* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٨٩ - [١] ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: "هَذِه الْقبْلَةُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٨].
٦٩٠ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. [م: ١٣٣٠].
ــ
الفصل الأول
٦٨٩ - ٦٩٠ - [١ - ٢] (ابن عباس، وأسامة بن زيد) قوله: (لما دخل النبي ﷺ البيت) زعم جماعة من العلماء أن ذلك كان في حجة الوداع حتى قالوا: إن الدخول في البيت من سنن الحج، والجمهور على أنه كان في فتح مكة، قالوا: وهو الصواب، والأحاديث والآثار دالة عليه، والبخاري أورد حديث الدخول في (كتاب الصلاة) ساكتًا عن كونه في الحج أو الفتح، وأورده في (كتاب الحج) من غير أن يكون فيه ما يدل على كونه فيه، سوى أنه أورده في بابه، وأورده في غزوة الفتح عن ابن عباس وابن عمر، وفيه تصريح بأنه كان يوم الفتح، وأورده مسلم أيضًا في (كتاب الحج) عن ابن عمر وعن ابن عباس وعن أسامة ﵃، ولكن بعض الأحاديث الموردة فيه ناطقة بكونه في الفتح، وبعضها مطلقة.
وقوله: (دعا في نواحيه) أي: زواياه.
وقوله: (في قبل الكعبة) أي: مقابلتها وما استقبل منها، وهو وجهها الذي فيه الباب، والقبل نقيض الدبر بضمتين، وضمة وسكون، والأول أفصح.
وقوله: (هذه القبلة) معناه: أن أمر القبلة قد استقر على التوجه إلى هذا البيت استقرارًا لا يزيله النسخ، وليس معناه أن القبلة إنما هي هذه الجهة مقابلة البيت لا الجهات
стр. 1052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأخر، وهو ظاهر، ولا أنه يجب أن يتوجه إلى البيت من خارج، حتى لا تجوز الصلاة داخل البيت، إما الفرض كما ذهب إليه مالك وأحمد في رواية، وإما مطلقًا كما حكي عن محمد بن جرير.
ثم قد اختلفت الرواية في صلاته ﷺ داخل البيت، فروى أسامة وابن عباس عنه أنه لم يصل، وروى بلال وابن عمر عنه أنه قد صلى، ورجح رواية بلال؛ لأنه مثبت، وخبر أسامة ناف، وخبر المثبت مقدم؛ لأنه معه زيادة علم، كما تقرر في أصول الفقه، ويشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، وقام كلٌّ في ناحية، واشتغل بالدعاء في ناحية، فرأى أسامة النبي ﷺ يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي ﷺ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه ﷺ ، فرأى بلال صلاته لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، وكانت صلاته ﷺ خفيفة، والباب مغلق.
قال في (المواهب اللدنية) (١): وأقرب ما قيل في الجمع أنه ﷺ صَلَّى في الكعبة لما غاب [عنه] أسامة من الكعبة لأمرٍ ندبه إليه، وهو أن يأتي بماء يمحو به الصور التي كانت في الكعبة، فأثبتها بلال لرؤيته لها، ونفاها أسامة لعدم رؤيته، ويؤيده ما رواه أبو داود الطيالسي عن أسامة بن زيد قال: (دخلت على رسول اللَّه ﷺ [في الكعبة] فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به فجعل ﷺ يمحوها)، ورجاله ثقات، انتهى. هذا وقد نقل صاحب (المواهب) عن أحمد والطبراني من حديث ابن عمر: أن أسامة أخبره أن النبي ﷺ صَلَّى في الكعبة، والجمع بينه وبين خبر ابن عباس عن أسامة ﵃ بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على خبر غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه؛ لكونه لم يره حين صلّى، ويكون ابن عمر ﵄ ابتدأ بلالًا بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات في
стр. 1053
٦٩١ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُوديْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٥، م: ١٣٢٩].
٦٩٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا. . . . .
ــ
مكان الصلاة، فسأل أسامة ﵁ أيضًا.
٦٩١ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر ﵄) قوله: (الحجبي) بفتح الحاء والجيم وبموحدة، منسوب إلى الحجبة جمع حاجب كطلبة جمع طالب، أي: حجبة بيت اللَّه، وهم أهل مفتاح الكعبة، وفي أخذه ﷺ المفتاح منه ثم إعطائه إياه لنزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، قصة مشهورة، والآن يقال لهم: الشيبيون نسبة إلى شيبة أخي عثمان، وعثمان لم يكن له خلف، فأعطى المفتاح لأخيه شيبة عند وفاته.
وقوله: (فأغلق) الضمير إما للنبي ﷺ بمعنى أمر به، أو لبلال ﵁، والظاهر بحسب المعنى أن يكون لعثمان بن طلحة، وإن كان بعيدًا من جهة اللفظ، وفي رواية: (فأغلقاها) بضمير التثنية.
وقوله: (كان البيت يومئذ على ستة أعمدة) وهو الآن على ثلاثة أعمدة، وسبب ذلك مذكور في (تاريخ مكة) للفاكهي.
٦٩٢ - [٤] (أبو هريرة ﵁) قوله: (صلاة في مسجدي هذا) أخذ النووي من
стр. 1054
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٠، م: ١٣٩٤].
ــ
هذه العبارة أن المضاعفة فيه خاصة بما كان مسجدًا في حياته ﷺ لا بما زيد بعد حياته، يعني أن الإشارة بـ (هذا) تفيد ذلك، والمختار عند الجمهور أن الحكم بالمضاعفة يشتمل ما زيد عليه، فقد ورد (لو مدّ هذا المسجد إلى صنعاء اليمن كان مسجدي)، وقال عمر ﵁: (لو مدّ مسجد رسول اللَّه ﷺ إلى ذي الحليفة لكان فيه)، وأيضًا قيام عمر وعثمان ﵄ في الصلاة في الزيادة يدل على ذلك، وإلا لم يتصور ترك إدراك الفضيلة.
وقال ابن تيمية: لم يظهر من أحد من السلف والخلف خلاف في ذلك، نعم مقام رسول اللَّه ﷺ أعظم وأفضل من سائر المقامات، انتهى. ولعل مقصوده المبالغة في الرد على من يخالف في ذلك، وقد نقل المحب الطبري رجوع النووي من تلك المقالة، كذا في تاريخ السمهودي، ولا يخفى ضعف ما تمسك به النووي، فإن الظاهر أن إتيان اسم الإشارة للتميز والتعظيم، ويحتمل أن يكون احترازًا عن مسجد قباء.
ثم لا يخفى أن الحكم في غير الصلاة من العبادات كذلك في المضاعفة، وقد روى ذلك البيهقي عن جابر، كذا ذكر في (فتح الباري) (١).
وقوله: (خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) الاستثناء يحتمل احتمالات متعددة، والذي يظهر من الأحاديث الواردة في الباب أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل الصلاة في مسجد رسول اللَّه ﷺ ، فقد ورد أن الصلاة في مسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وحمله المالكية على أن الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بأقل من ألف؛ لأن مذهبهم أن المدينة أفضل من مكة، وللقائلين بأفضلية المدينة
стр. 1055
٦٩٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: . . . . .
ــ
أن يقولوا: الأفضلية لا تنحصر في مضاعفة الثواب، هب أن الصلاة بالمسجد الحرام مضاعفة، ولكن أنواع الكرامات والبركات من محبة اللَّه ورسوله ومنافع الإسلام وأهله مخصوصة بالمدينة، وأيضًا المضاعفة هي كثرة الكمية، ويحتمل أن الكيفية من البركة والعظمة تكون أعظم وأرجح في المدينة، وكثرة الكمية لا تستلزم الأفضلية كاللؤلؤ الواحد أفضل وأشرف وأحسن ذاتًا من ألف فلس، وإن كثرت كمية، ولعل البركة والقبول في عمل واحد الذي يحصل من مجاورة القبر الشريف يكون أعلى وأتم من أعمال كثيرة في غيره من الأماكن، وتمام هذا البحث استوفيناه في كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) (١) تاريخ المدينة المطهرة، فليطلب ثمة، ثم الفرض والنفل سواء في المضاعفة عند أكثر العلماء، وقد خصّ بعض الحنفية وأكثر المالكية هذا الحكم بالفرض لحديث: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، ويمكن أن تكون النافلة في بيوت مكة والمدينة أفضل منها في بلاد أخر.
٦٩٣ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) شد الرحال كناية عن السفر، أي: لا يقصد موضع بنية التقرب إلى اللَّه إلا أحد هذه الثلاثة تعظيمًا لشأنها، فإن ما سواها متساوٍ في الفضل، ففي أيِّ مسجد يصلي كتب له مثل ما في غيره، بخلاف المساجد الثلاثة؛ لما بين اللَّه لنا على لسان رسوله ﷺ في مقادير تضعيف الثواب للمصلي في كل واحد منها، ثم المراد أنه لا يرحل من حيث قصد ذوات الأمكنة، وأما إن كان إليها حاجة من تعلم العلم أو التجارة أو نحو ذلك، فذلك
стр. 1056
مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٧، م: ٨٢٧].
ــ
شيء آخر، وظاهره النهي عن المسافرة إلى موضع سوى هذه المواضع.
وقيل: المراد أنه لا يجب قصد ما سوى المساجد الثلاثة بالنذر، ولا ينعقد النذر، ولا يلزم الوفاء به، واختلف في شدها إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فمحرم ومبيح، كذا في (مجمع البحار) (١).
وقيل: المراد أنه لا تشد الرحال ولا يسافر إلى مسجد من المساجد إلا إلى المساجد الثلاثة؛ لأن المستثنى منه في المستثنى المفرغ يجب أن يكون من جنس المستثنى، فإذا استثنى المساجد الثلاثة ينبغي أن يكون المستثنى منه أيضًا مساجد، وهذا كما ترى توجيه حسن، ولكن المعنى المتبادر إلى الفهم عند الإنصاف هو النهي عن السفر إلى مكان إلا المساجد الثلاثة، والأمكنة من جنس المساجد، غير أنه جنس بعيد، ولا يجب في المستثنى المفرغ أن يكون جنسًا قريبًا للمستثنى، ويمكن أن يقال: لعل المراد بيان الاهتمام بشأن الارتحال إلى هذه البقاع الثلاث المتبركة، وامتيازها في الفضل، والمبالغة في بيان فضلها ومرتبتها على ما عداها، يعني لو شاء أحد أن يرتكب السفر ينبغي أن يسافر إليها ويهتم بشأنها لكونها أفضل البقاع، واللَّه أعلم.
وقوله: (مسجد الحرام) من قبيل صلاة الوسطى بالإضافة.
وقوله: (والمسجد الأقصى) لعل تقديمه على مسجد المدينة -وهو مسجد سيد الرسل ﷺ لتقدمه وجودًا، ويسمى بالأقصى إما لأنه لم يكن في ذلك الزمان مسجد بني بعده، فهو أقصى المساجد، أي: نهايتها، أو لبعده من المسجد الحرام في المسافة،
стр. 1057
٦٩٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ،
ــ
أو لبعده من الأقذار والخبث وتنزهه عنها، وقيل: لأنه أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة وأبعد من المسجد الحرام، هذا الوجه لا يجري في تسميته به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]؛ لأنه لم يبن حينئذ مسجد المدينة.
٦٩٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (ما بين بيتي ومنبري) وفي رواية: (قبري ومنبري)، وفي رواية عند الطبراني: (ما بين حجرتي ومصلاي) والمؤدى واحد؛ لأن قبره ﷺ في بيته، وبيته حجرة أم المؤمنين عائشة ﵄، وهي حجرته ومصلاه، أي: موضع صلاته عند منبره، وليس المراد بالمصلى مصلى العيد الذي هو خارج المدينة في جانب طريق مكة بقرينة باقي الروايات، وقد حمله بعضهم عليه، وقد نقل أن سعد بن أبي وقاص ﵁ بنى بيتًا بينه وبين المسجد بعد سماع هذا الحديث.
وقوله: (روضة من رياض الجنة) والروضة في الأصل: البستان في غاية النضارة، وفي (الكشاف): كل أرض ذات نبات وماء، اختلفوا في تأويل كونه روضة من رياض الجنة، فقيل: إن العبادة فيه تؤدي إلى روضة الجنة، أو جعل الروضة كما جعل حلق الذكر رياض الجنة؛ فإنه لا يزال مجمعًا للملائكة والجن والإنس، يذكرون اللَّه، أو كروضة الجنة في حصول الرحمة والسعادة، وهذا القول لا يخلو عن بُعد؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، وقد يشترك فيه سائر المساجد وبقاع الخير، وقال أهل التحقيق: إن الكلام محمول على الحقيقة، إما بأن ينقل هذا المكان يوم القيامة إلى الفردوس الأعلى، ولا يفنى ولا يستهلك مثل سائر بقاع الأرض.
стр. 1058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ونقل ابن فرحون وابن الجوزي هذا القول من مالك ﵀ واتفاق جماعة من العلماء على ذلك، ورجح الشيخ ابن حجر العسقلاني وكثير من علماء الحديث هذا القول.
وقال ابن أبي جمرة من كبار علماء المالكية ﵏: يحتمل أن يكون عين هذه البقعة روضة من رياض الجنة، أنزلت منها إلى المسجد، كما ورد في الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وبعد قيام الساعة ينقل إلى مقامه الأصلي، ونزول الرحمة واستحقاق الجنة من لوازم ذلك، فكما أن الرتبة الخليلية الإبراهيمية اقتضت الاختصاص بحجر من الجنة اقتضت الدرجة الحبيبية المحمدية بروضة منها، وشتان ما بينهما، ولو رئي في العين الظاهر مثل سائر الأراضي الدنيوية لم يبعد؛ لأن الإنسان ما دام محجوبًا بالحجب الكثيفة الطبيعية والأحكام العادية البشرية لم ينكشف عليه حقائق الأشياء، ولم يدرك الأمور الأخروية، وقد ورد: (أحد جبل من جبال الجنة) (١)، ولم يقل أحدٌ: إن العبادة في جوار أُحد توصل إلى النعيم، فإن قال قائل: لو كان من الجنة لثبت خواصها ولوازمها فيه من عدم الجوع والظمأ ونحوهما؟ فالجواب أن تلك الخصائص واللوازم انفكت بعد خروجه منها، كما في الحجر الأسود.
وإن قيل: أمثال هذه الأمور لا يثبت إلا بسماع وإخبار من الشارع، وقد وردت الدلائل والشواهد في الركن والمقام؟ قلت: كفى دليلًا وشاهدًا على ذلك ورود هذا الحديث الصحيح المتفق عليه، ولو قاموا في مقام التأويل فكلا الخبرين يصلح للتأويل، ولو حملوا على الحقيقة فهي ثابتة فيهما، فما الفرق؟ واللَّه أعلم، ومنه التوفيق، وبيده
стр. 1059
وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٦، م: ١٣٩١].
٦٩٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكعَتَيْنِ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٣، م: ١٣٩٩].
ــ
أزمَّة التحقيق، وهو بإفاضة العلوم على من شاء من عباده جدير وحقيق، وصلى اللَّه على محمد سيد المرسلين وسيد الأولين والآخرين وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين.
وقوله: (ومنبري على حوضي) تأويله على نحو تأويل الروضة، وقد جاء في بعض الروايات: (وإن منبري على تُرْعَةٍ من تُرَعِ الجنة) (٢)، والترعة بضم التاء: الباب، والجمع ترع كصُرَدٍ، والوجه، ومفتح الماء حيث يستقي الناس، والدرجة، والروضة في مكان مرتفع، ومقام الشاربة على الحوض، والمرقاة من المنبر، وفُوَّهَة الجدول، وجاء في الحديث: أنه ﷺ كان قائمًا على منبره فقال: (قَدَمَيّ في هذه الساعة على ترعة من ترع الجنة)، وفي حديث آخر: (أنا قائم على عُقْر حوضي) (٣)، والعقر: موضع يدخل منه الماء في الحوض، وذهب بعضهم إلى أن هذا إخبار عن المنبر الذي يكون له ﷺ يوم القيامة، يوضع على حوضه بأمر ربه، لا هذا المنبر في المسجد الشريف، وهذا القول بعيد من سياق الحديث كما لا يخفى، واللَّه أعلم.
٦٩٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (مسجد قباء) بالضم ممدودًا ومقصورًا، مصروفًا وغير مصروف، فمن صرفه ذكره، ومن منعه أنثه، كما هو حكم سائر أسماء المواضع،
стр. 1060
٦٩٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٧١].
٦٩٧ - [٩] وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٠، م: ٥٣٣].
ــ
وفي (شرح الشيخ): وأنكر بعضهم القصر، موضع قرب المدينة على نحو ثلاثة أميال منها، بنى رسول اللَّه ﷺ مسجده في أول قدومه بالهجرة، وأقام ثلاثة أيام ثم راح إلى المدينة، وفيه نزل: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]، على ما هو المشهور، وقال عمر ﵁: ولو كان هذا المسجد في أقطار الأرض لضربنا فيه أكباد الإبل، وله فضائل كثيرة، وهو في حكم مسجد المدينة.
٦٩٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحب البلاد) أي: بقاع البلاد، أو أراد بالبلاد المواضع مجازًا، أو الإضافة للتخصيص مثل أفضل قريش (١).
٦٩٧ - [٩] (عثمان ﵁) قوله: (من بنى اللَّه (٢) مسجدًا) قيل: هو حديث متواتر.
стр. 1061
٦٩٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٢، م: ٦٦٩].
٦٩٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى،
ــ
٦٩٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (من غدا إلى المسجد أو راح) أي ذهب إليه أول النهار أو آخره، وقد يراد بالأول من طلوع الفجر إلى الزوال، وبالثاني ما بعد الزوال إلى الليل، و (النزل) بضمتين أو بالضم والسكون: الطعام الذي يقدم للضيف في أول نزوله، وفيه إشارة إلى كون المسجد بيت الرب تعالى يضيف زائره (١).
وقوله: (كلما غدا أو راح) أي: إلى المسجد، والإعادة لإفادة تأكيد تعميم الأوقات، أو في الجنة كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، ويكون في الجنة ما يشابه البكرة والعشي، أو هو كناية عن الدوام (٢).
٦٩٩ - [١١] (أبو موسى الأشعري) قوله: (أبعدهم فأبعدهم) الفاء (٣) فيه
стр. 1062
وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثمَّ يَنَامُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١، م: ٦٦٢].
٧٠٠ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: "بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تنتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ". . . . .
ــ
مثلها في قوله: (الأمثل فالأمثل).
وقوله: (من الذي يصلي) أي: وحده، وإن صلاها أول الوقت، كذا في (شرح الشيخ)، فيفهم منه أن التأخير من أول الوقت لانتظار الجماعة ولو لتكثيرها أفضل من الصلاة في أول الوقت، وهذا سر أفضلية الإسفار في الفجر عند الحنفية، وقال الطيبي (١): أو المراد يصلي مع الإمام، والمراد بالنوم عدم انتظار الصلاة الآتية، وإن كان يقظان، والمنتظر يقظان وإن نام، ولا يخفى ما فيه من البعد لفظًا ومعنى، فتأمل.
٧٠٠ - [١٢] (جابر) قوله: (خلت البقاع) بأن ذهب ساكنوها أو ماتوا.
وقوله: (حول المسجد) أي: المسجد النبوي ﷺ .
وقوله: (فأراد بنو سلمة) بكسر اللام، بطن من الأنصار، وليس بنو سلمة غيرهم.
وقوله: (أن تنتقلوا) لبعد دورهم عنه.
стр. 1063
قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (١) قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَب آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبُ آثَارُكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٦٥].
٧٠١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ. . . . .
ــ
وقوله: (نعم يا رسول اللَّه ﷺ قد أردنا ذلك) إنما أطنبوا في الجواب إظهارًا لما في ضميرهم، والرغبة لعله يقررهم على ذلك ويشفق عليهم، كما يفعله المجرمون في حضرة السلطان خوفًا منه وطمعًا في عفوه، فافهم.
وقوله: (دياركم) أي: الزموها، وهو جمع دار.
قوله: (تكتب) بالجزم على جواب الأمر، وبالرفع على استئناف، والمراد بالآثار إما آثار الأقدام، أو سيرهم الحسنة، كقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، وقيل: فيهم نزلت هذه الآية كما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي سعيد (٢).
٧٠١ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يظلهم اللَّه في ظله) الظل في الأصل ضد الضّحِّ، أو هو الفيء، أو هو بالغداة، والفيءُ بالعشي، والجنة، ومنه ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] ويجيء بمعنى العزة والمنعة، وهو في ظله: في كنفه، كذا في (القاموس) (٣)، فقيل: الظل عبارة عن الراحة والنعيم، نحو: هو في عيش ظليل، والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس؛ لأنها وسائر العالم تحت العرش، وقيل: المراد
стр. 1064
يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ. . . . .
ــ
ظل عرشه، أي: تحته، والإضافة إليه للتشريف، أو ظل طوبى، أو الجنة، وتعقب أن هذه القضية حين تدنو الشمس قبل الدخول في الجنة، ويشتد الحر، ويأخذهم العرق.
وقوله: (يوم لا ظل إلا ظله) أي: لا يكون من له ظل كما في الدنيا، وهذا ظاهر في أن المراد بالظل ظل العزة والمنعة، كما ورد ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وعلى التقادير كلها المراد تميزهم وتخصيصهم بمزيد فضل وكرامة، رزقنا اللَّه وجعلنا داخلين في بعض هذه الأقسام إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه) عبارة عن خلوص المودة في الغيبة والحضور.
وقوله: (دعته امرأة) إن وصلت الدعوة إلى مرتبة المراودة والمخادعة والمبالغة في مباشرة أسبابها وآلاتها والتمكن منها، فهي المرتبة اليوسفية العليا، وإن كانت أدنى مرتبة منها كالنظرة والإشارة ونحوهما، فالمراد المبالغة، يعني يفوز بذلك الجزاء بهذا القدر، فكيف إذا تمكن من الفحشاء وكفَّ نفسه عنها، وعلى كل تقدير لا يتجه ما ذكر بعض الشراح في هذا المقام: أنهم تكلموا في أن هذه الحالة يعني الكف في أول دعوة أفضل وأشدّ، أو بعد التمكن والقدرة كما كان ليوسف ﵇، فقيل: الكفّ في أول المرتبة أفضل وأصعب وأدخل في التحفظ والاحتراس؛ لأنه كثيرًا ما تتساهل النفس فيها، وبعد التمكن قد يتطرق الكراهة والخوف والانقباض فيسهل الاجتناب، فافهم.
стр. 1065
ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠، م: ١٠٣١].
٧٠٢ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُويهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا،
ــ
وقوله: (ذات حسب) الحسب: ما يعده المرء من مآثره ومآثر آبائه، وقد يراد به المال، وقد يجيء الحسب بمعنًى يكون في الرجل وإن لم يكن له أب، وقد يجيء بمعنى النسب كما في حديث: (كيف حسبه فيكم؟ ) أي: نسبه. و (الجمال) الحسن والملاحة والبهجة.
وقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) أي: من كان في شماله، والصواب أنه كناية عن غاية الإخفاء، هذا وقد يروى: (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، ولعله سهو من قلم الناسخ؛ لأن المعروف في النفقة هو اليمين، وهكذا جاء في رواية مسلم، وسمّوه في أصول الحديث مقلوبًا، فيكون من الراوي، لا أن الكلام محمول على القلب، كما في عرضت الناقة على الحوض، فافهم.
٧٠٢ - [١٤] (وعنه) قوله: (صلاة الرجل) أي: ثوابها (في الجماعة) أي: في المسجد.
وقوله: (تضعف) بضم فوقية وتشديد عين من التضعيف، أي: يزاد على صلاته في بيته، أي: منفردًا كما هو العادة، وكذا تخصيص البيت والسوق بالذكر باعتبار العادة، وفيه إشعار بعذره لالتزامهما، ومع ذلك يضعف، ففي غيرهما بطريق الأولى.
فالظاهر من الحديث بيان تفضيل الصلاة في المسجد بالجماعة على الصلاة في البيت، فإذا صلَّى في المسجد منفردًا أو في البيت بالجماعة كان لهذين القسمين ثواب،
стр. 1066
وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ،
ــ
إما متساويين أو متفاضلين، لا بالتفاضل المذكور فيه، واللَّه أعلم. والعلم بالمضاعفة بهذا العدد موكول إلى علم الشارع، وسيجيء بيانه في (باب فضل الجماعة).
وقوله: (ذلك) إشارة إلى أصل المضاعفة لوجود رفع الدرجات وحط الخطيئات.
وقوله: (لا يخرجه إلا الصلاة) أي: قصد إيقاعها على الوجه المأمور به، دون غرض آخر. و (الخطوة) بالضم: بُعد ما بين القدمين في المشي، وبالفتح: المرة، وجمعها خُطًا بضم الخاء، وخُطْوات بسكون الطاء وضمها وفتحها.
وقوله: (ما دام في مصلاه) وفي رواية للبخاري: (ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه)، ظاهره أن هذه الفضيلة تفوت بالذهاب إلى موضع آخر، وإن كان مشغولًا بالذكر، فكأنه جزاء المصابرة والمرابطة، وفضل الذكر باق، وبعض المشايخ اختاروا الخلوة لخوف تشويش أو تطرق رباء، واللَّه أعلم.
وقوله: (اللهم صلِّ عليه) بيان لقوله: (تصلي عليه) أي: يقولون هذا القول، ويطلبون من اللَّه الرحمة، فالصلاة من اللَّه الرحمة، ومن العباد سواء كانوا ملائكة أو ناسًا الدعاء والسؤال من اللَّه إنزال الرحمة، وما اشتهر من أن الصلاة من الملائكة الاستغفار فكأنه أخذ من قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، لا أن معنى الصلاة الاستغفار، فإنهم إنما يطلبون من اللَّه أن يصلي، والصلاة من اللَّه الرحمة، فافهم، فالحق أحق أن يتبع.
стр. 1067
وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ".
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "إِذَا دَخَلَ الْمَسْجدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ". وَزَادَ فِي دُعَاءَ الْمَلَائِكَةِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٧، م: ٦٤٩].
ــ
وقوله: (ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة) إشارة إلى فضيلة استدامته في مصلاه، واقتضائه المضاعفة بانتظار الصلاة الآتية بجلوسه في مصلاه، وسببيَّته لدعاء الملائكة.
وقوله: (ما لم يؤذ فيه) أي: أحدًا ممن لا يجوز إيذاؤه.
وقوله: (يحدث) بدل من سابقه فيكون مجزومًا، وروي بالرفع بأنه استئناف، وهذان الوجهان في رواية: (ما لم يؤذ يحدث فيه) بترك كلمة (لم)، وأما على تقدير وجود (لم) كما أورده المؤلف فهو بدل، أو عطف بحذف حرف العاطف، و (يحدث) بالتخفيف من الحدث لانتقاض طهره وزوال تأهله للصلاة وانتظاره لها، وأيضًا إن أحدث حُرِم استغفارَهم لتأذيهم برائحته الخبيثة، كذا في (مجمع البحار) (١). وقد يشدد من التحديث، وهو خطأ، كذا قال الطيبي (٢). وقال الكرماني (٣): وفي بعض الروايات: (بحدث) بلفظ الجار والمجرور متعلق بـ (يؤذ)، أي: لم يؤذ الملائكة بحدث، وفي بعضها من باب التفعيل، أي: ما لم يتكلم بكلام الدنيا.
وقوله: (متفق عليه) قيل: فيه نظر لأنه ليس في رواية البخاري: (اللهم تب عليه)،
стр. 1068
٧٠٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧١٣].
٧٠٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٤٤، م: ٧١٤].
٧٠٥ - [١٧] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقْدَمُ. . . . .
ــ
وأيضًا ليس فيها: (ما لم يؤذ ما لم يحدث)، بل إما (ما لم يحدث) أو (ما لم يؤذ يحدث) بدون (لم)، فكأنه لم يعتبر مثل هذه المخالفة في الحكم بالاتفاق، واللَّه أعلم.
٧٠٣ - [١٥] (أبو أسيد) قوله: (أبو أسيد) بالتصغير، كنية مالك بن ربيعة، أنصاري، ساعدي، آخر من مات من البدريين.
وقوله: (من فضلك) الفضل ضد النقص، والمراد طلب الرزق الذي تبغيه بعد الصلاة، أو العود إلى المسجد للصلاة التي هي فضل بعد الصلاة التي صلاها، وقد يفسر قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] بطلب زيادة العلم والعمل بزيارة العلماء والصلحاء.
٧٠٤ - [١٦] (أبو قتادة) قوله: (فليركع ركعتين) لعل هذا الحديث هو متمسك الشافعية في إيجاب ركعتين لتحية المسجد بحمل الأمر على الوجوب، والظاهر من سياق الحديث أن يكون الأمر للندب، وإلا لزم أن يجب قبل الجلوس، وليس كذلك بالاتفاق، وسيجيء لهذا ذكر في (باب خطبة الجمعة) إن شاء اللَّه تعالى.
٧٠٥ - [١٧] (كعب بن مالك) قوله: (لا يقدم) من باب سمع يسمع.
стр. 1069
مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ جَلَسَ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٨٨، م: ٧١٦].
٧٠٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ. . . . .
ــ
وقوله: (فصلى فيه ركعتين) يحتمل أن يكون لتحية المسجد، أو لوقت الضحى، وسيجيء تحقيقه في بابه.
٧٠٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (ينشد ضالة) (١) نشد الضالة نشدًا ونِشْدَةً ونِشْدَانًا بكسرهما: طلبهما، من نصر، فهو ناشد، وأنشدها: عرَّفها، فهو منشد، من النشيد: رفع الصوت، والنشدة بالكسر: الصوت، ونشدتك اللَّه، وباللَّه، وأنشدتك اللَّه، وباللَّه، وناشدتك اللَّه، وباللَّه، أي: سألتك وأقسمت عليك، برفع نشدتي، أي: صوتي، وتعديته إلى مفعولين؛ لأنه كدعوته زيدًا ودعوته بزيد، أو لأنه ضمن معنى ذكَّرت من التذكير، وأنشدت اللَّه خطأ.
و(الضالة): الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، من ضلَّ: إذا ضاع وضل عن الطريق، وفي (القاموس) (٢): الضالة من الإبل: التي تبقى بِمَضْيَعَةٍ بلا رب، للذكر والأنثى.
وقوله: (لا ردها اللَّه) زجر عن طلبه في المسجد، وفي حديث آخر: (أيها الناشد غيرك الواجد)، وسمعت عن بعض مشايخي أنه نهي عن رفع الصوت له ونحوه لا عن مجرد التفحص.
стр. 1070
فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لهَذَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٦٨].
٧٠٧ - [١٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٤، م: ٥٦٤].
ــ
وقوله: (فإن المساجد) علة للقول، أو داخل تحت القول.
وقوله: (لم تبن لهذا) أي: ونحوه مما ليس بعبادة كالبيع والشراء ونحوهما من معاملات الناس، وكره فيه رفع الصوت بالعلم ونحوه خلافًا لأبي حنيفة في العلم، كذا في (مجمع البحار) (١).
وأما الأكل والنوم فقد جاء عن أصحاب الصفة وغيرهم من الأصحاب ﵃، فقد ورد أن ابن عمر كان ينام في المسجد وهو شاب فيقول رسول اللَّه ﷺ : (نعم الرجل عبد اللَّه بن عمر لو قام بالليل)، وقد صح من نوم علي ﵁ في المسجد حين وَجَدَ عَلَى فاطمة ﵁، فجاء رسول اللَّه ﷺ فأقامه، وقال: (قم يا أبا تراب)، وفي هذا الباب تفاصيل ذكرت في كتب الفقه، وأحسن ما يبيحها للرجل أن ينوي الاعتكاف، فإنه صحيح ولو ساعة عند من لا يشترط الصوم فيه.
٧٠٧ - [١٩] (جابر) قوله: (من هذه الشجرة (٢) المنتنة) أي: البصل، وقيل: الثوم، وسيجيء في الفصل الثاني (الشجرتين) يعني البصل والثوم، ويلحق بهما كل ما له ريح كريه من المأكولات، ويلحق بالمأكولات غيرها كالبخر والدفر وجرح منتن،
стр. 1071
٧٠٨ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٥، م: ٥٥٢].
٧٠٩ - [٢١] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي محَاسِن أَعمالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٥٤].
٧١٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دامَ فِي مُصَلَّاهُ،
ــ
ويلحق بالمسجد مجامع العبادات من العلم والذكر وسائر مجالس المؤمنين كالولائم ونحوها، فإن جميع ذلك من أنواع الإيذاء، ويشتمل جميع المساجد، ولا يختص بالمسجد النبوي، ولهذا جاء (في مسجدنا) و (مساجدنا) بلفظ الجمع، نعم قد ورد (مسجدي) وذلك في زمانه ﷺ ، وذلك قيد اتفاقي، نعم يكون الكراهة في زمنه ومسجده أشدَّ، وفي نفي القربان مبالغة لا تخفى.
٧٠٨ - [٢٠] (أنس) قوله: (البزاق) البصاق بالصاد، والبساق بالسين، والبزاق بالزاي: ماء الفم إذا خرج منه وما دام فيه فريق، وقد جاء التفال بالضم أيضًا بمعنى البصاق، تفل: بصق، لكنه أقل منه، وأما النفث فهو نفخ وليس معه ماء.
٧٠٩ - [٢١] (أبو ذر ﵁) قوله: (النخاعة) وهي النخامة، ما يخرج من الصدر، أو ما يخرج من الخيشوم، والنخاع مثلثة: الخيط الأبيض في جوف الفَقار، ينحدر من الدماغ، وتتشعب منه شُعَبٌ في الجسم.
٧١٠ - ٧١١ - [٢٢ - ٢٣] (أبو هريرة، وأبو سعيد) قوله: (فإنما يناجي) فكأنه
стр. 1072
وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا". [خ: ٤١٦، م: ٥٥٠].
٧١١ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: "تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٨، م: ٥٤٨].
٧١٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٥، م: ٥٣١].
ــ
يقابله ويحاذيه.
وقوله: (فإن عن يمينه ملكًا) أي: عظيمًا فخيمًا، وهو كاتب الحسنات التي هي مظاهر الرحمة، أو الحاضر عند الصلاة للتأييد والإلهام بقلبه، والتأمين عند دعائه، كذا قالوا.
وقوله: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) وهو وإن كان أيضًا منافيًا لحالة المناجاة، لكن أذن فيه ضرورة، ولكونه غير جهة المقابلة، وهذا في غير المسجد، أما فيه ففي ثوبه، كذا في (مجمع البحار) (١).
قوله: (تحت قدمه اليسرى) تعظيمًا للقدم اليمنى التي في جانب اليمين الذي هو أفضل من جانب اليسار.
٧١٢ - [٢٤] (عائشة) قوله: (قال في مرضه الذي لم يقم منه) لما أعلمه اللَّه بقرب أجله، فخشي أن يفعل بعض أمته بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور
стр. 1073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أنبيائهم، نبههم على النهي عن ذلك بلعن اليهود والنصارى على صنيعهم.
وقال التُّورِبِشْتِي (١): وهو مخرج على وجهين: أحدهما: كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، وقصد العبادة في ذلك، وثانيهما: أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة والعبادة للَّه، نظرًا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند اللَّه؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة اللَّه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وكلا الطريقين غير مرضية، أما الأولى: فشرك جلي، وأما الثانية: فلما فيها من معنى الإشراك باللَّه ، وإن كان خفيًّا، والدليل على ذم الوجهين قوله ﷺ : (اللهم لا تجعل قبري وثنًا [يعبد]، اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والوجه الأول أظهر وأشبه به، كذا قال التُّورِبِشْتِي.
وفي (شرح الشيخ): فعلم منه أنه يحرم الصلاة إلى قبر نبي أو صالح تبركًا وإعظامًا، قال: وبذلك صرّح النووي (٢)، فقال: ولا يصلي لقبر ولا عند قبر تبركًا وإعظامًا للأحاديث الصحيحة، ويجب الجزم بتحريم هذا، ولا أحسب لأحد فيه خلافًا، أعني الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا، انتهى.
وقال التُّورِبِشْتِي (٣): فأما إذا وجد بقربها موضع بُني للصلاة، أو مكان يَسْلَمُ المصلي فيه عن التوجه إلى القبور، فإنه في فسحة من الأمر، وكذلك إذا صلى في موضع قد اشتهر بأن فيه مدفن نبيٍّ، ولم ير للقبر فيه عَلَمًا، ولم يكن قصده ما ذكرناه من العمل
стр. 1074
٧١٣ - [٢٥] وَعَن جُنْدُبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٣٢].
٧١٤ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٢، م: ٧٧٧].
ــ
الملتبس بالشرك الخفي، إذ قد تواطأت أخبار الأمم على أن مدفن إسماعيل ﵇ في المسجد الحرام عند الحطيم، وهذا المسجد أفضل مكان تتحرى الصلاة فيه، انتهى.
وفي (شرح الشيخ) أيضًا مثله حيث قال: وخرج بذلك اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح، والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه والتوجه نحوه، بل لحصول مدد منه، حتى تكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح الطاهرة، فلا حرج في ذلك، لما ورد: أن قبر إسماعيل ﵇ في الحِجْر تحت الميزاب، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيًا، ولم ينه أحد عن الصلاة فيه، انتهى. وكلام الشارحين متطابق في ذلك.
٧١٣ - [٢٥] (جندب) قوله: (ألا ديان من كان قبلكم) قد سبق شرحه في الحديث الأول مع ما فيه من المبالغة والتأكيد للنهي بأنواع، و (إن) روي بالكسر والفتح، فالكسر ظاهر لابتداء الكلام، والفتح بتقدير: واعلموا، أي: تنبهوا واعلموا.
٧١٤ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) أي: اجعلوا بعض صلاتكم، وهي النوافل التي لا تسن فيها الجماعة في بيوتكم لتعود بركتها إليها، وتصير منورة بنور العبادة.
وقوله: (ولا تتخذوها قبورًا) تأكيد للأمر، أي: لا تكونوا في البيوت كالميت
стр. 1075
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٧١٥ - [٢٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٤].
ــ
الذي لا يعمل، أو تكونوا نائمين فتكونوا مشابهين للأموات؛ لأن النوم أخو الموت غير مشتغلين بالعبادة.
ثم اعلم أنهم اختلفوا في الصلاة في المقبرة، فكرهها جماعة، وإن كان المكان طاهرًا، فتارةً احتجوا بهذا الحديث؛ لأنه يدل على أن الصلاة لا يكون في المقبرة؛ لأنه جعل كونها قبورًا، كناية عن عدم الصلاة فيها، فيفهم أن لا صلاة فيها، وهذا ضعيف، لما ذكرنا من معناه على أنه إن دل فإنما يدل على عدم الصلاة في القبر، لا في المقبرة، فافهم، وتارةً بالحديث السابق، وهو أيضًا لا يتم، لما علم من المراد به، ومنهم من ذهب إلى أن الصلاة فيها جائز، إن كانت التربة طاهرة والمكان طيب، ولم يكن من جديد الموتى، وما ينفصل عنهم من النجاسات.
وقد حمل بعض الناس قوله: (ولا تتخذوها قبورًا) على النهي عن الدفن في البيوت، وتعقب بأنه ذهاب عما يقتضيه نسق الكلام، وبأنه قد دفن رسول اللَّه ﷺ في بيت عائشة ﵂، والثاني غير وارد لأنه يمكن أن يجعل من خصائصه ﷺ ، كما جاء في الحديث (١): أنهم اختلفوا في موضع دفنه فروى أبو بكر ﵁: أن الأنبياء لا يقبضون إلا في مكان يحب اللَّه تعالى دفنهم فيه، أو كما قال، فتدبر.
الفصل الثاني
٧١٥ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) اعلم أن
стр. 1076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المشارق والمغارب كثيرة، وفي الحقيقة لكل يوم من أيام السنة مشرق ومغرب، لكنها لا تضبط لعدم ظهور التفاوت، ولكن مشرق كل شهر ومغربه مضبوطة، والتفاوت بينهما فاحش، وبهذا الاعتبار جمعت في قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وغاية البعد والسعة بينهما في الصيف والشتاء، وبهذا الوجه ثني في قوله سبحانه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالحد الأول من المشرق مطلع الشمس في أطول يوم من السنة، وهو في تحويل نقطة السرطان قريبًا من مطلع السماك الرامح، وآخر المشارق مشرق الشتاء، وهو مطلع الشمس في أقصر يوم منها في تحويل نقطة الجدي قريبًا من مطلع قلب العقرب، وفي مقابلتهما المغرب، والظاهر أن المعنى بالقبلة في هذا الحديث قبلة المدينة المطهرة ومن داناهم، فإنها واقعة بين المشرق والمغرب إلى الجنوب، فإنها في ناحية الشمال من مكة.
قال التُّورِبِشْتِي (١): وقد قيل: إنه أراد قبلة من اشتبه عليه القبلة، وإلى أي جهة صلى بالاجتهاد كفته، وقيل: المراد منه توجه المتنفل على الدابة إلى أي جهة كانت، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) الجهات الأربع، ويجوز ذلك على جهة الاتساع؛ لأن الأقطار كلَّها شرقَها وغربَها وجنوبَها وشمالَها واقعة في ما بين المشرق والمغرب، وعلى هذا فالحديث يحتمل وجها آخر، وهو أن نقول: ليس جهة من الجهات ما بين المشرق والمغرب إلا وهي قبلة، بحسب توجه المصلي إلى الكعبة في مكانه الذي هو فيه، فالمشرقي قبلته المغرب، والمغربي قبلته المشرق، وعلى نحو ذلك الجنوب والشمال، انتهى كلامه.
стр. 1077
٧١٦ - [٢٨] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيْعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ وَأَمَرَنَا فَقَالَ: "اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيْعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا" قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يُنْشَفُ، فَقَالَ: . . . . .
ــ
٧١٦ - [٢٨] (طلق بن علي) قوله: (خرجنا وفدًا) وَفَدَ إليه وعليه، يَفِدُ وفدًا ووفودًا ووفادة: قدم، وورد، وفي (النهاية) (١): الوفد: القوم يجتمعون ويردون البلاد، أو يقصدون الرؤساء، زيارةً أو استرفادًا أو غيرَ ذلك، والوافد واحد، وكانت العرب تفد على رسول اللَّه ﷺ بعد فتح مكة، ويردون عليه، ويسمى ذلك عام الوفود، وفي المسجد النبوي أسطوانة تسمى (أسطوانة الوفود) كان يجلس عندها للوافدين.
وقوله: (أن بأرضنا بيعة لنا) البيعة بكسر الباء وسكون الياء: معبد النصارى، والكنيسة: معبد اليهود، والمسجد: معبد المسلمين، وكأنهم كانوا نصارى آمنوا فأرادوا أن يكسروها.
وقوله: (فتوضأ وتمضمض) أي: بفضل وضوئه، وهو الظاهر من العبارة، أو المعنى أراد الوضوء.
وقوله: (وأمرنا) أي: بالخروج.
وقوله: (والماء ينشف) على صيغة المجهول، في (القاموس) (٢): نشف الثوب
стр. 1078
"مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٧٠١].
٧١٧ - [٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ يُنَظَّفَ وَيُطَيَّبَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٥٥، ت: ٥٩٤، جه: ٧٥٨].
٧١٨ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ". . . . .
ــ
العرق كسمع ونصر: شربه، والحوضُ الماءَ: شربه، كتنشفه، والماء في الأرض: ذهب.
وقوله: (مدوه من الماء) من المدد، أي: صُبّوا عليه ماءً آخر.
قوله: (فإنه لا يزيده) الظاهر أن الضمير المرفوع للمورود، والمنصوب للوارد، ويحتمل العكس، وفي الحديث التبرك بفضله ﷺ ونقله إلى البلاد نظير ماء زمزم، ويؤخذ منه أن فضل وارثيه من العلماء والصلحاء كذلك.
٧١٧ - [٢٩] (عائشة) قوله: (في الدور) جمع دار، والمراد بها ههنا المحلات والقبائل، وهذا في غير صورة الضرار فإنه يمنع.
وقوله: (وأن ينظف ويطيب) بالياء التحتانية، وقد يضبط بالتاء الفوقانية باعتبار المساجد.
٧١٨ - [٣٠] (ابن عباس) قوله: (بتشييد المساجد) شاد الحائط يشيده: طلاه بالشيد بالكسر، وهو ما طلي به حائط من جِصٍّ ونحوه، والمشِيد: المعمول به، وكمؤيَّد: المطوَّل، كذا في (القاموس) (١). وفي (مجمع
стр. 1079
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٨].
٧١٩ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٤٩، ن: ٦٨٩، دي: ١٤٠٨، جه: ٧٣٩].
ــ
البحار) (١): المشيدة: المرفوعة أو المطلية بالشيد، وفي (شرح الشيخ): أي: بإعلاء بنائها وتزويقها وزخرفتها، ونفي الأمر كناية عن النهي، أو هو على ظاهره.
وقوله: (لتزخرفنها) بفتح اللام وضم فوقية وفتح زاي وسكون معجمة وكسر راء وضم فاء، ويجوز كسر اللام لتعليل النفي، أي: ما أمرت به، هكذا عبارة الشارحين، والظاهر ما أمر به؛ لأن الظاهر أن هذا لفظ ابن عباس، إخبارًا عن فعل الناس بعده ﷺ ليجعل ذريعة إلى التزخرف، فافهم، وفتح اللام هو الأظهر، والزخرف في الأصل: الذهب وكمال حسن الشيء، وفي الحديث: (نهى أن تزخرف المساجد) أي: تنقش وتموه بالذهب لئلا يشغل المصلي، وفي الفقه: لو أوصى بتشييد مسجده وتحميره نفذت الوصية؛ لأن الناس قد أحدثوا تشييد بيوتهم وتزيينها، فلو بنينا مساجد باللبن متطامنة بين الدور الشاهقة، وربما كانت لأهل الذمة لكانت مستهانة، كذا في (مجمع البحار) (٢).
٧١٩ - [٣١] (أنس) قوله: (أن يتباهى الناس) أي: يتفاخرون بتحسين بنائه وتزويقه وارتفاعه وتطويله رياءً وسمعةً.
стр. 1080
٧٢٠ - [٣٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نسَيَهَا". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩١٦، د: ٤٦١].
ــ
٧٢٠ - [٣٢] (أنس) قوله: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة) أي: أجور أعمال أمتي حتى أجر إخراج القذاة من المسجد، والقذاة بفتح القاف واحد قذى، وهي ما يقع في العين وفي الشراب من تراب أو تبن أو وسخ، ففي التعبير عنه بالقذى ههنا إشارة إلى كون المسجد بمنزلة العين للإنسان تتأذى منه روحانية المسجد، أو كماء زلال من عين الحياة المعنوية يتكدر صفاؤه من وقوعها، فمن أخرجها أصاب نظر الرحمة، ونال حظًّا من روق شراب الصفوة، و (حتى) إما بمعنى (إلى) أو عاطفة، فالقذاة على الأول مجرور، وعلى الثانية مرفوع عطف على (أجور)، و (يخرجها) جملة مستأنفة للبيان، وأما جعل (حتى) ابتدائية و (القذاة يخرجها) مبتدأ وخبرًا، كما في (شرح الشيخ)، فبعيد من حيث المعنى، فافهم.
وقوله: (فلم أر ذنبًا أعظم من سورة) أي: من ذنب نسيانها، وفي هذا زجر وتشديد، فإن نسيان القرآن ليس أعظم الذنوب، وإن عدَّه بعض العلماء من الكبائر، كما نقله مولانا جلال الدواني عن الروياني في (شرح العقائد العضدية) (١)، لكن بعضهم أوّلوا بنسيانه بحيث لا يقدر على قراءته من المصحف، والظاهر من الحديث نسيانها بمعنى عدم الحفظ عن ظهر القلب، وعليه حمله الشارحون.
стр. 1081
٧٢١ - [٣٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٣، د: ٥٦١].
٧٢٢ - [٣٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ.
٧٢٣ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوْا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّه يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٦١، جه: ٨٠٢، دي: ١٢٢٣].
ــ
٧٢١ - ٧٢٢ - [٣٣ - ٣٤] (بريدة، وسهل بن سعد، وأنس) قوله: (بشر المشائين) الخطاب عام، ويمكن أن يكون أمرًا من جانب الحق لنبيه ﷺ ، فيكون الحديث قدسيًّا، واللَّه أعلم.
وفي قوله: (بالنور التام يوم القيامة) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، ففيه أن من مشى إلى المساجد في الظُّلم ليؤدِّيَ الصلاة بالجماعة كان مع النبي والذين امنوا معه من أصحابه الكرام ﷺ ورضي عنهم أجمعين.
٧٢٣ - [٣٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يتعاهد المسجد) في (القاموس) (١): تعهَّده وتعَاهَده واعْتَهَده: تَفَقَّدَهُ، وأحدث العهدَ به، ولقد أحسن في ترك الحكم بكون تَعَهَّد أفصح من تَعَاهَد، كما حكم الجوهري (٢)، بل لو كان يغلظ في ذلك كما هو دأبه
стр. 1082
٧٢٤ - [٣٦] وَعَن عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى، إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ". فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: "إِنْ سِيَاحَةَ أُمَّتَي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: "إِن تَرَهُّبَ أُمَّتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [ح: ٤٨٤].
٧٢٥ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَأَيْتُ رَبِّيَ . . . . .
ــ
لكان وجهًا، كيف وقد وقع في كلام أفصح الفصحاء كما هو الظاهر، وتوجيهه بأن التعاهد يكون بين اثنين ضعيف، فإنه قد يكون (فاعَلَ) للمبالغة والإحكام من غير أن يراد وقوعه بين اثنين، كما قال الطيبي (١) نقلًا عن صاحب (الكشاف)، وقد جاء في بعض الروايات (يعتاد) بدل (يتعاهد)، والمعنى المراد منهما قريب، ويشمل كل منهما كل ما يناط به أمر المساجد من العمارة والكنس والتطييب والتنظيف والتنوير بالمصابيح والتعبد والذكر ودرس العلم، وهذا أجلّ وأعظم أقسام التعاهد، وفقنا اللَّه به.
٧٢٤ - [٣٦] (عثمان بن مظعون) قوله: (من خصى ولا اختصى) خَصَاهُ خِصاءَةً بالكسر، وخصية واختصى: فعل ذلك بنفسه، و (الترهب) وهو التخلي من اشتغال الدنيا وترك ملاذها، وأصله من الرهب بمعنى الخوف.
٧٢٥ - ٧٢٦ - [٣٧ - ٣٨] (عبد الرحمن بن عائش، وابن عباس، ومعاذ بن جبل) قوله: (رأيت ربي) إن كان رؤيا منام -كما في رواية- فلا إشكال، وإن كان رؤية يقظة -كما في أخرى- فلا بد من التأويل، أو هو مخصوص به ﷺ ، كما في ليلة المعراج
стр. 1083
فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَتَلَا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا،
ــ
على القول المختار.
وقوله: (في أحسن صورة) إن كان حالًا من الفاعل فلا محذور، وإن كان من المفعول فالمراد به الصفة، وإطلاق الصورة عليها شائع.
وقوله: (فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ) المراد بهم الملائكة، والملأ اسم لأشراف القوم؛ لأنهم يملؤون المجالس أو يملؤون العيون رواءً والقلوب مهابةً. واختصامهم تقاولهم في فضائل تلك الأعمال، أو مبادرتهم إلى ثبتها في الصحائف والصعود بها إلى السماء، واغتباطهم الناس في اختصاصهم بتلك الفضائل مع تماديهم في الشهوات.
وقوله: (فوضع كفه بين كتفي) مجاز عن تخصيصه بمزيد الفضل عليه، وإيصال فيضه إليه، كما يفعل الملوك ببعض خدمهم إذا أرادوا أن يخصوهم بمزيد القرب، وإفاضة سوابغ نعمهم. ووجدان البرد بين ثدييه عن وصول أثر الفيض إلى قلبه الشريف وتأثره عنه، يقال: ثلج صدره، وأصابه برد اليقين: لمن تيقن الشيء، ولما كان وصول هذا الفيض إلى قلبه سببًا لاتساع علومه فرع عليه قوله: (فعلمت ما في السماوات والأرض) كناية عن حصول جميع العلوم، واستشهد على إمكانه وحصوله بقوله: (﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) والملكوت فَعَلُوت من الملك للمبالغة.
وقوله: (رواه الدارمي) زاد في بعض النسخ: (مرسلًا)؛ لأن عبد الرحمن بن
стр. 1084
وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْهُ. [دي: ٢١٤٩، ت: ٣٢٣٥].
٧٢٦ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: "يَا مُحَمَّد! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ. وَالْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِبْلَاغُ الْوَضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ،
ــ
عائش تابعي.
وقوله: (وللترمذي نحوه عنه) أي: عن عبد الرحمن.
(وعن ابن عباس ومعاذ بن جبل، وزاد فيه) أي: زاد الترمذي في حديثه هذه العبارة: (قال. . . إلخ)، أي: قال الرب تعالى، وسأل النبيَّ بعد إفاضة العلم عليه ﷺ ما سأله أولًا، فأجاب النبي ﷺ في هذه المرة: (نعم) أدري فيم يختصم الملأ الأعلى، (في الكفارات) أي: يختصمون في أعمال تكفير الذنوب، وهي: (المكث في المساجد بعد) أداء (الصلوات) انتظارًا للصلوات الآتية، (والمشي على الأقدام إلى الجماعات)، الظاهر أنها يكون في المساجد، فما في (شرح الشيخ) من قوله: ولو في غير المساجد، ليس بظاهر.
وقوله: (وإبلاغ الوضوء) أي: إسباغه وإيصاله إلى حد كماله، أو إيصاله إلى ما يجب الإيصال إليه، ويسن غسله من الأعضاء، (في المكاره) أي: في الأحوال التي تكره النفس فيها ذلك لبردٍ أو مرضٍ أو نحو ذلك.
وقوله: (فمن فعل ذلك عاش بخير) وحيي بحياة طيبة بوجدان حلاوة الطاعة في الأعمال، والقناعة بما أوتي في الأموال، والرضا والتسليم في الأحوال.
وقوله: (ومات بخير) بروح وريحان وجنة نعيم، بخلاف الفاسق الحريص،
стр. 1085
وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ. قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ". وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي "الْمَصَابِيحِ" لَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن إِلَّا فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [ح: ٩٢٥].
ــ
المعيش بعيشة ضنك.
وقوله: (كيوم) مبني على الفتح (١)، وتنوينُه وجَعْلُ (ولدته أمه) صفة بحذف العائد خارج عن قانون العبارة العربية.
قوله: (فتنة) أي: دينية مضلة.
وقوله: (فاقبضني) فيه أنه لا يكره طلب الموت لخوف فتنة دينية، وفي الحقيقة هذا تعليم للأمة، وكذلك أكثر دعواته ﷺ .
وقوله: (قال: والدرجات) أي: قال اللَّه تعالى زيادة لتعليم نبيه ﷺ بعد ما بين الكفارات، أو قال النبي زيادة في البيان بحصول العلم من اللَّه، وسيجيء في الفصل الثالث من حديث معاذ بن جبل ما يظهر المراد به، فينبغي أن يحمل هذا الحديث على ذلك ولو بارتكاب تكلف في العبارة، فتدبر، واللَّه أعلم.
وقوله: (إفشاء السلام) أي: إظهاره والابتداء به على من عرف وعلى
стр. 1086
٧٢٧ - [٣٩] وَعَن أَبِي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلُهُ الْجنَّةَ، أَو يَرُدُّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَو غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٩٤].
ــ
من لا يعرف.
٧٢٧ - [٣٩] (أبو أمامة) قوله: (ثلاثة كلهم) أي: كل واحد منهم.
وقوله: (ضامن على اللَّه) عُدِّي الضمان بـ (على) بتضمين معنى الوجوب والمحافظة، والضامن بمعنى المضمون، كدافق بمعنى مدفوق في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، وعاصم بمعنى معصوم في قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] على تأويل، أو هو صيغة النسبة بمعنى ذو ضمان كلَابِنٍ وتَامِرٍ (١)، وحاصل المعنى أنه يجب على اللَّه بمقتضى وعده الصادق أن يحفظ كلًّا من هؤلاء الثلاثة من الضرر والخيبة والضياع والآفة، وإنما لم يذكر المضمون به في الثاني والثالث اكتفاءً ولظهور المراد، وهو الأجر والمثوبة على حسب ما يليق به من الثواب والبركة والسلامة، فإن المراد بالرجل الذي دخل بيته بسلام المسلَّم على أهل بيته عند الدخول، أو الذي يلزم بيته طلبًا للسلامة عن الفتن، فعلى المعنى الأول المضمون به البركة فيه وفي أهل بيته، وعلى الثاني الأمن والسلامة عن الفتن، وكرر قوله: (فهو ضامن) تأكيدًا واهتمامًا وإشارة إلى أن كلًّا من الثلاثة مستقل بوجوب الضمان واستحقاق الأجر، فافهم.
стр. 1087
٧٢٨ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُطَّهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى. . . . .
ــ
٧٢٨ - [٤٠] (أبو أمامة) قوله: (فأجره كأجر الحاج المحرم) هذا من باب إلحاق الناقص بالكامل مبالغةً في الترغيب، وليس المراد التسوية من كل الوجوه، وكيف يكون كذلك والأجر على قدر التعب، وإن كانت الصلاة في حد ذاتها أفضل وأهم من الحج، وقال التُّورِبِشْتِي (١): المراد أنه ينتهي ثواب مشبه من حيث التضعيف إلى مقدار من الثواب، يوازي ثواب المشبه به من غير تضعيف، أو المراد التشبيه في وجه مخصوص، كما يقال فيما نحن فيه: إن المراد ثبوت الأجر من لدن خروجه من بيته إلى رجوعه إليه كما في الحج، ولهذا الحديث نظائر كثيرة، فقس معناها عليه، انتهى كلامه مختصرًا ملخصًا.
وقوله: (كأجر الحاج المحرم) فالصلاة الفريضة مشبهة بالحج، كالتطوع تسمى تسبيحًا، وسبحة بضم السين كالسخرة من التسخير، وقالوا في وجه تسميتها بها: إن التسبيحات في الفرائض نوافل، فصلاة النافلة شابهت تسبيحاتها في عدم الوجوب، ويمكن أن يقال: إنها لما كانت زائدة على الفرائض كانت في معنى تسبيح اللَّه وتنزيهه وتقديسه، فسميت بمطلق اسم التسبيح.
ثم هذا الحديث دل على فضيلة صلاة الضحى في المسجد، وقد دلّ حديث: (خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة) على أفضليته في البيت، وأجيب بأن ذلك مخصوص بصلاة الليل، والظاهر عمومه، وأقول: فضيلة شيء لا تنافي أفضلية غيره،
стр. 1088
لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّين". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٦٨، د: ٥٥٨].
ــ
والحق أن أفضلية النافلة في البيت لعدم الرياء، فلو كان ذلك في المسجد لكان أفضل لمكان المسجد، وسيجيء الكلام فيه في بابه إن شاء اللَّه.
وقوله: (لا ينصبه) بفتح الياء، أي: لا يخرجه ويتعبه، من نصبه الهمُّ: أتعبه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مشارق الأنوار) (٢): قال ابن دريد: أنصبه المرض ونصبه: أعياه، ونصب بالكسر كسمع: عيي من التعب، وهو تغير الحال من مرض أو تعب، انتهى. فَنَصِبَ كَفَرِحَ لازم، وكضَرَبَ متعد، ولم يعرف التُّورِبِشْتِي نصب المتعدي من التعب فقال (٣): لا يُنصبه بضم الياء، أي: لا يزعجه ولا يحمله على الخروج إلا ذلك، وأصله من النصب، وهو المعاناة والمشقة، يقال: أنصبني هذا الأمر، وهو أمر منصب، وإن كانت الرواية وردت بفتح الياء، فمعناه لا يقيمه إلا ذلك، من قولهم: نصب الشيء نصبًا: إذا أقمته ورفعته، ولا أحقق ذلك رواية، بل أوردته من طريق الاحتمال اللغوي، هذا كلامه، فتدبر.
وقوله: (إلا إياه) من إقامة الضمير المنصوب مقام المرفوع، كإقامة المرفوع مقام المنصوب في خبر الوسيلة من قوله: (وأرجو أن أكون أنا هو)، والضمائر يقام بعضها مقام بعض، وقيل: هو من باب الميل إلى المعنى؛ لأن معناه: لا يقصد ولا يريد إلا إياه.
وقوله: (كتاب في عليين) أي: عمل مكتوب في ديوان الحفظة، وقيل: اسم
стр. 1089
٧٢٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: "الْمَسَاجِدُ". قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٠٩].
٧٣٠ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ فَهُوَ حَظُّهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٢].
٧٣١ - [٤٣] وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى ﵄ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: . . . . .
ــ
أشرف الجنان كما أن سجين اسم شر النيران، وقيل: هو في الحقيقة اسم سكانها، وقيل: هو مكان فوق السماء السابع، قال التُّورِبِشْتِي (١): أولى الأقاويل أنه علم لديوان الخير الذي دون فيه أعمال الصالحين، منقول من جمع عِلِّىٍّ.
٧٢٩ - [٤١] (أبو هريرة) قوله: (قال: المساجد) سميت بذلك لأن العمل فيها سبب للحلول في رياض الجنة، ولما استعيرت الرياض للمساجد استعير الرتع للأذكار الواقعة فيها المتناولة منها.
٧٣٠ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (من أتى المسجد لشيء فهو حظه) معناه معنى حديث: (الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى)، وقد ذكرنا في شرحه في أول الكتاب النيات في دخول المسجد، فتذكر.
٧٣١ - [٤٣] (فاطمة بنت الحسين) قوله: (صلى على محمد) يدل على أن
стр. 1090
"رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا قَالَتْ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَكَذَا إِذَا خَرَجَ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ" بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى. [ت: ٣١٤، جه: ٧٧١، حم: ٦/ ٢٨٢].
٧٣٢ - [٤٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ في الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيع وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ. [د: ١٠٧٩، ت: ٣٢٢].
ــ
لفظه ﷺ للصلاة عند دخول المسجد: (صلى اللَّه على محمد) أو (اللهم صل على محمد) دون أن يقول: (صلى اللَّه عليّ) أو (اللهم صل عليّ)؛ تعليمًا للأمة لفظًا يتكلمون به، مع ما في هذا الاسم الشريف من المناسبة بنزول الرحمة وفيضانها، وما في قوله: (اللهم اغفر لي) من معنى العجز والانكسار، فافهم.
٧٣٢ - [٤٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن تناشد الأشعار) أنشد الشعر: قرأه، وتناشد: أنشد بعضهم بعضًا، والنِّشْدَةُ بالكسر: الصوت، والنشيد: رفع الصوت، والشعر المتناشد كالأنشودة، والمراد الأشعار المذمومة الباطلة، وإلا فلا منع.
وقوله: (أن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة في المسجد) وهو أن يجلسوا متحلقين حلقةً واحدةً أو أكثر وإن كان لمذاكرة علم، وذكروا في ذلك وجوهًا:
أحدها: أن التحلق يخالف هيئة اجتماع المصلين.