وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ" ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٩].
٦١٧ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخفِّفُ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٤٣].
ــ
الأمة من أهل الملة كما سبق (١).
وقوله: (لصليت بهم هذه الساعة) أي: لدُمت عليها في هذه الساعة، وهذه العبارة تدل عند الإنصاف على فضلها في هذه الساعة، وقد عرف في الفصل الأول (٢) في حديث أبي هريرة، ولكنه كان يصلي في بعض الأحيان لأول الوقت إذا حضروا كلهم أو أكثرهم كما جاء في حديث آخر وهو مذهب أحمد ﵀، ولم يثبت الالتزام منه على الدوام على الصلاة لأول الوقت، وفي كلا الصورتين شفقة ورحمة منه ﷺ ، وجزاه عن الأمة خيرًا.
٦١٧ - [٣١] (جابر بن سمرة) قوله: (نحوًا من صلاتكم) أي: في الأوقات.
وقوله: (وكان يؤخر العتمة) وهذا الحديث ونحوه حجة على الشافعي ﵀ في التزامه أول الوقت في كل الصلوات، وهم يقولون: إن كل ما جاء من هذا القبيل فهو مبني على عذر، ولكنه لا يخفى أن الحديث السابق يدل على فضله.
وقوله: (وكان يخفف الصلاة) أي: إذا كان إمامًا، وهذا باعتبار الأغلب إذ يأتي أنه قرأ الأعراف في صلاة المغرب، ويجيء تحقيقه في (باب ما على الإمام)، قال الترمذي: وتأخير العشاء الآخرة هو الذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ
стр. 982
٦١٨ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ" فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا، فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ". . . . .
ــ
والتابعين، وبه يقول أحمد وإسحاق رحمهما اللَّه.
٦١٨ - [٣٢] (أبو سعيد) قوله: (فلم يخرج) من عطف التفصيل على الإجمال، أو المراد: صلينا ليالي فلم يخرج في ليلة، فافهم.
وقوله: (نحو من شطر الليل) في (القاموس) (١): الشطر نصف الشيء وجزؤه، ومنه حديث الإسراء: فوضع شطرها، أي: بعضها، والمراد في الحديث معنى النصف كما لا يخفى.
وقوله: (خذوا مقاعدكم) أي: اصطفوا للصلاة كما في قوله سبحانه: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١].
وقوله: (إن الناس) أي: بقية أهل الأرض كما في خبر آخر: ما ينتظرها أهل دين غيركم؛ لكونها غير واجبة على غير هذه الأمة، فالمراد بالصلاة المغرب، كذا في شرح الشيخ، وقد يقال: المراد ممن عداهم من هذه البلدة من أهل المحلات الذين لم يكونوا حاضرين في المسجد النبوي ﷺ ، وهذا المعنى أنسب بالمقام وبقوله: (ما انتظرتم الصلاة)، ولكن قد صرحوا أن المراد هو الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: (في صلاة) بالتنوين، كأنه للتنويع فإن انتظار الصلاة نوع من الصلاة غير
"يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوُا الْقِبْلَةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٤].
٦٢٣ - [٣٧] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٣].
* * *
ــ
في (التقريب) (١).
وقوله: (فهي لكم) أي: ثوابها في أول وقتها لكم إن صليتموها أولًا، ثم معهم، وكذا إن أخرتموها إلى الصلاة معهم؛ لأنكم لم تؤخروها إلا لخوف الفتنة.
٦٢٣ - [٣٧] (عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار) قوله: (إنك إمام عامة) يريد الإمامة الكبرى وهي الخلافة، والمراد في قوله بـ (إمام فتنة): رئيس أهل الفتنة والبغي وهو كنانة بن بشر.
وقوله: (ونتحرج) الحرج لغة: الضيق على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، والتحرج التأثم، أي: نتحرج من الإثم ونجتنبه، تحرج فلان: إذا فعل فعلًا يخرج به من الإثم والضيق، ومنه حديث: (يتحرج أن يطوف) كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة خروجًا من الحرج والإثم، ومنه: (فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا) أي: تجنبًا من الإثم وخروجًا، فالمراد: لا نصلي مع إمام الفتنة خروجًا من الإثم والحرام، وفي
стр. 985
٣ - باب فضائل الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٢٤ - [١] عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا". يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٤].
ــ
الحديث دليل على جواز الصلاة خلف الفئة الباغية كما ورد: (صلُّوا خلف كلِّ بر وفاجر).
٣ - باب
هكذا في أكثر النسخ من غير ذكر عنوان، وهو في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلاة وأوقاتها، ومن عادة المؤلف أن يذكر في مواضع هكذا بابًا مطلقًا في توابع ومتممات لما سبق من غير أن يقيده بشيء.
الفصل الأول
٦٢٤ - [١] (عمارة) قوله: (عن عمارة) بضم العين المهملة مخففًا، (ابن رويبة) براء مهملة وموحدة مصغرًا.
وقوله: (لن يلج) الولوج: الدخول، والمراد: الدخول للتعذيب كما يكون للعصاة، وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فليس كذلك، ولهذا يعم الكل من الأنبياء والمرسلين سوى سيد المرسلين صلى اللَّه عليه وعليهم أجمعين ففيه اختلاف.
وقوله: (يعني الفجر والعصر) وذلك لغاية فضلهما، وظاهر الحديث يدل على أن مصليها لا يدخل النار لا لأجل ترك الصلوات الأخر ولا لأجل ارتكاب الذنوب
стр. 986
٦٢٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الْبَرْدينِ دَخَلَ الْجَنَّةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٤، م: ٦٣٥].
ــ
الأخر، لصيرورتهما مكفَّرتين لها، وفضل اللَّه أوسع، لكنه ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص الكفارة بالصغائر.
وقال الطيبي (١): الظاهر من حال من يحافظ عليهما مع ما فيهما من التثاقل والتشاغل أن لا يقع منه تفريط في غيرهما فيغفر له، ولن يلج النار، وفيه أنه إن أريد غيرهما من الصلوات فمسلَّم لكنه يبقى الذنوب الأُخر، وإن أريد أنه لا يقع منه تفريط أصلًا فمحلُّ تردد.
وبالجملة الظاهر أن المراد المبالغة في بيان فضلهما، وأن من شأن من يحافظ عليهما أن لا يدخل النار إلا أن اللَّه سبحانه يجزي كل أحد على كل عمل بما هو جزاؤه، ومع ذلك إن شاء لم يعذّب ويعفو بفضله ورضاه عن فاعلهما، واللَّه أعلم.
٦٢٥ - [٢] (أبو موسى) قوله: (من صلى البردين) في (القاموس) (٢): الأبردان: الغداة والعشي كالبردين، والأكثرون على أن المراد بهما الفجر والعصر لكونهما في طرفي النهار، والبرد هواؤهما بخلاف ما بينهما من النهار، وكفى بالحديث السابق تأييدًا لذلك، ونقل عن جماعة أنهما الصبح والعشاء، وتأويله ما ذكرناه، على أن الأمر في هذا الحديث أسهل من ذلك؛ لأن البشارة ههنا بدخول الجنة وهو ثابت للمؤمنين ولو بعد دخول النار، خصوصًا لمن يصلي أفضل الصلوات، وهناك بعدم دخول النار قطعًا، وللتأويل مجال واسع.
стр. 987
٦٢٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيَقُولُونَ: . . . . .
ــ
قال التُّورِبِشْتِي (١): ومن المفهوم الواضح أن النبي ﷺ لم يخصص هاتين الصلاتين بالمحافظة تسهيلًا للأمر في إضاعة غيرهما من الصلوات، أو ترخيصًا لتأخيرهما عن أوقاتهما، وإنما أمر بأدائهما في الوقت المختار والمحافظة عليهما في جماعة لما فيهما من الفضل والزيادة، فنبّه المكلفين على هذه المعاني بزيادة تأكيد، وقد علم ﷺ أنه إذا حافظ عليهما مع ما في وقتيهما من الشواغل والقواطع لم يكن ليضيع غيرهما من الصلوات مع أن الأمر في إقامتها أيسر، انتهى. وهذا الكلام يومئ إلى أن المراد عدم المعاقبة لأجل ترك الصلوات لا جميع الذنوب كما ذكرنا أولًا، والعلم عند اللَّه.
٦٢٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يتعاقبون) أي: يجيء طائفة عقب طائفة لرفع أعمال العباد، ويجتمعون في الصعود والنزول، وهو من باب ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] وفيه وجوه، أحدها: أن الواو حرفٌ علامةً على جمع الفاعل، لا ضمير كالتاء في فعلت، وثانيها: أن الاسم المظهر المذكور بدل منه، وثالثها: أنه خبر مقدم.
وقوله: (ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر) وهذا هو أحد وجوه فضل هاتين الصلاتين.
وقوله: (فيسألهم) أي: الذين باتوا فيكم، ظاهره يدل على أن المسؤول منهم ملائكة الليل، ويوجه تخصيصهم بأن الليل أفضل من النهار، فيكون ملائكته أفضل،
стр. 988
تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٥، م: ٦٣٢].
٦٢٧ - [٤] وَعَنْ جُنْدُبٍ الْقَسْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ. . . . .
ــ
كذا في شرح الشيخ، ويمكن أن يقال: الحكمة في سؤال الرب تعالى الملائكة عن أعمال عباده إظهار الفضل والكرامة لهم بتسبيحهم وتقديسهم، هو في الليل أفضل وأشق وأدخل في الإخلاص، فلهذا يسأل حملة أعمال الليل (١).
وإنما قال الشيخ (٢): ظاهره يدل؛ لأنه يجوز أن يسأل ملائكة النهار أيضًا لكنه لم يذكر في الحديث اكتفاءً، وللعلم به بالمقايسة.
وقوله: (تركناهم وهم يصلون) أي: صلاة الفجر، (وأتيناهم وهم يصلون) أي: العصر، وقد يفهم منه كون وقت العصر في آخر النهار، إذ الظاهر أن ملائكة النهار يصعدون وملائكة الليل ينزلون في آخر النهار، وقد وقع: (أتيناهم يصلون) إلا أن يراد الإخبار بالصلاة في وقت العصر كله، ثم يجوز أن يكون بعض الناس مصلين مع كراهته، أو يكفي مقارنة الحال لعاملها في جزء، فافهم.
٦٢٧ - [٤] (جندب القسري) قوله: (وعن جندب) بضم الدال وفتحها، (القسري) بفتح القاف وسكون المهملة آخره راء.
وقوله: (فهو في ذمة اللَّه) أي: في عهده وأمانه.
وقوله: (فلا يطلبنكم اللَّه) من وضع المسبَّب موضع السبب، أي: لا تتعرضوا
стр. 989
مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ "الْمَصَابِيحِ" الْقُشَيْرِي بَدَلُ الْقَسرِي. [م: ٦٥٧].
٦٢٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا،
ــ
لما يوجب مطالبة اللَّه إياكم من نقض عهده وخيانة أمانته.
وقوله: (من ذمته) أي: من خيانتكم في ذمته وأمانته تعالى، و (من) تبعيضية أو بيانية قدمت على المبيَّن، وفي تكرير الجلالة والذمة مع إقامة المسبَّب مُقام السبب مبالغة وتأكيد.
وقوله: (بشيء) أي: بشيء قليل فضلًا عن كثير، والمعنى: لا تتعرضوا لمن صلى صلاة الصبح بشيء يسير، فإن تعرضتم يدرككم اللَّه ويكبكم على وجوهكم إذ لا مهرب ولا مفر عنه تعالى.
٦٢٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لو يعلم الناس) عدل عن الماضي إلى المضارع لقصد الاستمرار، أي: لو علم الناس ما في منصب الأذان والاستباق إلى الصف الأول من الفضيلة، وجاء في رواية أبي الشيخ: (من الخير والبركة)، (ثم لم يجدوا) أي: شيئًا من وجوه الأولوية والرجحان (إلا أن يستهموا عليه) أي: يقترعوا، وسمي الاقتراع استهامًا؛ لأن الغالب وقوعه بسهام تكتب عليها الأسماء لاقترعوا، أي: ذلك أمر عظيم يُتنافس فيه ويُتنازع ويُقترع عليه، وحمل بعضهم الاستهام على الترامي بالسهام للمبالغة، واستأنس بحديث لفظه: (لتجادلوا عليه بالسيوف)، لكنَّ فهمَ البخاري من الاستهام الاقتراع أولى؛ لمَا ذكر أن قوما اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد بن أبي وقاص ﵁.
стр. 990
وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٥، م: ٤٣٧].
ــ
وقوله: (ثم لم يجدوا) قال في (الفتح) (١): وفي رواية المستملي والحَمُّوي: (ثم لا يجدون)، وحكى الكرماني أن في بعض الروايات: (ثم لا يجدوا)، ووجَّه بجواز حذف النون تخفيفًا، ولم أقف على هذه الرواية، وقوله: (إلا أن يستهموا عليه) أي: على ما ذكر ليشمل الأمرين: الأذان، وصف الأول، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقد رواه عبد الرزاق عن الإمام مالك ﵀ بلفظ: (لاستهموا عليهما)، وهذا مفصح عن المراد من غير تكلف.
وقوله: (ولو يعلمون ما في التهجير) أي: صلاة الظهر، أي: إيقاعها وقت المهاجرة، وفي (مجمع البحار) (٢): أي: التبكير إلى الصلاة أيَّ صلاة كانت، وخصه الخليل بالجمعة، وفي (النهاية) (٣): التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه، وهذا لغة أهل الحجاز، ولا بد يكون ذلك في غير شدة الحر فإن الإبراد فيه مستحب كما عرفت.
وقوله: (لأتوهما ولم حبوًا) في (القاموس) (٤): حبا الرجل: مشى على يديه وبطنه، والصبي: مشى على استه، وأشرف على صدره.
وفي (مشارق الأنوار) (٥): حبا الصبي يحبو حبوًا: زحف، قال ابن دريد: إذا
стр. 991
٦٢٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِق مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧، م: ٦٥١].
٦٣٠ - [٧] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٥٦].
٦٣١ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتكُمُ الْمَغْرِبِ". قَالَ: "وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: . . . . .
ــ
مشى على استه وأشرف على صدره، وقال الحربي: مشى على يديه.
٦٢٩ - [٦] (عنه) قوله: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء) لكونه وقت الكسل وقلة مُراءاة الناس.
٦٣٠ - [٧] (عثمان ﵁) قوله: (فكأنما صلى الليل كله) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه لما حصل لصلاة العشاء ثواب قيام نصف الليل، ثم القيام لصلاة الصبح، وثانيهما: أن صلاة الصبح في حكم قيام كل الليل مستقلَّا، وحقيقته موكول إلى علم الشارع، والتعبير بالقيام أولًا وبالصلاة ثانيًا تفنن.
٦٣١، ٦٣٢ - [٨، ٩] (ابن عمر) قوله: (لا يغلبنكم) بلفظ التذكير والتأنيث، وكذا أخواته، ولعل التعبير بالأعراب وإن كان العرب أيضًا يسمونه بذلك تهجينٌ لشأنهم في الجهل والتكلم بما يخالف لسان الدين، واللَّه أعلم.
وقوله: (المغرب) بدل من (صلاتكم).
وقوله: (قال) فاعلُه ابن عمر أو النبي ﷺ ، والثاني أرجح.
стр. 992
هِيَ الْعِشَاءُ".
٦٣٢ - [٩] وَقَالَ: "لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّه الْعِشَاءُ فَإِنَّهَا تُعْتَمُ بِحِلَابِ الإْبِلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٤٤].
٦٣٣ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: "حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى: صَلَاةِ الْعَصْرِ،
ــ
وقوله: (فإنها في كتاب اللَّه العشاء) علة للنهي، أي: اسمها في القرآن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، ولا يليق العدول عما في كتاب اللَّه، (فإنها تعتم) تعليل لتسمية الأعراب العشاء عتمة، و (تُعْتَمُ) ضبط بلفظ المجهول والمعلوم من الإعتام، فعلى الأول الضمير لصلاة العشاء، وعلى الثاني للأعراب، والإعتام: الدخول في الظلام؛ لأنهم كانوا يحلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق، والعتمة الظلمة، والمعنى: لا تسموا المغرب عشاء والعشاء عتمة على لسان أهل الجاهلية، فالنهي في الظاهر للأعراب، وفي الحقيقة للمسلمين بوضع المسبَّب موضع السبب كما سبق في قوله: (لا يطلبنكم اللَّه من ذمته).
وما وقع في الأحاديث من تسمية العشاء عتمة محمول على ما قبل النهي، وقيل: لا كراهة لكثرة وقوعها فيها، وقيل: استعمل لبيان الجواز، أو يكون النهي عن إطلاقه في أغلب الأحوال لا أحيانًا، ومع ذلك الكراهة للتنزيه لا للتحريم، وسبب الكراهة التشبه بأهل الجاهلية كما يفهم من سوق الحديث، وقيل: قبح لفظه إذ العتمة شدة الظلال، والصلاة هي النور الأعظم.
٦٣٣ - [١٠] (علي ﵁) قوله: (يوم الخندق) وهو غزوة الأحزاب فات فيها أربع صلوات منها العصر، وتخصيصها بالتحسر لفضلها، و (صلاة الوسطى) مما يرى من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو متأوَّل، أي: صلاة الساعة الوسطى كما في
стр. 993
مَلأَ اللَّه بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٣٣، ٤١١١، ٦٣٩٦، م: ٦٢٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٦٣٤ - [١١] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨١].
٦٣٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قَالَ: "تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ. . . . .
ــ
(صلاة الأولى)، و (جانب الغربي) أي: المكان الغربي، وقد يجيء بالتوصيف أيضًا كما في: الفصل الثالث، ثم قد وقع الاختلاف في المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والأكثر على أنها صلاة العصر، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وذهب مالك والشافعي ﵏ أنها صلاة الصبح، وقال النووي: والذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها صلاة العصر، وهو المختار.
وقوله: (ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارًا) دعاء بعذاب الدارين، فهو من باب المجاز دون الجمع بين الحقيقة والمجاز.
الفصل الثاني
٦٣٤ - [١١] (ابن مسعود وسمرة بن جندب) قوله: (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث صحيح، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم.
٦٣٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (إن قرآن الفجر) أي: صلاة الصبح، سميت قرآنًا لكونه ركنًا كما سميت ركوعًا وسجودًا، وقد يفسر بالقراءة في صلاة الفجر، ورجح الإمام الرازي هذا التفسير، ويلزم منه فضل صلاة الفجر ووقتِها أيضًا، (تشهده ملائكة
стр. 994
اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٣٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٣٦ - [١٣] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَة قَالَا: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ عَن زَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا تَعْلِيقًا. [ط: ٣١٥، ت: ١٨٢].
ــ
الليل وملائكة النهار) قال البيضاوي (١) في تفسير قوله: ﴿مَشْهُودًا﴾: أو شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء، والنومِ الذي هو أخو الموت بالانتباه، أو كثير من المصلين، أو من حقه أن يشهده الجم الغفير.
الفصل الثالث
٦٣٦ - [١٣] (زيد بن ثابت وعائشة) قوله: (قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر) أما إن أخذ الوسطى من التوسط بمعنى الوقوع في البين فلأنها في وسط النهار، وإن كان بمعنى الفضلى فلأنها كانت أشق الصلوات عليهم لكونها بالهاجرة، وقد ورد أن أفضل العبادات أحمزها، أي: أشدها وأشقها، والحمازة: الشدة، ولأنها أول صلاة ظهرت وصليت مع أن فرض الصلوات كان ليلًا، فأخر تعليمُ جبريل النبيَّ ﷺ كيفية الصلاة ووقتها إليها.
وقوله: (والترمذي عنهما تعليقًا) أي: روى الترمذي هذا القول عن زيد وعائشة ﵂ بطريق التعليق، والتعليق أن يحذف من أول الإسناد كلًّا أو بعضًا سواء كان الحذف مرفوعًا أو موقوفًا أو مقطوعًا، وقد سبق في المقدمة بيانها، فالترمذي قال: وقال زيد بن ثابت وعائشة ﵄: صلاة الوسطى صلاة الظهر، قال الطيبي (٢): وإليه ذهب أبو سعيد الخدري وأسامة بن زيد ﵄.
стр. 995
٦٣٧ - [١٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَالَ: إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ١٨٣، د: ٤١١].
٦٣٨ - [١٥] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّه بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْح. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأِ". [ط: ٣١٦].
٦٣٩ - [١٦] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَن ابْن عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ تَعْلِيقًا. [ت: ١٨٢].
ــ
٦٣٧ - [١٤] (زيد بن ثابت) قوله: (فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) أي: الفضلى، فعُطِفَ عَطْفَ الخاص على العام إشارةً إلى مزيد فضله، (وقال) أي: زيد أو الراوي عنه في إثبات التوسط: (إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين) إحداهما نهارية والأخرى ليلية، أما قبلها فالفجر والعشاء، وأما بعدها فالعصر والمغرب، وإنما قلنا هذا لتحصل للظهر خصوصية، وإلا فكل صلاة قبلها صلاتان وبعدها صلاتان، ويمكن أن يكون المراد أن التوسط ثابت لكل صلاة، ويختص الظهر بمزيد فضل، فتكون هي المرادةَ من قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ المقتضي لثبوت خصوصيةٍ وفضل لما أريد بها، وهذا دليل من زيد بن ثابت على إثبات مدعاه، فظهر أنه قال ذلك باجتهاده، واللَّه أعلم.
٦٣٨ - [١٥] (مالك) قوله: (كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح) وجْهه: أنها بين صلاتي النهار والليل، والواقع بين الحد المشترك بينهما، ولأنها مشهودة.
٦٣٩ - [١٦] قوله: (ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقًا) ليس في
стр. 996
٦٤٠ - [١٧] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ غَدَا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الإِيمَانِ، وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ غَدَا بِرَايَةِ إِبْلِيسَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٢٥٣].
* * *
ــ
(جامع الترمذي) ذكر ابن عمر صريحًا، ولفظه: وقال ابن عباس وغيره: صلاة الوسطى صلاة الصبح.
هذا وقيل: إنها المغرب لأنها المتوسطة بالعدد ووتر النهار، وقيل: العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي الليل، مع ما في أدائها من مزيد مشقة ومزيد فضلٍ لكونها من خصائص هذه الأمة، وكأنه من ههنا ذهب بعضهم أنه واحد مبهم من الخمس، أبهمها اللَّه تحريضًا على محافظة جميعها كما في ليلة القدر وساعة الجمعة، ومما ألقي في رُوع الكاتب من غير فكر وتوجه: أن المراد الصلاة الواقعة في وسط العمل والشواغل، فإنها أحق وأجدر بالاهتمام والمحافظة، واللَّه أعلم.
والأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى رسول اللَّه ﷺ قد قطعت النزاع إذ لا حجة بعدها، ويحتمل أن تكون هذه الأقوال من الصحابة والتابعين باجتهاد منهم قبل سماعهم من الرسول ﷺ وقبل وصول الحديث إليهم، ثم لما سمعوا الحديث ووصل إليهم أنها صلاة العصر رجعوا عن أقاويلهم، ولنعم ما قال الماوردي من الشافعية: نص الشافعي ﵀ أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، وكان هذا هو مذهبَه لقوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بمذهبي على عرض الحائط، ﵀.
٦٤٠ - [١٧] (سلمان) قوله: (ومن غدا إلى السوق) أي: من غير أن يغدوا إلى الصبح، وإلا لو غدا بعد أداء الصلاة وإقامة الأوراد لكسب الرزق الحلال وحاجةٍ له إليه فلا بأس.
стр. 997
٤ - باب الأذان
ــ
٤ - باب الأذان
الأذان في اللغة: الإعلام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: الإعلام، وأصله من الأذن بفتحتين، وهو الاستماع، وأَذِنَ به: عَلِمه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] كأنه يلقي في أذن الناس بصوته، إذا سمعوه علموا أنهم ندبوا لذلك.
وفي الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة بذكرٍ مخصوصٍ في وقتٍ مخصوص، وهو مشروعٌ للصلوات الخمس بالإجماع.
والمشهور أن شرعيته في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية، ثم المشهور أنه ثبت برؤيا عبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، ورؤية عمر بن الخطاب ﵃، وقد وقع في (الأوسط) (١) للطبراني: أن أبا بكر الصديق ﵁ أيضًا رأى الأذان، وفي (الوسيط) (٢) للغزالي: أنه رآه بضعة عشر رجلًا، وصرح بعضهم بأربعة عشر، وأنكره ابن الصلاح والنووي، وفي (سيرة مغلطاي): أنه رآه سبعة من الأنصار.
وقال الحافظ ابن حجر (٣): لا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد اللَّه بن زيد، وقصة عمر ﵁ جاءت في بعض الطرق، والصحيح أنه أوحي إليه ﷺ بعد رؤيا عبد اللَّه بن زيد، وهو المراد بقوله ﷺ حين ذكر عبد اللَّه بن زيد رؤياه: (إنها لرؤيا حقٍّ إن شاء اللَّه) ترقبًا منه ﷺ نزول الوحي بذلك.
стр. 998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد وقع فيما رواه عبد الرزاق وأبو داود في (المراسيل) (١) من طريق عبيد بن عمير الليثي -أحد كبار التابعين- أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي ﷺ ، فقال له ﷺ : (قد سبقك بذلك الوحي)، وهذا أصح. وقد روى البزار (٢) عن علي ﵁ أنه قال: لما أراد اللَّه أن يعلم رسوله الأذان جاء جبرئيل ﵇ بدابة يقال له: البراق، فركبها حتى أتى بها الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب فقال: يا جبرئيل من هذا؟ فقال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانًا وإن هذا الملكَ ما رأيته منذ خُلِقْتُ قبل ساعتي هذه، فقال الملك: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، وذكر بقية الأذان.
ووردت فيه أحاديث كلها ضعيفة مخالفة لما ورد في الخبر الصحيح من أن بَدْءَ الأذان كان بالمدينة، وقيل: إنه ﷺ أُريَه ليلة الإسراء، أو فهو قد شُرِعَ بمكة قبل الهجرة.
وقال في (فتح الباري) (٣): والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور، وأيّد ذلك بأنه لو كان مشروعًا قبل ذلك لما احتاج إلى التشاور، وقد يقال: الذي سمع ليلة الإسراء هو كلمات الأذان من غير أن يؤمر بإقامته وقت الصلاة، وعَلِمَ بعد رؤيا القوم أن مراد اللَّه بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، واللَّه أعلم.
стр. 999
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٤١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى،
ــ
الفصل الأول
٦٤١ - [١] (أنس) قوله: (ذكروا النار والناقوس) أول القصة ما ذكر في الفصل الثالث عن ابن عمر ﵄: (أن المسلمين كانوا حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنون للصلاة) الحديث.
وقال التُّورِبِشْتِي: هذا الحديث إما أن يكون مبسوطًا فاختُصر، وإما أن يكون أنس قد حدَّث به على ما هو عليه، فلم يضبط الراوي، وحدث به حين علاه السنُّ فلم يتذكر القصة فيه.
وقوله: (ذكروا النار)، قال بعضهم: نوقد نارًا ونرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة، وقوله: (والناقوس)، في (القاموس) (١): الناقوس: الذي يضربه النصارى لأوقات صلاتهم، خشبة كبيرة طويلة، وأخرى قصيرة، واسمها الوبيل، وفي (مجمع البحار) (٢): خشبة طويلة تضرب بخشبة هي أصغر منها، والنصارى يعلمون بها أوقات صلاتهم، وكذا قال السيوطي في (شرح صحيح البخاري) (٣).
وقال الكرماني (٤): الناقوس: الذي يضربه النصارى لوقت الصلاة.
стр. 1000
فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. . . . .
ــ
وفي (فتح الباري) (١): ووقع لابن ماجه عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ استشار الناس لما يجمعهم إلى الصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى)، ووقع في بعض النسخ: (بل قرنًا)، وهي رواية مسلم والنسائي (٢)، والبوق والقرن معروفان، والمراد أنه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمى أيضًا الشبّور بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمومة الثقيلة، انتهى. وفي (القاموس) (٣): البوق بالضم: الذي ينفخ فيه ويزمر.
ثم الظاهر من هذا الحديث أن النار لليهود والناقوس للنصارى، وعليه كلام الطيبي (٤).
وذكر في بعض شروح (الهداية): أنه أشير إلى الناقوس فقيل: هو للنصارى، وأشير إلى النفخ في القرن فقيل: هو لليهود، وأشير إلى إيقاد النار فقيل: هو للمجوس.
ولكن يختلج أن المجوس ليس لهم صلاة، فالمراد أن إيقاد النار من دأبهم سواء كان للإعلام لوقت العبادة أو لا، وهم يعبدون النار.
وقال التُّورِبِشْتِي: المشهور عن اليهود أنهم كانوا ينفخون في قرن، وقد ذُكر ذلك في حديث الأذان، ولم تُذكر النار إلا من حديث أنس هذا، فلعلهم صنعوا الأمرين، أو كانوا فريقين: فريق يوقد النار وفريق ينفخ في القرن.
وقوله: (فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة) هذا مذهب الأئمة الثلاثة
стр. 1001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتمسكهم بهذا الحديث، وقال الترمذي (١): وفي الباب عن ابن عمر ﵄، وقال: حديث أنس حسن صحيح، وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأورد حديثًا آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد اللَّه بن زيد قال: (كان أذان رسول اللَّه ﷺ شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة)، وقال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة.
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): روى أبو داود عن ابن أبي ليلى عن معاذ ﵁، وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: (فاستقبل القبلة) يعني الملك (قال: اللَّه أكبر) إلى آخر الأذان، قال: (ثم أمهل هُنيةً، ثم قام فقال مثلها إلا أنه زاد بعد ما قال: حي على الفلاح: قد قامت الصلاة)، وقال: إن ابن أبي ليلى لم يدرك معاذًا، وهو مع ذلك حجة عندنا، إذ روى ابن أبي شيبة (٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بسندٍ قال في (الإمام): رجاله رجال الصحيحين، قال: (ثنا أصحاب محمد ﷺ أن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه رأيت في المنام كأن رجلًا قام وعليه بردان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى)، الحديث، ولابن ماجه قال -يعني أبا محذورة-: (علمني رسول اللَّه ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة: اللَّه أكبر اللَّه أكبر)، الحديث، وفيه الترجيع، والإقامة سبع عشرة كلمة: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، إلى آخره، وفيه تثنية التشهدين والحيعلتين، وقد قامت الصلاة، وللترمذي: علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة.
стр. 1002
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُهُ لِأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلَّا الإِقَامَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣، م: ٣٧٨].
ــ
وأما الاستدلال للشافعي ﵀ بالحديث المتفق عليه فلا يخفى أن ما رويناه نصٌّ على العدد، وعلى حكاية كلمات الأذان، فانقطع الاحتمال بالكلية، بخلاف: أمر أن يوتر الإقامة، فإن بعد كون الآمر هو الشارع، فالإقامة اسم لمجموع الذكر، وتعليق الإيتار بها نفسها لا يراد على ظاهره، وهو أن يقول: الإقامة التي هي مجموع الذكر مرة لا مرتين، فلزم كونه إما إيتار ألفاظها كما ذهب إليه، أو إيتار صوتها بأن يَحْدُرَ فيها كما هو المتوارث، فيجب الحمل على الثاني ليوافق ما رويناه من النص الغير المحتمِل. كيف وقد قال الطحاوي: تواترت الأخبار عن بلال ﵁ أنه كان يُثَنِّي الإقامة حتى مات، وعن إبراهيم النخعي: كانت الإقامة مثل الأذان، حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة واحدة للسرعة إذا خرجوا، يعني: بني أمية، كما قال أبو الفرج ابن الجوزي: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى، فلما قام بنو أمية أفردوا الإقامة، انتهى كلام ابن الهمام.
وقال الشُّمُنِّي: روى الطحاوي والبيهقي في (الخلافيات) عن أبي العميس قال: سمعت عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري يحدث عن أبيه عن جده: (أنه رأى الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى).
وقوله: (قال إسماعيل) أحد رواة الحديث، شيخ شيخ البخاري ومسلم، وهذا القول أيضًا مذكور في الصحيحين، لكنه ذكره البخاري بلفظ: إسماعيل بن إبراهيم، ومسلم: إسماعيل بن عُلَيَّة، وإبراهيم اسم أبيه وعلية اسم أمه.
قوله: (إلا الإقامة) أي: إلا لفظ (قد قامت الصلاة) فإنه يثنَّى.
قوله: (متفق عليه) الاستثناء مذكور في الحديث المتفق عليه، وقد تفرد بهذا
стр. 1003
٦٤٢ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ: أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: "قُل: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،
ــ
البخاري أيضًا، ولم يذكر فيه الاستثناء، فأخذ به مالك ﵀، فعنده يوتر الإقامة، أي: قوله: (قد قامت الصلاة) أيضًا.
٦٤٢ - [٢] (أبو محذورة) قوله: (وعن أبي محذورة قال: ألقى علي رسول اللَّه ﷺ التأذين فقال: قل: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، اللَّه أكبر اللَّه أكبر) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) و (المصابيح): (اللَّه أكبر) أربع مرات كما هو المعهود في الأذان، قال الشيخ ابن الهمام (١): روى مسلم التكبير في أوله مرتين، وبه يستدل مالك ﵀، ورواه أبو داود والنسائي التكبير في أوله أربعًا وإسناده صحيح، انتهى.
وقال النووي في شرح هذا الحديث (٢): وقع التكبير في أكثر الروايات مرتين، وبه قال مالك، وهو عمل أهل المدينة، ووقع في بعض طرق الفارسي في (صحيح مسلم) أربع مرات، وبه قال الثلاثة الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ﵏ والجمهور؛ لأن زيادة الثقة مقبولة.
وقوله: (ثم تعود. . . إلخ)، وهذا هو الترجيع، وهو من الرجع، يعني معاودة الكلام، وفي اصطلاح الفقهاء: هو إعادة الشهادتين بعد ذكرهما بخفضِ الصوت أرفع
стр. 1004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الصوت الأول، وهو سنة عند مالك والشافعي رحمهما اللَّه، واختلفت الرواية عن أحمد، وظاهر مذهبه عدم الترجيع، وقال أئمة مذهبه: الخلاف في الاختيار، ولا خلاف في جواز الأمرين من غير كراهة، وقيل عنه: يكره الترجيع، ونُقل عنه: أنه قال: قد رجع النبي ﷺ عن أذان أبي محذورة، فأقرَّ بلالًا على أذان عبد اللَّه بن زيد، ولا ينافيه ما قيل: إن أذان عبد اللَّه بن زيد كان بالمدينة، وأذان أبي محذورة كان بعد فتح مكة.
والترجيع ليس بسنة عندنا.
وقال في (الهداية) (١): ولنا أنه لا ترجيع في المشاهير، وكان ما رواه تعليمًا فظنه ترجيعًا.
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): منها حديث عبد اللَّه بن زيد بجميع طرقه، ومنها ما في (سنن أبي داود) عن ابن عمر ﵄، ورواه ابن خزيمة وابن حبان، فاحتمل أن يكون ذلك في حديث أبي محذورة؛ لأنه لم يمدّ بها صوته على الوجه الذي أراده النبي ﷺ ، فقال: (ارجع فَمُدَّ بها صوتك)، وهو المراد بقول المصنف: (وكان ما رواه تعليمًا) أي: تعليمًا لكيفية أذانه، فظنه ترجيعًا، واستشكل بما في (أبي داود) بإسناد صحيح عن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول اللَّه! علمني سنة الأذان، قال: (تقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، تخفض بها صوتك، ثم ترفع بها صوتك)، هذا وقد روى الطبراني عن أبي محذورة ولم يذكر فيه ترجيعًا، فيعارض رواية أبي محذورة فيتساقطان، ويبقى
стр. 1005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما قدمناه من حديث ابن عمر، وحديث عبد اللَّه بن زيد سالمًا من المعارض، ويترجح عدم الترجيع؛ لأن حديث عبد اللَّه بن زيد هو الأصل في الأذان، وليس فيه ترجيع، فيبقى معه إلى أن يتحقق خلافه، لكن خلافه متعارضٌ فلا يرفع حكمًا تحقّق ثبوتُه بلا معارض، انتهى.
وقال التُّورِبِشْتِي: حديث أبي محذورة عند من لا يرى الترجيع مؤول على أن أبا محذورة لم يرفع صوته بتلك الكلمات التي هي علم الإيمان ومنار التوحيد، فأمره أن يرجع فيمد بها صوته، ذكر ذلك أبو بكر الرازي، وهو تأويل حسن مستقيم، تشهد له قصة الحال بالإصابة، وذلك أن أبا محذورة كان في جماعة من مشركي مكة، شردوا في الجبال بعد فتح مكة، فسمعوا منادي رسول اللَّه ﷺ ينادي بالصلاة، فطفقوا ينادون ويستهزؤون به، فبلغ الصوت رسول اللَّه ﷺ فأرسل في طلبهم، فأتي بهم، فقال: أيكم الذين سمعت صوتهم؟ فأشاروا إلى أبي محذورة فأطلقهم وحبسه.
ثم قال: قم فأذن بالصلاة، فقال أبو محذورة: فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول اللَّه ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يديه فألقى إلي التأذين هو بنفسه، وذكر الحديث، فكأنه لشدة كراهته تهاون في رفع الصوت، فأمره أن يرجع، فيمد صوته بالشهادتين؛ لأنهما كانتا هما الموجبتين لكراهته.
وقال: وعلى هذا الذي ذكرت أراه محتملًا لوجه آخر، وهو أن يكون قصد النبي ﷺ في الشهادتين عرض الإسلام عليه، وإنما استحسنا التأويل؛ لأن الترجيع لم يذكر في شيء من الأحاديث إلا في حديث أبي محذورة، لا في حديث بلال، وهو زعيم المؤذنين، وإليه المرجع في سنة الأذان فهو المتبوع، ولم يرو عن ابن أم مكتوم ولا عن سعد القَرَظ مؤذن مسجد قباء، ولم يرو عن أحد الترجيع إلا ما رُوي عن أبي
стр. 1006
حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٧٩].
ــ
محذورة، وما يدل على أن الترجيع من صلب الأذان كقوله: (علمني الأذان تسع عشرة كلمة)، والأشبه أنه حسب ذلك لقصور فهمه ساعتئذ عما خوطب به، ولا نكر (١) في هذا، فقد ابتلي بأعظم من ذلك من هو أقدم منه صحبةً وأوفر علمًا، انتهى.
وذكر السغناقي من الأسرار: أن النبي ﷺ أمر أبا محذورة بذلك لحكمة رويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يبغض رسول اللَّه ﷺ قبل الإسلام أشدَّ البغض، فلما أسلم أمره رسول اللَّه بالأذان، فلما بلغ كلمات الشهادة خفض صوته حياء من قومه، فدعاه رسول اللَّه ﷺ وعرك أذنه وقال له: ارجع وامدد بها صوتك.
وقوله: (حي على الصلاة) حي بفتح الياء اسم لفعل الأمر، يقال: حي على الثريد، وقال في (المشارق) (٢): حي على الصلاة وحي على الفلاح، وإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، وحي هلا بكم، وحي على الوضوء، معنى هذا كله: أقبِلْ وهلمَّ على الوضوء والصلاة، وعلى ذكر عمر عند ذكر الصالحين، قال السلمي: حي اعجل، هلا صلة.
وقال أبو عبيد: معناه عليك بعمر، [أي: ] ادع عمر، وقيل: معنى حي هلمَّ، وهلا جئنا، وقيل: هلا أسرع، جُعِلا كلمةً واحدةً، وقيل: هلا اسكن، وحي أسرع، أي: أسرع عند ذكره، واسكن حتى ينقضي، يقال: حي على، وحي هلا على وزنها مقصور غير منون، وبهذا جاءت الرواية في ذكر عمر، وحي هلًا منون على المصدر:
стр. 1007
* الفَصْلُ الثَّانِي:
٦٤٣ - [٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [د: ٥١٠، ن: ٦٢٨، دي: ١١٩٣].
٦٤٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً،
ــ
هلن إلى كذا وعلى كذا، وحَيَّ هَلَ بنصب اللام مخففة، قيل: تشبيهًا بخمسة عشر، وحَيَّ هلْ بالسكون لكثرة الحركات أيضًا والوقف، وتشبيهًا بصَهْ ومَهْ وَبخ، وحَيَّهْلَ بسكون الهاء وفتح اللام لكثرة الحركات أيضًا، وحَيْ هَلْ بسكونهما جميعًا مثل بَخْ بَخْ.
وفي (مجمع البحار) (١): إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، أي: ابدأ به واعجل بذكره، وهو حثٌّ واستعجال، كلمة مركبة من حيَّ وهَلا، ويقال بتنوين وعدمه، وجاء بسكون لام، وجاء متعديًا بنفسه وبالباء وبإلى وعلى، ويستعمل حيَّ وحده بمعنى أقبل، وهلا وحده، وقيل: حي بمعنى هلم، وهلا بمعنى عجل.
الفصل الثاني
٦٤٣ - [٣] (ابن عمر) قوله: (والإقامة مرة مرة) سبق الكلام فيه.
٦٤٤ - [٤] (أبو محذورة) قوله: (علمه الأذان تسع عشرة كلمة) وهي
стр. 1008
وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٤٠٩، ت: ١٩٢، د: ٥٠٢، ن: ٦٣، جه: ٧٠٩، دي: ١١٩٧].
٦٤٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه عَلِّمْنِي سنة الأَذَان قَالَ: فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأسِهِ، قَالَ: "وَتَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَإِنْ كَانَ صَلَاةَ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠].
ــ
بالترجيع.
وقوله: (سبع عشرة كلمة) بسقوط الأربعة التي للترجيع، وزيادة (قد قامت الصلاة) مرتين، فهذا يدل على التشفع في الإقامة كما عرفت.
٦٤٥ - [٥] (عنه) قوله: (فمسح مقدم رأسه) يحتمل أنه أشار بذلك إلى أن تعلمه أمر شريف يستحق أن يجعل لو كان جسمًا على الرأس، ومنه قول العامة إذا سئل أحدهم: على الرأس والعين، كذا في شرح الشيخ.
وقوله: (فإن كان) أي: ما يؤذن لها، فقوله: (صلاة الصبح) خبر كان.
стр. 1009
٦٤٦ - [٦] وَعَنْ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه ﷺ : "لَا تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . .
ــ
٦٤٦ - [٦] (بلال) قوله: (لا تثوين في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر) المراد بالتثويب ههنا: الإعلام بعد الإعلام بالصلاة. قال في (الهداية) (١) بعد ما فسره بـ (حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة): وهو على حسب ما تعارفوه، فأفاد عدم تعيين الحيعلة نحو: الصلاة الصلاة، أو قامت قامت.
وقال السغناقي: والتثويب الأصلي كان (الصلاة خير من النوم) لا غير في أذان الفجر، أو بعد أذان الفجر، فأحدث علماء الكوفة (حي على الصلاة حي على الفلاح) بين الأذان والإقامة، لكن في صلاة الفجر خاصة لأنه وقت نوم وغفلة مع إبقاء الأول، وأحدث المتأخرون التثويب بين الأذان والإقامة على حسب ما تعارفوه في جميع الصلوات سوى صلاة المغرب.
وبالجملة التثويب في الفجر بقوله: الصلاة خير من النوم سنة، وبقوله: حي على الصلاة حي على الفلاح بين الأذان والإقامة مستحدَث في الفجر، وفي غيرها من الصلوات، وفيها أيضًا بغير هذا اللفظ إحداث بعد إحداث، فتدبر.
قال التُّورِبِشْتِي: وأما النداء بـ (الصلاة الصلاة) الذي يعتاده الناس بعد الأذان على أبواب المسجد فإنه بدعة يدخل في القسم المنهي عنه، انتهى. ونقل عن ابن عمر ﵄ أنه سمع مؤذنًا يثوب في غير الفجر، وهو في المسجد فقال لصاحبه: قم حتى نخرج من عند هذا المبتدع، وجاء عن علي ﵁ أيضًا إنكاره.
стр. 1010
أَبُو إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [ت: ١٩٨].
ــ
أقول: ولعل علة النهي التزام شيء لا يحتاج إليه، لأن الحاجة قضيت بالأذان فيكون مما لا يعني، وأيضًا واعتياده قد يكون سببًا لاتكال الناس عليه وعدم مبادرتهم إلى الصلاة باستماع الأذان، ثم استحسان المتأخرين في الصلاة كلّها لا يكون بتعليل هذا النص وإلا كان مبطلًا لحكم الأصل، وهو لا يجوز، بل يكون بدلائل تدل على وجوب التذكير والإعلام بالدين، ومع ذلك الظاهر أن النهي ليس للتحريم، واللَّه أعلم.
وأصل التثويب من ثاب: إذا رجع وعاد، وصيغة التثويب إما للمبالغة أو بمعنى إرجاع المؤذن نفسه للإعلام، أو إرجاعه الناس من بيوتهم إلى المساجد، أو من النوم والغفلة إلى الصلاة. وفي (مشارق الأنوار) (١): التثويب يقع على النداء بالأذان والدعاء للصلاة والإعلام بها، وأصل التثويب الدعاء، ويقع على الإقامة؛ لأنه رجوع وعود للنداء والدعاء إليها، وهو المراد في حديث: (إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون) (٢)، وحديث: (إذا ثوب بالصلاة أدبر، وإذا قضي التثويب أقبل) (٣)، قال الخطابي: وأصله أن الرجل إذا جاء بفزعٍ لوَّح بثوبه لقومه ليعلمهم، فمعناه الإعلام، ومنه التثويب في صلاة.
وقوله: (ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث) في (الكاشف) (٤): أبو إسرائيل (٥)
стр. 1011
٦٤٧ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: "إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي". . . . .
ــ
عمرو بن مرثد الرحبي، عن ثوبان وأبي هريرة، وعنه مكحول وطائفة، وثق.
ولكن قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه) كافٍ في المنع عن ذلك، ولكن الظاهر أنه لما استحسنه العلماء يكون بدعة حسنة لا يغير سنة.
٦٤٧ - [١٧] (جابر) قوله: (فترسل) الرسل بكسر الراء وسكون السين: التؤدة، والترسل طلبه.
وقوله: (فاحدر) بالحاء والدال المهملتين بلفظ الأمر من باب نصر، والحدر: الإسراع، وأصله الحط من علو إلى سفل، والأمر للندب.
وقوله: (والمعتصر) من العصر بالسكون بمعنى الاعتصار، وهو استخراج ما في باطن الشيء، ومن العَصَر بالتحريك بمعنى الملجأ، والمراد به المحتاج إلى الغاية؛ لأن خروج الخارج يصحبه عصر الأمعاء حتى يخرج ما فيها، ويطلب مكانًا يلجأ فيها ويستخفي.
وقوله: (ولا تقوموا حتى تروني) أي: لا تقوموا للصلاة بمجرد الإقامة حتى تبصروني أخرج من البيت، وفي الفقه: يقوم عند حي على الصلاة، ويُحْرِمُ عند قد قامت الصلاة (١).
стр. 1012
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنعِمِ وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ (١). [ت: ١٩٥، ١٩٦].
٦٤٨ - [٨] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (إلا من حديث عبد المنعم) في (الكاشف) (٢): عبد المنعم بن نعيم أبو سعيد الأسواري عن الجريري وجماعة، وعنه يونس المؤدب ومحمد بن أبي بكر المقدمي، روى له الترمذي، وفي (حاشية البصري): صاحب السقاء، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم، روى له الترمذي حديثًا واحدًا.
وقوله: (وإسناده مجهول) قال في (الفتح) (٣): ورواه الحاكم، وإسناده ضعيف، وله شواهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان ﵄ أخرجهما أبو الشيخ، ومن حديث أبي بن كعب أخرجه عبد اللَّه بن أحمد، وكلها واهية، وقال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين.
٦٤٨ - [٨] (زياد بن الحارث الصدائي) قوله: (الصدائي) بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين، منسوب إلى صداء كغراب، قبيلة من اليمن، له صحبة ووفادة.
стр. 1013
أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَن أَذِّنْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ" فَأَذَّنْتُ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٩٩، د: ٥١٤، جه: ٧١٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٦٤٩ - [٩] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ للصَّلَاةِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا مِثْلَ ناقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "يَا بِلَالُ قُم فَنَادِ بِالصَّلَاةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٩، م: ٨٣٥].
ــ
وقوله: (في صلاة الفجر) متعلق بـ (أمرني) (١).
الفصل الثالث
٦٤٩ - [٩] (ابن عمر) قوله: (فيتحينون) أي: يقدرون ويطلبون لها وقتًا يأتون لها فيه، يقال: حيَّن الناقة وتحينها: جعل لها في كل يوم وليلة وقتًا يحلبها فيه.
وقوله: (أولا تبعثون) تقديره: أتتخذون ذلك ولا تبعثون.
وقوله: (يا بلال قم فناد) يحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون هذا من اختصار الراوي في القصة، طوى فيه قصة رؤيا عبد اللَّه بن زيد ورؤيا عمر ﵄ وغيرهما إلى آخرها
стр. 1014
٦٥٠ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبَّهِ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ ناقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّه أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. . . إِلَى آخِرِهِ، وَكَذَا الإِقَامَةُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: "إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ،
ــ
حتى أمر بلالًا بالتأذين، أو يكون المراد بالنداء مجرد الإخبار والإعلام بالقول دون الأذان الشرعي، فيكون هذا في مجلس، وفي مجلس آخر رؤيا الصحابة، ثم الوحي أو الاجتهاد، قال عياض: وهو الظاهر، وقال النووي: وهو الحق، فافهم (١).
٦٥٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه) قوله: (لما أمر رسول اللَّه ﷺ بالناقوس) يعلم من هذا الحديث أمره ﷺ به، وليس في روايات أخر عن عبد اللَّه بن زيد ذلك، ولعله كان الأمر إباحةً وتخييرًا لا حتمًا وجزمًا، واللَّه أعلم.
وقوله: (طاف بي) أي: دخل في خيالي في حال النوم (رجل) أي: رأيت رجلًا في المنام.
وقوله: (وكذا الإقامة) صريح في كون الإقامة مثل الأذان كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀، وقال الشافعية: معناه أي: علمني إياها.
وقوله: (إن شاء اللَّه) إما للتبرُّك، وإما للبشارة بورود الوحي موافقًا لها.
стр. 1015
فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ" فَقُمْت مَعَ بِلَال، فَجعَلتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وُيُؤَذِّنُ بِهِ، فَقَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُرِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلِلَّهِ الْحَمْدُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الإِقَامَةَ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ قصَّةَ النَّاقوسِ. [د: ٤٩٩، دي: ١١٨٧، جه: ٧٠٦].
ــ
وقوله: (فإنه أندى صوتًا) أي: أجهر وأبعد غايةً، كذا في (مشارق الأنوار) (١)، وفي (القاموس) (٢): النداء بالضم والكسر: الصوت، والنَّدى: بُعْدُهُ، وهو ندي الصوت كغني: بعيده، وفي (مجمع البحار) (٣): أرفع وأعلى، وقيل: أحسن وأعذب، وقيل: أبعد، وهو من الندى بمعنى الرطوبة.
وقوله: (فلله الحمد) في شرح الشيخ: أي: على توافق الرؤيتين، والظاهر أن المراد على رؤيتك.
وقوله: (لكنه لم يصرح قصة الناقوس) لفظ الحديث عند الترمذي (٤) هكذا: عن عبد اللَّه بن زيد قال: لما أصبحنا أتينا رسول اللَّه ﷺ فأخبرته بالرؤيا فقال: (إن هذه لرؤيا حق، فقم مع بلال فإنه أندى وأمدّ صوتًا منك، فألق عليه ما قيل لك، وليناد بذلك) قال: فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال [بالصلاة] خرج إلى رسول اللَّه ﷺ وهو يجرّ إزاره وهو يقول: يا رسول اللَّه! والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي قال، فقال
стр. 1016
٦٥١ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْح، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٦٤].
٦٥٢ - [١٢] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ: أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءَ الصُّبْح. رَوَاهُ فِي "الْمُوَطَّأِ". [ط: ١٥٤].
٦٥٣ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: . . . . .
ــ
رسول اللَّه ﷺ : (فلله الحمد)، فذلك أثبت.
٦٥١ - [١١] (أبو بكرة) قوله: (إلا ناداه بالصلاة) أي: أعلمه بها.
٦٥٢ - [١٢] (مالك) قوله: (فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح) الظاهر أن هذه السنة صارت متروكة في المدينة بعده ﷺ ، فأعلم المؤذن ذلك، ويحتمل أن عمر إنما قال ذلك إنكارًا على المؤذن في استعماله خارج الأذان، كما هو المشروع فيه، فمعنى جعله في نداء الصبح أن يستمر على جعله فيه، ولا يستعمله خارجه، كذا في شرح الشيخ. ومع ذلك ينبغي أن يقدر تركه في الأذان، وإلا فقد روي أنه ذكره بلال لرسول اللَّه ﷺ ، وأمره ﷺ أن يجعله في الأذان، فاستعماله خارج الصلاة وداخله معًا مشروع، وبما ذكر ظهر أنه ليس إنشاء أمر من عمر ﵁ ابتدعه كما توهم، بل كان سنة سمعه من رسول اللَّه ﷺ .
٦٥٣ - [١٣] (عبد الرحمن بن سعد) قوله: (مؤذن رسول اللَّه ﷺ ) صفة سعد الأخير، ويقال له: سعد القرظ بفتح القاف والراء بعدها ظاء معجمة، كان مؤذن
стр. 1017
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٧١٠].
* * *
٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
ــ
مسجد قباء.
وقوله: (عن أبيه عن جده) والضميران لأبي.
وقوله: (إنه أرفع لصوتك) ولقد قالوا في بيان سببية جعل الأصبعين في الأذنين لرفع الصوت أنه إذا سدّ صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع، فيتحرى في استقصائه كالأطروش، كذا قال الطيبي (١).
٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن
اعلم أن فضل التأذين في نفسه كثير كما ذكر في الأحاديث، واختلف في أن الأذان أفضل أو الإمامة؟ والمختار أن من علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، ثم تكلموا في أن النبي ﷺ هل أذَّن بنفسه؟ وقد رُوِي: (أنه أذَّن في سفر وهم على رواحلهم) الحديث، وقد أولوا ذلك بأن المراد الأمر بالأذان، وجاء ذلك صريحًا في حديث الدارقطني أنه أمر بالأذان ولم يقل: (أذن)، والمفصَّل يقضي على المجمَل المحتمل، واللَّه أعلم.
ثم إجابة المؤذن واجبة، ويُكره التكلم عند الأذان، ولو تعدد المؤذنون في مسجد واحد فالحرمة للأول، ولو سمع الأذان من جهات وجب عليه إجابة مؤذن مسجده، ولو
стр. 1018
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٦٥٤ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٧].
ــ
كان في المسجد ولم يجب لم يكن آثمًا لحصول الإجابة الفعلية، فلا حاجة إلى الإجابة القولية، واختلفوا في قارئ القرآن يجيب أو لا يجيب؟ ونقل السغناقي: أن الأفضل أن يمسك ويجيب، وقيل: إن كان في المسجد مضى في قراءته.
الفصل الأول
٦٥٤ - [١] (معاوية) قوله: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا) قال عياض (١): الرواية فيه عندنا بفتح الهمزة جمع عُنق، فقيل: المراد أن الناس في الكرب وهم في الرَّوح، وقيل: معناه انتظارهم الإذن لهم في دخول الجنة وامتداد آمالهم وأعينهم وتطلعهم برؤوسهم وأعناقهم لذلك، وقيل: معناه الإشارة إلى القرب من كرامة اللَّه تعالى ومنزلته، وقيل: معناه أكثر الناس أعمالًا، يقال: لفلان عنق من الخير، وقيل: معناه أنهم يكونون رؤساء يومئذ، والسادة توصف بطول الأعناق.
وحكى الخطابي والهروي أن بعضهم رواه بكسر الهمزة، والإعناق: الإسراع، يريد إلى الجنة، انتهى.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وهذا قول غير معتدٍّ به روايةً ومعنى، انتهى. وفيه ما فيه، وبعد تسليم عدم اعتداده رواية فهو في معنى الوجه الذي رجحه فلا معنى لعدم الاعتداد معنى.
стр. 1019
٦٥٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إِذا نُودِيَ للصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِي النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: . . . . .
ــ
٦٥٥ - [٢] (أبو هريرة ﵁) قوله: (إذا نودي للصلاة) إنما قال بهذه العبارة إشارة إلى علة الحكم.
وقوله: (أدبر الشيطان له ضراط) وفي رواية الأصيلي: (وله ضراط) بالواو، والجملة الاسمية تقع حالًا بالواو وبدونها، ويروى: (ضريط) كنهاق ونهيق، وهو ريح وصوت يخرج من الدبر، قال في (الفتح) (١): قال عياض: ويمكن حمله على ظاهره؛ لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره ونفرته، وفي رواية لمسلم: (له حُصاص) بمهملات مضموم الأول، فقد فسّره الأصمعي وغيره بشدة العدو.
وقال الطيبي (٢): شبّه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سمّاه ضراطًا تقبيحًا له، واللَّه أعلم.
وقال بعض العلماء: يشبه أن يكون المنع عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن من هذا المعنى لئلا يكون متشبهًا بالشيطان.
وقوله: (حتى إذا ثوب) المراد بالتثويب ههنا الإقامة كما مر.
وقوله: (حتى يخطر) أي: يحول ويحجز، يريد الوسوسة، أي: يسوِّل له الأماني
стр. 1020
اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٨، م: ٣٨٩].
ــ
ويحدثه الأحاديث، وهو بوزن يضرب، وأكثر الرواة على ضم الطاء، ومعناه المشي والسلوك، أي يدنو فيمر بين المرء وقلبه فيشغله، كذا في (مجمع البحار) (١). وفي (القاموس) (٢): خطر الرجل بسيفه ورمحه: رفعه مرة ووضعه أخرى، وفي مِشيته: رفع يديه ووضعه أخرى (٣)، ويجوز أن يكون من الخاطر بمعنى الهاجس، أي: سببًا للخواطر.
وقوله: (لما لم يكن يذكر) أي: لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله، وفي رواية لمسلم: (لما لم يكن يذكر من قبل)، ومن ثم استنبط أبو حنيفة -رحمة اللَّه عليه- للذي شكا إليه أنه دفن مالًا، ثم لم يهتد لمكانه أنه يصلي ويحرص على أن لا يحدث نفسه من أمر الدنيا، ففعل فذكر مكان المال في الحال، كذا في (فتح الباري) (٤).
وقوله: (حتى يظل) بفتح الظاء، أي: يصير، مضارع ظل من الأفعال الناقصة، ووقع عند الأصيلي: (يضل) بالضاد، أي: ينسى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
واختلفوا في السبب في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، ومن أحسن ما قيل فيه: إن على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف القرآن