكرة أبيهم، الإخوان يضربون أهل جاوة في الحرم، ويمنعونهم عن الصلاة وعن التدريس في الحرم، الويل لمن يرى الإخوان سكاره بيده فإنهم يشبعونه شتما وضربا، الإخوان يحجزون البيوت بمكة ويبيعونها، الإخوان يهدمون بيت المولد النبوي، وبيت السيدة فاطمة الزهراء، وضريح السيدة خديجة، الإخوان هدموا كل قبور الصحابة والأولياء وآل البيت في المعلاة، وهدموا مسجد حمزة ومسجد أبي قبيس، وهدموا وفعلوا، وما هي إلا إشاعات مكذوبة صدرت عن السنة تبهرج وتنفر الناس عن اسم الوهابية، ومن لم يراقب الله ولم يستح من خلقه فليفعل ما شاء.
ونزيد المقام توضيحا فنقول عندما دخل الإخوان مكة، جاء عربان الجدعان وبني جابر وبعض الأشراف إلى الأمير خالد بن لؤي موحدين طائعين دخلوا في دين التوحيد، ودينوا فأعطاهم خالد الأمان على أرواحهم وأموالهم وأذنهم بالرجوع إلى منازلهم التي تبعد مرحلة ومرحلتين عن جدة إلى الشرق الجنوبي، ولكنهم بعد أن عادوا من مكة جاءوا يقدمون الطاعة للملك علي وشرع بعضهم يقطع الطريق بين جدة ومكة، فأرسلت القيادة النجدية سرية عليهم للتأديب، ولجمع السلاح فأبى الجدعان أن يسلموا سلاحهم، فنشبت بينهم وبين الإخوان معركة دامية انتهت بهزيمة الجدعان وفرارهم في السنابيك إلى جدة.
أما بنو جابر فمنهم من سلموا سلاحهم ومنهم من فروا هاربين فركبوا البحر
стр. 817
مثل الجدعان، وجاءوا جدة بحريتهم وعيالهم فأنزلهم الملك علي خارج السور وبذل في سبيل المستطاع.
أما أهل جاوة فما ضربهم الإخوان ولا منعوهم عن الصلاة والتدريس في الحرم وليس الخبر كالعيان بل سأل بعض المثبتين أهل جاوة هل ضربكم الإخوان وفعلوا وفعلوا؟ فقالوا: إنا أقمنا حفلة لنتلوا المولد النبوي، كما هي عادتنا كل سنة فنصبنا قبة الاجتماع، وعندما حضر عالمنا لتلاوة سيرة المصطفى جاء الإخوان فطردونا هدموا القبة، لا ولم يضربوا أحدًا ولكنهم كانوا يشتمونا ويدعوننا، نعم التدخين ممنوع في الأسواق، ولكنني ما رأيتهم يضربون أحدا يدخن لهم يشتمون من يدخن ويدفعون جزاء ربع مجيدي، كذلك أيضًا قال بعض أهل الإنصاف التقينا ذات يوم عند السور في جدة باثنين عائدين من مكة أحدهما: ضابط تركي كان من خدم الحسين؛ والثاني كان أعرابيا فسألناهما عن فظائع الإخوان فقال الضابط: إنهم حجزوا البيوت ونهبوها وباعوها والله وهدموا المقامات كلها حتى مقام إبراهيم ﵇، فقاطعه الأعرابي قائلا: لا والله الذنب ذنبنا نحن والخيانة منا، يجيء الوالد إلى خالد يقول هذا بيت الشريف، وهذا بيت عم الشريف، وهذا بيت أحد عبيد الشريف، فيحجز الإخوان هذه البيوت ويبيعونها بعد ما يخرجون منها الأثاث، والله ما مسوا غير أملاك الشريف ودور الحكومة.
أما هدمهم القبور والمقامات فأمرها واضح هذه المقامات لم تهدم والمساجد معمورة إلا مسجد أبي قبيس فهدم قسم منه، لما كان الجهال ينتابون ويجعلونه مزارا، لا سيما وقد أسف جلالة الملك لذلك وأمر بعد ذلك بترميمه، وأما القباب والحجر على القبور، فهي الداء العضال والبدعة العمياء من الجهال فتن بها عباد القبور ووضعوا عليها البناية والستور وكبر على العامة هدم ضريح السيدة خديجة وبيت السيدة فاطمة والمولد النبوي لما قرره الأتراك ونحوهم، ولكن ما المانع من هدمها، أما قال علي لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته، فلا يجوز تركها مع القدرة على إزالتها.
стр. 818
ومن المتعصبين لهذه البدع الشركية من يزعم أن هذه البنايا التي على القبور شرف للمقبورين وتعظيم لأهلها وأنها تضيء على أهل الدنيا إضاءة الكواكب، ولقد كان من المعلوم من شريعة الإسلام التي جاءت من طريق المشرع صلوات الله وسلامه عليه، أن الرسول لعن المتخذين على القبور المساجد والسرج وأمر بإزالة البنايا، وما كان ذلك تعظيما لأهلها إنما تعظيمهم محبتهم والدعاء لهم والترضي عنهم وتنفيذ رغباتهم بعدم الغلو فيهم والاطراء؛ كما حرق أمير المؤمنين علي الذين غلو فيه.
فهلموا بنا عباد الله نتمشى على هدي الرسول وندع كل بدعة تخالفه، ومن هذه الإشاعات الباطلة اختلاق أدعية: كقول الملك علي بن الحسين لقائد فرقة النصر تحسين باشا الفقير، جاءنا اليوم الإثبات من عمان أن حائل سقطت بيد قبائل شمر وإن سلطان الدويش قد استولى عليها بمساعدة شمر.
ولقد كان الأولى بتحسين باشا أن يكون قائد فرقة البوار لأنه قاد الحملة في سنة البكيرية على ابن سعود فخاب، وبعد عشرين سنة قاد هذه الحملة من سوريا على ابن سعود في الحجاز، فخاب أيضًا وباء بالبوار.
أعمال ابن سعود لتموين مكة
لما تم خط الدفاع الذي سواه الملك علي في جدة حال ذلك الخط دون تموين مكة من ثغرها الأقرب لها، ولقد عمل ابن سعود على احتلال الليث ورابغ قبل أن يسافر من الرياض، وأصدر الأوامر إلى قواده بفتح القنفذة التي هي أول الثغور الداخلة في حوزة ابن سعود حينما مشت جيوشه إلى عسير بعيدة، والليث كان أقرب منها لذلك بادرت القيادة في الحجاز إلى احتلالها، ولكنها لما مشت السرية إلى ذلك الثغر لقيت من أشراف ذوي حسن بعض المقاومة، فاشتبكت وإياهم في معركة دامت بضع ساعات وانفصلت عن كسرة ذوي حسن، ففر منهم البعض وسلم الآخرون، وأصبحت الليث في حوزة ابن سعود.
стр. 819
أما إسماعيل بن مبيريك وأهل رابغ فقد كان فعلهم مع ابن سعود والشريف علي كله ملقا، وسلوكا كسلوك الثعالب عصوا حكومة جدة فأرسل عليهم الشريف علي خمسين جنديا بقيادة حمدي بك فلما ظفر بهم أقسموا لعلي يمينا على الطاعة والولاء فعفا عنهم ورجعوا إلى بلدهم.
وفي هذا الأثناء تصادم الإخوان وفريقا آخر من العربان في الطريق بين مكة ورابغ وهؤلاء العربان بطون من عرب يقطنون في تهامة الحجاز، وكانو في مواسم الحج يعتدون على الحجاج وينهبون القوافل، قاتلهم الله، وتتقاضى الحكومة فوق ذلك رواتب معلومة.
فلما دخل الجيش النجدي مكة جاء بعض هؤلاء إلى الشريف خالد بن لؤي يطالبون بما ادعوا أنه حقهم الشرعي، فقال لهم خالد إذا دينتم كنتم وكافة المسلمين سواء وإلا فعندنا الكتاب والسنة والسيف، فاستمروا عاصين، فأرسل عليهم خالد سرية من الإخوان فالتقوا بجماعة منهم في عسفان بين مكة ورابغ على طريق المدينة، فضربهم الإخوان ضربة قاصمة فرقتهم من ذلك المكان، ثم قرب الإخوان من رابغ ففرر إسماعيل بن مبيريك إلى مكة أولا وثانيا، وجعل يعاهد الشريف خالد ويوحد الله، ولبث ينتظر قدوم السلطان فعين لهم السلطان رواتب على شرط أن يمنعوا التعدي على الحجاج ويحملوا الطريق من البحر إلى مكة، فهذا ما جرى من أمر أهل رابغ وإتيانهم هذا وذلك، يحلفون لهذا تارة ولهذا أخرى، حتى تبعوا الأقوى والأكرم، وعلى هذا كان غيرهم من الأشراف الحرث والقصور، فإنهم تهافتوا عل السلطان عبد العزيز عند وصوله إلى مكة، وجاءوا يشكون القلة والغلاء والشدة والضيق، فأجابهم بما اطمأنت به نفوسهم بقوله قد اتخذنا التدابير لمنع الإحتكار وإنا فتحنا لجلب الأقوات طريقا، وهو الليث وإنه ورجاله وجيوشه لا يكلفونهم من هذا القبيل شيئًا، لأن الأقوات تجيئهم من نجد.
ثم إن أهل مكة بعثوا خطابا إلى الملك علي في جدة بتاريخ ١٨ جمادى، بعد عرضه على ابن سعود يطلبون فيه عدم منع الأرزاق الواردة عن طريق جدة وهذا نصه:
стр. 820
إلى حضرة صاحب السمو الأمير علي بن الحسين وفقه الله بعد السلام اللائق بالمقام لا يخفاكم أننا جيران بيت الله الحرام الذين قال الله في حقهم ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقال أيضًا ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فأين عملكم من توصية الله بنا وما السبب في إقدامكم على منع القوت عنا وإيصال الأضرار إلينا لأن قوة نجد وجيوشها دخلت مكة ولسنا نحن المسؤولين عن ذلك بل أنتم المسؤولون عنه عند الله وعند خلقه، أولا: لأنكم لم تعملوا على الإصلاح ذات بينكم ولا لإزالة أسباب الخلاف بينكم وبين نجد وأمامها وغيرهم حتى يكون حرم الله آمنا، ثانيا: عند دخول جيوش حكومة نجد الطائف طلبنا منكم تخليص عائلاتنا ومحارمنا وأموالنا من الطائف فأبيتم ذلك وأعطيتمونا العهد بالمحافظة ثم شردتم وتركتمونا؛ فلا أنتم حافظتم علينا ولا سمحتم لنا بالخروج حتى كان ما كان ثم لما قدمتم راجعناكم أنت ووالدك مرارًا، فوعدتمونا بالدفاع عنا برقابكم، ثم شردتم وتركتمونا فوضى، وإننا نخشى عليكم عقوبة ما جرى على بيت الله الحرام من الخوف والهلع، وبعد ذلك أعلنتم أنكم ما خرجتم من مكة إلا حقنا للدماء، فسموكم تورعتم عن قتل أهل نجد، وأبحتم المصيبة لجيران بيت الله بمنعكم الأرزاق عنهم، وحجزكم معايشهم، والآن نسأل سموكم إن كان جيران بيت الله مجرمين! فأنبئونا نستغفر الله، وإن كنا فقراء ضعفاء لاجئين إلى بيته فما السبب في التضييق علينا في أرزاقنا وأنفسنا؟ فإن كنا مجرمين من جهة الحكومة النجدية فليس لنا يد في دخولهم، ولا طاقة لنا على إخراجهم، ولكننا نرجو الله ثم سموكم أن تفعلوا أحد أمرين: إما أن تقدموا بجيوشكم وتخرجوا الحكومة النجدية حتى تتفتح لنا طرق أرزاقنا، وإما أن تتركونا وتتركوا جدة محل معائشنا، ثم إنه وقع لعى هذا الكتاب ستون من أعيان أهل مكة، وعنما وصل الكتاب إلى علي الشريف ثارت ثائرته، وكتب ردا عليه بتاريخ ١٨ جمادى الأول، وبعثه في منشور بإحدى طائراته فألقته على مكة. (لم نمنع الأرزاق عنكم إلا مكرهين فالقواعد الحربية تقضي بذلك، ولا قصدنا إلا إحراج مراكز العدو، وعدم تموين جيوشه ولئلا يغدر بكم العدو بوضع يده عليها، ونحن
стр. 821
على يقين أن كتابكم الذي وصلنا لم تحرروه إلّا مرغمن وعلمنا من فحواه أن العدو لم يضطركم إلى هذا إلا لضعفه وعجزه، إنني لم أترك مكة إلا لأمرين: أولهما: عدم القتال فيها حرمة لها، والثاني: حفظكم من مثل ما حصل في الطائف، وإني عاهدت الله على الموت في سبيلكم وإنقاذكم بعون الله فاصبروا، صبر الكرام، وقريبا إن شاء الله يكون الاجتماع بكم في حرم الله على أسر حال.
وقد شكا الأهالي إلى السلطان عبد العزيز تضييق الإخوان على الناس، وشتمهم خصوصا أهل الغطغط يخاطبون من يدخن بقولهم: يا مشركين وقد يضربون المدخن في بعض الأحيان، فطيب بالهم السلطان، ولكنه سمع من الإخوان مسوغا لذلك "يا الإمام إنهم يدخنون يشربون التتن يا عبد العزيز ولا يصلون" فأمر السلطان بالمنع من الضرب والشتم، ولما أن جعل السلطان خالد بن لؤي على شؤون الإخوان، جلس خالد أميرا في مكة، كما أنه جعل الشريف هزاعا على بدو الحجاز، وجعل كذلك حافظ وهبه بينه وبين أهالي مكة وجعل مقره في الحميدية، وفرغ ابن سعود من الشؤون الداخلية تفرغ للشؤون الخارجية.
ذكر المفاوضات بين ابن سعود ووسطاء الصلح
قد قدمنا أن الشريف حسينا قبيل سقوط الطائف عين وزير خارجيته فؤاد الخطيب سفيرا لدى حكومة إيران فبادر السفير الجديد إلى التأهب للسفر مسرورا بوظيفته هذه، وما سافر عن طريق البحر من جدة مصحوبا بكاتب سره وترجمانه ومرافقه كلها من عبيد وغيرها، ووصل إلى عمان في طريقه إلى بغداد فطهران حتى وصلته دفعة واحدة أخبار الحجاز كلها فجاءه بعد ذلك أمر من الحكومة الجديدة، حكومة علي أن يرجع إلى وظيفته السابقة، فحدثته نفسه أن يسعى في السلم بين نجد والحجاز سعيا موفقا، واتفق ببعض الأذكياء وهو أمين الريحاني فتفاوضا ثم اتفقا بالأمير عبد الله في مقر بعمان، فرغب بالتوسط بين أخيه وعظمة السلطان، ووافق لذلك برقية جاءت لفؤاد الخطيب من الملك علي لذلك الموضوع فقبل
стр. 822
الريحاني، وظن الأمر قد تعين عليه فسافرا إلى السويس، ثم إلى جدة في اليوم الذي هو ٧ ربيع الثاني، فوجد المستر فلبي رسولا قد سبق إليها.
إن فلبي هو المستعرب الإنكليزي وقد يكون مندوبا من الحكومة البريطاية للتوسط بين الملكين، ولكن المعتمد الإنكليزي بجدة "المستر بولارد"، قد كذب ذلك بل حقق أنه متطوع بالصلح لا موفدا فأعجب الشريف عليا وساطة فلبي، قائلا: هو صديق لابن سعود وصديق لنا وقد عرض فلبي سعيه بواسطة وكيل الحكومة العربية السابق بلندن فقبلت، ثم قدم إلى جدة رسول آخر هو "طالب النقيب" الذي كان يومئذ في الأسكندرية، وطالب هذا قد مر ذكره في هذا التاريخ، ويعتبر صديقا لابن سعود، فإذا كان ابن سعود لا يقبل وساطة فلبي ولا غيره، فلا بد أن يأذن بالزيارة في الأقل لمن اجتمع به مرارًا في الكويت وفي البصرة، وكان ضيفه في القصيم، وتوسط بينه وبين الترك، وهو صديقه طالب النقيب وقد تدخل في عرض الصلح غير هؤلاء كالإمام يحيى، ووفد الهند، والسنوسي، وإمام مسقط، وإمام عمان، وسليمان الباروني، وحكومة إيران، وحكومة مصر، ذلك لأن حكومة علي لما يئست من تدخل بريطانيا رغم صلة الملك فيصل والأمير عبد الله بها عمدت إلى بعض الشخصيات المحبوبة لدى ابن سعود تناشدها الوساطة في الأمر؛ فلبى نداءها من العراق طالب النقيب ومن الشام الأديب الريحاني ومن شرق الأردن المستر فلبي، وهؤلاء منهم من جاء مدفوعًا بدافع العاطفة فقط، ومنهم من جاء موفدا رسميا من قبل حكومته أو بإيعاز من الشريف علي لأن جلهم من أولى الشخصيات البارزة في العالم، هذا وقد تم خط الدفاع حول جدة بما فيه من الاستحكامات والمتاريس والخنادق والأسلاك الشائكة والألغام، وكان على شكل هلال طوله من البحر إلى نحو ستة أميال؛ وكان الملك علي قد استعاد شيئًا من الأمل والاطمئنان بل كانت ثقته بالفوز سلمًا أو حربًا تزداد يوما فيومًا مع ازدياد الجيش النظامي وقوته لأن والده وأخاه عبد الله يبذلان له المال والهمة في الدفاع عن الحجاز قد اشترى بعض الأسلحة من الخارج كطيارات ودبابات ومدافع وذخيرة،
стр. 823
واجتمعت لديه قوة، وبينما صاحب الجلالة والمهابة عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل يجهز جنوده ويستعد لمهاجمة جدة وإنهاء الموضوع، إذا بكتاب القناصل في جدة يصل إليه.
من ممثل الدول "الموقعين أدناه" إلى حضرة صاحب العظمة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود سلطان نجد الأكرم بعد تقديم واجبات الاحترام قد وصلنا كتابكم المؤرخ في ٢٤ ربيع الثاني عدد ١١٤ وما ذكرتموه صار معلوما لدينا، أما بخصوص الاقتراحات المتعلقة بحفظ رعايانا وتأمينهم من خطر الحرب نرى من اللازم أن نذكر عظمتكم بأن احترام رعايانا مبني على حقوق دولة متبعة في أيام الحرب فبناءًا عليه ندعوكم باسم حكوماتنا جميعها إلى احترام أشخاص رعايانا مع أموالهم وإلا تكونون مسؤولين بجميع ما يقع عليهم في أي وقت كان وفي أي مكان كان، أما بخصوص الكتاب المرسل باسم أهل جدة فنحن لا يمكننا تسليمه نظرا لقاعدة الحياد التي نتبعها والتي لا تسمح لنا بالتدخل في أي وجه كان فعليه نعيده إليكم، وفي الختام تقبلوا فائق الإحترام:
القائم بشئون القنصلية الفرنسية - وكيل قنصل جلالة شاه إيران.
معتمد وقنصل بريطانية العظمى - قنصل جنرال ملك إيطالية.
وكيل قنصل هولانده.
وجاءت أيضًا كتب رجال الصلح مع كتاب القناصل من طالب؛ وفلبي، والريحاني، أما كتاب ابن سعود الذي بعثه لأهل جدة بواسطة القناصل ورجع اليه فما كان بحاجة إلى القناصل في إبلاغهم، بل قد نشر رسميًا في جريدة أم القرى، ولقد تضجر ابن سعود من كتاب القناصل الذي كالتعجيز في تحميله المسؤولية يتغلغلون في وسط المدينة ويحملونه المسؤولية، كما تضجر أيضًا من كتب رجال السلم وقطب منها، غير أنه رأى من الأصلح أن يصدهم عن هذا الغرض، فهتف الهاتف يكلم من القشلة للحارس على الباب الشرقي لخط الدفاع؛ عاد النجاب من مكة ومعه كتب إلى القناصل، وإلى طالب والريحاني وفلبي، فكلم بالهاتف رئيس
стр. 824
الديوان الهاشمي بالقصر، عاد النجاب فبادروا إلى القصر وأدخلهم الحاجب غرفة الملك علي الخاصة، فاستقبلهم وزير الخارجية ودخل الملك علي معه ثلاثة كتب مختومة، فوزعها عليهم وقرأ كل واحد كتابه وأعاده، ثم اطلع بعضهم بعضًا على الكتب وهم ساكتون، وهذه صور الكتب التي بعثها السلطان (إلى الصديق العزيز المستر فلبي إذا كنتم حضرتم لمقابلتنا ومباحثتنا في بعض الشؤون الخاصة بنا، فعلى الرحب والسعة وسنسهل الطريق للاجتماع بكم خارج الحرم، أما إذا كنتم تنوون التدخل في مسائل الحجاز فلا أرى في البحث فائدة وأنه ليس من مصلحتي الخاصة ومصلحتك يا صديقينا، جعلكم وسيطا في هذه المسألة الإسلامية المختصة).
حضرة الأخ المحترم السيد طالب النقيب، لقد ذكرتم أنكم تودون مقابلتنا فنحن نرحب بكم ولكن يجب أن نعرف هل المقابلة شخصية ودية أم هي الوساطة، فإني لا أرى فائدة من ذلك وإذا كان الشريف علي يود حقن الدماء فعليه أن يتخلى عن جدة، أما إذا قبله العالم الإسلامي وانتخبه حاكمًا فمحله غير مجهول).
وقال في كتابه إلى الريحاني ذكرتم أنكم من قبل جماعة في سوريا، وأنكم تحملون كتابًا منهم إلينا وإني أرحب في كل حال بصديقنا العزيز أمين الريحاني، ولكن أحب أن ألفت نظركم إلى أمر هام وهو إذا كان البحث يتناول المسألة الحجازية فلا أرى فيه فائدة، لأن مشكلة الحجاز يجب أن يحلها المسلمون، وترك الأمر لهوى أنفسنا ليس مما تجيزه المصلحة الإسلامية ولا العربية، وفي كل حال إن توضيح الأمر وجلاءه قبل المقابلة.
هذه أجوبة السلطان، وهي عبارة عن أن لا سبيل للتوسط، فأما فلبي فتأكد أن السلطان لا يوقف في طريقه، وجعل ينتظر أول باخرة للسفر وكتب يودع السلطان، وأما طالب فبقى فيه بقية أمل حيث لا يعدم في الأقل لو الزيارة لابن سعود في مكة بحجة أنه مسلم ومتى حصلت المواجهة فهي نصف الحجة؛ وأما الريحاني فإن السلطان قد ترك له الباب مفتوحًا، ولما طلب النقيب الزيارة ملحًا بإسراع لأنه مضطر أن يعود إلى مصر استراب لذلك بعض أصدقاء علي
стр. 825
وقال أن السيد طالب النقيب خصم الملك فيصل أخي علي وصديق لابن سعود فلا يستغرب أن يتفقا عليهما.
وقد كتب الريحاني كتابًا إلى السلطان، يقول إن لصديقي حسين العويني التاجر السوري في جدة علاقات تجارية في مكة المكرمة وهو يحضر للتجارة والزيارة فيتشرف بمقابلتكم إذا أذنتم وسينوب عني بما يغني عن البيان، فإذا أذنتم بقدومه مروا من يلاقيه إلى منتصف الطريق، وكتب الآخران ثم أرسلت الكتب إلى السلطان في ١٢/ ٥؛ فما جاء لها من رد أسبوعا كاملًا فأرسل علي إلى رجال الصلح فحضر الثلاثة عنده في مجلسه، ولما أن حضروا افتتح الكلام قائلًا: دعوتكم لأبسط الحالة واستشيركم قد جئتم أيها الأفاضل إل جدة لخير الفريقين بل لخير العرب ويسوءني والله أن تمس كرامتكم من أجل أحد منا، أنا والله مخجول، قد مر الأسبوع ولم يجئكم الجواب من ابن سعود والرجل متحرك فهو الآن يفسد القبائل علينا ورجاله منعوا عرباتنا من إرسال الفحم كالعادة إلى جدة ونحن هنا ماسكون أنفسنا، خط الدفاع يزداد منعة كل يوم وجنودنا مستعدون للحرب والطيارات كلها أصبحت صالحة للعمل لذلك قد قررنا أن نرسل غدًا بلاغًا إلى أهل مكة بالطيارة ثم نرسل سرب الطيارات لرمي القنابل في الأبطح عل ذلك يوصلنا إلى نتيجة فاصلة وقد دعوتكم لأستشيركم في المسألة، فقال طالب النقيب أولًا فهل قنابلكم صالحة هل أنتم متأكدون أنها تنفجر فإذا كانت قديمة ولا تنفجر تعود بالضرر عليكم فلا يخشى العدو بعدئذ الطيارات يجب أن تجربوها قبل أن تقدموا على العمل، ثم تكلم فلبي قائلًا: من رأيي يا جلالة الملك أن تنتظروا إلى أن يجيء الجواب ومثل هذا العمل الحربي قبل ذلك في الأقل لا يأتي بفائدة، كذلك أشار الريحاني بأن رمي القنابل بالأبطح يشوه سمعة الأشراف في العالم وتنشره الجرائد المعادية بالقلم العريض فاقتنع علي أنه دام على فكرته أن الطيارات تخرج ابن سعود من مكة وتحمله على الفصل في الأمر فطلبوا منه تأجيل العمل ثلاثة أيام
فأجاب الطلب.
стр. 826
والذي حمل الملك عليًا على هذا الغرور كأنه آنس من جواب ابن سعود للريحاني لينًا، فلما كان في ٢٥ من جمادى الأولى صباحًا قدم النجاب يحمل الأجوبة من السلطان فيها لفلبي الدعاء بالسفر الميمون بأمان الله وللأخ طالب أن مكة في حال من الاضطراب لا تجوز معها المخاطرة براحته وستصلكم وأنتم في مصر أخبارنا الطيبة إن شاء الله، وفيها للريحاني قد سمحت لصديقكم حسين العويني بالقدوم إلينا فزودوه بكل ما لديكم من الكتب والأفكار والأراء وإننا نرجوا أن يحسن نقل أفكار صديقنا أمين الريحاني وإني أشكرك على تجشمك المشاق الجسيمة في خدمة العرب وفي سبيل قضيتهم فسر ذلك جميع القادة والوزراء والملك عليًا والجند وإن كانوا لا يرغبون السلم واستبشروا فكتب الريحاني مع صديقه مذكرة خاصة من ضمنها بعض آرائه وقال في آخرها فإن كنت مصيبًا فمولاي وصديقي عبد العزيز لا يتبع غير الصواب وإن كنت مخطئًا فحبي وإخلاصي يشفعان بما قد يعد نقصًا في علمي أما إذا كان فيما قدمته مزيج من الخطأ والصواب فأنا أول من يرغب في التمحيص وإني أقبل الحقيقة من السوقة فكيف لا أقبلها من الملوك، أعلموني يا طويل العمر إذا كنت مخطئًا واسمحوا لي إذا كنت مصيبًا، وزود ذلك بخطاب من وجهاء المسلمين في بيروت.
ولما تجهز العويني أحرم وأشفقوا عليه من البرد خصوصًا إذ كان سفره بليل وأبى أن يذهب إلا محرمًا يقول لوجه الله وللقضية العربية وأعطى رفيقه الريحاني ساعة الوداع غلافًا مختومًا فقال إذا لم أرجع يا أمين فهذا الغلاف لأمي في بيروت فخيف عليه من الطوارق، وكان أديبًا عربيًا صريح الكلمة صادق اللهجة صلب العود، وودع الملك وركب بغلته يصحبه خادمه ورفيقاه، هذا ولم تكن الطريق آمنة فقد لقي في قهوة بحرة المهجورة حينما ألجأهم المبيت بها نصف الليل جثة أعرابي قد سال دمه على الأرض وفرغ منه فاستولى عليهم الذعر فقام ومن معه وأدلجوا مسرعين فوصلوا من الغد وقت الظهر إلى المخيم السلطاني بالشهداء، وكان قد نقل من الأبطح إلى الشهداء فاجتمع مع السلطان ورجع في ظرف ثلاثة أيام ذهابًا وإيابًا.
стр. 827
ولما أن وصل إلى جدة مساءً وجدهم ينتظرونه في ساعة اجتمع فيها الملك علي ورئيس حكومته عبد الله سراج ووزير الخارجية فؤاد الخطيب، ورئيس الديوان الهاشمي أحمد السقاف فسلم العويني وجلس على السجادة فأخرج من حقيبته كتاب السلطان ودفعه إلى الريحاني فقرأه وناوله الملك علي فطالعه وسر به وجعل يقول أشهد أني لا أحب أن تراق نقطة واحدة من دم العرب ونزع عن رأسه العقال والكوفية ويظهر من ذلك حبه للسلم، ولكن ما الحيلة وفي الرعايا الهاشمية أناس لا يرضون بالسلم، كما أن في الرعايا السعودية الإخوان وبعض الأشراف أناس يريدون تطهير الحجاز من لوث العصيان وأذية الحجاج؛ وهذا متوقف على محق الحسين وعقبه وآثارهم، وكان من وجهاء البيت الهاشمي جماعة لا تزال تغلي مراجل حقدهم للانتقام والمعاقبة غيوم لعمر الهك في سماء السلم لا يزيلها واسطة ولا صلح وقد أرسل السلطان يستدعي الرسول العويني إليه.
ذكر حرب جدة
كان الأمير علي بن الحسين قد كتب منشورًا لأهل مكة، ولما بعث السلطان ابن سعود يستدعي العويني سار في آخر يوم من جمادى الأولى إلى مكة، فقام الأمير علي يؤكد على القيادة العليا عنده أن تؤجل إرسال المنشورات الحربية حتى يصدر أمرًا آخر بخصوصه وأن تحتفظ بالنسخ فلا تأذن بنشر شيء منها وأن تشدد على الطيارين بأن لا يتجاوزوا في اكتشافهم بحرة عله أن يحصل السلم، غير أن القيادة خانت وتجاوزت الأمر الملكي، فإنه في غرة جمادى الثانية بعد سفر النجاب بيوم واحد إلى صاحب الجلالة عبد العزيز طار بعد الظهر طيارة من قوات الجيش الهاشمي فرمت بالأبطح وفي مخيم السلطان بالشهداء نسخًا من المنشورات الحربية إلى الأهالي: لقد جمعنا شعثنا وأقبل إخوانكم إلينا من كل حدب وصوب حتى أصبح لدينا والحمد لله من الرجال والعتاد ما يرد كيد العدو في نحره، ولقد جهزنا
стр. 828
جندنا بكل الوسائل الفنية والمعدات الحربية، وها نحن على أهبة الرحيل اليكم وتطهير بلادنا من المغتصب لها ستبدأ طياراتنا بالتحليق في جوكم لتمطر العدو وابلًا من القذائف النارية كونوا على ما نعهد فيكم من الثبات والطمأنينة والشجاعة ولا تجعلوا للعدو سبيلًا إلى الفرار، واعملوا لتخليص وطنكم بكل ما أوتيتم فالوطن أغلى من كل شيء لديكم.
وأما منعنا الأرزاق فإن كان هو يعني ابن سعود وأذنابه يحترمون حرم الله وجيرانه ويعملون مثل عملي ويخرجون إلى خارج الحرم فهناك نظهر حقائقهم إن شاء الله ويرون كيف يكون الذود عن الحياض والدفاع عن الحوزة وإن لم يخرجوا ولبثوا مكانهم جامدين، فإننا سنوافيهم من بين أيديهم ومن خلفهم ومن فوقهم بالطيارات حتى تكون كلمة الله هي العليا.
فلما جرى هذا الأمر الفادح الذي يثير السواكن عاد العويني بخبره إلى جدة، وكان قد شاهد الطيارة بعد خروجه من المخيم السلطاني فلما أخبر الملك عليًا اندهش لذلك، وبكل حال فإنه مخطئ من كلا الخطتين، فإن كان صدر ذلك عن أمره فقبيح؛ وإن كان من غير أوامره فيعتبر عاجزًا مغلوبًا، وإذا التمسنا عذرًا وجعلناه جاهلًا بالأمر هو ورئيس حكومته، وما كان الوزراء عالمين فقد قرع علي الجرس الصغير على المأدبة الصغيرة أمامه فجاء أحد كتبة الديوان فقال له ناد تحسين باشا ليحضر حالًا فجاء تحسين وأقر أن الطيارة تجاوزت بحرة، ولكنه أنكر أنها رمت شيئًا من المنشورات فسأله عن السبب في تجاوز الأوامر فأجابه قائلًا: إن خللًا صغيرًا في المحرك حمل السائق على الإسراع في السير ليقي الطيارة من السقوط إلى الأرض فطارت بحكم الاستمرار في خط مستقيم طيرة طويلة انه كاذب، لأنه لما بدره أحد الحاضرين بقوله يا باشا لا أظن إلا أنه عن قصد أجابه جهارًا ما هو بالأمر المهم فثبت بعد ذلك أنه جرى عن قصد، واتخذ الملك علي إجراءات ضد هذا التعدي.
стр. 829
الحكومة السعودية وإجراء تدابيرها للحرب
لما عاين ابن سعود المنشورات استشاط غضبًا وعدل عن السلم إلى الحرب، ودعى بالعويني فأبقاه عنده، ثم جمع الإخوان في ٤ جمادى الثانية وعقد مجلس بالشهداء حربي، فلما حضر الإخوان وجميع القواد في الجيش السعودي تكلم سلطان بن بجاد بن حميد، الذي يسمى سلطان الدين، فقال: يا عبد العزيز إننا نعلم أن لا صلاح في أمر دين ولا دنيا للمسلمين عمومًا، ولهذا البيت وأهله خصوصًا بوجود الحسين وأولاده في الحجاز، فإذا كان ثابتًا عندنا ونعتقده دينًا فما المانع من الزحف عليهم وقتالهم، فإن كنت تخاف على أحد من رعايا الأجانب أو أحد من أهل جدة فلك منا العهد والميثاق أننا لا نمسهم بشر إلا من برز منهم لقتالنا أو بلانا بنفسه، ونحن كما تعلم نتجنب ما تأمرنا بتجنبه، والآن فلا بد لنا من أحد أمرين، الأول أن تعلمنا الطريق الذي يجب أن نسير فيه ونحن نكفيك مؤونة الأمر، الثاني إذا كنت لا توافق في الزحف لما تراه من الأمور التي أنت أعلم بها منا، فلا يجوز أن نظل بعدين عن أعداء الله هذا البعد، بل يجب علينا أن نقترب منهم ونضيق عليهم الخناق حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
أما الأمر الأول فهو مرامنا، وأما الثاني فليس إلا مرضاة لخاطرك بالإمام، لأن الله أوجب علينا طاعتك، ثم تكلم خالد بن لؤي فقال: يا عبد العزيز إني أقول كلمة وإن كانت تغيظك، كنا نتحدث فيما بيننا ونقول: قد بدّل عبد العزيز الشجاعة بالجبانة، وكنا قبل قدومه نتمنى قدومه، أما اليوم فصرنا نقول ليته ظل في بلده بعيدًا عنا، فإن كان هناك دليل شرعي يؤخرنا عن القوم فبينه لنا حتى نتبعه وما نحن إلا خدّام الشرع، وإذا كان لا قصد لك غير الشح بأنفسنا عن الموت فما من أحد يموت قبل يومه، وما نتمنى والله أن نموت إلا شهداء، فأي قتال تراه أفضل من قتال الحسين وأولاده، هذا خطابهما لجلالة الملك، وما كان فيه أعني الملك من جبانة، فأجابهما قائلًا: الرأي، الرأي، الآناة، الآناة، وهذا يعد من دهائه وبصيرته
стр. 830
بل شجاعته، لأن المقام ضخم جدًا، فالمؤاخذة بالعجلة قبل المعذرة من كل جهات العالم الإسلامي الذي ملا أذنيه الحسين وأبنائه كذبًا وزورًا مما يخول لذلك قبولًا.
وبذلك استطاع بالرغم من كل الدعايات أن يقف كل الدول وفيها حلفاء الحسين نفسه، ويقف البلدان التي يتولى شؤونها إخوة ملك الحجاز علي بن الحسين وقفة المكتوف، فلا يسعها عونه وهم ينظرون سقوطه شيئًا فشيئًا.
فلما كان في ٧/ ٦ جاء كتاب من مكة إلى الملك علي أرسله أحد أنصاره في مكة سرًا، فيه أن جنود خالد نقلت من الأبطح ولا يدري أين وجهت، وأن خالدًا هو عند السلطان بالشهداء، وأن السلطان يتأهب لنقل المخيم إلى بحرة، فلما قرأه الملك علي عبس واضطرب وجعل يدخله في جيبه ويخرجه ويقرأه بمسمع من رئيس الحكومة ووزير الخارجية وأمين الريحاني.
ثم قدم في آخر اليوم مساء جماعة من أهل جاوة إلى جدة، فأخبروا أنهم أتوا من مكة وأن ابن سعود بألف من جنوده وصلوا إلى حداء، وكان الذي بعث السلطان على إعلان الحرب ثلاثة أمور:
الأول: الأشراف الذين عنده مثل شرف عدنان، والشريف باشا العبدلي، والشريف هزاع بن فتن بن منصور، اجتمعوا وقالوا للسلطان: إذًا قد ناصرناك وواليناك فإنا نخاف على أنفسنا من الملك علي إن عاد تصالح من عاديناه من أجلك أتتركنا في بلادنا ينكل بنا ونحن الآن من رجالك.
الثاني: الإخوان قاموا يستبسلون ويرغون ويزبدون، خلنا عليهم يا إمام أولئك الإخوان الذين فضلهم لا ينكر يشهد لهم التاريخ بالفتوحات الإسلامية والجراءة العجيبة العربية، أولئك الأسود في العرين الذين فرائسهم الأمراء والملوك، فلا عيب فيهم في تلك الآونة سوى أن ساستها أعظمت قيودها وإذا حطمت قيودهم فيا ويل من كان أمامهم.
الثالث: المنشور الذي ألقته الطائرة على مخيمه، فما كان لسطوته أن يستهان بها وما هو بالذي يوقف في طريقه أو يصبر على الضيم، وما كان العدو في محاولاته إلا أنه يقوم بحركة مذبوح.
стр. 831
ولما أن جاءت الأنباء بزحف ابن سعود بجيوشه، دخل تحسين باشا الفقير وعارف باشا الإدلبي وزير الحربية والبحرية على الملك علي فجلسا وعليهما سيماء الغضب والاضطراب فتكلم أحدهما قائلًا: علمنا أن الإخوان مشوا من بحرة وقريبًا يصلون إلى الرغامة وقال الآخر: يجب أن نرسل عليهم الطيارات لعنهم الله ولعن أجدادهم، ثم قالا بعد ذلك غدًا صباحًا سنرسل الطيارات كلها عليهم فتمطرهم النار والرصاص وتفنيهم إن شاء الله، ثم حصلت محاورات بينهما وبين الريحاني هما ينهضان الملك وهو يثبطه حتى طلب الريحاني تأجيل المسألة إلى يوم الأحد الموافق ٩، فكتب السلطان عبد العزيز في ٧/ ٦ أن الحكومة والجند وأصحابي في قلق وارتياب مما شاع هذا المساء بخصوص تقدمكم إلى جدة وهم يأبون التربص والامتناع عن الحركات العسكرية الحربية ولكني تمكنت من توقيفهم يومين آخرين أي إلى مساء الأحد، فأرجوكم إذن أن تخابروني حالما يصلكم كتابي هذا ليصلني الجواب مساء الأحد وإذا كان النجاب لا يرجع في اليوم الثاني فأرسلوا الجواب مع نجاب آخر من عندكم في كل حال أنتظر جوابكم مساء الأحد في ٩ الجاري فلا تخيبوا أملي، فأجابه السلطان بكتابه الآتي:
من عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل إلى أمين الريحاني كتابك وصل وما عرضت كان معلومًا، من خصوص كتابك السابق وهذا مضمونه تراه طي الكتاب، وأما كونه وصل إليكم أو لم يصل فلا بد أنك تتحقق عن ذلك من أصدقائك الموجودين عندك، وأما ما ذكرت في الملحق عن تحمس الجنود لما بلغهم منزلنا حداء وإغارة بعض الرايات عليهم وأنك طلبت منهم أن يتأخروا، فلا نقول إلا ما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ونقول أيضًا يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، وأما رجاؤك أنهم يتأخرون فكما قال الشاعر:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
إن كنت تعرف الحقيقة كما نظن إنك تعرفها عن القوم وعنا وتتجاهلها فتلك
стр. 832
مصيبةٌ، وإن كنت لا تعرف الحال وأن القوم يتهكمون عليك فالمصيبة أعظم، ولكن رجائك لتوقيفهم عن الزحف علينا لا نرى لجنابك في فضلًا وإنما نرجوك أن ترخص لهم كما نرجوك أن تبلغ الأمير أنه بلغني أنه يستحرمنا حرمة الحرم، وإننا إذا لم نخرج منه يقاتلنا فيه وليس بذلك حرج، أما نحن فقد خرجنا فالرجاء فيه أن الكريم إذا قال وفي ونرجوا من الله تعالى أن ينصر جند الرحمن على جند الشيطان والسلام على من اتبع الهدى.
فلما كان في صباح السبت الموافق ٨/ ٦ طارت طيارة إلى وادي فاطمة، وحلقت فوق بحرة وحداء والشميسي، فعاد القائد يقول: ما رأيت ابن سعود ولا جنوده ولا أحدًا من البشر أو الحيوان في الطريق، نعم قد حالت الغيوم عن رؤية الإخوان، كيف لا وقد أطلقوا عليها البنادق والرصاص في وقت رؤيتها، وما علم القائد ولا المراقب بهم، وما علموا إلا في غد لما وصل جماعة جدة قادمين من مكة، وهو أن الإخوان قد زحفوا بمائتين من الخيام معهم ثلاثة مدافع وقد خيموا قريبًا من حداء وقد أرسلوا الرصاص على الطيارة، لكن بعدها في الجو حال بين الطائرتين وبين الشعور بذلك.
ثم إنه دخل تحسين باشا على الملك علي وعنده الوكيل الإنكليزي يهنيه بصحته، فكلم تحسين للملك يقول: أستأذن بكلمة خاصة، فأجابه الملك بقوله: مهمة؟ أجاب مهمة جدًا، فذهب علي يمشي وتحسين خلفه، حتى ظهرا على غرفة محاذية للمجلس، فرجعا سريعًا يقولان: جائوا نحو مائتين من الخيالة، رأتهم القيادة خارجين من بين الجبال، وتحسين يقول: رأيتهم بعيني صاروا في السهل فعند ذلك صدر الأمر بإطلاق المدافع عليهم، وبادر كل من في القصر من صغير وكبير وشريف ووضيع إلى البنادق وزنار الخرطوش، ووقف الملك علي مذعورًا ينظر ومن معه من حاشيته في شرفة القصر يراقبون السهل بالنظارات، فخاف كل من في جدة وظنوا أن الإخوان سيهاجمون خط الدفاع في هذا اليوم ٩/ ٦ الموافق ليوم الأحد من سنة ١٣٤٣ هـ، وإذا هاجموه يخترقونه لما كانوا يعرفون من صلابتهم
стр. 833
وشجاعتهم فلا تنسى يوم تربة وما فعلوا بجنود الشريف يوم الطائف، وما ظهر منهم من البسالة في الوقعات التي تتلاشى دونها كل قوة.
فعند ذلك أقفلت المخازن ولجأوا أكثر الأهالي إلى بيوتهم، أما المدافع الهاشمية فكانت تطلق الطلقة نلو الأخرى على الإخوان، وما كان لها من التاثير إلا غبار تثيره القنابل إذا انفجرت وما حواليها أحد من الإخوان، ثم خرجت الخيالة من بين الجبال فعادت اتجاه الخط إلى الجنوب، وظهرت فرقة أخرى في الشمال الشرقي من السهل هي خيالة التوحيد، نحو ثلاثمائة منهم، فجالوا في ذلك السهل ضحى عدة جولات، فأخذوا غنمًا وجدوها فساقوها أمامهم وهم يتراجعون، فلما كان وقت الظهر من هذا اليوم وصل النجاب من ابن سعود يحمل ذلك الجواب الهادم لما تقدمه من الأجوبة السلطانية، فرجع السيد طالب النقيب بخفي حنين، وعاد الستر فلبي مريضًا حانقًا على جدة وأهلها بعدما اجتمع بابن سعود بالقرب من جدة فلم يفلح، وقرر الريحاني السفر في ٩ رجب مبارحًا البلاد إلى مصر، ثم حصل انكفاف عن المناجزة بضعة أيام سعت في ذلك الوقت بعثة مصرية في السلم، غير أن الوقت جرى فيه فصل الخطاب من السلطان، ثم بدأت المناوشات بين الجيوش النجدية وأهل جدة، حتى جاءت القوات النجدية بالمدافع والرشاشات من مكة فوجهها الإخوان على العدو، وهذه المدافع والرشاشات هي التي تركها علي بن الحسين في الطائف والهدا فصارت غنيمة باردة للحكومة السعودية، فصارت المدافع من كلا الفريقين تضرب بشدة، وشرعت الرشاشات والبنادق فاحتل الإخوان في النصف الأخير من جمادى الثانية النزلة اليمانية مرتين، واحتلوا نزلة بني مالك والرويس واستولوا عليهما، ثم خرجت وضربها تحسين باشا بالمدافع، وحرق الإخوان قسمًا منها، فأخلاها الفريقان.
ظل الإخوان مرابطين في الجهة الجنوبية أمام الجناح الأيمن، فاصطدموا مرارًا بثلل من الجيش الهاشمي كانت تخرج تارة للكشف وطورًا لاحتلال آبار الماء في تلك الناحية.
стр. 834
وبعد أن استولى الإخوان على هذه المراكز خارج خط الدفاع تقدموا في العراء وباشروا حفر الخنادق، ثم أقاموا عندها استحكامات حصنوها بأكياس من الرمل، فصاروا يحاربون الجنود النظامية بالرشاشات والبنادق معًا، ثم تقدم الإخوان وجروا الأطواب فشرعت تضرب في آخر جمادى الثانية، ولكنه لم يتفرد فريق من الطائفتين بالمفاجئات، وقد خسرت الحكومة الهاشمية في آخر نهار ٢٣/ ٦ خسارة فظيعة، بل إنها جسيمة، ذلك بأنها سيرت طيارة للدهش والإرهاب للعدو، ولما طارت الطيارة وفيها المراقب الضابط اللاذقي والكاتب عمر شاكر يقودها القائد الروسي "تشاريكوف" واتفقوا على ضرب الإخوان ولو بقنبلة واحدة، وحينما دنوا من المعسكر وهي على قدر ألفي قدم عن الأرض انفجرت القنبلة في الطيارة فتحطمت في الجو وسقطت ومن فيها على آخر رمق وقد تلفوا وطيارتهم، وهؤلاء الثلاثة ثلم كبير في الجيش الهاشمي، فصاروا هدفًا للمنية على حالة فظيعة.
أما الإخوان فإنهم جعلوا يهجمون غالبًا في الليالي المظلمة هجمات هوجاء مستبسلين مستشهدين، وأحدثوا رعبًا وذعرًا في قلوب الأهالي، وكانوا مع ما يريدونه من الرعب للأهالي يسببون أسبابًا علها أن تسرف الجنود بإتلاف الذخيرة، وقد كانوا يقربون جدًا من الخط، حتى أن رصاص بنادقهم يقع قرب قصر الملك، وحتى أنهم قطعوا بعض الشريط وأخذوه إلى المعسكر العام، ولولا اختلاط القناصل مع الأهالي اختلاطًا لا يستطاع ضمان سلامتهم في الهجوم لكان أدنى أقدام من الإخوان يبدد شمل معسكر أهل جدة، ولكن مراعات للحالة الراهنة رأى ابن سعود تطويق جدة ومضايقة الحكومة القائمة بها حتى تضطر إلى التسلم.
ذكر قوى الفريقين
كانت الحكومة الهاشمية بعد تنازل الحسين قد أرسلت إلى الأمير عبد الله في عمان أربعين ألف ليرة ليبذلها في التجنيد وشراء العدد الحربية من أوربا مثل الطيارات والسيارات المصفحة، فباشر الأمير عبد الله التجنيد بمساعدة بعض الزعماء بفلسطين، فجاءت فرقة المتطوعين وتلتها فرقة أخرى حتى بلغ الجند
стр. 835
النظامي نحو ألف جندي، هذا كان في نصف هذه السنة، ثم جاء أيضًا في شهر رجب فرقة عددها مائتان وثلاثون، ثم جاء في رمضان فرقة أخرى عددها خمسمائة، ولكن هذا الجيش كان معرضًا لعاملين مستمرين في تنقيص عدده، هما الملاريا والدنتاريا، أما المال فلم يكن للحكومة بعد أن نفدت خزينتها، غير مصدر واحد وهو الحسين في العقبة، فإنه بعث الرقمتين في شهر رجب من هذه السنة تحمل صندوقين فيهما خمسة عشر ألف ليرة، وجاءت في رمضان تحمل خمسة آلاف أخرى ثم في شوال أبحرت رضوي منا العقبة وهي تحمل لمساعدة الجيش الهاشمي عشرين ألفًا من الذهب، وفي هذه الأثناء فرضت الحكومة على التجار قرضًا قدرناه قدره اثنا عشر ألف ليرة، ثم نقل الحسين من العقبة وأبعد عن جدة والبعد جفاء، فلم يرسل بعد ذلك غير دفعة واحدة صغيرة خمسة آلاف ليرة، فأخذ العسر بعد ذلك يشتد يومًا فيومًا، وسنذكره فيما بعد إنشاء الله في موضعه، فاضطر الملك علي في صيف هذا العام أن يرهن أطيانه الخاصة في مصر لقاء قرض قيمته خمسة عشرة ألف جنيه، وكان الذي صرفه في سنة واحدة مجموعه لا يتجاوز مائتي ألف ليرة جنيه أعني على قوات الحرب، لكنه ابتلى بخيانة الوكلاء والسماسرة والاختلاس بحيث لما دفع مرة سبعة آلاف ليرة إنكليزية ثمنًا لثلاث طيارات قديمة جاءته من لندن لا تساوي أكثر من ألف وخمسمائة ليرة، وكان عند الحكومة الهاشمية خمس طيارات أيطاليات قبل مجيء هذه الثلاث اللندنيات، ثم جاء للحكومة الهاشمية من ألمانيا في الصيف ست طائرات جديدة تحمل الواحدة من البنزين ما يكفيها لتطير ست ساعات، وهي مجهزة بالمدافع الرشاشة ومعها قنابلها الخاصة بها، أخيرًا اجتمع لدى الملك على أربعة عشر طيارة، لكن هنا نكتة وهي أن أربعًا من الطيارات لا تصلح للعمل، وأيضًا كان الطيارون أولًا في الحرب روسيين من الحزب القيصري، وكانوا في آخرها من الألمان، فكان الطيار لا يقدم على المخاطرات لأنه حريص على حياته وأيضًا كان في هذا السلاح نقص وعدم كفاءة، وما كان هناك قنابل خاصة فاصطنع لها من القذائف ما لا تأثير لها كبير لأنها تنفجر قبل وقتها المعين أو
стр. 836
بعده ناهيك بالبنزين فلم يكن عند الحكومة دائمًا الكمية الكافية منه، أما المصفحات فيه أيضًا ضعيفة تأثيرها لغلاء الثمن وقلة الفائدة، فخمس سيارات من المصفحات من اللواتي خاضت معارك الحرب العظمى جاءت وصفائحًا مفككة فظل العمال في الورشة يعملون شهرًا في تشغيلها وتأليفها وتركيبها وهي لا تسير غير ساعتين سيرًا متواصلًا فتحتاج إذ ذاك إلى الماء وأما سيارتان جاءتا بعد ذلك، فنعم أنهما جديدتان ومجهزتان بالرشاشات فلأجل ذلك كانت القيادة تبني آمالها العالية عليهما، أما الدبابات فثلاث جلبت من ألمانيا مستعملة ولم تجد نفعًا وقد صنعت دبابة في ورشة جدة أنشأها تحسين باشا شبه سيارة مدرعة بمحرك قديم مصفحة بالتنك، وجعل لها فوهات المدافع الرشاشة ولكن لم توجد لها مدافع رشاشة، وقد طافت هذه الدبابة في جدة ولكن الذين يسوقونها تركوها في منتصف المدينة لأنها لا تصلح للسير وأصبحت ضحكة للساخرين فجيء بجمل يجرها إلى كراج السيارات وأخيرًا كانت كألاعيب الصبيان.
فيا عجبًا لقواد الجيش الهاشمي، أيظنون أنهم يقاتلون أطفالًا، أما المدافع فهي اثنا عشر وعشرة رشاشات كلها صالحة للعمل، ثم جاء من ينبع ومن العقبة إمداد وقوات من مدافع صحراوية وجبلية ورشاشة فأصبح على خط الدفاع عشرون مدفعًا وثلاثون رشاشًا، وقد كان لدى الجيش الهاشمي القنابل الكشافة التي تنير المكان الذي تنفجر فيه وتكشف حركات العدو في الليل أضف إلى ذلك كله ما وضع عند أبواب خط الدفاع أمام الأسلاك الشائكة من الألغام ثم الأسلاك نفسها وقد مدت هذه الأسلاك على عمد من خشب طولها متر واحد، فكان الخط شكل الهلال طوله ستة أميال ممتدًا من البحر شمالًا إلى الكندرة شرقًا يحنوب ومنها جنوبًا ثم غربًا يحنوب إلى البحر، ثم حفرت وراء الشريط الخنادق وأقيمت الاستحكامات، وبين الخنادق ووراءها ربى ومكامن من استخدمت للكشف والدفاع.
وقد قسم هذا الخط إلى مراكز ستة مرتبطة كلها بواسطة الهاتف بالقيادة العامة
стр. 837
في القشلة، وهذه المراكز هي أبو بصيلة، والشرفية، والكندرة، والمشاط، والعقم، والطابية اليمانية، فالطابية هي جناح الجيش الأيمن وأبو بصيلة جناحه الأيسر، وهناك خارج الخط النزلة اليمانية وهي مهجورة على مسافة ميلين من جدة إلى الشرق الجنوبي وفيها حامية من البدو صغيرة مائة نفر لا غير، ونزلة بني مالك على مسافة ميلين من جدة إلى الشمال الشرقي وفيها حامية أخرى صغيرة من البدو، ثم الرويس وهي أقرب القرى إلى جدة من الشمال، فهذه قوة الجيش الهاشمي.
أما عدد الجيش النجدي فقد كانت محصورة بالمدفعية والبنادق والرشاشات، ولقد كان في خزانة الرياض مدافع كثيرة من أنواع مختلفة ولكن السلطان عبد العزيز لم يأمر بإحضار شيء منها إلى الحجاز بل كانت المدافع التي استخدمها في هذه الحرب الذي غنمها جيشه في الطائف والهدى، وما وجد في مكة وكلها أسلحة طيبة صالحة للعمل صحراوية وجبلية لا يقل عددها عن عشرين مدفعًا كانت تظهر تدريجيًا أو بقدر ما يمكن الاستعمال منها في وقت واحد، أضف إلى ذلك الرشاشات الكثيرة والذخيرة الوافرة التي وجد أكثرها في قلعة جياد بمكة.
أما الجنود فقد كانت القوة في العسكر يوم الزحف الأول أربعة آلاف والقوة الزاحفة مثلها وفيها الإخوان من أهل الغطغط، وأهل ساجر، وأهل دخنة، وقحطان، والداهنة، وركبة وغيرهم وفيها من الحضر الوية من أهل القصيم وأهل العارض، ثم جاء في رمضان فيصل الدويش أمير الأرطاوية بجيش من مطير وتلاه سبيع والسهول وبعد هؤلاء وصل الأمير فيصل عائدًا من نجد بنجدة كبيرة، فبلغ عدد الجيش في الجبهة وورائها نحو عشرة آلاف، أضف إلى ذلك الجنود الذين كانوا محاصرين للمدينة والسرايا التي كانت مرابطة حول ينبع والوجه والعلا بما كان مجموع العدد قد أصبح يبلغ اثني عشر ألف مقاتل ولا طيارة ولا سيارة، بل يغيرون على الخيل والمطايا، ومع هذا فقد فاق جند نجد بالبسالة والتقدم لأنهم يدافعون عن اعتقادات ووطنية بدون جعل ولا مقاضاة.
أما جند الحجاز فبالعكس لا يقبض السلاح بيد إلا واليد الأخرى فيها المرتب، زد على ذلك جهلهم بالحرب وضعف قلوبهم، وكان توزيع الجيش النجدي أن
стр. 838
كانت فرقة الغطغط قد عسكرت في الجناح الأيمن المقابل لجناح العدو الأيسر، وأهل دخنة في الجناح الأيسر المقابل لجناح العدو الأيمن؛ وأهل ساجر عونًا للجناح الأيسر، ثم عسكر في القلب لواء قحطان من الهياثم ووراء هؤلاء كلهم سرية من الخيالة، ثم التحق بهم الجيش الذي كان في اليمن من أهل الداهنة وركبة فأصبح في الجبهة نحو أربعة آلاف مقاتل، وكان لما مشى هذا الجيش من مكة معه الأوامر بأن يحيط بجدة ويهاجم خط الدفاع، أما الهجوم بقصد اختراق خط الدفاع والدخول إلى جدة فلم يكن ليقدم عليه الجيش بدون إذن من القيادة العليا.
أما أهالي جدة فقد كان الرعب سميرهم والذعر جليسهم في تلك الليالي لأنهم جهلوا القصد الحقيقي من الغارات فظنوا أن الإخوان يحاولون اختراق الخط لذلك كانوا يسمرون كل ليلة على أنغام الرشاشات والبنادق وهم يقولون: الليلة يدخلون البلد، وما ذاك إلا لما يشاهدون من الأهوال المقلقة والإفزاع المزعجة من هذه الحرب البدوية، فإذا أرسلت المدافع الهاشمية على السعوديين القنابل الكشافة أنارت في السهل ضياءً عظيمًا يهتدي بها الإخوان إلى الطريق في أبواب الأسلاك الشائكة وإلى الألغام وهناك تسمع الإخوان ينادون يا إخواننا يا أهل الشام ويا شمر ويا عرب ويا عقيلات اخرجوا من الخط وأنتم في وجه الله ووجه ابن سعود لا تخافوا والله ما نريد لكم غير الخير تعالوا فنحن إخوانكم تعالوا إلينا ونحن والله وبالله، ولكن كثيرًا من أولئك الجنود كانوا يحاربون عملًا باعتقادهم أن النهضة العربية لا تقوم إلا بالبيت الهاشمي، أما الذين قد التفوا من عمان والعقبة وغيرهم فإنهم صاروا بين نارين ولم يكن لهم يومئذ أن يختاروا أصغر الشرين، ثم يأخذ كل فريق بما يفوه به من البلاغات الرسمية، كقول فريق علي تعرضت قوة من البدو على جناحنا الأيسر في الساعة الخامسة من الليل فأصلتها مدافعنا ورشاشاتنا نارًا شديدة فانهزمت من حيث أتت تاركة عددًا من القتلى بدأت مدافع العدو ساعة الفجر بالرمي العتاد فقابلتها مدافعنا قدر ساعتين وأسكتتها طارت الطيارة في الساعة الواحدة صباحًا لضرب معسكرات العدو وموضع مدافعه فألقت أربع قنابل وعادت، وكقول فريق ابن سعود: في هذه الليلة سرت طائفة من جندنا إلى
стр. 839
حدود العدو فأطلقت عليه النار فظن أن الإخوان يهاجمون على طول الجبهة فأخذ يوالي إطلاق المدافع والرشاشات والبنادق من جميع المراكز واستمرت كذلك ثلاث ساعات دون أن يصيب أحدًا من المهاجمين، أخرجت القيادة الهاشمية ثلة لكشف مراكز الإخوان فخرجوا من مكامنهم إليها وأعملوا فيها النار فسقط منها سبعة قتلى وفر الباقون، إلى غير ذلك من البلاغات ولقد كانت ليالي رجب وشعبان المظلمة تحيا بين المتحاربين كل يحرس حاشيته من الآخر أما في النهار فقد استعرت بينهما حرب المدفعية التي استغوت في بادئ أمرها أهل جدة فكانوا يسارعون إلى خارج السور ليشاهدوا قنابلها تنفجر عند الأسلاك الشائكة وفي أطراف السهل بظل الجبال.
ثم نصبت المدافع السعودية في أول شهر من سنة الحصار فجعلت قنابلها تتساقط خارج السور وداخله وقد حلقت فوق خط الدفاع تتساقط في قلب البلد فأصيب مرتين بيت الوكالة البريطانية بقنبلة خرقت جدار غرفة النوم وقنبلة دخلت مكتب الوكيل، وقد أصيب أيضًا بيت وكالة السوفيتي فتكسر العلم فوق السطح واستمرت تتقدم في تقدم المدفعية حتى وصلت إلى الطرف الغربي من المدينة إلى شاطئ البحر فزارت القنصلية الفرنسية وتفجرت في مخيم الهلال الأحمر، فعندما أصيبت الوكالة البريطانية والوكالة الروسية عقد القناصل مجلسًا للبحث في المسألة فقرروا أن يظلوا رغم هذه الحال على الحياد، وقد أبرق رئيس الهلال الأحمر إلى الجمعية المركزية في القاهرة يستأذن بالرحيل فلم تأذن الجمعية بذلك وكان الضرب يبدء صباحًا فيصلي الفريقان الفجر ويتبادلا بالقنابل ساعتين أو ثلاث ساعات، ثم يستأنف العمل بعد الظهر فيستمر حتى غروب الشمس، ولما اشتدت هذه الحرب المدفعية في شهر رجب وشعبان نصب النجديون مدفعًا في الرويس فصارت قنابلهم تقع في الجبهة البحرية من المدينة وفي قلبها فجرح وقتل عدد من الناس واستولى الرعب على الأهالي فشد كثيرون منهم للرحيل وبدأت الهجرة إلى سواكن ومصوع وعدن في المراكب التجارية، ثم طفق الناس يرحلون في السنابيك إلى الليث ومنها
стр. 840
يرجعون إلى مكة، وكانت الحكومة غير كارهة للهجرة لما فيها من التوفير للماء والزاد للجنود على أن تلك الحرب التي كان يتفرج أهل جدة عليها ثم صاروا يفرون إلى البلدان عنها ليست بشيء بالنسبة إلى ما بعدها من الموت الأحمر لأن جميع ما هم فيه مناوشات، لأن ما بين الأسلاك الشائكة وما بين سور جدة مسافة ثلث ساعة للأقدام.
ولما كان في اليوم الحادي عشر من شهر رجب دعا علي بن الحسين بالشيخ محمد نصيف واعتقل هو وأحد أعضاء الحزب وثلاثة آخرون هم سليمان عزابه، وسعيد باخشوين، وعبد الرحمن باجنيد، فأودعوا السجن ثلاثة أيام ثم أحضروا بين يدي علي فصدرت الإدارة أن ينفوا إلى العقبة فأخذوا في الساعة السادسة من ليلة ١٤ رجب ونفوا إلى العقبة، ولما وصلوا إلى الحسين ألقاهم في قبر لا منفذ فيه ولا نور ولا فراش فوجدوا من الضيق وضنك العيش ما لا يرضاه كل حر أبي وهذا لأجل تهمة في حق المذكور، وما كان قدر الشيخ محمد حسين نصيف أن يهان تلك الإهانة ويبالغ في التضييق عليه، ذلك بأنه رجل عظيم وعالم فاضل كثير الاطلاع واسع المعرفة وله مكتبة عظيمة في جدة ومن أكبر أغنياءها أيضًا، ولولا صلة علمية بينه وبين شيخ العروبة أحمد زكي باشا من أهل مصر فقام لما علم بالتضييق عليه وسعى نحو الأمير عبد الله في شرقي الأردن بهذه البرقية: "صاحب السمو الأمير عبد الله أرجو أن يتجلى حلم الرسول ويتجدد عفو المأمون بشخصكم المحبوب فتتوسطون لصديقي السيد محمد حسين نصيف فقد ساءني جدًا ما بلغني اليوم بنفيه من جدة إلى العقبة مع تضييق الخناق عليه والإساءة إليه من واليها فآمالي عظيمة فيمن أعظم فيها وهو سيدي الأمير بقبول شفاعتي وتنازله بالتوسل بوالد الجميع لإرساله لمصر بمنزلي وأنا أتعهد بامتناعه مطلقًا عما لا يرضيكم وأنتم تعرفون صدق إخلاصي لسموكم ولبيتكم الكريم" فأطلق الشيخ وأنقذه الله من شرهم وعاد إلى جدة برفقته في يوم الأربعاء ثامن رمضان، ولولا ما ذكر لكان أفظع من هذا، ولما قدم اعتذر إليه علي بن الحسين وذكر أن ذلك مقدر قد كتب عليه وقد ثبتت براءته أيضًا.
стр. 841
ذكر وقعة المصفحات
لما كان في ثامن عشر شعبان في الساعة الرابعة نهارًا برز القسم الأكبر من جيش الحجاز لمنازلة الإخوان وكانت القيادة الهاشمية قد أملت في هذه الهجمة أن تضرب الإخوان المرابطين فتقضي عليهم أمام جناحها الأيسر وتعود شرقًا بجنوب بعد ما أمنت مؤخرها فتزحف إلى المعسكر في الرغامة فتستولي عليه وتمشي مستمرة ظافرة إلى مكة وكانت كلمتهم: سنعيد رمضان بمكة حتى كان أحد الضباط يقول لمن يثق به من الأجانب قبيل هذه الوقعة: غدًا ندعوك لزيارتنا في الطائف، ولما أن برزت هذه القوة من الجيش الحجازي وكان هذا الإقدام الذي برز به القسم الأوفر منه لمناجزة النجديين والقضاء عليهم شرع الخط قبل خروج المصفحات يطلق مدافعه الكبار والصغار على الإخوان في الرويس وبعد نصف ساعة من هذا الضرب المتواصل الشديد خرجت خمس مصفحات من بوابة الكندرة فسارت ثلاث منها تجاه نزلة بني مالك واثنتين تجاه الرويس ثم مشى من مركزي الكندرة وأبي بصيلة نحو ألف من جنود النظام والبدو مقسومين إلى ثلاثة أقسام تتبعهم سرية من الخيالة.
أما الإخوان فقد كانت فرقة من أهل دخنة في الرويس وفرقة أخرى في بني مالك وكان أهل العارض والغطغط في الخط الثاني، أما الجبهة الأمامية التي فيها الخنادق فكان فيها من الفريقين عدد لا يتجاوز الألفين فتقدمت القوة الاحتياطية النجدية نحو مراكز الجيش المرابط ولكنهم لم يباشروا الرمي لا هم ولا المخندقون حتى خرجت العساكر الهاشمية كلها إلى السهل وكادت المصفحات أن تصل إلى النزلة فدارت تلك الساعة رحى الحرب ودوت البنادق والرشاشات وسارت المصفحات شرقًا بشمال تاركة النزلة إلى يسارها لتمنع وصول المدد إلى الجبهة الأمامية وتصد أهل الغطغط والعارض عن الهجوم فاشتبكت وإياهم في قتال عنيف ولكنها لم تتمكن من صدهم، فلو رأيت الإخوان كيف يصارعون تلك المصفحات التي تهدي عليهم الرصاص وترش من رشاشاتها في كل جانب وهم ثابتون مستشهدون ويدورون عليها كأنهم الأسود في غابها ويطلقون البنادق عليها
стр. 842
وعلى من فيها حتى أن عبدًا من العتاريس دنا من إحداها بعد أن جال حولها كأنها فارس من الفرسان فتمسك بها وصعد إلى سطحها يدس مسدسه على من فيها، فأصيب وهو هناك برصاصة وهوى إلى الأرض، أثابه الله وأعظم له الأجر والثواب، وظل الإخوان يعاركون هذه المصفحات حتى أبطلوا رشاشاتها، فصار الجنود داخلها يطلقون الرصاص من مسدساتهم، وقد أصيب بعضهم برصاص الإخوان الذي يدخل من الكوى وجرح جراحًا بليغًا اثنان من السواق الروس، فتراجعت المصفحات وقد تمزقت وتكسرت جوانب بعضها، وسارع أهل الغطغط والعارض إلى النجدة لإخوانهم فخاضوا معركة دامت ساعتين في أشد حال، ثم ساعتين في قتال متقطع حتى انتهت الساعة الثالثة بعد الظهر برجوع الجنود الحجازية والمصفحات إلى داخل الأسلاك، ورجوع الإخوان إلى مراكزهم، أما من بقى في ساحة القتال وهم القتلى فلا يقل عددهم عن ثلاثمائة قتيل على التحقيق، أما التخمين، فإن أهل الحجاز يقولون في التقرير أن خسارة العدو بين قتيل وجريح أكثر من مائتين، وخسر جيشنا خمسة عشر قتيلًا وأصيب خمسون، والنجديون يقولون في التقرير الرسمي، قد تحقق أن خسارة العدو كانت في الأقل ثلاثمائة وعشرين قتيلًا بدليل بنداقهم التي غنمها جيشنا وأحضروها إلى المعسكر العام، أما خسائرنا فقد كانت خمسة قتلى وخمسة جرحى فقط، وانتهت وقعة المصفحات هذه بعدم فوز أهلها، ولم ينجح لهم عمل لا بقطع المدد، ولا قابلت بسالة الإخوان وشدة بأسهم، بل قلت ذخيرتها ونفد الماء الذي فيها، فرجعت خائبة مدحورة وقضت عليها وعلى أهلها هذه الوقعة بالعجز والضعف.
ثم بعد ذلك سكنت المتحركات وخمدت نار الحرب بين الفريقين وخف ضرب المدافع وقل الهجوم في الليل إكرامًا لرمضان، فكان فيه شبه هدنة تبعها في شوال مناوشات في الليالي الظلمة، ومع أنه كان قد شاع في جدة أن المعركة الفاصلة ستكون في شوال، وقد ولى شوال والتقارير الرسمية تقول: سكون تام على الخط، ثم استأنف القتال في الشمال.
стр. 843
ذكر الحرب والحصار للسواحل الحجازية
لما فتحت الجيوش النجدية موانئ لجلب الأرزاق إلى مكة صارت تأتي الأرزاق والأقوات إلى مكة بكثرة حتى انقشع الضيق، ونزلت الأرزاق إلى درجة زهيدة، اعتدى بعض عربان جهينة على قوافل تحمل أرزاقًا إلى مكة، فأرسلت القيادة النجدية حملة إلى ينبع لتأديب المعتدين، وكان إبراهيم بن رفادة كبير مشايخ جهينة قد خرج على الملك علي وعاهد ابن سعود على السمع والطاعة، فأرسلت حكومة جدة إلى قائم مقام الوجه وهو "الشريف حامد" ثلة من الجنود النظامية وبعض الرشاشات لتأديب ابن رفادة وجماعته، وأرسلت الأمير شاكر إلى ينبع ليحمل على الإخوان في بدر ويستردها.
أما المدينة المنورة فقد كان صالح العذل معسكرًا في الحناكية وقد التحق بجيشه لواء جاء من جهة حائل، وكان قسم من هذا الجيش أو أكثره من الحضر بقيادة إبراهيم النشمي وكيل ابن عذل مرابطًا حول المدينة، وهو مأمور بأن يحصرها فقط ولا يدخلها بدون أمر من القيادة العليا، وكانت ترد على الحكومة الهاشمية برقيات في تلك الأيام: "المدينة ٢١ ذي القعدة جلالة الملك المعظم جهزنا عبدكم ولدنا مع عسكره وبعض من حرب على النشمي فكسروه وأسروا أربعة أنفار من جماعته، أبشركم بذلك سيدي قائم مقام العلا "شحاتة" العلاء ٢٧ ذي القعدة جلالة الملك المعظم صباح اليوم الجمعة هجمت على مدائن صالح ثلاثة بيارق ودامت الحرب بينهم وبين العدو إلى العصر، والحمد لله انقلب العدو خاسرًا تاركًا جرحاه وقتلاه مولاي" ينبع ٢٦ ذي القعدة جلالة الملك المعظم احتللنا بدرًا وغنمنا جميع ما فيها، انهزم أحمد سالم صاحب بدر ومعه أربعون بعيرًا محملة.
الإمضاء شاكر
نعم إنه انهزم أحمد بن سالم صاحب بدر ومعه أربعون بعيرًا، ولكن صاحب الجلالة السلطان عبد العزيز جهز في هذا الشهر حملة إلى الشمال بقيادة ابن عمه
стр. 844
سعود بن عبد العزيز العرافة والأمير خالد بن لؤي، فالتقت هذه الحملة في طريقها بأحمد بن سالم، وبعد ما قص على القيادة حوقل خالد وأمر سالمًا بالرجوع، فمشى مع الحملة التي استمرت في طريقها إلى بدر، وبعدما اشتبكت في وقعة مع المدافعين رجال شاكر ضربتهم فيها ضربة كتب لها النصر، واستولت عليها ثم أعادت أحمد بن سالم إلى مركزه، ومشت إلى ينبع فعسكرت هناك تنتظر الأوامر الجديدة من القيادة العليا، وكانت قد أرسلت تلك القياده فيصل الدويش أيضًا إلى الشمال فاحتل بجيشه العوالي حوالي المدينة بدون مقاومة، وأصبحت الجيوش السعودية محاصرة للمدينة بالضغط الشديد على أهلها ليحملوا أولى الأمر فيها على التسليم، كما قد ظلت تلك الجيوش مرابطة حول الوجه وينبع، وسعود العرافة وخالد بن لؤي معسكران في ينبع النخل، وفيصل الدويش في العوالي، وصالح بن عذل في الحناكية، هذا ولم تكن الجيوش هنالك مسلحة بغير البنادق، وإنما رجح السلطان عبد العزيز الحصار ليتمكن جنوده من الحج، ولقد كان اهتمامه بالحج في هذين الشهرين أكثر من اهتمامه بالحرب لأنه جعل يمهد قبل الحج بثلاثة أشهر للسهل، فأرسل في غرة شعبان نداء إلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يصيح للحج ويخبرهم بأن النظام قد ساد في البلدة المطهرة واستتب الأمن فيها، وأنه يرحب بحجاج بيت الله الحرام من المسلمين كافة في موسم هذه السنة، ويتكفل بتامين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم وبتسهيل سفرهم إلى مكة المكرمة من أحد الموانئ الثلاثة وهي: رابغ، والليث، ألقنفذة، فعند ذلك غمرت البواخر تنقل الأرزاق من الهندية والخديوية وإيطاليا تجيء من عدن ومصوع، والسويس، ولم تتمكن الحكومة الهاشمية التي ضربت النطاق أن تصادر شيئًا منها.
ولما بعثت الحكومة الهاشمية إحدى بواخرها وهي المسلحة الطويل وصادرت خمسة سنابيك إيطالية مشحونة من مصرع إلى الليث وجاءت بها إلى جدة، قامت إيطاليا واحتجت بواسطة قنصلها السنيور فارس على هذا العمل، وأنذرت الحكومة الهاشمية بأنها تسحب قنصلها من جدة وتتخذ الطرق القانونية لحفظ
стр. 845
حقوقها إذا كانت لا تعيد كلما صادرته من السنابيك الرافعة العلم الإيطالي، فعقد الوزراء مجلسًا للنظر في الأمر وقرروا بعد البحث أن يجيبوا طلب الحكومة الإيطالية، فعد هذا الحادث نصرًا سياسيًا لابن سعود وهدة في جانب علي، كما أن قدوم ثلاثة آلاف من الهند حجاجًا ورجوعهم سالمين بعد الحج عن طريق رابغ هو نصر سياسي آخر، أضف إلى ذلك الحادث الذي كسر شوكة الهاشمين وهو نقل الحسين والد الأسرة إلى قبرص.
ولما قام الجيش السعودي من الجبهة في ٢٧ ذي القعدة للذهاب للحج وأخلى الجيش محلاته في ٣٠ ذي القعدة، استبشرت حكومة علي لما رأت الجنود النجدية منازحة عن القتال ظنًا منها أن ذلك عجز وأملت الفوز مع ما هي فيه من العسر، وكان لم يبق في جبهة جده من النجديين غير قوة صغيرة من الخيالة والهجانة لتشرف على الرغامة.
ولما كان بعد ساعتين من إخلائه توجه جند الملك علي وحصنوا تلك المحلات لأنهم ذاقوا منها ضربًا وقتلًا، وقد روي أن تحسين وزير الحربية قال للملك علي يوم قيام الجند النجدية لو كان عندي مائتا خيال للحقتهم ومحوتهم عن آخرهم، ثم بلغ به هذا الهوس أن جمع المتطوعين اليمانيين والنظامية فأرسلهم ولبث بمركز القيادة ينتظر النتيجة فما وصلت تلك القوة نقطة الرغامة إلا وقد التف جند نجد عليهم ومحاهم عن آخرهم، ولم يسلم منهم سوى اثنين لاذا بالفرار وأسر واحد.
ذكر نقل الحسين بن علي من العقبة
لما كان الحسين في العقبة يجند الجنود ويجيش مددًا لابنه علي ويرسل إليه المال والأرزاق، رأى ابن سعود أن وجوده قريبًا منه خطر عليه، فبعث صاحب الجلالة السلطان عبد العزيز جيشًا إلى حائل لمهاجمتها، وكان الأمير عبد الله بن الحسين يكتب قبل ذلك إلى أخيه علي بأن السر في عدم رضا ابن سعود عن حكومة الحجاز، وامتناع الإنكليز عن مساعدتها ووقوفها موقف الحياد من هذه الحرب القائمة، هو أنها لم تصدق بعد بصحة ذلك التنازل من الحسين بسبب وجوده بالعقبة وإمداده
следующие страницы →