Полный текст (2 873 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
ذكر وقعة المصفحات
لما كان في ثامن عشر شعبان في الساعة الرابعة نهارًا برز القسم الأكبر من جيش الحجاز لمنازلة الإخوان وكانت القيادة الهاشمية قد أملت في هذه الهجمة أن تضرب الإخوان المرابطين فتقضي عليهم أمام جناحها الأيسر وتعود شرقًا بجنوب بعد ما أمنت مؤخرها فتزحف إلى المعسكر في الرغامة فتستولي عليه وتمشي مستمرة ظافرة إلى مكة وكانت كلمتهم: سنعيد رمضان بمكة حتى كان أحد الضباط يقول لمن يثق به من الأجانب قبيل هذه الوقعة: غدًا ندعوك لزيارتنا في الطائف، ولما أن برزت هذه القوة من الجيش الحجازي وكان هذا الإقدام الذي برز به القسم الأوفر منه لمناجزة النجديين والقضاء عليهم شرع الخط قبل خروج المصفحات يطلق مدافعه الكبار والصغار على الإخوان في الرويس وبعد نصف ساعة من هذا الضرب المتواصل الشديد خرجت خمس مصفحات من بوابة الكندرة فسارت ثلاث منها تجاه نزلة بني مالك واثنتين تجاه الرويس ثم مشى من مركزي الكندرة وأبي بصيلة نحو ألف من جنود النظام والبدو مقسومين إلى ثلاثة أقسام تتبعهم سرية من الخيالة.
أما الإخوان فقد كانت فرقة من أهل دخنة في الرويس وفرقة أخرى في بني مالك وكان أهل العارض والغطغط في الخط الثاني، أما الجبهة الأمامية التي فيها الخنادق فكان فيها من الفريقين عدد لا يتجاوز الألفين فتقدمت القوة الاحتياطية النجدية نحو مراكز الجيش المرابط ولكنهم لم يباشروا الرمي لا هم ولا المخندقون حتى خرجت العساكر الهاشمية كلها إلى السهل وكادت المصفحات أن تصل إلى النزلة فدارت تلك الساعة رحى الحرب ودوت البنادق والرشاشات وسارت المصفحات شرقًا بشمال تاركة النزلة إلى يسارها لتمنع وصول المدد إلى الجبهة الأمامية وتصد أهل الغطغط والعارض عن الهجوم فاشتبكت وإياهم في قتال عنيف ولكنها لم تتمكن من صدهم، فلو رأيت الإخوان كيف يصارعون تلك المصفحات التي تهدي عليهم الرصاص وترش من رشاشاتها في كل جانب وهم ثابتون مستشهدون ويدورون عليها كأنهم الأسود في غابها ويطلقون البنادق عليها
стр. 842
وعلى من فيها حتى أن عبدًا من العتاريس دنا من إحداها بعد أن جال حولها كأنها فارس من الفرسان فتمسك بها وصعد إلى سطحها يدس مسدسه على من فيها، فأصيب وهو هناك برصاصة وهوى إلى الأرض، أثابه الله وأعظم له الأجر والثواب، وظل الإخوان يعاركون هذه المصفحات حتى أبطلوا رشاشاتها، فصار الجنود داخلها يطلقون الرصاص من مسدساتهم، وقد أصيب بعضهم برصاص الإخوان الذي يدخل من الكوى وجرح جراحًا بليغًا اثنان من السواق الروس، فتراجعت المصفحات وقد تمزقت وتكسرت جوانب بعضها، وسارع أهل الغطغط والعارض إلى النجدة لإخوانهم فخاضوا معركة دامت ساعتين في أشد حال، ثم ساعتين في قتال متقطع حتى انتهت الساعة الثالثة بعد الظهر برجوع الجنود الحجازية والمصفحات إلى داخل الأسلاك، ورجوع الإخوان إلى مراكزهم، أما من بقى في ساحة القتال وهم القتلى فلا يقل عددهم عن ثلاثمائة قتيل على التحقيق، أما التخمين، فإن أهل الحجاز يقولون في التقرير أن خسارة العدو بين قتيل وجريح أكثر من مائتين، وخسر جيشنا خمسة عشر قتيلًا وأصيب خمسون، والنجديون يقولون في التقرير الرسمي، قد تحقق أن خسارة العدو كانت في الأقل ثلاثمائة وعشرين قتيلًا بدليل بنداقهم التي غنمها جيشنا وأحضروها إلى المعسكر العام، أما خسائرنا فقد كانت خمسة قتلى وخمسة جرحى فقط، وانتهت وقعة المصفحات هذه بعدم فوز أهلها، ولم ينجح لهم عمل لا بقطع المدد، ولا قابلت بسالة الإخوان وشدة بأسهم، بل قلت ذخيرتها ونفد الماء الذي فيها، فرجعت خائبة مدحورة وقضت عليها وعلى أهلها هذه الوقعة بالعجز والضعف.
ثم بعد ذلك سكنت المتحركات وخمدت نار الحرب بين الفريقين وخف ضرب المدافع وقل الهجوم في الليل إكرامًا لرمضان، فكان فيه شبه هدنة تبعها في شوال مناوشات في الليالي الظلمة، ومع أنه كان قد شاع في جدة أن المعركة الفاصلة ستكون في شوال، وقد ولى شوال والتقارير الرسمية تقول: سكون تام على الخط، ثم استأنف القتال في الشمال.
стр. 843
ذكر الحرب والحصار للسواحل الحجازية
لما فتحت الجيوش النجدية موانئ لجلب الأرزاق إلى مكة صارت تأتي الأرزاق والأقوات إلى مكة بكثرة حتى انقشع الضيق، ونزلت الأرزاق إلى درجة زهيدة، اعتدى بعض عربان جهينة على قوافل تحمل أرزاقًا إلى مكة، فأرسلت القيادة النجدية حملة إلى ينبع لتأديب المعتدين، وكان إبراهيم بن رفادة كبير مشايخ جهينة قد خرج على الملك علي وعاهد ابن سعود على السمع والطاعة، فأرسلت حكومة جدة إلى قائم مقام الوجه وهو "الشريف حامد" ثلة من الجنود النظامية وبعض الرشاشات لتأديب ابن رفادة وجماعته، وأرسلت الأمير شاكر إلى ينبع ليحمل على الإخوان في بدر ويستردها.
أما المدينة المنورة فقد كان صالح العذل معسكرًا في الحناكية وقد التحق بجيشه لواء جاء من جهة حائل، وكان قسم من هذا الجيش أو أكثره من الحضر بقيادة إبراهيم النشمي وكيل ابن عذل مرابطًا حول المدينة، وهو مأمور بأن يحصرها فقط ولا يدخلها بدون أمر من القيادة العليا، وكانت ترد على الحكومة الهاشمية برقيات في تلك الأيام: "المدينة ٢١ ذي القعدة جلالة الملك المعظم جهزنا عبدكم ولدنا مع عسكره وبعض من حرب على النشمي فكسروه وأسروا أربعة أنفار من جماعته، أبشركم بذلك سيدي قائم مقام العلا "شحاتة" العلاء ٢٧ ذي القعدة جلالة الملك المعظم صباح اليوم الجمعة هجمت على مدائن صالح ثلاثة بيارق ودامت الحرب بينهم وبين العدو إلى العصر، والحمد لله انقلب العدو خاسرًا تاركًا جرحاه وقتلاه مولاي" ينبع ٢٦ ذي القعدة جلالة الملك المعظم احتللنا بدرًا وغنمنا جميع ما فيها، انهزم أحمد سالم صاحب بدر ومعه أربعون بعيرًا محملة.
الإمضاء شاكر
نعم إنه انهزم أحمد بن سالم صاحب بدر ومعه أربعون بعيرًا، ولكن صاحب الجلالة السلطان عبد العزيز جهز في هذا الشهر حملة إلى الشمال بقيادة ابن عمه
стр. 844
سعود بن عبد العزيز العرافة والأمير خالد بن لؤي، فالتقت هذه الحملة في طريقها بأحمد بن سالم، وبعد ما قص على القيادة حوقل خالد وأمر سالمًا بالرجوع، فمشى مع الحملة التي استمرت في طريقها إلى بدر، وبعدما اشتبكت في وقعة مع المدافعين رجال شاكر ضربتهم فيها ضربة كتب لها النصر، واستولت عليها ثم أعادت أحمد بن سالم إلى مركزه، ومشت إلى ينبع فعسكرت هناك تنتظر الأوامر الجديدة من القيادة العليا، وكانت قد أرسلت تلك القياده فيصل الدويش أيضًا إلى الشمال فاحتل بجيشه العوالي حوالي المدينة بدون مقاومة، وأصبحت الجيوش السعودية محاصرة للمدينة بالضغط الشديد على أهلها ليحملوا أولى الأمر فيها على التسليم، كما قد ظلت تلك الجيوش مرابطة حول الوجه وينبع، وسعود العرافة وخالد بن لؤي معسكران في ينبع النخل، وفيصل الدويش في العوالي، وصالح بن عذل في الحناكية، هذا ولم تكن الجيوش هنالك مسلحة بغير البنادق، وإنما رجح السلطان عبد العزيز الحصار ليتمكن جنوده من الحج، ولقد كان اهتمامه بالحج في هذين الشهرين أكثر من اهتمامه بالحرب لأنه جعل يمهد قبل الحج بثلاثة أشهر للسهل، فأرسل في غرة شعبان نداء إلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يصيح للحج ويخبرهم بأن النظام قد ساد في البلدة المطهرة واستتب الأمن فيها، وأنه يرحب بحجاج بيت الله الحرام من المسلمين كافة في موسم هذه السنة، ويتكفل بتامين راحتهم والمحافظة على جميع حقوقهم وبتسهيل سفرهم إلى مكة المكرمة من أحد الموانئ الثلاثة وهي: رابغ، والليث، ألقنفذة، فعند ذلك غمرت البواخر تنقل الأرزاق من الهندية والخديوية وإيطاليا تجيء من عدن ومصوع، والسويس، ولم تتمكن الحكومة الهاشمية التي ضربت النطاق أن تصادر شيئًا منها.
ولما بعثت الحكومة الهاشمية إحدى بواخرها وهي المسلحة الطويل وصادرت خمسة سنابيك إيطالية مشحونة من مصرع إلى الليث وجاءت بها إلى جدة، قامت إيطاليا واحتجت بواسطة قنصلها السنيور فارس على هذا العمل، وأنذرت الحكومة الهاشمية بأنها تسحب قنصلها من جدة وتتخذ الطرق القانونية لحفظ
стр. 845
حقوقها إذا كانت لا تعيد كلما صادرته من السنابيك الرافعة العلم الإيطالي، فعقد الوزراء مجلسًا للنظر في الأمر وقرروا بعد البحث أن يجيبوا طلب الحكومة الإيطالية، فعد هذا الحادث نصرًا سياسيًا لابن سعود وهدة في جانب علي، كما أن قدوم ثلاثة آلاف من الهند حجاجًا ورجوعهم سالمين بعد الحج عن طريق رابغ هو نصر سياسي آخر، أضف إلى ذلك الحادث الذي كسر شوكة الهاشمين وهو نقل الحسين والد الأسرة إلى قبرص.
ولما قام الجيش السعودي من الجبهة في ٢٧ ذي القعدة للذهاب للحج وأخلى الجيش محلاته في ٣٠ ذي القعدة، استبشرت حكومة علي لما رأت الجنود النجدية منازحة عن القتال ظنًا منها أن ذلك عجز وأملت الفوز مع ما هي فيه من العسر، وكان لم يبق في جبهة جده من النجديين غير قوة صغيرة من الخيالة والهجانة لتشرف على الرغامة.
ولما كان بعد ساعتين من إخلائه توجه جند الملك علي وحصنوا تلك المحلات لأنهم ذاقوا منها ضربًا وقتلًا، وقد روي أن تحسين وزير الحربية قال للملك علي يوم قيام الجند النجدية لو كان عندي مائتا خيال للحقتهم ومحوتهم عن آخرهم، ثم بلغ به هذا الهوس أن جمع المتطوعين اليمانيين والنظامية فأرسلهم ولبث بمركز القيادة ينتظر النتيجة فما وصلت تلك القوة نقطة الرغامة إلا وقد التف جند نجد عليهم ومحاهم عن آخرهم، ولم يسلم منهم سوى اثنين لاذا بالفرار وأسر واحد.
ذكر نقل الحسين بن علي من العقبة
لما كان الحسين في العقبة يجند الجنود ويجيش مددًا لابنه علي ويرسل إليه المال والأرزاق، رأى ابن سعود أن وجوده قريبًا منه خطر عليه، فبعث صاحب الجلالة السلطان عبد العزيز جيشًا إلى حائل لمهاجمتها، وكان الأمير عبد الله بن الحسين يكتب قبل ذلك إلى أخيه علي بأن السر في عدم رضا ابن سعود عن حكومة الحجاز، وامتناع الإنكليز عن مساعدتها ووقوفها موقف الحياد من هذه الحرب القائمة، هو أنها لم تصدق بعد بصحة ذلك التنازل من الحسين بسبب وجوده بالعقبة وإمداده
стр. 846
للحكومة الحجازية بالمال والرجال، وأنه لا سبيل إلى فوزها إلا بإخراج الحسين منها، حتى أدخل في روع أخيه على ذلك وحمله على أن يتوسل إليه بهذه المهمة ففعل علي وقام بدور الناصح، غير أن الحسين أصرَّ على عدم مبارحة البلاد إلا أن يخرج منها بالقوة، فلم يجد الأمير عبد الله بدًا إلا أن يشير إلى بريطانيا بضرورة إخراج والده من العقبة باعتبارها من البلاد التابعة له والمشمول بالانتداب البريطاني ووجوده والده فيها قد يضر بمصالحها ويعرضها لغزو ابن سعود لها، وهذه تعد من أكبر الغش والقطيعة في حق الوالدين، فما وسع بريطانيا إلا أن تبعث إلى الحسين باخرة حربية إلى العقبة تحمل إليه البلاغ الآتي:
لما كان في يوم الخميس ٥ ذي القعدة تلقى الحسين هذا البلاغ:
إلى جلالة الملك حسين من وكيل خارجية بريطانيا العظمى تبلغت حكومة جلالة ملك بريطانيا أن سلطان نجد هيأ قوة لمهاجمة العقبة وذلك لأن حكومة جلالتكم بها، ولأن حكومة الحجاز جعلت معان والعقبة بحالة عسكرية ضد ابن سعود، ولا يخفى أن حكومة جلالة ملك بريطانيا مسؤولة عن الأمن العام بفلسطين وشرقي الأردن مع معان التي تعد تحت انتدابها فهي تدعوكم إلى مغادرة العقبة لكي لا تكونوا سببًا لحصول مشاكل جديدة بين بريطانيا وسلطان نجد وتصر بإلحاح على وجوب مغادرتكم العقبة إذ لا يمكنها أن تسمح لكم بالبقاء أكثر من ثلاثة أسابيع، وكان هذا الإنذار شديد الوقع على الحسين وقد جاء في باخرة حربية بريطانية "تسمى فون فلاور" وكان قائد المدرعة قد طلب من الحسين الجواب النهائي فثار الحسين ثورة المهزوم الذي لا مفر له فما معنى هذه الملاحقة أينما ذهب ابن سعود، فيا لعثر الحظ وخيبة الأمل.
أجاب بريطانيا: بأنني ما زلت محافظًا على الود ومخلصًا في الولاء لحكومة جلالة ملك بريطانيا وأنه إلى أن قال وأني فاديت بكل شيء وتخليت عن الملك وغادرت وطني حبًا في السلم وحقن الدماء وأتيت العقبة لأبرهن للعالم أجمع بأنه
стр. 847
لا مطمع لي سوى سعادة أقوامي وتحرير بلادي بعد أن قمت بواجباتي ولم آل جهدًا في سبيل المحافظة على حقوق العرب والسعي وراء الوحدة العربية والتمسك بنص المعاهدة وانتظار تنفيذها، ولم ينقطع الأمل من الحكومة البريطانية بشأن إنجاز وعدها والوفاء بعهدها استنادًا على شرف تقاليدها، وها أنا اليوم كما تراني مقيم في إحدى قرى الحجاز معتزلًا عن العالم ومبتعدًا عن كل ما من شأنه أن يوجب الشغب وسوء التفاهم، ولما كان هذا الاعتزال والابتعاد لم يخلصني من أمثال تلك الشوائب فلا شك في أنني أينما ذهبت لا يخلو الأمر من حدوث شيء مما في التبليغات الأخيرة وربما كنت أشد هولًا من موقفي الحالي إذ لا أضمن هياج الشعب العربي وقتئذٍ وحدوث ما لا تحمد عقباه نحو الحليفة وغيرها، ولهذا فإنني لا أرى مندوحة من بقائي في مكاني، وإن شاءت حكومة جلالة الملك فلتبعث بي إلى عالم المريخ فإني مستعد لإنفاذ رأيها في هذه البعثة في أول دقيقة التبليغ أو أنها إذا نسيت ورأت عظمتها لأن تبعث إحدى وسائطها الحربية لتهلكني وعائلتي وخلاص الجميع من هذه الغوائل، ولن أزال أساعد الحكومة الحجازية بمالي الخاص الذي ادخرته لمستقبلي المجهول، لأن من لا خير فيه لوطنه لا يرجى منه الخير لحلفائه وأصدقائه، ولي الشرف أيضًا بكوني ثبت على مبدئي وأخلصت في عملي وقمت بواجباتي، فما علي من غيري فيما إذا لم يف بوعده ولم يقم بإنجاز عهده، ونفذ مطامعه بقوة مدرعاته وبرؤوس حربه، فهناك يكون الحكم لمن غلب، ثم احتج على بريطانيا بأمور وإن ابن سعود قد هاجم شرقي الأردن غير مرة في أواخر العام المنصرم دون أن يكون لحكومة الحجاز أو لحكومة معان أقل دخل فيها.
فماذا لم تعرفه حده لتوقفه عنده، ثم صرح بأنه لم يعترف بالانتداب على البلاد العربية من أساسه، وأنه ما زال يحتج على الحكومة البريطانية التي جعلت فلسطين وطنًا قوميًا ليهود -وشمالي سوريا تحت الانتداب ومأوى للأرمن، وأنه ليعجب من تغافل الحكومة البريطانية عما حل بالحجاز بل بالطائف من السحق
стр. 848
والمحق في الأموال والأنفس والدمار الذي لا يمكن تلافيه إلا بعد عشرات السنين، ثم اهتمامها بمحافظة معان والعقبة الأمر الذي لا يبقى محل لإطالة البحث فيه، ثم قال ولا يمكنني مغادرة العقبة إلا بعد إبلاغي لغوه وبعدئذ أذهب إلى حيث تريد حكومة جلالة الملك بشرط أن يكون محل إقامتي ضمن البلاد العربية وأن لا أكون مسؤولًا عما عساه قد يحدث من شغب أو هياج شعب تطمع نفسه لرفع نير الاستعمار وتجديد النهضة فيما إذا مست الحاج وإلا فإني لا أبرح العقبة ولو أدى الأمر لهلاكي ومحو عائلتي من الوجود.
وقد حاول أصدقائه وابنه عبد الله على أن يقبل الإنذار البريطاني، ولكنه ظل حتى الدقيقة الأخيرة متمسكًا برأيه حتى همس في أذنه أحد رجال شرقي الأردن أنه يجدر به أن لا يكون سببًا في نكبة شرق الأردن، كما كان سببًا في نكبة الحجاز فأذعن وانقاد، ثم أتت مدرعة على أثر ذلك اسمها "دلهي" وكانت أكبر من الأولى في يوم السبت ٧ ذي القعدة، فلما رست في مياه العقبة قبيل الظهر وبعد مضي ١٧ يومًا أبلغه قائد المدرعة البريطانية في يوم الثلاثاء ٢٤ ذي القعدة أن يستعد للسفر إلى الجهة التي اختيرت له في يوم غد وقال له مشافهةً: إذا أبى وقاوم فسيتخذ تدابير أخرى، فطلب الحسين حيفا، أو يافا، فأبرق القائد إلى لندن فجاءه الجواب بذهابه إلى قبرص، ولما طلب إمهال يومين أجبره القائد على السفر يوم الخميس فأجاب بأنه مستعد للسفر إلى المريخ إذا أرادت بريطانيا وما دامت تريد إرساله إلى قبرص فهو لا يعارض لأن المسألة قوة، وإنما طلب إمهاله يومين ليعد فيهما عدة السفر، فلم يمكنه القائد البريطاني وأجبره على السفر في اليوم المذكور وبينما "رضوى" و"الرقمتين" تنتظران لحمله إلى جدة حسب ما طلب إذا بالقائد يلزمه بأن لا عدول عن السفر بالبارجة دلهي المخصصة لركوبه.
ولما كان في صبيحة يوم الأربعاء نزل الحسين بن علي من منزله الذي كان يقيم فيه بالعقبة ومعه حرمه التركية وبنتاه منها وكاتب بسيط كان قد ثبت على خدمته وطاهية وخدمه، ورافقه اللواء جميل باشا الراوي، وعند صعوده إلى الباخرة استقبل
стр. 849
فيها بكل ترحاب وخصص له جناح خاص له ولعائلته، وسارت بهم الباخرة إلى قبرص، وعندما رست الباخرة في ميناء السويس صعد إليها عبد الملك الخطيب معتمده بمصر، وأخوه عبد الحميد وحبيب لطف الله الذي أنعم عليه الحسين من قبل بلقب الإمارة واعتبره أمير هاشميًا واسكندر بك طراد وكيل إدارة أطيانه في مصر فقابلهم رجال الباخرة وحاشية الملك بكل احترام وأبلغوهم أنه آوى إلى فراشه وسيستقبلهم في صباح الغد فناموا، وفي الصباح أقلعت الباخرة وهي تسير الهوينا وتعبر قنال السويس فاستيقظ من نومه وصلى الفجر، ثم دعا بضيوفه لمقابلته، فكان أول كلمة تكلم بها مخاطبًا لهم:
مشيناها خطًا كتبت علينا ... ومن كتبت عليه خطا مشاها
ثم وجه خطابه إلى معتمده بمصر فقال له هكذا شاء أصحابك يعني الإنكليز يا عبد الملك وأنا أعترف أن ذنبي معهم إنما هو عدم تساهلي معهم في أمر المعاهدة التي جاء بها "ناجي الأصيل" وعدم إقراري بوعد بلفور ولأن أضحي بالتاج خير لي من أن يسجل التاريخ تفريطي في شيء من حقوق العرب أو اعترافي بالوطن القومي لليهود في فلسطين، ولكن لا يظن أصحابك أن ما رفضته أن سيقبله عربي واحد في الوجود، ولئن يتم لهم ما يريدون وما أنا إلَّا ضحية بريئة ولقد كنت مخلصًا لهم عندما نصحتهم بالوفاء بتعهداتهم للعرب وتنفيذ مقررات النهضة ولكن لا يحبون الناصحين يقولون أن وجودي في العقبة هو السبب في عدم التفاهم مع ابن سعود والإنكليز وها أنا ذاهب وسأرى ما يكون.
وهنا أراد السيد عبد الملك أن يعجم عوده: فقال له حقًا يا مولاي ما تقول ولكني أعلم أن الإنكليز كانوا يقولون لنا أن مثلنا معكم كمثل دائن ومدين يقول المدين للدائن خذ هذا القدر الذي أستطيع دفعه لك الآن وانتظر حتى أعطيك الباقي على التراخي، فهلا ترون جلالتكم أننا لو رضينا بذلك وأتبعنا سياسة إيجابية، أما كان خيرًا لنا من اتباع تلك السياسة السلبية التي سلكناها، فأجابه الحسين لا، لا با بني إن التساهل في الحقوق سبب لضياعها، أم زوال الملك فإنه لا
стр. 850
يؤثر في الحق شيئًا، وإني لم أتعاقد مع بريطانيا باسمي بل باسم العرب أجمعين، فماذا أقول لهم إذا أن فرطت في حقوقهم تثبيتًا لعرشي واحتفاظًا بملكي، فهل سبعة عشر عامًا مررت بهذا القنال في طريقي إلى الحجاز لأتولى الإمارة فيه، وإذا كنت قد تركته اليوم واعتزلت الحكم فإن للبيت ربٌّ يحميه وفي العرب ولله الحمد من يستطيع أن يجاهد في سبيل تشييد ما أسست، وإكمال ما به بدأت على أنني أعرف نفسي أنني ما أخطأت في سياستي إلا لأني وثقت بوعود بريطانيا، وحسبت من أخلاق الأوربيين مراعاة الشهامة وتقدير قيمة الإخلاص، ومع كلٍ فإن ذلك لم يكن مني إلا عن حسن نية.
وهنا تكلم عبد الملك الخطيب قائلًا: لقد كانت الخلافة يا مولاي شؤمًا علينا لأنها أثارت الرأي العام الإسلامي ضدنا فلم تجد بريطانيا من مصلحتها تأييدنا بعد أن اتهمت بأنها هي التي تريد ذلك، فأجابه الحسين ألا تعلم أنني لم أطلب الخلافة، وإنما العرب في شرق الأردن وسوريا هم الذين اختاروني لها، وعبد الله هو الذي ألح علي بقبولها وقال إنها تعزز مركزنا وتحمل بريطانيا على الوفاء بتعهداتها لنا والإذعان لمقررات النهضة فقبولي لها ما كان إلا لخدمة القضية العربية، وفي سبيل نجاحها، ودعا الحسين ضيوفه للغداء معه على ظهر الباخرة، ودعا معهم قائد البارجة التي أعرب عن تقدير البريطانيين لموقف الملك الحسين من الحلفاء في الحرب العامة وأنه بتنازله بقبوله السفر إلى أي جهة تعينها له بريطانيا لدليل على عظيم ثقته بها ولذلك فإنه سيكون موضع الإجلال والاحترام في أي بلد يحل فيها كما أن في نقله على هذه الباخرة التي سبق أن استقلها جلالة الملك جورج الخامس أثناء زيارته للهند لدليل على إكبار بريطانيا لجلالة الملك الحسين وفي المساء ودع المعتمد ورفاقه الحسين في مشهد أليم حيث كانت الدموع تتقاطر من عيون الجميع، ونزلوا من الباخرة وهم يرددون: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ إلى آخر الآية.
رجعنا إلى ما نحن في صدده فنقول: كان الأمير عبد الله بعدما انتقل والده
стр. 851
الحسين إلى العقبة قد شعر بقرب زوال الملك الهاشمي عنه فكتب إلى أخيه علي يطلب إليه أن يتنازل له عن العقبة ومعان لما في ذلك من عدة فوائد أهمها أن يكون في مأمن من زحف ابن سعود إليها خوفًا من الإنكليز يحكم المعاهدة التي تربطها وأنه في حالة ما إذا تم النصر للحكومة الحجازية فقد تعهد بإعادتهما إلى الحكومة الحجازية فقنع علي، ووافق على ضم معان والعقبة إلى شرق الأردن على شروط منها أن لا يتم تسليمها ما دام الحسين باقيًا في العقبة حرصًا على عدم إغضابه وتعهد أيضًا الأمير عبد الله في إحدى مذكراته إلى جلالة أخيه ما معناه سلموا بضم العقبة ومعان وأنا أضمن لكم من الإنكليز ثلاثمائة ألف ليرة يعقد حالًا ثم إبعاد ابن سعود عن الحجاز حتى تربة والخرمة وجعل الخط الحجازي رهن إشارتكم في كل وقت، وغير ذلك من الأرقام ولكنها في كتاب الأحلام، وما كاد الحسين يلقي عصا تسياره في قبرص حتى كتب الملك علي إلى أخيه عبد الله يستنجزه الوعود التي منها تدخل الإنكليز في حل الخلاف وإنهاء الحرب بعد إقصاء الحسين عن تلك المنطقة نهائيًا ولا يخشى من عودته إلى الحكم ثانيًا، فطلب الأمير عبد الله من أولياء أمره مساعدة أخيه والتوسط في أمر الصلح فقبلت بريطانيا وكتبت إلى ابن سعود غير أنها لم تحظ منه بالقبول وأجاب بأن الأمر عائد إلى العالم الإِسلامي فهو صاحب الحق في أمر تقرير الحجاز فلم ترى بريطانيا مصادمة العالم الإِسلامي لرضاء عاملها بشرق الأردن، وختمت هذه السنة بطلائع النصر لابن سعود.
وفيها وفاة الأمير أحمد بن ثنيان ﵀ وعفا عنه، وكان أحد رجال ابن سعود المقدميين العصريين ورسوله إلى جمال باشا التركي ومندوبه إلى لندن في صحبة الأمير فيصل بن عبد العزيز، وكان ماهرًا مسددًا ووفاته في الرياض.
ثم دخلت سنة ١٣٤٤ ه ـ
استهلت هذه السنة والحرب قد شمّرت عن ساق بين صاحب الجلالة والعظمة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل وبين الملك علي بن الحسين الشريف وقد عاد
стр. 852
الجيش السعودي النجدي بعد الحج إلى الرغامة وشدد الوطأة على العدو وضغطه ضغطًا شديدًا بالحصار، وفيها فتح ابن سعود أبوابه للوفود، وأول من استأذنه لزيارة الحرم والحج والعمرة هم القناصل الذين يدعون الإِسلام في جدة، عبد الكريم حكمين معتمد حكومة السوفيتي، ورادين برا ويرى نائب قنصل هولندا وأحمد أفندي لأرى وكيل قنصل إيران، فأذن لهم السلطان وبعد الأذن والزيارة للحرم دعاهم لزيارته في مقره بالوزيرية.
وبينما كانوا هناك يتكالمون بالصلح لعل الأمور ترتقي والحال تستقيم إذا بالإخوان قد هجموا في الليل على جناح خط الدفاع الأيسر من البحر إلى الكندرة هجمة هو جاء قبيحة وجعلت بنادقهم ورشاشاتهم تدوي دويًا منقطعًا كل الليل حتى الفجر، وجعلت الجبال لها عواء عظيم تجيب الصدا، وهذه كعادة الأخوان إذا صالوا فإنهم لا يهابون عددًا ولا عدة، "خيال التوحيد أخو من أطاع الله" فما كان لزيارة القناصل فائدة والحرب يعجز عن كشفها الجن والإنس، فتكلم القناصل مع السلطان قائلين إننا نتكلم مع عظمتكم في هذه المسألة بصفتنا الشخصية لا بلسان حكوماتنا لأننا شرقيون يهمنا الإصلاح والاتفاق بين الشرقيين، فأجاب السلطان قائلًا: كأن القوم لم يدركوا حتى اليوم غايتنا ومرامنا، فما زال الشريف علي في جدة، فلا سبيل إلى الصلح، أما إذا أخلاها وترك المسألة للعالم الإِسلامي، فنحن نقبل بما يقرره بشأن الحجاز، ثم سأل السلطان قناصل الدول المذكورين هل يأذن بقدوم وزير الخارجية فؤاد الخطيب، وطلبوا أن يسمح له بالمثول بين يديه في البحث في المسألة لعله يصل إلى حل يرضي الجميع، فأجاب أنه يرحب بمن أراد القدوم عليه سواء كان فؤادًا أو غيره، فرجع القناصل إلى جدة يحملون الأذن بزيارة الخطيب، فكتب فؤاد إلى عظمته يذكر أن بعض الأصحاب أنبأه بما حقق الأمل المعقود، ويطلب منه تعيين يوم للمقابلة، فأجابه السلطان بالإيجاب على شرط أن يكون الوزير مفوضًا ليوافق علي ما يملي عليه من الشروط ثقلت وطأتها أم خفت فرد الوزير فؤاد يقول أن المأمول من قدومه أولًا شرف التعرف إلى شخصكم الجليل العظيم، ثانيًا: التمهيد لإيجاد صلح تسود فيه
стр. 853
الطمأنينة المنشودة ليكون صور الأعمال فيما يحسن التفاهم عليه، فقال عظمة السلطان في كتابه الأخير أكون مسرورًا بمواجهتكم، فسر فؤاد بمثل هذا السرور لكنه خشي أن لا يقوم بكل الأعمال.
ولما قدم على ابن سعود وحصل الاتفاق رأى المندوب شخصًا خطيرًا لا يقعقع له بالشنان، وكان قدومه قبل دخول السنة بثلاثة أشهر فجرى بينهما من الكلام ما ملخصه، قدمت إليكم يا سيدي للتعرف بكم ولإصلاح ذات البين.
فأجابه السلطان: أما تعرفك بشخصي فإن أحب كل عربي مخلص لدينه ووطنه، وأما إصلاح ذات البين فإني أحب ذلك ولكن أين الطريق الذي يوصلنا إليه، إننا لم نجدها لفقدان الأمان في العاجل والآجل، ومن تكون صداقتنا معه بعد الإصلاح فذكر الخطيب، بينكم وبين علي؟ أجابه ابن سعود: أليس علي ولدًا للحسين وأخًا لعبد الله وفيصل؟ فتكلم الخطيب مجيبًا: نعم إنه ولد الرجل وأخو الرجلين ولكنه غيرهم، وإن له لنية طيبة، أجابه ابن سعود: ولم أقل في الرجل شيئًا وأبرأ إلى الله من أن أتكلم فيه بما لا أعلمه، ولكن يكفي فيه أنه ولد الرجل وأخو الرجلين، ولست آمنًا منه كما أنه ليس هناك من يضمن لي بعض ما أشترط، فتكلم الخطيب: الضامن هو أنت لأنك أنت الغالب والعادة أن الغالب هو الضامن، أجابه ابن سعود: لا أعلم ضامنًا له سلطة يكفل ما أطلب وأثق به، فالدول كلها على الحياد ولا نقبل تدخلها في الأماكن المقدسة وأمر العالم الإِسلامي كما ترى، فأجاب الخطيب: إن ضمنت فأنت خير ضامن ونحن تحت سيطرتك، وإن ابتغيت ضامنًا غير ذلك فنحن نفكر فيه، أجابه ابن سعود: إني أقول لك بصراحة أن المسلمين من قومنا اجتمعوا وتفكروا في أمر دينهم ودنياهم فلم يجدوا للصلح مع الحسين وأولاده ما يرضيهم، فأرجوك تركه ونسيانه فإن كان أمر غير ذلك فأنا مستعد، فتكلم الخطيب مجيبًا ما هو ذلك الأمر، أجاب السلطان: إذا كان علي يريد شيئًا من أمور الدنيا فأنا أتعهد له به في العاجل أو الآجل، ولكنني أريد أن أسألك سؤالًا عن الأمر الذي دعاك إلى رجوعك إلى جدة بعد ذهابك منها؟ وما الذي دعا
стр. 854
بعض السوريين والفلسطينيين إلى أن يأتوا إلى جدة لقتالنا، أقتالهم لنا قتال ديني أو حمية وطنية أم الحسين وأولاده قاموا بأمر منتظم يرون أننا أتينا لتخريبه؟ فتكلم الخطيب مجيبًا بقوله: لا أعلم شيئًا من ذلك إلا أنهم يدعون أن الحجاز مستقل ويرجون له دوام ذلك الاستقلال.
وجرت بينهما مكالمات حتى قال له ابن سعود: هل أطلعتم أو أطلع أحد على المعاهدة التي بين الحسين والحكومة الإنكليزية، فأجابه الخطيب وهو وزير الخارجية بقوله: لا، فرد عليه ابن سعود: ألم تكن وزيرًا للخارجية؟ وهل يخفى عليك شيء من ذلك؟ ومن الذي يجيبنا بعدك عن هذا؟ فأجاب الخطيب: إنني وزير خاجية للإمضاء لا للفعل، وهناك ونتف ابن سعود ليستمع لما يمليه الخطيب ويعجب، واستمر الخطيب يروي لابن سعود وظيفته التي يقوم بها قائلًا: وأغلب الأخبار لم أطلع عليها إلا بالسماع من الناس، ولقد أقمت سنوات في المدة الأخيرة أشتغل بالأدب وهذه وظيفتي، تكلم ابن سعود يقول: نعم لدي شاهد على ما تقول فلقد وجدنا في أوراق الديوان الهاشمي كتابًا من بعض القناصل للحسين يقول له فيه: وصلنا كتابكم باسم وزارة الخارجية فمضي باسم فؤاد الخطيب، ولكن الإمضاء ليس إمضاء الشيخ فؤاد المعروف، فما حقيقة الأمر؟ أجاب الخطيب يقول: نعم لقد وقع مثل هذا، فقال ابن سعود: فإذا كانت الحجج والدولة المنظمة هذه شؤونها فلا شك أن هذا يدل على أن الأمور كلها قائمة على الباطل والتمويه، فكيف يا شيخ فؤاد تؤيد مثل هذه الحكومة، ولما احتج الخطيب أنه لم يأت للحكومة البائدة وإنما يتحدث من جهة الشريف علي، أجابه ابن سعود بقوله: من جهة علي فقد أجبتك عنه كما يكفي عن الإعادة.
ثم إنه عاد من الوزيرية راكبًا بغلته حاملًا مظلته قد امتلأ من عظمة ابن سعود وسمو خلقه وصلابة رأيه، فقامت القناصل والحكومة والجنود في جدة يتسائلون ماذا عسى أن يكون تحت تلك المظلة من الآمال؟ فناولهم الخيبة التي رجع بها وكاشف بعض من وجد من رجال الحزب الوطني في جده بأنه لا سبيل إلى بقاء
стр. 855
الحكومة الحجازية إلا إذا أمكن التخلص من الملك علي وقطع صلتها بالأشراف نهائيًا، فنصحوا له بأن لا يتكلم بهذا حتى لا يظن أن ابن سعود قد استماله إليه ويظن به أنه يسعى لقلب نظام الحكم.
ولما سافر القناصل المسلمون للعمرة كما قدمنا قلق زملائهم المسيحيون، فأرسل الوكيل الإنكليزي كاتبه الهندي الذي يدين بالإِسلام "منشي المعروف إحسان الله" إلى مكة لأشغال تختص بالحجاج الهنود، فأقام هناك أسبوعًا، وعرج في رجوعه على المقر العالي بالوزيرية، فنزل ضيفًا على السلطان، وكانت المكالمة سرية حاصلها أن الحكومة البريطانية نقلت الحسين من العقبة فلا حاجة إلى أن يرسل ابن سعود حملة لاحتلالها إذ الهدف هو إبعاد الحسين.
وفي هذه السنة قدم ثلاثة وفود من المسلمين، ووفد من المسيحيين، ووفد الإمام ويحيى، ووفد الملك فؤاد الأول صاحب مصر، ووفد إيران، فأما وفد مصر فكان مؤلفًا من الشيخ محمَّد مصطفى المراغي رئيس المحكمة الشرعية العليا في مصر، ومحمد بك عبد الوهاب طلعت سكرتير الملك الخاص، وله غرض غير ما يظهر فإن الخلافة كانت تثقل يومئذٍ بال الملك فؤاد وقلبه فأحب أن يستطلع في أمرها رأي ابن سعود، أما وفد إيران فكان مؤلفًا من سفير مصر وقنصل سوريا العام ولا غرض له سوى البحث في مسائل الطائف والمدينة، وبعد أن زار الوفد مكة وتكلم مع السلطان فيما انتدب له عاد السفير إلى مصر وسافر القنصل "حبيب الله خان" عين الملك إلى المدينة ليتم مهمته.
أما إمام صنعاء يحيى حميد الدين المتوكل على الله فقد بعث برقيتين بواسطة قنصل إيطاليا بجدة، إحداهما للسلطان عبد العزيز والأخرى لعلي يطلب منهما إيقاف القتال واحترام الأراضي المقدسة، وأن يكون واسطة وحكمًا، وكان بعثهما في ٣/ ٤ منها، فأجاب علي وأبى السلطان وكان جوابه: إننا دعونا المسلمين لمؤتمر للبحث في أمر الحجاز، فنرجوا حضور مندوبكم معهم، وكان الموجب لقدوم هذه الوفود إشاعات بشعة تشاع عن ابن سعود، فلثقة العالم الإِسلامي به وبشاعة تلك
стр. 856
الإشاعات يبعثون للاطلاع ويأملون إيجاد صلح، لأن وفد إيران يتأكد من صحة ما أشيع عن ضرب القبة النبوية بالقنابل، وبعدما رحب به ابن سعود وأرسله إلى مكة في صحبة عبد الله الفضل بلغها في يوم الأربعاء ٣/ ٤ واتصل الوفد بكثير من الإيرانيين المجاورين حول البيت الحرام، وتبين الحقائق من أفراد الشعب، واقتنع بما باحوا به من الفارق العظيم بين العهد السعودي والعهد الهاشمي، وأنه لا صحة لما قيل من ضرب القبة النبوية بالقنابل، بل هو خبر مكذوب، فرجع مغتبطًا معرجًا على المدينة.
أما ملك مصر فؤاد الأول فقد تبودلت البرقيات بينه وبين ابن سعود وبينه وبين الشريف علي، فقد بعث البرقية لابن سعود.
١١ صفر ١٣٤٤ هـ - ٣٠ أغسطس ١٩٢٥ م عظمة السلطان عبد العزيز سلطان نجد: إن الحرب القائمة حول المدينة قد أقلقت خواطر المسلمين قاطبةً لما عساه يحدث من تأثيرها في الأماكن النبوية المقدسة التي نجلها جميعًا ونحافظ على آثارها المكرمة، ولا يخفى على عظمتكم ما لهذه الأماكن من الحرمة التي يجب أن تكون بعيدة عن كل أذى رغم ما يقتضيه أي نزاع أو خلاف، ولكن ما نعتقده في شديد غيرتكم الدينية لما يطمئن قلوبنا والمسلمين عامة على صيانة الحرم النبوي الشريف وآثار السلف الصالح بالمدينة والسلام عليكم ورحمة الله.
التوقيع فؤاد
" أجابه ابن سعود بما نصه ":
برقيًا ١٦ صفر ١٣٤٤ هـ - ٤ سبتمبر ١٩٢٥ م حضرة صاحب الجلالة ملك مصر المعظم الملك فؤاد دامت معاليه: إني أشكركم من صميم فؤادي على غيرتكم الدينية، واني أقدّر ما شرحتموه في برقيتكم حق قدره أن حرم المدينة كحرم مكة نفديه بأرواحنا وكل ما نملك، وأن ديننا يحمينا عن الإتيان بأي حدث في المدينة المنورة، وسنحافظ على آثار السلف وكل ما هو في المدينة بما يهم كل مسلم المحافظة عليه، إن العدو يحاول أن يشوه وجهة جهادنا بما يفتريه من الكذب والبهتان، يحاول
стр. 857
أن ينال بالبهتان ما عجز عنه بالسنان، ولكن الحق أبلج والله مؤيد دينه، وأخذ بناصية أهله ولو كره المبطلون، هذا وأرجو أن تقبلوا تحياتي واحتراماتي.
عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
أما الملك علي ففرح بتلك الغيرة وانتعش بها وبعث إليه بهذه البرقية:
١٣ صفر ١٣٤٤ هـ - أول سبتمبر ١٩٢٥ م صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم: أهدي جلالتكم الملوكية أعظم الشكر على غيرتكم الإِسلامية الجديرة بذاتكم العالية ومقامكم السامي فيما رغبتم فيه من تنزه البقاع المقدسة أن تكون ساحة قتال، ولا يستكثر ذلك من سليل محمَّد علي باشا الكبير الذي سبقت له خدمة هذه الديار المباركة في مثل هذه الكارثة نفسها مادة ومعنى، ونبرأ إلى الله أن يكون أحد منا نحن أبناء الحرمين الشريفين أراد القتال أو أخذ على الاستمرار فيه سواء ذلك في مكة المشرفة أو المدينة المنورة، وسنسجل على المتسبب مسؤولية ما تهدم فيها من الآثار، وما يزال يعنيها من آذى كجعل القبة الخضراء النبوية هدفًا للرصاص وسائر قبب وقبور آل البيت بالبقيع، وتخريب قبة سيدنا حمزة وهدم ضريحه الشريف طبقًا للأساس الذي قام عليه التوحيد، وبهذه المناسبة نؤكد لجلالتكم إننا قائمون بالواجب الديني والوطني من بذل النفس والنفيس في صيانة ما بقي من تلك الآثار وترميم ما خرب منه حتى يتم إخراج المعتدي بحول الله وقوته من الوطن المقدس كله، ونثق أن العالم الإِسلامي يشد أزرنا في ذلك وفي مقدمته جلالتكم الملوكية بصفتكم أكبر ملوك المسلمين وأعزهم غيرة على الله والدين، أدام الله جلالتكم مؤيدين بالتوفيق والنصر.
التوقيع: علي
إنَّ الشريف علي قد فضح نفسه باعتراضه على الدعوة الوهابية، فلو أنه اكتفى بمسبة خصمه لوجدنا مسوغًا وقلنا للرجل أن يقول ما شاء في عدوه المحنق عليه، إذ الهدف إنما هو التأليب عليه والتأشير وتشويه السمعة لا سيما في مثل هذه الحالة التي هي الطمع في الملك وانتزاعه من الآخر.
стр. 858
فأما إذا أوقع بالدعوة الوهابية التي هي الهدى المحمدي، فلا حبًا ولا كرامة، وقبّحه الله ومقته وأقصاه، ويكفيك ما أوقعه الله به من الهوان كيف كشف عورته بيديه وأظهر عيوبه للناظر إليه، ولما جاء وفد الملك فؤاد الذي أشرنا إليه، كان قدوم الوفد في يوم الاثنين ٣ ربيع الأول للفصل بين المتنازعين والحكم بين الفريقين مزودًا بكلام رقيق وخطاب رشيق كانت فرصة نادرة لابن سعود، فهو يحترم فؤادًا ويجله ويقدّره ويحترم مصر ويعترف لها بالزعامة والتفرد في الثقافة والحضارة ولا يستطيع أن يزور عنه مهما كانت الظروف والأحوال، غير أنه إذا كانت الوساطة بينه وبين الأشراف فلا، ذلك بأنه قد حار به للدين، وطالما كان معهم في شقاء وعناء، فوقع في حيرة أيقبل الوساطة أم كيف لا يرضى بوساطة مصر فيكون فيه بعض الجفاء! ولكنه وكل الأمر إلى أحد رجاله الممتازين وهو حافظ وهبة مصري الأصل، ومن علماء الأزهر، فقام المذكور بهمته يعالج الأمور بالحكمة والرفق والأناة، وبعد مفاوضة الوفد لحافظ وهبة اتفق بالسلطان فأرضى فؤاد ورد وساطته وقفل الوفد راجعًا في صباح الاثنين ١٠/ ٣، وقد قنع بنزاهة ابن سعود وبعد نظره وشرف غايته.
ولم تمض على سفر وفد مصر بضعة أيام حتى وصل إلى جدة وفد إنكليزي مؤلف من "الجنرال جلبرت كلايتون" والخواجة جورج، المفتش الأول في أدرة معارف فلسطين، وتوفيق بك السويدي مندوب العراق ومستشاره، وكاتب إنكليزي هو "المستر هارفي" أحد الموظفين بحكومة فلسطين، فاستبشرت حكومة جدة ظنًا منها أنه جاء لحل المشكلة بعد مبارحته الحسين للعقبة كما تقتضيه وعود الأمير عبد الله، فسهلت له أمر السفر إلى السلطان ابن سعود وأملت من ورائه خيرًا، وقد بعث السلطان لاستقباله حافظ وهبة من النزلة اليمانية، فسافر إلى بحرة في ٢٢ ربيع الأول، وعند وصول الوفد إلى بحرة استقبله عظمة السلطان بما يليق به من الاحترام، فكان أول كلمة قالها المندوب: أن بريطانيا لا تزال محافظة على حيادها التام في المسألة الحجازية النجدية، ولكنه يهمها أن تتفاهم معه على بعض أمور تتعلق بالعراق وشرق الأردن المشمولتين بالانتداب البريطاني، فأعرب له السلطان عن استعداده البحث في هذه الأمور، واستمر البحث بينهم خمسة
стр. 859
وعشرين يومًا حضر خلالها توفيق بك السويدي الذي تخلف عن زملائه بجدة، وأسفرت النتيجة عن وضع اتفاقيتين سنذكرهما برمتهما.
ذكر عقد الاتفاقيتين وإبرام المعاهدتين
وتسمى إحداهما اتفاقية بحرة والثانية أطلق عليها اتفاقية حداء، فأما اتفاقية بحرة فهي هذه نظرًا للمعاهدة المعقودة بين حكومتي العراق ونجد ابتغاء تأمين الصلات الحسنة بينهما والمعروفة بمعاهدة المحمرة التي قد وقعت في اليوم السابع من شهر رمضان المبارك سنة ١٣٤٠ هـ الموافق ٥ مايو سنة ١٩٢٢ م ونظرًا للبروتوكولين المعروفين بالبروتوكول رقم ١ والبرتوكول رقم ٢ اللذين أضيفا إلى معاهدة المحمرة المذكورة أعلاه والموقع عليهما في العقير في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الثاني المبارك سنة ١٣٤١ هـ الموافق ٢ ديسمبر ١٩٢٢ م، ونظرًا لإبرام المعاهدة والبروتوكولين المذكورين آنفًا طبقًا للعادة من قبل حكومتي العراق ونجد في المادة الأولى في معاهدة المحمرة المذكور بأن يمنع كل منهما عشائره عن التعدي على عشائر الحكومة الأخرى وأن يعاقب كل من الحكومتين من يتعدى عن العشائر التابعة للحكومة الأخرى وأن تتذاكر الحكومتان إذا حالت الظروف دون قيام إحداهما بالتأديب اللائق في إمكان اتخاذ تدابير مشتركة طبقًا للصلات الحسنة السائد بينهما ونظرًا لاعتقاد حكومة صاحب الجلالة البريطانية والحكومتين المذكورتين بأنه يحسن فهاتين الحكومتين حرصًا على الصداقة وحسن الصلات بين العراق ونجد وضع اتفاقية بخصوص بعض المسائل المعلقة بينهما.
نحن الموقعين أدناه سلطان نجد وملحقاتها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود والسر جلبرت كلايتون المندوب المفوض من قبل حكومة صاحب الجلالة البربطانية والمخول بأن ينوب عن الحكومة العراقية في الاتفاق والتوقيع، قد اتفقنا على المواد الآتية:
المادة الأولى: تعترف كل من دولتي العراق ونجد أن الغزو من قبل العشائر القاطنة في أراضيها على أراضي الدولة الأخرى اعتداء يستلزم عقاب مرتكبيه
стр. 860
عقابًا صارمًا من قبل الحكومة التابعة لها، وأن رئيس العشيرة المتعدية يعد مسؤولًا.
المادة الثانية:
أ- تؤلف محكمة خاصة بالاتفاق بين حكومتي العراق ونجد تلتئم من حين إلى آخر للنظر في تفاصيل أي تعدي يقع من وراء حدود الدولتين، ولإحصاء الأضرار والخسائر وتعيين المسؤولية، ويكون تأليف هذه المحكمة من عدد متساوي من ممثلي حكومتي العراق ونجد، وتعهد رئاستها إلى شخص آخر من غير الممثلين المذكورين تتفق على اختياره الحكومتان وتكون قرارات هذه المحكمة قطعية ونافدة.
ب- بعد تعيين المسؤولية وتحقيق الأضرار أو الخسائر الناشئة عن الغزو وإصدار المحكمة قرارها بذلك تقوم الحكومة التابع لها المحكوم عليه بتنفيذ القرار المذكور وفقًا لعادات العشائر، وكعاقبة المحكوم عليه كما جاء في المادة الأولى من هذه الاتفاقية.
المادة الثالثة: لا يجوز لعشائر إحدى الحكومتين اجتياز حدود الحكومة الأخرى إلا بعد الحصول على رخصة من حكومتهم وبعد موافقة الحكومة الأخرى مع العلم أنه لا يحق لإحدى الحكومتين أن تمتنع عن إعطاء الرخصة أو الموافقة إذا كان السبب في انتقال العشيرة لداعي المراعي عملًا بمبدأ حرية المرعى.
المادة الرابعة: تتعهد حكومتا نجد والعراق بأن تتفقا بكل ما لديهما من الوسائل غير الطرد واستعمال القوة في سبيل كل عشيرة أو فخذ من إحدى القطرين إلى الآخر إلا إذا جرى هذا الانتقال بمعرفة حكومتهم ورضاهما، وتتعهد الحكومتان بأن تمتنعا عن تقديم الهدايا أيًا كان نوعها للملتجئين من البلاد التابعة للحكومة الأخرى، وبأن تنظرا بعين السخط على كل شخص من رعاياهما يسعى لاستجلاب العشائر التابعين للحكومة الأخرى أو تشجيعهم على الانتقال من بلادهم إلى البلاد الأخرى.
المادة الخامسة: ليس لحكومتي العراق ونجد أن يتفاوضا مع رؤساء وشيوخ عشائر الدولة الأخرى في الأمور الرسمية أو السياسية.
стр. 861
المادة السادسة: لا يجوز لقوات العراق ونجد أن تتجاوز حدود بعضها البعض بقصد تعقب المجرمين إلا برضاء الحكومتين.
المادة السابعة: لا يجوز لشيوخ العشائر الذين لهم صفة رسمية أولهم رايات تدل على أنهم قواد لقوات مسلحة أن يظهروا راياتهم في أراضي الدولة الأخرى.
المادة الثامنة: إذا طلبت إحدى الحكومتين من عشائرها النازلة في أراضي الدولة الأخرى تجريدات مسلحة، فالعشائر المذكورة أحرار في تلبية دعوة حكومتهم على أن يرحلوا بعائلاتهم وأموالهم بكل سكينة.
المادة التاسعة: إذا انتقلت عشيرة من أراضي إحدى الحكومتين إلى الأراضي التابعة للحكومة الأخرى وشنت الغارات بعد انتقالها على البلاد التي كانت تقطن فيها يحق للحكومة التي تقيم العشيرة في أراضيها أن تأخذ منها ضمانات كافية حتى إذا تكرر منها مثل ذلك الاعتداء تكون هذه الضمانات عرضة للمصادرة وذلك عدى العقاب المنصوص عليه في المادة الأولى، وعدا ما قد تفرضه المحكمة المنصوص عليها في المادة الثانية من هذه الاتفاقية.
المادة العاشرة: تتعهد حكومتا العراق ونجد بأن تقوما بمذكرات ودية لعقد اتفاقية خاصة بشأن تسليم المجرمين طبقًا للعادات المرعية بين الدول المتحابة، وذلك في مدة لا تتجاوز السنة اعتبارًا من تاريخ التصديق على هذه المعاهدة من قبل حكومة العراق.
المادة الحادية عشرة: النص العربي هو النص الرسمي الذي يرجع إليه في تفسير مواد هذه الاتفاقية.
المادة الثانية عشرة: تعرف هذه الاتفاقية باتفاقية بحرة.
وقعت هذه الاتفاقية في مخيم بحرة في ١٤ من شهر ربيع الثاني سنة ١٣٤٤ هـ الموافق أول نوفمبر ١٩٢٥ م.
الإمضاء
وهذه اتفاقية حداء وهي بين نجد وشرقي الأردن
نظرًا للعلاقات الودية السائدة بن الحكومة البريطانية السامية من جهة وسلطنة
стр. 862
نجد وملحقاتها من جهة أخرى، ونظرًا لرغبتهما في تعيين الحدود بين نجد وشرقي الأردن وتسوية بعض المسائل المتعلقة بذلك اختارت الحكومة البريطانية السامية "السير جلبرت كلايتون" "كي بي أي سي بي سي أم جي" وعينته مندوبًا مفوضًا عنها ليعقد اتفاقية في هذا الشأن مع السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود تعاهدا على المواد الآتية:
المادة الأولى: يبتدي الحد بين نجد وشرقي الأردن في الجهة الشمالية الشرقية من نقطة تقاطع دائرة الطول ٣٩ شرقي ودائرة العرض ٣٢ شمالي حيث تنتهي الحدود بين العراق ونجد ويمتد على خط مستقيم إلى نقطة تقاطع دائرة الطول ٣٧ شرقي بدائرة العرض ٣٠/ ٣١ شمالي فيتبع دائرة الطول ٣٧ شرقي إلى نقطة تقاطعها بدائرة العرض ٢٥/ ٣١ شمالي ثم يمتد من هذه النقطة على خط مستقيم إلى نقطة تقاطع دائرة الطول ٣٨ شرقي بدائرة العرض ٣٠ شمالي تاركًا ما برز من أطراف وادي سرحان لنجد ثم يتبع دائرة الطول ٣٨ شرقي إلى نقطة تقاطعها بدائرة العرض ٣٥/ ٢٩ شمالي أما الخارطة التي يرجع إليها في هذه الاتفاقية فهي الخارطة المعروفة بالدولية آسيا، مقياس واحد على مليون.
المادة الثانية: تتعهد حكومة نجد بأن لا تقيم أي حصن في أي موضع كان وألا تستعملها والمنطقة في جوارها كنقطة عسكرية، أما إذا رأت حاجة في حين من الأحيان إلى اتخاذ تدابير استثنائية بجوار الحدود للمحافظة على الأمن أو لأي غرض آخر يستوجب حشد القوات العسكرية المسلحة فتتعهد بأن تخبر حكومة صاحب الجلالة البريطانية بذلك في أقرب وقت وعلاوة على ذلك تتعهد بأن تمنع قواتها من التعدي على أراضي شرقي الأردن بكل ما لديها من الوسائل.
المادة الثالثة: منعًا لسوء التفاهم الذي قد يحصل في الحوادث التي تقع قرب الحدود وتوثيقًا لعرى الثقة المتبادلة بين الطرفين والتعاون الكلي بين حكومة صاحب الجلالة البريطانية وحكومة نجد يتفق الطرفان على القيام بمذكرات متواصلة بين المعتمد البريطاني في شرقي الأردن أو مندوبه وبين حاكم وادي سرحان.
стр. 863
المادة الرابعة: تتعهد حكومة نجد بصيانة جميع الحقوق التي تتمتع بها في وادي سرحان القبائل غير التابعة لنجد سواء كانت حقوق الرعي أو السكن أو الملكية أو ما يشبه ذلك من الحقوق الثابتة بشرط أن تخضع تلك القبائل ما دامت نازلة ضمن حدود نجد للقوانين الداخلية التي لا تمس هذه الحقوق وتعامل حكومة شرقي الأردن نفس المعاملة رعايا نجد المتمتعين بحقوق ثابتة في شرقي الأردن شبيهة بالحقوق المذكورة.
المادة الخامسة: تعترف كل من نجد وشرقي الأردن أن الغزو من قبل العشائر القاطنة في أراضيهما على أراضي الحكومة الأخرى، اعتداء يستلزم عقاب مرتكبيه عقابًا صارمًا من قبل الحكومة التابعة لها وأن رئيس العشيرة المتعدية يعد مسؤولًا.
المادة السادسة:
أ- تؤلف محكمة خاصة بالاتفاق بين حكومتي نجد وشرقي الأردن تلتئم من حين إلى أخر للنظر لي تفاصيل أي تعد يقع من وراء الحدود ولإحصاء الأضرار والخسائر وتعيين السؤولية ويكون تأليف هذه المحكمة من عدد متساوي من ممثلي حكومتي نجد وشرقي الأردن وتعهد رئاستها إلى شخص آخر من غير الممثلين المذكورين تتفق على اختياره الحكومتان وتكون قرارات هذه المحكمة قطعية ونافذة.
ب- بعد تعيين المسؤولية وتحقيق الأضرار والخسائر الناشئة عن الغزو وإصدار المحكمة قرارها بذلك، تقوم الحكومة التابع لها المحكوم عليه بتنفيذ القرار المذكور وفقًا لعادات العشائر بمعاقبة المحكوم عليه كما جاء في المادة الخامسة من هذه الاتفاقية.
المادة السابعة: لا يجوز لعشائر إحدى الحكومتين اجتياز حدود الحكومة الأخرى إلا بعد الحصول على رخصة من حكومتهم وبعد موافقة الحكومة الأخرى مع العلم أنه لا يحق لإحدى الحكومتين أن تمنع عن إعطاء الرخصة أو الموافقة إذا كان السبب في انتقال العشيرة لداير المرعى عملًا بمبدأ حرية المرعى.
المادة الثامنة: تتعهد حكومتا نجد وشرقي الأردن بأن تقفا بكل ما لديهما من الوسائل غير الطرد واستعمال القوة في سبيل انتقال كل عشيرة أو فخذ من أحد القطرين إلى الآخر إلا إذا جرى هذا الانتقال بمعرفة حكومتهم ورضاها، وتتعهد
стр. 864
الحكومتان بأن تمتنع عن تقديم الهدايا أيًا كان نوعها للملتجئين من البلاد التابعة للحكومة الأخرى وبأن تنظرا بعين السخط إلى كل شخص من رعاياهما يسعى لاستجلاب العشائر التابعين للحكومة الأخرى أو تشجيعهم على الانتقال من بلادهم إلى البلاد الأخرى.
المادة التاسعة: ليس لحكومتي نجد وشرفي الأردن أن تتفاوضا مع رؤساء وشيوخ عشائر الحكومة الأخرى في الأمور الرسمية أو السياسية.
المادة العاشرة: لا يجوز لحكومتي نجد وشرقي الأردن أن تتجاوز حدود بعضها البعض بقصد تعقب المجرمين إلا برضا الحكومتين.
المادة الحادية عشرة: لا يجوز لشيوخ العشائر الذين لهم صفة رسمية أو لهم رايات تدل على أنهم قواد قوات مسلحة أن يظهروا راياتهم في أراضي الحكومة الأخرى.
المادة الثانية عشرة: على كل من حكومتي نجد وشرقي الأردن أن تمنح حرية المرور لجميع المسافرين والحجاج بشرط أن يخضع هؤلاء للقوانين الخاصة بالسفر والحج المرعية في نجد وشرقي الأردن وعلى كل من هاتين الحكومتين أن تخبر الحكومة الأخرى بأي قانون قد تسنه في هذا الخصوص.
المادة الثالثة عشرة: تتعهد حكومة صاحب الجلالة البريطانية أن تضمن حرية المرور في كل حين للتجار من رعايا نجد لقضاء تجارتهم بين نجد وسورية ذهابًا وإيابًا وأن تحصل على الإعفاء من الضرائب الجمركية وغيرها لجميع الأموال التي تجتاز منطقة الانتداب في مرورها من نجد إلى سوريا أو من سوريا إلى نجد على أن يخضع التجار وقوافلهم لما قد يلزم من التفتيش الجمركي وأن يكونوا حاملين وثيقة من حكومتهم تشهد أنهم تجار مشروعين، ويشترط أن تتبع القوافل التجارية ذات الأموال المحملة طرقًا معروفة سيتفق عليها فيما بعد للدخول في منطقة الانتداب والخروج منها مع العلم أن هذه القيود لا تسري على القوافل التجارية التي تقتصر تجارتها على الإبل والحيوانات ولا على العشائر التي تنتقل بمقتضى المواد السابقة من هذه الاتفاقية.
стр. 865
وتتعهد حكومة صاحب الجلالة البريطانية بأن تحصل على غير ذلك من التسهيلات الممكنة للتجار من رعايا نجد المارين بمنطقة انتدابها.
المادة الرابعة عشرة: تبقي هذه الاتفاقية نافذة ما دامت حكومة صاحب الجلالة البريطانية مكلفة بالانتداب على شرقي الأردن.
المادة الخامسة عشرة: قد دونت هذه الاتفاقية باللغة الإنكليزية واللغة العربية ووقع كلا الطرفين المتعاقدين نسختين من النص العربي ونسختين من النص الإنكليزي ويكون للنص قيمة رسمية واحدة، ولكن إذا وقع اختلاف بين النصين في تفسير مادة من مواد هذه الاتفاقية فيرجع إلى النص الإنكليزي.
المادة السادسة عشرة: تعرف هذه الاتفاقية باتفاقية حداء، وقعت هذه الاتفاقية في حداء في ١٥ من شهر ربيع الثاني ١٣٤٤ هـ الموافق ٢ نوفمبر ١٩٢٥ م.
الإمضاءات
ولما أن حصل الاجتماع بين العاهل العظيم صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود وبين مندوب بريطانيا "جلبرت كلايتون" أظهر ابن سعود أمام المندوب إعجابه بالإنكليز وسعة ملكهم فأجابه قائلًا أن ما ذكرت صحيح ولكن هذا الملك الواسع لم يؤسس إلا في مئات السنين ولكن يحق لنا نحن الإنكليز أن نعجب بك فإنك في ثلاثين سنة اقد أسست ملكًا واسعًا وإذا أطرد لك هذا الفتح وهذا التقدم فأظن أنه في نصف المدة التي أسسنا فيها ملكنا تؤسس أنت إمبراطورية مثل أو أكبر من إمبراطوريتنا وهذا ليس ببعيد إذا ساعدتكم تصرفات الزمان وأخذتم أنتم سنن المتقدم فإن أسلافكم العرب قد شيدوا إمبراطورية عظيمة في مدة قصيرة جدًا لم يعرف التاريخ مثلها.
ذكر تسليم المدينة المنورة
رجعنا إلى ذكر الحرب وما أصبح فيه الشريف علي، لما اشتدت الضائقة المالية به ويقومه حتى أضطر الملك علي لبيع سيفه وملبوساته لتأمين نفقة بيته، وأخذ
стр. 866
رجال حكومته يتشاورون معه فيما ينبغي عمله، وتوالت البرقيات من حامية المدينة بطلب الأرزاق اللازمة للجند وإلا اضطروا إلى التسليم فضاقت عليه الأرض كما رحبت ولم يجد ما يجيبهم به غير المطل والتسويف فبعث أمير المدينة "الشريف شحات" رسولًا إلى جلالة الملك عبد العزيز في بحرة واسم الرسول "مصطفى عبد العالي" بكتاب يعرض فيه التسليم على شرط أن يؤمن الأهلون والموظفون على أرواحهم وأموالهم ثم يسأل السلطان أن يرسل أحد أفراد العائلة السعودية لهذه الغاية فعاد السلطان إلى مكة وجهز نجله الأمير محمدًا فزحف بفرقة من الجند إلى المدينة في ٢٣ ربيع الثاني ودنا من أسوارها فلما عرض على الحكومة والأهالي ما كان قادمًا من أجله أبت قيادة الحامية التسلم لأنها كانت تنتظر المدد من جده، وقد أبرقت في ٥ جمادى الأولى إلى جلالة علي الشريف تقول الذي يهمنا الأرزاق للجند وعدتمونا بإرسال الدراهم المتيسرة بالطيارة وإلى الآن لم نرى أثرًا لها دبروا وأرسلوا لنا دراهم ولو بيع إحدى البواخر فترون منا ما يسركم.
وكان الأمير محمَّد بن عبد العزيز يشدد الحصار على المدينة بدون قتال عملًا بأوامر والده، فلما كان في ١٣ من هذا الشهر أبرقت القيادة إلى جلالة الملك علي بجدة تقول انقضى الأمر ولم يبق في اليد حيلة، الجنود ما عندهم أرزاق إلا لثلاثة أيام إذا لم تصل الطيارة غدًا الظهر فسنفاوض العدو.
الإمضاءات
عزت عبد الله عمير، عبد المجيد حمد
فجاء الجواب أنه يستحيل إرسال الطيارة قبل عشرة أيام لعدم وجود بنزين ثم مرت الأيام الثلاثة فنفدت مؤونة الحامية ومع ذلك فقد صبر الجنود ثلاثة أيام أخرى ثم في صباح الجمعة اضطر قائد حامية المدينة المنورة عبد المجيد المدفعي، ورئيس ديوان الإمارة عبد الله عمير، وعزت أفندي مدير الخط الحجازي إلى مفاوضة الأمير محمَّد بن عبد العزيز بكتاب طلبوا فيه ملاقاته فأرسل الأمير خيالة لاستقبالهم وقد فاوضوه بالتسليم على شرط أن يعطى الجنود والضباط والأهالي الأمان ويعلن العفو العام.
стр. 867
ولما كان في صباح اليوم ١٩ من جمادى الأولى الموافق ليوم السبت ٥ ديسمبر ١٩٢٥ م، سلمت المدينة المنورة بعد حصار دام عشرة أشهر واستراح أهلها من الحصار ودخلت تحت ولاية ابن سعود وقد استقبل أهلها الأمير محمَّد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود فدخلها وأم المسجد النبوي فصلى وسلم على قبر رسول الله ﷺ وقبري صاحبيه ثم غادر المسجد إلى دار الحكومة وبعد التحية والاستقبال وزع على أهلها ألف كيس من الأرز وألفي كيس من الدقيق بعث بها صاحب الجلالة والده إسعافًا لهم من المجاعة التي ذاقوا مرارتها وقت الحصار.
ذكر ما جرى على أهل جدة من الضيق وانحلال الحكومة الهاشمية
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وقال جل ذكره: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال عز من قائل: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، فنقول عم أهلها ضيق وعسر وشدة وانسدت منافذها من كل الوجوه وأصبح أهل جدة قد عمهم الضنك والبؤس وازداد العسر من كل الوجوه فكانوا في شر حال قد ضرب البوار أطنابه في الجنود وأصبحوا لا مال ولا ذخيرة ولا زاد يكفي لحفظ جند ولا مال في الأسواق ولا آمال تروح القلوب، وإذا كان الحجاز على ما يعمله كل من له دراية به مورده الحجاج فيه يعيش وبه يتحرك ويقوم فما بالك بأمة لم تروجه الحاج سنة ونصفًا وانقطعت عنها الأسباب وامتنع عنها ورود الرزق كيف تكون حالتها وكيف تعيش أمة هذه حالتها وصفتها على أن الملك عليًا لم ينظر إلى هذا كله بل لبث ينهب أموال الأهالي من أرزاق ودراهم وخشب، فيومًا ترى الضرائب، ويومًا ترى طلب الأرزاق إجباريًا، وطورًا يكلف الأمة أن تشتري ما تركه أبوه من عقار وأثاث، وهكذا تتشكل الضرائب على اختلاف أنواعها حتى أفقر الأمة وجعلها في حالة يرثى لها فترى البعض من أهل الطبقة الوسطى يجول في
стр. 868
الشوارع طالبًا ما يمسك الرمق ويسد الخلة، فكيف الفقراء الضعاف مع أن لدى وزرائه ورؤساء ديوانه المال الذي يكفيه هو وجنوده فلو أخذ منهم لما وقع عليه اللوم لأنهم لم يغتنوا إلا منه ولم يربحوا إلا باسمه.
ولما قلت المرتبات على الجند بدأ يقترض من التجار ثم لما أقرضوا ولم يوفوا ديونهم أبوا أن يقرضوا، ولما لم يجد الجند ما يسد به حاجته قاموا ينهبون كل ما يجدونه أمامهم ثم وجهوا قوتهم إلى محال الناس الخالية من السكان فكسروها وأخذوا أخشابها مما تحتويه من سقف وجدر وأرض وباعوها حتى خربوا محلات تبلغ قيمتها عشرين ألف جنيه وبعد ما نفد ما لدى الجند ولم يروا حيلة يقدرون عليها شرعوا يشحذون فتراهم في الشوارع زرافات ووحدانًا، ثم طالبوا ولاة أمورهم بمرتبهم فلم يلبوا فصاحوا وناحوا فلم يجابوا، فلما ضاقت صدورهم توجهوا بسلاحهم إلى دار الملك علي وبدءوا يطلقون الرصاص ليرهبوه وذلك بعد ما اضطر لبيع سيفه وملبوساته لتأمين نفقة بيته فخاف الملك ونزل إليهم ووعدهم لمدة أسبوع ولكنه لم يف فثار الجند من الجبهة الحربية في ١٣ جمادى الأولى ودخلوا البلدة وجالوا في الأسواق يطلقون الرصاص فهاجت الأهالي وماجت فبين فار ومختبئ وبين واقف يشاهد ما وصلت إليه الحالة، ثم دخلوا المسجد وأغلقوا الأبواب وأخرجوا البنادق من المنافذ فأتاهم وزير الحربية تحسين باشا الفقير فهددوه بالقتل فتوسطت قناصل الدول في المسألة وأخيرًا أتى إليهم الملك علي وأرضاهم على أن يسافروا إلى بلادهم فسافروا.
فسبحان القادر الذي له الأمر كله وله الحكم كله وبيده تدابير الأشياء، وهذه والله حالة يعجب لها غير أن الأمور مرهونة لأوقاتها ولو أنهم إذ وصلوا إلى تلك المشقة خرجوا وسلموا للمتغلب إذ لا محيد لهم عن ذلك لاستراحوا، غير أن الله وهو الحكيم في أمره وخلقه يرينا ذلك ويسمعنا لنعتبر ونعترف له بالوحدانية في التدبير، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، هذا والجنود النجدية قابعة في مكانها تدافع وتناضل غير وجلة ولا مشاغبة راضية بما يفعله ولاة أمرها.
стр. 869
ولقد كان العسر والمجاعة التي خيمت بين بيوت أهل جدة أشد عليهم من الحرب وكادت الأرزاق أن تنفد، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ثم أعلن صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن العفو العام وهو كل من كان في خدمة الحسين أو غيره هو في أمان الله إذا أراد أن يرجع إلى مكة.
وبما أن الطريق انفتحت بين أم القرى وجدة فقد أخذ يزداد عدد الفارين عن طريق الليث، ورابغ إلى أم القرى ونفر الجند إلى التمرد والعصيان خصوصًا من ضباط وجنود إذا هم أحبوا الخروج إلى معسكره، وعرض فوق ذلك المساعدة المالية على من أحب منهم السفر إلى وطنه وكان لهذا البلاغ التأثير السريع المطلوب فسرحت القيادة الهاشمية عددًا كبيرًا من الجنود الفلسطينيين وسافروا إلى العقبة وعاد الإخوان إلى معسكرهم في الرغامة وفي سفح الجبال بأمر السلطان عبد العزيز يقودهم أخوه عبد الله وابنه الأمير فيصل.
وكان صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن كثيرًا ما يقول في مجالسه الحربية التي كان يحضرها أمراء الجيش والعلماء، ثلاثة أخرتني عن الهجوم وحملتني على تفضيل الحصار على القتال وهي: الحرص على جنودي، والمحافظة على الأجانب، والفرصة المنتظرة، أضف إلى ذلك ثقته بالنتيجة المرغوبة فيما أقدم عليه كيف وقد دنت تلك الفرصة وحان وقتها، فوا أسفًا للملك علي هذه فرص النصر تنقص يومًا فيومًا والإخوان قد طوقوا بلاد جدة وجنوده يهددونه ويطالبونه بالنفقة فهل يجيء هذا اليوم بالسلم، أم بالهجوم العام هيهات لا مفر ولا محيص أين من يكشف الغمة إذ ليس في وسع أحد أن يجيب السؤال غير واحد في القيادة العامة كلها، ألا وهو السلطان عبد العزيز فلا تسأل عن حالة علي فقد كانت حواسه في اضطراب دائم وأعصابه في هياج مستمر مما كان يسمعه ويشاهده في قصره وفي حكومته وفي جنده وفي بلده كل يوم بل كل ساعة فلم ير مهربًا والحالة هذه من ذلك العمل الأخير الذي فيه راحة باله في الأقل وصون صحته وشرفه، ففكر في هذا الأسبوع ورأى أن جميع المصائب التي حلت به وبأبيه إنما جاءت من قبل أخيه عبد الله الذي
стр. 870
كان يزين لأبيه محاربة ابن سعود وقومه والاستخفاف بهم وهو الذي قال بضرورة إبعاد الحسين عن العقبة وزين له إبعاده أيضًا عن البحر الأحمر وتبين له أنه لم يقصد إلا تثبيت العقبة لنفسه، ورأى أن أخاه الثاني فيصل كان يدعو إلى مسالمة ابن سعود وينقم على سياسة والده وأخيه عبد الله ويتنبأ بكل ما حصل، وقد صارح والده بحقيقة الإنكليز وأنه لا أمل في مساعدتهم له.
ولقد حنق علي على أخويه عبد الله وفيصل لعدم اهتمامهما بأمره وتقصيرهما في إمداده بالمال اللازم لبلدتين صغيرتين هما المدينة، وجدة إذ الواجب يقضي على أخويه بمساعدته ولو من مالهما الخاص إن لم يكن في خزينة الدولة ما يؤمن حربهما، وجعل يفكر ماذا يكون مصيره إذا هو سلم البلاد لخصمه وأين يقيم ومن أين ينفق على أهله إذ لا يوجد لديه من حطام الدنيا ما يمكن أن يعتمد عليه، أيسلم نفسه إلى خصمه ابن سعود، إنها لكبيرة عليه فالموت أحب إليه أم يذهب إلى أبيه وهو أشبه بأسير في يد الإنكليز، أم يذهب إلى أخويه وقد ضنا عليه بالمساعدة في كل شيء، ثم دعا برجال حكومته واعترف أمامهم ببعد نظر أخيه فيصل وأنه قرر أن يبرق له يستفتيه في الموضوع فجاءه الرد منه يدعوه إلى تشريف العراق إلى أن تنجلي السحب وتتحسن الأحوال فتلى عليهم البرقية وأخبرهم أنه لذلك قرر السفر إلى العراق، فلما كان في مساء الثلاثاء الموافق ٢٩ جمادى الأولى جاء إلى دار الاعتماد البريطاني يعرض على المعتمد البريطاني أن يتوسط في الصلح حقنًا للدماء ودفعًا للعسر المستحوذ على البلد والأهالي ثم ذكر له شروط الصلح والباعث له على ذلك أنه لم ير بدًا من التسليم فقبل المعتمد البريطاني هذه المهمة وأبرق إلى حكومته في الحال يستأذنها بالتوسط وبعد أن أخذ الرخصة من حكومته أرسل أحد موظفي دائرته واسمه "منشي إحسان الله" بكتاب إلى السلطان عبد العزيز، وكان السلطان قد خرج في ظهر اليوم ٣٠ من جمادى الأولى من مكة قاصدًا مقره الحربي في الرغامة قد امتطى سيارته وتبعته الحاشية وفصيلة من الجند، فلما كان في منتصف الطريق التقى بسيارة قادمة من جدة وهي تنشر العلم البريطاني وفيها
стр. 871
رجل يلوح بالعلم الأبيض فوقفت سيارة السلطان ونزل الرجل من سيارته فإذا هو رسول المعتمد يحمل هذا الكتاب وإليك نصه:
عدد ٢٥ جدة في ١٦ ديسمبر ١٩٢٥ م:
حضرة صاحب العظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود سلطان نجد بعد الاحترام مراعاة للإنسانية ولأجل تسهيل عودة السلام والرفاهية في الحجاز أكون مسرورًا إذا تفضلتم عظمتكم بالموافقة على مقابلتي في الرغامة غدًا يوم الخميس قبل الظهر أو بعد ذلك بأسرع ما يمكن هذا وتفضلوا بقبول وافر التحية وعظيم الاحترام.
نائب معتمد وقنصل بريطانية العظمى - وكيل قنصل جوردن
فلما وصل السلطان إلى الرغامة أجاب بهذا الجواب: الرغامة ٣٠ جمادى الأولى ١٣٤٤ هـ.
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى سعادة المعتمد البريطاني "المستر جوردن" المفخم تحية وسلامًا قد تناولت كتابكم المؤرخ في ١٦ ديسمبر ١٩٢٥ م وفهمت ما تضمنه وقد حضرنا لمقابلتكم في المحل الذي يخبركم به "المنشي إحسان الله" هذا وتقبلوا فائق احتراماتي.
الختم السلطان.
سمع بعض الأهالي عن وساطة القنصل الإنكليزي في الأمر فأبوا ذلك وذهبوا لدار علي واحتجوا وطلبوا أن يسلمهم البلاد وهم يسلمونها لابن سعود ولا دخل ولا وساطة لأجنبي في بلادهم فوعدهم وأخلف.
ولما كان صباح الخميس من الغد غرة جمادى الثانية في الساعة العاشرة وصل المعتمد البريطاني إلى مقر السلطان في الرغامة موضع الاجتماع وبعد ما تشرف بمقابلة السلطان قال بعد التحية: أن الحكومة البريطانية لا تزال مقيمة على الحياد في قضية الحجاز ولكنه بالنظر إلى ما تجسم من حالة جدة وبالنظر لمعرفة أن عظمتكم يفضل السلم على الحرب ويرغب في راحة المسلمين وحقن دماء الأجانب فبناء على طلب الملك علي وحكومته التسليم أتوسط في تقديم شروطه وهذا لغاية إنسانية صافية، فلما ألقيت الشروط بين يديه أقرها بعد التعديل في شيء منها.
стр. 872
اتفاقية تسليم جدة في سبعة عشر تعهدًا نسجلها أمام القارئ:
١ - بالنظر لتنازل الملك علي ومبارحته للحجاز وتسليم بلدة جدة يضمن السلطان عبد العزيز لكل الموظفين الملكيين والحربيين، والأشراف وأهالي جدة عمومًا والعرب والسكان القبائل سلامتهم الشخصية وسلامة أموالهم.
٢ - يتعهد الملك علي أن يسلم في الحال أسرى الحرب الموجودين بجدة إن وجد.
٣ - يتعهد السلطان عبد العزيز بأن يمنح العفو العام لكل المذكورين أعلاه.
٤ - يجب على جميع الضباط والعساكر أن يسلموا في الحال إلى السلطان عبد العزيز جميع أسلحتهم من بنادق ورشاشات ومدافع وطيارات وخلافه وجميع المهمات الحربية.
٥ - يتعهد الملك علي وجميع ضباطه بأن لا يخربوا أو يتصرفوا في أي شيء من الأسلحة والمهمات الحربية جميعها.
٦ - يتعهد السلطان عبد العزيز بأن يرحل كافة الضباط والعساكر الذين يرغبون في العودة إلى أوطانهم ويتعهد بإعطائهم المصاريف اللازمة لسفرهم.
٧ - يتعهد السلطان عبد العزيز أن يوزع بنسبة معتدلة على كافة الضباط والعساكر الموجودين بجدة مبلغ خمسة آلاف جنيه.
٨ - يتعهد السلطان عبد العزيز أن يبقي جميع موظفي الحكومة الملكيين الذين يجد فيهم الكفاءة في تأدية واجباتهم بأمانة في مراكزهم.
٩ - يتعهد السلطان عبد العزيز أن يمنح الملك علي في أن يأخذ معه من الأمتعة الشخصية التي في حوزته كما في ذلك سيارته وسجاجيده وخيوله.
١٠ - يتعهد السلطان عبد العزيز أن يمنح عائلة آل الحسين جميع ممتلكاتهم الشخصية في الحجاز بشرط أن هذه الممتلكات تكون فعلًا من الورثة ولا تشتمل على الأملاك الثابتة المحولة من الأوقاف بمعرفة الحسين إلى شخصه ولا على المباني التي يكون الحسين قد بناها في أثناء ملكه لما كان ملكًا على الحجاز.
١١ - يتعهد الملك علي أن يبارح الحجاز قبل يوم الثلاثاء المقبل مساء.
стр. 873
١٢ - جميع البواخر التي في ملك الحجاز وهي الطويل، ورشدي، والرقمتين، ورضوى، تصير ملكًا للسلطان عبد العزيز ولكن السلطان يسمح إن لزم الأمر للباخرة "رقمتين" أن تستعمل لنقل الأمتعة الشخصية التابعة للملك علي المتنازل ثم ترجع.
١٣ - يتعهد الملك علي ورجاله وسكان جدة بأن لا يبيعوا أو يخربوا أي شيء من أملاك الحكومة مثل اللنشات والسنابيك وخلافه.
١٤ - يتعهد السلطان عبد العزيز أن يمنح جميع السكان والضباط والعساكر الموجودين بينبع الحقوق والامتيازات المذكورة سابقًا إلا فيما يختص بتوزيع النقود.
١٥ - يتعهد السلطان عبد العزيز أن يمنح العفو للأشخاص المذكورة أسمائهم أدناه أيضًا ضمن العفو العام، وهم عبد الوهاب، ومحسن، وبكري أبناء يحيى قزاز، والشيخ محمَّد علي صالح بتاوي وإخوانه إبراهيم، وعبد الرحمن بتاوي أبناء محمَّد علي صالح بتاوي، وأبنائهم وأبناء عمهم حسن، وزين بتاوي، وأبناء محمَّد نور، والشيخ يوسف خشيرم، والشيخ عباس ولد يوسف خشيرم، والشيخ ياسين بسيوني، والسيد أحمد السقاف وعائلات وأموال جميع المذكورين آنفًا.
١٦ - إن كان الملك علي أو رجاله في حال من الأحوال يخالفون أو يقصرون في تنفيذ أي مادة من المواد التي تقدم ذكرها فإن السلطان عبد العزيز لا يعتبر نفسه في تلك الحالة مسؤولًا عن تأدية ما عليه من هذه الاتفاقية.
١٧ - يتعهد الطرفان السلطان عبد العزيز والملك علي أن يكف عن أي حركة عدائية أثناء سير هذه المفاوضات.
الخميس في ١ جمادى الثانية ١٣٤٤ هـ الموافق ١٧ ديسمبر ١٩٢٥ م.
الإمضاءات
أمضى هذه الاتفاقية السلطان في عصر اليوم المذكور وأمضاها علي مساءً في الساعة السادسة ليلًا، واعتبرت نافذة المفعول من ذلك الوقت، ثم مضى بعد هذه الاتفاقية ثلاثة أيام هادئة قد سادت الطمأنينة فيها.
стр. 874
ولما كان في صباح يوم الأحد الموافق ٤ جمادى الثانية ركب الشريف علي زورقًا إلى الباخرة "كورن فلاور" التي أقلت والده من العقبة إلى قبرص، وعاد المعتمد في مساء ذلك اليوم إلى الرغامة ليخبر السلطان بأن الأمير عليًا في الباخرة وأنه قرر السفر إلى عدن ومنها إلى العراق، ثم إنه أحضر من الغد صباحًا "عبد الله زينل" قائم مقام جدة، وكان قد جعله علي الشريف رئيسًا للحكومة المؤقتة، وأحضر أيضًا رئيس العسكرية الضابط "صادق" فخاطب السلطان قائلًا: إن مهمته في التوسط قد انتهت وأنه يقدم رئيس الملكية، ورئيس العسكرية ليكونا مسؤولين أمام عظمته، ثم عاد الوكيل إلى جدة وظل الرئيسان عند السلطان للمذاكرة في تسليم ممتلكات الحكومة.
وقد كتب علي الشريف أشعار لقناصل الدول عن سفره وهذا نص ما كتبه، معتمد بريطانيا، معتمد السوفيت، قنصل إيطاليا، قنصل فرنسا، قنصل هولندا، قنصل إيران، قنصل مصر:
حضرة صاحب السعادة بعد التحية التكريم حبًا للسلامة وصيانة الأموال والأرواح وحقنًا للدماء وتقصيرًا لمدة الحرب التي نال البلاد منها شقاء وخرابًا وعناء رجحت الانسحاب وقررت السفر من جدة يوم الثلاثاء الموافق ٦ جمادى الثانية ١٣٤٤ هـ الموافق ديسمبر ١٩٢٥ م، وشكلت حكومة مؤقتة أهلية لإدارة الشؤون والأمور تحت رئاسة قائم مقام جدة الشيخ "عبد الله علي رضا" مع بقاء كبار الموظفين والأهلين ولإحاطة علم سعادتكم سارعنا بتحرير ٣ جمادى الآخر ٤٤، علي ثم إنه نشر منشورًا عند سفره ذكر في هذا المنشور خطته في هذه الحرب ونحن نسوقه بحروفه، "المنشور":
إلى جيشي الباسل وشعبي الكريم إني أحمد الله حمدًا كثيرًا وأشكره شكرًا جزيلًا في السراء والضراء منذ تشرفت بالقدوم إلى هذه البلاد المقدسة مع جلالة والدي حرسه الله، وأنا أعتبر نفسي فردًا من أفرادها العاملين لخدمة وطني وبلادي وعندما قضت إرادته جل شأنه بتحول مركز البلاد من الحكومية إلى الحاكمية بنهضتها المعلومة التي نالت بها استقلالها التام ودخلت في صفوف الدول
стр. 875
المستقلة من الحقوق في الداخل والخارج بفضل جهاد أبنائها وما سفكوه فيها من الدماء الغالية كنت متنقلًا في فيافيها وصحاريها مفارقًا لأهلي وأولادي مدة بعد مدة وفرقة أشر فرقة مجاهدًا كجندي يؤدي واجباته لوطنه وبلاده وعامل لطمأنينتها وراحة سكانها متبعًا كل مسلك يوصل إلى الوفاق والاتفاق والاتحاد ما استطعت يعلم كل ذوي الفنون العالية من ذوي الاختصاص في الداخل حتى جاء اليوم الذي تنازل فيه جلالة والدي عن الأمر فكلفتموني بتولي الأمر بعده في ذلك اليوم العصيب والخطب العظيم والعدو على الأبواب وأصررتم علي كل الإصرار بالقبول ورغمًا عن إرادتي لعدم قبول هذا الأمر وتحمل أعبائه الثقيلة الخطيرة لما عرفته من فقدان كل الوسائل اللازمة لمثل هذا الموقف الشريف الرهيب وتكرر رفضي لتوليه، قبلته مستعينًا بحوله تعالى وقوته قيامًا بواجبي أمام بلادي وأهل بلادي ووطني وشعبي الكريم ومعتمدًا على غيرتكم وحبكم لبلادكم وتعهدكم بمعاضدتي ومساعدتي بالمادة والمعنى ونهضت مستمدًا من لدن العزة الأحدية العون والتوفيق مشمرًا عن ساعدي الجد مرتديًا برداء الثبات والصبر وأعددت للحرب عدتها وأحضرت كلما في إمكاني مما رأيتموه من جند وأسلحة وسهرت الليالي الطوال وصابرة هذا الحرب وما انتابها من العقبات داخلًا وخارجًا حتى فزتم والحمد لله وانهزم عدوكم من عموم ساحات القتال التي نازلكم فيها بفضل ثبات وجهاد جندكم الباسل الصادق الأمين وصبرتم يا أهل هذه البلاد معي على الكوارث وشاطرتموني في ويلاتها ومشاقها وشقاقها وخسائرها مما جعلني مديونًا لواجبكم إلى الممات ومسارعًا لإزالة هذه الحالة السيئة التي سببها العدو والذي لا ناقة له فيها ولا جمل.
وبعد أن حاولت قطعها بكل الوسائل السلمية ولم يرد عدوكم إلا أن يتملككم ويغتصب بلادكم ويقضي على استقلالكم صممت على التجاوز على عدوكم لإخراجه من بلادكم وقطع دابر هذه الحرب التي جعلت البلاد في حالة البؤس والشقاء لكن نفد كل ما في اليد من المال مما أملكه وأعنتموني وجلالة
стр. 876
والدي به، واستهلك كلما في القدرة والمستطاع ولم نجد مساعدًا على دفاعنا عن أوطاننا وبلادنا، وحرم الله المقدس، وقبر نبيه الشريف، مما حل بها لا بالمال ولا بالعمل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، إلى أخر الأمر الذي أزعجني عن إتمام واجبي أمام الله، وأمامكم وأمام جندكم الباسل وأمام بلادي العزيزة ووطني الشريف المقدس، فها أن اليوم مضطر لأن أصرح لكم بأن لهذه الاعتبارات، وحبًا في رفع ما سببته هذه الحرب الضروري من الضرر والوبال على البلاد وحقنا لما تسببه لو طالت من سفك الدماء والأنفس الغالية وفتحا للباب الذي أو صد بسببها في وجه الوفاد والقصاد رجحت الانسحاب من الحرب، ودخلت في مفاوضة تضمن السلام وتصون الحقوق لكم جميعًا، فكونوا على معلوم، فآمركم وأرجوكم تطبيق كل ما جرى عليه القرار وتنفيذه لحفظ السكينة والحقوق العمومية والشخصية، وإني أرجو لكم مستقبلًا حميدًا وراجيًا منكم الصفح عن الزلات والخطأ والهفوات، وإني أشكركم من صميم فؤادي وخصوصًا من وقف إلى الآن بهذه البلدة التي لها الصفحة البيضاء في تاريخها المجيد، بل الأمة العربية أجمع تشكركم على ثباتكم الشريف ووقوفكم الحميد ونضالكم الحسن دون استقلال بلادكم وتمتع شعبكم وتطلبكم في قضيتكم المقدسة التي لا تنسى لكم بين دفتي التاريخ، تلك القضية التي ستبقى لكم لؤلؤة بيضاء تلمع في جبين الدهر وجوهرة نقية تضيء في تاج هذا العصر، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا، وقد شكلت حكومة مؤقتة أهلية للنظر في الأمور، يرأسها قائم مقام "الشيخ عبد الله زينل" مع بقاء جميع كبار الوظفين الأهليين.
نسأله تعالى أن يلطف بنا وبعباده المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أنه على ما يشاء قدير وإني أستودعكم الله وأودعكم بعينه التي لا تنام وقد قمت بواجي والله ولي ووليكم في كل حال وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
علي بن الحسين
стр. 877
ثم أبحرت الباخرة "كورن فلاور" في صباح يوم الثلاثاء الموافق ٦ جمادى الثانية تقل علي بن الحسين إلى المنفى الذي اختاره لنفسه، هذه آخرة الحسين وآله من الحجاز، فسبحان من لا انقضاء لملكه ولا نهاية لأبديته.
فيا عجب لتصرم الليالي والأيام ومداولتها الملوك والحكام، تالله إنها لعبرةً لمن له أذن واعيه وآية يتفكر فيها من نفسه لله خاشية.
رجعنا إلى ذكر ابن سعود وما ألان الله له الصعوبات، ولله الحكمة البالغة والحجة الدامغة وهو أعلم حيث يجعل رسالاته إذ هو الحكيم العلم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ولقد ظهرت محاسن نوايا ابن سعود وما تكنه نفسه الطيبة من مكارم الأخلاق ومعالي الشيم بحيث لو أتاه علي بن الحسين سامعًا مطيعًا يدين له بالإخلاص والوفاء لأقره على إمارته أو لجعله موضع الإكرام، كما عامل أمراء آل رشيد وعسير وغيرهم من الأعداء الذين غمرهم بمعروفه وعطفه، حتى ملك قلوبهم وستر عيوبهم.
ذكر ما جرى من التدابير بعد فتح جدة
في صباح يوم الثلاثاء الموافق ٦/ ٦ أرسل عظمة السلطان طليعة من جيشه إلى جدة وهم عبد العزيز العتيبي، ويوسف ياسين، وخالد الحكيم، وحسن بك، وفقي، فاستلموا ما نصت عليه الاتفاقية ومن الغد أعني ٧ منه نقل الإمام عبد العزيز من الرغامة إلى الكندرة، وكان قد تقدمه فريق من جند المشاة ورهط من الخيالة بقيادة أخيه عبد الله بن عبد الرحمن، وكان موضع الكندرة محلًا داخل الأسلاك الشائكة بالقرب من البلدة، فرفع العلم السعودي وأطلق مائة مدفع ومدفع تحية البلاد واستقبله الأهلون يهرعون وقناصل الدول، ثم جلس السلطان عبد العزيز للوفود المسلمين والمهنئين في ذلك السرادق الذي أعده الأهالي بجهة الكندرة لاستقبال عظمته، وأخذ رئيس الحكومة المؤقتة "عبد الله زينل" يقدم لعظمته قناصل الدول ومندوبي الشركات الأجنبية، ثم ضباط الجند ثم أعيان المدينة، وقد تكلم قنصل إيطاليا "السنيور فارس" باللغة العربية مهنئًا السلطان بهذا الكلام.
стр. 878
نظرًا لكوني كبير القناصل سنًا تقدم بالنيابة عن نفسي وبالوكالة عن رفاقي بتقديم تهنئتنا لعظمتكم بدخولكم جدة في هذه الطريقة السلمية التي حقنت بها الدماء ونتمنى لعظمتكم التوفيق الدائم والسعادة، فأجابه السلطان قائلًا أنه لم يبطئ في الأعمال الحربية ألا لهذه النتائج السلمية، ثم شكر للمعتمد البريطاني مسعاه وأعرب للقناصل عن سروره بما كان من موقفهم في الانقلاب الأخير فتم سلمًا كما تمناه، ثم أقام بقية يومه في الكندرة ودخل جدة في صباح الخميس الموافق ٨ من الشهر المذكور ونزل في دار الوجيه العالم الشيخ "محمَّد نصيف" وهرع له الأهلون أفواجًا أفواجًا لمقابلته وألقت الخطباء أمامه الخطب والأناشيد، وكان ما بين يوم إشرافه على الرغامة للحرب ويوم دخولها تحت رعايته سنة واحدة كاملة، ثم إنه باشر العمل بعد ذلك في إعادة اليسر والطمأنينة إلى الحجاز، وفاه عظمته عن رأيه نحو البلاد ودعى الناس إلى الوئام، ثم نشر هذا المنشور.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" بلاغ عام "
من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل السعود إلى إخواننا أهل الحجاز سلمهم الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإني أحمد الله إليكم وحده الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وأهنئكم وأهني نفسي بما من الله به علينا وعليكم من هذا الفتح الذي أزال الله به الشر وحقن دماء المسلمين وحفظ أموالهم وأرجو من الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويجعلنا وإياكم من أنصار دينه ومتبعي هداه.
إخواني تفهمون أني بذلت جهدي وما تحت يدي في تخليص الحجاز لراحة أهله وأمن الوافدين إليه طاعة لأمر الله قال جل من قائل: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ
стр. 879
بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ولقد كان من فضل الله علينا وعلى الناس أن ساد السكون والأمن في الحجاز من أقصاه إلى أقصاه بعد هذه المدة الطويلة التي ذاق الناس فيها ضر الحياة وأتعابها ولما منَّ الله بما منَّ من الفتح السلمي الذي كنا ننتظره ونتوخاه أعلنت العفو العام عن جميع الجرائم السياسية في البلاد، وأما الجرائم الأخرى فقد أحلت أمرها للقضاء الشرعي لينظر بما تقتضيه المصلحة الشرعية في العفو، وإني أبشركم بحول الله وقوته أن بلد الله الحرام في إقبال وخير وأمن وراحة، وإنني إن شاء الله تعالى سأبذل جهدي فيما يؤمن البلاد المقدسة ويجلب الراحة والاطمئنان لها، لقد مضى يوم القول ووصلنا إلى يوم البدء في العمل فأوصيكم ونفسي بتقوى الله واتباع مرضاته والحث على طاعته فإنه من تمسك بالله كفاه ومن عاداه والعياذ بالله باء بالخيبة والخذلان، إن لكم علينا حقوقًا، ولنا عليكم حقوق، فمن حقوقكم علينا النصح لكم في الباطن والظاهر واحترام دمائكم وأعراضكم وأموالكم إلا بحق الشريعة، وحقنا عليكم المناصحة، والمسلم مرآة أخيه، فمن رأى منكم منكرًا في أمر دينه ودنياه فليناصحنا فيه، فإن كان في الدين فالمرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن كان في أمر الدنيا فالعدل مبذول إن شاء الله للجميع على السواء.
إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزغات الشياطين والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار فإني لا أراعي في هذا الباب صغيرًا ولا كبيرًا وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره، هذا ما يتعلق بأمر اليوم الحاضر، وأما مستقبل البلد فلا بد لتقريره في مؤتمر يشترك المسلمون فينا فيه مع أهل الحجاز لينظروا في مستقبل الحجاز ومصالحها، وإني أسأل الله أن يعيننا جميعًا ويوفقنا لما فيه الخير والسداد، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
تحريرًا بجدة في ٨ جمادى الثانية سنة ١٣٤٤ هـ
عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود
لقد دعا جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن لتقرير مصير الحجاز العالم
стр. 880
الإِسلامي، وكررها مرارًا ثم عززها في ١٠ ربيع الثاني من هذه السنة بكتاب خاص أرسله إلى الحكومات والشعوب الإِسلامية فكانت صرخة في واد لم يلبها أحد غير فريق من مسلمي الهند وجمعية الخلافة هناك، ولكن أولئك يريدون للحجاز مالا يريده أهله ولا يوافق عليه الحجازيون فما كان هذا الرأي مقبولًا لدى الشريفيين ولا السعوديين، بل الحجاز للحجازين هي كلمة الجميع.
ولما أن أحب أهل الحجاز ابن سعود ووجدوا لديه أسمى الأخلاق وأكملها وذاقوا حلاوة الحرية كان يقض مضاجعهم ما يسمعونه من نشراته للعالم الإِسلامي يدعوهم إلى عقد مؤتمر يقرر مصير الحجاز لذلك قام الأعيان من أهالي جدة ورؤسائها وذهبوا إلى مكة المكرمة فاتفقوا بأعيانها ورؤسائها وجرت مفاوضة اتفقوا في آخرها على بيعة ابن سعود بأن يكون ملكًا على الحجاز لكلماته الخالدة وهي: أنا منكم وأنتم مني، أنا بذمتكم وأنتم بذمتي، وقوله: "إن أهل مكة أدرى بشعابها" فأنتم أعلم ببلادكم من البعيدين عنه وما أرى لكم أحسن من أن تلقى مسؤوليات الأعمال على عواتقكم، وخافوا من أحكام المعاهدة التي بينه وبين بريطانيا أن تمس بالحجاز وهم يريدون استقلاله عن الإنكليز، وبعدما اتفقوا بالسلطان أعربوا له عن ما تكنه ضمائرهم فقرر بأن يكون ملكًا على الحجاز وسلطان على نجد وملحقاتها، فأذاع ابن سعود ذلك وبعثه بلاغًا رسميًا ذكر فيه ما معناه بأنه قد بلغ القاصي والداني ما كان من أمر الحسين وأولاده الأمر الذي اضطرنا إلى امتشاق الحسام دفاعًا عن أرواحنا وأوطاننا ودفاعًا عن حرمات الله ومحارمه، وبعدما بذلت النفس والنفيس في هذا السبيل يسر الله فتح البلاد واستتب الأمن فيها، وبعدما أذعت غير مرة للحكوم الإِسلامية ونشرت كتابًا في سائر صحف العالم ومضى مدة لم أتلق جوابًا من أحد جاءني أهل الحجاز جماعات ووحدانا يطلبون مني أن أمنحهم حريتهم التي وعدتهم بها في تقرير مصيرهم فلم يسعني أمام طلباتهم المتكررة إلا أن أمنحهم هذه الحرية ليقرروا في شأن بلادهم ما يشتهون بعد ما ظهر من العالم الإِسلامي هذا الصد والأعراض وأمضى عليه.
مؤرخًا في ٢٢ جمادى الثانية من هذه السنة
следующие страницы →