← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

* [المتابع]: وإذا روى راوٍ حديثًا، وروى راوٍ آخر حديثًا موافقًا له، يسمّى هذا الحديث متابعًا -بصيغة اسم الفاعل-. وهذا معنى ما يقول المحدثون: تابعه فلان، وكثيرًا ما يقول البخاري في "صحيحه"، ويقولون: وله متابعات. * [فَائِدَة الْمُتَابَعَة]: والمتابعة توجب التقوية والتأييد. ولا يلزم أن يكون المتابع مساويًا في المرتبة للأصل، وإن كان دونه يصلح أيضًا للمتابعة. * [دَرَجَات الْمُتَابَعَة]: والمتابعة قد تكون في نفس الراوي، وقد تكون في شيخ فوقه، والأول أتم وأكمل من الثاني؛ لأن الوهن في أول الإسناد أكثر وأغلب. * [مَتى يسْتَعْمل "مثله" و"نحوه "]: والمتابع إن وافق الأصل في اللفظ والمعنى يقال: مثله، وإن وافق في المعنى دون اللفظ يقال: نحوه. * [شَرط الْمُتَابَعَة]: ويشترط في المتابعة أن يكون الحديثان من صحابي واحد. * [الشَّاهِد]: وإن كانا من صحابيين يقال له: شاهد، كما يقال: له شاهدٌ من حديث أبي هريرة، ويقال: له شواهد، ويشهد به حديث فلان.

стр. 107

* [تَعْرِيف آخر للمتابع وَالشَّاهِد]: وبعضهم يخصون المتابعة بالموافقة في اللفظ، والشاهد في المعنى، سواء كان من صحابي واحد أو من صحابيين. وقد يطلق الشاهد والمتابع بمعنى واحد والأمر في ذلك بيّن. * [الاعْتِبَار]: وتتبع طرق الحديث وأسانيدها لقصد معرفة المتابع والشاهد يسمى الاعتبار. * * * فَصْلٌ وأصل أقسام الحديث ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف، ف الصحيح أعلى مرتبة، والضعيف أدنى، والحسن متوسط، وسائر الأقسام التي ذكرت داخلة في هذه الثلاثة. * [الصَّحِيح]: فالصحيح ما ثبت بنقلِ عدلٍ تامِّ الضبط غير معلَّلٍ ولا شاذٍّ. * [الصَّحِيح لذاته]: فإن كانت هذه الصفات على وجه الكمال والتمام فهو الصحيح لذاته. * [الصَّحِيح لغيره]: وإن كان فيه نوع قصور، ووجد ما يَجبر ذلك القصور من كثرة الطرق، فهو الصحيح لغيره. * [الْحسن لذاته]: وإن لم يوجد فهو الحسن لذاته.

стр. 108

* [الضَّعِيف]: وما فقدت فيه الشرائط المعتبرة في الصحيح كلًّا أو بعضًا فهو الضعيف. * [الْحسن لغيره]: والضعيف إن تعدد طرقه، وانجبر ضعفه، يسمّى حسنًا لغيره. * [النُّقْصَان المُعْتَبر فِي الْحسن]: وظاهر كلامهم أنه يجوز أن يكون جميع الصفات المذكورة في الصحيح ناقصًا في الحسن، لكن التحقيق أن النقصان الذي اعتبر في الحسن إنما هو بخفة الضبط وباقي الصفات بحالها. * [الْعَدَالَة]: والعدالة ملكة في الشخص تحمله على ملازمة التقوى و المروءة . * [التَّقْوَى]: والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيّئة من الشرك والفسق والبدعة، وفي الاجتناب عن الصغيرة خلاف، والمختار عدم اشتراطه؛ لخروجه عن الطاقة، إلا الإصرار عليها لكونه كبيرة. * [الْمُرُوءَة]: والمراد بالمروءة التنزه عن بعض الخسائس والنقائص التي هي خلاف مقتضى الهمّة والمروءة، مثل بعض المباحات الدنيئة كالأكل والشرب في السوق، والبول في الطريق، وأمثال ذلك. * [عدل الرِّوَايَة أَعم من عدل الشَّهَادَة]: وينبغي أن يعلم أن عدل الرواية أعم من عدل الشهادة، فإن عدل الشهادة

стр. 109

مخصوص بالحر، وعدل الرواية يشتمل الحر والعبد. * [الضَّبْط]: والمراد بالضبط حفظ المسموع وتثبيته من الفوات والاختلال بحيث يتمكن من استحضاره. وهو قسمان: ضبط الصدر وضبط الكتاب، فضبط الصدر بحفظ القلب ووعيه. وضبط الكتاب بصيانته عنده إلى وقت الأداء. * * * فَصْلٌ * [وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بِالْعَدَالَةِ]: أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس: الأول بالكذب، والثاني باتهامه بالكذب، والثالث بالفسق، والرابع بالجهالة، والخامس بالبدعة. [١ - الْكَذِب]: والمراد بكذب الراوي أنه ثبت كذبُهُ في الحديث النبوي ﷺ إما بإقرار الواضع أو بغير ذلك من القرائن. * [الْمَوْضُوع]: وحديث المطعون بالكذب يسمى موضوعًا. * [حكم متعمد الْكَذِب]: ومن ثبت عنه تعمد الكذب في الحديث وإن كان وقوعه في العمر مرة، وإن تاب من ذلك لم يقبل حديثه أبدًا، بخلاف شاهد الزور إذا تاب. * [المُرَاد بالموضوع]: فالمراد بالحديث الموضوع في اصطلاح المحدثين هذا، لا أنه ثبت كذبه وعُلِمَ

стр. 110

ذلك في هذا الحديث بخصوصه. * [مَسْأَلَة الحكم بِالْوَضْعِ ظنية]: والمسألة ظنية، والحكم بالوضع والافتراء بحكم الظن الغالب، وليس إلى القطع واليقين بذلك سبيلٌ، فإن الكذوب قد يصدق. وبهذا يندفع ما قيل في معرفة الوضع بإقرار الواضع: أنه يجوز أن يكون كاذبًا في هذا الإقرار، فإنه يعرف صدقه بغالب الظن، ولولا ذلك لما ساغ قَتْلُ الْمُقِرِّ بالقتل، ولا رَجْمُ المعترف بالزنا، فافهم. [٢ - اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ]: وأما اتهام الراوي بالكذب، فبأن يكون مشهورًا بالكذب ومعروفًا به في كلام الناس، ولم يثبت كذبه في الحديث النبوي. * [الْمَتْرُوك]: وفي حكمه رواية ما يخالف قواعد معلومةً ضروريةً في الشرع كذا قيل، ويسمى هذا القسم متروكًا، كما يقال: حديثه متروك، وفلان متروك الحديث. * [حكم الْمُتَّهم بِالْكَذِبِ]: وهذا الرجل إن تاب وصحت توبته وظهرت أمارات الصدق منه جاز سماع الحديث منه. * [حكم من يكذب نَادرًا]: والذي يقع منه الكذب أحيانًا نَادرًا في كلامه غير الحديث النبوي فذلك غير مؤثر في تسمية حديثه بالموضوع أو المتروك وإن كانت معصية.

стр. 111

[٣ - الْفسق]: وأما الفسق فالمراد به الفسق في العمل دون الاعتقاد، فإن ذلك داخل في البدعة، وأكثر ما تستعمل البدعة في الاعتقاد، والكذب وإن كان داخلًا في الفسق لكنهم عدُّوه أصلًا على حدة لكون الطعن به أشد وأغلظ. [٤ - جَهَالَة الرَّاوِي]: وأما جهالة الراوي فإنه أيضًا سبب للطعن في الحديث؛ لأنه لما لم يعرف اسمه وذاته لم يعرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة، كما يقول: حدثني رجل، أو أخبرني شيخ، ويسمى هذا مبهمًا. * [حكم الْمُبْهم]: وحديث المبهم غير مقبول إلا أن يكون صحابيًا لأنهم عدول، وإن جاء المبهم بلفظ التعديل كما يقول: أخبرني عدل، أو حدثني ثقة، ففيه اختلاف، والأصح أنه لا يقبل؛ لأنه يجوز أن يكون عدلًا في اعتقاده لا في نفس الأمر، وإن قال ذلك إمام حاذق قُبِلَ. [٥ - الْبِدْعَة]: وأما البدعة فالمراد به اعتقاد أمر مُحْدَث على خلاف ما عُرف في الدين وما جاء عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه بنوع شبهة وتأويل، لا بطريق جحود وإنكار، فإن ذلك كفر. * [حكم حَدِيث المبتدع]: وحديث المبتدع مردود عند الجمهور، وعند البعض (١) إن كان متصفًا بصدق

стр. 112

اللهجة وصيانة اللسان قُبِلَ، وقال بعضهم: إن كان منكرًا لأمر متواتر في الشرع، وقد عُلِمَ بالضرورة كونه من الدين، فهو مردود، وإن لم يكن بهذه الصفة يقبل -وإن كفّره المخالفون- مع وجود ضبط وورع وتقوى واحتياط وصيانة. والمختار أنه إن كان داعيًا إلى بدعته ومروجًا لها رُدَّ، وإن لم يكن كذلك قُبِلَ، إلا أن يروي شيئًا يُقَوِّي به بدعتَه فهو مردود قطعًا. وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء وأرباب المذاهب الزائغة. وقال صاحب (جامع الأصول): أخذ جماعة من أئمة الحديث من فرقة الخوارج والمنتسبين إلى القدر والتشيع والرفض وسائر أصحاب البدع والأهواء، وقد احتاط جماعة آخرون وتورّعوا من أخذ حديث من هذه الفرق، ولكل منهم نِيّات (١)، انتهى. ولا شك أن أخذ الحديث من هذه الفرق يكون بعد التحري والاستصواب، ومع ذلك الاحتياط في عدم الأخذ؛ لأنه قد ثبت أن هؤلاء الفرق كانوا يضعون الأحاديث لترويج مذاهبهم، وكانوا يقرّون به بعد التوبة والرجوع، واللَّه أعلم. * * * فَصْلٌ * [وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بالضبط]: وأما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضًا خمسة: أحدها: فرط الغفلة،

стр. 113

وثانيها: كثرة الغلط، وثالثها: مخالفة الثقات، ورابعها: الوهم، وخامسها: سوء الحفظ. [١ - و ٢ - فرط الْغَفْلَة وَكَثْرَة الْغَلَط]: أما فرط الغفلة وكثرة الغلط فمتقاربان، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث، والغلط في الإسماع والأداء. [٣ - مُخَالفَة الثِّقَات]: ومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة تكون موجبة للشذوذ، وجَعْلُهُ من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغيير والتبديل. [٤ - الْوَهم]: والطعن من جهة الوهم والنسيان اللذين أخطأ بهما وروى على سبيل التوهم، إن حصل الاطلاعُ على ذلك بقرائن دالّةٍ على وجوه عللٍ وأسبابٍ قادحةٍ كان الحديث معللا. * [غموض علم الْعلَّة ودقته]: وهذا أغمض علوم الحديث وأدقّها، ولا يقوم به إلا من رُزِقَ فهمًا وحفظًا واسعًا ومعرفة تامة بمراتب الرواة وأحوال الأسانيد والمتون كالمتقدمين من أرباب هذا الفن إلى أن انتهى إلى الدارقطني، ويقال: لم يأت بعده مثله في هذا الأمر، واللَّه أعلم. [٥ - سوء الْحِفْظ]: وأما سوء الحفظ فقالوا: إن المراد به أن لا يكون إصابته أغلب على خطئه، وحفظه وإتقانه أكثر من سهوه ونسيانه، يعني إن كان خَطَؤه ونسيانه أغلب أو مساويًا

стр. 114

لصوابه وإتقانه كان داخلًا في سوء الحفظ، فالمعتمد عليه صوابه وإيقانه وكثرتهما. * [حكم سيئ الحِفْظ]: وسوء الحفظ إن كان لازِمَ حاله في جمع الأوقات ومدة عمره لا يعتبر بحديثه، وعند بعض المحدثين هذا أيضًا داخل في الشاذ. * [الْمُخْتَلِط]: وإن طرأ سوء الحفظ لعارض مثل اختلال في الحافظة بسبب كبر سنّه أو ذهاب بصره أو فوات كتبه فهذا يسمى مختلطًا. * [حكم الْمُخْتَلط]: فما روى قبل الاختلاط والاختلال متميزًا عما رواه بعد هذه الحال قُبِلَ، وإن لم يتميز تُوُقِّفَ، وإن اشتبه فكذلك، وإن وُجدت لهذا القسم متابعات وشواهد تَرَقَّى من مرتبة الرد إلى القبول والرجحان، وهذا حكم أحاديث المستور والمدلِّس والمرسِل. * * * فَصْلٌ * [الْغَرِيب]: الحديث الصحيح إن كان راويه واحدًا يسمّى غريبًا. * [الْعَزِيز]: وإن كان اثنين يسمى عزيزًا.

стр. 115

* [الْمَشْهُور]: وإن كانوا أكثر يسمى مشهورًا ومستفيضًا (١). * [الْمُتَوَاتر]: وإن بلغت رُواتُه في الكثرة إلى أن تُحِيلَ العادة تواطأهم على الكذب يسمى متواترًا. * [الْفَرد]: ويسمى الغريب فردًا أيضًا. * [الْفَرد النسبي]: والمراد بكون راويه واحدًا كونه كذلك ولو في موضع واحد من الإسناد، لكنه يسمى فردًا نسبيًا. * [الْفَرد الْمُطلق]: وإن كان في كل موضع منه يسمى فردًا مطلقًا. * [المُرَاد بِكَوْن الرَّاوِي اثْنَيْنِ أَو أَكثر]: والمراد بكونهما اثنين أن يكونا في كل موضع كذلك (٢)، فإن كان في موضع واحد مثلًا لم يكن الحديث عزيزًا بل غريبًا، وعلى هذا القياس معنى اعتبار الكثرة في المشهور: أن يكون في كل موضع أكثر من اثنين، وهذا معنى قولهم: إن الأقل حاكمٌ على الأكثر في هذا الفن، فافهم.

стр. 116

* [لَا تنَافِي بَين الغرابة وَالصِّحَّة]: وعلم مما ذكر أن الغرابة لا تنافي الصحة، ويجوز أن يكون الحديث صحيحًا غريبًا، بأن يكون كل واحد من رجاله ثقة. والغريب قد يقع بمعنى الشاذ؛ أي: شذوذًا هو من أقسام الطعن في الحديث، وهذا هو المراد من قول صاحب (المصابيح) من قوله: هذا حديث غريب، لما قال بطريق الطعن. وبعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون: صحيح شاذ، وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضًا لا ينافي الصحة كالغرابة، والذي يذكر في مقام الطعن هو مخالف للثقات. * * * فَصْلٌ * [الضَّعِيف]: الحديث الضعيف هو الذي فقدت فيه الشرائط المعتبرة في الصحة والحسن كلًّا أو بعضًا، ويَتَّسِم راويه بشذوذ أو نكارة أو علة، وبهذا الاعتبار يتعدد أقسام الضعيف، ويكثر إفرادًا وتركيبًا. * [مَرَاتِب الصَّحِيح وَالْحسن]: ومراتب الصحيح والحسن لذاتهما ولغيرهما أيضًا متفاوتة بتفاوت المراتب والدرجات في كمال الصفات المعتبرة المأخوذة في مفهوميهما مع وجود الاشتراك في أصل الصحة والحسن، والقوم ضبطوا مراتب الصحة وعيّنوها وذكروا أمثلتها من الأسانيد، وقالوا: اسم العدالة والضبط يشمل رجالها كلها، ولكن بعضها فوق بعض.

стр. 117

* [أصح الأَسَانِيد]: وأما إطلاق "أصح الأسانيد" على سند مخصوص على الإطلاق ففيه اختلاف. فقال بعضهم: أصح الأسانيد: زين العابدين عن أبيه عن جده. وقيل: مالك عن نافع عن ابن عمر. وقيل: الزهري عن سالم عن ابن عمر. والحق أن الحكم على إسناد مخصوص بالأصحية على الإطلاق غير جائز، إلا أن في الصحة مراتب عُليا، وعدة من الأسانيد تدخل فيها، ولو قُيّد بقيد بأن يقال: أصح أسانيد البلد الفلاني، أو في الباب الفلاني، أو في المسألة الفلانية، يصح، واللَّه أعلم (١). * * * فَصْلٌ * [اصْطِلَاحَات التِّرْمِذِيّ]: من عادة الترمذي أن يقول في (جامعه): حديث حسن صحيح، حديث غريب حسن، حديث غريب صحيح، ولا شبهة في جواز اجتماع الحسن والصحة بأن يكون حسنًا لذاته وصحيحًا لغيره، وكذلك في اجتماع الغرابة والصحة كما أسلفنا. * [إِشْكَال اجْتِمَاع الغرابة وَالْحسن]: وأما اجتماع الغرابة والحسن فيستشكلونه بأن الترمذي اعتبر في الحسن تعدد الطرق، فكيف يكون غريبًا؟ .

стр. 118

* [جَوَاب الإِشْكَال]: ويجيبون بأن اعتبار تعدد الطرق في الحسن ليس على الإطلاق بل في قسم منه، وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة فالمراد به قسم آخر (١). وقال بعضهم: إنه أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء في بعض الطرق غريبًا، وفي بعضها حسنًا. وقيل: الواو بمعنى "أو" بأنه يشك ويتردد في أنه غريب أو حسن لعدم معرفته جزمًا. وقيل: المراد بالحسن ههنا ليس معناه الاصطلاحي بل اللغوي بمعنى: ما يميل إليه الطبع، وهذا القول بعيد جدًا. * * * فَصْلٌ * [الاحْتِجَاج بِالصَّحِيحِ وَالْحسن]: الاحتجاج في الأحكام بالخبر الصحيح مجمع عليه، وكذلك بالحسن لذاته عند عامة العلماء، وهو ملحق بالصحيح في باب الاحتجاج، وإن كان دونه في المرتبة، والحديث الضعيف الذي بلغ بتعدد الطرق مرتبة الحسن لغيره أيضًا محتج. * [الاحْتِجَاج بالضعيف]: وما اشتهر أن الحديث الضعيف معتبر في فضائل الأعمال لا في غيرها، المراد مفرداتُه لا مجموعُها؛ لأنه داخل في الحسن لا في الضعيف، صرح به الأئمة، وقال

стр. 119

بعضهم: إن كان الضعيف من جهة سوء حفظ أو اختلاط أو تدليس مع وجود الصدق والديانة ينجبر بتعدد الطرق، وإن كان من جهة اتهام الكذب أو الشذوذ أو فُحْشِ الخطأ لا ينجبر بتعدد الطرق، والحديث محكوم عليه بالضعف، ومعمول به في فضائل الأعمال، وعلى مثل هذا ينبغي أن يحمل ما قيل: "إن لحوق الضعيف بالضعيف لا يفيد قوة" وإلا فهذا القول ظاهر الفساد، فتدبر. * * * فَصْلٌ * [صَحِيح البُخَارِيّ أَعلَى الصِّحَاح]: لما تفاوتت مراتب الصحيح، والصحاح بعضها أصح من بعض، فاعلم أن الذي تقرر عند جمهور المحدثين أن (صحيح البخاري) مقدم على سائر الكتب المصنفة، حتى قالوا: أصح الكتب بعد كتاب اللَّه (صحيح البخاري). * [وَجه تَرْجِيح صَحِيح مُسلم عِنْد بعض المغاربة]: وبعض المغاربة رجحوا (صحيح مسلم) على (صحيح البخاري)، والجمهور يقولون: إن هذا فيما يرجع إلى حسن البيان وجودة الوضع والترتيب ورعاية دقائق الإشارات ومحاسن النكات في الأسانيد، وهذا خارج عن المبحث، والكلام في الصحة والقوة وما يتعلق بهما، وليس كتاب يساوي (صحيح البخاري) في هذا الباب بدليل كمال الصفات التي اعتبرت في الصحة في رجاله، وبعضهم توقف في ترجيح أحدهما على الآخر، والحق هو الأول. * [الْمُتَّفق عَلَيْهِ]: والحديث الذي اتفق البخاري ومسلم على تخريجه يسمى متفقًا عليه، وقال

стр. 120

الشيخ (١): بشرط أَن يكون عن صحابي واحد. * [عدد الأَحَادِيث الْمُتَّفق عَلَيهَا]: وقالوا: مجموع الأحاديت المتفق عليها ألفان وثلاث مئة وستة وعشرون. * [دَرَجَات الصِّحَاح]: وبالجملة: ١ - ما اتفق عليه الشيخان مقدم على غيره. ٢ - ثم ما تفرد به البخاري. ٣ - ثم ما تفرد به مسلم. ٤ - ثم ما كان على شرط البخاري ومسلم. ٥ - ثم ما هو على شرط البخاري. ٦ - ثم ما هو على شرط مسلم. ٧ - ثم ما رواه غيرهم من الأئمة الذين التزموا الصحة وصححوه، فالأقسام سبعة. * [معنى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم]: والمراد بشرط البخاري ومسلم أن يكون الرجال متّصفيق بالصفات التي يتصف بها رجال البخاري ومسلم من الضبط والعدالة وعدم الشذوذ والنكارة والغفلة. وقيل: المراد بشرط البخاري ومسلم رجالهما أنفسهم.

стр. 121

والكلام في هذا طويل ذكرناه في مقدمة (شرح سفر السعادة). * * * فَصْلٌ * [البُخَارِيّ وَمُسلم لم يستوعبا الصِّحَاح]: الأحاديث الصحيحة لم تنحصر في صحيحي البخاري ومسلم، ولم يستوعبا الصحاح كلّها بل هما منحصران في الصحاح، والصحاح التي عندهما وعلى شرطهما أيضًا لم يورداها في كتابيهما فضلًا عما عند غيرهما. قال البخاري (١): ما أوردت في كتابي هذا إلا ما صحّ، ولقد تركت كثيرًا من الصحاح، وقال مسلم (٢): الذي أوردت في هذا الكتاب من الأحاديث صحيح، ولا أقول: إن ما تركت ضعيف، ولابدّ أن يكون في هذا الترك والإتيان وجهُ تخصيص الإيراد والترك، إما من جهة الصحة أو من جهة مقاصد أخر. * [مُسْتَدْرك الْحَاكِم]: والحاكم (٣) أبو عبد اللَّه النيسابوري صنف كتابًا سماه (المستدرك) بمعنى أن

стр. 122

ما تركه البخاري ومسلم من الصحاح أورده في هذا الكتاب، وتلافى واستدرك بعضها على شرط الشيخين، وبعضها على شرط أحدهما، وبعضها على غير شرطهما، وقال: إن البخاري ومسلمًا لم يحكما بأنه ليس أحاديث صحيحة غير ما خرجاه في هذين الكتابين، وقال: قد حدث في عصرنا هذا فرقة من المبتدعة أطالوا ألسنتهم بالطعن على أئمة الدين بأن مجموع ما صح عندكم من الأحاديث لم يبلغ زهاء عشرة آلاف، ونقل عن البخاري أنه قال: حفظت من الصحاح مئة ألف حديث، ومن غير الصحاح مئتي ألف. والظاهر -واللَّه أعلم- أنه يريد الصحيح على شرطه، ومبلغُ ما أورد في هذا الكتاب مع التكرار سبعة آلاف ومئتان وخمس وسبعون حديثًا، وبعد حذف التكرار أربعة آلاف. * [صَحِيح ابْن خُزَيْمَة]: ولقد صنف الآخرون من الأئمة صحاحًا مثل (صحيح ابن خزيمة) (١) الذي يقال له: إمام الأئمة، وهو شيخ ابن حبان، وقال ابن حبان في مدحه: ما رأيت على وجه الأرض أحدًا أحسن في صناعة السنن وأحفظ للألفاظ الصحيحة منه، كأن السنن والأحاديث كلّها نصب عينه.

стр. 123

* [صَحِيح ابْن حبَان]: ومثل (صحيح ابن حبان) (١) تلميذ ابن خزيمة، ثقة ثبت فاضل إمام فَهَّام، وقال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم واللغة والحديث والوعظ، وكان من عقلاء الرجال. * [صَحِيح الْحَاكِم (الْمُسْتَدْرك)]: ومثل صحيح الحاكم أبي عبد اللَّه النيسابوري الحافظ الثقة المسمى بـ (المستدرك)، وقد تطرق في كتابه هذا التساهلُ وأخذوا عليه، وقالوا: ابن خزيمة وابن حبان أمكن وأقوى من الحاكم، وأحسن وألطف في الأسانيد والمتون. * [المختارة للمقدسي]: ومثل (المختارة) للحافظ ضياء الدين المقدسي (٢)، وهو أيضًا خرج صحاحًا ليست في الصحيحين وقالوا: كتابه أحسن من (المستدرك).

стр. 124

* [صِحَاح أُخْرَى]: ومثل صحيح أبي عوانة (١) وابن السكن (٢) و (المنتقى) لابن جارود (٣). وهذه الكتب كلها مختصة بالصحاح، ولكن جماعة انتقدوا عليها تعصبًا أو إنصافًا، وفوق كل ذي علم عليم، واللَّه أعلم. * * * فَصْلٌ * [الْكتب السِّتَّة]: الكتب الستة المشهورة المقرّرة في الإسلام التي يقال لها (الصحاح الست) هي:

стр. 125

١ - صحيح البخاري، ٢ - وصحيح مسلم، ٣ - والجامع للترمذي، ٤ - والسنن لأبي داود، ٥ - والنسائي، ٦ - وسنن ابن ماجه، وعند البعض (الموطأ) بدل ابن ماجه، وصاحب (جامع الأصول) اختار (الموطأ). * [أَحَادِيث الْكتب الأَرْبَعَة]: وفي هذه الكتب الأربعة (١) أقسام من الأحاديث من الصحاح والحسان والضعاف، وتسميتها بـ (الصحاح الست) بطريق التغليب. * [اصْطِلَاح الْبَغَوِيّ]: وسمى صاحب (المصابيح) أحاديث غير الشيخين بالحسان، وهو قريب من هذا الوجه، قريب من المعنى اللغوي، أو هو اصطلاح جديد منه. * [كتاب الدَّارمِيّ]: وقال بعضهم: كتاب الدارمي أحرى وأليق بجعله سادس الكتب؛ لأن رجاله أقلّ ضعفًا، ووجود الأحاديث المنكرة والشاذة فيه نادر، وله أسانيد عالية، وثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري. وهذه المذكورات من الكتب أشهر الكتب، وغيرها من الكتب كثيرة شهيرة. * [مصَادر السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع]: ولقد أورد السيوطي (٢) في كتاب (جمع الجوامع) من كتب كثيرة تتجاوز خمسين،

стр. 126

مشتملة على الصحاح والحسان والضعاف، وقال: ما أوردت فيها حديثًا موسومًا بالوضع اتفق المحدثون على تركه ورده، واللَّه أعلم. * [جمَاعَة من الأَئِمَّة المتقنين]: وذكر صاحب (المشكاة) في ديباجة كتابه جماعة من الأئمة المتقنين وهم: البخاري، ومسلم، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، ورزين، وأجمل في ذكر غيرهم، وكتبنا أحوالهم في كتاب مفرد مسمّى بـ (الإكمال بذكر أسماء الرجال)، ومن اللَّه التوفيق وهو المستعان في المبدأ والمآل. * * *

стр. 127

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ المِشْكَاةِ الْحَمْدُ للَّه، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، ــ قوله: (الحمد للَّه) أتى بالحمد بعد التسمية اقتداء بكتاب اللَّه، بل نقول: امتثالًا لأمره سبحانه بناءً على ما قيل: إن فاتحة الكتاب تعليم من اللَّه تعالى للعباد بأن يحمدوه على صفات كماله، ويشكروه على عظيم نواله، ويبتدؤوا به في عزائم أمورهم في كل حال وفي كل حين، وهو الموجب لورود الحديث بالابتداء به والوعيد على تركه، والتزام السلف تصدير كتبهم به، ولذا أتى بلفظ (الحمد للَّه)، ثم الظاهر أنه محمول ههنا على حقيقة الإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد، واختصاصه به، وإنشاؤه إنما هو بقوله: (نحمده) وإلا يلزم التكرار، يعني أنه تعالى لما كان مستحقًا للحمد بالذات، وكان ثابتًا له دائمًا، سواء كان من العباد أو منه على ذاته المقدسة في الكلام القديم، أو ببث الآيات (١) وإظهار الكمالات وإفاضة الآلاء وإسباغ النعماء، وقد أمرنا به، فلا بدّ أن نحمده، ويجوز أن يحمل على الإنشاء، ويتجدد فائدةُ قوله: (نحمده) بعطف (نستعينه ونستغفره) عليه. ولفظ الجمع في نحمده وما عطف عليه لنفسه ولجميع أفراد النوع الإنساني معه، بل لجميع الخلق الجسماني والروحاني الحامدين لربهم بلسان القال والحال، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] إشارة إلى أن هذا الأمر العظيم لا يتيسر من واحد

стр. 128

وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ــ من أفراد النوع الإنساني حتى يجتمعوا بل ومن عداهم من الخلائق أجمعين، ومع ذلك نحتاج إلى إعانته تعالى وتأييده وتيسيره، ونتبرأ من حولنا وقوتنا، ونستغفر من تقصيراتنا في أداء ذلك كما هو حقه من الصدق والإخلاص، وكما يليق بجناب قدسه وكبريائه، ويناسب كمال عظمته وتواتر آلائه. ثم أكده بقوله: (نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) بأن يراد بها إثبات الحول والقوة وشوب الرياء والسمعة في حمد ذاته العظيمة وشكر نعمائه الجسيمة، أو الاشتغال بغير حمده وشكره مع تواتر الآلاء ودوام النعماء والغفلة عن ذكره ومراقبته تعالى مع كونه حاضرًا ناظرًا دائمًا. ويجوز أن يراد بها التصدي للتصنيف في علم الحديث مع قصور في تجريد الإخلاص وتصحيح النية، أو تقصير في أداء حق الشكر على هذه النعمة الجزيلة، أو التكلم بالباطل وما لا يعني؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، أو يكون المراد أعم من ذلك، من ارتكاب المحرمات والمكروهات والتهاونِ في أداء العبادات والطاعات مطلقًا. ولما أضاف الشر والسوء إلى نفسه باعتبار الفعل والكسب أشار إلى أن الكل بخلق اللَّه، وأن القدر خيره وشره منه تعالى، ومنه الهداية والإضلال فقال: (من يهده (١) اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) وهذا الكلام وإن كان خبرًا عن

стр. 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بيانه الواقع وإثبات توحده وتفرده سبحانه بالهداية والإضلال، لكنه في المعنى طلبٌ وسؤال للهداية منه تعالى والحفظ والوقاية عن الإضلال كأنه قال: أنت الهادي وأنت المضلّ، لا إله إلا أنت، فاهدنا ولا تضلّنا، فإنك قادر على ما تشاء. ثم الهداية لها معنيان، أحدهما: الدلالة وبيان الطريق الموصل وتعليم علاماتها وكيفية سلوكها، وهذا الذي يسند إلى القرآن والرسول كالضلالة إلى الأصنام والشيطان، وثانيهما: الدلالة الموصلة والإيصال إلى المقصد، وهذا فعل اللَّه تعالى دون غيره تعالى، وهو المراد ههنا. ولما ورد في الحديث: (كل خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء)، رواه الترمذي (١)، وقال: هذا حديث حسن، ورواه أبو داود وسكت عليه، أورد الشهادتين، ووصف الشهادة بكونها وسيلةً للنجاة عن عذاب النار وسخط اللَّه والبعد عن جناب قربه تعالى، وكفيلةً لرفع درجات الجنة وقرب اللَّه تعالى ورضاه، وهي التي تكون بالصدق والإخلاص ومواطأة القلب باللسان مع الاستقامة عليها إلى وقت الموت، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣]. وإيراد صيغة الجمع في الحمد والاستعانة والاستغفار، ولفظ الواحد في الشهادة؛ لأن الأول مقام الفرق وملاحظة الكثرة برؤية الآلاء والتقصيرات والذنوب، والثاني مقام الجمع ومشاهدة وحدة الذات فيناسب لفظ الواحد، فتدبر، وليوافقَ كلمة الإسلام ومواردها في الأحاديث. اعلم أن هذا الكلام الذي ذكره في الخطبة أكثره من كلام النبوة كما روى

стр. 130

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه شَهَادَةً تَكُونُ لِلنَّجَاةِ وَسِيلَةً، ــ مسلم (١) عن ابن عباس: (أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاءَ من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنونٌ، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعلّ اللَّه يشفيه على يديَّ، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، [وإن اللَّه يشفي على يدي من يشاء] فهل لك؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه، من يهده اللَّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، [أما بعد! قال: ] فقال: أَعِدْ عليَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادهنّ عليه رسولُ اللَّه ﷺ ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعوس (٢) البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه). وقوله: (أشهد أن لا إله إلا اللَّه) المراد بالإله المعبود بالحق، وباللَّه الذات المقدسة الإلهية، فإن التحقيق أنه عَلَمٌ للذات لا صفة، وخبرُ (لا) محذوف، فقيل: يقدر في الإمكان ليفيد امتناع وجود إله غيره تعالى، وقيل: في الوجود لأن (لا) التي لنفي الجنس إنما تكون قرينة على نفي الوجود، ولأن النزاع إنما وقع فيه، والأصوب أن لا يقدر الخبر على لغة بني تميم.

стр. 131

وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَفِيلَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي بَعَثَهُ، ــ وقوله: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) اعلم أن محمدًا عَلَمٌ منقول موضوع في الأصل لمن كثرت خصاله الحميدة، سمي به نبينا بإلهام من اللَّه لجده عبد المطلب بذلك، وقد سماه اللَّه به قبل الخلق بألفي عام على ما ورد عند أبي نعيم (١)، وروى ابن عساكر عن كعبِ الأحبار (٢): أن آدم ﵇ رآه مكتوبًا على ساق العرش، وفي السموات، وعلى كل قصر وغرفة في الجنة، وعلى الحور العين، وعلى ورق شجرة طوبى، وسدرة المنتهى، وأطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، ولم يسمّ أحد قبله به، لكن لما قرب زمنه ونشر أهل الكتاب نعته ﷺ سمّى قوم أولادهم به رجاء النبوة لهم، واللَّه أعلم حيث يجعل رسالته، وعِدَّتهم خمسة عشر كما بيّنه بعض العلماء. وإنما قدم (عبده) على (رسوله) لما ورد في الحديث الصحيح (ولكن قولوا: عبده ورسوله) ولأنه أحب أسمائه ﷺ إلى اللَّه وأرفعها إليه، ومن ثم وصفه اللَّه تعالى به في أشرف المقامات، فذكره في إنزال القرآن عليه فقال: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، وقال: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، وفي مقام الدعوة إليه في قوله: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام الإسراء والوحي إليه في ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ومن ثَم لما خُيِّر ﷺ بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدًا اختار الثاني، وسليمان ﵇ سأل الأول، فانظر بُعدَ ما بين المرتبتين.

стр. 132

وَطرقُ الإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهَنَتْ أَرْكَانُهَا، وَجُهِلَ مَكَانُهَا، فَشَيَّدَ صَلوَاتُ اللَّه وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِها مَا عَفا، وشَفَى مِنَ الْعَلِيلِ فِي تَأْيِيدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شفى، ــ وقوله: (وطرق الإيمان قد عفت آثارها) إلى آخر الفقرات الأربع، يحتمل أن يكون المراد بطرق الإيمان: الأنبياءَ والرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، ومتابعيهم من العلماء الأتقياء، والمراد بعفاء الآثار وخبو الأنوار ووهن الأركان: تركَ العمل بما شَرَعوه وأَمروا به العباد وأوضحوا من الأحكام: الفرائض والواجبات والسنن والآداب والأخلاق، وتركَ تعلّمها وتعليمها، وعدمَ فهم ما قصدوا بها من العلوم والمعارف، والمراد بجهل مكانهم: الجهلَ بمراتبهم ومنازلهم في الدين. ويحتمل أن يكون المراد بطرق الإيمان: الأشياءَ التي يوصل بها إلى كماله من الأعمال والآداب والأخلاق والرياضات، وبعفاء آثارها وخبو أنوارها ووهن أركانها وجهل مكانها: عدمَ العلم والعمل بها وعدم الاتصاف بالأشياء المذكورة، كذا قيل، فتدبر. وقوله: (فَشَيَّدَ) أي: رفع وأعلى، شاد الحائطَ يَشيده: طَلاه بالشِّيد بالكسر، وهو ما طُلِيَ به حائط من جصٍّ ونحوه، والمعالم: جمع معلم، ومعلم الشيء: مظنته وما يستدل به كالعلامة، وفي (الصراح) (١): معلم بالفتح نشان كه برراه نهند. وقوله: (وشفى من العليل في تأييد كلمة التوحيد من كان على شفى) في (القاموس) (٢): الشفاء الدواء، وفي (الصراح) (٣): شفاء بالكسر والمد: تندرستي يافتن

стр. 133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتندرستي دادن، يقال: شفاه اللَّه من مرضه؛ أي: أنجاه منه، والعليل فعيل من العِلّة وهي بالكسر: المرض، علّ يَعِلّ وأعلّه اللَّه فهو مُعَلٌّ وعَلِيلٌ، ولا تقل: مَعْلُولٌ، والمتكلمون يستعملون هكذا، كذا في (القاموس) (١)، والمراد بكلمة التوحيد كلمة الإيمان وهي لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه. والشفا بالفتح والقصر حرف كل شيء؛ أي: طرفه وجانبه، وأشفى على الشيء: أشرف عليه. وفي (مجمع البحار) (٢): يقال: هو على شفًا بفتح الشين مقصور منونٌ؛ أي: على شرف الهلاك، ومنه: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، وحذف منه التنوين في لفظ الكتاب للوقف، ويقال للرجل عند موته، وللقمر عند محاقه، وللشمس عند غروبها: ما بقي إلا شفًا؛ أي: قليلٌ. والمعنى: شفى وأنجى من الهلاك والردى من كان على جانب من الطريق وطرف منه غير سالك لها، أو على طرف من نار جهنم قريب الوقوع فيها، فيكون تلميحًا إلى قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أو كان على شرف الهلاك بسبب الضلال، والمراد الجنس؛ أي: المعلولين بعلة الجهل والكفر، و (من) بيانية، وهو بيان لمن قدم عليه للسجع أي: شفى من كان على شفا من المعلولين، أو تبعيضية أي: شفى من جملة المعلولين من كان على شفا. وقوله: (في تأييد) الظاهر أنه متعلق بقوله: (شفى) حال من ضميره؛ أي: كائنًا ثابتًا في تأييد كلمة الحق، أو يكون (في) للتعليل، وقيل: يجوز أن يكون متعلقًا بعليل؛

стр. 134

وأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا. ــ أي: العليل الضعيف في هذا الأمو، فظهر بما ذكرنا أن العليل بالعين المهملة وهو الموجود في النسخ. قال الأمير جمال الدين المحدث رحمة اللَّه عليه في ترجمته على ديباجة الكتاب: وهو الثابت في أصل سماعنا والمصحَّح في النسخ الحاضرة من (المشكاة) قال (١): ويجوز أن يكون بالغين المعجمة، إما من الغِل بالكسر بمعنى الحقد والضغن، أو من الغلل بفتحتين بهذا المعنى، أو بمعنى حرقة العطش؛ أي: من كان ذا ضغن وحقد على أهل الإيمان، أو كان تائهًا حائرًا في تيه الضلال مشرفًا على الهلاك كالعطاش، انتهى. ويكون وجه الإعراب كما ذكر آنفًا، وأقول: قد جاء الغليل بمعنى المصدر، ومنه قول الشاعر (٢): إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا وفي (القاموس): وكأميرٍ: العطشُ أو شدتُه، أو حرارة الجوف (٣)، وحينئذ يكون من الغليل متعلقًا بـ (شفى). وقوله: (وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها) يقال: المراد بكنوز السعادة: الإسلام والإيمان والإحسان والطاعات والعبادات والتوجهات التي هي من مقتضيات هذه المقامات، والعلوم والمعارف والأنوار والأسرار التي هي مواهب هذه المكاسب

стр. 135

أَمَّا بَعْدُ: ــ ونتائجها، وفيه رمز خفي إلى قوله ﷺ : (لا حول ولا قوة إلا باللَّه كنز من كنوز الجنة) (١)، وهذه الجملة على وزان قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] باعتبار انتفاعهم بها، وإلا فالإيضاح والإظهار عام شامل للكل مَن أراد أو لم يرد، وقصد أو لم يقصد. وقوله: (أما بعد) قال الزّجّاج: مقام استعمال (أما بعد) هو أن يسوق المتكلم كلامًا على أسلوب فيريد أسلوبًا آخر فيقول: أما بعد، وقال بعضهم: تقدير الكلام أما الثناء على اللَّه والصلاة على النبي ﷺ فهو ما ذكر، أما بعد الثناء والصلاة فهو كذا، فيكون في المعنى لتفصيل ما أجمل، والمشهور أنه في ابتداء الكلام يكون للاستئناف، وذكر هذه الكلمة مسنون في الخطبة، وقد كان ﷺ يقول في الخطبة بعد الثناء على اللَّه بما هو أهله: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد. . .) (٢)، الحديث. واختلفوا في أول من تكلم بها فقيل داود ﵇، وقال الشيخ في (فتح الباري) (٣): أخرجه الطبراني مرفوعًا عن أبي موسى الأشعري، وقال: في إسناده ضعف، وأخرج موقوفًا عن الشعبي: أن فصل الخطاب الذي أوتي داود ﵇ كما قال اللَّه سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] هو هذه الكلمة، وقيل: يعقوب ﵇، وقيل: أول من تكلّم بها يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: سحبان بن وائل، وقد أشار إلى ذلك فيما ينسب إليه من البيت من قوله:

стр. 136

فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيهِ لَا يَسْتَتِبُّ إِلَّا بِالاِقْتِفَاءِ لِمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ، ــ لقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد أنى خطيبها وقال الشيخ: القول الأول أشبه وأثبت، وقد يجمع بين الأقوال بأن الأولية في الأول حقيقةٌ وفي البواقي إضافية، واللَّه أعلم. وقوله: (فإن التمسك بهديه (١)) الهدي بفتح الهاء وسكون الدال: الطريقة والسيرة، وكذا الهدْية بكسر الهاء وفتحها، يقال: هدى هدي فلان؛ أي: سار سيرته. وقوله: (لا يستتب) أي: لا يستقيم ولا يستمر، وفي (الصحاح) (٢): استتب له الأمر؛ أي: تهيأ واستقام واستمر، كذا في (النهاية) (٣). وقوله: (إلا بالاقتفاء لما صدر من مشكاته) المشكاة: كوّة في الجدار غير نافذة يوضع فيها المصباح، وفي (الصراح) (٤): مشكاة: سوراخ ناكَذاره كه جراغ دروي نهند، شبّه صدره ﷺ بالمشكاة التي فيها مصباح، وهو قلبه المنوَّر بنور اللَّه، أو شبّه قلبه بالزجاجة التي كالكوكب الدري، واللطيفةَ القدسية المنوِّرة لقلبه بالمصباح، حتى يوافق بقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ الآية [النور: ٣٥]، فافهم.

стр. 137

وَالاِعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّه لَا يَتِمُّ إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ، ــ وقوله: (والاعتصام بحبل اللَّه لا يتم إلا ببيان كشفه) اعتصم بفلان: تمسك به، والحبل معروف، والبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وفي (الصراح) (١): بيان: سخن بيدا وكشاده كَفتن وفصاحت، ويقال: فلان أبين من فلان؛ أي: أفصح، وفي الحديث: (إن من البيان لسحرا)، وسيجيء بيانه في (باب البيان والشعر) من الكتاب، والكشف: الإظهار ورفع شيء عما يواريه ويغطيه، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (الصراح) (٣): كشف: كشاده وبرهنه كردن. وإضافة البيان إلى كشفه بيانية، والضمير للرسول ﷺ ، والمراد بحبل اللَّه: عهده الذي أخذ من عباده بالإيمان والتوحيد والإقرار بربوبيته والتزام طاعته وعبادته، المشارُ إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهذا العهد قد نسوه بسبب تعلق الأرواح بالأبدان، وطريان الكدورات والحجب الحاصلة لها من هذا التعلق، وتراكم ظلمات الذنوب والمعاصي، فأرسل اللَّه تعالى الرسل إليهم لتذكير هذا العهد خصوصًا سيد الرسل صلوات اللَّه عليه وعليهم، أظهره وذكرهم به ببيانٍ صحيحٍ وكشفٍ صريحٍ حتى يوفوا به فتحصل لهم النجاة من عذاب جهنم، والفوز بنعيم الجنة، كما قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. ويحتمل أن يكون المراد بحبل اللَّه القرآن كما ورد في الحديث: (القرآن حبل

стр. 138

وَكَانَ "كِتَابُ الْمَصَابِيحِ" الَّذِي صَنَّفَهُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، قَامِعُ الْبِدْعَةِ، ــ اللَّه) (١) الممدود من السماء إلى الأرض، فكما أن استعمال الحبل سبب الوصول إلى ماء البئر الذي [هو] سبب الحياة الدنياوية وبقاء الأجسام، كذلك العمل بالقرآن سبب الوصول بعين الحياة الأبدية وحياة الأرواح بالمعارف الإلهية والعلوم الدينية والفوز بنعيم الجنة، أو لأن الحبل سبب النجاة من الردى والوقوع في البئر عند الاحتياج إلى الماء، كذلك القرآن سبب النجاة عن النار والوقوعِ فيها، وجاء في حديث آخر: (القرآن حبل اللَّه لا تنقضي عجائبه، من اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم) (٢)، هذا الطرف من الحديث يأتي ذكره في فضائل القرآن. وقال: لقد ظفرت بحبل اللَّه فاعتصم وقوله: (الذي صنفه) يقال: صنفه تصنيفًا: جعله أصنافًا وميّز بعضها عن بعض، من الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب، وجمعه: أصناف. وقوله: (محيي السنة) السنة في اللغة: الطريقة، وفي الشريعة: الطريقة المسلوكة في الدين، وقد سبق معناه في اصطلاح المحدثين، وهو قول النبي وفعله وتقريره ﷺ ، وقد يعمّ بما يتناول الصحابة والتابعين، وعند الأصوليين: ما واظب عليه النبي ﷺ ولم يكن عليه دليل الوجوب، وقد يعتبر مع المواظبة الترك أحيانًا. وقوله: (قامع البدعة) قمعه كمنعه: قهره وذلَّلَه، وقَمَعَ البردُ النَّباتَ: رَدّه وأحرقه، والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو مما استُحْدِثَ بعد النبي ﷺ من

стр. 139

أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرّاءِ الْبَغَوِيُّ، ــ الأهواء والأعمال، كذا في (القاموس) (١)، وستجيء أقسامه وما هو مذموم منها وغير مذموم في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة) إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: (الفراء) صانع الفرو وبائعه، وهذا نعت لأبي الشيخ كان ذلك صنعته. وقوله: (البغوي) منسوب إلى بغشور قرية بين هراة ومرو، والأغلب في النسبة إلى المركَّب الامتزاجي النسبة إلى الجزء الثاني، وقد ينسب إلى الجزء الأول أيضًا، نحو مَعْدِيٌّ في معدي كرب، وبَعْلِيٌّ في بعلبك، والبغوي من هذا القبيل، وقد يقال لتلك القرية: بغ، فعلى هذا لا حاجة إلى الاعتذار، ويقال في توجيه وجود الواو: إنه أجرى (بغ) مجرى (دم) محذوف العجز، فأعيدت الواو في حال النسبة مثل دموي، كذا قيل، ولزيادة الواو قاعدة في النسبة نحو علوي وغزنوي ذكرت في علم الصرف، فليرجع ثمة. وقد ذكر في وجه تلقيبه بمحيي السنة أنه لما صنف كتابه (شرح السنة) رأى النبي ﷺ في المنام فقال له: أحياك اللَّه كما أحييت سنتي. وقال: في (جامع الأصول) (٢): الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي صاحب (كتاب المصابيح) و (شرح السنة) و (كتاب التهذيب) في الفقه، وله من التصانيف الحسان ما يشهد له بعلو المنزلة، مات بعد المئة الخامسة سنة ست عشرة وخمس مئة، ﵀.

стр. 140

رَفَعَ اللَّه دَرَجَتَهُ أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي بَابِهِ، وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الأَحَادِيثِ وَأَوَابِدِهَا، وَلَمَّا سَلَكَ ﵁ طَرِيقَ الاِخْتِصَارَ، ــ وقوله: (أجمع كتاب صنف في بابه) المراد أنه من أجمع كتاب، أو هو مبالغة للترغيب في تحصيله، وهي صادقة من وجه، والمراد من (بابه) جميع أحكام الإسلام والإيمان من العمليات والاعتقاديات وما يتعلق بها من الفضائل والآداب وأمثالها، فيكون الضمير في (بابه) لكتابه. وقوله: (وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها) ضبطه ضبطًا: حفظه، ورجل ضابط، وجمل ضابط: قوي شديد، والشوارد جمع شاردة، وشرد البعير شرودًا وشرادًا بالكسر: نفر، والأحاديث جمع حديث ضد القديم، وقد عرفت معناه الاصطلاحي، ونقل عن الفراء أنه قال: الأحاديث جمع أحدوثة في الأصل، ثم جعل جمع حديث، وقال في (القاموس) (١): الحديث: الجديد والخبر، وجمعه أحاديث شاذٌ، وقال: الأحدوثة ما يُتَحَدَّثُ به، والأوابد جمع آبدة: البهيمة المتوحشة، وفي (القاموس) (٢): الأوابد: الوحوش، وأَبَدَت البهيمة وتأبدت: وحشت وتوحشت. والمراد بالشوارد: الأحاديثُ المخرجة في الأصول، ومواضع إيرادها فيها قد خفيت على الطالبين، فكأنها نفرت منهم، وبالأوابد: الأحاديثُ التي دلالتها على معانيها التي قصدت منها خفية، فكأنها توحشت من الطلاب، وبإيراد محيي السنة إياها في الأبواب المناسبة والمواضع اللائقة التي تظهر منها معانيها ويتضح المراد منها ارتفع الشرود وانتفى التوحش منها، وصارت مضبوطة مأنوسة، كذا قال الأمير جمال الدين

стр. 141

وَحَذَفَ الأَسَانِيدَ؛ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ -وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ- كَالإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالأَغْفَالِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى، . . . . ــ المحدث رحمة اللَّه عليه. وقوله: (وحذف الأسانيد) عطف على (سلك) على طريقة عطف التفسير، والإسناد قد عرف معناه في المقدمة، وهو عبارة عن رجال الحديث، والمراد ههنا ترك ذكر المُخْرِج؛ لأن المصنف إنما زاد على صاحب (المصابيح) ذكر الصحابي وذكر مخرج الحديث، فالظاهر أن مقصوده بيان ما أهمله الشيخ مما ذكره، ويشعر بهذا الاحتمال قوله الآتي: (ليس ما فيه أعلام كالأغفال)، ويحتمل أن يراد بالإسناد المعنى المصطلح، أعني ذكر الرجال كلهم، لكن المصنف اكتفى بذكر المخرج لما سيأتي من قوله: (وإني إذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي ﷺ )، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهر قوله: (وإن كان نقله -وإنه من الثقات- كالإسناد)، وعلى هذا الوجه يكون ذكر الصحابي غير محتاج إليه بل يكون للتبرك والتأكيد، فافهم. وقوله: (وإنه من الثقات) صحح (إنه) بالكسر على أنه حال من المضاف إليه، أعني الضمير المجرور في (نقله)، وبالفتح عطف على اسم كان بتأويل المصدر؛ أي: وإن كان نقله وكونه من الثقات، والأظهر عندي هو المعنى الأول، والثقات جمع ثقة، وهو مصدر في الأصل من وثق يثق ثقة كوعد يعد عدة، سمي به الرجل الذي يوثق به ويعتمد عليه. وقوله: (لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال) الأعلام بالفتح: جمع علم كقلم وأقلام، وهو أثر دال على شيء، والأغفال: جمع غفل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء كقفل وأقفال، والغفل: الأرض التي ليس فيها أثر عمارة وليست فيها علامة؛ أي:

стр. 142

وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ، فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ، فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ فِي مَقَرِّهِ كَمَا رَوَاهُ الأَئِمَّةُ الْمُتْقِنُونَ، ــ ليست الأراضي التي فيها أعلام كالأراضي التي لا علامة فيها، ويجوز أن تكون الأعلام والأغفال بكسر الهمزة على لفظ المصدر، ولا يذهب عليك أن مقتضى السياق أن يقول: ليس الأغفال كالتي فيها الأعلام (١)، فافهم. وقوله: (استوفقت) بتقديم الفاء على القاف من التوفيق، وهو الموجود في النسخ المصححة، وفي بعضها: (استوقفت) بتقديم القاف من الوقوف، وفي بعضها: (استوثقت) بالمثلثة مكان الفاء من الوثوق. وقوله: (فأعلمت ما أغفله) يعني أن صاحب (المصابيح) تَرَكَ ذكر الصحابي في الأحاديث كثيرًا، وأنا التزمت ذكره في كل حديث، وتَرَكَ ذكر مخرج الأحاديث بحيث يعلم في كل حديث بخصوصه، وأنا أوردت ذكره في كل حديث بخصوصه، وإن كان الاصطلاح قرره في قوله: (من الصحاح) و (من الحسان) أن يذكر في الأول أحاديث الشيخين جمعًا أو فرادى وفي الثاني أحاديث غيرهما يعلم المخرج مجملًا، فافهم. والتخريج: إيراد الحديث بإسناده، كما يقال: أخرجه الشيخان، أو أخرجه الترمذي، أو أخرجه أبو داود مثلًا، ويراد أنهم أوردوا الحديث في كتبهم بإسناده،

стр. 143

وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُونَ؛ مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ (١)، وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِم بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرَيِّ (٢)، ــ والمصنف ذكر (رواه) مكان أخرجه.

стр. 144

وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الأَصْبَحِيِّ (١)، ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 145

وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيّ (٢)، ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →