٦٥١ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْح، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٦٤].
٦٥٢ - [١٢] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ: أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءَ الصُّبْح. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأِ". [ط: ١٥٤].
٦٥٣ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
رسول اللَّه ﷺ : (فلله الحمد)، فذلك أثبت.
٦٥١ - [١١] (أبو بكرة) قوله: (إلا ناداه بالصلاة) أي: أعلمه بها.
٦٥٢ - [١٢] (مالك) قوله: (فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح) الظاهر أن هذه السنة صارت متروكة في المدينة بعده ﷺ ، فأعلم المؤذن ذلك، ويحتمل أن عمر إنما قال ذلك إنكارًا على المؤذن في استعماله خارج الأذان، كما هو المشروع فيه، فمعنى جعله في نداء الصبح أن يستمر على جعله فيه، ولا يستعمله خارجه، كذا في شرح الشيخ. ومع ذلك ينبغي أن يقدر تركه في الأذان، وإلا فقد روي أنه ذكره بلال لرسول اللَّه ﷺ ، وأمره ﷺ أن يجعله في الأذان، فاستعماله خارج الصلاة وداخله معًا مشروع، وبما ذكر ظهر أنه ليس إنشاء أمر من عمر ﵁ ابتدعه كما توهم، بل كان سنة سمعه من رسول اللَّه ﷺ .
٦٥٣ - [١٣] (عبد الرحمن بن سعد) قوله: (مؤذن رسول اللَّه ﷺ ) صفة سعد الأخير، ويقال له: سعد القرظ بفتح القاف والراء بعدها ظاء معجمة، كان مؤذن
стр. 1017
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٧١٠].
* * *
٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
ــ
مسجد قباء.
وقوله: (عن أبيه عن جده) والضميران لأبي.
وقوله: (إنه أرفع لصوتك) ولقد قالوا في بيان سببية جعل الأصبعين في الأذنين لرفع الصوت أنه إذا سدّ صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع، فيتحرى في استقصائه كالأطروش، كذا قال الطيبي (١).
٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
اعلم أن فضل التأذين في نفسه كثير كما ذكر في الأحاديث، واختلف في أن الأذان أفضل أو الإمامة؟ والمختار أن من علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، ثم تكلموا في أن النبي ﷺ هل أذَّن بنفسه؟ وقد رُوِي: (أنه أذَّن في سفر وهم على رواحلهم) الحديث، وقد أولوا ذلك بأن المراد الأمر بالأذان، وجاء ذلك صريحًا في حديث الدارقطني أنه أمر بالأذان ولم يقل: (أذن)، والمفصَّل يقضي على المجمَل المحتمل، واللَّه أعلم.
ثم إجابة المؤذن واجبة، ويُكره التكلم عند الأذان، ولو تعدد المؤذنون في مسجد واحد فالحرمة للأول، ولو سمع الأذان من جهات وجب عليه إجابة مؤذن مسجده، ولو
стр. 1018
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٥٤ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٧].
ــ
كان في المسجد ولم يجب لم يكن آثمًا لحصول الإجابة الفعلية، فلا حاجة إلى الإجابة القولية، واختلفوا في قارئ القرآن يجيب أو لا يجيب؟ ونقل السغناقي: أن الأفضل أن يمسك ويجيب، وقيل: إن كان في المسجد مضى في قراءته.
الفصل الأول
٦٥٤ - [١] (معاوية) قوله: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا) قال عياض (١): الرواية فيه عندنا بفتح الهمزة جمع عُنق، فقيل: المراد أن الناس في الكرب وهم في الرَّوح، وقيل: معناه انتظارهم الإذن لهم في دخول الجنة وامتداد آمالهم وأعينهم وتطلعهم برؤوسهم وأعناقهم لذلك، وقيل: معناه الإشارة إلى القرب من كرامة اللَّه تعالى ومنزلته، وقيل: معناه أكثر الناس أعمالًا، يقال: لفلان عنق من الخير، وقيل: معناه أنهم يكونون رؤساء يومئذ، والسادة توصف بطول الأعناق.
وحكى الخطابي والهروي أن بعضهم رواه بكسر الهمزة، والإعناق: الإسراع، يريد إلى الجنة، انتهى.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وهذا قول غير معتدٍّ به روايةً ومعنى، انتهى. وفيه ما فيه، وبعد تسليم عدم اعتداده رواية فهو في معنى الوجه الذي رجحه فلا معنى لعدم الاعتداد معنى.
стр. 1019
٦٥٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِذا نُودِيَ للصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِي النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: . . . . .
ــ
٦٥٥ - [٢] (أبو هريرة ﵁) قوله: (إذا نودي للصلاة) إنما قال بهذه العبارة إشارة إلى علة الحكم.
وقوله: (أدبر الشيطان له ضراط) وفي رواية الأصيلي: (وله ضراط) بالواو، والجملة الاسمية تقع حالًا بالواو وبدونها، ويروى: (ضريط) كنهاق ونهيق، وهو ريح وصوت يخرج من الدبر، قال في (الفتح) (١): قال عياض: ويمكن حمله على ظاهره؛ لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره ونفرته، وفي رواية لمسلم: (له حُصاص) بمهملات مضموم الأول، فقد فسّره الأصمعي وغيره بشدة العدو.
وقال الطيبي (٢): شبّه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سمّاه ضراطًا تقبيحًا له، واللَّه أعلم.
وقال بعض العلماء: يشبه أن يكون المنع عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن من هذا المعنى لئلا يكون متشبهًا بالشيطان.
وقوله: (حتى إذا ثوب) المراد بالتثويب ههنا الإقامة كما مر.
وقوله: (حتى يخطر) أي: يحول ويحجز، يريد الوسوسة، أي: يسوِّل له الأماني
стр. 1020
اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٨، م: ٣٨٩].
ــ
ويحدثه الأحاديث، وهو بوزن يضرب، وأكثر الرواة على ضم الطاء، ومعناه المشي والسلوك، أي يدنو فيمر بين المرء وقلبه فيشغله، كذا في (مجمع البحار) (١). وفي (القاموس) (٢): خطر الرجل بسيفه ورمحه: رفعه مرة ووضعه أخرى، وفي مِشيته: رفع يديه ووضعه أخرى (٣)، ويجوز أن يكون من الخاطر بمعنى الهاجس، أي: سببًا للخواطر.
وقوله: (لما لم يكن يذكر) أي: لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله، وفي رواية لمسلم: (لما لم يكن يذكر من قبل)، ومن ثم استنبط أبو حنيفة -رحمة اللَّه عليه- للذي شكا إليه أنه دفن مالًا، ثم لم يهتد لمكانه أنه يصلي ويحرص على أن لا يحدث نفسه من أمر الدنيا، ففعل فذكر مكان المال في الحال، كذا في (فتح الباري) (٤).
وقوله: (حتى يظل) بفتح الظاء، أي: يصير، مضارع ظل من الأفعال الناقصة، ووقع عند الأصيلي: (يضل) بالضاد، أي: ينسى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
واختلفوا في السبب في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، ومن أحسن ما قيل فيه: إن على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف القرآن
стр. 1021
٦٥٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩].
ــ
والصلاة، فإن النفس تحضر فيها فيفتح الشيطان أبواب الوسوسة، بل عدم وقوع الوسوسة والرياء هو الدليل على تباعد الشيطان. وقيل: إن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها ولا ينقص منها، بل يقع على وفق الأمر فيفر من سماعها، وأما الصلاة فلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط فيتمكن الخبيث من المفرِّط، فلو قدر أن المصلي وَفَّى بجميع ما أمر به فيها لم يقربه، كذا في (الفتح) (١)، ويلزم منه أن من لحن في الأذان ولم يأت به كما هو قد لا يفر منه الشيطان، واللَّه أعلم.
٦٥٦ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن) المدى بفتح الميم والدال بمعنى الغاية، فيه سلوك طريقة البرهان وإثبات أنه إذا شهد من سمع الأخفى؛ لأن غاية الصوت يكون أخفى كان غيره بالشهادة أولى، أي: يشهد له بالإيمان والفضل والكرامة من سمع صوته من القريب والبعيد من الجن والإنس والحيوانات والنباتات والجمادات، ويؤيده ما في رواية ابن خزيمة (٢): (لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس) كما ذكر في (الفتح) (٣).
وقد يقال: المراد بقوله: (ولا شيء) الملائكة، وقيل: إن الملائكة داخلة في
стр. 1022
٦٥٧ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا،
ــ
الجن؛ لأنهم يَسْتَجِنُّونَ (١) من الأبصار، ولا يذهب عليك أنه إذا أريد بالشيء ما يشمل النباتات والجمادات ففي قوله: (يسمع) جمع بين الحقيقة والمجاز، اللهم إلا أن يثبت لها حقيقة السمع كالكلام والتسبيح، أو يحمل على عموم المجاز، ثم قيل: إن اللفظ عام، والمراد به خاص بالمؤمنين، فإن الكافر لا تقبل منه الشهادة، وفيه ما فيه.
٦٥٧ - [٤] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (إذا سمعتم المؤذن) ظاهره أن يقول ذلك حال سماع المؤذن، ولا يتقيد بفراغه، وكذا الحال في الذكر المذكور، لكنه يحتمل أن يراد من الأذان إتمامه؛ لأن المطلق يحمل على الكامل، فالمراد الوقت الموسع، أو المراد تأخير هذا الذكر عنه بدلالة (ثم)، ثم الأمر إما للوجوب، وبه قال الحنفية وابن وهب من المالكية خلافًا للجمهور، وخالف الطحاوي أصحابه [فوافق] الجمهور، كذا في (فتح الباري) (٢).
وقوله: (فقولوا مثل ما يقول) ظاهر في أنه يقول عند الحيعلتين إياهما دون الحولقة، فبهذا الطريق أيضًا يحصل الإجابة، إلا أن يقيد بقرينة الأحاديث الأخر.
وقوله: (فإنه من صلى علي صلاةً صلَّى اللَّه عليه بها عشرًا) هذا جزاء الصلاة على النبي ﷺ ثابت دائمًا، غير مختص بوقت استماع الأذان، ولا يخلو لفظ الحديث عن إشعار به، كأنه قال: هذا جزاء الصلاة علي دائمًا، فصلّوا علي في هذا الوقت؛
стр. 1023
ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ،
ــ
فإنه وقت شريف مبارك يستجاب فيه الدعاء، فإن قلت: كيف جاز أن تكون الصلاة على النبي ﷺ واحدة وعلى المصلي عشرًا؟ قلت: الوحدة قيد فعل المصلي، وهو التصلية لا الصلاة نفسها؛ فإنه لم يقل: اللهم صل عليه صلاة واحدة، بل دعا اللَّه وسأل منه أن يصلي عليه، ولعله سبحانه يصلي على حبيبه أكثر، وأكثر مما يشاء المصلي، ويجد جزاءه عشرًا بحكم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فافهم، أو تكون الصلاة الواحدة النازلة من جناب القدس على الحبيب المصطفى أفضل وأكمل وأتم من العشر الصلوات التي تصل إلى المصلي بمراتب لا تعدّ ولا تحصى.
وقوله: (ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة) والوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، قيل: ما يتقرب به إلى الكبير، وقال في (القاموس) (١): الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك، والدرجة والقرب، ووسّل إلى اللَّه توسيلًا: عمل عملًا يقرب (٢) إلى اللَّه تعالى كتوسَّل، انتهى. والمراد بما ورد في الحديث: القرب من اللَّه تعالى، وقد وقع في حديث مسلم هذا تفسيرها بـ (منزلة في الجنة)؛ لأن التوصل إليها يكون قريبًا من اللَّه سبحانه، فيكون كالقربة التي يتوصل بها إليه تعالى فيرجع إلى الأول، وكذلك في الحديث الآتي عن جابر ﵁.
وقول الطيبي (٣): أما الوسيلة المذكورة في الدعاء المروي [عنه] بعد الأذان فقيل:
стр. 1024
وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٣٨٤].
٦٥٨ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ،
ــ
هي الشفاعة، يشهد لها قوله في آخر الدعاء: (حلت له شفاعتي)، لا يخلو عن خفاء؛ لأن مضمون الحديثين واحد، وهو: من سأل له الوسيلة حلت له شفاعته ﷺ ، فما الفرق؟ ويمكن أن يحمل الوسيلة في الحديثين على حصول القرب والدرجة يحصل بها من القدر والعزة له ﷺ ما تيسر به الشفاعة، والمراد بـ (المنزلة في الجنة) المنزلة عند اللَّه تعالى، وإنما قال: (في الجنة)؛ لأن أثرها يظهر في مراتب الجنة ودرجاتها، فافهم.
وقوله: (وأرجو) تواضع وتأدب منه ﷺ للحضرة الإلهية، كقول الخليل ﵊: ﴿أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: ٨٢]، بل يحتمل أن يكون ذلك تيقنًا بالوقوع؛ لأن رجاء الحبيب لا يخيب.
وقوله: (أكون أنا هو) من إقامة الضمير المرفوع مقام المنصوب، والضمائر يستعار بعضها لبعض كقولهم: ما أنا كأنت، ويحتمل أن يكون الجملة خبرًا لـ (أكون).
٦٥٨ - [٥] (عمر) قوله: (قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه) يدل على تعيين
стр. 1025
ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٤].
٦٥٩ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ،
ــ
(لا حول ولا قوة إلا باللَّه) عند الحيعلتين، وما اشتهر عند بعض الناس من قولهم: (ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن) في الفلاح فلم نجد له أصلًا.
قال في (سفر السعادة) (١): ولم يثبت حديث في الجمع بين الحوقلة والحيعلة، ولا في الاقتصار على الحيعلة، انتهى. وأنت خبير بأن بعض هذا الحديث الصحيح يحكم بأن يقول ما قال المؤذن من غير ذكر الحوقلة في الحيعلتين، وظاهره الاقتصار على الحيعلة، وقد ذكر في بعض شروح (الحصن الحصين): وللحنابلة وجه في الجمع بين الحيعلة والحوقلة (٢)، واللَّه أعلم.
وقوله: (من قلبه) قيد في جميع ما مرّ، ويدل عليه حديث أبي هريرة في آخر الفصل الثالث: (وإذا قال: الصلاة خير من النوم قال: صدقت وبررت).
٦٥٩ - [٦] (جابر) قوله: (حين يسمع النداء) أي: بعد إتمامه وإكماله.
وقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، وفي (الفتح) (٣): زاد البيهقي: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة، والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ
стр. 1026
وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا. . . . .
ــ
الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد: (تامة)؛ لأن الشرك نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا اللَّه، كذا في (الفتح)، ولو ضم (محمد رسول اللَّه) لكان أحسن وأتم؛ لأن أتم القول هو المجموع.
وقوله: (والصلاة القائمة) إشارة إلى مضمون قوله: (حي على الصلاة)، وتلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة الدائمة، من قام على الشيء: إذا داوم عليه، فيكون بيانًا للدعوة التامة وتأكيدًا، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها، وهو الأظهر، كذا في (فتح الباري) (١).
وقوله: (والفضيلة) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون [منزلة أخرى، أو] تفسيرًا للوسيلة.
وقوله: (وابعثه مقامًا محمودًا) أي: يحمد القائم فيه، أي: ابعثه يوم القيامة، فأقمه مقامًا محمودًا، أو ضمَّن (ابعثه) معنى أقمه وأعطه.
وقال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير، فكأنه حكاية للفظ القرآن، و [قد جاء] في هذه الرواية بعينها من رواية علي بن عياش شيخ البخاري بالتعريف عند النسائي، وكذلك في (صحيح ابن خزيمة) وابن حبان، وفي الطحاوي والطبراني والبيهقي، كذا في (الفتح) (٢)، وتعقب البيهقي على من أنكر ذلك كالنووي.
стр. 1027
الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٤].
٦٦٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى الْفِطْرَةِ"، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
وقوله: (الذي وعدته) وزاد في رواية البيهقي: (إنك لا تخلف الميعاد)، وقوله: (الذي) إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى رواية التعريف الظاهر كونه صفة، والمراد بالمقام المحمود مقام الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش أو الكرسي، وهو أيضًا علامة الإذن في الشفاعة، ووقع في (صحيح ابن حبان): (يبعث الناس فيكسوني ربي حلةً خضراءَ، فأقول ما شاء اللَّه أن أقول، فذلك المقام المحمود)، والمراد بالثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، كذا في (الفتح) (١).
وقوله: (حلَّتْ) أي: استحقت ووجبت، أو نزلت عليه، من حلَّ يحُلُّ بالضم بمعنى نزل، واللام بمعنى على كما مرّ من رواية مسلم، ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود: (وجبت له).
اللهم صلّ وسلّم على هذا النبي الكريم العظيم سيد المرسلين وشفيع المذنبين، واجعلنا من زمرته وحزبه في الدنيا والدين، آمين يا رب العالمين.
٦٦٠ - [٧] (أنس) قوله: (يغير) من الإغارة، وهو الركض الشديد لإرادة القتل أو النهب.
وقوله: (على الفطرة) أي: أنت على فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها، فهذا
стр. 1028
"خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ". فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعزًى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٢].
٦٦١ - [٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّه رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنبُه". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٦].
٦٦٢ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ". . . . .
ــ
شهادة على إيمانه.
قوله: (خرجت من النار) تأكيد له، ومعناه: خرجت لإيمانك من استحقاق النار، أو إنك وإن عصيت ودخلت النار تخرج منها آخرًا.
وقوله: (راعي مِعْزى) بكسر الميم وسكون العين المهملة مقصورة، وقد يمد بخلاف الضأن، كذلك المعز بالفتح وبالتحريك، والماعز واحد المعز للذكر والأنثى، والجمع مواعز، وقرئ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] بسكون العين وفتحها.
٦٦١ - [٨] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ) هكذا لفظ الحديث، ويحتمل أن يقوله عند الشهادتين، أو بعد فراغ من الأذان، واللَّه أعلم.
٦٦٢ - [٩] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (بين كل أذانين صلاة) أكثرهم على أن المراد بالأذانين الأذان والإقامة، إما على التغليب، وإما على أن الأذان اسم لكل واحد
стр. 1029
ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٧، م: ٨٣٨].
ــ
من الأذان والإقامة حقيقة؛ لأن الأذان بمعنى الإعلام، والإقامة إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول وقتها، والمعنى بين كل أذان وإقامة صلاة نافلة، ونكِّرت ليتناول كل عدد أراده المصلي، كركعتين وأربع أو أكثر، ولا يستبعد ذلك إلا من يكره النافلة بين أذان المغرب وإقامتها كأبي حنيفة وأصحابه ﵏، وقد جاء في حديث البخاري (١) عن أنس أنه قال: (كان المؤذن إذا أذن للمغرب قام ناس من أصحاب النبي ﷺ يبتدرون السواري حتى يخرج النبي ﷺ وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب)، وزاد مسلم (٢): فيجيء الغريب فيحسب أن الصلاة قد صُلِّيت من كثرة من يصليهما، وظن بعضهم أنها كانت راتبة المغرب.
قال التُّورِبِشْتِي (٣): وإنما ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى كراهة النافلة قبل صلاة المغرب بحديث بريدة الأسلمي ﵁[أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إن عند كل أذان ركعتين ما خلا صلاة المغرب) (٤)، وقد روي عن النخعي أنه قال: ركعتان قبل المغرب بدعة، وقال]: (إن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ لم يصلوها) (٥)، وما رواه أنس وغيره من الصحابة فهو منسوخ، وكان في الأول حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فبين لهم بذلك وقت الجواز، وعن ابن عمر ﵄ قال: (ما رأيت يصليهما على
стр. 1030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عهد النبي ﷺ أحدًا) (١)، إشارة إلى نسخه من قبل رؤيته.
هذا، ولا يجوز حمل الحديث على ظاهره بأن يراد بالأذانين حقيقتهما؛ لأن الصلاة مفروضة بين أذاني وقتين، والحديث ناطق بالتخيير لقوله ﵊ في الثالثة: (لمن شاء)، وأيضًا لا فائدة معتدًا بها في هذا الحكم؛ لأنه قد علم بالضرورة فرضية الصلوات في الأوقات الخمس، وقال بعضهم: لا مانع من حمله على ظاهره؛ لأن تقديره: بين كل أذانين صلاة نافلة مع المفروضة.
وقيل: المراد بقوله: (صلاة) وقت الصلاة، والمقصود ينبغي أن يجعل بين الأذان والإقامة مقدار وقت صلاة، كما مر في الفصل الثاني من (باب الأذان) من حديث جابر ﵁: (واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل والشارب) الحديث، والبخاري ترجم الباب بقوله: (باب كم بين الأذان والإقامة)، ثم أورد هذا الحديث، وقيل: يحتمل أن يكون المراد الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة؛ لأن منتظر الصلاة في الصلاة.
وقال ابن الجوزي: فائدة هذا الحديث أنه يمكن أن يتوهم متوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أذن لها، فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز، كذا ذكر في (فتح الباري) (٢).
وهذه توجيهات ومحتملات بعيدة، والصواب أن المراد بيان أن مع كل فريضة نفلًا، وينبغي أن يصلي بينهما نافلة لشرف الوقت وكثرة الثواب، وأما الإشكال بالمغرب
стр. 1031
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٦٣ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي أُخْرَى لَهُ بِلَفْظِ "المصابيح". [حم: ٢/ ٤٦١، د: ٥١٧، ت: ٢٠٧، "مسند الشافعي": ٢٤١].
ــ
فجوابه القول بالنسخ فيها، أو أنها خصت من العموم بناء على ما قيل: إنهم كانوا يشرعون في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه، ومعنى قوله: (إذا أذن) شرع في الأذان، فافهم وباللَّه التوفيق.
الفصل الثاني
٦٦٣ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين) لا يفهم من هذا الحديث تفضيل الأذان على الإمامة، أو تفضيل الإمامة على الأذان، بل المقصود بيان حالهما، والدعاء لهما بالرشاد والمغفرة والتوفيق للعلم وصلاح الحال فيما تحملوا من الخير، وفرطوا فيه شيئًا، فالإمام ضامن ومتكفل ومتحمل أمر صلاة المقتدين، فيحمل القراءة عنهم، ويحمل القيام إذا أدركوا في الركوع، ويحفظ عليهم أفعال الصلاة وأعداد الركعات، والمؤذن أمين في محافظة الأوقات في الصلاة والصيام، وللعلماء اختلاف في فضل أحدهما على الآخر في الثواب ذكرناه في أول الباب، ولا شك أن منصب الإمامة أعلى وأجلّ وأعظم؛ لكونه خلافة عن رسول اللَّه ﷺ ، وأما الأذان فنوع من الخدمة والنصيحة للمسلمين، واللَّه أعلم.
وقوله: (وفي أخرى له) أي: للشافعي ﵀.
قوله: (بلفظ المصابيح) وهو: (الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء، فأرشد اللَّه
стр. 1032
٦٦٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِين مُحْتَسِبًا كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (١) وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٠٦، جه: ٧٢٧].
ــ
الأئمة، وغفر للمؤذنين).
٦٦٤ - [١١] (ابن عباس) قوله: (من أذن سبع سنين) العلم بتعيين هذه المدة موكول إلى علم الشارع، وكون السبع من الأعداد الكاملة التي عليها الوجود معلوم، واللَّه أعلم.
قوله: (محتسبًا) أي: طالبًا لوجه اللَّه وثوابه، من الحسب كالاعتداد من العدد، وإنما يقال لمن ينوي بعمله وجه اللَّه: احتسبه؛ لأن له أن يعتدَّ بعمله، والحسبة بالكسر: اسم من الاحتساب، وهو في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات البدار إلى طلب الأجر بالتسليم والصبر، وباستعمال أنواع البر طلبًا للثواب، وفي الحديث: (احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله كتب له أجره وأجر حسبته) (٢)، وفي (القاموس) (٣): الحسبة: الأجر، واسم من الاحتساب.
стр. 1033
٦٦٥ - [١٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ لِلْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٢٠٣، ن: ٦٦٦].
٦٦٦ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبَدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوْلَاهُ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَواتِ الْخَمْسِ فِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٨٦].
ــ
٦٦٥ - [١٢] (عقبة بن عامر) قوله: (يعجب ربك) أي: عظُم عنده ويرضى عنه، والظاهر أن الخطاب لرسول اللَّه ﷺ ، فالحديث قدسي، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون الخطاب عامًا من رسول اللَّه ﷺ لكل واحد من أمته، و (الشظية) بالظاء المعجمة على وزن القضية: قطعة مرتفعة من رأس الجبل، والفلقة من كل شيء.
قوله: (يخاف مني) يشعر بوجوب الأذان إذ الخوف بترك السنة من العتاب، خصوصًا مثل هذه السنة التي هي من شعار الإسلام حتى قالوا: ينبغي للإمام أن يقاتل أهل البلدة التي تركوا الأذان.
٦٦٦ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (على كثبان المسك) الكثيب التل من الرمل، والجمع أكثبة وكثب وكثبان، من الكثب بمعنى الجمع والاجتماع.
قوله: (وهم به راضون) لعلمه وورعه ورعاية الأركان والآداب وصحة قراءته وحسن صوته.
وقوله: (ورجل ينادي بالصلوات الخمس كل يوم وليلة) ظاهر لفظ الحديث دال
стр. 1034
٦٦٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسُ وَعِشْرُونَ صَلَاةً،
ــ
على أن الثواب المذكور يترتب على استمرار الثداء ودوامه، وأما الإمامة فيكفي وجودها ولو مرة، واللَّه أعلم. وقال الطيبي (١): وصف المؤذن بالفعل المضارع تصويرًا لفعله واستحضارًا له في ذهن السامع واستعجابًا منه.
٦٦٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (المؤذن يغفر له مدى صوته) المدى بالفتح: هو الغاية، أي: يَسْتَكْمِل مغفرة اللَّه إذا استَنْفَدَ وسْعَه في رَفعْ صوته، فبلغ الغاية في المغفرة إذا بلغ الغاية في صوته، وقيل: هو تمثيل، أراد أن مكانًا ينتهي إليه الصوت لو قدِّر أن يكون بين أقصاه ومكان المؤذن ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها اللَّه، كذا في (النهاية) (٢) ويستشهد للأول برواية (مد صوته)، أي: بقدر مده.
وقوله: (ويشهد له) قد علم معناه في الفصل الأول، و (كل رطب ويابس) وإن كان ظاهرًا في النباتات لكنه كناية عن كل شيء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] فيوافق ما مرّ.
وقوله: (وشاهد الصلاة) أي: الذي يحضر صلاة الجماعة المسببة عن الأذان، فهو في الحقيقة إشارة إلى سبب مزيد الفضل للمؤذن والمغفرة له أيضًا، لكون الأذان سببًا له.
وقوله: (يكتب له خمس وعشرون صلاة) وهو كقوله ﷺ : (صلاة الجماعة
стр. 1035
وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: "كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ". وَقَالَ: "وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى". [حم: ٢/ ٤١١، د: ٥١٥، ن: ٦٤٥، جه: ٧٢٤].
٦٦٨ - [١٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّه! اجْعَلنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ٢١٧، د: ٥٣١، ن: ٦٧٢].
ــ
تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)، وسيجيء في (باب الجماعة) ويعلم هناك -إن شاء اللَّه تعالى- وجه تخصيص هذا العدد.
وقوله: (ويكفر عنه ما بينهما) أي: ما بين الصلاتين اللتين شهدهما.
قوله: (وله) أي: للمؤذن. (مثل أجر من صلى) باعتبار بعثه ودلالته عليها، والدال على الخير كفاعله، وقد يفهم من هذا كون المؤذن أفضلَ من المصلي لزيادة أجر أذانه، فليتدبر.
٦٦٨ - [١٥] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (واقتد بأضعفهم) أي: افعل ما يناسب حاله من تخفيف الصلاة، عبَّر بالاقتداء للمشاكلة وحثًّا على المبالغة في الموافقة.
وقوله: (لا يأخذ على أذانه أجرًا) أخذ المؤذن الأجر على أذانه وتعيينه إياه مكروه عند أكثر العلماء، والظاهر أن يكون حكم الإمامة كذلك، بل أشد، والعادة قد جرت باستئجار المؤذنين، فلهذا خص بالذكر، واللَّه أعلم.
стр. 1036
٦٦٩ - [١٦] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقُولَ عِنْد أَذَانِ الْمَغْرِبِ: "اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ لِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". [د: ٥٣٠، "الدعوات الكبير": ٣١٨].
٦٧٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ : أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَقَامَهَا اللَّه وَأَدَامَهَا"، وَقَالَ فِي سَائِرِ الإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الأَذَانِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٨].
٦٧١ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٥٢١، ت: ٢١٢].
ــ
٦٦٩ - [١٦] (أم سلمة ﵂) قوله: (وأصوات دعاتك) وفي رواية بزيادة: (وحضور صلاتك).
قوله: (فاغفر لي) وفي رواية: (أسألك أن تغفر لي).
٦٧٠ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (وقال في سائر الإقامة) أي: باقي ألفاظ الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، أي: يقول ما يسمع.
٦٧١ - [١٨] (أنس) قوله: (لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة) سواء كان متصلًا بالأذان أو متراخيًا، والأولى أن يدعى متصلًا ليوافق كونه عند النداء كما في الحديث الآتي.
стр. 1037
٦٧٢ - [١٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا" وَفِي رِوَايَةٍ: "وَتَحْتَ الْمَطَرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "وَتَحْتَ الْمَطَرِ". [د: ٢٥٤٠، دي: ١٢٠٠].
ــ
٦٧٢ - [١٩] (سهل بن سعد) قوله: (أو قلما تردّان) يحتمل أن يكون (أو) للشك من الراوي، والقلة كناية من العدم، أو للتنويع، واللَّه أعلم.
وقوله: (وعند البأس) بالموحدة مهموزًا: الشدة في الحرب، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (حين يلحم بعضهم بعضًا) لَحَمَهُ: قَتَلَهُ، وقيل: قرب منه حتى لزقه، من التحم الجرح: إذا التزق، وقيل: لَحَمَهُ أي: ضربه، والملحمة: الحرب، وموضع القتال، وجمعه الملاحم، أخذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها، كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: من اللحم؛ لكثرة لحوم القتلى فيها، ويقال: ألحم الرجل، واستلحم: إذا نشب في الحرب فلم يجد مخلصًا، وألحمه القتال ولحمه: إذا لزمه وغشيه، فظهر بما ذكرنا أن قوله: (حتى يلحم) يجوز أن يكون بفتح الياء والحاء، وبضم الياء وكسر الحاء، من اللحم أو الإلحام، وقد ضبط بهما، والأول أكثر.
قوله: (تحت المطر) الظاهر أنه بدل قوله: (وعند البأس) لقوله: (ثنتان لا تردان)، ثم ظاهر قوله: (تحت المطر) أن يكون المطر واقعًا عليه، ولكن فسروه بوقت نزول المطر؛ لأنه وقت الرحمة والبركة.
стр. 1038
٦٧٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٧٤ - [٢١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ". قَالَ الرَّاوِيُّ: وَالرَّوْحَاءُ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٣٨٨].
ــ
٦٧٣ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (يفضلوننا) من نصر وعلم، أما فَضِلَ كَعَلِمَ، يفضُل كينصر: فمركبة منهما، كذا في (القاموس) (١).
قوله: (فإذا انتهيت فسل تعط) وفي شرح الشيخ: الظاهر أن هذا زيادة على جواب السؤال، فإن قوله: (قل كما يقولون) أفاد أن به يقرب من ثواب المؤذن، ثم نبّهه على أمر يشترك فيه المؤذن والمجيب وغيرهما، وهو استجابة الدعاء من كل من دعا بين الأذان والإقامة، انتهى. وكتب في (بعض الحواشي): أنه إشارة إلى مزيد فضل على المؤذن، يعني إن لم ياع المؤذن وأنت تدعو زدت فضلًا عليه.
الفصل الثالث
٦٧٤ - [٢١] (جابر) قوله: (حتى يكون مكان الروحاء) أي: يبعد فيكون في مكان الروحاء من المدينة، أي: يبعد كبعده، والروحاء بفتح الراء: موضع بين الحرمين الشريفين على ثلاثين أو أربعين ميلًا من المدينة، في (مشارق الأنوار) (٢):
стр. 1039
٦٧٥ - [٢٢] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ مُؤَذِّنُهُ، حَتَّى إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَلَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٩١ - ٩٢].
٦٧٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجنَّةَ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٦٧].
٦٧٧ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: "وَأَنَا وَأَنَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٦].
ــ
الروحاء بفتح الراء ممدود: بينه وبين المدينة نحو أربعين ميلًا، وفي (كتاب مسلم): على ست وثلاثين ميلًا، وفي (كتاب ابن أبي شيبة): ثلاثون ميلًا.
٦٧٥ - [٢٢] قوله: (وعن علقمة بن وقاص) بتشديد القاف، الليثي المدني، ثقة ثبت، من كبار التابعين.
٦٧٦ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (من قال مثل هذا يقينًا دخل الجنة) يدل سوق الحديث على فضل المجيب، وفي لفظ (مثل) إشارة إلى فضل المؤذن أيضًا؛ لأنه إذا كان ذلك حال مثله فحاله كذلك.
٦٧٧ - [٢٤] (عائشة ﵂) قوله: (قال: وأنا وأنا) قال الطيبي (١): عطف على
стр. 1040
٦٧٨ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً،
ــ
قول المؤذن: (أشهد) على تقدير العامل لا الانسحاب (١)، انتهى. لعله هرب من عطفه على الضمير المتصل بدون التأكيد، وأيضًا لا معنى على عطفه على المستكن في (أشهد) المذكور في كلام المؤذن، فافهم.
٦٧٨ - [٢٥] (ابن عمر) قوله: (من أذن ثنتي عشرة سنة) قد سبق في (الفصل الثاني) (من أذن سبع سنين)، ويجيب الكرماني في أمثال هذا بأن العدد الكثير لا ينافي القلة، فتدبر. ولعله أوحي أولًا اثنتا عشرة سنة، ثم وسع الفضل فأوحي سبع، ويمكن أن يقال: لعل جزاء التأذين سبع سنين كتابة براءة من النار، وهي كناية عن وجوب الجنة، وزيد ههنا كتابة ستين حسنة عليها لزيادة العدد.
وقوله: (في كل يوم) الظاهر أن هذا أجر أذان اليوم، وهي خمس مرات، وقال الطيبي (٢): أي: بتأذينه كل مرة في كل يوم، حكاه عن (شرح السنة).
وقوله: (ستون حسنة) قد عرف أن العلم بالعدد موكول إلى علم الشارع، ولا يوافق ذلك حساب الحسنة بعشر أمثالها، نعم لو عدت كلمات الأذان بإسقاط المكرر بقيت ستة، لكن كلمات الإقامة كذلك بل أزيد، ثم يدل هذا الحديث على شفع الأذان وإيتار الإقامة، وتأويله ما مر من أنه يمكن أن يكون باعتبار إيتار الصوت والحدر بها كما مر.
стр. 1041
وَلِكُلِّ إِقَامَة ثَلَاثُونَ حَسَنَةً". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٧٢٨].
٦٧٩ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ في "الدعوات الكبير". [٣١٩].
* * *
٦ - باب فيه فصلان (١)
* الْفَصْل الأَوَّل:
٦٨٠ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"،
ــ
وقوله: (ولكل إقامة ثلاثون) الظاهر أنه كلام مبتدأ، ويحتمل أن يكون داخلًا تحت (كتب)، فافهم.
٦٧٩ - [٢٦] (وعنه) قوله: (عند أذان المغرب) قد سبق أن الدعاء بعد كل أذان مستحب، ولعله بعد أذان المغرب أوكد وأوجب لاتصال الإقامة بالأذان، قال الطيبي (٢): ولعل هذا الدعاء هو ما مرّ في الحديث السابع من (الفصل الثاني).
٦ - باب في متممات ولواحق لما سبق في البابين
الفصل الأول
٦٨٠ - [١] (ابن عمر) قوله: (حتى ينادي ابن أم مكتوم) يدل على أنه هناك
стр. 1042
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصبَحْتَ أَصبَحْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٧، م: ١٠٩٢].
٦٨١ - [٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ. [م: ١٠٩٤، ت: ٧٠٦].
ــ
مؤذنان، أحدهما يؤذن قبل الفجر وآخر بعد الفجر، ويحتمل أن يكون الحال على ذلك في رمضان، كان أحدهما يؤذن وقت السحور والآخر للصلاة، وأخذ منه الشافعية أنه يسن للصبح مؤذنان، مؤذن واحد قبل الفجر من نصف الليل الثاني، والآخر بعد الفجر في أول الوقت كما ذكر في (شرح الشيخ).
وقوله: (حتى يقال له: أصبحت أصبحت) ويستشكل هذا بأنه لما كان يؤذن بعد وجود الصبح وإخبار الناس إياه به كيف جاز الأكل والشرب إلى ذا الحين؟ ويجاب بأن المراد قاربت الصبح، يقال ذلك مبالغة، أو المراد [لا] ينادي حتى يتحقق الصبح، ويؤكل ويشرب قبيل ذلك.
٦٨١ - [٢] (سمرة بن جندب) قوله: (ولا الفجر المستطيل) فهو البياض الذي يبدو مثل الخط الطويل من المشرق إلى جانب المغرب يقال له: ذنب السِّرحان، والصبح الكاذب، ثم يضمحل سريعًا ويتبدل بالظلمة، وله سبب لا يخلو بيانه عن عسر مذكور في كتب الهيئة، ويعدّ ذلك من مشكلات ذلك الفن.
وقوله: (ولكن الفجر المستطير) أي: المنتشر ضوؤه المعترض في نواحي السماء.
وقوله: (رواه مسلم ولفظه للترمذي) يتضمن اعتراضًا على صاحب (المصابيح)
стр. 1043
٦٨٢ - [٣] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُويرِثِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَابْنُ عَمِّ لِي، فَقَالَ: "إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنا وَأَقِيْمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٨].
٦٨٣ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣١، م: ٦٧٤].
٦٨٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَةً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ،
ــ
واعتذارًا عنه أيضًا.
٦٨٢ - [٢] (مالك بن الحويرث) قوله: (فأذنا وأقيما) أي: يؤذن ويقيم أحدكما، أي: فليقع الأذان والإقامة بينكما.
وقوله: (وليؤمكما) أي: ليكن إمامًا (أكبركما) ولعلهما كانا متساويين في العلم والقراءة والورع، أو المراد أكبركما في الفضل.
٦٨٣ - [٤] (وعنه) قوله: (فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) فيه إشعار بأن المؤذن والإمام من الجماعة مؤذن وإمام لنفسه أيضًا باعتبار وقوع الأذان والإمامة بينهم، وحصول ثواب ذلك لهم أجمعين، وبأن الأذان لا تشترط فيه الأفضلية.
٦٨٤ - [٥] (أبو هريرة ﵁) قوله: (حين قفل) أي: رجع، يطلق القافلة على الرفقة الراجعة والمبتدئة أيضًا في السفر، تفاؤلًا في الرجوع. و (الكرى) النعاس، وأعرس القوم: نزلوا في آخر الليل للاستراحة كعرَّسوا، وهذا أكثر، كذا في
стр. 1044
وَقَالَ لِبِلَالٍ: "اكلأ لَنَا اللَّيْلَ". فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَجِّهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيْ بِلَالُ"، فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ،
ــ
(القاموس) (١). وكلأه كمنعه، كَلْئًا وكلاءةً وكلاءً بكسرهما: حرسه.
وقوله: (موجه الفجر) حال من ضمير (استند)، وفي لفظ آخر: (وهو موجه قبل المشرق)، وموجه بكسر الجيم، أي: موجه راحلته إلى الفجر، والمراد من توجيه الراحلة إلى الفجر إناخته بحيث يكون ﵁ بالاستناد إليه متوجهًا إلى الفجر، فافهم.
وقد يجعل (موجه) بمعنى متوجه، وكأنه من وجه بمعنى توجه كقدَّم بمعنى تقدَّم، وقد ضبط في نسختنا بفتح الجيم أيضًا، والراحلة: البعير القوي على الأسفار والأحمال، ويستوي فيه الذكر والأنثى، وهاؤه للمبالغة، وغلبة العين كناية عن النوم بلا اختيار.
وقوله: (فلم يستيقظ رسول اللَّه ﷺ ) استشكل هذا بأنه كان تنام عيناه ولا ينام قلبه، فَلِمَ لم يدرك الطلوع؟ وأجيب بأن إدراك الطلوع والغروب إنما هو فعل العين، فإن قلت: المدرك بالعين إنما هو الطلوع بطريق الإحساس، ولم لم يحصل العلم بالقلب بطريق الكشف كما يعلم المنجم بالحساب؟ قلنا: لو جعل ذلك لحصل بالوحي، ولم يوح إليه في ذلك لحكمة التشريع.
وقوله: (ففزع رسول اللَّه ﷺ ) أي: من فوات الصبح. (فقال: أي بلال)، أي: لِمَ
стр. 1045
قَالَ: "اقْتَادُوا" فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى. . . . .
ــ
نِمْتَ حتى فوتنا الصبح؟ ولم يذكر هذا لظهوره وللدهشة وفظاعة ذكره وللتحير في وقوع هذا الأمر.
وقوله: (قال: اقتادوا) أمر من القَوْد، وهو جَرّ حبل البعير، والاقتياد افتعال منه، والقود يكون من الأمام كالسَّوْق من الخلف.
وقوله: (فاقتادوا) فعل ماض.
وقوله: (شيئًا) أي: اقتيادًا قليلًا حتى خرجوا عن ذلك الوادي ونزلوا قريبًا.
واختلفوا في سبب الخروج عن ذلك المكان، فمن لم يجوز قضاء الفائتة في الوقت المنهي قال: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس، ومن جوز قال: لأن به شيطانًا كما ورد في رواية أخرى، وفي القول الأول نظر؛ لأنه قد ورد: حتى ضربتهم الشمس، وذلك إنما يكون بعد الطلوع والارتفاع، لا وقت الطلوع بحيث يكون نصف الشمس تحت الأفق ونصفها فوقه، كما وقع في الحديث: (حتى إذا طلع حاجب الشمس)، وأيضًا لو كان الغرض ارتفاع الشمس وخروجها عن وقت الطلوع لكفى التوقف، ولم يحتج إلى الاقتياد والخروج من الوادي، فلا بد من علة أخرى للخروج لا سيما وقد ورد في الحديث بيان سبب الخروج من قوله: (إن هذا واد به شيطان).
وقوله: (وأمر بلالًا فأقام الصلاة) في (شرح الشيخ): ظاهره أن الفائتة لا يؤذن لها، وهو مذهب الشافعية، وقال في (الهداية) (١): إن النبي ﷺ قضى الفجر في غداة
стр. 1046
قَالَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " [طه: ١٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٠].
ــ
ليلة التعريس بأذان وإقامة، وهو حجة على الشافعي ﵀ في اكتفائه بالإقامة، وفي (شرح ابن الهمام) (١): أي: في اكتفائه بها في أحد قوليه، وفي الآخر لا، ولا، انتهى، أي: لا أذان ولا إقامة.
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): روى مسلم في حديث طويل عن أبي قتادة في قصة التعريس: ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول اللَّه ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما صنع كل يوم، وفي (سنن أبي داود) وغيره: أنه ﷺ أمر بلالًا بالأذان والإقامة حين ناموا عن الصبح وصلوها بعد ارتفاع الشمس، من رواية أبي هريرة وعمرو بن أمية الضمري وعمران بن حصين وغيرهم ﵃.
وروى مالك في (الموطأ) عن ابن المسيب مرسلًا، وذكر فيه الأذان، ومراسيل ابن المسيب مرفوعة عند الشافعي، وما جاء من مسلم في القصة: وأمر بلالًا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، لا ينافي أنه أذن، فكيف وقد صح؟ وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف بإسناده إلى رسول اللَّه ﷺ : حين شغلهم الكفار: (قضاهن بأذان وإقامة)، يعني أربع صلوات، انتهى.
أقول: وفيما روي عن أبي يوسف ﵀ جواب عما ذكر في (شرح الحاوي) (٣) في مذهب الشافعي ﵀: إن يوم الخندق قضاهن بغير أذان، وروى السغناقي: قضاهن بغير أذان وإقامة، وما قالوا: إن الأذان شرع لإعلام الناس بدخول
стр. 1047
٦٨٥ - [٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٧، م: ٦٠٤].
٦٨٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوْهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوْهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٠٨، م: ٦٠٢].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ. . . . .
ــ
الوقت وللدعاء إلى الاجتماع، وكلا الأمرين لا يحتاج إليه في الغاية، فجوابه شرع لهذا وشرع أيضًا لتحصيل الثواب بذكر هذه الكلمات، ألا يرى أن المنفرد الأفضل له أن يؤذن ويقيم.
٦٨٥ - [٦] (أبو قتادة) قوله: (فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت) قال الفقهاء: يقومون عند قوله: حي على الصلاة، ولعله ذلك عند حضور الإمام، ويحتمل أنه ﷺ كان يخرج عند هذا القول، وقال الطيبي (١): فيه دليل على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام، ثم ينتظر خروجه، وفيه تأمل.
٦٨٦ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فلا تأتوها تسعون) فإن قلت: المسارعة إلى الخير مرغوب ومأمور به لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية؟ [آل عمران: ١٣٣]، فجوابه أن المسارعة أن يتهيأ قبل ذلك لا أن يقصر ويجلس، ثم إذا حان وقت الإقامة يسرع ويعدو، فإن ذلك يفوت ما أمر به من التزام السكينة والوقار، هذا وقد نقل عن بعض العلماء أنه إن خاف فوت التكبيرة الأولى يسرع بل يهرول، وجاء في ذلك أثر عن ابن عمر ﵄.
стр. 1048
فَهُوَ فِي صَلَاةٍ". وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٨٧ - [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ، فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ فَقَدْ (١) فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: "إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ". فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ لِلصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ،
ــ
وقوله: (فهو في صلاة) كأن التنكير للنوع، أي: هو في نوع من الصلاة، وهي الصلاة الحكمية التي تحصل له بالقصد إليها، وإن لم يكن في تلك الصلاة التي يصلي، فافهم.
الفصل الثالث
٦٨٧ - [٨] (زيد بن أسلم) قوله: (بطريق مكة) قال في الحديث السابق: (حين قفل من غزوة خيبر) فكان في طريق المدينة، ولعل القضية متعددة، أو كان من وهم الراوي، واللَّه أعلم.
وقوله: (أن يركبوا) وفي الحديث السابق: (قال: اقتادوا).
وقوله: (أو يقيم) شك من الراوي، أو للتخيير، والأول أظهر.
стр. 1049
ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا". ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ لَم يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ"، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. ["الموطأ": ٢٦].
٦٨٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٧١٢].
* * *
ــ
وقوله: (في حين غير هذا) أي: يردها إلينا قبل هذا الوقت.
وقوله: (يهدئه) بضم الياء، أي: يسكنه عن التحرك، في (القاموس) (١): هَدَأَ كَمَنَعَ هدءًا وهُدُوءًا: سَكَنَ.
٦٨٨ - [٩] (ابن عمر) قوله: (معلقتان) قال الطيبي (٢): هو صفة (خصلتان)، و (للمسلمين) خبر، و (صيامهم وصلاتهم) بيان للخصلتين، لا شك أن المتبادر أن قوله: (معلقتان) خبر، وأما نكارة المبتدأ فقد تكلمنا مرارًا أن المدار على الإفادة كما
стр. 1050
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
ــ
ذكره الرضي (١)، ثم بعد ما اختاره الظاهر أن يجعل الخبر قوله: (صيامهم)، ولكن تعريف الخبر مع نكارة المبتدأ مستهجن عندهم، فالأحسن جعل (صيامهم) مبتدأ، و (خصلتان) خبرًا مقدمًا عليه، كما لا يخفى.
٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة
(المساجد) جمع مسجد، وهو من الألفاظ التي تجيء على مَفْعِلٍ بكسر العين على خلاف القياس، ويجوز الفتح أيضًا، فإن القياس في مفعل من باب نصر اسمًا كان أو مصدرًا من غير الناقص والمثال، فإنه من الأول بفتح العين، ومن الثاني بكسرها، مطلقًا فتح العين، إلا في أحد عشر لفظًا: المنسك والمجزر والمنبت والمطلع والمشرق والمغرب والمسقط والمسكن والمرفق والمسجد والمحشر، فإنها تجيء بكسر العين شذوذًا، ويجوز الفتح على القياس وإن لم تسمع، وما كان من باب ضرب يضرب فالموضع بالكسر، والمصدر بالفتح، نزل مَنْزَلًا بالفتح، أي: نزولًا، وهذا منزله بالكسر، أي: موضع نزوله، كذا في (القاموس) (٢).
والفقهاء قد يفرقون، فبالفتح يستعملون بمعنى مكان وضع الجبهة، وبالكسر بمعنى المكان المبني للصلاة، وقد يجيء المسجد بالفتح بمعنى الجبهة، والمساجد: الأعضاء السبعة التي يسجد عليها.
وقوله: (ومواضع الصلاة) يريد بها الأمكنة التي تكره فيها الصلاة أو لا تكره، كما سيأتي من الأحاديث.
стр. 1051
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٨٩ - [١] ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: "هَذِه الْقبْلَةُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٨].
٦٩٠ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. [م: ١٣٣٠].
ــ
الفصل الأول
٦٨٩ - ٦٩٠ - [١ - ٢] (ابن عباس، وأسامة بن زيد) قوله: (لما دخل النبي ﷺ البيت) زعم جماعة من العلماء أن ذلك كان في حجة الوداع حتى قالوا: إن الدخول في البيت من سنن الحج، والجمهور على أنه كان في فتح مكة، قالوا: وهو الصواب، والأحاديث والآثار دالة عليه، والبخاري أورد حديث الدخول في (كتاب الصلاة) ساكتًا عن كونه في الحج أو الفتح، وأورده في (كتاب الحج) من غير أن يكون فيه ما يدل على كونه فيه، سوى أنه أورده في بابه، وأورده في غزوة الفتح عن ابن عباس وابن عمر، وفيه تصريح بأنه كان يوم الفتح، وأورده مسلم أيضًا في (كتاب الحج) عن ابن عمر وعن ابن عباس وعن أسامة ﵃، ولكن بعض الأحاديث الموردة فيه ناطقة بكونه في الفتح، وبعضها مطلقة.
وقوله: (دعا في نواحيه) أي: زواياه.
وقوله: (في قبل الكعبة) أي: مقابلتها وما استقبل منها، وهو وجهها الذي فيه الباب، والقبل نقيض الدبر بضمتين، وضمة وسكون، والأول أفصح.
وقوله: (هذه القبلة) معناه: أن أمر القبلة قد استقر على التوجه إلى هذا البيت استقرارًا لا يزيله النسخ، وليس معناه أن القبلة إنما هي هذه الجهة مقابلة البيت لا الجهات
стр. 1052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأخر، وهو ظاهر، ولا أنه يجب أن يتوجه إلى البيت من خارج، حتى لا تجوز الصلاة داخل البيت، إما الفرض كما ذهب إليه مالك وأحمد في رواية، وإما مطلقًا كما حكي عن محمد بن جرير.
ثم قد اختلفت الرواية في صلاته ﷺ داخل البيت، فروى أسامة وابن عباس عنه أنه لم يصل، وروى بلال وابن عمر عنه أنه قد صلى، ورجح رواية بلال؛ لأنه مثبت، وخبر أسامة ناف، وخبر المثبت مقدم؛ لأنه معه زيادة علم، كما تقرر في أصول الفقه، ويشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، وقام كلٌّ في ناحية، واشتغل بالدعاء في ناحية، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه ﷺ ، فرأى بلال صلاته لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، وكانت صلاته ﷺ خفيفة، والباب مغلق.
قال في (المواهب اللدنية) (١): وأقرب ما قيل في الجمع أنه ﷺ صَلَّى في الكعبة لما غاب [عنه] أسامة من الكعبة لأمرٍ ندبه إليه، وهو أن يأتي بماء يمحو به الصور التي كانت في الكعبة، فأثبتها بلال لرؤيته لها، ونفاها أسامة لعدم رؤيته، ويؤيده ما رواه أبو داود الطيالسي عن أسامة بن زيد قال: (دخلت على رسول اللَّه ﷺ [في الكعبة] فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به فجعل ﷺ يمحوها)، ورجاله ثقات، انتهى. هذا وقد نقل صاحب (المواهب) عن أحمد والطبراني من حديث ابن عمر: أن أسامة أخبره أن النبي ﷺ صَلَّى في الكعبة، والجمع بينه وبين خبر ابن عباس عن أسامة ﵃ بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على خبر غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه؛ لكونه لم يره حين صلّى، ويكون ابن عمر ﵄ ابتدأ بلالًا بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات في
стр. 1053
٦٩١ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُوديْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٥، م: ١٣٢٩].
٦٩٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا. . . . .
ــ
مكان الصلاة، فسأل أسامة ﵁ أيضًا.
٦٩١ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر ﵄) قوله: (الحجبي) بفتح الحاء والجيم وبموحدة، منسوب إلى الحجبة جمع حاجب كطلبة جمع طالب، أي: حجبة بيت اللَّه، وهم أهل مفتاح الكعبة، وفي أخذه ﷺ المفتاح منه ثم إعطائه إياه لنزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، قصة مشهورة، والآن يقال لهم: الشيبيون نسبة إلى شيبة أخي عثمان، وعثمان لم يكن له خلف، فأعطى المفتاح لأخيه شيبة عند وفاته.
وقوله: (فأغلق) الضمير إما للنبي ﷺ بمعنى أمر به، أو لبلال ﵁، والظاهر بحسب المعنى أن يكون لعثمان بن طلحة، وإن كان بعيدًا من جهة اللفظ، وفي رواية: (فأغلقاها) بضمير التثنية.
وقوله: (كان البيت يومئذ على ستة أعمدة) وهو الآن على ثلاثة أعمدة، وسبب ذلك مذكور في (تاريخ مكة) للفاكهي.
٦٩٢ - [٤] (أبو هريرة ﵁) قوله: (صلاة في مسجدي هذا) أخذ النووي من
стр. 1054
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٠، م: ١٣٩٤].
ــ
هذه العبارة أن المضاعفة فيه خاصة بما كان مسجدًا في حياته ﷺ لا بما زيد بعد حياته، يعني أن الإشارة بـ (هذا) تفيد ذلك، والمختار عند الجمهور أن الحكم بالمضاعفة يشتمل ما زيد عليه، فقد ورد (لو مدّ هذا المسجد إلى صنعاء اليمن كان مسجدي)، وقال عمر ﵁: (لو مدّ مسجد رسول اللَّه ﷺ إلى ذي الحليفة لكان فيه)، وأيضًا قيام عمر وعثمان ﵄ في الصلاة في الزيادة يدل على ذلك، وإلا لم يتصور ترك إدراك الفضيلة.
وقال ابن تيمية: لم يظهر من أحد من السلف والخلف خلاف في ذلك، نعم مقام رسول اللَّه ﷺ أعظم وأفضل من سائر المقامات، انتهى. ولعل مقصوده المبالغة في الرد على من يخالف في ذلك، وقد نقل المحب الطبري رجوع النووي من تلك المقالة، كذا في تاريخ السمهودي، ولا يخفى ضعف ما تمسك به النووي، فإن الظاهر أن إتيان اسم الإشارة للتميز والتعظيم، ويحتمل أن يكون احترازًا عن مسجد قباء.
ثم لا يخفى أن الحكم في غير الصلاة من العبادات كذلك في المضاعفة، وقد روى ذلك البيهقي عن جابر، كذا ذكر في (فتح الباري) (١).
وقوله: (خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) الاستثناء يحتمل احتمالات متعددة، والذي يظهر من الأحاديث الواردة في الباب أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل الصلاة في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فقد ورد أن الصلاة في مسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وحمله المالكية على أن الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بأقل من ألف؛ لأن مذهبهم أن المدينة أفضل من مكة، وللقائلين بأفضلية المدينة
стр. 1055
٦٩٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: . . . . .
ــ
أن يقولوا: الأفضلية لا تنحصر في مضاعفة الثواب، هب أن الصلاة بالمسجد الحرام مضاعفة، ولكن أنواع الكرامات والبركات من محبة اللَّه ورسوله ومنافع الإسلام وأهله مخصوصة بالمدينة، وأيضًا المضاعفة هي كثرة الكمية، ويحتمل أن الكيفية من البركة والعظمة تكون أعظم وأرجح في المدينة، وكثرة الكمية لا تستلزم الأفضلية كاللؤلؤ الواحد أفضل وأشرف وأحسن ذاتًا من ألف فلس، وإن كثرت كمية، ولعل البركة والقبول في عمل واحد الذي يحصل من مجاورة القبر الشريف يكون أعلى وأتم من أعمال كثيرة في غيره من الأماكن، وتمام هذا البحث استوفيناه في كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) (١) تاريخ المدينة المطهرة، فليطلب ثمة، ثم الفرض والنفل سواء في المضاعفة عند أكثر العلماء، وقد خصّ بعض الحنفية وأكثر المالكية هذا الحكم بالفرض لحديث: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، ويمكن أن تكون النافلة في بيوت مكة والمدينة أفضل منها في بلاد أخر.
٦٩٣ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) شد الرحال كناية عن السفر، أي: لا يقصد موضع بنية التقرب إلى اللَّه إلا أحد هذه الثلاثة تعظيمًا لشأنها، فإن ما سواها متساوٍ في الفضل، ففي أيِّ مسجد يصلي كتب له مثل ما في غيره، بخلاف المساجد الثلاثة؛ لما بين اللَّه لنا على لسان رسوله ﷺ في مقادير تضعيف الثواب للمصلي في كل واحد منها، ثم المراد أنه لا يرحل من حيث قصد ذوات الأمكنة، وأما إن كان إليها حاجة من تعلم العلم أو التجارة أو نحو ذلك، فذلك