Полный текст (2 873 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
والدي به، واستهلك كلما في القدرة والمستطاع ولم نجد مساعدًا على دفاعنا عن أوطاننا وبلادنا، وحرم الله المقدس، وقبر نبيه الشريف، مما حل بها لا بالمال ولا بالعمل بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، إلى أخر الأمر الذي أزعجني عن إتمام واجبي أمام الله، وأمامكم وأمام جندكم الباسل وأمام بلادي العزيزة ووطني الشريف المقدس، فها أن اليوم مضطر لأن أصرح لكم بأن لهذه الاعتبارات، وحبًا في رفع ما سببته هذه الحرب الضروري من الضرر والوبال على البلاد وحقنا لما تسببه لو طالت من سفك الدماء والأنفس الغالية وفتحا للباب الذي أو صد بسببها في وجه الوفاد والقصاد رجحت الانسحاب من الحرب، ودخلت في مفاوضة تضمن السلام وتصون الحقوق لكم جميعًا، فكونوا على معلوم، فآمركم وأرجوكم تطبيق كل ما جرى عليه القرار وتنفيذه لحفظ السكينة والحقوق العمومية والشخصية، وإني أرجو لكم مستقبلًا حميدًا وراجيًا منكم الصفح عن الزلات والخطأ والهفوات، وإني أشكركم من صميم فؤادي وخصوصًا من وقف إلى الآن بهذه البلدة التي لها الصفحة البيضاء في تاريخها المجيد، بل الأمة العربية أجمع تشكركم على ثباتكم الشريف ووقوفكم الحميد ونضالكم الحسن دون استقلال بلادكم وتمتع شعبكم وتطلبكم في قضيتكم المقدسة التي لا تنسى لكم بين دفتي التاريخ، تلك القضية التي ستبقى لكم لؤلؤة بيضاء تلمع في جبين الدهر وجوهرة نقية تضيء في تاج هذا العصر، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا، وقد شكلت حكومة مؤقتة أهلية للنظر في الأمور، يرأسها قائم مقام "الشيخ عبد الله زينل" مع بقاء جميع كبار الوظفين الأهليين.
نسأله تعالى أن يلطف بنا وبعباده المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أنه على ما يشاء قدير وإني أستودعكم الله وأودعكم بعينه التي لا تنام وقد قمت بواجي والله ولي ووليكم في كل حال وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
علي بن الحسين
стр. 877
ثم أبحرت الباخرة "كورن فلاور" في صباح يوم الثلاثاء الموافق ٦ جمادى الثانية تقل علي بن الحسين إلى المنفى الذي اختاره لنفسه، هذه آخرة الحسين وآله من الحجاز، فسبحان من لا انقضاء لملكه ولا نهاية لأبديته.
فيا عجب لتصرم الليالي والأيام ومداولتها الملوك والحكام، تالله إنها لعبرةً لمن له أذن واعيه وآية يتفكر فيها من نفسه لله خاشية.
رجعنا إلى ذكر ابن سعود وما ألان الله له الصعوبات، ولله الحكمة البالغة والحجة الدامغة وهو أعلم حيث يجعل رسالاته إذ هو الحكيم العلم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ولقد ظهرت محاسن نوايا ابن سعود وما تكنه نفسه الطيبة من مكارم الأخلاق ومعالي الشيم بحيث لو أتاه علي بن الحسين سامعًا مطيعًا يدين له بالإخلاص والوفاء لأقره على إمارته أو لجعله موضع الإكرام، كما عامل أمراء آل رشيد وعسير وغيرهم من الأعداء الذين غمرهم بمعروفه وعطفه، حتى ملك قلوبهم وستر عيوبهم.
ذكر ما جرى من التدابير بعد فتح جدة
في صباح يوم الثلاثاء الموافق ٦/ ٦ أرسل عظمة السلطان طليعة من جيشه إلى جدة وهم عبد العزيز العتيبي، ويوسف ياسين، وخالد الحكيم، وحسن بك، وفقي، فاستلموا ما نصت عليه الاتفاقية ومن الغد أعني ٧ منه نقل الإمام عبد العزيز من الرغامة إلى الكندرة، وكان قد تقدمه فريق من جند المشاة ورهط من الخيالة بقيادة أخيه عبد الله بن عبد الرحمن، وكان موضع الكندرة محلًا داخل الأسلاك الشائكة بالقرب من البلدة، فرفع العلم السعودي وأطلق مائة مدفع ومدفع تحية البلاد واستقبله الأهلون يهرعون وقناصل الدول، ثم جلس السلطان عبد العزيز للوفود المسلمين والمهنئين في ذلك السرادق الذي أعده الأهالي بجهة الكندرة لاستقبال عظمته، وأخذ رئيس الحكومة المؤقتة "عبد الله زينل" يقدم لعظمته قناصل الدول ومندوبي الشركات الأجنبية، ثم ضباط الجند ثم أعيان المدينة، وقد تكلم قنصل إيطاليا "السنيور فارس" باللغة العربية مهنئًا السلطان بهذا الكلام.
стр. 878
نظرًا لكوني كبير القناصل سنًا تقدم بالنيابة عن نفسي وبالوكالة عن رفاقي بتقديم تهنئتنا لعظمتكم بدخولكم جدة في هذه الطريقة السلمية التي حقنت بها الدماء ونتمنى لعظمتكم التوفيق الدائم والسعادة، فأجابه السلطان قائلًا أنه لم يبطئ في الأعمال الحربية ألا لهذه النتائج السلمية، ثم شكر للمعتمد البريطاني مسعاه وأعرب للقناصل عن سروره بما كان من موقفهم في الانقلاب الأخير فتم سلمًا كما تمناه، ثم أقام بقية يومه في الكندرة ودخل جدة في صباح الخميس الموافق ٨ من الشهر المذكور ونزل في دار الوجيه العالم الشيخ "محمَّد نصيف" وهرع له الأهلون أفواجًا أفواجًا لمقابلته وألقت الخطباء أمامه الخطب والأناشيد، وكان ما بين يوم إشرافه على الرغامة للحرب ويوم دخولها تحت رعايته سنة واحدة كاملة، ثم إنه باشر العمل بعد ذلك في إعادة اليسر والطمأنينة إلى الحجاز، وفاه عظمته عن رأيه نحو البلاد ودعى الناس إلى الوئام، ثم نشر هذا المنشور.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
" بلاغ عام "
من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل السعود إلى إخواننا أهل الحجاز سلمهم الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فإني أحمد الله إليكم وحده الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده وأهنئكم وأهني نفسي بما من الله به علينا وعليكم من هذا الفتح الذي أزال الله به الشر وحقن دماء المسلمين وحفظ أموالهم وأرجو من الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ويجعلنا وإياكم من أنصار دينه ومتبعي هداه.
إخواني تفهمون أني بذلت جهدي وما تحت يدي في تخليص الحجاز لراحة أهله وأمن الوافدين إليه طاعة لأمر الله قال جل من قائل: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ
стр. 879
بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، ولقد كان من فضل الله علينا وعلى الناس أن ساد السكون والأمن في الحجاز من أقصاه إلى أقصاه بعد هذه المدة الطويلة التي ذاق الناس فيها ضر الحياة وأتعابها ولما منَّ الله بما منَّ من الفتح السلمي الذي كنا ننتظره ونتوخاه أعلنت العفو العام عن جميع الجرائم السياسية في البلاد، وأما الجرائم الأخرى فقد أحلت أمرها للقضاء الشرعي لينظر بما تقتضيه المصلحة الشرعية في العفو، وإني أبشركم بحول الله وقوته أن بلد الله الحرام في إقبال وخير وأمن وراحة، وإنني إن شاء الله تعالى سأبذل جهدي فيما يؤمن البلاد المقدسة ويجلب الراحة والاطمئنان لها، لقد مضى يوم القول ووصلنا إلى يوم البدء في العمل فأوصيكم ونفسي بتقوى الله واتباع مرضاته والحث على طاعته فإنه من تمسك بالله كفاه ومن عاداه والعياذ بالله باء بالخيبة والخذلان، إن لكم علينا حقوقًا، ولنا عليكم حقوق، فمن حقوقكم علينا النصح لكم في الباطن والظاهر واحترام دمائكم وأعراضكم وأموالكم إلا بحق الشريعة، وحقنا عليكم المناصحة، والمسلم مرآة أخيه، فمن رأى منكم منكرًا في أمر دينه ودنياه فليناصحنا فيه، فإن كان في الدين فالمرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن كان في أمر الدنيا فالعدل مبذول إن شاء الله للجميع على السواء.
إن البلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون لذلك أطلب من الجميع أن يخلدوا للراحة والطمأنينة، وإني أحذر الجميع من نزغات الشياطين والاسترسال وراء الأهواء التي ينتج عنها إفساد الأمن في هذه الديار فإني لا أراعي في هذا الباب صغيرًا ولا كبيرًا وليحذر كل إنسان أن تكون العبرة فيه لغيره، هذا ما يتعلق بأمر اليوم الحاضر، وأما مستقبل البلد فلا بد لتقريره في مؤتمر يشترك المسلمون فينا فيه مع أهل الحجاز لينظروا في مستقبل الحجاز ومصالحها، وإني أسأل الله أن يعيننا جميعًا ويوفقنا لما فيه الخير والسداد، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
تحريرًا بجدة في ٨ جمادى الثانية سنة ١٣٤٤ هـ
عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود
لقد دعا جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن لتقرير مصير الحجاز العالم
стр. 880
الإِسلامي، وكررها مرارًا ثم عززها في ١٠ ربيع الثاني من هذه السنة بكتاب خاص أرسله إلى الحكومات والشعوب الإِسلامية فكانت صرخة في واد لم يلبها أحد غير فريق من مسلمي الهند وجمعية الخلافة هناك، ولكن أولئك يريدون للحجاز مالا يريده أهله ولا يوافق عليه الحجازيون فما كان هذا الرأي مقبولًا لدى الشريفيين ولا السعوديين، بل الحجاز للحجازين هي كلمة الجميع.
ولما أن أحب أهل الحجاز ابن سعود ووجدوا لديه أسمى الأخلاق وأكملها وذاقوا حلاوة الحرية كان يقض مضاجعهم ما يسمعونه من نشراته للعالم الإِسلامي يدعوهم إلى عقد مؤتمر يقرر مصير الحجاز لذلك قام الأعيان من أهالي جدة ورؤسائها وذهبوا إلى مكة المكرمة فاتفقوا بأعيانها ورؤسائها وجرت مفاوضة اتفقوا في آخرها على بيعة ابن سعود بأن يكون ملكًا على الحجاز لكلماته الخالدة وهي: أنا منكم وأنتم مني، أنا بذمتكم وأنتم بذمتي، وقوله: "إن أهل مكة أدرى بشعابها" فأنتم أعلم ببلادكم من البعيدين عنه وما أرى لكم أحسن من أن تلقى مسؤوليات الأعمال على عواتقكم، وخافوا من أحكام المعاهدة التي بينه وبين بريطانيا أن تمس بالحجاز وهم يريدون استقلاله عن الإنكليز، وبعدما اتفقوا بالسلطان أعربوا له عن ما تكنه ضمائرهم فقرر بأن يكون ملكًا على الحجاز وسلطان على نجد وملحقاتها، فأذاع ابن سعود ذلك وبعثه بلاغًا رسميًا ذكر فيه ما معناه بأنه قد بلغ القاصي والداني ما كان من أمر الحسين وأولاده الأمر الذي اضطرنا إلى امتشاق الحسام دفاعًا عن أرواحنا وأوطاننا ودفاعًا عن حرمات الله ومحارمه، وبعدما بذلت النفس والنفيس في هذا السبيل يسر الله فتح البلاد واستتب الأمن فيها، وبعدما أذعت غير مرة للحكوم الإِسلامية ونشرت كتابًا في سائر صحف العالم ومضى مدة لم أتلق جوابًا من أحد جاءني أهل الحجاز جماعات ووحدانا يطلبون مني أن أمنحهم حريتهم التي وعدتهم بها في تقرير مصيرهم فلم يسعني أمام طلباتهم المتكررة إلا أن أمنحهم هذه الحرية ليقرروا في شأن بلادهم ما يشتهون بعد ما ظهر من العالم الإِسلامي هذا الصد والأعراض وأمضى عليه.
مؤرخًا في ٢٢ جمادى الثانية من هذه السنة
стр. 881
ذكر البيعة والنداء لابن سعود في العالم بملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها
لما تألف لجنة من أعيان أهل جدة عددها عشرون وسافروا إلى مكة واجتمعوا هناك بلجنة من أهلها عددها ثلاثون، عقد أعضاء اللجنتين في ٢٢ من جمادى الثانية مجلسًا قرروا فيه باجتماع الرأي مبايعة السلطان عبد العزيز ملكًا على الحجاز واتفقوا على شروط البيعة ونصها ثم قدموها إلى عظمة السلطان ليرى رأيه فيها وطلبوا منه إذا حازت القبول أن يعين الوقت لعقد البيعة، فأجاب الطلب، ولما كان بعد صلاة الجمعة في اليوم ٢٥ من جمادى الثانية من ١٣٤٤ هـ الموافق ١٠ يناير ١٩٢٦ م اجتمع الناس في المكان المعد للحفلة عند باب الصفا من المسجد الحرام، وجاء عظمة السلطان في موكبه في الساعة التي بعد صلاة الجمعة، وكان المشهد عربيًا صافيًا -أي بسيطًا- فلم يكن هناك غير سجادة وقف عليها السلطان وكرسي للخطيب الذي تقدمه المنادي قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ثم اعتلى الكرسي الخطيب فحمد رب البيت المعظم وشكر وسبح، وبعد ذلك قال: أيها الإخوان أن الله قد أنعم علينا بالأمن بعد الخوف وبالرخاء بعد الشدة، فقد انقشعت غمة الحروب وقد توحدت الكلمة بحول الله تعالى وقوته فتعطف علينا عظمة هذا السلطان المحبوب بقبول البيعة المشروعة الواجبة علينا وأني أتلوها على مسامعكم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: نبايعك يا عظمة السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود على أن تكون ملكًا على الحجاز على كتاب الله وسنة رسول ﷺ وما عليه الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح والأئمة الأربعة ﵏، وأن يكون الحجاز للحجازيين وأن أهله هم الذين يقومون بإدارة شؤونه وأن تكون مكة المكرمة عاصمة الحجاز والحجاز جميعه تحت رعاية الله ثم رعايتكم.
стр. 882
وفي حال تلاوة البيعة في ذلك المجمع كانت قلاع مكة لها رنين ودوي بإطلاق المدافع، فأطلقت مائة مدفع ومدفع، وكان وقتًا هائلًا باهرًا والناس أثناء ذلك يتزاحمون حول تلك السجادة الواقف عليها السلطان ليتقبل البيعة، فتقدم أولًا الأشراف، ثم الوجهاء والأعيان وتلاهم المجلس الأهلي، فالمحكمة الشرعية، فالأئمة، والخطباء، فالمجلس البلدي، فأهل المدينة المنورة، فأهل جدة، فبقية خدم الحرم، فالمطوفون، والزمازمة، فمشايخ جاوة، فأهل الحرف، فمشايخ الحارات وأهل المحلات.
وقد جاءت بعدئذٍ برقيات بالمبايعة من المدينة المنورة، ومن ينبع، والوجه، وضبا، والعلاء، وكانت حكومة السوفيت الروسية أول الدول التي اعترفت بملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها، ثم اعترفت بملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها، ثم اعترفت به حكومات بريطانيا العظمى، والجمهورية الفرنسية، وهولندا، والجمهورية التركية، ثم بعد الحفلة مشى جلالة الملك المعظم إلى الكعبة البيت الحرام فطاف بها سبعًا وصلى في المقام، ثم جلس في سرادق دار الحكومة للمهنئين والخطباء، ثم تكلم الخطباء وأبدوا خطبًا بديعة.
قال أحدهم: لا بد للحجاز من ملك مستقل يكون قادرًا على صيانة الحجاز من الداخل والخارج، والذي يستطيع القيام بهذا الأمر هو عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وقال أحدهم: وما أعطاك الله هذا العطا يا عبد العزيز إلا لأنك سائر في مرضاته وقال الآخر بعد إطرائه الأمة العربية في زمن السلف الصالح.
علينا أن نتمسك بذلك الحبل المتين، ليرجع للمسلمين ما كان لهم من السؤدد والعز، فيا عجبًا لهذا الكلام وما فيه من الفصاحة والبلاغة، فإن في هذه الكلمات مثالًا من عقلية القوم ونزعتهم السياسة، ثم خطب صاحب الجلالة والمهابة الملك المعظم والسطلان المفخم، وألقى عليهم من درره وسحره الحلال ما كان أشد وقعًا من جاذبية الكهرباء، وبهر بخطابه الحاضرين وشقق آذان السامعين وأطلق لسان الداعيين والمهنئين فقال:
стр. 883
أسمع خطبائكم يقولون هذا إمام عادل وهذا كذا وكذا فاعلموا أنه ما من رجل مهمًا بلغ من المنازل العالية يستطيع أن يكون له أثر وأن يقوم بعمل جيد جدًا إذا كان لا يخشى الله، وإني أحذركم من اتباع الشهوات التي فيها خراب الدين والدنيا وأحثكم على الصراحة والصدق في القول وعلى ترك الرياء والملق في الحديث: لم يفسد المالك إلا الملوك وأحفادهم وخدامهم والعلماء المتملقون وأعوانهم، ومتى اتفق الأمراء والعلماء على أن يستر كل منهم على الآخر فيمنح الأمير الرواتب والعلماء يدلسون، ضاعت حقوق الناس وفقدنا والعياذ بالله الآخرة والأولى، إلى أن قال خاتمًا كلامه.
وإني لأحمد الله الذي جمع الشمل وأمن الأوطان ولكم علي عهد الله وميثاقه أني أنصح لكم كما أنصح لنفسي وأولادي، فهتف الناس إذ ذاك قائلين: جزاك الله خيرًا، جزاك الله خيرًا، وفي مساء ذلك اليوم دعا جلالته إلى قصره أعضاء المجلس الأهلي والوفد الذي قدم من جدة وبعض أهل الوجاهة في أم القرى فخاطبهم بما معناه:
إننا الآن في وقت العمل وفي ساعة التأسيس ولا يستقيم الأمر إلا بحسن التدبير والصدق والنزاهة، أنتم أرباب الرأي والفكر في بلادكم فعليكم أن تقرروا شكل الحكومة، وتضعوا دستورًا لها وتحددوا العلاقات بين نجد والحجاز، وتبحثوا فيما ينبغي أن يكون موقف الحجاز تجاه الدول، ثم أمر بأن يؤلف من مندوبي مكة وجدة مجلس تأسيسي فينضم إليه مندوبون من بلدان الحجاز الأخرى للنظر فيما ذكر من المسائل وتقريرها.
وبعد أن تألف هذا المجلس انتخب بالاقتراح السري لجنة لوضع القانون الأساسي ثم عرض أسماؤها على جلالة الملك فأمر بأن يرأس اللجنة الشيخ "عبد القادر الشيبي" حامل مفتاح بيت الله الحرام وأن يضم إليها خمسة آخرون انتخبهم جلالته من الأشراف والتجار كذلك في هذا الشرف الجديد يصلح التعيين بالاقتراع ويكمل الحاكم الفرد ما ينقص في حكم الشورى، أما الهيئة التأسيسية
стр. 884
فأعضاؤها ثلاثة عشر، هم: الشيخ محمَّد حسين نصيف، صالح شطا، حسين با سلامة، محمَّد شلهوب، محمَّد المرزوقي، محمَّد سعيد أبو الخير، الشريف شرف عدنان من آل غالب، علي كنبي، محمَّد ماجد الكردي، عبد الله زينل، الرئيس المؤقت فيما ذكرنا، عبد الله الدهلوي، سليمان قابل، الشريف حسين عدنان، وهكذا أخذ ابن سعود ينظم شؤون الحجاز.
وقد قال الشيخ محمَّد بن عثمان الشاوي قصيدة طويلة يهنئ بها جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل بفتح مكة المشرفة تركنا إيرادها خشية الإطالة ولعل الله يسهل إيراد شيء من قصائده في ترجمته.
وممن توفي فيها من الأعيان رجل الدين والفضل التقي الشجاع عبد الرحمن بن عبد الله بن محمَّد بن فداء كان ﵀ تقيًا ناسكًا شجاعًا مجدًا في طلب العلم وخلف أباه في إمامة مسجده في شرقي بريدة وله فضائل ومحاسن وكان له أخ يدعى بعبد العزيز بن عبد الله وله زهد وورع ونهمة عظيمة في طلب العلم وتحصيله وهمة عالية وهو الذي التحق في معية الشيخ محمَّد عبد الله بن سليم وابنه عمر في منفاهما إلى قرية "النبهانية" وفوق ما قيل فيه عفة وذكاء وخشية وإنابة.
أما المترجم فقد بلغ بضعًا وثلاثين سنة وله أبناء ذكور قام في تربيتهم والسعي في تهذيبهم وله إناث؛ أما عبد العزيز فلا عقب له.
وفيها في ٤ شوال وفاة الشيخ العجاجي وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم الزاهد أحد الأئمة الأعلام والعارف الحبر المقدام الذي علا ذكره في الآفاق واتفق على تقديمه أهل المعرفة والوفاق وانتشر ذكره في كل الآفاق: أبو عبد الله محمَّد بن عبد العزيز بن سليمان بن ناصر بن سليمان آل عجاجي كان من العرب من آل كثير، وقبيلته عنزة، وله همة عالية في نيل العلم والسعي في طلبه وما مات حتى نال الإجازة من مشايخه آل سليم فجلس للتدريس في أحد مساجد بريدة والتفت عليه حلق الذكر ومهر في العلوم حتى أصبح من خيرة تلامذة آل سليم علمًا ومعرفة.
ولد في سنة ١٣٠٩ هـ، وتوفي في هذه السنة عن عمر بلغ ٣٥ سنة، وكان مقبولًا
стр. 885
عند الناس وألفه طلاب العلم وأهل الدين، وفاق الأقران، وسبق أبناء الزمان وأقر بفضله القاصي والدان، وكان من زملاء أخينا عبد الرحمن بن عبيد ويلقب "بالحميدي" وله شهرة عظيمة، يقر له بالفضل قرناؤه وأصحابه وهذه صفته ﵀.
كان ربعة أبيض اللون مشربًا بحمرة كث اللحية يعلوه البهاء والنور، أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمَّد بن سليم وأخذ عن الشيخ عمر بن محمَّد بن سليم؛ وسيرته حسنة ومعاملته جميلة لمحاسن ولين عريكته أضف إلى ذلك عقلًا وأدبًا، وكان الشيخ عمر يقدمه ويحترمه، وجمع كتبًا كثيرة فكان لديه مكتبة، وكان محبوبًا عند الناس يألفونه ويعظمونه ومن أسرة كبيرة في القصيم، وأخذ عنه أخبرنا عبد المحسن بن عبيد، وأخذ عنه أيضًا أخواه صالح بن عبد العزيز وعلي، وكان مرضه شبيهًا بالسل مع ألم أثر في إصبع يده من آثار لدغة حية حتى سقط إصبعه نسأل الله تعالى أن يخلفها في النشأة الآخرة خيرًا منها ويرفع درجاته في الجنة، ويا لعثر الحظ أن مثل هذا يكون هدفًا للموت في سن الشبيبة وتصاب به الأمة وتخلوا منه المحاريب وتندبه خلق الله "فإنا لله وإنا إليه راجعون" بعثه آل سليم إمامًا ومبينًا ومعلمًا للأمير فيصل الدويش في الأرطاوية فذهب إليها ثم جعل قاضيًا هناك.
ولما مات فجعت الأمة بموته ورثاه أهل العلم والدين؛ فمن ذلك ما رثاه به الشيخ عثمان بن أحمد بن بشر لأنه صديقه الخاص وزميله، بل كان شيخًا لراثيه وهي هذه:
إلى الله أشكو وأبتهل بدعائيا ... وأطلب رب العرش يحسن عزائيا
فقد جاءنا خطب ملم وفادح ... ورزء كبير من عظيم الدواهيا
أتاني كتاب من حبيب ومشفق ... يعزي بموت الحبيب المصافيا
وأعني به الشيخ "الحميدي" أخا الحجا ... تقيًا نقيًا طاهر العرض زاكيا
أديبًا أريبًا خائفًا متواضعا ... فمن مثله فينا وأين المساويا
يحب ذوي التقى ويبغض ذا الردى ... لقد كان كهفًا للهدى وداعيا
يقضي بتدريس العلوم نهاره ... وبالليل في بحث الفنون مساميا
стр. 886
لقد كان للأخوان ركنًا وموئلا ... وغيظًا لأهل الزيغ من كل طاغيا
سقا قبره مولاي وابل رحمة ... وهتان عفو مع رضا متواليا
وأسكنه في جنة الخلد منزلا ... وبوأه في الفردوس ما كان عاليا
فوا حسرتي والوعتي وامصيبتي ... على فقد أهل العلم من كل هاديا
فموت رعاة الشرع في الدين ثلمة ... ونقص على كل البرية آتيا
على العلم فليبكي ذوو الدين والهدى ... فلا رغبة في حضرها والبواديا
فحق لعيني أن تريق دموعها ... على السادة الأمجاد أهل المعاليا
لقد قل أهل العلم في كل بلدة ... وقل بها الطلاب والجهل فاشيا
وقد صار إقبال الورى واحتيالهم ... على هذه الدنيا فيا عظم ما بيا
ويا أيها الإخوان صبرًا على الذي ... يقدره الرحمن من كل ماضيا
فذى سنة المولى الكريم بخلقه ... قضاء من الرحمن والكل فانيا
ويا رب يا مولاي يا مالك الورى ... ويا خير مرجو لكشف الدواهيا
تمتعنا بأشياخنا أنجم الهدى ... يفيدون أهل الجهل من كل غاويا
فلولا هموا ما كان في العيش لذة ... ولم نعرف الحق ولا كيف نأتيا
ولولا هموا في الأرض مادت أهلها ... ولكنهم كانوا لها كالرواسيا
ولولا هموا كانت ظلامًا بأهلها ... ولكنهم مثل النجوم الدراريا
ولولا هموا ما كان في الأرض مسلم ... فيا ويح من كان حيران ساهيا
فكم جاهل أحبوه بالعلم والهدى ... وكم قمعوا من مشرك كان طاغيا
جزاهم إله الناس خيرًا ورحمة ... وأسكنهم الفردوس أعلى العلاليا
ويا رب وفق للسداد إمامنا ... إمام همام فائق الصيت عاليا
ويا رب تبقيه على الدين والتقى ... على سنة المعصوم أفضل هاديا
ينفذ أحكام الشريعة في الورى ... ويحمي حمى الإِسلام من كل باغيا
ويجمع شمل المسلمين بعدله ... ويدأب في قمع الخبيث المعاديا
فإنك يا ربي على الكل قادر ... وأمرك قهار لكل مناويا
стр. 887
واستغفر الله العظيم لزلتي ... وذنبي وما يجني علي لسانيا
وصل على خير البرية أحمد ... نبي الهدى من قام لله داعيا
وآل وأصحاب ومن كان تابعا ... طريقهم يا رب فأقبل دعائيا
خلف الشيخ ﵀ ابنين وبنات وكان له أخوة من أشهرهم صالح الذي توفي بعده.
وفيها صدرت إرادة الملك عبد العزيز بعمارة المسجد الحرام وذلك أنه أمر مدير الأوقات السابق "محمَّد سعيد" بترخيم عموم المسجد الحرام وإصلاح كل ما يقتضي إصلاحه من ترميم عموم الخراب الواقع في جدار المسجد الحرام وأرضه وأعمدته وإصلاح المماشي وحاشية المطاف وعموم الأبواب وطلاء مقام إبراهيم الخليل ﵇ بالدهان الأخضر وكذلك الأساطين النحاسية الواقعة حوالي المطاف وغير ذلك من الإصلاحات اللازمة للمسجد الحرام وتمت هذه العمارة بكامل السرعة لحلول موسم الحج سنة ١٣٤٤ هـ، فشكر الله سعيه على هذا العمل الحسن وكم له من أمثاله من أعمال الخير.
وفيها جرت وقعة المحمل، وهذه الحادثة في ليلة ٩ ذي الحجة ليلة الوقف بعرفة، وكان حجاج بيت الله تعالى مكتظين بين منى وعرفات وذلك أنه لما كان في آخر ذي القعدة وصل ركب المحمل المصري إلى جدة واستقبل فيها بكل ترحيب ثم سافر إلى مكة المكرمة ولم يتعرض الملك ابن سعود لمنعه بل أقر ذلك جلبًا للمحبة.
ولما أن سار المحمل في مساء اليوم الثامن قاصدًا عرفات يحيط به حرسه في راحة وهناء كان رجاله في أبواقهم تتراجع صداها في بطن الوادي فأنكر ذلك البدو من أهل نجد بألسنتهم وأن تلك الساعات ساعات عبادة ونسك وفي مشعر عظيم من المشاعر المعظمة فردهم رجال المحمل بعنف وشدة وآخر ذلك أطلق رجال المحمل الرشاشات والبنادق فلم يشعر الناس إلا والنار تقذف والمدافع تمطر نيرانها من هنا وهناك فعظم الخطب وبعث صاحب الجلالة ابنه فيصل وأمره أن يبادر لإطفاء هذه الفتنة ولما تقدم سموه ما كان معه قوة تضاد تلك المهمة وجعل يكافح ويهدأ روع
стр. 888
رجال المحمل كذلك تقدم نجل جلالة الملك الأكبر سعود بقوة للنجدة غير أن الأمر في ظلام الليل زاد ارتباكًا وجعلت قنابل حرس المحمل تضرب يمنة ويسرة تقتل الآمنين المطمئنين هذا وما كانت قوة المحمل تزيد عدة رجالها عن أربعمائة ويقابل هؤلاء تسعون ألفًا من النجديين وقفوا مكتوفي الأيدي لأن لا يحدث قدح زناد يقضي على الحجيج كله وقد استهدفوا لأن تحصدهم النيران ولم يبق إلا مقابلة الشر كثله من أولئك الأقوياء أهل البأس الشديد فثار جلالة الملك عبد العزيز في تلك الساعة الرهيبة تاركًا نساء آل سعود وأطفالهم وأرخص حياته ليحمي الحجاج بنفسه يتبعه من يطيق السعي من القرابة والأسرة فأحاط به الإخوان يسألونه أمره ويخبرونه بالجرحى المضرجين بدمائهم وكان في أشد التأثر فالتفت إلى الإخوان وقال أذكركم الله وهذا الموقف، أذكركم دينكم، أذكركم حميتكم الإِسلامية وشيمتكم العربية، يا رجال التوحيد إن حجاج بيت الله ضيوفنا وهم في وجوهنا فلا تمد إليه يد بسوء وفي هذا العنق دم يجري.
ولما أن سمع الإخوان كلامه انطفأت نار غضبهم وكفوا راجعين وحملوا سيوفهم يردون إخوانهم عن الإحاطة بالمحمل ومن الأمراء من تقدم يرد الإخوان حتى رجعوا إلى خيامهم ومنازلهم، ومن ضمن أولئك الأمراء حشر بن مقعد بن حميد من مشايخ الغطغط جعل يرد المجموع عن المحمل والرصاص يتساقط عليه من رجال المحمل فقتلت فرسه وكسرت يده وسقط على الأرض وأصيب غيره برصاص حرس المحمل وما كان إلا قليل حتى سكنت الفتنة ولم يوتر أحد من رجال المحمل سوى رجل أصيب بحجر في أنفه وآخر أصابته رصاصة طائشة في يده، وقد بلغ عدد الذين قتلوا من أهل نجد خمسة وعشرين بين رجل وامرأة وطفل، وقتل من إبلهم أربعون بعيرًا وعاد المحمل إلى هدوء وسكينة بعد وقوفه بعرفة ومنى ثم إلى مكة المكرمة.
وبذلك تبين فضل أهل نجد وكظمهم للغيظ وسعة صدورهم، ولولا ذلك الموقف الذي وقفه ابن سعود أمام المحمل بحيث ما كان لأحد أن يقف ذلك الموقف سواه لكان للأمر شأن غير هذا.
стр. 889
وإني لأحمل أهل مصر تبعة ما جرى وعدم احترام المشاعر المعظمة وعملهم ذلك بتسرع وعدم كرامة فليسطر التاريخ ما عملوه، أما الكسوة للكعبة المحمولة معه فقد لبستها في موسم ذلك العام.
وفيها نصب الملك عبد العزيز فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد رئيسًا في قضاة مكة، وفي رجب منها جمع الشيخ رسالة نصيحة بليغة طبعت ونشرت في جريدة أم القرى وكانت حسنة وجميلة رائعة مطلعها بعد البسملة:
الحمد لله على آلائه والشكر له على نعمائه، ثم ذكر الآيات في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن الله امتدح هذه الأمة وأخذ الميثاق على أهل العلم أن يعلموا ويبينوا وصاح بها صيحة تضعضعت لها قلوب أهل الإيمان ورجفت لها أفئدة ذوي العرفان، وحث فيها على الاجتماع وتوحيد الكلمة والنهي عن التنازع والتفرق، وبين فيها أمور المشاهد والبناء على القبور فشفى وكفى، وكانت تبلغ قدرًا من نصف كراسة وعلى من أحب معرفة هذا الحبر ومقامه فليراجع مؤلفاته وختمت هذه السنة بخير والحمد لله رب العالمين.
ثم دخلت سنة ١٣٤٥ ه ـ
ففيها طبع كتاب الفروع لابن مفلح قد حلى أسفل صحائفه بكتاب تصحيح الفروع لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المقدسي، وكان طبعه في مطبعة المنار بمصر وكان قد شق طبعه وامتد زمانه فقد شرع في طبعه ١٣٣٥ هـ، ولم يتم إلا في هذه السنة وذلك بواسطة الغلاء الذي حصل بتأثير الحرب العظمى التي شغلت مصانع الورق وغيره وغلي بسببها كل شيء أضف إلى ذلك كبر الكتاب وضخامته حيث جعل في ثلاث مجلدات ضخمة بلغ عدد صحائف الأول ٩٩٨، والثاني كان في ١٠٥٦ صحيفة، والثالث عدد صحائفه ٩٧٣ فجاء على أبدع ما يكون من حسن الحروف وجودة الورق، وقد طبع على نفقة الأمير الموفق عبد الله ابن الشيخ قاسم بن ثاني وجعله وقفًا لوجه الله تعالى وحرص على كتمان عمله
стр. 890
ليكون مدخورًا له عند الله تعالى فلأجل ذلك لم يوضع اسمه في طرة الأجزاء ولو علم الطابع لذكره كما أشار إليه، فيا لها من يد بيضاء لابن ثاني كما طبع أيضًا كتاب المقنع ولواقح الأنوار فشكر الله سعي كل مسلم محسن.
وفيها عقدت معاهدة مكة المكرمة بين ملك الحجاز وسلطان نجد وبين الإدريسي وهذا نصها:
الحمد لله وحده، بين ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها، وبين الإمام السيد الحسن بن علي الإدريسي، رغبة في توحيد الكلمة وحفظًا لكيان البلاد العربية وتقوية للروابط بين أمراء جزيرة العرب، قد اتفق صاحب الجلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود، وصاحب السيادة إمام عسير السيد الحسن بن علي الإدريسي على عقد المعاهدة الآتية:
المادة الأولى: يعترف سيادة الإمام الحسن بن علي الإدريسي بأن الحدود القديمة الموضحة في اتفاقية ١٠ صفر ١٣٣٩ هـ، المنعقدة بين سلطان نجد وبين الإِمام السيد محمَّد بن علي الإدريسي والتي كانت خاضعة للدراسة في ذلك التاريخ هي تحت سيادة جلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بموجب هذه المعاهدة.
المادة الثانية: لا يجوز لإمام عسير أن يدخل في مفاوضات سياسية مع أي حكومة وكذلك لا يجوز أن يمنح أي امتياز اقتصادي إلا بعد الموافقة على ذلك من صاحب الجلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها.
المادة الثالثة: لا يجوز لإمام عسير إشهار الحرب أو إبرام الصلح إلا بموافقة صاحب الجلالة ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها.
المادة الرابعة: لا يجوز لإمام عسير التنازل عن جزء من أراضي عسير المبينة في المادة الأولى.
المادة الخامسة: يعترف ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بحاكمية إما عسير الحالي وأهل الحل والعقد التابعين لإمامته.
المادة السادسة: يعترف ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بأن إدارة بلاد
стр. 891
عسير الداخلية والنظر في شؤون عشائرها من نصب وعزل وغير ذلك من الشؤون الداخلية من حقوق إمام عسير على أن تكون الأحكام وفق الشرع والعدل كما هي في الحكومتين.
المادة السابعة: يتعهد ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها بدفع كل تعد داخلي أو خارجي يقع على أراضي عسير المبينة في المادة الأولى وذلك بالاتفاق بين الطرفين حسب مقتضيات الأحوال ودواعي المصلحة.
المادة الثامنة: يتعهد الطرفان بالمحافظة على هذه المعاهدة والقيام بواجبها.
المادة التاسعة: تكون هذه المعاهدة معمولًا بها بعد التصديق عليها من الطرفين الساميين.
المادة العاشرة: دونت هذه المعاهدة باللغة العربية في صورتين تحفظ كل صورة لدى فريق من الحكومتين المتعاقدتين.
المادة الحادية عشرة: تعرف هذه المعاهدة بمعاهدة مكة المكرمة، وقعت هذه المعاهدة في تاريخ ٢٤ ربيع الآخر ١٣٤٥ هـ، الموافق ٢١ أكتوبر ١٩٢٦ م.
تم ذلك بحضور راقم هذه الأحرف خادم الإِسلام أحمد الشريف السنوسي الختم ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود.
الختم الملكي
إمام عسير الحسن بن علي الإدريسي الختم
وفيها عمل جلالة الملك عبد العزيز سبيلًا للشاربين من ماء زمزم وجعله مما يلي حجرة الأغوات بشكل بديع وجعل له ثلاث فوهات نعني نوافذ مرتفعة على قد قامة الواقف إلى صدره فكان في ذلك راحة للشاربين، كما جدد أيضًا عمارة السبيل القديم وعمله بشكل بديع يماثل الذي بجواره، وقد كتب على السبيل الذي يلي حجرة الأغوات هذه الكتابة: "أنشأ هذا السبيل الإمام عبد العزيز بن
стр. 892
عبد الرحمن السعود" وكتب على الذي يليه "جدد هذا السبيل الإِمام عبد العزيز بن عبد الرحمن السعود" وكانت هذه الكتابة بخط عربي بديع بارز قد خطت على أعلاهما وطلي بالذهب والألوان البديعة، وتم هذا العمل في هذه السنة.
وفيها أيضًا أمر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن خلد الله ملكه بأن يفرش شارع المسعى من الصفا والمروة فشكل لذلك هيئة بأمانة العاصمة في رئاسة أمين العاصمة السابق عبد الوهاب بن حمد نائب الحرم الذي كان قد استقر عضوًا في مجلس الشورى، وفي معاونة مدير المالية محمَّد سرور الصبان وتشكلت الهيئة من مندوب جلالة الملك المعظم الوزير عبد الله بن سليمان آل حمدان وبعض أعضاء مجلس الشورى وأفراد من أعيان البلاد ممن لهم خبرة ودراية بفن العمارة المطلوبة وتقرر في ذلك الاجتماع بأن يكون فرش شارع المسعى بالحجر الصوان المربع وأن يبنى بالنورة ويكون الصرف ابتداء من صندوق أمانة العاصمة مؤقتًا ثم يسدد من المالية العمومية، فابتدأ العمل أولًا بهدم عموم النواتي التي على ضفتي شارع المسعى من مبتداه إلى منتهاه فلما تم إزالة تلك النواتي ابتدأ العمل بالرصيف من الحصى وعمل لذلك احتفال عظيم حضره صاحب السمو الملكي النائب العام الأمير فيصل بن جلالة الملك ووضع الحجر الأساسي بيده ثم تلا الدعاء الشيخ محمَّد عبد الظاهر أبو السمح خطيب المسجد الحرام وإمامه لجلالة الملك عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود بدوام النصر والظفر له واستمر العمل بهمة عالية وانتهى العمل في آخر ذي القعدة من هذه السنة فأصبح شارع المسعى في غاية الاستقامة وحسن المنظر وصار المتطوفون بين الصفا والمروة يؤدون نسكهم بكمال الراحة من وحل الشارع والغبار.
وكان جلالة الملك أول ملك اعتنى به لأنه ما قد فرش كذلك منذ فرض الله الحج بل منذ سكن الحجاز ولقد كثر عدد الحجاج في موسم هذه السنة، فورد من طريق البحر ووجهته مائة وأربعون ألفًا، أما الذين قدموا من البر فكان عددهم يربون على ثلاثمائة ألف وهذا شيء يندر وقوعه في تلك الأزمان، فلذلك ضاق المسجد الحرام بالمصلين فاضطرت الحكومة السعودية إلى أن تضع المظلات
стр. 893
عن الشمس، ولقد قام ابن سعود بأعمال طيبة يشكره عليها أهل البسيطة ويخلد ذكرها وذلك لما جبل عليه من الإصلاح ونصرة الدين ورفع قواعد الملة المحمدية ومضادة البدع والمخالفات وإرادة الخير للإسلام وأهله ومن كان هذا شأنه فإنه جدير بالتوفيق.
فمن ذلك أنه أبطل تعدد الجماعات بالمسجد الحرام والمسجد النبوي وغير تلك البدعة التي شتت شمل المسلمين وفرقت جماعتهم في شأن تعدد الأئمة، فيا ليت شعري من أمرهم بهذا التفرق والاختلاف حتى كأنهم كانوا أهل أديان مختلفة وشرائع مؤتلفة بل بأي حجة أسست هذه المقامات التي نصبت لتفريق المجتمعين وتشتيت المؤتلفين وقد بين العلماء أمر هذه البدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان وشنعوا على من قام بها كما ذكره الشيخ الهمام الهندي العارف "صديق بن حسن القنوجي" وأن الذي أحدثها شر ملوك الجراكسة واسمه "فرج بن برقوق" في أوائل المائة التاسعة من الهجرة وأنكر ذلك العلماء في ذلك العصر ووضعوا فيه مؤلفات نقل ذلك عن شيخه محمَّد بن علي الشوكاني وقال بعده: ويا لله العجب من بدعة يحدثها من هو شر ملوك المسلمين في خير بقاع الأرض كيف لم يغضب لها من جاء من الملوك المائلين إلى الخير، لذلك قام ملك الإِسلام عاهل العرب صاحب الجلالة السعودية ومظهر أعلام الشريعة النبوية وأزال تلك البدع وجمع المصلين على إمام واحد في الصلوات الخمس والتراويح واستمر الأمر إلى العصر الحاضر فكان يقوم بخطبة الجمعة والأعياد فضيلة الشيخ محمَّد عبد الظاهر أبو السمح مدير مدرسة دار الحديث بمكة المكرمة فهو إمام المسجد الحرام، وعين لصلاة الظهر يؤم في المسجد الحرام عضو هيئة رئاسة القضاء الشرعية الشيخ محمَّد نور الكتبي، وعين لمساعدة الشيخ أبي السمح في صلاة التراويح أيضًا مدير مدرسة حارة الباب الأميرية الشيخ عبد الله خياط.
ثم إنه قام صاحب الجلالة عبد العزيز فأمر بهدم القباب التي على القبور لأنها أسست على مضادة الشريعة قبح الله من بناها، وإن الذي ساعد على بناية تلك القباب هو غفلة ملوك آل عثمان ومن قبلهم من الملوك الذين ليس لهم عناية في
стр. 894
الدين، فهلا قاموا بنصرة الدين وحمايته والضرب على أيدي العابثين الذين يسعون ضده وينشرون المقالات في الجرائد والمجلات مسبةً وتنقصًا له ولأهله، وكأنهم لا يسمعون، وتنقض عرى الإِسلام عروةً عروة وهم معرضون، ولو نقص أحدهم رغيف من أمور الدنيا لقام وتخبط وأرغى وأزبد، فبعدًا للقوم الظالمين.
ولما هدم ابن سعود تلك القباب المشيدة على الجهل والضلال وامتثل أوامر الرسول ﷺ الأمر بهدمها قام بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض مستنكرًا لذلك ومستعظمًا لشأنه بقصيدة نشرها ونسبها إلى نفسه "فتى البطحاء" وأعلن المسبة والهجاء على من أزالها وأرخى زمام لسانه يشتم ويسب من أفتى بذلك ويهجن هذا العمل الحسن، فيا ويحه إذا لقي ما كتبت يداه غداة الحشر ولم ينفعه جهله، فمن أبيات القصيدة قوله:
وكم هدموا قبرًا شريفًا ومشهدًا ... لخير نبي أو لأفضل صاحب
وما تلك أوثان سررتم بكسرها ... ولكن قبور قد أشيدت لذاهب
تذكر أهليه مواضع دفنه ... وتبقى لنا ذكرى فقيدٌ وغائب
إلى أن قال: ... تضيء على الدنيا ضياء الكواكب
وقد ردَّ على هذه القصيدة فضيلة الشيخ محمَّد بن عثمان الشاوي بقصيدة طويلة، وناقش المعترض عن كل بيت منها، فجزاه الله خيرًا، ولولا خشية الإطالة لأتينا بها، ولكننا نبدي رده على هذه الأبيات لا أقل ولا أكثر.
أقول لعمري إنها لعظيمةً ... ومعضلة شنعًا وأدهى المصائب
فهيء دليلًا واضحًا نهتدي به ... وإلا فبؤ بالخزي يا شر خائب
أما أمر المبعوث للناس رحمةً ... عليًا أبا الشبلين ليث الكتائب
بأن لا يدع قبرًا منيفًا وصورةً ... فبادر بل أوصي بذا كل صاحب
رواه أبو الهياج قال فقال لي ... علي إلا بعدي تقوم بواجبي
أما في سياق الموت أعقب لعنةً ... لأهل الكتاب الأبعدين الأجانب
وذا محض تحذيرٍ لنا عن فعالهم ... عليه صلاة مع سلام مصاحب
стр. 895
أما صحت الأخبار عنه بأنهم ... إذا مات من صلاحهم كل دائب
بنو قبره بل صيروه كنيسةً ... فقال شرار الخلق هم عند واهب
وقولك عن تلك القباب بأنها ... تضيء على الدنيا ضياء الكواكب
فتلك وربي وصمةً وعظيمةً ... تكاد لها تندك صم الرواسب
مقالة زنديقٍ كفورٍ محرفٍ ... يبدل شرع المصطفى بالأكاذب
ولو قلت يا هذا وكنت مسددًا ... تضيء لنا السمحا ضياء الكواكب
لكان بكم أولى وأهدى طريقةً ... وقلنا لكم أنعم بها من ثواقب
وقد زادت أبيات قصيدة الشيخ محمَّد بن عثمان على ثلاثماثة بيت، ولقد بعث صاحب الجلالة عبد العزيز سؤالًا لعلماء المدينة يستفتيهم عن هذه القباب التي على القبور، وهل بنايتها جائزة؟ وهل يجب هدمها؟ وهل يجوز التمسح بحجرة الرسول ﷺ والطواف بها وتقبيلها؟ وعن الترحيم في المسجد الشريف؟ وكان الذي وجه هذا السؤال فضيلة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد رئيس القضاة، فأجبوا عن هذه الأسئلة بالتحريم استدلالًا على ذلك بالأحاديث الواردة في الصحاح والسنن، واجتمعت الكلمة واتفق إخواننا أهل الحجاز على ذلك فلله الحمد، كما بعث صاحب الجلالة نبأ برقيًا إلى وزارة الداخلية بمصر يطلب منها استفتاء علماء الأزهر عن هذه المسائل، وعن شرب الدخان وسماع الموسيقى؟ فأجابوا بالمنع عن ذلك، وأما الدخان فآخر كلمة تقال عنه في أجوبتهم: أنه مكروه وينبغي تركه وعدم الإصرار على تعاطيه، لأن الإصرار على الصغائر يقلبها كبائر، فهذا على القول في تركه، أما على الصحيح فإنه محرم لمفاسده الجمة التي لا يتسع لها هذا الموضع.
ولما أن حان وقت مجيء الكسوة من مصر كما هي العادة في إرسال كسوة الكعبة، منعت الحكومة المصرية من إرسال الكسوة مع عموم العوائد مثل الحنطة والصرر وما شاكل ذلك التي هي من أوقاف أصحاب الخير على أهل الحرمين منذ مئات السنين، ولم تملك الحكومة المصرية منها شيئًا سوى النظارة عليها بسبب أنها الحاكمة على البلاد، ولم تشعر الحكومة السعودية بالمنع إلا في غرة شهر ذي الحجة
стр. 896
من هذه السنة، فأصدر صاحب الجلالة عبد العزيز أوامره بعمل كسوة للكعبة بغاية السرعة، فسارع رجال العمل ممن تخصصوا لهذا الأمر وفي مقدمتهم وزير المالية عبد الله بن سليمان بن حمدان وعملوا كسوة من الجوخ الأسود الفاخر مبطنة بالقلع القوي، وعمل حزام الكعبة بآلة التطريز، وكتبت الآيات عليه بالقصب الفضي المموهة بالذهب الوهاج مع ستارة الباب "البرقع" ولم يأت اليوم الموعود لكسوة الكعبة وهو يوم النحر ١٠ ذي الحجة إلى والكعبة المعظمة لابسة تلك الكسوة التي عملت في بضعة أيام.
ومما وفق الله جلالة الملك المعظم له، وكان من أكبر حسناته إقامة شعائر الدين في الحجاز، فمنها كل من يترك صلاة الجماعة عمدًا يحبس من أربعة وعشرين ساعة إلى عشرة أيام ويغرم غرامة مالية رادعة له، ومنها كل من يصنع الخمر أو يبيعه أو يعد محله للشرب يحبس من ستة أشهر إلى سنتين، ويصادر محله بكل ما فيه، وإذا تكرر منه ذلك فإنه ينفى من بلد الله الحرام من سنتين إلى ثلاثة سنوات، ومنها: كل من يشرب الخمر يحد الحد الشرعي ويحبس من شهر إلى ستة أشهر ويغرم غرامة مالية رادعة، وإذا ثبت أنه مدمن على شربه فإنه ينفى من بلد الله الحرام مدة سنتين.
ومنه كل من يشرب الدخان "النتن" علنًا يحبس من أربعة وعشرين ساعة إلى ثلاثة أيام ويغرم غرامة مالية رادعة، والهدف هو تطهير البلاد المقدسة من انتهاك حرمات الدين، ومنها تتبع الأمور من جهة المعاملات والعادات، فما وافق الشرع يقر وما خالفه يزال، ومنها منع البذاءة اللسانية التي اعتادها بعض السوقة، ومنها مراقبة المساجد والنظر في جهة الأئمة والمؤذنين، فبما أن الحجاز بلاد مقدسة وأهله يجب أن يكونوا قدوة حسنة، فإن الحكومة رأت أن تحمل أهله على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه إذا لم يفد مجرد النصح.
وفيها في الساعة العاشرة بعد العصر من اليوم الثامن والعشرين من جمادى الآخرة وفاة الشيخ حمد بن فارس رحمة الله تعالى عليه، وهذه ترجمته:
стр. 897
هو الشيخ العلامة الفقيه الوجيه حمد بن فارس بن محمَّد بن رميح، أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن حسين المخضوب صاحب الخطب، وأخذ عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، أخذ عنه علم النحو وعلم الفقه وغيرهما، وأخذ عن جملة من الأكابر حتى اشتهر وبعد صيته، وكان نحويًا فرضيًا فلكيًا حيسوبًا وما زال يتقدم حتى أصبح سيبويه زمانه في علم النحو ومرجعًا لطلاب العلم، وضربت إليه أكباد الإبل من أطراف نجد.
ولد في سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، فنشأ نشأةً طيبة وتهذب على يدي والده، ورباه تربية حسنة، ولزمه وتخصص عليه في علم الفرائض والحساب وغيرهما من العلوم، ثم إنه أخذ في التعليم وداوم على ذلك في مسجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بعد صلاة الصبح إلى الساعة الرابعة نهارًا لا يخل بذلك، وكان رجلًا طويلًا نحيف الجسم، مهيبًا عند الخاص والعام، ويخضب بالحناء، وكان كثير الصيام قل ما تراه مفطرًا، وكان ملازمًا على الصف الأول في صلاة الجماعة خلف الإِمام، وكان كثير الأوراد والأذكار، وتولى حفظ بيت المال للإمام عبد الله بن فيصل ثم للإمام عبد الرحمن بن فيصل ثم للملك عبد العزيز، فقام بهذه المهمة خير قيام وأدى واجبًا يشكر عليه في النزاهة والعفة والأمانة، وكان يبذل للفقراء من طلاب العلم وأهل الدين مساعدات من بيت المال ما تقوم به كفايتهم، ويتفقد أحوالهم ويعطف عليهم، وبالجملة فإنه عون في الشدائد وذخر في النوائب ويقل مثله في الإحسان والعطف، وكان قد كفَّ بصره قبل وفاته، وبتخليه عن العمل فقده أهل الفضل والفقراء والمحتاجون، وقد أخذ عنه العلم خلق كثير من العلماء وانتفعوا به "فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
ولما توفي أسف لموته الخلاق وصليَّ عليه صلاة الغائب في المغارب والمشارق، وبكاه العلماء، وانتحبت عليه الأمة، وصليَّ عليه في جامع الرياض وأمَّ الناس في الصلاة عليه فضيلة الشيخ محمَّد بن عبد اللطيف، وشيعه خلق كثير من الأمراء والأعيان.
стр. 898
وممن أخذ عنه من العلماء الشيخ حسن بن حسين، والشيخ عبد الله بن حسن، وأخذ عنه الشيخ سليمان بن سحمان وغير هؤلاء.
ولما توفي دفن في مقبرة "العود" في مدينة الرياض، ولم يخلف من الأولاد سوى ابنه محمَّد، ومن مناقبه عطفه وإحسانه إلى الفقراء والمحتاجين والعلماء والمدرسين، ومن مناقبه أنه كان يجلس في مصلاه لصلاة فجر يوم الجمعة يتلو القرآن حتى يخرج الإمام لصلاة الجمعة، فإذا خرج الإمام على الناس وإذا به ختم القرآن، ووجد تحتد وسادته مكتوبًا في ورقة: أقول أنا حمد بن فارس بأني لا أعلم عن ابني محمَّد إلا خيرًا، فرحمة الله عليه، ونسأل من بيده الضر والنفع أن يسكنه الجنة ويتجاوز عنه إنه جواد كريم، شعرًا:
على حمد تبكي وتندب جهرةً ... هداة الورى من فقدها خير عالم
إمامٌ به كسر أصيبت محافل ... وحل بها من موجعات الدواهم
فمن بعده يولي ذوي الفقر رفده ... ويكشف من شداتهم كل صارم
ويمنح أهل الفضل من كل مؤمنٍ ... ويسدي إلى الخلق جم المكارم
وفيها قام أهل الحل والعقد والضبط والربط وقرروا إعلان ملكية نجد، فصدر الأمر الملكي في ٢٥/ ٧ بإبدال اسم السلطنة النجدية وملحقاتها "بالمملكة وملحقاتها"، وكاتب ابن سعود الحكومة البريطانية طالبًا إلغاء المعاهدة القديمة وعقد معاهدة جديدة تتناسب مع حالته الحاضرة، وأكد عليها، فأجابته إلى طلبه، ذلك بأنه لما اتسعت فتوحاته وخدمته الأيام والليالي وكان فوزه الحاسم يوم حائل وتقويضه إمارة آل رشيد جعله سيد نجد، غير مدافع وصاحب الكلمة العليا فيها، فانصرف إلى تعزيز نفوذه في خارجها فاحتل جانبًا من عسير بلا عناء، وحالف الأدارسة في تهامة، كما وسع حدوده من جهة الشرق، ومد نفوذه إلى الحجاز واستولى عليه، وأقام ينتظر الفرص ليضرب ضربته الكبرى وليبسط نفوذه على الجزيرة كلها ويدخلها في طاعته، وهو الحلم الجميل الذي يحلم به ويطمع أن يوفق إلى تحقيقه على أنه لا بد لنا من الاعتراف بأنه كان للصدف والحظ، وبكل حال فإن عبد العزيز بن سعود محظوظ كما يقول عن نفسه وحسبك أنه لما بشر باحتلال
стр. 899
أنصاره للطائف لم يصدق الخبر، بل أعاد الكرة مستفهمًا ومتثبتًا فأيدوه له، فظل على تردده حتى جاءه من مصدر وثيق فأزمع الرحيل على الفور إلى مكة ليتولى بنفسه قيادة الجيش خوفًا من الغشم.
وفي هذه الساعة ينتشر المبشرون في أنحاء المملكة يطلقون البنادق على الفضا وينادون بفتح مكة والمدينة وجدة، ولما أن طلب من بريطانيا تعديل الاتفاقية، بعثت مندوبها لذلك بين جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود وبين جلالة ملك بريطانيا، وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، جلالة ملك بريطانيا وإيرلندا والممتلكات البريطانية من وراء البحار إمبراطور الهند، من جهة وجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها من جهة أخرى، رغبةً في توطيد العلاقات الودية السائدة بينهما وتوثيقها وتأمين محالهما وتقويتها قد عزما على عقد معاهدة صداقة وحسن تفاهم، لذلك أوفد صاحب الجلالة البريطانية حضرة "السر جلبرت فلكنجهام كلايتون" مندوبًا مفوضًا، وانتدب صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها صاحب السمو الملكي الأمير "فيصل بن عبد العزيز" جله ونائبه في الحجاز مندوبًا مفوضًا عنه.
بناء على ما تقدم وبعد الاطلاع على مستندات اعتمادها والتثبت من صحتها قد اتفق حضرة الأمير "فيصل بن عبد العزيز" وحضرة "السر جلبرت كلايتون" على المواد التالية:
المادة الأولى: يعترف صاحب الجلالة البريطانية بالاستقلال التام المطلق لمالك صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها.
المادة الثانية: يسود السلم والصداقة بين صاحب الجلالة البريطانية وصاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها، ويتعهد كل من الفريقين المتعاقدين بأن يحافظ على حسن العلاقات مع الفريق الآخر، وبأن يسعى بكل ما لديه من الوسائل لمنع استعمال بلاده قاعدة للأعمال غير المشروعة الموجهة ضد السلام والسكينة في بلاد الفريق الآخر.
стр. 900
المادة الثالثة: يتعهد صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بتسهيل أداء فريضة الحج لجميع الرعايا البريطانيين والأشخاص المتمتعين بالحماية البريطانية من المسلمين أسوةً بسائر الحجاج، ويعلن جلالة الملك بأنهم يكونون آمنين على أموالهم وأنفسهم أثناء إقامتهم في الحجاز.
المادة الرابعة: يتعهد صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بتسليم مخلفات من يتوفى في البلاد التابعة لجلالته من الحجاج المذكورين آنفًا والذين ليس لهم في بلاد جلالته أوصياء شرعيون، إلى المعتمد البريطاني في جدة أو من ينتدبه لهذا الغرض لإيصالها لورثة الحاج المتوفى المستحقين بشرط أن لا يكون تسليم تلك المخلفات إلى الممثل البريطاني إلا بعد أن تتم المعاملات بشأنها أمام المحاكم المختصة، وتستوفى عليها الرسوم المقررة في القوانين الحجازية أو النجدية.
المادة الخامسة: يعترف صاحب الجلالة البريطانية بالجنسية الحجازية والنجدية لجميع رعايا صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها عندما يوجدون في بلاد صاحب الجلالة البريطانية أو البلاد المشمولة بحماية جلالته، وكذلك يعترف صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بالجنسية البريطانية لجميع رعايا صاحب الجلالة البريطانية ولجميع الأشخاص المتمتعين بحماية جلالته عندما يوجدون في بلاد صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها، على أن تراعى قواعد القانون الدولي المرعي بين الحكومات المستقلة.
المادة السادسة: يتعهد صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بالمحافظة على الصلات الودية والسلمية مع الكويت، والبحرين، ومشايخ قطر، والساحل العماني الذين لهم معاهدات خاصة مع حكومة صاحب الجلالة البريطانية.
المادة السابعة: يتعهد صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بأن يتعاون بكل ما لديه من الوسائل مع صاحب الجلالة البريطانية في القضاء على الاتجار بالرقيق.
стр. 901
المادة الثامنة: على الفريقين المتعاقدين إبرام هذه المعاهدة وتبادل قرارات الإبرام بأقرب وقت وتصير المعاهدة نافذة اعتباراً من تاريخ تبادل قرارات الإبرام، ويعمل بها مدة سبع سنوات ابتداء من ذلك التاريخ، وإن لم يعلن أحد الفريقين المتعاقدين الفريق الآخر قبل انتهاء السنوات السبع بستة أشهر أنه يريد إبطال المعاهدة تبقى نافذة ولا تعتبر باطلة إلا بعد مضي ستة أشهر من اليوم الذي يعلن فيه إبطالها من أحد الفريقين إلى الفريق الآخر.
المادة التاسعة: تعتبر المعاهدة المعقودة بين صاحب الجلالة البريطانية وصاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها في ٢٦ ديسمبر ١٩١٥ م يوم كان جلالته حاكماً لنجد وما كان ملحقاً بها، إذ ذاك ملغاة ابتداء من تاريخ إبرام هذه المعاهدة.
المادة العاشرة: دونت هذه المعاهدة باللغتين العربية والإنكليزية وللنصين قيمة واحدة، أما إذا وقع اختلاف في تفسير أي قسم منها فيرجع إلى النص الإنكليزي.
المادة الحادية عشرة: تعرف هذه المعاهدة بمعاهدة جدة، وقعت هذه المعاهدة في جدة يوم الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة ١٣٤٥ هـ الموافق عشرين من أيار ١٩٢٧ م.
جلبرت فلكنجهام كلايتون ... فيصل بن عبد العزيز السعود
ولما أن اطلع عليها صاحب الجلالة قال: بعد أن اطلعنا على هذه المعاهدة السالفة الذكر، وأمعنا النظر فيها صدقناها وقبلناها وأقررناها جملةً في مجموعها مفردةً في كل مادة وفقرة منها، كما أننا نصدقها ونقبلها ونثبتها ونبرمها ونتعهد ونعد وعداً ملوكياً صادقاً بأننا سنقوم بحول الله بما ورد فيها، ونلاحظه بكمال الأمانة والإخلاص، وبأننا لن نسمح بمشيئة الله بالإخلال بها بأي وجه كان طالما نحن قادرون على ذلك، وزيادةً في تثبيت صحة كل ما ذكر فيها أمرنا بوضع خاتمنا على هذه الوثيقة ووقعناها بيدنا والله خير الشاهدين.
стр. 902
حرر في اليوم الحادي والعشرون من شهر ربيع الأول ١٣٤٦ هـ الموافق ١٧ من شهر سبتمبر ١٩٢٧ م.
الختم اللكي
عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
وهذا تصديق ملك بريطانيا:
جورج بنعمة الله ملك بريطانيا العظمى وإيرلندا والممتلكات البريطانية فيما وراء البحار، حامي الإيمان وإمبراطور الهند، إلى كل من يطلع على كتابنا هذا سلام.
بما أنه قد عقدت بيننا وبين حضرة صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها معاهدة وقعت في جدة من قبل مندوبنا المفوض ومندوب جلالته الحائزين للصلاحية التامة المتقابلة، وذلك في اليوم العشرين من شهر مارس سنة ١٩٢٧ م لتثبيت وتقوية العلاقات الودية وحسن التفاهم الموجود والحمد لله بين بلدينا وهي كلمة بكلمة كما يلي، فنحن بعد أن اطلعنا وأمعنا النظر في المعاهدة المتقدمة صدقناها وقبلناها ونثبتها ونبرمها عن أنفسنا وعن خلفائنا وورثتنا ونتعهد ونعد وعداً ملوكياً صادقاً بأننا سنقوم ونلاحظ بكمال الأمانة والإخلاص ما ورد فيها جملةً وإفراداً من الأشياء الموجودة والمبينة في المعاهدة المذكورة، وبأننا لا نسمح لأحد بالإخلال بها أو مناقضتها بأي وجه كان طالما نحن قادرون على ذلك، وزيادة في الاستشهاد والصحة في كل ما ذكر فيها أمرنا بوضع خاتمنا الكبير على هذه المستندات ووقعناها بيدنا الملكية.
ثم دخلت سنة ١٣٤٦ ه ـ
استهلت هذه السنة والملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود يوطد ملكه ويرفع شأنه، وذلك لأنه لما أعطاه الله زمام الملك واستولى على البلدان، رأى أنه لا يستطيع حكم بلاد واسعة عظيمة دون ما أن يكون لديه تلفون وراديو وتلغرافات وسيارات تقرب البعيد وتمكن من القبض بالسرعة على كل مفسد من المعتدين، وما كان بعمر بن الخطاب بأن يسمع سارية أن يلزم الجبل من مسافة بعيدة،
стр. 903
فلضرورة المواصلات تحدث إلى العلماء بمنافع تلك المخترعات وأن لكل زمان دولة ورجال، فكان ردُّ هؤلاء أن أقروا عمله وأيدوا اقتراحه، وذلك لما رأوا أنه لا ينتظم الأمر على مطلوبه إلا بذلك، فعند ذلك دخلت ألوان المدينة النافعة إلى الجزيرة وأصبح سيد الجزيرة يعمل لرفع مستوى التقدم والحضارة في مملكته، فنقل صاحب الجلالة وزارته الخارجية وأكثر دواوينه الرسمية إلى مكة لأنها أقرب إلى أوربا والخارج من الرياض، وقسم مملكته إلى قسمين الحجاز ونجد، فترك للأمير فيصل أمر الحجاز بالنيابة، ولولي عهده سعود حكم نجد، وكان يسمى كل منهما بنائب الملك، ورأى أيضاً صاحب الجلالة أنه بحاجة إلى جند منظم يكون جديد السلاح حديث البنادق، ولم يتأخر عن ذلك صارفاً جل اهتمامه، ووجد أن الحاجة ماسة إلى سيارات تنقل له جنده من مكان إلى آخر فيما إذا حدثت ثورة وكانت الضرورة تقتضي قمعها حالاً، فاشترى مائة للنقل من ورادات الحج التي كانت وفيرة، وهذا في أول هذه السنة وآخر التي قبلها، كما أنه أعطى بعض المصريين امتيازاً بنقل الحجاج بالسيارات بين مكة وجدة، وكانت الدول قد اعترفت بأنه ملك الحجاز ونجد وملحقاتها إلا ما كان من إيطاليا، فإنها ما اعترفت إلا بعد ذلك، وما كان بحاجة إلى أن تعترف له هي أو غيرها، بل لما تم له الاستيلاء على جدة قال له أحد الذين قابلوه أنه لا بد له من الحصول على اعتراف الدول به ملكاً على الحجاز، فأجابه بهذا الجواب البليغ:
نحن في جدة، ومن لا يقبل فليتقدم ليخرجنا، ثم رأى صاحب الجلالة بعد ما سعى في تقدم بلاده أن يبعث بنجله الأمير فيصل للمرة الثانية إلى أوربا، فركب الأمير البحر إلى لندن واستقبل هذه المرة استقبالاً يختلف عن استقباله في المرة الفائتة، فقد استقبله جورج الخامس وقلده وساماً رفيعاً وأكرمه الإنكليز كل الإكرام، وكان الفرنسيون غير الفرنسيين من الذين زار الأمير بلادهم مثل الإنكليز في إكرامه والاهتمام بزيارته، ورأى الأمير بأم عينيه وكان قد أصبح شاباً مثقفاً منافع الاختراعات الحديثة وضرورة الطائرات، فعاد إلى بلاده وأخذ يقنع والده
стр. 904
بضرورة عدة طائرات كما قد أقنعه بلزوم شراء مكنات لحفر الآبار وغيرها من الأمور التي تعود بكثير من الفوائد على الجزيرة وسكانها، ولضرورة الحكومة إلى المصالح اشترى صاحب الجلالة فعلاً بعض الطيارات في هذه السنة، كما أخذ ينتفع بكثير من المخترعات الغربية، ثم إنه أرسل ابن سعود بعد رجوع نجله فيصل بعض الشباب النجديين إلى لندن لدرس كيفية استعمال الراديو والتلفون اللاسلكي وغيرها، كما أنه أخذ يستعمل السيارات في قمع الثورات والقبض على اللصوص والمجرمين، مما زاد في استتباب "السلام في الجزيرة واطمأن الناس فيها على أنفسهم كل الاطمئنان، وهو شيء جديد لم تره الجزيرة قبل أيام ابن سعود، بل ولا في سالف الأعوام، وجعل في مكة محطة راديو للإذاعة بقوة ستة كيلوات، وهناك مثلها في الرياض، ولدى جلالة الملك عدة سيارات كبيرة تحمل التلغراف اللاسلكي، وكل هذه المكائن والمخترعات أصبح يديرها شباب من سكان الحجاز ونجد ومن الذين أرسلتهم الحكومة النجدية الحجازية إلى لندن فتعلموا استعمال هذه المخترعات وعادوا إلى بلادهم كموظفين لدى الحكومة وبواسطة هذا يستطيع ابن سعود أن يكون في كل مكان وأن يقمع الثورة عند ظهورها.
ذكر تأسيس دار الكسوة
لما كان في شهر محرم من هذه السنة، بل في مستهلها شرعت الحكومة السعودية في تأسيس دار الكسوة للكعبة المعظمة، وكان ذلك خشية من مضايقة الوقت بأن تكون الحكومة ساهرة عينها خشيةً من طوارئ الحكومة المصرية في منع الكسوة كما سلف منها، فصدرت الأوامر السعودية بإنشاء هذه الدار الخصوصية لعمل الكسوة، فقام وزير المالية مبادراً لتنفيذ هذا العمل مبادراً واختط لها موضع بحارة جياد، أمام دار وزارة المالية العمومية، فكانت مساحة الأرض التي أنشئت عليها تلك الدار نحو من ١٥٠٠ متر مربع، وأخذ العمال يعملون بغاية السرعة، فتمت عمارتها في نحو ستة أشهر على دور واحد وعلى حسب المقتضى لعمل الكسوة
стр. 905
بغاية الإبداع والحسن، فكانت هذه الدار أول دار أسست خصيصاً لحياكة كسوة الكعبة المعظمة بمكة المكرمة في عصر جلالة الملك عبد العزيز، ثم صدرت إرادة الملك عبد العزيز المعظم بإحضار العمال اللازمين لحياكة الكسوة المشار إليها وعمل التطريز اللازم للحزام وستارة الباب وما يقتضي عمله للكسوة وتوابعها من بلاد الهند، فوصل العمال والأنوال من الهند في ابتداء شهر رجب من هذه السنة إلى مكة المكرمة بواسطة إسماعيل الغزنوي أحد علماء الهند ووجهائها وفضلائها مع الحرير والصباغ وكل ما يلزم لعمل الكسوة المذكورة، ثم صدر أمر صاحب السمو الملكي النائب العام لجلالة الملك المعظم، الأمير فيصل بن عبد العزيز بإسناد إدارة معمل الكسوة الشريفة إلى الشهم عبد الرحمن مظهر المترجم بوزارة الخارجية السعودية في ذلك الوقت ورئيس مطوفي الهنود حالاً، فقام المذكور بمساعدة وزير المالية عبد الله بن سليمان بإتمام بناء دار الكسوة، ولما تم البناء قام بترتيب رؤساء العمال الواردين لعمل الكسوة كلاً بحسب وظيفته، وكان عددهم عشرين من الخدم وأربعين معلماً، فمجموعهم يكون ستين شخصاً، ولما أن كان في نهاية شهر ذي القعدة من هذه السنة تم عمل الكسوة الشريفة على غاية ما يرام من حسن الحياكة وإتقان الصنعة، وكتب على الحزام الذي في أعلاها ما نصه:
هذه الكسوة صنعت في مكة المباركة العظيمة بأمر خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية أيده الله تعالى بنصره سنة ١٣٤٦ هجرية على صاحبها أفضل التحية وأتم التسليم، فلما كان يوم النحو وهو اليوم الذي تلبس به الكعبة ثوبها الجديد كسيت بها الكعبة المعظمة لا زالت تكسى عاماً بعد عام معظمةً بعز الإسلام، وظهرت عليها في غاية الحسن والجمال، وكانت محل إعجاب العموم ومفخرة خالدة لجلالة ملك المملكة العربية السعودية أدام الله رفعته وأعلى منزلته، وكان هذا بتوفيق الله له بحيث أنه صنعت بمكة المكرمة ولم يصنع قبلها في أم القرى منذ خلق الله الكعبة إلى ذلك اليوم، وقد حاز مدير معمل دار الكسوة عبد الرحمن مظهر جائزة سنية من الحكومة السعودية وشهادة تقدير على عمله ذلك.
стр. 906
وفيها أيضاً تم عمل السبيل الذي يلي باب قبة زمزم بالجهة الشرقية، وهذا صنع على حساب جلالة الملك عبد العزيز، فعمل بالحجر الرخام المرمر على شكل بديع الصنع، وله ست فوهات على قدر من صدر الرجل الربعة، وهذا هو الثالث من أسبال ماء زمزم لأنا قد قدمنا ذكر اثنين، وقد صرف جلالة الملك عبد العزيز على إنشائهما وتجديده ما يربو على ثلاثمائة جنيه ذهب، وكتب على هذا الثالث، هذا السبيل أنشأه الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن السعود.
وفيها أيضاً تم تركيب الكهرباء لإضاءة المسجد الحرام، وهي التي تبرع بها أحد تجار الهند للمسجد، وهي كبيرة بقوة ثلاثين كيلو، وكان تمام التركيب في غرة ذي القعدة، وهذا المتبرع اسمه داود أتبا من أهالي رنكون.
وفيها تم طبع مجموعة التوحيد في مطبعة المنار مبتدأة بكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، ثم بعده كشف الشبهات، ثم جملة رسائل في التوحيد، ثم كتاب الكلمات النافعة، ثم ختمت بحاشية التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ وهي المسماة "بقرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين" وكان طبعها بنفقة جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود جزاه الله خير الجزاء، وكم له من يد بيضاء تجود بمثل هذه الأعمال الطيبة، وسيأتي ذكر شيء من مطبوعاته القيمة التي من أعلاها كتاب المغني والشرح الكبير والتفسير وغيرهما.
ذكر ثورة الدويش وأتباعه من البدو المغترين
قد أسلفنا ذكر استعمال ابن سعود للمخترعات الحديثة لتوقف المصلحة على استعمالها، ولكن أعماله تلك ليست بمرضية لدى الدويش وأتباعه، فثاروا على ابن سعود، وكان الدويش بزعمه يظن أنه يستطيع أن يضطر ابن سعود إلى البقاء في البداوة، ويظهر أعمال الدويش أنه يحب عادات البدو من النهب والغارة، وأخذوا أتباعه يحاولون العودة إلى عادتهم القديمة لأن الطبع يغلب التطبع، كما أن بعد ابن سعود عن الرياض لما استناب عليها نجله سعود وجعله في مكانه معيناً أثار عليه الدويش ولم يرض حضارة الحجاز وتمدن أهله، وأسخطه ترحيب ابن سعود
стр. 907
بالمخترعات الجديدة وعقد المعاهدات مع الأوربيين وغير الأوربيين لأنهم بزعمه كفار، وكل معاهدة معهم موالاة يحرمها الدين، ونقموا عليه منعهم من الحدود الشمالية والعراقية أن يقاتلوا أهلها لما مضى من المعاهدات المتقدمة، فهذان أمران.
وثالثهما: أنه أدخل الأجانب على المسلمين مثل فلبي وغيره.
ورابعاً: اتخاذه المكوس إلى غير ذلك، ودين الدويش لا يقبل ذلك، ولقد استطاع أن يصيد بأشراكه هذه، فأما من الإخوان فاستجاب له أمير الغطغط ومن أتبعهم من مطير وعتيبة، فأهم ذلك ابن سعود لما لهذين القائدين من الشجاعة والصرامة وأسف أن يخسرهما جيشه، وأنظم إليهما ابن لامي وابن حثلين، واستفحل الشر وتفتحت أبوابه، ولقد كان أولئك رجالاً أهل صدق في اللقاء، وثبات وجراءة، فلا ننسى ما لاقاه الشريف في وقعة تربة، والطائف، ومكة، وما جرى منهم في وقعة عمان والجهراء، حتى أرهبوا القاصي والداني فغرهم ما جرى على أيديهم، وأعجبوا بأنفسهم وأخذوا يطلبون الأغراض على ابن سعود، واعتدوا على اتفاقياته، وقد انضاف إلى الحمى آلام أخرى، وهي تحرك ملك العراق وأمير شرقي الأردن نجلي الشريف حسين، إذ كانا لا يستطيعان صبراً على الملك الذي فقده والدهما، فلما أحسا بمشاكل ابن سعود في نجد، وأحاطا علماً بثورة الإخوان عليه اغتنما الفرص وأثارا قبائل الحدود، فاشتعلت النار في الجزيرة من جديد.
التعريف بالدويش
كان هذا الرجل أحد قواد البدو الذين يحرزون النصر، ويسير تحت ظل راية ابن سعود، ويسارع في النجدات، غير أنه كان معجباً بنفسه ومعجباً به أتباعه من مطير، وقد يتجاوز الأمر الذي رسم له ويتعدى طوره لفرط غشمته ونكاية ضربته، نسأل الله العافية، وما أسرّ عبد سريرة إلا ألبسه الله ثوبها علانية، فيصل وما فيصل كان وربك يطلب الملك لنفسه سخر عمله لإدراك مطلوبه، فقد سأل مرة من يثق به هل كان في المتقدمين بدوي قد ملك.
стр. 908
ولما أن عمرت هجرة الأرطاوية التي هو أميرها بنى فيها مسجداً فرأى بعض الأخيار في منامه منادياً ينادي في ذلك المسجد لما وصل الحيعلة قال: "حي على الضلال" وكذلك يجري منه في بعض الأحيان أمور تدل على ضلاله، ويظهر فلتات لسانه وجراءته ما يبين على أنه مغموص بالغلضة، فقد يسخر بأحكام الشريعة، كما حكم الشيخ محمد بن عبد العزيز العجاجي على رجل من مطير شج رأس رجل من قبيلة حرب موضحة بخمس من الإبل، فجعل الدويش يغطرس ويستهزئ بقوله: إذاً فليشجه ثانيةً وثالثةً حتى يكون له ذود يا حرب، وكان لا يخاطب جلالة الملك عبد العزيز إلا باسمه، وينتقد سياسته، ولما أن جعله صاحب الجلالة محاصراً للمدينة المنورة، كان أهلها متحرجين منه كارهين له لما شاهدوه من ضغطه وبطشه وسفكه، حتى شاع أنه أطلق النار على قبة الرسول المعظم مما أثار العالم فاضطر صاحب الجلالة إلى إرساله إلى نجد تخلصاً من شره وتطميناً لسكان الحجاز وجعل مكانه نجله الأمير محمداً، ولما علم سكان المدينة بذهاب الدويش استسلموا للأمير محمد بن عبد العزيز، وكان الدويش لم يتورع في هذه الفترة عن إثارة كل عرب الحدود من الإخوان وسواهم وغزو الحدود العراقية غير مرة يقتل وينهب ويفعل ما يشاء، وأثخن من لاقاه بالقتل والضرب والنهب حتى قتل بعض الرجال السعوديين لما ذهبوا للتجارة نحو الكويت والعراق، ولما وصل الدويش برجاله إلى حوالي البصرة لم يترك في طريقه منزلاً إلا هده ولا نخيلاً إلا حرقه ولا قريةً إلا هدها، فضجت بريطانيا لذلك، وأصدر ملك العراق فيصل أوامره بإقامة الحصون على الحدود في منطقة كثيرة الآبار وفيرة الماء، وكان هذا باتفاق مع الإنكليز، وكان المهم في هذا الأمر الذي لا خطورة ظاهرة من حدوثه هو فيما إذا كانت هذه المنطقة من المناطق التي اتفق الفريقان على حيادها وتركها مرعى لمواشي القبائل وموطناً للاستسقاء من مائها الغزير.
ومن سوء الحظ أنه كان ابن لفيصل الدويش يرعى مع بعض أفراد قبيلته في هذه المنطقة، فلما رأى العملة الذين أرسلوا لإقامة الحصون فيها، بعث إلى والده
стр. 909
بالخبر، فزحف الدويش وسقط على العراقيين يمعن فيهم قتلاً وفتكاً، فلما هاجم بأتباعه مخفر البصية على الحدود العراقية، قامت السلطات البريطانية تنذرهم وتأمرهم بالابتعاد عنها والذهاب إلى نجد لأنهم رأوا مهاجمات الدويش هوجاء، وقامت بريطانيا تفاوض ابن سعود في مشكلاتهم ويواعدهم بكل خير وأنه عازم على الرحيل إلى نجد لحل المسائل المعلقة حلاً سلمياً وآخر ذلك بعثت بريطانيا سرباً من الطائرات وسيارات مصفحة لضرب الدويش وأصحابه ولكنها توقفت، وذلك بسبب الرمال والرياح القوية، ولأنه وأصحابه قد تعلموا الاختفاء من الطائرات حين يرونها فلا يستطيع منهم نيلاً ولا كيداً فساعة سمعوا رعودها بعثوا حادياً للإبل لتتبعها الطائرات ورصدوا لها في الطريق.
ولما أن مرت الطائرات من فوقهم تريد أشباح الإبل اعملوا عليه البنادق فتحطم بعضها في الجو سقطت ولم يسلم منها إلا القليل غير أنه تمكن بعض الطائرات من السير حتى وصلت الأرطاوية وألقت القنابل والقذائف على ما مرت عليه فرجع ابن سعود مسارعاً إلى الرياض لما بلغه خبر الاضطرابات وأن الطائرات البريطانية قد لحقت بالمعتدين، وحلقت فوق البلاد النجدية السعودية نفسها لتضرب الإخوان، فلما رأى الدويش الطائرات الإنكليزية فوق البلاد السعودية اغتنمها فرصة بقوله أن ابن سعود قد باع نفسه للإنكليز، وجعل ينال بالمسبه ويقول انظروا إلى هذا الكافر يمنع الناس من غزو المدن المجاورة وهؤلاء الإنكليز الذين يمنعنا عن مهاجمتهم لا يتورعون عن مهاجمة النجديين في عقر دارهم، وإذا كان ابن سعود لا يعلن الحرب حالاً على الإنكليز فمن الواجب خلعه، فعندها بعث ابن سعود نبأ برقياً إلى بريطانيا واعمل حيلته حتى تمكن من مراجعة البصرة وطلب إيقاف الطائرات ومنعها من الهجوم، وجعل يسعى في إيقاف القبائل الجائرة، ويمرس النوائب ويعركها وأحس بالخطر لكنه لا يمكنه الاجتماع بالدويش الذي كان بعيداً بل ثائراً، فطلب جلالة الملك من العلماء أن يبذلوا النصيحة ويرشدوا ويبينوا لهؤلاء العتاة الثائرين قبح مصير الإفساد ويخوفوهم من مغبة المعاصي
стр. 910
والتفرق والبغي وأن يكشفوا شبهتهم التي انتقدوه لأجلها وعابوا وخرجوا عليه، فقام العلماء وألفوا الرسائل وبذلوا النصائح وحذروهم من ارتكاب تلك الفضائح، وها نحن نذكر قليلاً من كثير ونشير إشارة وجيزة، فمنها هذا الكتاب الذي نذكره بحروفه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد بن عبد اللطيف، وسعد بن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وعبد الله بن عبد العزيز العنقري، وعمر بن سليم، وصالح بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الله بن حسن، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله، إلى من يراه من كافة الإخوان وفقهم الله لما يحب ويرضاه، وجعلنا وإياهم ممن اتبع هداه، آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ذلك أشرفنا على بعض مكاتيب للإمام عبد العزيز وفقه الله وحفظه من بعض الإخوان، ورأينا فيها بعض الكلام في مسألة الأتيال اللاسلكي وأجناسها وكأنه مشكل عليكم توقفنا العام الماضي عن الجزم بالتحليل وظننتم أن عندنا أمراً قد كتمناه عنكم، وهذا الظن ما ينبغي منكم بنايا إخوانكم، لأن الواجب عليكم أن لا تظنوا أننا نتوقف عن شيء وقد ظهر لنا حكمه مراعاة لوجه أحد من الناس، فنعوذ بالله أن نكون كذلك، وإنما توقفنا اتباعاً لأمر الله وما جاء في سنة رسول الله ﷺ وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، ونحن ما نقول ولا نعمل إن شاء الله إلا بما ظهر لنا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال السلف رضي الناس أم غضبوا، وعند العلماء قاعدة مشهورة وهي أن العلماء إذا توقفوا في شيء واختلفوا فيه فلا يعاب على فاعله ولا يعاب على تاركه إلا بدليل شرعي.
فأما مسألة الأتيال وأجناسها فلا والله ونبرأ إلى الله أن يكون قد ظهر لنا فيها أمر محرم من كتاب الله وسنة رسوله، ومن أقوال العلماء ومن أهل الخبرة ممن نثق به فنقول:
стр. 911
من تكلم في مسألة الأتيال بتحريم أو عاب على الإمام بسببها فقد أخطأ وارتكب معصية، وخالف أمر الشريعة، هذا الذي ندين الله به وهو الحق، ونبرأ إلى الله من غير ذلك هذا الذي عندنا ومن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، نرجوا أن الله يلهمنا وإياكم رشدنا ويعذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا والله على ما نقول وكيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ١٣٤٦ هـ، ثم وقع العلماء أسماءهم في أسفله وهم المذكورون بعاليه.
وكتب أيضاً الشيخ سعد بن حمد بن عتيق رسالة مطولة إلى أهل الأرطاوية، والغطغط وغيرهم من عتيبة، ومطير، وقحطان وغيرهم من الإخوان، وآتى بالآيات والأحاديث الدالة على لزوم التمسك بالكتاب والسنة والجماعة والنهي عن التفرق وذكر فيها تحريم الإفتاء بدين الله بلا علم، إلى أن قال: ومما انتحله هؤلاء الجهلة المغرورون الاستخفاف بولاية المسلمين والتساهل بمخالفة إمام المسلمين والخروج على طاعته والإفتيات عليه بالغزو وغيره، وهذا من الجهل والسعي في الأرض بالفساد وحث على لزوم الجماعة وعدم الفرقة، وقال: لا دين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وقد وجدت الرسالة محررة في ٣٠ ربيع الأول من هذه السنة.
وكتب أيضاً الشيخان الجليلان محمد بن عبد اللطيف والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري رسالة مفيدة ونصيحة سديدة في التحذير من نزغات الشيطان وأنه يأخذ العبد من طريق الشدة إن شم من قلبه صلابة وقوة حتى يخرجه عن الصراط المستقيم أو يأخذه من طريق الجفاء إن شم من قلبه تساهلاً وكسلاً وبينا فيها تحريم إساءة الظن بالعلماء وتحريم عدم الأخذ عنهم بحيث أن الإنسان يكون عمدته مجموعة التوحيد وهو جاهل بما وضع فيها، وتكلما بتحريم إساءة الظن بولي الأمر والخروج عليه وعدم السمع والطاعة له، وإن هذا من دين الجاهلية وأسهبا بالتعريف في حق الإمام الأعظم وأطالا، وقد رأيتها أيضاً محررة في هذه
стр. 912
السنة، ثم إنه عقد صاحب الجلالة مؤتمراً دعا إليه العلماء والأمراء والقواد والرؤساء وبعض الإخوان والشيوخ وغيرهم من كل ناقم عليه منتقد لسياسته، فحضر أولئك المدعوون في أحد أروقة القصر الملكي، وبلغ عدد الحاضرين ثمانمائة من الطبقات، فلم يتخلف أحد من الرؤساء غير هؤلاء الثلاثة: وهم الدويش، وسلطان بن بجاد، وابن حثلين، وهؤلاء هم رؤساء الفتنة، وهم أقوياء كبار لهم أثر في الجزيرة، فعدم حضورهم والحالة هذه يدل على أنهم ينكرون سياسته ولا يريدون الاتفاق معه ولا الرضا بسلطانه، فعند ذلك تجلى صاحب الجلالة عبد العزيز أمام المؤتمر وأظهر شفقته على وطنه ومحبته لبلاده ورعيته وعطفه على شعبه، فاستمرت المجادلات وطالت المناقشات، ولم يترك الحضور باباً إلا بحثوه، والإمام لا يترك انتقاداً دون ما جواب، ولا رأياً دون ما نقد ولا حجة لا يقرعها بحجة أقوى وأضخم وأخيراً وقف يخطب الحضور فقال:
إني لم أطلب منكم أن تجتمعوا اليوم في هذا المكان خشيةً منكم، فإني قد أسست هذه المملكة بقدرة الله وحده الذي عاضدني وساعدني والذي كتب لي الفوز وكتب لي التوفيق، وإن خوفي من الله وحده، هو الذي حدا بي لأن أجمع شملكم اليوم لنتباحث معاً، وقد فعلت ذلك حتى لا أقع في نقيصة الإعجاب بالنفس والكبرياء، فذابت قلوب النجديين أمام أقوال هذا الرجل العظيم الذي يهاب الله إلى هذا الحد ويخشاه إلى هذا المقدار، ولا شك بأن هذا الملك موفق في كلامه موفق في أقواله وفي أفعاله بحيث ضرب على الوتر الحساس الذي يطرب له البدوي الذي كان يريد من قائده أن يكون باسلاً كل البسالة، واثقاً بنفسه كل الثقة، ولكن البدوي يريده أن يكون خاشعاً أمام الله كل الخشوع ورعاً كل الورع، جعل يتكلم صاحب الجلالة فسحر بكلامه مسامعهم وأدهشهم بفصاحته حتى بهر السامعين، واقتنع الجاهلين، وسكب العبرات من عيون الحاضرين، ثم قال: أيها الإخوان تعلمون عظم المنة التي منَّ الله بها علينا بدين الإسلام، إذ جمعنا به بعد الفرقة، وأعزنا به بعد الذلة، واذكروا قوله تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾
стр. 913
[التوبة: ١٠٥]، إن شفقتي عليكم وعلى ما من الله به علينا، وخوفي من تحذيره بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، كل هذا دعاني لأن أجمعكم في هذا المكان لتذكروا:
أولاً: ما أنعم الله به علينا فنرى ما يجب عمله لشكران هذه النعمة.
وثانياً: لأمرٍ بدا في نفسي وهو أنني خشيت أن يكون في صدر أحد شيء يشكوه مني أو من أحد نوابي وأمرائي بإساءة كانت عليه أو بمنعه حقاً من حقوقه، فأردت أن أعرف ذلك منكم لأخرج أمام الله بمعذرةٍ من ذلك وأكون قد أديت ما علي من واجب.
وثالثاً: لأسألكم عما في خواطركم وما لديكم من الآراء، ومما ترونه يصلحكم في أمر دينكم ودنياكم.
أيها الإخوان: إن القوة لله جميعاً وكلكم يذكر أنني يوم خرجت عليكم كنتم فرقاً وأحزاباً يقتل بعضكم بعضاً، وينهب بعضكم بعضاً، وجميع من ولاه الله أمركم من عربي أو أجنبى كانوا يدسون لكم الدسائس لتفريق كلمتكم وإضعاف قوتكم لذهاب أمركم، ويوم خرجت كنت محل الضعف وليس لي من عضد وساعد إلى الله وحده، ولا أملك من القوة إلى أربعين رجلاً تعلمونهم ولا أريد أن أقص عليكم ما من الله به علي من فتوح ولا بما فعلت من أعمال معكم كانت لخيركم، إن تاريخ ذلك منقوش في صدر كل واحد منكم وأنتم تعلمون جميعاً وكما قيل:
"السيرة تبين السريرة" إنني لم أجمعكم اليوم في هذا المكان خوفاً أو رهباً من أحد منكم، فقد كنت وحدي من قبل وليس لي مساعد إلا الله فما باليت الجموع والله هو الذي نصرني وإنما جمعتكم كما قلت لكم خوفاً من ربي ومخافة من نفسي أن يصيبها زهو أو استكبار، جمعتكم هنا في هذا المكان لأمر واحد ولا أجيز لأحد أن يتكلم في غيره، ذلك هو النظر في أمر شخصي وحدي فيجب أن تجتنبوا في هذا المجلس الشذوذ عن هذا الموضوع أما الأشياء الخارجة عن هذا فسأعين لكم اجتماعات خاصة وعامة ننظر فيها، أريد منكم أن تنظروا أولاً فيمن يتولى أمركم
стр. 914
غيري وهؤلاء أفراد الأسرة أمامكم فاختاروا واحدًا منهم ومن اتفقتم عليه فأنا أقره وأساعده وكونوا على يقين بأنني لم أقل هذا القول استخبارًا لأنني ولله الحمد لا أرى لأحد منكم منةً علي في مقامي هذا، بل المنة لله وحده ولست في شيء من مواقف الضعف حتى أترك الأمر لمنازع بقوة ولا يحملني على هذا القول إلا أمران:
الأول: محبة راحتي في ديني ودنياي، والثاني إني أعوذ بالله من أن أتولى قومًا وهم لي كارهون، فإن أجبتموني إلى هذا فذلك مطلبي ولكم أمان الله فإن من يتكلم في هذا فهو آمن ولا أعاتبه لا آجلًا ولا عاجلًا فإن قبلتم طلبي هذا فالحمد لله، وإن كنتم لا تزالون مصرين على ما كلمتموني به على أثر دعوتي لكم فإني أبرأ إلى الله أن أخالف أمر الشرعي في اتباع ما تجمعون عليه مما يؤيد شرع الله، فصاح الحضور على نفس واحد وتعالت الأصوات لا نريد بك بدلًا يا عبد العزيز كلا لا نرضى بغيرك ملكًا ثم صمت ثم استمر في الخطبة، فإذا لم يحصل ذلك منكم فابحثوا في شخصي وأعمالي، من كان له علي أنا عبد العزيز شكوى أو حق أو انتقاد في أمر دين أو دنيا فليبينه ولكل من أراد الكلام عهد الله وميثاقه وأمانة إنه حر في كل نقد بينه ولا مسؤولية عليه، وإني لا أبيح لإنسان من العلماء ولا من غيرهم أن يكتم شيئًا من النقد في صورة، وكل من كان عنده شيء فليبينه ولكم علي أن كل نقد تذكرونه أسمعه، فما كان واقعًا أقررت به وبينت سببه وأحلت حكمه للشرع يحكم فيه، وما كان غير بين وهو عندكم من قبيل الظنون فلكم علي عهد الله وميثاقه أنني أبينه ولا أكتم عليكم منه شيئًا، وأما الذي تظنونه مما لم يقم فأنا أنقيه لكم وأحكم في كل ما تقدم شرع الله فما أثبته، وما نفاه نفيته.
أنتم أيها الإخوان: أبدوا ما بدا لكم وتكلموا بما سمعتموه وبما يقوله الناس من نقد ولي أمركم أو من نقد موظفيه المسؤول عنهم وأنتم أيها العلماء اذكروا أن الله سيوقفكم يوم العرض وستسألون عما سألتم عنه اليوم وعما أمنكم عليه المسلمون فأبدوا الحق في كل ما تسألون عنه ولا تبالوا بكبير ولا صغير وبينوا ما أوجب الله للرعية على الراعي وما أوجب للراعي علي الرعية في أمر الدين والدنيا
стр. 915
وما تجب فيه طاعة ولي الأمر، وما تجب فيه معصيته وإياكم وكتمان ما في صدوركم في أمر من الأمور التي تسألون عنها ولكل من تلكم بالحق عهد الله وميثاقه أنني لا أعاتبه أني أكون مسرورًا منه وإني أنفذ قوله الذي يجمع عليه العلماء والقول الذي يقع الخلاف بينكم فيه أيها العلماء فإني أعمل فيه عمل السلف الصالح إذ أقبل ما كان أقرب إلى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو أقوال أحد العلماء الأعلام المعتمد عليهم عند أهل السنة والجماعة وإياكم أيها العلماء أن تكتموا شيئًا من الحق تبتغون بذلك مرضاة وجهي فمن كتم أمرًا يعتقد أنه يخالف الشرع فعليه من الله اللعنة، وأظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم، فرد العلماء بأنهم يبرءون إلى الله من كتمان ما ظهر لهم من الحق ويعلنون أنهم ما نصحوه إلا انتصح ولو رأوا في عمله ما يخالف الشرع لما سكتوا عنه وهم ما رأوا منه إلا الحرص على إقامة شعائر الدين واتباع ما أمر الله ورسوله به، ثم نهض بعض الحضور وقال لا نعرف ما ينتقد إلا الأتيال "اللاسلكي" فيقال أنه سحر ولا يخفى حكم السحر والسحرة في الإسلام.
الثاني: القصور المخافر التي تبنيها حكومة العراق على الحدود وهذا ضرر على أرواحنا وأوطاننا، فأجابه صاحب الجلالة قائلًا: ليس في الشريعة ما يمنعنا من الانتفاع بطرق المواصلات الحديثة والتمشي مع التقدم العلمي ومع هذا فإني أترك هذه الأمور للعلماء والتفت إلى العلماء فأفتى العلماء بأنهم لم يجدوا في الكتاب ولا في السنة ولا أقوال العلماء العارفين دليلًا بالتحريم وإن من يقول بالتحريم يفتري على الله الكذب ونبرأ إلى الله منه، ثم أجاب ابن سعود، إن الحامل على بناء المخافر دعوى أنكم أنتم الذين بدأتم بالعدوان وذلك بقتل السرية التي أرسلها الدويش لأهل "بصية" ثم غزوات الدويش التي تبعتها في حين أني أنا يا ابن سعود ما قمت بذلك وأنتم يا أهل نجد ما حميتم ذمة والي أمركم وإنهم يزعمون أن الباعث على بنائها المخافة من خطركم فصاح الإخوان وضجوا: بأننا نبرء إلى الله من الدويش وقاطعناه هو ومن معه وإنا على استعداد لمهاجمته ومجازاته، يا
следующие страницы →