← История

История · id 145210

تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان

إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن

Полный текст (2 873 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أعذنا من الطغيان والزيغ والردى ... وخذ بنواصينا لأسنى الفضائل وأصلح لنا النيات فيما تقوله ... ونفعله يا مستجب الأرامل تنبيه قد قدمنا أن الدويش لما أن خذله الله تعالى وأثخن بالجراح جاء نسائه وأطفاله يشفعون له لدى ابن سعود، فرقَّ له وعفى عنه وألزم طبيبه الخاص "مدحت شيخ الأرض" أن يداوي جراحه ويتعاهد صحته، كما أن الأمير سلطان بن بجاد سلم نفسه إلى ابن سعود بعد فراره من موضع الواقعة "السبلة" إلى الغطغط، فأمر به ابن سعود وأناس معه أن يودعوا في السجن، ولما لبث في سجن الرياض عدة سنين نقلوا إلى سجن الإحساء ووافتهم المنية هناك فالله المستعان. وكان صاحب الجلالة عبد العزيز بعدما انتهت الواقعة عاد إلى شقراء، وبعدما ألقي القبض على ابن حميد أمر ابنه سعودًا أن يذهب إلى هجرته الغطغط ويأخذ جميع ما فيها من السلاح، ثم يهدم الهجرة ويبيدها، فنفذت الأوامر بسرعة ذلك جزاء بما كسبت يداه، ثم إنه بعدما رجع ابن سعود من الحج سيَّر خالد بن محمد بن عبد الرحمن الفيصل ومعه سرية من الجند إلى عتيبة لتأديب "مقعد الدهينة" ومن تبعه من عتيبة وبني عبد الله وأمر عمر بن ربيعان رئيس قبائل عتيبة الموالين لابن سعود أن يسير لمساعدة الأمير وخرج خالد بن منصور بن لؤي ومعه جند كثير من أهل الخرمة ورنية وما حولها لتأديب الخارجين كما أنه زحف محمد بن سحيمي أحد رؤساء قحطان ومعه جند كثير من أهل الحجاز لهذه الغاية فلما رأى "الدهينة" وأصحابه من عتيبة وبني عبد الله من مطير أن الأخطار قد أحاطت بهم تشتتوا وفر الدهينة وجماعة معه من العصاة فانضموا إلى الدويش وأبي الكلاب، والعجمان غير أن الله تعالى ألقى عليه الذل فكسروا وعادوا خائبين كما تقدمت الإشارة إلى ما صنعه بهم العوازم. وقال الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عثيمين الأديب الشاعر من أهالي بريدة

стр. 947

مهنئًا الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل في واقعة السبلة التي بينه وبين الإخوان سنة ١٣٤٧ هـ التي تقدمت: أهذا ضحى عيد يلي ليلة القدر ... أم البشر أن الدين قد حف بالنصر لقد جاءت البشرى بأن ذوي الهدى ... أبادوا العدا من ذي الخيانة والمكر فكان لها عقلي يطير مسرةً ... وبادرت نحو الأرض لله بالشكر لك الحمد يا من لا يخيب آملًا ... كما أنت أهل الحمد يا والي الأمر لقد كنت أوعدت الطغاة مذلةً ... وأن بلغوا عدا الجراد من النشر ولكن وعدت المتقين وإن بلوا ... ليجزوا بما قاسوه بالفوز والظفر فصار كما أوعدتهم ووعدتنا ... ففزنا وباءوا بالعناء مع الخسر أراد بغاةٌ أن يعيثوا بديننا ... وأن يفسدوا في الأرض في البر والبحر وأن يستبيحوا ما لنا ودمائنا ... وأن يهتكوا ما للعباد من الستر فقام إمام المسلمين يؤمهم ... وناداهموا حيًا على أمة النكر أجيبوا الذي قال اشتريت نفوسكم ... بجنات خلد لا تبيد مدى الدهر فبيعوا فما وازى الشهادة رتبةً ... ومن يعشق الحوراء يبذل المهر فإن تقتلوهم تظفروا بسعادة ... ويشقوا أليس الجبن قاصمة الظهر أجابوه في لبيك فالكل بائع ... على الله لا يبغي جزاءً سوى الأجر لننصر دين الله فامض لما ترى ... ولا تبتئس فيما أتت عصبة الشر فمن لم يمت قتلًا يموت بغيره ... ومن لم يجاهد ذل في ربقة الأسر فقال سندعوهم إلى سبل الهدى ... عسى أن ينيبوا للنصوص وللذكر ونادى بهم يا قومى (١) اتئدوا ولا ... تشقوا عصا الإسلام بالبغي والدعر وهذا كتاب الله يحكم بيننا ... وسنة هادي العالمين من الكفر

стр. 948

وأن تقصدوا مالًا فمدوا أيديكموا ... إلى ما تريدوا من عروض ومن تبر فلم يرعووا عن غيهم وضلالهم ... فقال وأنى بعد هذا من النذر فصال عليهم صولةً فأبادهم ... كأن لم يكونوا بالمهندة البتر وسل بهاتيك اليمين مصممًا ... لهم تقذف الأمواج شعلًا من الجمر وأسقاهموا كأسًا من السم ناقعًا ... فاسكنهم بعد الفضاء ظلمة القبر وصاد أسود الخيل وهي عديدةً ... وكربهم إذ أحجم الأسد عن كر فبين قتيلٍ أو طريدٍ مشره ... وبين كسير ليس للكسر من جبر وكل رئيس مد عنقًا تطاولا ... إلى الملك صار العنق من بعد للجزر وأضحى صريعًا بين أظفار ضيغم ... وإفلاذه دارت على الناب والظفر وباقيهموا ظلوا يتيهوا ولو بقوا ... لا لحقهم رغمًا بسيدهم عمري وأجلاهموا في رغمهم عن ديارهم ... وما ظنهم هذا يكون إلى الحشر فيا ساعةً فيها الثكالى جيوبها ... تشق ولكن مفرح الذيب والنسر سلي الخيل عن فعل النهيك بحافظٍ ... تجد عضبه قدايهم الجون بالشقر هزبر إذا ما قد رأته تفردت ... تطير إذا أنحت بأجنحة الكدر وما نكلها يسطاعها بأعنة ... من الروع فرت كالظليم من الذعر فيا معشر الإسلام طرًا هنيئكم ... بنصر يحل المغلقات من الأمر هلموا قنوتًا في بقاع سميدع ... أزاح ظلام الظلم كالليل والفجر جوادٌ خضمٌ أريحيٌ منجد ... حسيب قفا أصلاهموا منيع الفخر وتابعه في كل هذا سلائل ... فأخلاقهم بالدر إن قستها تزري لقاصده سهل الجناب وللعدا ... يجرع كاسات أمرٍ من الصبر حمى الدين والدنيا جميعًا عن الخنا ... وصانهما عمن بغى بالقنا السمر وأظهر دين الله حسب كتابه ... وللسنة الغراء يقفوا على الأثر وبالخلفاء الراشدين له اقتدا ... ولم يرضى خلفًا في ذراعٍ ولا شبر وأوهب كل المذنبين نفوسهم ... لعفو وإحسانٍ عليهم مع القدر

стр. 949

وقابل بالرفق الضعيف تكرمًا ... ولاقى بعز القهر طائفة الكبر فإن تفتخر فرس علينا بقيصر ... فخرنا به فيرفعه الأنجم الزهر وإن قدمت روم هرقل بحلية ... يجيء سكيتًا في الورود وفي الصدر ولو كان في نادي الوفاء سموئل ... يوافي وفا الشهم ارتضى سمة الغدر وما اجتمع الاثنان إلا لواحد ... كعلم ومجدٍ ثم حلمٍ مع القسر وقد كان معن في السخاء وحاتم ... فرادى ولكن ذاك في العد لا النثر فلو أن أرباب الدرادي بكفة ... دروا لاكتفوا عن خوضهم لجج البحر وإن خضت في بحر الفصاحة لا تقل ... لسحبان إلا صاحب العي والحصر فدونك يا عبد العزيز لمخلص ... لدولتكم بالنصح في السر والجهر دعاء بإخلاص الوداد فدمتم ... ولا زالت الأقدار في حكمكم تجري ولا زلت محروس الجناب موفقًا ... لإخماد نار البغي بالذل والقهر ولا زلت إن عد الملوك برفعة ... كفاتحة القرآن يا زينة العصر ولا زال نادي المسلمين معطرًا ... يدم عزه في ذكركم فائح العطر وهاك قريضي قد أبان انتقاده ... وجاء على استحياء كخودٍ من العذر يقبل أرضًا خالعًا لنعاله ... وحليته عقد التنصل في النحر وها أنا أبدي العذر يا خير من أتت ... إليه مطي الوافدين فخذ عذري فما أنا حسان ولا ابن ربيعة ... ولكنني أبديت ما صاغه فكري فهذا وإني في حوادث مشتت ... لي الذهن ثم القرن في رابع العشر وأفات دنيا ثم ضيق معيشةٍ ... لسبعٍ وعشرين مضت من سني عمري سيقبل عذري كل حر وأن يكن ... فريضي لما قدمت هذيًا لذي سكر وما صغت هذا للقراء فإنني ... به مظهر من ودكم للهوى العذر أقر بأني كالطفلي بمدحكم ... فمن لي بما آفي بما قلت في الشعر فلو أن بدر التم أبعثه لكم ... قريضًا وباقي النجم في عنق الشعري علمت قصوري في المديح وإنن ... أسودٌ قرطاسًا من الشعر والنثر

стр. 950

ولكن هذا ما أطقت ومن أتى ... بما عنده فالعفو من شيم الحر أتتك قصيدي مثل حسناءٍ غادةٍ ... وقد صنتها عن أن يحام حمى الخدر بساحتكم تلقي العصاء فريدةٌ ... وفيها فقد ترمي اللثام عن الثغر فإن تقبلوها يا سعادة حظنا ... وإن ترجعوها فالأسى لي مع الخسر وخذ عدها سبعون بيتًا وخمسةً ... بمدد حكموا كالمسك فائحة العطر وصلي إلهي كلما هبت الصبا ... وما ماضٍ برقٍ فوقه وابل القطر على أحمد المختار من نسل هاشم ... وآلٍ وصحبٍ ما أضاء سنا البدر ولما انتهت أرخ لشعر مهذبٍ ... وفي الكاف من شوال فاستفت من يدري ومما قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن سوداء مهنئًا للظافر قال من أبيات القصيدة: فلا تبن للأعراب مجدًا فيطغهم ... ولو لبسوا عماتهم بالذوائب فما الدين إلا بالقلوب محله ... على وفق شرع الله رب الكواكب وصادقهم أكرمه غير مبالغ ... وخائنهم فاردعه لو بالقواضب فلا يستقيم الملك إلا بسطوةٍ ... على كل باغٍ خائنٍ ومشاغب فذو البغي والإفساد يقتل جهرةً ... إذا لم يتب من فعله والمثالب وقال أيضًا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن سوداء: بدأت بحمد الله مرسي الدعائم ... على نعمة الإسلام من ذي المراحم أهني إمام المسلمين بقمعه ... ذوي البغي والطغيان من كل غاشم أهني إمام المسلمين بقهره ... أولى الجهل والإفراط بين العوالم أهني إمام المسلمين بحمله ... على كل باغٍ خائنٍ ومصارم إلى أن أبان الله كل خفيةٍ ... فجرد سيف العدل لا سيف ظالم دعاهم إلى حكم الإله وعبده ... محمد المبعوث صفوة آدم فحادوا عن التحكيم للشرع والهدى ... فأعذر منهم طالبًا للتحاكم

стр. 951

إلى آخر القصيدة، وقال الشاعر المشهور محمد بن عبد الله بن عثيمين مهنئًا الإمام الأفخم صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل: أبى الله إلا أن تكون لك العتبى ... ستملك شرق الأرض بالله والغربا أراد بك الأعداء ما لله دافعٌ ... كفاكهم لما رشيت به ربًا هم بدلوا نعماك كفرًا وبوئوا ... نفوسهم دار البوار فما أغبا بغاثٍ تصدت للصقور سفاهةً ... فأضحت جزافًا في مخالبها نهبا أرادوا شقاق المسلمين شقاوةً ... فصب الشقا ربي على أهله صبا هموا أضرموا نارًا فكانوا وقودها ... وهم جردوا سيفًا فكانوا به خدبا دعاهم إلى الأمر الرشيد إمامهم ... وقال هلموا للكتاب واللعتبى وما كان من وهنٍ ولكن تحننًا ... عليهم رجا أن تمحو التوبة الذنبا وما كان بالنزق العجول وإنما ... يدبرهم تدبير من طب من حبا فلما أبوا إلى الشقاق وأصبحوا ... على شيعة الإسلام في زعمهم ألبا أتاهم سليل الغاب يصرف نابه ... زماجره قبل اللقا ترعب القلبا له هممٌ لا تنتهي دون قصده ... ولو كان ما يبغيه في نفسه صعبا بجيشٍ يسوق الطير والوحش زجره ... فلم ترى وكرًا عامرًا لا ولا سربا وجرَّ عليها كل أغلبٍ باسلٍ ... إذا ما دعي في معرك للقنا لبا فعاد غبار الجو بالنقع قاتمًا ... تظن اشتعال البيض في ليلةٍ شهبا وأضحوا هدايا للسباع تنوشهم ... تنوبهم يومًا وتعتادهم غبا وراحت لطير الجو عيشي ونقري ... ونادي وحوشًا في مكامنها سغبا فقل للبغاة المستحلين جهرةَ ... دماء بني الإسلام تبًا لكم تبًا نبذتم كتاب الله حين دعيتم ... إليه وقلتم بالكتابين لا نعبا وقلدتم أشقاكم امر دينكم ... فأصبحتم عن شرعة المصطفى نكبا نعم ثبت الله الذين تبوءوا ... من الدين والأيمان منزلة رحبا هم حفظوا العهد الذي خنتم به ... فكانوا لأهل الدين منذ هاجروا وأصبحا وهم صدقوا الله العهود وأمنوا ... إمامهم صدقًا فلا لا ولا كذبا

стр. 952

إمام الهدى إن العدو إذا رأى ... له فرصة في الدهر بنزولها وثبا ومن ألجأته للصداقة علةٌ ... يكن سلمة من بعد علتها حربا فعاقب وعاتب كل شخصٍ بذنبه ... فلولا العقوبات استخف الورى الذنبا وقد رتب الله الحدود لتنتهي ... مخافتها عما به يغضب الربا إذا أنت جازيت المسيء بفعله ... فلا حرجٍ فيما أتيت ولا ذنبا فمن سل سيف البغي فاجعله نسكه ... ومن شب نارًا فارمه وسط ماشبا بذا يستقيم الأمر شرعًا وحكمة ... وينزجر الباغي إذا هم أوهبا ومن تاب منهم فاعف عنه تفضلًا ... فحسبهم ما قد لقوا منكم حسبا إلى آخرها وهي جميلة، ولما أن انتهى الرجلان إلى فيصل الدويش ونعيا له ولده وجنوده الخائبين سقط مغشيًا عليه وأيقن أنه مقضى عليه لا محالة، فهذا ابنه يقتل على يدي الأمير ابن مساعد وهؤلاء خير رجال مطير ذبحوا معه، ولم ينج منهم إلا رجلان، أضف إلى ذلك وقعة السبلة التي أكلت أشجع شجعان قبيلته ولم يبق معه إلى النفايات، لكنه جعل يظهر الشجاعة وقام مجتهدًا على جميع الأنصار ضد ابن سعود وذلك لأمرٍ يريده الله به، فعياذًا بالله من شر كل شرير قام وهو يقول: وهل كان قتيلهم إلا قطرة من بولي وجعل يتجبر. فلما رأى صاحب الجلالة أعمال الدويش وما ارتكبه من الخاطرات في إثارة الفتن أهمه أمره وشدد في طلبه حتى خرج بنفسه في هذه السنة لطلبه والقبض عليه مهما كلفه الأمر، ولن يعود بدونه ليضرب ضربته القاضية ثم زحف صاحب الجلالة عبد العزيز ابن السعود بجيش خميس يبلغ عشرة آلاف مقاتل، وبينما كان في الطريق وصل إليه خبر يفيد أن محسنًا الفرم ومعه من عربان العراق ابن طواله وابن سويط هجموا على الدويش لأنهم موتورون منه ومن قومه، فنهبوا ما استطاعوا وأشعلوا النار في خيمة الدويش نفسه ثم غادروا وهم لا يعلمون بمسير ابن سعود فأمسى الإدبار ملازمًا للدويش حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت وتنكرت له المدن الكبار والصغار ثم القرى ثم أنكرته

стр. 953

الصحرى ولم تسعه على رحبها ومناكبها وصار المسكين طريدًا في الفلوات والجبال، فبعث وفدًا إلى ابن سعود برئاسة "الحميدي بن مفلوح" ومعه كتاب لابن سعود بتاريخ ٩ رجب ١٣٤٨ هـ معناه: أن خروجه كان مقدرًا عليه ويرجو أن يعفو عنه ولا يلجئه إلى الكفر بإصراره على الانتقام منه وهو الضعيف العاجز، فأجابه ابن سعود بتاريخ ٢٨ رجب بكتاب قال فيه: لا شك أن الأمور كلها بيد الله والأيمان بالقدر واجب، ولكن الحجة به باطلة وأنك بعثت هذا الوفد وأنت تريد منه أربعة أمور: أولًا: الالتجاء إلى بعد أن سد الله في وجهك الطريق وأراك عجزك ومقته اياك، ولم تبق لك حيلة تستطيع أن تحتالها فلجأت. ثانيًا: عدت إلى المكر فتقول للناس بعد ذلك إذا أردت أن تمكر بي ثانية أني أفعل ما أشتهي ثم أركب لابن سعود راعي ذلول يأتيني منه بما أشتهي. ثالثًا: تريد أن تكون صادقًا عند من طلبتهم المساعدة، فلم يمدوها إليك أن قلت لهم إذا لم تعطوني مطلبي فسأمضي إلى ابن سعود وأصالحه ثم أغير عليكم وأفعل بكم ما أريد. رابعًا: تريد بحياتك يا فيصل الدويش غيظًا للمسلمين الذين قتل بعضهم بعضًا بسببك إن عفوت عنك، كنت أحب أن لا يصلني خطابك ووفدك لأضربك الضربة القاضية، ولكن وقد جائني فلا مانع من أن أعطيك الأمان لتقوم الحجة عليك، أعطيك الأمان فإن قبلت سلمت ذمتي وإن رفضت أعان الله عليك، وإن كان لديك بقيةَ من الشر تستطيع أن تتمادى فيها، فالله خير كاف وإلا فاقبل أنت ومن معك في جهي وأمان الله على دمائكم. لكنه كان عنده والعياذ بالله بقايا من الشرور، فبعث إلى ابن سعود أنه في شك من أمانه وعفوه، ويهدده بأن الطريق لم ينسد في وجهه كما يظن، فالحكومات تخطب وده وترجو أن يكون من رعاياها فهو مستطيع أن يلتجع اليها إن أراد، ولكنه لا يريد ويؤثره لأنه مسلم وتلك حكومات كفار، وفي الوقت نفسه عثر في

стр. 954

أوراق الدويش حينما فتش فيها لأنها من ضمن المنهوبات التي نهبها الفرم وأتباعه لما هجموا عليه في الوقعة التي تقدم ذكرها قريبًا إن وجد من بينها مسودات من ضمنها مسودة كتاب باسم الملك فيصل ملك العراق يقول له فيه: إنه خرج على ابن سعود كما يعلم إلا أن الطيارات التابعة لسلاح الطيران البريطاني في العراق طردته من الأراضي العراقية، فيطلب من جلالته أن يكفيه شرها ليتفرغ لابن سعود أو فليأمره كما يريد. وعثر على مسودة أخرى بكتاب باسم السير "كلوب" المفتش الإداري للبادية الجنوبية في العراق المشهور عند العرب "بأبي حنيك" يقول فيه أنه يطلب أن يصير من رعيته وجنده وأنه تحت أمره الآن، وتاريخ المسودتين كان في ١٣ رجب من هذه السنة. وهكذا أخذ ينافق ويمكر حتى حاق به مكره ولا يحيق المكر السيء إلا باهله. ذكر التجاء الدويش إلى الكفار وتشديد ابن سعود في طلبه لما أن سمع ابن سعود بأن الدويش في الأراضي العراقية ثار ثائرة لذلك وبعث في تاريخ ٢٤ رجب من هذه السنة كتاب احتجاج إلى المندوب السامي في العراق بعثه عن طريق الجبيل يقول له فيه: إننا سرنا لتأديب البغاة الذين قامت عليهم قيامة الحكومة البريطانية والعراقية والكويتية لأنهم قتلوا رعاياها وعاثوا في أراضيها فسادًا وها هم اليوم ينعمون فيها ويعتصمون بها، فأين التعهدات التي تجهر بأنها لن تقبلهم ولن تجيرهم، أين التعهدات بأنها ستطردهم إن دخلوا أرضًا غير سعودية، ثم سار ابن سعود حتى نزل في شعيب الباطن الواقع أمام العرجا ولقد كان نزوله فيه في ٥ شعبان بجيشه وعساكره وهو يبعد عن ملتقى شعيب العرجا، بالباطن حيث تلتقي الحدود بين العراق والكويت ونجد بسبعة كيلو مترات، وعلم أن المخفر المسمى مخفر العبيد الذي به الحرس العراقي على بعد ثلاث كليلوا مترات عن نقطة التقاء الحدود، وشاهد من شعيب الباطن الطائرات الإنكليزية تطير فوق

стр. 955

الحدود العرقية ورأى السيارات العسكرية التابعة لحكومة العراق على أرضها فأمر جلالة الملك على يوسف ياسين أن يكشف له خبر السيارات، ويستنشق خبر العصاة، فمضى يوسف المذكور بسيارة الملك حتى وصل مخفر العبيد والتقى فيه بحسن بك الدفعي مدير شرطة بادية الجنوب العراقية غير أن المدفعي ليس بيده الأمر كله فنقل ما حدث به إلى بغداد، فلما كان في الساعة العاشرة بعد العصر أقبلت سيارة محروسة بسيارتين مدرعتين وبها الكابتن "كلوب" فتحدث إلى مندوب ابن سعود طويلًا وقال له: إن مع الدويش نساء وأطفالًا لهذا لم تأذن الحكومة البريطانية بضربه ولكن كان نصيبه الطرد كلما جاء إلى الأراضي العراقية، ولا يمكن وضع حد لأعماله إلا بضربه، ولقد طلب الرعوية العراقية فلم أقبل ثم طلبته فجاء إلى هو وابن حثلين وأنذرتهما بمغادرة حدود العراق في يومين وإلا فلن أزهد في ضربهما، ويظهر أن الدويش عليم بقدوم ابن سعود، ففر لأني تعقبته بالدبابات فألفيته قد تجاوز الجهراء ودخل الكويت ولا يمكنني أن أتعقبه فيها، وأنا موظف عراقي وبذلك لم يبق في العراق من العصاة إلا فرحان بن مشهور السجين هناك ريثما تنتهي المفاوضات بشأنه، فبعث ابن سعود برقية في ٥ شعبان إلى المندوب السامي في العراق يخبره بأن بريطانا قد تعهدت بطرد العصاة من أراضي العراق والكويت وشرق الأردن، وها هم في الكويت، فأما أن تطردهم الحكومة البريطانية، وأما أن تسمح للسعوديين بمطاردتهم أينما ذهبوا أو تعلن حمايتها للعصاة. فلما أن كان من الغد ٦ شعبان ورد إليه الجواب من الندوب السامي يخبره أن الحكومة البريطانية جادة في الترتيبات اللازمة لإخراج العصاة من حدود الكويت إلا أن ابن سعود أراد الجواب القاطع في أمرهم، ثم رحل ابن سعود في ٨ شعبان من "الرقعي" لعدم وجود الماء الكافي بها للجنود الذين معه وبعث "يوسف ياسين" الرجل السياسي العظيم إلى مخفر العبيد ليرى ماجد. ولما أن أمضى يوسف وجد برقية من رئيس المعتمدين السياسين في خليج فارس يطلب فيها باسم الحكومة البريطانية مقابلة ابن سعود لحل مشكلة العصاة

стр. 956

الذين منع إخراهم بالقوة وجود الأطفال والنساء معهم فوافق الملك ابن سعود وأخبر رئيس المعتمدين بأن منزله دون المسناة وغدًا في "جو الحوار" وبعد غد في "بنية عيفان" وكان ابن سعود في طريقه يؤدب كل من صادف من العصاة وأتباعهم، ولما أن كان في ١٠ شعبان وصل "بنية عيفان" وبينما هو راكب سيارته الخاصة ومعه يوسف ياسين، والشيخ عبد الله بن حسن، والدكتور مدحت، وسائق سيارة الملك صديق الهندي أبصر سربًا من الظبا يبلغ الخمسة فأمر السائق بأن يعدو بالسيارة خلفها وصاد أربعة منها وطار الخامس والسيارة على ساقته إلا أن الظبي المذعور مال في عدوه إلى اليمين محرفًا عن طريق السيارة المطاردة فمالت هي أيضًا فرأى ابن سعود جمعًا كثيرًا ولم يحقق النظر فيه لاشتغاله بالظبي الفار حتى أصابه وصاده ثم انثنى يرقب الجمع فظنه في بادى أمره بعض جنده غير أنه التفت إلى جانب منه فرأى نساءً وأطفالًا وأغنامًا فعجب لها لأنه ليس مع جنده نساء ولا أطفال ولم يكن أحد معه غير رفقته في السيارة الثلاثة وسائقها فارتد بها إلى الورى قليلًا فأبصر سيارة ابنه محمد قادمة إليه فاركب فيها أحد رجال مطير ليكشف له الأمر، فإن كانوا من أحزاب ابن سعود فلا خوف على المطيري لأنه رسوله وإن كانوا من العصاة فهو من جماعتهم ظاهرًا ويستطيع خداعهم فلما وصلهم الرسول إذا ذلك الجمع قبيلة الصقهان أحد بطون العجمان الخارجة على ابن سعود فسألها المطيري فأجابته أنها الصقهان وبعض مطير فروا من وجه ابن سعود فطمأنهم المطيري أنه لا بأس عليهم وأخبرهم أنه يريد الصيد ثم تركهم وعاد يخبرهم فما كاد يتمم كلامه حتى تحمس نجل جلالة الملك محمد بن عبد العزيز لقتالهم فمنعه أبوه غير أنه أصر وقاد رتلًا من السيارات المسلحة وعليها بعض آل سعود الشجعان فأسرع محمد بن عبد العزيز إلى الصقهان فتقابلوا وتقاتلوا دقائق حتى أبيد المحاربون. وكان جلالة الملك في المعسكر يهيئ الأمداد لنجدة ابنه محمد ثم أسرع إلى المعركة بنفسه قد امتطى سيارته فوجد ابنه محمدًا راجعًا بالنساء والأطفال والغنائم وكان عمره إذ ذاك ثماني عشرة سنة.

стр. 957

ولما كان في مساء ذلك اليوم قدم إلى ابن سعود أحد أمرائه وهو "تركي بن ماضي" من مخفر العبيد بكتاب ضمنه برقية من المندوب السامي ببغداد يخبر ابن سعود فيها بأن فيصل الدويش ورفيقه، نايف بن حثلين، وجاسر بن لامي، معتقلون في باخرة بريطانية فبعث إليه ابن سعود في اليوم ١١ من شهر شعبان الموافق ليوم السبت سنة ١٣٤٨ هـ يطلب إليه تسليم المجرمين تنفيذًا لتعهدات الحكومة البريطانية عدم إيواء أحد منهم في أراضي العراق، والكويت وشرقي الأردن. فتلقى ابن سعود في ١٣ شعبان خطابًا من المعتمد السياسي "الكولونيل ويكسون" يخبره أن سيقدم إليه مندوب عن الحكومة البريطانية لحل مشكلة العصاة، وتلقى أيضًا في ١٧ شعبان كتابًا من رئيس المعتمدين في الخليج العربي وكبير القناصل هناك "الكولونيل بيسكو" فحواه أن الحكومة البريطانية كلفته بأن يرأس البعثة البريطانية القادمة إليه للمفاوضة في شأن العصاة اللاجئين، وطلب ابن سعود السماح بالقدوم بالطائرات، فأجابه ابن سعود في ١٨ شعبان بقبول انتدابه وقدومه وأخبره أن الاجتماع سيكون في "خباري وضحا" إذ قرر الرحيل إليها. ذكر تحقيق الطلب والأتيان بالدويش وصاحبيه بالرغم من كل واحد لقد حقق ابن سعود الطلب في أمر الدويش حتى انفض من حول الدويش من العشائر وتفرقوا عنه وإن كان لا يزال يكذب بوجود ابن سعود قريبًا منه، ولكن بالرغم من تكذيب الدويش تفرق أتباعه ولجأ بعضهم إلى الحدود العراقية، ومنهم من فرَّ إلى نجد، ولما كان في عشرين من شعبان الموافق ليوم الاثنين نزل ابن سعود بجيشه في "خباري وضحا" استعدادًا للاجتماع والمفاوضة في شأن العصاة وإزالة سوء التفاهم الذي أوجده التجاء الدويش إلى العراق. إن "خباري وضحا" تبعد عن "بنية عفيان" بعشر ساعات كائنة في جنوبي

стр. 958

الكويت، وكان ابن سعود قد وثق في بريطانيا أنها لن تنكر له ولن تخلف وعده، فلما كان بعد الظهر حلقت في سماء خباري وضحا ست طائرات بريطانية ثم هبطت إلى الأرض وبرز منها رئيس المعتمدين السياسيين في الخليج العربي "الكولونيل بيسكو" والمعتمد السياسي في الكويت "الكولونيل ديكسون" وقائد الطيران في العراق "الكومند وبرنت" ومعهم المترجمون والكتاب والخدم، كما أن حافظ وهبة قد حضر في إحدى الطائرات، وما أدراك ما هو إنه مندوب ابن سعود في الكويت، وسفير المملكة العربية السعودية في إنكلترا وقد صدر الأمر إليه بأن يرافق البعثة الإنكليزية. ولما أن جلس صاحب الجلالة السعودية كان عن يمينه رئيس الوفد، وعن يساره قائد الطيران، وعلى رؤوسهم الرجال السعوديون والبريطانيون، وبعدما استقر برجال البعثة المقام بدأت المفاوضات، أولئك كانوا عن الجهة البريطانية وحافظ وهبة ويوسف ياسين عن الجهة النجدية بإشراف الملك نفسه، فامتدت المفاوضات واستمر المؤتمر أسبوعًا كاملًا انتهى بموافقة الحكومة الإنكليزية على تسليم الدويش ورفاقه، وكان هذا يعد انتصارا لابن سعود، ولقد شدد صاحب الجلالة وألح على بريطانيا العظمى في طلب الدويش حتى جعل يضرب السجادة بالعصا ضربًا يكاد يمزقها ويقسم بالله لأن لم يحضر الدويش وصاحبيه ليحدثن ما لا تحمد عقباه وجعل يرغي ويزيد، فلذا تم الاتفاق في ٢٧ من شعبان على أن تحمل إحدى الطائرات الإنكليزية الدويش وابن لامي وابن حثلين في ٢٨ شعبان الموافق ليوم الثلاثاء إلى مخيم ابن سعود وأن تسوق العجمان ومطيرًا بالدبابات والطائرات حتى تدخلهم حدود نجد، وبعث ابن سعود سرية قوية تحت قيادة الرجل الحازم "عبد الرحمن الطبيشي" ليتسلم العجمان ومطيرًا، وقد قادهم المذكور إلى مخيم الملك المنصور فامنهم. ولما كان في الساعة الخامسة من يوم الثلاثاء الموافق ٢٨ من شعبان سنة ١٣٤٨ هـ الموافق ٢٨ يناير ١٩٣٠ م هبطت طائرة تقل "الكولونيل ديكسون" وقائد

стр. 959

البارجة الحربية البريطانية ومعهما المجرمون الثلاثة رؤوس الشر والبلاء والفتنة، فيصل الدويش ونائف بن حثلين وجاسر بن لامي، فاستقبلهم حافظ وهبة باسم جلالة الملك ابن سعود وأقلتهم السيارات إلى خيمة جلالة الملك، ولما وصلوا الخيمة بعدما اخترقوا المعسكر، كانت اللعنات من الجند تصوب إلى الدويش، غير أن مسير السيارة يمنع سماعها، فقدم حافظ وهبة إلى جلالة الملك قائد البارجة ثم ديكسون بالنيابة عن حكومة بريطانيا وقال أنهما قدما لتسليم المجرمين اليه، فشكرهما جلالة الملك وشكر بريطانيا التي برهنت على وفائها معه وصداقتها له ومصافاته ودها، ثم استأذن القائد والقنصل ديكسون ومن معهما وخرجوا منصرفين شاكرين لابن السعود، فوقف الثلاثة بين يدي ابن سعود، يتقدمهم الدويش حقيرًا ذليلًا كاسفًا مطرق الرأس مغمض العينين لا يكاد يرفع رأسه حياء وخجلًا، دامع العينين قد أرخى شماغه على وجهه والتحف بعباءته متمسكنًا ذليلًا. ولقد كان قبل ذلك إذا زار الملك في الرياض يصحبه نحو مائة وخمسين رجلًا مسلحين، ويدخل الرياض كقائد عظيم له منزلة عظمى في نفوس أهل الرياض وعلمائها وملك نجد، وإذا جلس فلا يجلس إلا بجوار ابن سعود يعتبره الملك كصديق قديم وقائد قواده العظام، واليوم يقف ذلك الموقف فما أعظم الفرق بين الحالتين. فتكلم صاحب الجلالة قائلًا: أما تخاف رب العزة ما الذي حملك على هذه المخازي فتلعثم الدويش ولم يدري ما يقول، غير أنه استجمع قواه وصرخ باكيًا صاغرًا وقال: لم يبق شيء من الخزي لم أفعله وما تريد أعظم من هذا الخزي وهذا الجزاء أمام سائر أهل نجد، فبدره ابن سعود قائلًا: إنك تعلم يا فيصل ما عملت من أجلك في الماضي فاعترف الدويش بقوله: نعم أعلم، فقال صاحب الجلالة مقررًا نعمه عليه: لقد كنت يا فيصل في حرب مع أهل نجد من أجلكم فاعترف وهو منتحب قائلًا صدقت يا أبا تركي، واستمر ابن سعود قائلًا: فهل هذا جزائي منكم هل كنتم تريدون الملك لقد كنتم ملوكًا في الجهات التي كنتم فيها، من منكم له

стр. 960

الفضل علي؟ الفضل لله وحده، من منكم لم آخذه بسيفي؟ ليس منكم إلا من قتلت أباه أو أخاه ولم أخضعكم إلا بالله ثم بالسيف قد كنت أنفذ رغائبكم فكنت أشقى لأجلكم وأواصل الليل والنهار لراحتكم وسعادتكم، ألا تخاف الله حينما تكتب "لجلوب" (١) أنك تريد الهجرة للعراق وإنك تحب أن تكون تابعًا له فهل تظن أنك ستكون في منزلة أعلى من منزلتك التي كنت فيها. كان ابن سعود يتكلم والدويش يبكي ويئن ويرسل الزفرات التي كاد قلبه أن يتصدع منها، ثم تكلم مجيبًا بهذا الجواب: يعلم الله يا عبد العزيز أنك لم تقصر معنا، وقد فعلت ما يبيض وجهك، وقد قابلنا معروفك بالأساءة، لقد فررنا من وجهك إلى الكفار فحملونا اليك في طيارة من طياراتهم ويكفي ما أشعر به من الهوان والصغار أمام الإخوان بعدما كنت عزيزًا محترمًا، قاتل الله الشيطان لقد أخزانا وزين لنا سيء أعمالنا فأوصلنا إلى ما نحن فيه الآن. وأخذ الدويش يبكي كالنساء لأول مرة في حياته وأخذ يستعطفه وكذا تكلم ابن لامي وابن حثلين يفصحان عن محبتهما الأكيدة لابن سعود أشد من محبتهما نفسيهما ويستغفران عما سلف وينويان التوبة وهما في بكاء وعويل، وحقًا، وحقًا أن يحرق الكمد والحزن أفئدتهم لأن ناصرهم هو الذي بعث بهم إلى من فروا عنه. ثم أمر بهم ابن سعود إلى سرادق خاص لهم حول خيمته فخرجوا مطرقي الرءوس لا يرون الطريق، هذا والجنود على جانبيته يكادون التهام المجرمين لولا صدور الأمر السامي من جلالة الملك أن لا يساء اليهم فكانت الجنود لم تتمكن إلا من السخرية وتسديد اللعنات والتهكم، فأنزل العصاة في السرادق وقام عليهم حرس قوي قد أحاط بهم.

стр. 961

ولما كان في اليوم الثاني من شهر رمضان نقل المجرمون الثلاثة إلى الرياض وأودعوا في السجن مصفودين بالحديد ليقضوا بقية حياتهم في السجن، فهذه آخرة الدويش الذي رعب ذكره أهل الآفاق، وخرق البلدان وحطم الجموع حتى أصبح خطرًا عظيمًا على الأمن وتعدى طوره فصرعه بغيه، ويعتبر القبض عليه والأمن من حركاته وقتًا أشرقت فيه شمس الهناء وساد الأمن في سائر نجد بل وغيرها وأصبح المسلمون في سرور وراحة وأمن من الفوضى التي قاسوا الشر الكثير بسببه، فما ظنك به لو عرف قدر نفسه وتأدب مع إمامه وساعد في أداء الواجبات وأكرم نفسه بطاعة ولي أمره وعدم الخروج. وكان يتحمل منه الأذى ابن سعود وله غطرسة وجفاء ترفعه عن السلام لأي مخلوق يضمه قصر جلالة الملك ما عدى العلماء طبعًا، فحدث عن كبره وتعاظمه ولا حرج، وكان كل من يعرف الدويش ويعرف أخلاقه الشخصية يجزم بأنه طالب دنيا وأن ما يظهر من الشدة والغلو مصطنع. أما إذا استأذن الدويش للملك في الرجوع إلى الأرطاوية فإن القائمة التي اعتاد تقديمها للملك تبتدأ من حبال الآبار ونعاله، إلى السلاح، والجواري وما بين ذلك من ملابس له ولأولاده وزوجاته والطيب والعود وكل قائد من قواد الأخوان يطلب هذه الطلبات ولكن قائمته تكون محلًا للرفض أو التحوير، أما قائمة الدويش فلا يدخلها أي تحوير أو تعديل، واليوم هذا يقف الدويش هذا الموقف ذليلًا أمام سائر قواد الجيش لا أحد أنزل منه درجة. ولقد استراح ابن سعود بعد القبض وقال من اليوم سنحيا حياة جديدة فقد ربط بلاده بالتلغرافات اللاسلكية وربط مكة والرياض بالتلفون اللاسلكي وأصبح الإخوان في السمع والطاعة للملك كسائر الرعية. وقد سئل أئمة علماء هذه الدعوة ما قولكم في الدويش والعجمان ومن تبعهم حيث خرجوا من بلدان المسلمين يدعون أنهم مقتدون "بجعفر بن أبي طالب" وأصحابه ﵃ حين خرجوا من مكة مهاجرين إلى الحبشة، فكان جواب

стр. 962

العلماء أن العجمان والدويش، ومن تبعهم لا شك في ضلالهم إلى أن قالوا وأما من أبى عن جهادهم يدعي أنهم اخوان له وأنهم على حق فهذا حكمه حكمهم لأنه صوب رأيهم واعتقد ما اعتقدوه لا سيما بعد علمه كما صدر منهم. وأما الدهينة، والخضري، وولد فيصل بن حميد وأتباعهم الذين قدموا من عند ولد الشريف يدعون إلى ولايته فهؤلاء لا شك في خطرهم، والحال ما ذكر لأنهم دعاة إلى الدخول تحت ولاية الظالمين فيجب على جميع المسلمين جهادهم وقتالهم وكذلك من آواهم ونصرهم فحكمه حكمهم وحسبنا الله ونعم الوكيل -قال ذلك وأملاه الفقراء إلى الله: محمد بن عبد اللطيف، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد العزيز بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، ومحمد بن إبراهيم، وعبد الملك بن إبراهيم بن عبد الملك، وعبد الرحمن بن سالم، وعبد العزيز الشثري، ومحمد بن عبد الله بن عبد اللطيف، وأسفله إمضاءاتهم. ولقد أمر صاحب الجلالة بتلاوة ما أفتى به العلماء في مؤتمر "الدوادمي" المعقود في أول هذه السنة بعدما اجتمع الأعيان وكبار الشخصيات عنده فأبدى وأعاد، وذكر لهم خروجه بأربعين راكبًا وأمامه عبد العزيز بن رشيد في جموعه وجنوده، ومن ورائه الترك يمدونه بالجنود والمدافع والأموال، ثم كانت حكومة الحجاز تناصره وتساعده، ومساعدي منكم قليل وذلك القليل كان يساعدني بقلبه دون فعله فأعانني الله وقتلت الراعي وملكت الرعية، وتفهمون أننا سادتكم ملكنا بالله ثم بكلمة التوحيد والسيف فرحمنا الصغير ووقرنا الكبير وواسيناكم بأنفسنا، وأصبحتم أعزاء بعد الذلة وأغنياء بعد الفقر، كل ذلك بأسباب الله ثم أسبابنا، فبعد أن نلتم من أسباب العز والظفر ما نلتم غرتكم أنفسكم ونفخ الشيطان في أنوفكم وظننتم أنكم صرتم فوق الناس، فأخذتم تفتاتون في الأمر على غير علم وهدى، تحرمون وتحللون. وقد أمر في ذلك المجتمع الذي كان قبل القبض على العدو باستئصال شأفة البقية من البغاة والمسير إليهم، وقال: لا أقبل من إنسان حضر واقعة السبلة وقاتل

стр. 963

معنا البغاة أن يتخلف عن المسير إليهم (١) وتقرر أيضًا في مؤتمر الشعراء المعقود فيها أيضًا لما حضر للموعد المعين في ٣٠ ربيع الثاني ما لا يحصى من الرجال، ووصل إلى جلالة الملك كبار المجاهدين من القادة يهنئونه بالفوز الذي ناله، قد تقرر أن جميع الذين قاموا بالعصيان من عتيبة وبني عبد الله من مطير قد تم القضاء عليهم ولم يبق أحد عنده فضل قوة يستطيع أن يأتي بأي عمل منكر، وإن جميع من اشترك في الفتنة وبقي حيًا يؤخذ ماله وجميع ما لديه من جيش وسلاح، وتحكم الشريعة في رقبته، وإن من كان متهمًا بممالاة أهل الفساد ولم يجاهدهم مع المسلمين تؤخذ شوكة الحرب منه، وشوكة الحرب هي ما كان من ذلول وفرس، وبندق وإن الأمام يمنح المجاهدين الصادقين ما يؤخذ من الأشرار المفسدين ليتقووا بما يأخذون من المفسدين، وإن كل شجرةٍ فيها أناس من أهل الفساد يرسل اليها أمير معه قوة لينظر في أمر المفسدين كما تقضي به الشريعة والمصلحة العامة، وإن كل هجرة غلب الفساد على أهلها فإنهم يطردون منها ويفرقون بين القبائل، ولا يسمح لأحد منهم بالاجتماع في مكان واحد، وإن تنفذ هذه القرارات في ظرف عشرة أيام أثناء وجود الملك في الشعراء، وإن جميع الرايات تنحدر بعد تنفيذ القرارات في الحال إلى الحدود حيث يقيم الأشقياء من العجمان والدويش. وبذلك استطاع ابن سعود أن يطرد العصاة من العراق ويؤتي بالدويش وصاحبيه على متن طائرة بريطانية إليه. ذكر أشياء عجيبة وأمور غريبة في عدم قبول المخترعات الحديثة إن الإخوان من البدو عجزت أفكارهم أن تحيط علمًا في تلك المخترعات، فمن ذلك أنهم ضربوا خادمًا يركب "بسكليت" ويسمونه عربة الشيطان، أو حصان إبليس بدعوى أنها بدعة وأنها تسير بقوة السحر وعمل الشيطان، وكثيرًا ما قطعوا أسلاك التليفونات لما مدها جلالة الملك عبد العزيز حال حرب جدة ليكون على

стр. 964

اتصال تام فيما بين مكة ومقره، فيتحمل السلطان تلك الفعال على مضض وينزل على رأيهم اتقاء الفتنة. ومن العجائب كونهم لا يهابون الموت، بل يندفعون إليه اندفاعًا طلبًا للشهادة، وأصبحت الأم حينما تودع ابنها تودعه بهذه الكلمات "الله يجمعنا وإياك في الجنة". أما الآلة اللاسلكية التي جعلت للمخابرات والتليفونات فقد كانوا لا يعرفون عنها إلا أنها أبالسة وشياطين، وليس العجب من شأنهم وجهلهم، بل كان بعض العلماء الذين قلت بضاعتهم من العلم ينكرها نهجهم، فقد ذكر حافظ وهبة ما سأذكره، قال: أوفدني جلالة الملك للمدينة ١٣٤٦ هـ-١٩٢٨ م مع عالم من علماء نجد للتفتيش الإداري والديني، فجرى ذكر التلغراف اللاسلكي وما يتصل به من المستحدثات، فقال العالم: لا شك أن هذه الأشياء ناشئة من استخدام الجن، وقد أخبره ثقةً أن التلغراف اللاسلكي لا يشتغل إلا بعد أن تذبح عنده ذبيحة ويذكر عليها اسم الشيطان، ثم أخذ يذكر لي بعض القصص عن استخدام بني آدم للشيطان، ولقد كان شرحي لنظرية التلغراف اللاسلكي وتاريخ استكشافه ليس له نصيب من إقناع الشيخ، فلم أجد أي فائدة من وراء البحث، فسكتت على مضض، وفي يوم من الأيام دعاني الشيخ لمرافقته لزيارة قبر حمزة عم الرسول ﷺ عند جبل أحد، وهو يبعد عن المدينة بالسيارة نحو نصف ساعة، فلبيت الدعوة وسرنا من المدينة بعد صلاة العصر، وفي أثناء الطريق أوقفت السيارة عند محطة التلغراف اللاسلكي، وهنا دار بين وبينه الحديث التالي: سأل الشيخ لماذا أوقفت السيارة؟ فأجبته لنرى التلغراف اللاسلكي فإن كان هنا لك ذبائح ودعوة لغير الله فإني سأحرقه مهما كانت النتيجة، فالدين لله لا لابن سعود، وقد يكون الملك مخدوعًا في أمر هذه التلغرافات، وتذكر له الأشياء على غير حقيقتها، فقال الشيخ: بارك الله فيك، فدخلت المحطة وبعد البحث لم يجد الشيخ أي أثر لعظام الذبائح وقرونها أو صوفها، ثم أراه العامل طريقة المخابرة، وفي دقائق تبودلت المخابرات والتحيات بينه وبين جلالة الملك في جدة.

стр. 965

كانت هذه الزيارة البسيطة مدعاة للشك فيما كان يعتقده من عمل الشيطان في المخابرات ولكنه ظن أني ربما دبرت هذه المكيدة بإيعاز الملك، فزار الشيخ محطة التلغراف بضع مرات منفردًا في أوقات مختلفة بدون أن يخبر أحدًا بعزمه، فكان يفاجئ العامل بالزيارة ويسأله عن كل ما يغمض عليه، وقد أخبرني الشيخ ونحن في طريقنا إلى مكة بأنه يستغفر الله ويتوب إليه عما كان يعتقده ويتهم به بعض الناس، وربما كان يقصدني في هذا الأمر، ختمت الموضوع بقولي: ما قولكم يا حضرة الشيخ في رواية أولئك الثقات، أخشى أن تكون رواياتهم لكم عن أكثر المسائل العلمية كرواياتهم عن التلغراف، فقال حسي الله ونعم الوكيل. وقد أخبرني جلالة الملك في شعبان ١٣٥١ هـ ديسمبر ١٩٣٢ م أثناء زيارتي للرياض أن المشايخ -أي رجال الدين- حضروا عنده سنة ١٣٣١ هـ لما علموا بعزمه إنشاء محطات لاسلكية في الرياض وبعض المدن الكبيرة في نجد فقالوا له: يا طويل العمر: لقد غشك من أشار عليك باستعمال التلغراف وإدخاله إلى بلادنا، وإن "فلبي" سيجر علينا المصائب، ونخشى أن يسلم بلادنا للإنكليز، فقال لهم الملك: لقد أخطاتم، فلم يغشنا أحد ولست ولله الحمد بضعيف العقل أو قصير النظر لأخدع بخداع المخادعين، وما فلبي إلا تاجر، وكان وسيطًا في هذه الصفقة، وإن بلادنا عزيزة علينا لا نسلمها لأحد إلا بالثمن الذي أسلمناها له. إخواني المشايخ: أنتم فوق رأسي، تماسكوا بعضكم ببعض ولا تدعوني أهز رأسي فيقع بعضكم أو أكثركم وأنتم تعلمون أن من وقف على الأرض لا يمكن أن يوضع فوق رأسي مرةً ثانية. مسألتان لا أسمع فيهما كلام أحد لظهور فائدتهما لي ولبلادي، وليس هناك من دليل في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ يمنع من إحداث اللاسلكي والسيارات، وعندما وضعت الآلة اللاسلكية في الرياض واستعملت كان الناس يغري بعضهم بعضًا بأن إنشاء هذه المحطة هو الحد بين الخير والشر، وكان العلماء يرسلون من يأتمنونهم لزيارة المحطة ورؤية الشياطين والذبائح التي تقدم لهم، فلم يجدوا شيئًا.

стр. 966

وقد أخبرني عامل المحطة بأن المشايخ الصغار كانوا يترددون عليه من وقت لأخر لسؤاله عن موعد زيارة الشياطين، وهل الشيطان الكبير في مكة أو الرياض؟ وكم عدد أولاد الذين يساعدونه في مهمة نقل الأخبار؟ فكان يجيبهم بأن ليس للشيطان دخل في علمه، وكان بعضهم يغريه بالنقود وانهم سيكتمون هذا السر، ولكن العالم يأخذ الأخبار ويرسلها إلى إمامهم ويخبرهم أن الموضوع صناعي محض، هذا كلامه بحروفه إلى أن قال في ذكر المستخدمات: تذكرنا هذه القصة ما حدث في نجد قبل ستين سنة، فإن أول ساعة دقاقة كسرت وعدت من عمل الشيطان. وفاة أمير بريدة ففيها توفى الأمير مشاري بن جلوي آل سعود ﵀ وعفا عنه، وهو الأمير الشهير الحازم الفاتك، وهذه ترجمته: هو مشاري بن سعود بن جلوي بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود آل مقرن، وكان شجاعًا مهابًا له إقدام وجراءة، قدم إلى مدينة بريدة لما كان البغاة قريبًا منها، واختاره ابن سعود لإمارة القصيم ليقوي الحامية هناك، فقام بالأمر قيامًا شديدًا حتى هابه أهل القصيم وما يليه، وأرعد من هيبته الأشقياء، وكان فظًا غليظًا جبارًا عنيدًا فانتدبه الملك عبد العزيز للإمارة، وقد باشر قبل ذلك الأعمال ومارسها، وكان عمره حين وفاته يبلغ الخمسين، ولما قدم بريدة وتولى إمارة القصيم أزعج بسطوته من كان في تلك المقاطعة، وذلك خشيةً من الطوارئ، كيف لا وقد اجتمع البغاة حوالي القصيم وهموا بالهجوم على مدنه، فانتدب صاحب الجلالة ذلك الليث في براثنه، ولما أن قيل أن الدويش في "القاعية" وذلك قبيل الواقعة قام وبث رجاله ليأتوا بجميع سروح الأبل من كل جهة وصاح بالنفير العام، فما كان إلا قليل حتى حشرت الأبل والركاب إلى العاصمة كأنها السيل المنهمر، ولما أراد بعث الأمة جاء الخبر الأخير بأن الدويش رحل عنها.

стр. 967

ولقد دعا بأربعة من سائقي سيارات جلالة الملك بدعوى أنهم ضربوا خادمًا له جاء إليهم يبلغهم أوامر الأمير، وأساءوا الرد عليه، فألقى القبض عليهم وبعث أناسًا يأتونه بجريد النخل الرطب، فأمرهم فضربوا ضربًا بليغًا حتى هلك بعضهم تحت السياط وسلم اثنان بعد مرض طويل. وجاء إليه أهل القرية يشكون أميرًا من أمراء القصيم بأنه بعث إلى أدباشهم خادمًا أخذها كلها فاستاقها وحبسها في موضع، فسأل عن كيفية أخذها فأخبروه أنها رعت في حماه، فاقتضى رأيه أخذها وقد عطشت الزروع وأشرفت على الهلاك، وقد سعوا في طلبها بكل حيلة فما وجدوا إلى ذلك سبيلا، فدعا الأمير مشاري بعبد من عبيده وقال له: اذهب إليه فإن لم يخرجها فخذ المنشار واقطع به قفل الباب "المجرى" وأتبع ذلك بمشط رصاص أطلقه على موضع الغلق، ثم أخرجها وسلمها إلى أربابها، فما كان إلا بقدر ما ذهب ورجع منفذًا أوامر سيده، وهذه صفته: كان ربعةً من الرجال يميل إلى القصر، يبدو على وجهه أثار الجدري، وكان مرضه في أنثييه سبب عجيب بل وغريب، وذلك لعضة خنفساء حوالي أنثييه فما زالت تتقرح بسرعة حتى انتفختا وهلك، وقد صلى عليه فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم في جامع بريدة وهو ثقيل من أثار السقم، غير أنه طلب منه ذلك، ودفن في المقبرة الجنوبية المعروفة "فلاجة" ثم إنه جعل جلالة الملك أميرًا في بريدة بعده، تركي بن عبد العزيز بن تركي بن ذعار، فلبث في الإمارة ثمانية شهور ثم أعيد مبارك بن مبيرك. وفيها هطلت أمطار كثيرة على سائر نجد فكثر الكلأ والعشب وأنواع الكمأة، ونزلت قيمتها إلى درجة زهيدة حتى بيعت الكمأة تسع وزنات بريال، وكثر الإقط والسمن، وظهر الجراد والدباء حتى أكل الأشجار والنخيل، وآخر ذلك دخل الدباء في بيوت الناس، وتأذى الأهالي بذلك وسقط في الآبار حتى أنتنت وجفت وامتلأت المنازل والسقوف من ثيابه وجلوده عياذًا بالله من ذلك. وفيها شرع في طبع البداية والنهاية تاريخ ابن كثير، وذلك بقيام صاحب

стр. 968

الجلالة في هذا المشروع الخيري، وقد امتد طبعه إلى تمام عشر سنوات ولم يكمل منه سوى أربع عشرة مجلدة. وفي هذه السنة ارتفعت منزلة الوزير عبد الله بن سلمان بن حمدان لدى جلالة الملك عبد العزيز وذلك لقيامه بكل طلب يأتي من الملك لنفقات الحروب. ذكر التقاء الملكين ١٣٤٨ ه ـ لما كان ابن سعود قرب الحدود العراقية رغبت حكومة بغداد أن تنتهز الفرصة فتعمل على تأكيد الصلات بين نجد والعراق، فوسطت المندوب السامي لذلك، فكتب هذا إلى ابن سعود في ٩ شعبان من هذه السنة يخبره عن رغبة الحكومة العراقية التي تؤيدها الحكومة البريطانية في عقد مؤتمر يجمع بين عاهلي العراق والمملكة العربية السعودية، ورجال الحكومتين والمندوب السامي نفسه في مكان محايد أو على الحدود ويخبره أن العراق مستعدة لأن يكون عقد المؤتمر في ٢٠ رمضان سنة ١٣٤٨ هـ، فوافق صاحب الجلالة السعودية ثم تلقى من المندوب السامي خطابًا يخبره فيه بأنه يقترح أن يكون الاجتماع في "الرضمية" المنطقة المحايدة بين العراق ونجد، فاعتذر ابن سعود ببعد المسافة بين المكان الذي هو فيه وبين المكان الذي اقترح فيه الاجتماع، كما اعتذر بقلة الماء في الطريق، ورأى أن يكون الاجتماع في الوفرة، المنطقة المحايدة بين الكويت ونجد، ومن السهل على الملك فيصل الوصول إليها بدون مشقة لأنه يستقل طائرة في رحلته تلك، فبعث فيصل إلى جلالة الملك عبد العزيز يدعوه أن يكون في ضيافته "بالرضمية" فاعتذر بلطف بمما اعتذر به من قبل، وقد كان كلا الملكين حريصًا على هذا الاجتماع الذي يستثمر منه الصلات وحسن الجوار ويمحق ما بالقلوب من ذكرى الحوادث القديمة، ثم لما كان في ٢٥ من شعبان ورد ابن سعود كتاب من رئيس المعتمدين بالخليج العربي يقترح فيه أن يكون الاجتماع في البحر على باخرة بريطانية خارج المياه النجدية والعراقية، فأجاب إلى ذلك لسهولة الطريق وقرب المسافة، وتقرر أن يكون

стр. 969

الاجتماع في ٢٠ من رمضان، وأخذ الملكان والمندوب السامي يستعدون لليوم الموعود بفارغ الصبر، لكن ابن سعود اقترح أن يعقد مؤتمر لتمهيد جو صالح للاجتماع والبحث في المسائل، فانتخب العراق وفدًا برئاسة "ناجي بك آل شوكت"" وزير الداخلية، وانتدب ابن سعود ثلاثة من خيرة رجاله وهم: حافظ وهبة، ويوسف ياسين، وابراهيم بن معمر، للمفاوضة والبحث، فاجتمع المندوبون في الكويت في ١١ رمضان، إلا أن وفد العراق لم يفوض التفويض التام في البت في القضايا، فلم يكن الحل مستطاعًا، فعاد الوفد النجدي في ١٦ رمضان لمرافقة جلالة الملك ابن السعود وبقي ابن معمر في الكويت للنظر في المتخلفين من أتباع العصاة وتقرير ما يجب بشأنهم، وأمر ابن سعود بأن تقف الباخرة التي أعدتها بريطانيا لنقله إلى مكان الاجتماع في البحرين ليزودهم وكلائه آل القصيي كما تحتاج إليه من فرش وأثاث وأمتعة ومأكل ومشرب، فلما كان في الساعة الرابعة من ٢١ من شهر رمضان، ركب ابن سعود وحاشيته زورقًا بخاريًا من الجبيل إلى رأس تنورة انتظارًا للباخرة، وفي الساعة ٨ قدمت الباخرة البريطانية "بتريك ستيورات" فاستقلها ابن سعود بحاشيته واستقبله قوادها استقبالًا حماسيًا رائعًا، وأطلقت المدافع تحية للملك العظيم وسارت على اسم الله إلى المكان المعد للاجتماع، وكان من المقرر وصول الباخرتين إلى الموعد في وقت واحد إلا أن أمرًا غير عادي آخر "بتريك" التي أقلت ابن سعود قليلًا، فوصلت في فجر اليوم ٢٣ من رمضان وكانت الباخرة "نرجس" المقلة للملك فيصل "ولوبن" المقلة للمندوب السامي قد أخذتا مكانهما، وقد تسلم ابن سعود وهو بالباخرة برقية من المندوب السامي يدعوه فيها إلى تناول طعام الغداء على مائدته مع الملك فيصل بباخرته لوبن، فأبرق إليه بقبول الدعوة ودعاه إلى مأدبة العشاء التي سيقيمها لعاهل العراق، وفي الوقت المحدد للاجتماع ركب ابن سعود زورته ومعه يوسف ياسين، وحافظ وهبة، وفؤاد حمزة، وعبد العزيز القصيبي، ومدحت شيخ الأرض، وعبد الرحمن الطبيشي، حتى إذا دنا الزورق من لوبن رفع عليها علم المملكة العربية السعودية، وأطلقت منها المدافع تحيةً لعاهلها، فاستقبله

стр. 970

على سلم الباخرة المندوب السامي وقائد الباخرة ومن معهما استقبالًا حماسيًا، وإذ ملك العراق مقبل بزورته فرفع علم العراق العربي وأطلقت المدافع تحية له، واستقبل استقبالًا فخمًا ثم سعى كل من الملكين إلى الأخر وتصافحا وتعانقا ثم تبادلا ألفاظ التحية والمودة، وقدم الملك فيصل إلى الملك عبد العزيز رجاله وهم: ناجي باشا السويدي رئيس وزراء العراق، ومحمد رستم بك صدر رئيس ديوان الملك فيصل، والكولونيل "كورنوليس" مستشار وزير الداخلية، وتحسين بك قدري مرافق الملك، وقدم الملك ابن السعود رجاله المتقدم ذكرهم، ثم دخل الملكان البهو المعد للجلوس، معهما المندوب السامي ورجال الحاشيتين، وتكلم فيصل كلمة موجزة بليغة معربة عن شكر الحكومة البريطانية وفخامة المندوب السامي على هذا السعي النبيل، حتى كان هذا الاجتماع المبارك الذي يبشر بالتآخي بين الأمم العربية، ثم تكلم صاحب الجلالة عبد العزيز شاكرًا الحكومة البريطانية والمندوب السامي وقال: إن الواجب على العرب وأمرائهم أن يسعوا سعيًا متواصلًا للإتحاد والاتفاق، ثم انبرى المندوب السامي للكلام وأعرب عن سروره وسرور الحكومة البريطانية بعقد هذا الاجتماع المنتظر من روائه كل خير للبلاد العربية، ثم رأى الجميع إخلاء المكان للملكين ليبث كل منهما ذات نفسه للآخر، فكان الوقت رائقًا ذهبت فيه آمال الملكين تمرح طربًا وابتهاجًا لكل منهما ابتسامة يعجب لها على ظهر الباخرة لوبن، ثم استدعيا السويدي، وكور نوليس، ورستم وحافظ ويوسف وفؤاد، واستطاع الطرفان في هذا الاجتماع بت المسائل المعلقة وإرجاء ما بقي إلى مندوبي البلدين، وبعد تناول المآدب التي كانت فيها الحفلات الأنيقة الجميلة لدى المندوب، ثم لدى جلالة الملك عبد العزيز، ثم لدى الملك فيصل، توادع الملكان وداعًا حارًا وافترقا، وفي نفس كل منهما شوق إلى الآخر وإكبار له واعجاب به، وبقي وفد نجد ووفد العراق حتى صلاة العشاء الأخيرة يتناقشان في المسائل الهامة ثم افترقا، إلا أن الوفد السعودي كان مسرورًا بموقف رئيس وزراء العراق ناجي باشا السويدي

стр. 971

ومعجبًا بغيرته على مصالحة العرب ولطفه، ولما كان في ليلة الاثنين تناول المندوب السامي طعام العشاء لدى الملك ابن سعود وتحدثا طويلًا، فلما كان من الغد نهار الاثنين ٢٥ رمضان أقلت باخرة ابن السعود جلالته إلى مياه البحرين ليستقل الزورق إلى العقير، إلا أن الرياح حالت دون ذلك، فانتهز ابن السعود الفرصة لزيارة شيخ البحرين عيسى بن خليفة إذ بين أمراء البحرين وآل سعود صلات ودية كبيرة، فلما مضى صاحب الجلالة عبد العزيز يصحبه حرسه إلى البحرين استقبلته جموع كثيرة من أهلها، ولبست البحرين أبهى حللها استقبالًا للملك العربي الكبير، وسارت الجماعات تحييه وتهتف بحياته هتافًا عاليًا، وبعدما التقى بالشيخ عيسى بن خليفة كان موقفًا من أجمل الواقف، ومرَّ بدار القصيبي تكريمًا لهم، ثم استقل الزورق إلى العقير. ثم دخلت سنة ١٣٤٩ ه ـ استهلت هذه السنة والدولة التركية يرأسها مصطفى كمال وقد فصلت الجمهورية الدين عن الدنيا وألغت القوانين القديمة واستبدلتها بقوانين ونظم جديدة مقتبسة من القوانن الأوربية الحديثة، وصارت الجمهورية علمانية لا دينية، وكان يبلغ عدد سكان تلك المقاطعات أربعة عشر مليونًا، ولا يزالون في ازدياد، وكان ولي عهد السلطة العثمانية "محمد السادس وحيد الدين" لا يزال يشنع على مصطفى كمال، وذلك بعدما تغلب عليه ونازعه فغلب مصطفى حزب الخليفة محمد وصارت السلطنة بيد مصطفى، وها هو ذا بلباسه ورسمه الجديد أوربي متلبسًا بالمدنية الغربية، أوصافه: مربوع القامة إلى الطول أقرب، عريض الكتفين، نحيف اليديين والساقين، أزرق العينين، حاد النظر، قصير الشارب، مهيب الطلعة مشرب الوجه بحمرة، له قوة إرادة وثبات عزيمة وإقدام واستقلال بالرأي، ثابت في اللقاء، صريح لا يعرف المداهنة، يجهر بآرائه ولا يهاب كبيرًا ولا يخاف عظيمًا. وكان على اليمن وأعمالها الإمام يحيى بن محمد حميد الدين.

стр. 972

وفيها طبعت رسائل أئمة هذه الدعوة من آل الشيخ وغيرهم في مطبعة المنار بمصر لصاحبها "محمد رشيد رضا" فجاءت في ثلاث مجلدات منشورة، بلغ الجزء الأول ٧٦٣ صحيفة، وكان الثاني في جزأين أحدهما مستقلًا برسائل الشيخ الإمام عبد اللطيف، وبلغت صحائف المجلدة الثالثة من المجموعة ٨٧٦ صحيفة، فيا حسنها والبهاءُ يلوح فيها ونور القبول يبدو عليها. وفيها أيضًا تم طبع كتاب الآداب الشرعية الكبرى لابن مفلح في ثلاث مجلدات كأحسن ما يكون في الورق والطبع، وذلك في مطبعة المنار أيضًا، وكلا الكتابين من مطبوعات صاحب الجلالة السعودية ومحي آثار الملة المحمدية الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود أثابه الله. كما أنه تم فيها طبع كتاب روضة المحبين لشمس الدين ابن القيم ﵀، وذلك في مطبعة الترقي بدمشق، فجاءت على أحسن وضع في ورقها وطبعها، وقد تصرف فيها المصحح بحذف بعض البحوث اليسيرة منها وهذا اجتهاد منه، وكنت أرى أنه لو تركها على وضعها لكان أحسن، لأن منزلة الإمام ابن القيم أعلى من أن يتصرف في مؤلفه من هو بالنسبة إليه كقطرة في بحر، ولعل أحمد عبيد مجتهد في ذلك وله أجر واحد، وهي أيضًا من مطبوعات الملك عبد العزيز بن سعود. وكذا أيضًا طبع في هذه السنة عنوان المجد في تاريخ نجد للعلامة ابن بشر ﵀، وكان طبعه في المطبعة السلفية بمكة المشرفة، فجاء في جزأين بمجلد واحد، وقد بلغني أنه حذف منه مواضع كثيرة لأسباب سوغت ذلك، وهذا يعد أيضًا خطأ لأن العلم أمانة وتبعة ما يثبت في الكتاب تعود إلى مؤلفه. وفيها وفاة الشيخ سعد بن عتيق قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، وهذه ترجمته: هو العالم البارع الحافظ الورع الزكي الصارم البتار لأعناق المنافقين والكفار، الذي لا يزال ذكره مقبولًا لنصرته شريعة الرسول ﷺ ولم يستره التقشف

стр. 973

والخمول، الحبر الكبير والعلم الشهير، الشيخ ابن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، وقد قدمنا ذكر نسبه في ترجمة أبيه، ولد ﵀ ببلدة "الحلوة" القرية المعروفة في حوطة بني تميم سنة ١٢٧٩ هـ، ونشأ بها وقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب، وجدَّ في طلب علم الحديث، فسافر إلى بلد الهند في زمن كثرت فيه الفتن وترادفت فيه المحن وانقطعت فيه السبل، فتارةً يسير مع ركبان الإبل وطورًا مع المشاة على الأقدام، وأخرى يقطع البحار على السفن فكابد المشاق والعذاب، واحتسب الثواب من رب الأرباب، وقد وجدت من ذكر سفره ما أثبته عن نفسه بقوله يروي لنا قصته فقال: ركبنا في قارب -وهي سفينة صغيرة- متوجهين إلى بلد من بلدان فارس تسمى "شارك"، وكان ركوبنا قبيل كروب الشمس يوم السبت سابع عشر من جمادى الأولى سنة ١٣٤١ هـ وصاحبنا في تلك الليلة التوفيق من الله تعالى والأسعاف، فلذلك قدمنا البلد في أول تلك الليلة، فلما أصبحنا يوم الأحد اجتمعنا بالأخ علي بن سلمان وخرجنا من تلك البلاد بعد صلاة الظهر متوجهين إلى "لنية" نمشي على أقدامنا لأن البحر في تلك الأيام مضطرب اضطرابًا شديدًا وبعد خروجنا من البلاد المذكورة قدمنا البلاد المسماة "باوردان" عند رجال صالحين منهم الأخ سلمان بن خميس، وابراهيم بن ياقوت ووجدنا عندهم شيئًا من كتب التفسير وبعض كتب شيخ الإسلام وأقمنا عندهم آخر يوم الأحد، ويوم الاثنين، فلما كان يوم الثلاثاء أجمعت على المسير وتخلف الأخ علي عند أصحابه لأنه كان مريضًا وخرجت من تلك البلاد ومعي غلام أرسله معي أهل البلاد لهداية السبيل، وكان اسمه "بلال"، وأصابنا في ذلك المسير مطر بل ثيابنا بللًا كثيرًا، ثم أخذ معي ما شاء الله، ثم رجع إلى وطنه وبقيت في تلك الطريق وحدي متوكلًا على الله معتمدًا عليه، فحصل بحمد الله من الإعانة والتسديد في ذلك الطريق ما لم أظن، وقدمت "مغوة" في وقت الظهر ثم بعد الصلاة خرجت من المسجد لبعض الأغراض، فارتفعت لي السماة "ذوان"

стр. 974

فتوجهت إليها في الحال وصليت فيها العصر، ثم بعد السلام من الصلاة سألت رجالًا عندي عن مسألة، فكان في جوابهم ما اقتضى التعجل، فخرجت في الحال قاصدًا "لنية" مستقبلًا الليل، فمشيت آخر يومي وأول ليلتي، فبينما أنا أمشي إذ رأيت نارًا فعشوت إلى ضوئها فإذا أنا برجال على شاطئ البحر ألقتهم سفينتهم وعددهم ٤٥ بعد القرب إلى ذلك المكان، فبت عندهم تلك الليلة، وكانت ليلة مطيرة وصان الله تعالى الكتب التي معي بسبب أولئك، فإني بت عندهم في مثل الخيمة وهو شراع سفينتهم أصلحوه حتى عصمنا الله به من المطر، فلما كان الصباح سرت من عندهم متوجهًا إلى لنية، فلما كان وقت العصر دخلت تلك البلاد وهي "لنجة" المذكورة، وذلك اليوم يوم الأربعاء حادي وعشرين من جمادى الأولى، وصادفنا الأخ إبراهيم بن سيف المقدم ذكره، وأقمت عنده في تلك البلاد آخر ذلك اليوم وأول الغد، ثم وصل إلى لنية المركب -أعني مركب العجم- قاصدًا الهند، فركبت فيه وبقينا في ذلك المركب قبل وصوله الهند تسعة أيام لأنه -أعني المركب- وقف قريبًا من "بندر عباس" يومين وقد رأينا فيما أتينا عليه من آيات الله تعالى الكبار وآثار قدرته وعجيب صنعه مما يدل أوضح دلالة وينادي أعظم نداء أنه تعالى هو الإله الحق المتفرد بالعبادة الذي لا تصلح لغيره ولا تنبغي لسواه، آمنا به وعليه توكلنا هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت واليه متاب، وقدمنا "البندر بمبي" مستهل جمادى الأخرة وهو الشهر السادس من شهور السنة المحررة أعني ١٣٠١ هـ. ذكر مشايخه الذين أخذ عنهم من هؤلاء العلماء الذين أخذ عنهم من أهل الهند: الشيخ نذير حسين الدهلوي، وكان الشيخ إسحاق يعظمه ويقول: إنه حامل لواء أهل الحديث بلا نزاع وحلية أهل الدراية والرواية والسماع، ومنهم ابنه الفاضل شريف حسين بن نذير حسين، وأخذ أيضًا عن الشيخ العالم الفاضل صديق حسن القنوجي صاحب المؤلفات المفيدة، وكل من هؤلاء قد أجازه وكتب له الإجازة بقلمه، وأخذ أيضًا

стр. 975

عن الشيخ الفاضل حسين بن محسن الأنصاري الخزرجي، وأخذ أيضًا عن العلامة الشيخ محمد بشير الهندي، وأخذ عن الشيخ العلامة سلامة الله الهندي، وقد أجازوه كما رووه وأخذوه وسمعوه من المشايخ الكرام المحدثين الأعلام، وأقام في بلاد الهند يتعلم ويدرس ويتردد بين أولئك الأئمة الأعلام، ثم إنه سافر من الهند إلى مكة المكرمة وأقام بها ستة أشهر درس فيها على علماء مكة. فمنهم الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى قرأ عليه شرح زاد المستقنع بكماله، وقرأ عليه أيضًا كثيرًا من المؤلفات النافعة لا سيما الكتب المتعلقة بالحديث وقد أجازه كما رواه وسمعه، وأخذه عن مشايخه الأعلام الذين من أجلهم الشيخ العالم العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن جماعة من علماء مكة المشرفة منهم الشيخ حسب الله الهندي، والشيخ عبد الله الزواوي، والشيخ أحمد أبو الخير، وقد كتب في رحلته لطلب العلم كتبًا كثيرة نافعة منها في الهند "مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم"، ومنها "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار"، ومنها بمكة المكرمة "تجريد التوحيد المفيد للمقريزي"، ثم إنه رجع إلى وطنه الأفلاج وأقام بها مدة ثم عزم على السفر إلى الهند لأن يزاداد من العلم، فسار حتى بلغ الإحساء فأصابه مرض في عينه فرجع إلى وطنه. وقد ولاه صاحب الجلالة عبد العزيز بن السعود قضاء بلد الأفلاج ثم نقله منها إلى الرياض فجعله قاضيًا فيها حتى توفاه الله تعالى. ذكر الذين أخذوا عنه من العلماء والأحبار أما تلامذته الذين تخرجوا عليه وأخذوا عنه، فهم كثيرون ولكننا نذكر بعضهم إذ لا يمكن استيعابهم. فمنهم: الشيخ العالم العلامة الذي افتخرت به الأواخر على الأوائل، ذو الأجوبة السديدة والمؤلفات المفيدة، حبر زمانه والنابغ من بين أقرانه "عبد الله بن

стр. 976

عبد العزيز العنقري" وناهيك به علما وشرفًا، ومنهم الشيخ الفتي الأكبر في هذا الزمان ورئيس قضاة نجد العالم "محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، ومنهم الشيخ الفاضل عمر بن حسن بن حسين آل الشيخ رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نجد، وأخذ عنه أيضًا الشيخ عبد العزيز بن حمد بن عتيق أخوه، وأخذ عنه أيضًا أخوه الشيخ العالم عبد الله بن حمد بن عتيق، وأخذ عنه أيضًا أخوه الشيخ الذكي إسحق بن حمد بن عتيق، وأخذ عنه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ، وأخذ عنه أيضًا الشيخ العلامة سعود بن رشود، وأخذ عنه أيضًا الشيخ فيصل بن عبد العزيز بن مبارك، وأخذ عنه الشيخ سعد بن سعود، وغير هؤلاء خلق كثير وجم غفير. وكان ﵀ لا يداري ولا يداهن بل يظهر دينه ويصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا يبالي في نصرة الحق رضي الناس أم سخطوا، أما مؤلفاته ورسائله فكثيرة منها: حجة التحريض على النهي عن الذبح للمريض، ومنها نظم المفاتيح التي ذكرها ابن القيم في كتابه حادي الأرواح، ومنها نظم نواقض الإسلام العشرة، ومنها رسالته إلى أهل الغطغط والأرطاوية ينصح ويحذر فيها من الخروج على ولي الأمر وغير ذلك، ولولا خشية الأطالة لأتينا بها إلى هذا الموضع لكن على من أحب مراجعتها فليطلبها في مجموع الرسائل النجدية. وكان الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف يجله ويعظمه وينصر أقواله ويقر له بالفضل، بل كان عضده الأشد وخير مساعد له ومعين، ولما كان في ١٣ جمادى الأولى من هذه السنة توفاه الله تعالى ونقله إلى رحمته، نسأل الله تعالى أن يجعل الجنة مثواه، فرثاه جماعة من علماء نجد من هؤلاء الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، والشيخ سعود بن رشود، والأخ عبد المحسن بن عبيد، ونكتفي من ذلك كما رثاه به شاعر نجد الشيخ محمد بن عبد الله بن عثيمين حيث قال هذه القصيدة البليغة التي كفت وشفت: أهكذا البدر تخفى نوره الحفر ... ويفقد العلم لا عين ولا أثر

стр. 977

خبت مصابيح كنا نستضيء بها ... وطوحت للمغيب الأنجم الزهر واستحكمت غربة الإسلام وانكسفت ... شمس العلوم التي يهدى بها البشر تخرم الصالحون المقتدى بهم ... وقام منهم مقام المبتدأ الخبر فلست تسمع إلا كان ثم مضى ... ويلحق الفارط الباقي كما غبروا والناس في سكرةً من خمر جهلهم ... والصحو في عسكر الأموات لو شعروا نلهو بزخرف هذا العيش من سفه ... لهو المنبت عودًا ماله ثمر وتستحث منايانا رواحلنا ... لموقف مالنا من ورده صدر إلا إلى موقفٍ تبدو سرائرنا ... فيه ويظهر للعاصين ما ستروا فيا له مصدرٌ ما كان أعظمه ... الناس من هوله سكرى وما سكروا فكن أخي عابرًا لا عامرًا فلقد ... رأيت مصرع من شادوا ومن عمروا استنزلوا بعد عزٍ عن معاقلهم ... كأنهم ما نهوا فيها ولا أمروا تغل أيديهم يوم القيامة إن ... بروُّا تفك وفي الأغلال إن فجروا ونح على العلم نوح الثاكلات وقل ... وألهف نفسي على أهلٍ له قبروا الصادعين بأمر الله لو سخطوا ... أهل البسيطة ما بالوا ولو كثروا والسالكين على نهج الرسول على ... ما قررت محكم الآيات والسور والعادلين عن الدنيا وزهرتها ... والآمرين بخيرٍ بعدما ائتمروا لم يجعلوا سلمًا للمال علمهم ... بل نزهوه فلم يعلق به وضر فحيي أهلًا بهم أهلًا بذكرهم ... الطيبين ثناءً أينما ذكروا أشخاصهم تحت أطباق التراب وهم ... كأنهم بين أهل العلم قد نشروا هذي المكارم لا تزويق أبنيةٍ ... ولا الشغوف التي تكسي بها الجدر وابك على العلم الفرد الذي حسنت ... بذكر أفعاله الأخبار والسير من لم يبال بحق الله لائمه ... ولا يحابي امرءوًا في خده صعر بحرٌ من العلم قد فاضت جداوله ... أضحى وقد ضمه في بطنه المدر فليت شعري من للمشكلات إذا ... حارت بغامضها الأفهام والفكر

стр. 978

من للمدارس بالتعليم يعمرها ... ينتابها زمر من بعدها زمر هذي رسوم علوم الدين تندبه ... ثكلًا عليه ولكن عزها القدر طوتك يا سعد أيام طوت أممًا ... كانوا فبانوا وفي الماضيين معتبر إن كان شخصك قد واراه ملحده ... فعلمك الجم في الآفاق منتشر والأسوة المصطفى نفسي الفداء له ... بموته يتأسى البدو والحضر بني لكم حمد يا للعتيق علا ... لم يبنها لكم مالٌ ولا خطر لكنه العلم يسمو من يسود به ... على الجهول ولو من جده مضر والعلم إن كان أقوالًا بلا عمل ... فليت صاحبه بالجهل منغمر يا حامل العلم والقرآن إن لنا ... يومًا تضم به الماضون والأخر فيسأل الله كلًا عن وظيفته ... فليت شعري بماذا منه يعتذر وما الجواب إذا قال العليم إذا ... قال الرسول أو الصديق أو عمر والكل يأتيه مغلول اليدين فمن ... ناج ومن هالك قد لوحت سقر فجددوا نيةً لله خالصةً ... قوموا فرادى ومثنى واصبروا ومروا وناصحوا وأنصحوا من ولي أموركم ... فالصفو لا بد يأتي بعده كدر والله يلطف في الدنيا بنا وبكم ... ويوم يشخص من أهواله البصر وصل ربي على المختار سيدنا ... شفيعنا يوم نار الكرب تستعر محمد خير مبعوثٍ وشيعته ... وصحبه ما بدا من أفقه قمر وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ سليمان بن سحمان صاحب الردود والشعر الحسن رحمة الله عليه وهذه ترجمته: هو الشيخ الإمام العالم الشاعر الماهر الذكي المتفنن في العلم والشعر والنحو والفقه والأصول والفروع، سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن عامر، كان أصله من "تبالة" التي تقع على شاطئ بيشة الشمالي، وهي وادٍ

стр. 979

مجاور لوادي بيشة ينصب من جهة الغرب إلى جهة الشرق، بأعلاه قصور ومزارع وأسفله مرعى للبوادي. كان الشيخ سليمان بن سحمان قارعًا للشعر حتى أطلق عليه "حسان السنة في وقته" وله في ذلك ديوان حسن، وينقسم ديوانه إلى ثلاثة أقسام: قسم في الردّ على أعداء الشريعة الذين شرقوا بهذه الدعوة، فرد عليهم كما أدحض به حججهم وثل به عرشهم وألقاهم إلى قعر الحضيض، فقد ردَّ على قريب من خمسين ضالًا مبتدعًا فأفاد وأجاد وبلغ في الغاية فوق ما يراد حتى كان سدًا عظيمًا دون حمى الدين، وسيفًا مسلولًا على أعناق المبتدعين، وجاهد بحجته ولسانه العابثين والمروجين الذين هم كفار السفين، وما زال يناضل ويحامي حتى أتاه اليقين. القسم الثاني: من قصائده من عقائد لأهل السنة في معرفة التوحيد وأقسامه وما يضاهيه من الشرك والتنديد، وأوضح معالم الدين وأشاد مناره وأبطل الزخارف والتمويهات وأجلب على ذلك بخيله ورجله، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء، لقد أحسنت يا سليمان في بيانك وأوضحت وبينت، وإنا لنرجوا أن يجود الزمان بمثلك. القسم الثالث: من قصائده مجاوبات ومراسلات ومدائح لأهل الدين والعلم والفضل، وتشكي من حالة الزمان، ورثاء لأهل العلم، ومنادمةً لإخوانه وأحبابه، وعلى من أحب أن يعرف قدره فليراجع ديوانه فإنه قد احتوى على العجب العجاب: هو النجم للساري ضياءً وأنسةً ... وشهبٌ على هام الطغاة وجحد ملاه قصيدًا فائقات نظائرًا ... وعلمًا وتحقيقًا يبين لمهتد فرده وأمعن في اقتناء عقائد ... تنجي لعمر الله من كل مفسد هذا وإنا لنأمل في أحبابه أن يعيدوا طبعه ويحسنوا وضعه ويأتوا كما قد فات جامعه من القصائد الكثيرة للمؤلف، وقد أحببت أن أنقل هنا بعض أبياتٍ له جوابًا لأبيات وردت عليه، قال بعد البسملة:

стр. 980

من سليمان بن سحمان إلى حضرة جناب اللوذعي الأديب، والألمعي المصقع الأريب، المحب المقدم، والأخ الكرم "ناصر بن سعود" لا زال بالعلم والآداب في صعود، وأيامه في فوز وهناء وسعود أمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالموجب للخط هو إبلاع السلام والتحية والاحترام ثم السؤال عن صحة أحوالكم واعتدال أوقاتكم، ونحن بحمد الله في أحسن حال وأنعم بال والخط الشريف والجواب اللائق الرائق المنيف، وصل إلينا وكان من أكبر المنن علينا، ولكني أقول: أتاني على عظم الخطوب الشواغل ... الوكة ذي ودٍ نصيحٍ مواصل يذكرني عهد المحبة والأخا ... وعصرًا مضى بالطيبين الأفاضل ويبكي على نصر الهدى بعدما عفت ... معالمه وأبلولجت بالنوازل ويهدي خلال الخير نصحًا لخله ... على أنها تعلى يفاع المنازل فأهلًا بها أهلًا وسهلًا ومرحبا ... هدية مأمونٍ سليم الدغائل ولكنني لا أستطيع جوابها ... وما الله عما يعملون بغافل ولي كبد مكلومة لو أبحت ما ... أجنته لأستعدي العداء كل جاهل فأعف أخاك اليوم عن درك الذي ... تؤمله مني لعظم الشواغل وأبلغ لإخوانٍ وصحبٍ أجلةٍ ... سلامًا كصوب المعصرات الهواطل عدادًا وما لاحت من الأفق أنجمٌ ... وهب نسيم بالضحى والأصائل وإني وإن قصرت عن نيل سعيهم ... وخلفني ذنبي وسوء التكاسل أود لهم خيرًا وأرجو بحبهم ... لحوقًا بهم في عاليات المنازل فمن طلب العلم الشريف بنيةٍ ... تسامى إلى شأو العلى والفضائل ونال المنى واستر بالفوز والهناء ... فطوبى له إذ نال خير الوسائل وصل على خير الأنام محمدٍ ... وأصحابه والآل أهل الفضائل ثم قال: هذا والمأمول المسامحة، فإني كتبت ارتجالًا وسودتها عجالًا، ولا يسمع بها إلا من هو من أهل المحبة والصفا، فأنا في محل وزمان ربما يخفى عليكم غايته،

стр. 981

وبلغ السلام المشايخ والإخوان كافة منا عمومًا ومنك خصوصًا ومن لدينا الشيخ عبد الله وعياله وإخوانه يسلمون عليك والسلام. أما مشايخه الذين أخذ عنهم فإنه أخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأخذ أيضًا عن ابنه الشيخ العالم العلامة عبد اللطيف ابن عبد الرحمن، وأخذ أيضًا عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وناهيك بهؤلاء فضلًا وعلمًا وذكاءً، وأخذ عن الشيخ حمد بن عتيق، وأخذ عن الشيخ حمد بن فارس، وأخذ عن الشيخ سعد بن حمد بن عتيق وغيرهم، وجدَّ واجتهد حتى علا نجم ذكره في الآفاق، ونصر دين الله من افتراء أهل الشقاق، فيا طوبى له غدا يوم التلاق. ذكر ما جري عليه من الامتحان وثقته بالله الواحد الديان كان له من ذلك حظ وافر ونصيب جزيل، وذلك لأن زمانه وافق اختلاف آل سعود فيما بينهم، واختلاف الكلمة وتشتت البال ومكابدة المخاوف والأهوال، واندلع إذ ذاك فتن تغدو وتروح، وأنياب الشر هناك تبدو وتلوح، فأصبح أهل الدين مخوفين بالزلازل، ومفزعين ومخذولين لا يقر لمؤمن قرار ولا يسترعن طغاة الأشرار سور ولا جدار، فقد حبس المترجم وأوذي في ذات الله ومنع وهدد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال قصيدته الميمية التي تقدم ذكرها، وأنشا قصيدتين في شأن سجنه وأنه لا مبرر لذلك، غير أنه لا بد ولأعدائه من المحاكمة بين يدي الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها ولا يظلم ربك أحدًا. فيا لعباد الله من أقوال الوشاة وأهل الخوض في أعراض العلماء الذين لحومهم مسمومة، وبراءتهم لدى الله ولدى خلقه معلومة، فلا يرتدعون ويفكرون فيما يقولون وأنهم كرأى من الله ومسمع وأن الله هو الثائر لأوليائه لا يكل نصرتهم إلى غيره، ويكفينا حسن العاقبة له، وأن أعداءه لا يزالون في تأخر وتمزيق وانحلال. ومنها تشتت شمل العلماء وطلاب العلم في ولاية آل رشيد، حتى تناءت بهم

стр. 982

البلدان وتفرقوا في كل مكان، وأنبت نظام الدين، وانتشرت دعاة الشياطين، فأنشأ في ذلك قصيدة خرجت عن حرارة الجوى، وباح بما لديه وقال الذين أمنوا بالله ورسوله: "متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" وما زال وإخوانه وأحبابه موبورين حتى أغاث الله خلقه ونصر أولياءه، وأتى بأمر من عنده ونفحةٍ من نفحات لطفه، وذلك بظهور صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود. ومنها لما بيته اللصوص المعتدون في الموضع الذي يدعى "طلحا" فنجاه الله من شر هذه المكيدة فقال في ذلك قصيدة عظيمة بعث بها إلى المشايخ الإخوان يخبرهم كما جرى عليه، ويشكر الله على ما من به عليه من دفع الأذى وخلصه من ذلك الشر والبلاء، وهي موجودة بالديوان. ومنها أن الله تعالى أخذ حبيبتيه وسقط الماء في عينيه، فسار إلى دكتور النصارى في البحرين، فلم يفد فيه شيئًا، غير أن لاقى الأهوال والشدائد في ركوب البحر وأمواجه وألم العلاج، وتقدم ذكر ذلك في سنة سفره، أضف إلى ذلك قلة ذات اليد وضيق معيشته في أول نشأته، فكان في كل هذه الأمور صابرًا لله محتسبًا فيما عنده، فلله دره ما أعرفه بربه وأصبره في حال الشراء وأشكره في حال السراء. ولقد امتحن الله النجديين بتصدي العثمانيين لعداوتهم وتأليب العرب وأشراف الحجاز والمصريين عليهم، لئلا يعيدوا ملك العرب وسلطانهم الذي سلبوه منهم، فحاربوهم باسم الإسلام ونشروا الكتب والفتاوى في رميهم بالكفر والابتداع، فلذلك قام هذا الشيخ ورد على كل مفتر وأجلب عليهم وجاهد في الله حق جهاده. ذكر مؤلفاته ﵀ كان ﵀ آية من آيات الله تعالى في إنشاء الشعر وسبكه ووزنه والفصاحة والبلاغة. فمن ذلك رده نظمًا على "زيني دحلان" لما أقذع والعياذ بالله في مسبة أهل هذه الدعوة، وأرخى لسانه في عيب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فرد عليه الشيخ سليمان وشفى وكفى، وكل مؤلفاته كانت في بيان الحق وإبطال الباطل.

стр. 983

ومنها كشف الغياهب، ردَّ فيه على أحمد باشا العظمي لما سلك سبيل أهل الضلال. ومنها الأسنة الحداد في رد شبهات علوي الحداد. ومنها الضياء الشارق في الرد على جميل الزهاوي في تجازفه وكفره. ومنها تنبيه ذوي الألباب السليمة عن الوقوع في الألفاظ المبتدعة الوخيمة. ومنها كتاب تبرئة الشيخين الجليلين من تزوير أهل الكذب والمين. ومنها الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية، وهو كتاب بناه من خمس رسائل لأئمة هذه الدعوة من كبار علماء نجد، ثم أعقبها بقصيدة بليغة عظيمة احتوت على نكت بديعة في العقيدة السلفية، فما رأيت أحسن من موضوعها، ويختم الكتاب بقصيدة ملا عمران وأرجوزة محمد بن أحمد الحفظي الحجازي اليمني، وله كتاب في الرد على بابصيل. ومنها كتاب الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية رد فيه على الكسم، ومنها رده على عبد الكريم البغدادي في حل ذبائح الطب وكفار البوادي. ومنها كشف الأوهام والالتباس عن تشبيه بعض الأغبياء من الناس. ومنها رده على ابن عمرو، وله الجيوش الربانية في كشف الشبه العمرية. وقد رأيت رسالة من تأليفه رد فيها على منكر الساعة التي تدل على الأوقات، وذلك لأن المعترض يدير أنها سحر وأنها من عمل الشيطان، وكان هذا المنكر لها يزعم أنها إذا تليت عليها الآيات القرآنية يبطل عملها آيات من القرآن وينفث فتقف عن الدقات، فتبين أنه يملؤها ببصاقة فتقف، فإذا أزيل البصاق عن آلاتها الدقيقة تسير. ولما كان لكلامه أشد الوقع وأعظم التأثير على المخالفين، بعث اليه علماء أهل الجبيل يسألونه أن ينظر في اعتراض الملاحي على الشيخ صالح بن سالم، فإن كان الحق معه فالرجوع إلى الحق أحق وأولى من التمادي في الباطل، وإن كان الحق معهم فالمطلوب منه المناصرة والمساعدة، ولما أن نظر في حالة الفريقين ورأى حمل الملاحي عليهم وعلى شيخهم كما لا مبرر لفعله رد عليه كما شفى وكفى وبين

стр. 984

وفصل، وذلك لأن الشيخ صالحًا أكبر وأفضل من أن يرمى بأنه أخلد إلى الأرض واتبع هوى الأتراك ومن نحا نحوهم مستجلبًا مودتهم ولاهيًا بلذة العيش وطول الأمل، وقد امتدحه العلماء وأثنوا عليه. فمن ذلك ما قاله الشيخ صالح تشجيعًا له لما بعث المترجم قصيدة لآل فوزان تضمن الرد على أهل الزيغ والتحذير من سلوك سبل الجحيم، فقال الشيخ صالح بن سالم ين بنيان في مدح المترجم والثناء عليه والدعاء له لقيامه في نحور أعداء الله: فالله يجزيك الذي ترضى به ... من جنة المأوى مع الرضوان ويؤيد الإسلام دهرًا طائلًا ... ببقائك فينا يا أخا العرفان ويذل بالمنثور والمنظوم من ... إنشائك أهل الزيغ والطغيان أو ما علمت بأن هذا خير ما ... تلقاه في صحف لدى الميزان وكذا يسرك أن رأيت موسدًا ... تربًا وقد أدرجت في الأكفان فلقد أتى والله كل منافقٍ ... بقوارع زادت على الحسبان قعدوا يصدون العباد عن الذي ... خلقوا له من طاعة الرحمن وسعوا بهدم قواعد ما بعدها ... والله للإسلام من بنيان فجهادهم فرضٌ على كل امرءِ ... لا للكفاية بل على الأعيان هذا ولو قد قلت مختص بكم ... لندور من يسعى بهذا الشان لعذرتمونا عن ملامة لائم ... لمقالتي بالزور والبهتان إذ كان غيركم فإما خائفٌ ... أو عاجز أو من له الوصفان فاجعله ديدنك الذي لا تنتهي ... عن فعله مادمت ذا إمكان واقصد به وجه الإله واخلصن ... متمسكًا بحقيقة التكلان ودع المثبط عنك في قيد الهوى ... ما زال في تخويف ذا الشيطان هذا وأول قولتي وختامها ... هو رفع أيدينا بكل أوان أن لا تزال تذب عن دين الرسو ... ل وعسكر الإيمان والقرآن أما بقية مؤلفاته فمنها:

стр. 985

الجواب المنكي في الرد على الكفكي، كتاب إقامة الحجة والدليل، وإيضاح المحجة والسبيل على ما موه به أهل الكذب والمين من زنادقة البحرين. ومنها كشف الشبهتين عن رسالة يوسف بن شبيب والقصيدتين. ومنها الجواب المستطاب عما أورده الجاهل المرتاب المسمى بمتروك الجواب الفارق بين العمامة والعصائب. ومنها حل الوثاق في إحكام الطلاق، نبذة في الزيارة، وإرشاد الطالب إلى أهم المطالب، منهاج الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع. وكان له رسائل ونصائح وأجوبة، واشتهرت مؤلفاته بين الأمة، وكان شهمًا همامًا مقدامًا مجتهدًا، وما زال يحمل على أعداء الشريعة حتى أدحض حججهم وأرغم أنوفهم، وهتك أستارهم وأظهر أسرارهم وقوض أخبارهم، فهو قامع المبتدعين، وكاشف شبهات المشبهين والمبطلين، لأنه البليغ المصقع، والعالم النحرير البلتع، وأثنى عليه العلماء وباحوا بفضله وتقدمه، قال الشيخ حمود بن حسين الشغدلي: هو الألمعي الندب من فاض علمه ... فأقواله فينا تفوق الدراريا هو الشهم من يسمو المعالي بعدله ... فتلقاه عن داء الهوى متجافيا وذاك سليمان الذي ذاع فضله ... وصار لهذا الدين والله حاميا فلا زال فينا واطأ هامة العداء ... ولا زال محروسًا وللضدِّ راميا فكم من أخي جهل تردى برده ... وأصبح بعد العجب بالقهر عانيا وكم مستفيدٍ يطلب الرشد جاهدًا ... فأبدى له شمس الهدى في الدياجيا فجوزي بالإحسان والعفو والرضا ... على رغم أنف المعتدي والمعاديا وقال أيضًا الشيخ صالح بن سالم لما رأى ردًا له على بعض المعارضين مادحًا للمترجم وكيف أنه قائم على ثغرة المرمى يذود عن حمى الشريعة وأهلها: تصدى له قس الزمان وحبره ... سليمان من ينشي القريض بلا خجل ويرمي أخا الإلحاد في ثغر نحره ... ولا سيما أن فوق السهم وانتضل
следующие страницы →