من تكلم في مسألة الأتيال بتحريم أو عاب على الإمام بسببها فقد أخطأ وارتكب معصية، وخالف أمر الشريعة، هذا الذي ندين الله به وهو الحق، ونبرأ إلى الله من غير ذلك هذا الذي عندنا ومن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، نرجوا أن الله يلهمنا وإياكم رشدنا ويعذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا والله على ما نقول وكيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ١٣٤٦ هـ، ثم وقع العلماء أسماءهم في أسفله وهم المذكورون بعاليه.
وكتب أيضاً الشيخ سعد بن حمد بن عتيق رسالة مطولة إلى أهل الأرطاوية، والغطغط وغيرهم من عتيبة، ومطير، وقحطان وغيرهم من الإخوان، وآتى بالآيات والأحاديث الدالة على لزوم التمسك بالكتاب والسنة والجماعة والنهي عن التفرق وذكر فيها تحريم الإفتاء بدين الله بلا علم، إلى أن قال: ومما انتحله هؤلاء الجهلة المغرورون الاستخفاف بولاية المسلمين والتساهل بمخالفة إمام المسلمين والخروج على طاعته والإفتيات عليه بالغزو وغيره، وهذا من الجهل والسعي في الأرض بالفساد وحث على لزوم الجماعة وعدم الفرقة، وقال: لا دين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، وقد وجدت الرسالة محررة في ٣٠ ربيع الأول من هذه السنة.
وكتب أيضاً الشيخان الجليلان محمد بن عبد اللطيف والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري رسالة مفيدة ونصيحة سديدة في التحذير من نزغات الشيطان وأنه يأخذ العبد من طريق الشدة إن شم من قلبه صلابة وقوة حتى يخرجه عن الصراط المستقيم أو يأخذه من طريق الجفاء إن شم من قلبه تساهلاً وكسلاً وبينا فيها تحريم إساءة الظن بالعلماء وتحريم عدم الأخذ عنهم بحيث أن الإنسان يكون عمدته مجموعة التوحيد وهو جاهل بما وضع فيها، وتكلما بتحريم إساءة الظن بولي الأمر والخروج عليه وعدم السمع والطاعة له، وإن هذا من دين الجاهلية وأسهبا بالتعريف في حق الإمام الأعظم وأطالا، وقد رأيتها أيضاً محررة في هذه
стр. 912
السنة، ثم إنه عقد صاحب الجلالة مؤتمراً دعا إليه العلماء والأمراء والقواد والرؤساء وبعض الإخوان والشيوخ وغيرهم من كل ناقم عليه منتقد لسياسته، فحضر أولئك المدعوون في أحد أروقة القصر الملكي، وبلغ عدد الحاضرين ثمانمائة من الطبقات، فلم يتخلف أحد من الرؤساء غير هؤلاء الثلاثة: وهم الدويش، وسلطان بن بجاد، وابن حثلين، وهؤلاء هم رؤساء الفتنة، وهم أقوياء كبار لهم أثر في الجزيرة، فعدم حضورهم والحالة هذه يدل على أنهم ينكرون سياسته ولا يريدون الاتفاق معه ولا الرضا بسلطانه، فعند ذلك تجلى صاحب الجلالة عبد العزيز أمام المؤتمر وأظهر شفقته على وطنه ومحبته لبلاده ورعيته وعطفه على شعبه، فاستمرت المجادلات وطالت المناقشات، ولم يترك الحضور باباً إلا بحثوه، والإمام لا يترك انتقاداً دون ما جواب، ولا رأياً دون ما نقد ولا حجة لا يقرعها بحجة أقوى وأضخم وأخيراً وقف يخطب الحضور فقال:
إني لم أطلب منكم أن تجتمعوا اليوم في هذا المكان خشيةً منكم، فإني قد أسست هذه المملكة بقدرة الله وحده الذي عاضدني وساعدني والذي كتب لي الفوز وكتب لي التوفيق، وإن خوفي من الله وحده، هو الذي حدا بي لأن أجمع شملكم اليوم لنتباحث معاً، وقد فعلت ذلك حتى لا أقع في نقيصة الإعجاب بالنفس والكبرياء، فذابت قلوب النجديين أمام أقوال هذا الرجل العظيم الذي يهاب الله إلى هذا الحد ويخشاه إلى هذا المقدار، ولا شك بأن هذا الملك موفق في كلامه موفق في أقواله وفي أفعاله بحيث ضرب على الوتر الحساس الذي يطرب له البدوي الذي كان يريد من قائده أن يكون باسلاً كل البسالة، واثقاً بنفسه كل الثقة، ولكن البدوي يريده أن يكون خاشعاً أمام الله كل الخشوع ورعاً كل الورع، جعل يتكلم صاحب الجلالة فسحر بكلامه مسامعهم وأدهشهم بفصاحته حتى بهر السامعين، واقتنع الجاهلين، وسكب العبرات من عيون الحاضرين، ثم قال: أيها الإخوان تعلمون عظم المنة التي منَّ الله بها علينا بدين الإسلام، إذ جمعنا به بعد الفرقة، وأعزنا به بعد الذلة، واذكروا قوله تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾
стр. 913
[التوبة: ١٠٥]، إن شفقتي عليكم وعلى ما من الله به علينا، وخوفي من تحذيره بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، كل هذا دعاني لأن أجمعكم في هذا المكان لتذكروا:
أولاً: ما أنعم الله به علينا فنرى ما يجب عمله لشكران هذه النعمة.
وثانياً: لأمرٍ بدا في نفسي وهو أنني خشيت أن يكون في صدر أحد شيء يشكوه مني أو من أحد نوابي وأمرائي بإساءة كانت عليه أو بمنعه حقاً من حقوقه، فأردت أن أعرف ذلك منكم لأخرج أمام الله بمعذرةٍ من ذلك وأكون قد أديت ما علي من واجب.
وثالثاً: لأسألكم عما في خواطركم وما لديكم من الآراء، ومما ترونه يصلحكم في أمر دينكم ودنياكم.
أيها الإخوان: إن القوة لله جميعاً وكلكم يذكر أنني يوم خرجت عليكم كنتم فرقاً وأحزاباً يقتل بعضكم بعضاً، وينهب بعضكم بعضاً، وجميع من ولاه الله أمركم من عربي أو أجنبى كانوا يدسون لكم الدسائس لتفريق كلمتكم وإضعاف قوتكم لذهاب أمركم، ويوم خرجت كنت محل الضعف وليس لي من عضد وساعد إلى الله وحده، ولا أملك من القوة إلى أربعين رجلاً تعلمونهم ولا أريد أن أقص عليكم ما من الله به علي من فتوح ولا بما فعلت من أعمال معكم كانت لخيركم، إن تاريخ ذلك منقوش في صدر كل واحد منكم وأنتم تعلمون جميعاً وكما قيل:
"السيرة تبين السريرة" إنني لم أجمعكم اليوم في هذا المكان خوفاً أو رهباً من أحد منكم، فقد كنت وحدي من قبل وليس لي مساعد إلا الله فما باليت الجموع والله هو الذي نصرني وإنما جمعتكم كما قلت لكم خوفاً من ربي ومخافة من نفسي أن يصيبها زهو أو استكبار، جمعتكم هنا في هذا المكان لأمر واحد ولا أجيز لأحد أن يتكلم في غيره، ذلك هو النظر في أمر شخصي وحدي فيجب أن تجتنبوا في هذا المجلس الشذوذ عن هذا الموضوع أما الأشياء الخارجة عن هذا فسأعين لكم اجتماعات خاصة وعامة ننظر فيها، أريد منكم أن تنظروا أولاً فيمن يتولى أمركم
стр. 914
غيري وهؤلاء أفراد الأسرة أمامكم فاختاروا واحدًا منهم ومن اتفقتم عليه فأنا أقره وأساعده وكونوا على يقين بأنني لم أقل هذا القول استخبارًا لأنني ولله الحمد لا أرى لأحد منكم منةً علي في مقامي هذا، بل المنة لله وحده ولست في شيء من مواقف الضعف حتى أترك الأمر لمنازع بقوة ولا يحملني على هذا القول إلا أمران:
الأول: محبة راحتي في ديني ودنياي، والثاني إني أعوذ بالله من أن أتولى قومًا وهم لي كارهون، فإن أجبتموني إلى هذا فذلك مطلبي ولكم أمان الله فإن من يتكلم في هذا فهو آمن ولا أعاتبه لا آجلًا ولا عاجلًا فإن قبلتم طلبي هذا فالحمد لله، وإن كنتم لا تزالون مصرين على ما كلمتموني به على أثر دعوتي لكم فإني أبرأ إلى الله أن أخالف أمر الشرعي في اتباع ما تجمعون عليه مما يؤيد شرع الله، فصاح الحضور على نفس واحد وتعالت الأصوات لا نريد بك بدلًا يا عبد العزيز كلا لا نرضى بغيرك ملكًا ثم صمت ثم استمر في الخطبة، فإذا لم يحصل ذلك منكم فابحثوا في شخصي وأعمالي، من كان له علي أنا عبد العزيز شكوى أو حق أو انتقاد في أمر دين أو دنيا فليبينه ولكل من أراد الكلام عهد الله وميثاقه وأمانة إنه حر في كل نقد بينه ولا مسؤولية عليه، وإني لا أبيح لإنسان من العلماء ولا من غيرهم أن يكتم شيئًا من النقد في صورة، وكل من كان عنده شيء فليبينه ولكم علي أن كل نقد تذكرونه أسمعه، فما كان واقعًا أقررت به وبينت سببه وأحلت حكمه للشرع يحكم فيه، وما كان غير بين وهو عندكم من قبيل الظنون فلكم علي عهد الله وميثاقه أنني أبينه ولا أكتم عليكم منه شيئًا، وأما الذي تظنونه مما لم يقم فأنا أنقيه لكم وأحكم في كل ما تقدم شرع الله فما أثبته، وما نفاه نفيته.
أنتم أيها الإخوان: أبدوا ما بدا لكم وتكلموا بما سمعتموه وبما يقوله الناس من نقد ولي أمركم أو من نقد موظفيه المسؤول عنهم وأنتم أيها العلماء اذكروا أن الله سيوقفكم يوم العرض وستسألون عما سألتم عنه اليوم وعما أمنكم عليه المسلمون فأبدوا الحق في كل ما تسألون عنه ولا تبالوا بكبير ولا صغير وبينوا ما أوجب الله للرعية على الراعي وما أوجب للراعي علي الرعية في أمر الدين والدنيا
стр. 915
وما تجب فيه طاعة ولي الأمر، وما تجب فيه معصيته وإياكم وكتمان ما في صدوركم في أمر من الأمور التي تسألون عنها ولكل من تلكم بالحق عهد الله وميثاقه أنني لا أعاتبه أني أكون مسرورًا منه وإني أنفذ قوله الذي يجمع عليه العلماء والقول الذي يقع الخلاف بينكم فيه أيها العلماء فإني أعمل فيه عمل السلف الصالح إذ أقبل ما كان أقرب إلى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو أقوال أحد العلماء الأعلام المعتمد عليهم عند أهل السنة والجماعة وإياكم أيها العلماء أن تكتموا شيئًا من الحق تبتغون بذلك مرضاة وجهي فمن كتم أمرًا يعتقد أنه يخالف الشرع فعليه من الله اللعنة، وأظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم، فرد العلماء بأنهم يبرءون إلى الله من كتمان ما ظهر لهم من الحق ويعلنون أنهم ما نصحوه إلا انتصح ولو رأوا في عمله ما يخالف الشرع لما سكتوا عنه وهم ما رأوا منه إلا الحرص على إقامة شعائر الدين واتباع ما أمر الله ورسوله به، ثم نهض بعض الحضور وقال لا نعرف ما ينتقد إلا الأتيال "اللاسلكي" فيقال أنه سحر ولا يخفى حكم السحر والسحرة في الإسلام.
الثاني: القصور المخافر التي تبنيها حكومة العراق على الحدود وهذا ضرر على أرواحنا وأوطاننا، فأجابه صاحب الجلالة قائلًا: ليس في الشريعة ما يمنعنا من الانتفاع بطرق المواصلات الحديثة والتمشي مع التقدم العلمي ومع هذا فإني أترك هذه الأمور للعلماء والتفت إلى العلماء فأفتى العلماء بأنهم لم يجدوا في الكتاب ولا في السنة ولا أقوال العلماء العارفين دليلًا بالتحريم وإن من يقول بالتحريم يفتري على الله الكذب ونبرأ إلى الله منه، ثم أجاب ابن سعود، إن الحامل على بناء المخافر دعوى أنكم أنتم الذين بدأتم بالعدوان وذلك بقتل السرية التي أرسلها الدويش لأهل "بصية" ثم غزوات الدويش التي تبعتها في حين أني أنا يا ابن سعود ما قمت بذلك وأنتم يا أهل نجد ما حميتم ذمة والي أمركم وإنهم يزعمون أن الباعث على بنائها المخافة من خطركم فصاح الإخوان وضجوا: بأننا نبرء إلى الله من الدويش وقاطعناه هو ومن معه وإنا على استعداد لمهاجمته ومجازاته، يا
стр. 916
عبد العزيز إننا نبايعك على السمع والطاعة وأن نقاتل من تشاء عن يمينك وشمالك ولو دفعتنا إلى البحر لخضناه، إنا نبايعك على مقاتلة من ينازعك ومعاداة من عاداك ونقوم معك ما أقمت فينا الشريعة.
أولئك الإخوان الذين لما عرفوا حسن قصده وما يكنه ضميره من النصح لهم والشفقة عليهم قدموا نفوسهم أمام تنفيذ إرادته وعادت ثقة الناس به واطمأن إلى إخلاصه الإخوان فذهب كل جماعة إلى قبيلتهم دعاة لابن سعود وينشرون العداوة لعدوه، فانظر إلى مكارم أخلاق ابن سعود بما أبداه إلى شعبة وإن كان ليس بفقير إليهم فإن كلامه هذا استطاع به أن يجمع حوله الشعب كله ولقد كان عرضه التنازل عليهم سببًا في تقوية نفوذه وإعلاء مكانته واشتداد التعلق به فكان بإمكانه يومئذ أن يضرب خصومه الثلاثة الضربة القاضية ولكنه تركهم يبحثون عن حتفهم.
وقد رأت الحكومة الإنكليزية أن توفد "السير جلبرت كلايتون" إلى جدة في هذه السنة يحمل النيابة عن الإنكليز، وقد تمكن ابن سعود من ضبط تلك القبائل الجائرة وإيقافها عند حدها كما أنه طلب أيضًا من بريطانيا الاصطبار ريثما يتفق بالوفد لتسوية المسائل المختلف عليها، ولما أن اتفق به الوفد البريطاني وقد أحس أنه جاءه ناقمًا غاضبًا وأن لندن غاضبة ناقمة لم يترك لخصمه أن يبدأه بالكلام بل تكلم هو بالشكوى من خطأ السياسة الإنكليزية وكيف أنها أخذت تهاجم أرضه بطائراتها مع أنه تربطها معه معاهدة ولاء وصداقة وقد ساعدت الظروف السياسية ابن سعود كما أنه ساعده البترول وقرب منابعه من مواطن ابن سعود والوهابيين فتراجع كلايتون وانتهى الأمر بعد أخذ ورد بالاتفاق، وكان المندوب البريطاني يحمل تقريرًا عظيمًا في أول مجيئه وهذا معناه:
إلى صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها بعد التحية لا يستقيم إتيان بدوان من رعيتكم تقتل أهل العراق، والكويت وتفعل تلك الأفاعيل الوحشية فلا بد من عرض أمور أربعة على حضرتكم:
стр. 917
أولًا: هؤلاء رعيتك يلزمك أن تمنع اعتدائهم.
ثانيًا: تكون عاجزًا عن إيقافهم فإن الحكومة البريطانية قادرة بنشاط على محوهم فعين لنا أمكنتكم وسترسل عليهم الطيارات لتمطرهم النار والقذائف.
ثالثًا: يكون هذا عن إرادتك وتدابيرك فيعتبر غدرًا وإذا كنتم تغدرون ودين الإسلام يتحاشى عن ذلك فجزاء السيئة سيئة مثلها.
رابعًا: تقول هذا أمر مقدر وكل شيء بقدر وما مضى لا يمكن رده فمن هذه الساعة فأتوا بالخيط والمخيط وضعوا حدًا لهذا الاعتداء وقوموا بضمان ما أتلفته تلك القبائل الجائرة.
ولقد استطاع ابن سعود أن يقنع بريطانيا ويرجع مندوبها قانعًا، أما أولئك الأعداء الثائرون فإنهم أجلاف قاموا يبحثون في عزل ابن سعود وخلفه وإذا خلعوه فمن يكون في مقامه وطفقوا يسألون عن الوالي الذي يولونه بعده وانبعثوا يتفاوضون وأخذت مشاكل الدرويش، وابن حميد، وابن حثلين وأتباعهم ممن التف إليهم تتطور وتنذر بالشر والويل، فرأى صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود أن لا فائدة في التريث عن النهوض في أقرب وقت لوضع حد لقطع هذه الثائرة غير أنه أشار عليه بعض الأصدقاء في القصيم وهذا المشير هو النبيه المصقع "فهد بن علي الرشودي" وكان من أهل الرأي والمعرفة والإخلاص أن يدافعهم ليتمكن من إحضار السلاح والذخيرة على مهل ولكن من أين لهم أن يندفعوا وقد وثقوا كل الثقة أنهم غالبون ليسوا بمغلوبين وأنهم قاهرون لمن سواهم من العالمين فطلب منهم صاحب الجلالة أن ينظروا في أمرهم ويفكروا في شأنهم فلعلهم أن يتراجعوا عن تلك الفكرة.
ذكر ما جرى فيها من الحوادث
فمن ذلك أنه سار صاحب الجلالة عبد العزيز بموكبه العظيم إلى بريدة عاصمة القصيم فنزل فيها بقصر الحكم ولما آنس الأهالي بقدومه على أثر تلك الزعازع تهيئوا للاستقبال وأغلقوا الدكاكين وعطلوا جميع أعمالهم وخرجوا من حينما
стр. 918
فرغوا من صلاة الفجر إلى ساحة البلاد وصفوا صفوفًا لا يتخلون عن مكانهم إلا أن تقام صلاة فريضة فيذهبون لأدائها ويرجعون مسارعين، ولقد شاهدت ذلك الاستقبال في حال صغر سني فما رأيت استقبالًا أعظم ولا أبهى ولا أهيب منه وما زالوا على تلك الحال المرهبة حتى قدم إلى بريدة بعد غروب الشمس على سيارته وقد أعد لها كراج في وسط البلد وقام الأهالي يرحبون ويقدمون له كل غال وثمين وقد جلس في صباح تلك الليلة في ظرف ثلاث ساعات بأربعة عشر بيتًا من بيوت أهالي بريدة يتناول القهوة العربية وبعد ذلك عزل وولى ونفذ تدابير واحتاط للأمر وجعل على إمارة بريدة "مشاري بن جلوي" وكان فاتكًا شجاعًا مهابًا يقول ويفعل ويبطش بطشًا عظيمًا فهابه جميع أهالي مقاطعة القصيم وذلك لجرأته وفتكه ولأن تلك المقاطعة على مقربة من البغاة وأحضر ابن سعود فيها السلاح والذخيرة وأذاع للأمة بأنها سكة جديدة للتعامل في النقود، وبذل للبغاة النقود والكسوة والعطايا الجمة ونفذ رغباتهم في الطلب، حتى أن عبد العزيز بن فيصل الدويش جعل يطلب من جلالته بطلبات "من الطيب وعود الند" ونحو ذلك مما لا يعرف وزنه ولا كيله فمنها أنه طلب قنطارًا من العود الند وثلاث مصفحات "تنك" من العطر فتكلم أحد خزان جلالة الملك على الفور مخاطبًا للملك بأن الأمير إنما أراد رطلًا من العود وثلاثين تولة من العطر فأجاب الجلف نعم يا عبد العزيز هو كما قال لأنه لا يفرق بين المذكورات، وأخذوا تلك الجوائز وانصرفوا شاتمين ناقمين.
وفاة الأمير عبد الرحمن الفيصل
وكانت وفاته يوم الجمعة ١٣/ ١٢ من هذه السنة وهذه ترجمته:
هو الإمام الهمام العاهل المقدام سلالة الأفاضل الكرام ذو الرأي السديد والدين والكرم والعلم والفضل عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد سعود والد جلالة الملك عبد العزيز، وعبد الرحمن هذا أصغر أنجال الإمام فيصل تأمر على الرياض في وقت فتن ومحن بين آل سعود، ولما أن بزغ نجم آل رشيد
стр. 919
وجرت واقعة المليداء وتمكن ابن رشيد أخذ المترجم أولاده وأهله وذهب إلى الكويت فاستقر بها بعد شد ورحيل في الصحراء، ثم لما أظهر الله نجله عبد العزيز موضع الإكرام والاحترام فيها لما قام بذلك النجل من البر والصلة والاحتشام فعاش بخير ومرجعًا لنجله في المشورة بعدما تنازل له نجله عن الملك ليكون هو الحاكم في نجد فأبى واختار أن يكون والدًا حنونًا يكرم العلماء ويوقرهم ويقربهم وكان عفيفًا كريمًا غيورًا شجاعًا قويًا وكهفًا منيعًا لأهل الدين وقد أسلفنا شيئًا من ترجمته وكان يربي أنجاله ويهذب أخلاقهم ويعلمهم العلوم الدينية ويحرص على تقدمهم وها قد حصلوا على ما كان يطلب، وقد امتدحه الشعراء بالقصيد وأثنوا عليه فمن ذلك ما قاله الشيخ سليمان بن سحمان رحمة الله عليه تهنئة له بالنصر على ابن متعب لما انتهز فرصة غياب صاحب الجلالة فسطى العدو على الرياض وثار عليه أهل الرياض بقيادة الإمام عبد الرحمن وهي هذه:
فيا نجل سادات الملوك ذوي التقى ... ومن فاق في جود أطيد وفي مجد
عليك بشكر الله والحمد والثنا ... وإظهار دين الله جهرًا على عمد
ملكت فأسجح وأبذل العفو والندى ... فبالعدل تنجو في غد نائل القصد
لقد كنت يا شمس البلاد مسددًا ... ورأيك محمود وعقباك للحمد
فلا زلت وطاء على هامة العداء ... لك النقض والإبرام في الحل والعقد
ولا زلت مسرور الفؤاد مؤيدا ... وضدك في كبت وكمت وفي ضهد
وقال أيضًا الشاعر حسين بن علي بن نفيسة يهنئه لما عاد إلى الرياض بعد مبارحتها مدة طويلة ويذكره مآثره وأخلاقه السامية:
خليلي شدا اليعملات لرحلة ... كرحلة بيت الله لطالب النجا
ولا ترفقا في السير بورك فيكما ... بعقب كما حثا المطايا لتدلجا
إلى عابد الرحمن جرثومة الهدى ... وحصن اللجا منجي الركاب على الوجه
وهنا إمام المسلمين بمنزل ... بأرجائه المعروف والدين والرجا
سمام العدى إن ألمم البأس في المدى ... وفي الأمن للمنتاب يحظى بما رجا
стр. 920
هو الغيث لو صابة سحائب جوده ... على البحر كان البحر عذبا مثلجا
وفي وجهه سيما التعبد دائمًا ... مناقبه فاقت أولى الحلم والحجا
حريص على إحياء سنة أحمد ... حري بأن يجعل له الله مخرجا
وفيًا سخيًا فاضلًا وابن فاضل ... يجازي الندى لا زال أجرى والهجا
فكل خصال الخير كانت به معًا ... منيعًا مطيعًا مرتجًا وملتجا
سلالة من أبدى المحاسن فيصل ... إمام التقى عن كل عيب تخرجا
أما أنجاله فمنهم الرجل العظيم الذي افتخرت به الأواخر على الأوائل، وفاق على أقرانه بالمجد والفضائل، صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن الذي أخضع البلدان وغلب على الأقران وأباد عجلان وأبطل عبادة الأوثان.
ومنهم صاحب السمو محمد بن عبد الرحمن الذي ما زال معاضدًا لأخيه ومناصرًا له وكان فاضلًا محترمًا محتشمًا، ومنهم سعد وقد توفي بعد فتح الإحساء وكان مثقفًا ومنهم عبد الله بن عبد الرحمن وكان نبيهًا فاضلًا مستشارًا لدى أخيه الملك، ومنهم أحمد بن عبد الرحمن وكان وديعًا حسن الخلق، ومنهم مساعد بن عبد الرحمن، ومنهم سعد بن عبد الرحمن وهو أصغرهم.
أما الإناث فمنهن "الأنور" ابنة عبد الرحمن وكانت ناسكة عاقلة ذات شأن كبير ولها مقامات في الفضل وسعة الرأي وكثيرًا ما ينتخي ويعتزي جلالة الملك بأخوتها، أما أخوة المترجم فقد تقدم ذكرهم.
وممن توفي فيها من الأعيان "عبد القادر بن بدران" وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم العلامة المحقق المفسر المحدث الأصولي الكبير الفقيه المتبحر النحوي المتفنن، عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم الأثري الحنبلي الدومى ثم الدمشقي المعروف لقبًا بابن بدران، ولد ببلدة "دوما" من أعمال دمشق وتلقى العلوم مدة لا تزيد عن ست سنوات عن جهابذة المشايخ أشهرهم الشيخ العلامة محمد بن عثمان الحنبلي المشهور بخطيب "دوما" المتوفى بالمدينة المنورة، ثم بعد ذلك عكف
стр. 921
على المطالعة لنفسه حتى برع في الكتاب والسنة والأصليين والمذهب ومعرفة الخلاف وسائر العلوم العقلية والأدبية والرياضية، وكانت وفاته في ربيع الثاني من هذه السنة، وكان ﵀ شيخًا جليلًا متقفيًا لطريقة السلف الصالح مدافعًا عنها، صابرًا على أذى الأعداء فيها تاركًا للتعصب، مع الدين والتقوى والعفة والصلاح زاهدًا في حطام الدنيا متقللًا منها متقشفًا في ملبسه ومسكنه ومعيشته كثير التنقل بين قرى غوطة الشام لتبليغ العلم للعامة وتعليمه للطلبة الذين لا يستطيعون الرحلة، لأن أكثر أهل هذه القرى حنابلة المذهب وارتحل إليه آخرون من الفازان وغيرهما فكانوا يسألونه عن المشكلات فيحلها لهم بأجوبة مفصلة، كان فيما مضى يدرس تحت قبة النسر في الجامع الأموي التفسير، والحديث، والفقه، ثم انتقل أخيرًا إلى مدرسة عبد الله باشا العظم المشرفة على القلعة الفرنساوية، وكان شافعيًا ثم تحنبل، وسبب ذلك كما قال بعض الخواص كنت في أول عمري ملازمًا لمذهب الإمام الشافعي ﵀ سالكًا فيه سبيل التقليد ثم من الله علي فحبب إلى الاطلاع على كتب التفسير والحديث وشروحها وأمهات كتب المذاهب الأربعة وعلى مصنفات شيخ الإسلام وتلميذه الحافظ بن القيم وعلى كتب الحنابلة فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني للبحث عن الحق من غير تحزب لمذهب دون مذهب فرأيت أن مذهب الحنابلة أشد تمسكًا بمنطوق الكتاب العزيز والسنة المطهرة ومفهومهما فكنت حنبليًا من ذلك الوقت، وكان المترجم ﵀ يلوح على كلامه علم الإخلاص ونور اليقين فكان قد وضعه بوضع المتقدمين.
ذكر مؤلفاته
ألف المؤلفات التي تشهد له بالفضل وسعة الاطلاع غير أن بعضها لم يكمل، ووجهه فيما يظهر ما أصيب به من داء الفالج في آخر عمره حتى خدرت يمناه عن
стр. 922
الكتابة واستعان عليها باليسرى، فمنها كتاب جواهر الأفكار ومعادن الأسرار في التفسير لم يكمل، وكتاب شرح سنن النسائي لم يكمل، وشرح العمدة سماه مورد الأفهام من سلسبيل عمدة الأحكام جزءان، وشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، وشرح الأربعين حديثًا المنذرية في جزء، وشرح الشهاب القضاعي في الحديث في جزء، وشرح النونية لابن القيم في التوحيد، وشرح روضة الأصول للموفق بن قدامة في مجلدين، كتاب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل وهو كتاب عظيم النفع جليل القدر، وحاشية على شرح المنتهى جزءان بلغ فيها إلى باب السلم، وحاشية على شرح الزاد، وحاشية على أخصر المختصرات، وتعليق على مختصر الإفادات، وكلا الكتابين للشيخ بدر الدين البلباني ودرة الغواص في حكم الزكاة بالرصاص، وحاشية على رسالة الشيخ الموفق في ذم الموسوسين، وشرحان على منظومتي الفرائض، وله كتاب طبقات الحنابلة لم يكمل وكتاب سبيل الرشاد إلى حقيقة الوعظ والإرشاد، جزءان وتهذيب تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر في ثلاثة عشر مجلدأ اعتنى فيه بتخريج أحاديثه، وكتاب الآثار الدمشقية والمعاهد العلمية في جزء، وإيضاح المعالم من شرح الألفية لابن الناظم جزءان، ولخص الفرائد السنية في الفوائد النحوية للشيخ أحمد المنيني الدمشقي في رسالة سماها آداب المطالعة.
وله شرح الكافي في العروض والقوافي في جزء لطيف، والعقود الدرية في الفتاوى الكونية في مجلد، والعقود المرجانية في جيد الأسئلة القازانية كبرى وصغرى في مجلد وتلخيص كتاب الدارس في المدارس للنعيمي، ورسالتان في أعمال الربعين المجيب والمقنطر، وديوان خطب منبرية، وديوان شعر اسمه تسلية الكئيب عن ذكرى الحبيب.
هذا سوى ما كان من الفتاوى والرسائل في أصناف العلوم مما لو جمع لبلغ مجلدات وبالجملة فقد كان غرة عصره ونادرة دهره فرحمه الله رحمة واسعة وقد رثاه بعض معاصريه بأبيات وهي قوله:
стр. 923
نار الجوى قد سرت في الجسم بالسقم ... فالدمع ما بين مسجون ومنسجم
عم الأسى وعلا السيل الربى وربا ... وكدت لولا الحيا أصبو من الألم
أيحسب الغمران العمر لا نحس ... به فيا قرب هذا الوهم للوهم
يا عين جودي دمًا سحا على أدم ... واستنزلي عبرًا أدهى من الديم
لام العذول بإلحاح فقلت له ... إليك عني فلو أصبت لم تلم
إني كفاني من أمر دهمت به ... فالحزن مني ودائي غير منجسم
بالله دعني أنوح هائمًا وأقل ... وألهف نفسي لفقد البدر في الظلم
بحر العلوم بحور العلم تغبطه ... وابن الكريم فقل ما شئت من كرم
لاح اسمه قمرًا في اللحد منخسفًا ... حسا ومعنى فحال القلب في ضرم
هو الذي تشرق الدنيا بطلعته ... لا شمسها وأبو إسحاق ذو الشيم
سقى ضريح حماه صوب مغفرة ... من الإله مزيل الكرب والنقم
يا نفس لا تجزعي مما دهى فلكم ... لله من فرج يشفيك من ألم
فاستسلمي ودعي الأقدار جارية ... فأنت صائرة لا شك في العدم
وأنهي صلاة بتسليم يقارنها ... على شفيع الورى في مجمع الأمم
ومنهم العارف الماهر المجد في طلب العلم ذا المعرفة بأصول الدين العالم علي بن محمد الوقيصي كان ﵀ ومن خيرة تلامذة الشيخ عمر بن محمد ابن سليم وله شهرة ومنزلة عالية وعليه آثار السكينة ونور العلم وبهاء الطاعة وكان في صفته ربعة من الرجال ناتئ الجبهة نحيف الجسم يحب أهل الدين ويميل إليهم وله معاملة في البيع والشراء لتأمين معيشته.
وقد توفى في هذا المجال حبران عالمان زاهدان هما عبد الله بن صالح الجوعي ذو العلوم الدينية والفتوحات الربانية وكان حافظًا للقرآن حسن القراءة عفيفًا تقيًا متواضعًا يحب الخمول ويؤثر التقشف ويعامل الله بالطاعة ويقرب المتقين وينتمي إليهم ويحبهم ويظهر عداوة من حاد الله ورسوله.
والحبر الثاني الزاهد العفيف الناسك "عثمان بن عبد الله بن محمد بن دخيل"
стр. 924
والده قاضي المذنب وكان المترجم سمحًا لين العريكة عاقلًا وديعًا وكلاهما من خيرة تلامذة الشيخ عمر بن سليم رحمة الله عليهما وقد توفاهما الله تعالى في سن الشباب وفي حال طلب العلم وعلى أحسن حالة تسر المحب الوفاة عليها وقد أصيب الدين وأهله بوفاتهم فإنا لله وإنا إليه راجعون ولي من أبيات في رثائهم:
لهم في فنون العلم باع طويلة ... بهمة منهوم لنيل الفضائل
وتغدوا إلى نحو العلا همم لهم ... تسرح أفكارًا وتأتي بالمسائل
إذا قيل من للمشكلات يحلها ... ويكشف خاف بالبحوث الجزائل
ويحمي حما التوحيد من كل غادر ... جهول خبيث من عتاة الأراذل
بنحو وقرآن وفقه وحجة ... يقررها الوحيان طبق المشاكل
تجدهم بما حازوا يفوقون قرنهم ... بعزم وإقدام صفات الأماثل
وإن أشكلت يومًا غموض بحوثها ... وضل بها النحرير سبل الأفاضل
ودام على إشكاله كل غامض ... وأعيا فخباها كبير المحافل
فيكشف كل قناع عويصها ... ويجلو محياها سريعًا بعاجل
وتلك لعمري للخصال حميدة ... تقربها عين اللبيب وكامل
حياة بلا علم حياة ذميمة ... كحال ذوي الجهل أهيل التغافل
إذا قيل قال الله قال رسوله ... تجدهم صدودًا عاقهم كل شاغل
فسحقًا لمن قد فاته رقي رتبة ... لها شمخت أعلام أهل الفضائل
إن الحكومة السعودية قد مكن الله لها في الأرض وأصبحت في نعمة وعز وكرامة غير أنها أصيبت بهذه المحنة وهي ثورة الإخوان وما يترتب من صنيعهم لأنهم قد أخافوا الشعب وأحدثوا هذه المشاغبة وأصبح صاحب العظمة حائرًا في معالجتهم ومعاملتهم وأشد شيء إنما هو شماتة الأعداء بهذا الانشقاق وما أحسن ما قيل:
تجاف عن العتبى فما الذنب واحد ... وهب لصروف الدهر ما أنت واجد
إذا خانك الأدنى الذي أنت خله ... فوا عجبًا إن سالمتك الأباعد
стр. 925
وإذا كان عبد العزيز يريد أن يسير بالمملكة إلى الأمام بتعمير المساجد وطبع الكتب وبعث بعثات من الشبان النجديين والحجازين إلى أوربا ومصر لتلقى العلوم والصناعات وأسس دار الكسوة للكعبة المعظمة وغير ذلك فما يصنع بهذه الأحجار التي وقفت في الطريق وحيرت الألباب.
ولما أن رأى ابن سعود حروجة الموقف اضطر إلى امتشاق الحسام ضرورة وفي شهر شعبان قدم وافدًا على صاحب الجلالة الملك المعظم يريد أن ينشد بين يديه هذه القصيدة الأستاذ الشيخ محمد بن عبد الله بن عثيمين بمناسبة الجمعية العمومية في الرياض:
أجل إنه ربع الحبيب فسلم ... وقف نتبين ضاعنا من مخيم
معاهد حل الحسن فيها نطاقه ... وقرة عين الناعم المتنعم
عهدت بها بيضا أوانس كالدمى ... غرائر ملهى للمحب المتيم
عوابث بالألباب من غير ريبة ... نوافر بالأبدان عن كل مأتم
وقفنا جنوحًا بالربوع فواجم ... وأخر قد أدمى الأصابع بالفم
فقلت لصحبي رفعوا العيس والطموا ... بأخفافها ظهر الصعيد المركم
نجائب لولا أن عرفنا فحولها ... لقلنا لهيق خاضب الساق أصلم
طوينا بها حزن الفلا وسهوله ... وقد خضبته من ظلاف ومنسم
إذا ما أدرنا كأس ذكرك بيننا ... يكدن يطرن بين نسر ومرزم
يردن المكان الخصب والملك الذي ... إليه بنوا الآمال بالقصد ترتمي
أمام بني الدنيا الذي شهدت له ... على رغمها أملاكها بالتقدم
هو الملك الحامي حمى الدين بالتقى ... وسمر العوالي ركبت كل لهذم
له هزة في الجود تفني عفاته ... وأخرى بها حتف الكمي المعلم
له سلف يعلو المنابر ذكرهم ... وينحط عنه قدر كل معظم
هم أوضحوا للناس نهج نبيهم ... بمحكم آيات وشفرة مخدم
ليوث إذا لاقوا بدور إذا انتدوا ... غيوث إذا أعطوا جبال لمحتم
стр. 926
وإن وعدوا أوفوا وإن قدروا عفوا ... وإن حكموهم أقسطوا في المحكم
يصونون بالأموال أعراض مجدهم ... إذا ظن بالأحوال كل مذمم
وهم يرخصون الروح في حومة الوغى ... إذا كع عنها كل ليث غشمشم
أولئك أوتاد البلاد ونورها ... صنائعهم فيها مواقع أنجم
مضوا وهم للناس في الدين قادة ... مفاتيح للخيرات في كل موسم
فلما غشانا بعدهم ليل فتنة ... به عم نهب المال والسفك للدم
أغاث إله العالمين عباده ... بمن شاد ركن الدين بعد التثلم
إمام الهدى عبد العزيز بن فيصل ... سمام العدى بحر الندى والتكرم
همام أفادته القنا وسيوفه ... وهماته أن يمتطي كل معظم
هو القائد الجود العناجيج شزبا ... وكل فتى يحمي الحقيقة ضيغم
جحافل يغشى الطير في الجو نقعها ... ويزعجن وحش الأرض من كل مجثم
فأمنها بالله من أرض جلق ... إلى عدن مستسلمًا كل مجرم
فلا متهم يخشى ظلامة منجد ... ولا منجد يخشى ظلامة منهم
فما أعظم النعمى علينا بملكه ... ولكن بعض الناس عن رشده عمى
لك الفضل لو ترغم أنوف معاشر ... سروا في دجا من حالك مظلم
يعيبون بالشيء الذي يأخذونه ... فوا عجبًا من ظالم متظلم
تنزهت عن فعل الملوك الذين هم ... دعوا أمراء المؤمنين بمحكم
فلا شاربًا خمرًا ولا سامعًا غنى ... إذا نقرت أوتاره للترنم
ولا قول مأمون نحلت ولا الذي ... أتى بعده في عصره المتقدم
وكلهم يدعى خليفة وقته ... وطاعته فرضٌ على كل مسلم
ولكن نصرت الحق جهدك واعتلت ... بك السنة الغراء في كل معلم
فأصبحت الدنيا وريفًا ظلالها ... عروسًا تباهي كل بكرٍ وأيم
وألفت شمل المسلمين وقد غدوا ... أيادي سبا ما بين فذٍ وتوأم
عفوت عن الجاني وأرضيت محسنا ... وعدت بإفضالٍ على كل معدم
стр. 927
فلو أنهم أعطوا المنى في حياتهم ... وقوك الردى منهم بكل مطهم
فلولاك لم تحل الحياة ولم يكن ... إليهم لذيذًا كل شربٍ مطعم
بنيت بيوت المجد بالبيض والقنا ... وسدت بني الدنيا بفضل التكرم
وما الجود إلا صورةً أنت روحها ... ولولاك أضحى كالرميم المرمم
وطاب لأهل المكتين مقامهم ... وقبلك كانوا بين ذلٍ ومغرم
يسومونهم أعرابهم وولاتهم ... من الخسف سوم المستهان المهضم
فأضحوا وهم عن ذا وذاك بنجوةٍ ... محلهم في أمنه مثل محرم
فسمعًا بني الإسلام سمعًا فما لكم ... رشادٌ سوى في طاعة المتيم
أديموا عباد الله تحديق ناظرٍ ... بعيني فؤادٍ لا بعين التوهم
إلى أن قال:
ففي رأيه إصلاح ما قد جهلتم ... وفي سيفه سمٌّ يداف بعلقم
أليس الذي قد قعقع البيض بالقنا ... وخضبها من كل هامٍ ولهذم
وأنعل جرد الخيل هام عداته ... كان حواميها خضبن بعندم
دعوا الليث لا تستغضبوه فربما ... يهيج بدهيًا تقصم الظهر صيلم
فما هو إلا ما علمتم وما جرى ... بأسماعكم لا بالحديث المرجم
وقائع لا ما كان بالشعب ندها ... ولا يوم ذي قار ولا يوم ملهم
يحدث عنها شاهدٌ ومبلغٌ ... وينقلها مستأخر عن مقدم
لها أخواتٌ عنده أن تصعرت ... خدود بتسويل الغرور المرجم
جوادٌ بما يحوي بخيلٍ بعرضه ... وإن ضرسته الحرب لم يتألم
أخوها وما أوفت على العشر سنه ... يحش لظاها بالوشيج المقوم
إليك إمام المسلمين زفتتها ... لها بك فخرٌ بين عربٍ وأعجم
وقال شاعر نجد محمد بن عثيمين قبل هذه قصيدة عظيمة منوها بمناقب صاحب الجلالة ومذكرًا للدويش وقومه بسطواته، وإنه ينبغي أن يتراجعوا عن غيهم وبغيهم لئلا يكونوا عبرة لغيرهم، ويشرح صفات عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل:
стр. 928
فقل للذي قد غره منه حلمه ... متى كافأ الذئب الهزبر ينازله
ألم تر أن البحر يسلك ساكنًا ... وإن حركته الريح جاشت زلازله
فلا تخرجوه عن سجية حلمه ... فتكثر في الساعي بذاك ثواكله
ولا تستطيبوا مركب البغي إنه ... إذا ما امتطاه المرء فالله خاذله
ضمنت لباغي فضله أن يناله ... ومن يطلب اللأوا تئيم حلائله
وما نال هذا الملك حتى تقصدت ... صدور عواليه وفلت مفاصله (١)
وأنعل أيدي الجرد هام عداته ... وزلزلت الأرض البعيد قنابله
وما زاده تيه الخلافة قسوةً ... نعم زاد عفوًا حين زاد تطاوله
من القوم بسامين والوقت أكدر ... من النفع وهابين والجدب شامله
علينا لك الرحمن أوجب طاعةً ... بنصٍّ وبرهانٍ تلوح دلائله
فقال أطيعوا الله ثم رسوله ... وذا الأمر يدريه الذي هو عاقله
وقال رسول الله سمعًا وطاعةً ... لذي أمركم لو شط في الحكم عامله
ومن مات ما في عنقه لك بيعةً ... فميتة أهل الجهل يرويه ناقله
فيا معشر القراء دعوة صارخٍ ... بكم إن يكن فيكم حليمٌ نسائله
أما أخذ الميثاق ربي عليكم ... بإرشادنا للأمر كيف نعامله
فقوموا بأعباء الأمانة إنما ... بأعناقكم طوقٌ يعانيه حامله
وقولوا لقومٍ ليس فيهم رويةً ... ولا نظر فيما يحاذر آجله
إذا عقد الصلح الإمام لكافرٍ ... يرى أنه لا يستطيع يطاوله
وفيه لدنيانا صلاح وديننا ... ودفع أذى عنا تخاف غوائله
فذا جائزٌ في الشرع من غير شبهةٍ ... فياليت شعري هل يفند فاعله
إليكم بني الإسلام شرقًا ومغربًا ... نصيحةً من تهدي إليكم رسائله
стр. 929
هلموا إلى داعي الهدى وتعاونوا ... على البر والتقوى فأنتم أماثله
وقوموا فرادى ثم مثنى وفكروا ... تروا أن نصحي لا اغتشاش بداخله
بأن إمام المسلمين ابن فيصل ... هو القائم الهادي بما هو فاصله
فقد كان في نجد قبيل ظهوره ... من الهرج ما يبكي العيون تفاصله
تهاوش هذا الناس في كل بلدةٍ ... ومن يتعد السور فالذئب أكله
فما بين مسلوب وما بين سالب ... وآخر مقتول وهذاك قاتله
فأبد لكم ربي من الفقر دولةً ... وبالذل عزا؟ خصمًا يناضله
بيمنٍ إمام أنتم في ظلاله ... يدافع عنكم رأيه وذوابله
به الله أعطانا حياةً جديدةٍ ... رفهنا بها من ضنك بؤس نطاوله
لا بد ونحن في ذكر الأمن الذي أشار إليه الشاعر وأنه نعمة من الله جل ثنائه يشكر عليه الذي كان سببًا في وجوده، وقد قال ﷺ : "من أصبح منكم آمنًا في وطنه معافًا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" وبذلك نشكر الله تعالى ونسأله المزيد من فضله، ولا يعرف قدر الأمن إلا من أرهقته المخاوف، وأنه يجب على أمة الإسلام أن يتساعدوا ويتعاضدوا ويتكاتفوا لنشر هذه النعمة وتوطيدها قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولما جاء إليه النبى ﷺ أصحابه يشكون إليه ما يلاقونه من أذى قريش في أول الإسلام فقال: "والله ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه" فقال بعض الصحابة في نفسه عجبًا لذلك فأين دعار طيء الذين أخافوا السبل.
ولقد جرى في أيام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود من الأمن إن كانت مزاود الدراهم يجعلها المسافرون أطنابًا لخيامهم بالليل، وإن رجالًا من سراق الأعراب وجدوا عنزًا ضالة في نفود السر في نجد وهم جياع، قد مر عليهم يومان
стр. 930
أو ثلاثة طاوين من الجوع فجعلوا يتراجعون كل واحد يلح على الثاني أن ينزل من بعيره فيذبحها ليأكلوها فلم يستطيعوا ذلك خوفًا من سطوة الوالي، ولما ألحوا على أحدهم قال دعوها فإن عبد العزيز بن محمد يرعاها وتركوها وهم في أشد الحاجة إليها، وقال تعالى ممتنًا على عباده بالأمن: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]، ثم قال شاعرنا محذرًا عاقبة البغي ومنوها بمآثر صاحب الجلالة الملك عبد العزيز:
فيوماك يوم بالمواهب ماطر ... ويوم به الأسياف يرعفن بالدما
فكم ناكث أهوى لسيفك ساجدا ... ولم يك ذا ظهر ولا متيما
وإن أمير المؤمنين لكافل ... لباغي الهدى التعليم حتى يفهما
ومن لا يرد إلا الشقاق فإنه ... كفيل له أن يجعل السوط مخدما
فلا يغترر قوم رفعت جدودهم ... وأوليتهم من سيب جدواك أنعمًا
فكم شرق بعد الزلال وغصة ... تذيق العدى من جرعة الموت علقما
ومن ثاور الأسد الضواري جعلنه ... لأشبالها تحت الأظافر مطعما
ومن سل سيف البغي أصبح حتفه ... بشفرة ما قد سل أو سهم مارما
وكم قادح نارًا فكان وقودها ... إذا حسه منها شواظ تندما
وفيها صدرت أوامر جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بإجراء عمارة عموم المسجد الحرام داخلًا وخارجًا على حسابه الخاص وعهد بتلك العمارة إلى حضرة الشيخ عبد الله الدهلوي الذي قد عمل عدة سنين في عمارة عين زبيدة وظهر من أحسن أعماله ما دفع جلالة الملك إلى أن يعهد إليه بعمارة المسجد الحرام فقام عبد الله الدهلوي بتحضير اللوازم واستعان ببعض رجال العمل من هيئة عين زبيدة وابتدأ العمل في مستهل جمادى الأولى من هذه السنة فرمم عموم فرش أروقة المسجد الحرام من جهاته الأربع مع زيادتي دار الندوة وباب إبراهيم وعموم المماشي والفرش الحجري الذي عليه المقامات الأربعة حول مدار المطاف وعموم
стр. 931
بلاط الأبواب وجدار المسجد الحرام داخلًا وخارجًا والدرج المصعدة لأبواب المسجد الحرام ونظف القبب باطنًا وظاهرًا وأصلح كل خراب وقع في أبواب المسجد الحرام الخشبية وطلى بأنواع الأصبغة عموم عقود وجدران وأعمدة المسجد الحرام العلوية كل لون بحسب لونه الأصلي داخلًا وخارجًا ما يناسب ألوان الحجر الشمسي، من أسود، وأصفر برتقالي، وأحمر عنابي، ورمادي وكذلك مسح عموم الاسطوانات بالرخام وأزيل عنها ما كان متراكمًا عليها من الغبار حتى عادت إلى لونها الأصلي البراق حيث أنه قد مضى عليها منذ عمارة السلطان عبد الحميد المتقدمة إلى هذه السنة قدرًا من اثنين وثلاثين سنة، وأصلحت مظلة مقام الحنفي وغير بعض أخشابها وكسي سقفها بالمعدن الأبيض، وأصلحت مظلة مقام إبراهيم الخليل ﵇ وكسيت أيضًا بالمعدن الأبيض ثم طليت باللون الأخضر، وأصلحت مظلة قبة زمزم إصلاحًا جيدًا وكسيت بالمعدن الأبيض وطليت بالدهان الأخضر حسب المقامات الأخرى، وطليت الأساطين النحاس المحاطة بمدار المطاف التي تعلق فيها مصابيح الكهرباء بلون أخضر وطليت رءوسها بلون ذهبي وأصلح شاذروان الكعبة المعظمة فجبس بعض أحجاره بالجبس وملئ الفراغ الذي بين الأحجار وأحكم إحكامًا جيدًا، وفرش حصاوي المسجد الحرام بالحصبة بعد أن أزال ما فيه من الأتربة المتراكمة ثم بعد الفراغ من عموم ما تقدم رخم عموم جدار المسجد الحرام داخلًا وخارجًا السفلي منه الذي كان عادة يرخم بالرخام الأبيض الناصع، وكذلك رخم منتصف الأعمدة الثخينة المبنية بالحجر الصوان الأسفل منها، وعموم أبواب المسجد، ودار الندوة، وفسحة باب إبراهيم وبطون القبب والطواجن وأضاف إلى الرخام زهرة النيل الزرقاء لزيادته رونقًا وجمالًا واستمر العمل في ذلك إلى أن دخلت السنة التي بعدها.
وختمت هذه السنة بخبط ورهب للمسلمين، لما جرى من أولئك البغاة المفسدين حتى أن أهالي المقاطعات حجوا تحت قيادة إمارات وأعلام خشية من قطعهم السبل.
стр. 932
ثم دخلت سنة ١٣٤٧ ه ـ
استهلت والدويش وأتباعه قد صعب أمرهم وازداد شرهم قولًا وفعلًا، ويمرون على بلدان نجد والقرى فيقتسمونها إذا غلبوا بعد ذلك ويزعمون بأنها قصور شامخة أسست على غير تقوى فيجيبه صاحبه بقوله بشر المسلمين بهذه الغنائم غدًا نأخذها منهم، لأنهم يرون أن أهل نجد كفار.
أيا عجبًا لك يا فيصل الدويش ماذا عملت من السوء وفعلت من الأفعال الذميمة وسلكت من الطرق التي كانت غير مستقيمة، شققت العصا وفرقت الجماعة وعصيت إمام المسلمين وخرجت على الرعية والأجانب تقتل برها وفاجرها، هذا وأنت بزعمك تريد رضا الله نعوذ بالله من الجهل.
أما أمير الغطغط سلطان بن بجاد فما كنت أظن قصده إلا حسنًا واجتهادًا وليس كل مجتهد مصيبًا، وكان سلطان بن بجاد بن حميد عبدًا تقيًا حمله الجهل وغرور الدويش على أن انتظم في سلكه وسلك مسلكه، ولقد حدثني بعض الأحباب من طلاب العلم الموسومين بالدين والفضل أنه ذهب إليه أثناء ثورته ليعظه وليرده عن قصده وكان ذكره يملأ المسامع قال فلما وصلت هجرته سألت عن قصره ومحلته فدللت عليه فلما دخلت إلى المجلس العام رأيت الرجال الكثيرين غارقين بالسلاح وما أرى من بينهم رئيسًا وكنت لا أعرفه شخصيًا قال فسلمت وجلست وكان إلى جنبى رجل قليل اللحم دقيق الأطراف عليه سمت وتواضع فسألته عن الأمير سلطان بن بجاد فأشار إلى بعض الحاضرين أنه هو، قال فعجبت من مجلسه في طرف القوم فقلت له: يا سلطان اتق الله وخفه واحذر من عقوبته ولا تغرنك الدنيا وزخرفها واعلم أن الله لا يفوته هارب ولا يعجزه مغالب، وراقب عقوبته فإن عاقبة البغي وخيمة واعلم أنما أريق من قطرة دم في هذه المحنة بسبب ثورتكم على إمامكم سواء كان ذلك منكم أو من المسلمين فأنت المسؤول عنها بين يدي الله لأنك السبب في ذلك، قال فما استتم كلامي حتى بدرته العبرة وذرفت دموعه على صدره وجعل يقول: "كيف أصنع إن قمنا ضربنا السقف وإن جلسنا أكلتنا النار" قال فحسنت به ظني وعلمت إنه مغرور.
стр. 933
ذكر تصميم صاحب الجلالة على القتال
لما رأى ابن سعود أن الشعب كله ضد الدويش ومن تبعه وأنهم لا يزالون في تماديهم وطغيانهم زحف بموكبه العظيم إلى بريدة عاصمة القصيم في هذه السنة ومعه مائتا سيارة فنزل في قصر الحكم فيها ووزع بعض البيوت التي كانت معه في بيوت من بيوت أهالي بريدة وجمع الرؤساء وخطب خطبة بليغة عدد فيها محاسنه ومقاماته في الإسلام وجعل يدعو على نفسه إن كان غاشًا للمسلمين، وأنه نصر علماء الإسلام ورفع قدرهم وأذل ضدهم وقتل طاغية من الطواغي حينما قام يسعى ضدهم ويستجيش عليهم كل هذا نصرة للدين، ثم أنه بعث صاحب الجلالة إلى العدو في مكانه حضرة الشيخين الفاضلين عبد الله بن محمد بن سليم، وعمر بن محمد بن سليم وأمرهما أن يبذلا في نصيحتهم الجد والاجتهاد فذهب الشيخان على راحلتين إلى البغاة في "الصريف" للمفاوضة وإزالة سوء التفاهم ولما شرعا في الوعظ والتحذير من البغي جعل الدويش يضرب بيده على بطن الشيخ عبد الله ويقول: "يا فلوس انطقي" أيها الإخوان إن ابن سعود كذاب ومشايخه يتكلمون بما يريده فانفض المجلس عن غير فائدة وعقد مجلس آخر يكون خاصًا بالليل يحضره العلماء والأمراء فجلسوا وانفض المجلس عن غير شيء، وبينما الشيخان ينتظران الجلسة الثالثة الموعود بها صباحًا إذا البغاة يشدون راحلين ونبذوا العلماء ونصائحهم خلف ظهورهم فرجع العالمان الشيخان يشكوان إلى الله حالهم.
وكان قد رأى رجل من الصالحين في تلك الآونة في منامه "كأن الأسواق مملوءة دمًا" فعبرها معبر بأنه سيجري ملحمة بين المسلمين، وحدثني الأخ الفاضل عبد المحسن بن عبيد قدس الله روحه قال سمعت تكبير حميدان وهو في ناحية المسجد، وحميدان هذا أعرابي جاء يتعلم القرآن والسنة ويتردد بين أهل العلم للتعلم وكان محبًا لأهل الدين سمحًا ذكيًا قال فلما سمعت تكبيره أتيت نحوه فسألته عن ذلك الفزع فقال رأيت في النوم بيوت الشعر تدور على الإمام
стр. 934
عبد العزيز وجعل يبكي ويصف ذلك الدوران قال فدهشت لذلك، ورأى بعضهم ملائكة تطير بين السماء والأرض بعضهم على صورة الغنم، وكل هذه المنامات حوالي الوقعة.
ذكر وقعة السبلة سنة ١٣٤٧ ه ـ
لما نزل ابن سعود القصيم وكان قد ضرب لأعوانه وأحزابه من الحضر والبدو ميعادًا ليوافوه بها وكان ذلك بعد عيد الفطر، ولما اجتمعت الجموع عبأ جيشه وعزم على المسير من بريدة إلى العصاة في موضعهم في حين أن زعماء الفتنة قد جمعوا جموعهم واستعدوا لخوض غمار الحرب ضد ابن سعود حتى يقهروه، وكان ولي العهد سعود بن عبد العزيز في "النبقية" معه ثمانية آلاف من الجيوش الحضرية وعشرون ألفًا من الهجر انتظارًا لأبيه فسار صاحب الجلالة بنفسه حتى قدم على سعود ثم أنه قام البطل الغلاب عبد العزيز بن عبد الرحمن فقاد الجيش بنفسه وعسكر بالزلفي في حين أن الدويش وابن بجاد قد عسكرا بالسبلة وبين المنزلين ثلاث ساعات، هذا وما كان ابن سعود لينسى جميل أحد وماضيه بل ما زال يدخر في نفسه السمحة الطيبة ودًا لفيصل وابن بجاد ولم يقطع الرجاء ما دام يجد للصلح موضعًا فبعث إليهما بطلب منهما أن ينزلا على أمر الله ورسوله فيما أتيا من الأعمال وأخذ الرسل يروحون ويغدون بين الطرفين ثم غادر ابن سعود الزلفي إلى السبلة (١) نفسها ونزل على مقربة من جموع العصاة وقد كان العدو تحصنوا وراء جدار حصين قد تمنعوا، وجيشهم يبلغ أربعة آلاف أو يزيد.
стр. 935
أما جيش صاحب الجلالة فقد بلغ أربعين ألف مقاتل، عشرة أضعاف جيشهم. فبينما كان في مجلسه إذ دخل عليه رسول من سلطان بن بجاد يحمل إليه كتابًا منه فلما دخل لم يسلم على ابن سعود لأنه في زعمهم مبتدع هذا الذي حمله على عدم السلام فثار ابن سعود لهذه الإهانة أنفًا على ما صدر وصاح بالرسول من أنت ألست "ماجد بن خثيلة" وأخذ يسرد عليه تاريخه أتدخل علي ولا تسلم اذهب من فورك إلى الذي أرسلك وأخبره أننا قادمون عليهم للهجوم غدًا فإذا أرادوا أن يحقنوا دماءهم فليستسلموا بلا قيد ولا شرط والشريعة هي الحكم بيني وبينهم وهؤلاء العلماء حاضرون قم واذهب إلى رفيقك فمضى ماجد إلى سلطان بن بجاد وأخبره بجواب ابن سعود الذي صمم على الحرب أو استسلام خصومه بدون قيد ولا شرط، فرأى الدويش المخادع أن يذهب بنفسه إلى ابن سعود ليرى ما عنده ويختبر قوته فلما أن وصل إلى مخيم السلطان أخذ يتملق ابن سعود ومن معه وتظاهر بالرضا والغبطة ثم طلب إليه أن يعفو عنه وعمن معه عفوًا عامًا حتى رضي بأن يعفو عن دمائهم وعن أموالهم يدع أعمالهم إلى الشرع يحكم فيها فشكره الدويش وأثنى عليه وطلب أن يبيت عنده ليبرهن على توبته وإخلاصه وعدم مشاطرته سلطانًا رأيه وعرف ابن سعود أن ذلك خدعة منه فقال له قم واذهب إلى قومك ونم عند أهلك وموعدكم شروق الشمس من غد فإن كنت صادقًا فتنح عنهم وإن لم تكن صادقًا فسترى وخامة العاقبة والله ولي الصابرين، فغادر الدويش المعسكر واعدًا بالجواب فجرًا فما رآه قومه حتى استقبلوه وسألوه عما رأى فوقف أمام الجموع شامخًا متغطرسًا، وقال لما سألوه ماذا رأيت مجيبًا لهم.
يا قوم رأيت حضريًا ترتعد فرائصه من الخوف وكل من معه طبابيخ لا يعرفون إلا النوم على الدواشح أبشروا يا إخوان بالغنائم بالكسب فلقد وجدت لديهم حلالًا كثيرًا يعني أنعامًا ورأيت عندهم أموالًا عظيمة فأبشروا بالغنيمة التي لم تغنموها من قبل ابشروا بالكسب الذي لا تحلمون به غدًا سنقهر هذا الطاغوت ونستولي على ماله، وانتظر ابن سعود جواب الدويش حتى الصباح حتى الشروق
стр. 936
فلم يأته جوابه بل رأى جموع الأشقياء مستعدة للقتال، أين الدويش أين الجواب تالله إنها لحالة مزعجة فعند ذلك أمر ابن سعود جنوده بالاستعداد وعبأ جيوشه ونشر راياته المنصورة فوثب هو إلى فرسه وتقلد بندقيته وشد على وسطه حزامه وتمنطق بسيفه المشهور "رقبان" الذي مزق به كل خصومه، وجمع جنوده ورتبهم ترتيبًا عسكريًا فجعلهم صفًا واحدًا على مسافة طولها ثلاث ساعات، وأما الخيالة فقد قسمهم قسمين قسمًا جعله جناحًا أيسر تحت قيادة أخيه البطل الشجاع محمد بن عبد الرحمن وقسمًا آخر جناحًا أيمن وجعله تحت قيادة ابنه الليث الباسل سعود وأشار إليهما أن لا يدخلا المعركة إلا بأمر منه، أما هو فقد وضع نفسه في القلب وحوله أبناؤه الصناديد المغاوير وأبناء اخوته والأمراء من آل سعود والمماليك.
وكان ترتيب العصاة كذلك خط طويل عليه جنودهم وجناحان للخيالة وقد عزموا على أن لا تردد غير أنه ما ثم إلا الواقعة ثم يظفرون، ولمن سواهم سيغلبون، ولمن في وجوههم سيقهرون وامتلأت تلك الصدور من الأماني وهيئوا الأسلحة التي بزعمهم القواضي، فلما كان في الساعة الأولى من صباح يوم السبت الموافق ١٩ شوال برز ابن سعود على "الصوتية" أحب أفراسه إليه يختال في السير بين الصفين "ورقبان" الصمصامة يهتز في يده ثم تراجع بفرسه خطوات ثم تقدم ثم تأخر ثم صاح بها صيحة الحرب المدوية فإذا "بالصوتية" كالبرق وخلفها الأبطال آل سعود المقدمين على خيولهم العربية الكريمة يطيرون، وكان قد عزم على أن يتولى القيادة، ولما رأى أبناء الملك واخوته وأسرته أنه يريد أن يخوض المعركة بنفسه لم يقدروا على مصارحته ثم اجتمعوا وبكوا أمامه وإنهم سيكفونه ذلك إن شاء الله فذهب إلى ربوة وأحرم بركعتين، وهجم الجيش السعودي خلف القائد العام فالتحمت المعركة ووصلت في الدقيقة العاشرة وقد حمى الوطيس واستعرت الحرب وثبت العصاة للوثبة الأولى ولم ينكسر صفهم المتماسك ثم صاح الجيش السعودي صيحة أخرى أشد دويًا وهولًا وأعظم رعبًا من الأولى وجالت قواد الجيش السعودي في الميدان فجعلت بنادق الجيش السعودي وسلاحه تفلق الهام وتطيح الرءوس وتسيل الأرواح في وقت أظلم فيه الجو وطاشت سهام العدو بين السماء
стр. 937
والأرض وجعلت السهام السعودية تسدد إلى العدو فما تقع إلا على لحم فما كان إلا نصف ساعة حتى صارت الهزيمة على الدويش وأتباعه فولوا الأدبار منهزمين لا يلوي أحد على أحد بعد ما كادت القوات تحصدهم حصدًا، وأراد الجيش الباسل السعودي المنصور أن يلتهم العدو التهامًا وأن يتتبع الفارين فمنع صاحب الجلالة من ذلك تأدبًا مع الشريعة في قتال البغاة، وولى سلطان بن بجاد ناجيًا بنفسه ويصيح للمنهزمين بالفرار، وتقدم "صالح بن محمد المردسي" حامل راية أهل بريدة بأمر الأمير لجيشها وقائد غزاتها حمود بن صالح بن مشيقح فنصبت الراية بين خيام العدو، وقد ظن صاحب الجلالة أن هذه الضربة قاضية على العدو.
وكان "رقبان" سيف ابن سعود لما ضرب رجلًا من العدو على عنقه نفذه السيف كلمح البصر والرأس في مكانه فظن ابن سعود أن الضربة أخطاته فرفع السيف وقبل أن يهوي به انتفض القتيل وسقط الرأس لكنه لما ضربه أخرى مرادفة بعد سقوط الرأس عن جسمه قدته نصفين وشطرت القلب شطرين، وقد أبيد معظم البغاة.
ولما فر القائدان فيصل الدويش وسلطان بن بجاد قصدا الأرطاوية ثم رأى الفارون منهم أن لا ملجأ لهم من ابن سعود بعد الله إلا إليه وهم رءوس الشر والفتنة فكتبوا إليه يطلبون العفو والأمان ويذكرونه بماضيهم الجميل وبعثوا إليه يستعطفونه ويتوسلون فأجابهم ابن سعود بأنه لا ينكر ماضيهم الجميل ولا ينسى حاضرهم القبيح وذكر لهم أنه عفو كريم ولا سيما عند القدرة على أخذهم ومحو آثارهم وسيكل أمر عملهم إلى الشرع الشريف.
ولما جاءهم الجواب خافوا على أنفسهم كما قيل "أسأت لي فاستوحشت منى" فبعث الدويش وابنه النساء والأطفال إلى ابن سعود في مقره بالسبلة مستشفعين مستعطفين ولما أن وصل النساء والذرية في صباح اليوم العشرين من شوال إلى مقر ابن سعود في بكاء وعويل رق قلبه لهم ولم يتمالك نفسه من البكاء فأصدر أمره
стр. 938
السامي بالعفو عن الدويش وابنه (١) واشترط عليه أن يسلم ابنه حالًا وأن يبقى هو بالأرطاوية حتى يشفي من جراحه ثم يسلم نفسه وأن لا تكون له علاقة ما بعد الآن بقبيلة مطير، فرضي الدويش واستسلم ابنه عبد العزيز فسلّم نفسه إلى ابن سعود، وظل فيصل الدويش المثخن بالجراح يعالجه طبيب ابن سعود الخاص يعنى بأمره ويسهر عليه.
أما سلطان بن بجاد فإنه لما علم بعفو ابن سعود عن زميله، وأن سيد الجزيرة قد منَّ عليه استسلم هو إلى ابن سعود وبعث إليه بكتاب يستأذنه فيه بأن يسمح له بمقابلته، وليصنع به بعد ما يشاء، فأجابه ابن سعود بأن الجنود حانقون عليه ومتبرمون، ويخشى إن قدم عليه أن يناله منهم مكروه، فإن كان صادقًا في طلبه وكلامه فليمض إلى شقراء أو ليسر إلى الرياض فيسلم نفسه لحاكمها، فذهب ابن بجاد إلى شقراء وسلم نفسه، فأمر ابن سعود أن يسجن لأنه كان خطرًا على الأمن العام ويخشى انتفاضه، لأنه قد طالما كابد منه ومن أمثاله نكث العهود وتمزيق المواثيق، ففي إطلاقه ومنحه الحرية تمهيد للعبث والفتنة من جديد، فرأى أن يبقيه معتقلًا اكتفاء لشره حتى يتوب، وقد كفانا فعل زميله، فقضى في السجن بقية حياته رحمه الله تعالى، ثم مضى بعد ذلك ابن سعود إلى الحجاز للحج.
стр. 939
ذكر انتفاض الدويش، عياذًا بالله
وقد قال بعض أدباء الشعر بيتًا جميلًا وأحسن ما قيل في إكرام اللئيم:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عام
لما سار صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل قدس الله روحه وجعل الجنة مثواه، وذهب إلى الحجاز ليشهد الحج في موسم هذه السنة، وكان قد تمكن من أعدائه لأن الله تعالى أباد خصراهم وعاملهم بنقيض قصدهم، ثار الدويش بعدما شفي من جراحه الخطرة واستعاد قوته ونشاطه، كما استعاد ابنه الحرية واتصل بأبيه، ومن أعظم فسادًا من الدويش وابنه، ومن أشد منهما جحودًا للجميل ونكرانًا للصفح، وكان لما عفا عنهما صاحب الجلالة ومن عليهما بعد إلحاح، وهم شر الجناة، لم يستمرئا طعم العفو لأنهما فطرا على النهب والسلب، فأعاد المفسدون الكرة وظنوا أن الجو في نجد قد خلا لهم، فما ثم من بأس أن طاروا أو حلقوا وسعوا بالفساد، فغادر الشقي وابنه الأرطاوية بجنودهما وأقاما بين الكويت والإحساء وانضم إليهما "ضيدان بن حثلين" فأخذوا يشنون الغارة على الآمنين ويقتلون ويسلبون وينهبون الأموال والأنعام حتى أمسوا وربك خطرًا على الأمن، وما أفاد فيهم النصح والإرشاد ولا الزجر والتهديد، بل انقطع الطريق بين نجد والإحساء وبين نجد والحجاز، حتى كادت المواصلات تنقطع بين مدن المملكة العربية السعودية، وقامت عتيبة تغير على القوافل وتقتل الرجال والنساء والأطفال، وكذلك الدويش ومن معه، وأصبحت ثوراتهم تنذر بالويل والخراب، لذلك انتدب الأمير فهد بن عبد الله بن جلوي وخرج بنفسه ودعى بضيدان بن حثلين إليه في معسكره، ولما أن جاء إليه ولبث عنده قريبًا من الزوال إلى حوالي الساعة الثالثة ليلًا خاف العجمان على رئيسهم ولم يشكوا في قتله لأنه لم يتأخر عن ميعاده الذي ضربه لهم إلا لعائق الموت، فثاروا متحمسين وتبايعوا على الموت وتجردوا من ثيابهم وخرجوا عراة غير مبالين، أولئك العجمان الذين شرهم أشهر من أن يذكرو وخياناتهم تذكر ولا تنكر، فأعظم بهم غدرًا وجراءة ونكايةً.
стр. 940
كان ضيدان بن حثلين رئيس قبيلة العجمان ثالثة الأثافي، وكان من المتآمرين ضد الملك عبد العزيز، وكانت الرسل تتردد بينه وبين الدويش، إلا أنه لم يحضر واقعة السبلة ولا أحد من قبيلته، وكان أمير المنطقة الشرقية عبد الله بن جلوي بن تركى يعرف دخيلة نفسه وما ينطوي عليه، فجهز ابنه فهدًا في سرية ومعه "نايف أبو الكلاب" أفراد أسرة الحثلين إلى "الصرار" هجرة ضيدان بن حثلين للقبض على ضيدان لإطفاء جمرة البغاة والقضاء عليهم، فسار فهد بن عبد الله في ذي القعدة من هذه السنة ونزل على بعد مسيرة أربع ساعات من الصرار، وأرسل إلى ضيدان كتابًا يقول فيه: إنه يريد الغزو على بعض القبائل المتمردة ويرغب في مقابلته لمشاورته والأخذ برأيه، فكتب له ضيدان يدعوه لدخول الصرار للضيافة والمشاورة، فأبى إلا أن يأتيه بنفسه، فاستشار ضيدان بعض جلسائه فأشاروا عليه بعدم مقابلته، فأجابهم بأني لم أدخل الفتنة ولا أحب إظهار المخالفة، وخرج من الصرار معه خمسة رجال على خيولهم، وقدموا على فهد بن عبد الله، وبعد تناول القهوة دعاهم رجل من خاصة فهد لتناول القهوة في خيمة خاصة، ولما استقروا فيها أمر فهد بتقييدهم بالحديد لإرسالهم إلى والده، وبقوا مكبلين بالحديد بقية يومهم، ولما أن كان بعد صلاة العشاء الآخرة لم يرجع ضيدان إلى بلده، فأيقن قومه بالشر وخرجوا عن بكرة أبيهم لمهاجمة فهد وفك ضيدان بالقوة، ولما قربوا من السرية أحاطوا بها وأطلقوا عليها الرصاص، وحينئذٍ أمر فهد بن عبد الله بقتل ضيدان ومن معه، فضربت أعناقهم والتحم الفريقان، فقام "نايف بن حثلين" والذين معه من العجمان الذين خرجوا مع فهد بن عبد الله من الإحساء حين علموا بقتل ضيدان وقتلوا فهد بن عبد الله وتحيزوا إلى قومهم وقضوا على السرية وأخذوا جميع معداتها وذخائرها وأسلحتها واقتسموها، وانضم "نائف أبو الكلاب" إلى قبيلة العجمان وتزعمها ثم غادروا هجرتهم الصرار، ولما انضموا إلى الدويش الذي سارع بعدما عادت إليه صحته واندمل جراحه ونقض عهده، جاءهم "ابن مشهور" في جماعته من عنزة وعقدوا الرأي على احتلال الإحساء والمدن الساحلية كالجبيل والقطيف،
стр. 941
وفي طريقهم ذلك قيل لهم أن أحياء من العوازم نازلون على ماء يقال له "رضي" فطمعوا في أخذهم وسلب أموالهم، فساروا إليهم وصبحوهم وهم غادون لا يعلمون بما بيتوا لهم من المكر، فثارت العوازم في وجوههم مدافعين عن الأنفس والأهل والمال فأعملوا في الدويش والعجمان الرصاص والسيوف والسكاكين وعمد البيوت والحجارة، وأنزل الله عليهم النصر من السماء فقتلوا أهل الرايات وهزمهم العوازم شر هزيمة لا ينمحي عارها، لأنهم يرون أن العوازم لا يكافئونهم في الشرف والشجاعة، وما النصر إلا من عند الله.
ولما أن كان بعد مدة يسيرة لا تزيد على شهرين أعادوا الكرة على العوازم، وليستعيدوا شرفهم وسمعتهم وهيبتهم، فجمعوا فلولهم، وكانت العوازم تترقب غزوهم فاجتمعوا على ماء يدعى "نقير" وسار إليهم العجمان والدويش وابن مشهور، فالتقوا على ذلك الماء وجرت واقعة هزم فيها الدويش والعجمان وأتباعهم شر هزيمة، وقتل كثير من رجالهم وعادوا خائبين.
وفي هذه الآونة قتل الشيخ عبد الرحمن بن صعب، قتله جماعة ابن مطيوي، وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم القاضي أبو سليمان عبد الرحمن بن عبد العزيز بن الشيخ صعب آل تويجري وآل تويجر من عنزة يسكنون الجمعة، ثم تفرقوا إلى سائر البلدان، وفيهم كتاب وعلماء وأدباء رحمه الله تعالى وعفى عنه، ويلقب "دحيم"، كان المترجم مربوع القامة وجميل الصورة جدًا، أبيض اللون مشربًا بالحمرة، حسنًا حليمًا محببًا إلى الناس، ولد في سنة ألف وثلاثمائة وأربع عشرة، وتوفى عن عمر يناهز الثالث والثلاثين، وكان من خيرة تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وقد لازمه في الحضر والسفر، وله همة في طلب العلم النافع السعي في تحصيله، ولديه كتب كثيرة قد استحصلها، وكان جهوري الصوت، حسن القراءة إذا أخذ في القراءة، وددت أن لا يسكت لفصاحته وجودة لفظه وتولى قضاء إحدى الجهات الحجازية، وكان قتله غيلة، نسأل الله العافية، وكان مسكنه في مدينة بريدة.
стр. 942
وفيها بل في مستهلها عين الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين رئيسًا للقضاة في الحجاز، فباشر مهمته بجد ونشاط، وكان قويًا متواضعًا لا يحمله التواضع على الضعف، ولا تحمله القوة على الجبروت، وكان محظيًا لدى الملك عبد العزيز يكرمه ويعظمه، وسيأتي للشيخ بقية ذكر في ترجمته في سنة وفاته.
وفيها تم طبع تفسير الحافظ ابن كثير وتفسير البغوي وقد جعل الأول في عالي الصحيفة، والثاني بأسفلها والطبعة حسنة جميلة جدًا إذ لم يطبع التفسير أن إلى الآن كمثل تلك الطباعة مفصولًا بينهما بجدول فجاء على أحسن وضع وبلغا تسع مجلدات كبار طبعًا بمطبعة المنار بمصر، وبمصر وذلك بنفقة الملك الصالح الموفق "صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود" أثابه الله تعالى الجنة.
وفيها في نهاية ربيع الثاني تم العمل في إصلاح المسجد الحرام وعاد متقنًا على رونق وبهجة وجمال وقد صرف جلالة الملك على ذلك العمل ما يربو على ألفي جنيه ذهب، وكان هذا التبرع من جلالة الملك أيده الله، ونال القائم بهذا العمل وهو الفاضل عبد الله الدهلوي من الإمام عبد العزيز القدر اللائق بعمله لأنه قام بما يرام، كما قام أيضًا بعمارة عين الوزير بجدة بعد اندثارها نحو ستين عامًا حتى أعادها إلى ما كانت عليه من الجريان المطلوب.
إضاءة المسجد الحرام بالكهرباء
لما كان في ابتداء شعبان من هذه السنة أمر جلالة الملك عبد العزيز بتجديد عموم اللمبات التي بالمسجد وبزيادتها وبلغوها ألف لمبة، فعمل ذلك فعلًا في تلك السنة ولم يهل شهر رمضان حتى صار المسجد الحرام مضاءً عمومه بالكهرباء، وكانت تستعمل الماكنة الكبيرة من قبل الغروب إلى الساعة الرابعة ليلًا، ثم توقف الكبيرة وتستعمل الماكنة الصغيرة من الساعة الرابعة ليلًا إلى قبيل أذان الفجر بنصف ساعة ثم توقف الصغيرة، وتستعمل الماكنة الكبيرة إلى وقت الأسفار وعلى ذلك يكون باستمرار
стр. 943
العمل من ابتداء شهر المحرم إلى نهاية شهر شعبان، فإذا دخل شهر رمضان ابتدأت الإنارة بالماكنة الكبيرة تضيء الليل كله من قبل الغروب إلى الإسفار، ويستمر العمل على ذلك شهر رمضان وشوال وذي القعدة وذي الحجة، فلما استمر السير على ذلك ظهر أن الماكنة الكبيرة لا تكفي قوتها بأن تضيء ألف لمبة كما ينبغي، فصدر أمر جلالة الملك ابن سعود قدس الله روحه بأن يضم على الكهرباء عدة لمبات لوكس لأجل أن تصير الإضاءة كافية لإنارة المسجد الحرام، فضم نحو ثلاثين لمبة في قوة ثلاثمائة شمعة، واستمرت الإضاءة إلى ما سنذكره بعد ذلك إن شاء الله تعالى، وبذلك نحيط علمًا بجلالة هذا الملك العظيم وسعة تدابيره وأعماله، فما كان ليشغل باله العمران وإصلاحات الحرمين الشريفين عن طبع كتب أهل السنة، وتكبد الخسائر على ذلك عن الجهاد والقتال وإطفاء الثورات الداخلية.
ثم دخلت سنة ١٣٤٨ ه ـ
استهلت هذه السنة والدويش مقيم على العناد والتمرد، وقد عاد الكرة على المسلمين وظن أنه أصبح ذا شأن وأراد أن يكون كابن سعود أو أعظم منه، وحسده ونفس عليه ملكه، وبعث ابنه عبد العزيز إلى "لينة" للنهب والسلب والإفساد، وأصحبه بكبار مطير وبرجال آخرين شجعان حتى بلغ عددهم ٧٠٩، فما رأى صاحب الجلالة عبد العزيز بن السعود صنيع عتيبة وما ارتكبته من القتل والنهب جردَّ حملةً قوية من عتيبة الموالية له وضرب بها عتيبة المعادية ضربةً دوختها، وقوى الحامية في نجد والإحساء والحجاز، ثم طفق يفكر في الوسيلة التي تمكنه من المتمرد العنيد الباغي فيصل الدويش الذي لا ينفع فيه عفو ولا إحسان، ولا يعبأ بعهد ولا ميثاق مهما كان، فلم يجد إلى القوة فهي وحدها الكفيلة بأن تقضي على الفتن والشرور، لكن كيف الحال وقد صعب أمره واجتمع على رأيه بقية أذنابه وسار ابنه عبد العزيز بتلك الجموع للإفساد والتدمير.
ولما أن بلغ عبد العزيز بن الدويش بأرذاله "لينة" لم يجدوا فيها أحدًا فغادروها
стр. 944
إلى الحزول فوجدوا بها إبلًا وأنعامًا كثيرة فنهبوها ومضوا فرحين بغنائمهم التي ظفروا بها بدون قتال، فلما سمع صاحب السمو الملكي عبد العزيز بن مساعد بخبرهم، وكان على "قبة" ومعه "الفرم" و"ابن نهير" خرجوا نحوهم، وكان ابن مساعد لما بلغه أمرهم لم يطق صبرًا بل نهض مجدًا في السير بجنوده، وكان أحزم الثلاثة، ولما زحف الأمير ابن مساعد بما معه من الجنود يتبع آثار الجناة الذاهبين لم يجدوهم حتى وصلوا "البشوك" فاستراحوا قليلًا ثم غادروه إلى "أم أرضمة" وأقاموا بها ثلاثة أيام يستطلعون فيها أنباء الأشرار، فلم يقفوا لهم على خبر، فاضطروا إلى مبارحتها إلى لينة، فلما كان يوم السبت ٤ ربيع الثاني سار ابن مساعد بجيوشه يقطع القفار في طلب أولئك، فلما أشرف على خرق رغيب يسمى "طيارات" أبصر على البعد ولد الدويش ومن معه آيبين من الحزول معه الغنائم الكثيرة يريدون ورد "أم أرضمة" فكانت عليهم حملة شديدة وطوقهم، فدام القتال خمس ساعات، ثم انتهت المعركة بقتل عبد العزيز الدويش وجماعة ابن مشهور.
أما فرحان بن مشهور فقد كان غائبًا لحسن حظه وسلم من القتل، وقتل رجال مطير وفر الأحياء منهزمين، إلا أن الجنود والفرسان السعودية طوقتهم فقبضوا على جميعهم، وكانوا مائتين من المقاتلة، فقدموا إلى المحكمة العسكرية التي يرأسها ابن مساعد، فحكم عليهم بالإعدام ذلك بأنهم بغاة جناة عاهدوا ثم نكثوا، ثم عاهدو ثم غدروا، ثم عاهدوا ثم نقضوا وقتلوا الأبرياء، وما نفع فيهم عفو ولا صفح فأطار سيف الحق والعدالة مائتي رأس من رؤوس البغاة ليشاركوا إخوانهم في المعركة، وما نجى إلا رجلان استطاعا الفرار على فرسيهما من المعركة ومضيا إلى الدويش، تلك وقعة "أم أرضمة" التي قتل فيها سبعمائة مقاتل من الفئة الباغية، وعادت على الدويش بالخيبة والفشل.
وقد كثر الشعراء من القصيدة تهنئة الظافر في تلك الوقعات عربيًا ونبطيًا، فمن ذلك قصيدة أنشأها الأديب صالح بن عبد العزيز بن عثيمين، ومنها قصيدة نبطية طويلة أنشأها ابن زيد صاحب الداخلة، ومنه قصيدة أنشأها الأخ في الله
стр. 945
الشيخ عثمان بن أحمد بن بشر فقال: ومما قال الفقير إلى الله عثمان بن أحمد بن بشر تهنئة للأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي لما قتل الله على يديه ولد الدويش خبيث النية وقومه المرتدين في أم أرضمة عام ١٣٤٨ هـ وقد استفصلته عنه كلمة كلمة، فذكر لي فتوى العلماء في ذلك:
لك الحمد يا مولي العطاء ... ويا خير مرجو لكل الوسائل
لك الحمد مولانا على نصر حزبنا ... على كل باغٍ ناقض العهد خاتل
أتانا بشيرٌ من أمير مؤيد ... مباركٌ ميمون الشمائل فاضل
كريمٌ جوادٌ ذو تقى وشهامة ... صبورٌ جسورٌ في اللقى ذو فضائل
وأعني به الضرغام نجل مساعد ... أديبٌ رحيبٌ من كرامٍ أفاضل
يقود جنود المسلمين بعزمه ... وهمته العليا إلى كل طائل
فوفقهم ربي لحزبٍ ذوي الردى ... ذوي الزيغ والطغيان نسل الأسافل
فعدتهم سبع مئين مقاتل ... أبادهم المولى بأسدٍ بواسل
فمنهم رئيس الشر قائد جمعهم ... عبيد عبد العزيز ذو الخنا والدغائل
فأضحوا جثاثًا في البقاع تزورهم ... سباع الفلا والطير خمص الحواصل
فطوبى لمن ولاه ربي قتالهم ... يريد من المولى جزيل الفضائل
فحيهم نال السعادة والمنى ... وعزًا وذكرًا لم يكن للأوائل
ومقتولهم نرجوا له الفوز والرضا ... مع الشهداء حىٌّ بأعلى المنازل
فلله ربي الحمد والشكر والثناء ... على كبت أهل الزيغ من كل خاتل
وذلك من فضل الإله وحمده ... بطلقه مأمون السريرة فاضل
إمام الهدى عبد العزيز أخي التقى ... إمامٌ همامٌ ماله من مماثل
إمام الهدى عبد العزيز أخي الندى ... ثمال اليتاما عصمةً للأرامل
يصدق أقوالًا بصدق فعاله ... ويحمي حمى السمحاء عن كل باطل
فيا رب تبقيه على الحق والهدى ... ويا رب تكفيه سهام المقاتل
ويا رب يا مولاي يا فالق النوى ... ويا سامع النجوى مجيب المسائل
стр. 946
أعذنا من الطغيان والزيغ والردى ... وخذ بنواصينا لأسنى الفضائل
وأصلح لنا النيات فيما تقوله ... ونفعله يا مستجب الأرامل
تنبيه
قد قدمنا أن الدويش لما أن خذله الله تعالى وأثخن بالجراح جاء نسائه وأطفاله يشفعون له لدى ابن سعود، فرقَّ له وعفى عنه وألزم طبيبه الخاص "مدحت شيخ الأرض" أن يداوي جراحه ويتعاهد صحته، كما أن الأمير سلطان بن بجاد سلم نفسه إلى ابن سعود بعد فراره من موضع الواقعة "السبلة" إلى الغطغط، فأمر به ابن سعود وأناس معه أن يودعوا في السجن، ولما لبث في سجن الرياض عدة سنين نقلوا إلى سجن الإحساء ووافتهم المنية هناك فالله المستعان.
وكان صاحب الجلالة عبد العزيز بعدما انتهت الواقعة عاد إلى شقراء، وبعدما ألقي القبض على ابن حميد أمر ابنه سعودًا أن يذهب إلى هجرته الغطغط ويأخذ جميع ما فيها من السلاح، ثم يهدم الهجرة ويبيدها، فنفذت الأوامر بسرعة ذلك جزاء بما كسبت يداه، ثم إنه بعدما رجع ابن سعود من الحج سيَّر خالد بن محمد بن عبد الرحمن الفيصل ومعه سرية من الجند إلى عتيبة لتأديب "مقعد الدهينة" ومن تبعه من عتيبة وبني عبد الله وأمر عمر بن ربيعان رئيس قبائل عتيبة الموالين لابن سعود أن يسير لمساعدة الأمير وخرج خالد بن منصور بن لؤي ومعه جند كثير من أهل الخرمة ورنية وما حولها لتأديب الخارجين كما أنه زحف محمد بن سحيمي أحد رؤساء قحطان ومعه جند كثير من أهل الحجاز لهذه الغاية فلما رأى "الدهينة" وأصحابه من عتيبة وبني عبد الله من مطير أن الأخطار قد أحاطت بهم تشتتوا وفر الدهينة وجماعة معه من العصاة فانضموا إلى الدويش وأبي الكلاب، والعجمان غير أن الله تعالى ألقى عليه الذل فكسروا وعادوا خائبين كما تقدمت الإشارة إلى ما صنعه بهم العوازم.
وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين الأديب الشاعر من أهالي بريدة
стр. 947
مهنئًا الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل في واقعة السبلة التي بينه وبين الإخوان سنة ١٣٤٧ هـ التي تقدمت:
أهذا ضحى عيد يلي ليلة القدر ... أم البشر أن الدين قد حف بالنصر
لقد جاءت البشرى بأن ذوي الهدى ... أبادوا العدا من ذي الخيانة والمكر
فكان لها عقلي يطير مسرةً ... وبادرت نحو الأرض لله بالشكر
لك الحمد يا من لا يخيب آملًا ... كما أنت أهل الحمد يا والي الأمر
لقد كنت أوعدت الطغاة مذلةً ... وأن بلغوا عدا الجراد من النشر
ولكن وعدت المتقين وإن بلوا ... ليجزوا بما قاسوه بالفوز والظفر
فصار كما أوعدتهم ووعدتنا ... ففزنا وباءوا بالعناء مع الخسر
أراد بغاةٌ أن يعيثوا بديننا ... وأن يفسدوا في الأرض في البر والبحر
وأن يستبيحوا ما لنا ودمائنا ... وأن يهتكوا ما للعباد من الستر
فقام إمام المسلمين يؤمهم ... وناداهموا حيًا على أمة النكر
أجيبوا الذي قال اشتريت نفوسكم ... بجنات خلد لا تبيد مدى الدهر
فبيعوا فما وازى الشهادة رتبةً ... ومن يعشق الحوراء يبذل المهر
فإن تقتلوهم تظفروا بسعادة ... ويشقوا أليس الجبن قاصمة الظهر
أجابوه في لبيك فالكل بائع ... على الله لا يبغي جزاءً سوى الأجر
لننصر دين الله فامض لما ترى ... ولا تبتئس فيما أتت عصبة الشر
فمن لم يمت قتلًا يموت بغيره ... ومن لم يجاهد ذل في ربقة الأسر
فقال سندعوهم إلى سبل الهدى ... عسى أن ينيبوا للنصوص وللذكر
ونادى بهم يا قومى (١) اتئدوا ولا ... تشقوا عصا الإسلام بالبغي والدعر
وهذا كتاب الله يحكم بيننا ... وسنة هادي العالمين من الكفر
стр. 948
وأن تقصدوا مالًا فمدوا أيديكموا ... إلى ما تريدوا من عروض ومن تبر
فلم يرعووا عن غيهم وضلالهم ... فقال وأنى بعد هذا من النذر
فصال عليهم صولةً فأبادهم ... كأن لم يكونوا بالمهندة البتر
وسل بهاتيك اليمين مصممًا ... لهم تقذف الأمواج شعلًا من الجمر
وأسقاهموا كأسًا من السم ناقعًا ... فاسكنهم بعد الفضاء ظلمة القبر
وصاد أسود الخيل وهي عديدةً ... وكربهم إذ أحجم الأسد عن كر
فبين قتيلٍ أو طريدٍ مشره ... وبين كسير ليس للكسر من جبر
وكل رئيس مد عنقًا تطاولا ... إلى الملك صار العنق من بعد للجزر
وأضحى صريعًا بين أظفار ضيغم ... وإفلاذه دارت على الناب والظفر
وباقيهموا ظلوا يتيهوا ولو بقوا ... لا لحقهم رغمًا بسيدهم عمري
وأجلاهموا في رغمهم عن ديارهم ... وما ظنهم هذا يكون إلى الحشر
فيا ساعةً فيها الثكالى جيوبها ... تشق ولكن مفرح الذيب والنسر
سلي الخيل عن فعل النهيك بحافظٍ ... تجد عضبه قدايهم الجون بالشقر
هزبر إذا ما قد رأته تفردت ... تطير إذا أنحت بأجنحة الكدر
وما نكلها يسطاعها بأعنة ... من الروع فرت كالظليم من الذعر
فيا معشر الإسلام طرًا هنيئكم ... بنصر يحل المغلقات من الأمر
هلموا قنوتًا في بقاع سميدع ... أزاح ظلام الظلم كالليل والفجر
جوادٌ خضمٌ أريحيٌ منجد ... حسيب قفا أصلاهموا منيع الفخر
وتابعه في كل هذا سلائل ... فأخلاقهم بالدر إن قستها تزري
لقاصده سهل الجناب وللعدا ... يجرع كاسات أمرٍ من الصبر
حمى الدين والدنيا جميعًا عن الخنا ... وصانهما عمن بغى بالقنا السمر
وأظهر دين الله حسب كتابه ... وللسنة الغراء يقفوا على الأثر
وبالخلفاء الراشدين له اقتدا ... ولم يرضى خلفًا في ذراعٍ ولا شبر
وأوهب كل المذنبين نفوسهم ... لعفو وإحسانٍ عليهم مع القدر
стр. 949
وقابل بالرفق الضعيف تكرمًا ... ولاقى بعز القهر طائفة الكبر
فإن تفتخر فرس علينا بقيصر ... فخرنا به فيرفعه الأنجم الزهر
وإن قدمت روم هرقل بحلية ... يجيء سكيتًا في الورود وفي الصدر
ولو كان في نادي الوفاء سموئل ... يوافي وفا الشهم ارتضى سمة الغدر
وما اجتمع الاثنان إلا لواحد ... كعلم ومجدٍ ثم حلمٍ مع القسر
وقد كان معن في السخاء وحاتم ... فرادى ولكن ذاك في العد لا النثر
فلو أن أرباب الدرادي بكفة ... دروا لاكتفوا عن خوضهم لجج البحر
وإن خضت في بحر الفصاحة لا تقل ... لسحبان إلا صاحب العي والحصر
فدونك يا عبد العزيز لمخلص ... لدولتكم بالنصح في السر والجهر
دعاء بإخلاص الوداد فدمتم ... ولا زالت الأقدار في حكمكم تجري
ولا زلت محروس الجناب موفقًا ... لإخماد نار البغي بالذل والقهر
ولا زلت إن عد الملوك برفعة ... كفاتحة القرآن يا زينة العصر
ولا زال نادي المسلمين معطرًا ... يدم عزه في ذكركم فائح العطر
وهاك قريضي قد أبان انتقاده ... وجاء على استحياء كخودٍ من العذر
يقبل أرضًا خالعًا لنعاله ... وحليته عقد التنصل في النحر
وها أنا أبدي العذر يا خير من أتت ... إليه مطي الوافدين فخذ عذري
فما أنا حسان ولا ابن ربيعة ... ولكنني أبديت ما صاغه فكري
فهذا وإني في حوادث مشتت ... لي الذهن ثم القرن في رابع العشر
وأفات دنيا ثم ضيق معيشةٍ ... لسبعٍ وعشرين مضت من سني عمري
سيقبل عذري كل حر وأن يكن ... فريضي لما قدمت هذيًا لذي سكر
وما صغت هذا للقراء فإنني ... به مظهر من ودكم للهوى العذر
أقر بأني كالطفلي بمدحكم ... فمن لي بما آفي بما قلت في الشعر
فلو أن بدر التم أبعثه لكم ... قريضًا وباقي النجم في عنق الشعري
علمت قصوري في المديح وإنن ... أسودٌ قرطاسًا من الشعر والنثر
стр. 950
ولكن هذا ما أطقت ومن أتى ... بما عنده فالعفو من شيم الحر
أتتك قصيدي مثل حسناءٍ غادةٍ ... وقد صنتها عن أن يحام حمى الخدر
بساحتكم تلقي العصاء فريدةٌ ... وفيها فقد ترمي اللثام عن الثغر
فإن تقبلوها يا سعادة حظنا ... وإن ترجعوها فالأسى لي مع الخسر
وخذ عدها سبعون بيتًا وخمسةً ... بمدد حكموا كالمسك فائحة العطر
وصلي إلهي كلما هبت الصبا ... وما ماضٍ برقٍ فوقه وابل القطر
على أحمد المختار من نسل هاشم ... وآلٍ وصحبٍ ما أضاء سنا البدر
ولما انتهت أرخ لشعر مهذبٍ ... وفي الكاف من شوال فاستفت من يدري
ومما قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن سوداء مهنئًا للظافر قال من أبيات القصيدة:
فلا تبن للأعراب مجدًا فيطغهم ... ولو لبسوا عماتهم بالذوائب
فما الدين إلا بالقلوب محله ... على وفق شرع الله رب الكواكب
وصادقهم أكرمه غير مبالغ ... وخائنهم فاردعه لو بالقواضب
فلا يستقيم الملك إلا بسطوةٍ ... على كل باغٍ خائنٍ ومشاغب
فذو البغي والإفساد يقتل جهرةً ... إذا لم يتب من فعله والمثالب
وقال أيضًا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن سوداء:
بدأت بحمد الله مرسي الدعائم ... على نعمة الإسلام من ذي المراحم
أهني إمام المسلمين بقمعه ... ذوي البغي والطغيان من كل غاشم
أهني إمام المسلمين بقهره ... أولى الجهل والإفراط بين العوالم
أهني إمام المسلمين بحمله ... على كل باغٍ خائنٍ ومصارم
إلى أن أبان الله كل خفيةٍ ... فجرد سيف العدل لا سيف ظالم
دعاهم إلى حكم الإله وعبده ... محمد المبعوث صفوة آدم
فحادوا عن التحكيم للشرع والهدى ... فأعذر منهم طالبًا للتحاكم