وَحَذَفَ الأَسَانِيدَ؛ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ -وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ- كَالإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالأَغْفَالِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى، . . . .
ــ
المحدث رحمة اللَّه عليه.
وقوله: (وحذف الأسانيد) عطف على (سلك) على طريقة عطف التفسير، والإسناد قد عرف معناه في المقدمة، وهو عبارة عن رجال الحديث، والمراد ههنا ترك ذكر المُخْرِج؛ لأن المصنف إنما زاد على صاحب (المصابيح) ذكر الصحابي وذكر مخرج الحديث، فالظاهر أن مقصوده بيان ما أهمله الشيخ مما ذكره، ويشعر بهذا الاحتمال قوله الآتي: (ليس ما فيه أعلام كالأغفال)، ويحتمل أن يراد بالإسناد المعنى المصطلح، أعني ذكر الرجال كلهم، لكن المصنف اكتفى بذكر المخرج لما سيأتي من قوله: (وإني إذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي ﷺ )، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهر قوله: (وإن كان نقله -وإنه من الثقات- كالإسناد)، وعلى هذا الوجه يكون ذكر الصحابي غير محتاج إليه بل يكون للتبرك والتأكيد، فافهم.
وقوله: (وإنه من الثقات) صحح (إنه) بالكسر على أنه حال من المضاف إليه، أعني الضمير المجرور في (نقله)، وبالفتح عطف على اسم كان بتأويل المصدر؛ أي: وإن كان نقله وكونه من الثقات، والأظهر عندي هو المعنى الأول، والثقات جمع ثقة، وهو مصدر في الأصل من وثق يثق ثقة كوعد يعد عدة، سمي به الرجل الذي يوثق به ويعتمد عليه.
وقوله: (لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال) الأعلام بالفتح: جمع علم كقلم وأقلام، وهو أثر دال على شيء، والأغفال: جمع غفل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء كقفل وأقفال، والغفل: الأرض التي ليس فيها أثر عمارة وليست فيها علامة؛ أي:
стр. 142
وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ، فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ، فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ فِي مَقَرِّهِ كَمَا رَوَاهُ الأَئِمَّةُ الْمُتْقِنُونَ،
ــ
ليست الأراضي التي فيها أعلام كالأراضي التي لا علامة فيها، ويجوز أن تكون الأعلام والأغفال بكسر الهمزة على لفظ المصدر، ولا يذهب عليك أن مقتضى السياق أن يقول: ليس الأغفال كالتي فيها الأعلام (١)، فافهم.
وقوله: (استوفقت) بتقديم الفاء على القاف من التوفيق، وهو الموجود في النسخ المصححة، وفي بعضها: (استوقفت) بتقديم القاف من الوقوف، وفي بعضها: (استوثقت) بالمثلثة مكان الفاء من الوثوق.
وقوله: (فأعلمت ما أغفله) يعني أن صاحب (المصابيح) تَرَكَ ذكر الصحابي في الأحاديث كثيرًا، وأنا التزمت ذكره في كل حديث، وتَرَكَ ذكر مخرج الأحاديث بحيث يعلم في كل حديث بخصوصه، وأنا أوردت ذكره في كل حديث بخصوصه، وإن كان الاصطلاح قرره في قوله: (من الصحاح) و (من الحسان) أن يذكر في الأول أحاديث الشيخين جمعًا أو فرادى وفي الثاني أحاديث غيرهما يعلم المخرج مجملًا، فافهم.
والتخريج: إيراد الحديث بإسناده، كما يقال: أخرجه الشيخان، أو أخرجه الترمذي، أو أخرجه أبو داود مثلًا، ويراد أنهم أوردوا الحديث في كتبهم بإسناده،
وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ (١)، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيِّ (٢)، وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ (٣) وَغَيْرِهِمْ وَقَلِيلٌ مَا هُوَ.
ــ
وقوله: (العبدري) منسوب إلى عبد الدار بن قصي، بطن مشهور من قريش،
стр. 149
وَإِنِّي إِذَا نسَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَيْهِمْ كَأَنِّي أَسْنَدْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأَنّهُمْ قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ، وَأَغْنَوْنا عَنْهُ. وَسَرَدْتُ الْكُتُبَ وَالأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَهَا، وَاقْتَفَيْتُ أثَرَهُ فِيهَا، وَقَسَّمْتُ كُلَّ بَابٍ غَالِبًا عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ:
ــ
والدار صنم، وبه سمي عبد الدار.
وقوله: (وسردت الكتب والأبواب (١)) السرد: الخَرْز في الأديم، ونسج الدرع، والتتابع في الكلام، وفي الصوم كما في حديث: (لم يكن ﷺ يسرد الحديث سردًا) أي: يتتابعه ويستعجل فيه، وحديث: (يسرد الصوم) أي: يواليه ويتتابعه، ويجيء بمعنى جودة سياق الحديث أيضًا، يقال: فلان يسرد الحديث، إذا كان جيد السياق له، والمناسب للمقام إرادة هذا المعنى، يعني: لما رأيت الشيخ سرد الكتب (٢) والأبواب واتخذ لها التراجم والعنوانات على الوجه اللائق المناسب اتَّبعته في ذلك من غير تقديم وتأخير وتغيير وتبديل.
واعلم أن من عادة المصنفين أن يتخذوا مبحثا عامًا شاملًا لمباحث كثيرة تحته كالجنس بالنسبة إلى الأنواع التي تحتها الأصناف ويعنونوه بالكتاب، والمباحث التي تحته بالأبواب، والأصناف التي تحت الأنواع بالفصول، ككتاب الطهارة وأبواب الغسل والوضوء والتيمم وفصل غسل الجنابة وغسل الجمعة مثلًا، لكن المصنف جعل الأبواب منحصرة في الفصول ولم يذكر فيها شيئًا سوى ما في الفصول، فتدبر.
وقوله: (واقتفيت أثره فيها) الاقتفاء: الاتباع، والأثر بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما: العلامة، وفي (الصراح) الأثر: نشان با.
стр. 150
أَوَّلُهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا وَإِنِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَيْرُ؛ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ.
ــ
وقوله: (أولها ما أخرجه الشيخان (١). . . إلخ) هذا على زعم الشيخ، مع كونه كثيرًا غالبًا، وكون خلافه كما فعل المؤلف نادرًا قليلًا.
وقوله: (لعلو درجتهما في الرواية) أي: فلا يُحتاج في أصل الصحة إلى نسبة الحديث مع وجودهما إلى غيرهما، مع ما فيه من الاختصار والاقتصار على المقصود، فلا يرد ما قيل: لو ذكر المصنف غير الشيخين أيضًا لكان أولى وأحرى؛ لأنه وإن لم يكن محتاجًا إليه في أصل الصحة ولكن يحتاج في الترجيح؛ لأن كثرة الروايات من وجوه الترجيحات.
واعلم أن ما أخرجه الشيخان معًا يسمى حديثًا متفقًا عليه في اصطلاح المحدثين لكن بشرط أن يروياه من صحابي واحد، ولو روى أحدهما من صحابي والآخر من صحابي آخر لا يسمى متفقًا عليه في الاصطلاح، صرح به الشيخ ابن حجر في (شرح
стр. 151
وَثَانِيهَا: مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ.
وَثَالِثُهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ مِنْ مُلْحَقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْثُورًا عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَقَدْتَ حَدِيثًا فِي بَابٍ؛ فَذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرٍ أُسْقِطُهُ. . . .
ــ
نخبة الفكر).
وقوله: (مع محافظة على الشريطة) وهي التزام ذكر الصحابي والمخرج في كل حديث، وهذا الفصل الثالث زيادة من المصنف وليس مذكورًا في (المصابيح)، وإنما المذكور فيه هو القسم الأول والثاني، وذلك أيضًا ليس معنونًا بعنوان الفصل بل عنون القسم الأول بقوله: من الصحاح، والثاني بقوله: من الحسان، وتسميته بالحسان اصطلاح جديد من محيي السنة وإلا ففيه من صحاح الحديث أيضًا، أو هو تغليب.
وقوله: (ثم إنك إن فقدت حديثًا -إلى قوله: - وإن عثرت) شرع في بيان بعض تصرفاته وأعماله في الكتاب، (ثم) ههنا للتراخي في الرتبة والتكلم؛ أي: بعد ما سمعت من المقدمات، اعلم أنه قد يوجد حديث في باب المذكور في (المصابيح) ولم أذكره لكونه وقع مكررًا فيه فأسقطته لأجل التكرار، وقد يكون حديث اختصره الشيخ فأتركه أنا أيضًا على اختصاره، وقد أضم إليه في بعض المواضع بقية الحديث، وذلك لشيء يدعوني إما إلى تركه على اختصاره أو إلى ضم بقيته إليه، أما الداعي إلى الاختصار فكما يكون جزء من حديث مناسبًا للباب دون باقي أجزائه أو يكون جزءًا مناسبًا لهذا الباب وجزءًا آخر مناسبًا لباب آخر فأختصر وأقتصر على جزءٍ منها في هذا الباب، وأذكر جزءًا آخر في ذلك الباب، وما لم يَجمع من الحديث بين هذين الوصفين ألحقت معه باقيه.
стр. 152
وَإِنْ وَجَدْتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكًا عَلَى اخْتِصَارِهِ، أَوْ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ؛ فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ أَتْرُكُهُ وَأُلْحِقُهُ، وَإِنْ عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْفَصْلَيْنِ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الأَوَّلِ، وَذِكْرِهِمَا فِي الثَّانِي؛ فَاعْلَمْ أَنِّي بَعْدَ تَتَبُّعِي كِتَابَي "الْجمع بَين الصحيحن" لِلْحُمَيْدِيِّ، وَ"جَامِعَ الأُصُولِ"؛ . . . .
ــ
وقوله: (بعضه) بدل من قوله: (آخر)، والضمير في (اختصاره) للحديث، وهو الأظهر، وقد يجعل لمحيي السنة وفيه من تفكيك الضمير ما لا يخفى.
وقوله: (وإن عثرت على اختلاف في الفصلين -إلى قوله: - وإن رأيت)، شرح هذا الكلام يستدعي بسطًا في الكلام، فاعلم أن المصنف يقول: قد تقرر أن ما أورده الشيخ محيي السنة ﵀ من الأحاديث في القسم الأول فهو من الشيخين، منهما أو من أحدهما، وما أورد في القسم الثاني فهو من غيرهما من الأئمة المذكورين.
وقد يذكر الشيخ حديثًا في الأول ونسبتُه أنا إلى غير الشيخين، وذلك مذكور في مواضع كما في الفصل الأول من (باب سنن الوضوء)، ومن (باب فضائل القرآن) وغيرهما، ونسبت بعض أحاديث القسم الثاني إلى الشيخين كما في الفصل الثاني من (باب ما يقرأ بعد التكبير) و (باب الموقف) وغيرهما، فاعلم أن عذري في ذلك ودليلي عليه أني تتبعت كتابين جُمع فيهما أحاديث الشيخين، أحدهما كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي (١)، والثاني (جامع الأصول) لابن الأثير الجزري (٢)، ولم أقتصر
стр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في معرفة أحاديث الشيخين على تتبع هذين الكتابين، بل اعتمدت على صحيحي الشيخين ومتنيهما؛ أي: أصلي كتابيهما ونفسيهما دون (الجمع بين الصحيحين) و (جامع الأصول) المشتملين عليهما المغايرين لهما كالشرحين لهما، فما وجدت من الأحاديث للشيخين في الكتابين المذكورين وفي أصلي صحيحهما نسبتها إليهما، وما لم أجد لم أنسب إليهما وإن كان مخالفًا لما ذكره الشيخ محيي السنة، وهذا ادِّعاء منه كمال التتبع والتصفح لأحاديث الشيخين، يعني: أني لو اقتصرت على تتبع الكتابين وقلت: ليس هذا الحديث للشيخين، لكان لقائل أن يقول: لعله يكون في متني صحيحهما، ولو اقتصرت على تتبع متني صحيحهما يقال: لعله يوجد في كتابي (الجمع بين الصحيحين) و (جامع الأصول)، فتتبعت الكل ليحصل الوثوق والاعتماد في هذه النسبة على وجه الكمال، ولم يبق لأحد مجال المقال.
هذا ولكن لا يخفى أن تتبع الصحيحين ومتنيهما و (الجمع بين الصحيحين) و (جامع الأصول) إنما يفيد معرفة أحاديث الشيخين وذكرهما في الفصل الثاني، وأما ذكر غير الشيخين في الفصل الأول فلابد من تتبع كتب الآخرين من الأئمة وتصفح سننهم لتُعرف أحاديثهم، فيُذكرون في الفصل الأول، وغاية ما يعرف من تتبع الصحيحين وأختيهما عدمُ كون الحديث المذكور في الفصل الأول منهما، وأما كونه من غيرهما من الأئمة فلابد فيه من تتبع كتبهم كما لا يخفى، ولعل المصنف لم يتعرض لها لظهور المراد ووضوح المقصود، ولأن مطمح نظره إظهار المخالفة مع الشيخ في النسبة إلى
стр. 154
اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَي الشَّيْخَيْنِ وَمَتْنَيْهِمَا، وَإِنْ رَأَيْتَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ؛ فَذَلِكَ مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّي مَا اطَّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ ﵁، وَقَلِيلًا مَا تَجِدُ أَقُولُ: مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كُتُبِ الأُصُولِ أو وَجَدْتُ خِلَافَهَا فِيهَا، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ. . . .
ــ
الشيخين، فافهم وباللَّه التوفيق.
وقوله: (وإن رأيت اختلافًا في نفس الحديث. . . إلخ) أي: إن وجدت حديثًا أورده محيي السنة بلفظ، وأنا أوردته بلفظ آخر، (فذلك) الاختلاف ناشٍ (من تشعب طرق الأحاديث) وتعدد أسانيدها، فاللفظ الذي أورده الشيخ جاء بطريق، واللفظ الذي أوردته أنا جاء من طريق آخر، ولما كان ههنا محلُّ أن يقال: فَلِمَ لم تورد بلفظ الشيخ ولِمَ اخترت هذا اللفظ؟ قال في جوابه: (ولعلي ما اطلعت على تلك الرواية التي سلك طريقها الشيخ)، فلما لم أطلع كيف أوردها؟ وههنا احتمال آخر وهو أنه اطلع عليها، ولكن كان الطريق الذي أوردها المؤلف أسلم وأقوى، ولم يذكره اكتفاءً وتواضعًا مع الشيخ واعترافا بعدم علمه واطلاعه.
ثم الظاهر أن يقول: تشعب طرق الحديث؛ أي: هذا الحديث له طرق وروايات متعددة، وكأنه أراد بالأحاديث: الروايات لهذا الحديث أو المعنى، فذلك من تشعب الطرق التي تكون للأحاديث، وما نحن فيه من هذا الباب، أو لأنه لم ينحصر ذلك في حديث واحد بل في أحاديث متعددة فجمع لهذا الاعتبار، فافهم.
وقوله: (في كتب الأصول) المراد بها كتب الأئمة ومؤلفاتهم التي هي أصول الروايات ومعادنها.
وقوله: (فإذا وقفت عليه) أي: على قولي هذا المنبئ عن نسبة شيء من الخطأ
стр. 155
فَانْسِبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ، لَا إِلَى جَنَابِ الشَّيْخِ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي الدَّارَيْنِ، حَاشَا لِلهِ مِنْ ذَلِكَ.
ــ
والاشتباه ونحوهما إلى الشيخ وقلة تصفحه.
وقوله: (لا إلى جناب الشيخ) في (القاموس) (١): الجناب: الفناء، وفي (الصراح) (٢): جناب بالفتح دركَاه، والعرب إذا أرادوا أن يذكروا اسم أحد من العظماء بالتعظيم والاحترام أضافوا الجناب إليه، كأنه لا يمكن ذكر اسمه لعلو قدره إلا اسم جنابه وعتبته.
وقوله: (حاشا للَّه من ذلك) في (القاموس) (٣): حاش للَّه؛ أي: تنزيهًا له، ولا يقال: حاش لك بل حاشاك وحاشا لك.
اعلم أن للنحاة خلافًا في معنى هذه الكلمة وفي أنها اسم أو فعل أو حرف، فقال بعضهم: الصحيح أنه اسم مرادف للتنزيه بدليل أن بعض القراء قرأ في ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٣١، ٥١] الواقع في سورة يوسف: (حاشًا للَّه) بالتنوين، وبعضهم قرأ بالإضافة: (حاش اللَّهِ)، واللام في (للَّه) للبيان، أي: لبيان المنزه والمبرئ على صيغة اسم الفاعل، كأنه قال: براءة وتنزيه، ثم قال: للَّه، أي: هذه البراءة والتنزيه للَّه، أي: المنزِّه والمبرئ اللَّه، وهذه اللام مثل اللام في سقيًا لك وهنيئا لك.
فحاصل المعنى على هذا القول: الشيخُ منزّه ومبرأ عن أن يُنسب القصور وقلة الدراية إليه، وهذا التنزيه والتبرئة للَّه؛ أي: هو المنزِّه والمبرئ، وحينئذ وإن كان الظاهر
стр. 156
رَحِمَ اللَّهُ مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا طَرِيقَ الصَّوَابِ. . . .
ــ
أن يقول: اللَّه بلا لام لكن أدخل اللام ليفيد معنى الاختصاص كأنه قال: تنزيهه عن ذلك مخصوص باللَّه تعالى وله تنزيهه ولا ينبغي لغيره، وفيه تعظيم وتنزيه لهذا التنزيه.
ويحتمل أن يكون حاصل المعنى على هذا القول: أقول في حقه: التنزيه للَّه ولوجهه خالصًا لا لأمر آخر، وفيه أيضًا من المبالغة ما لا يخفى.
وقال بعضهم: (حاشا) فعل، وفسروا قوله تعالى: ﴿حَاشَ﴾ أي: جانب يوسف الفاحشة، وجعلوا اللام في ﴿لِلَّهِ﴾ بمعنى الأَجْل؛ أي: جانب يوسف الفاحشة لأجل اللَّه ولوجهه ورضاه لا لغرض آخر.
وعلى هذا القول حاصل المعنى في عبارة (المشكاة) يرجع إلى أنه: جانَبَ الشيخ محيي السنة ذلك القصور لأجل اللَّه، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد أني إنما قلت: (حاشا) في شأنه للَّه لا لغرض آخر، وقال قوم: حاشا اسم فعل؛ أي: أبرئ أو أبرأت.
وأما القائلون بكونه حرفًا فإنما يقولون به في مقام الاستثناء، ولا يستقيم معنى الاستثناء ههنا، فتدبر، كذا ذكر الأمير جمال الدين ﵀ (١).
وقوله: (وقف على ذلك) أي: على ما ذكر الشيخ من الرواية ولم أجده.
وقوله: (نبهنا عليه) التنبيه إن حمل على حقيقته اختص بزمان حياة المصنف وإلا فالمراد به إصلاح الكتاب على سبيل المحو والإثبات والتبديل والتحويل وتعليق الحواشي عليه، وهو صحيح على طريق المجاز.
стр. 157
وَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي التَّنْقِيرِ وَالتَّفْتِيشِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَنَقَلْتُ ذَلِكَ الاِخْتِلَافَ كَمَا وَجَدْتُ، وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ﵁ مِنْ غَرِيبٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِبًا،
ــ
وقوله: (ولم آل جهدًا) أي: لم أقصر، و (جهدًا)، إما تمييز أو حال بمعنى مجتهدًا، أو ظرف؛ أي: في الاجتهاد، وفي هذه العبارة كلام وتحقيق ذكر في شرح (التلخيص) وحواشيه في ديباجة متن (التلخيص) (١)) فليرجع ثمة، والجهد بضم الجيم وفتحها: الطاقة والمشقة والجد والاجتهاد كذا في (القاموس) (٢)، وفي (الصراح) (٣): جهد بالفتح والضم توانائي وكوشش، وقال الفراء رحمة اللَّه عليه: بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة.
وقوله: (في التنقير والتفتيش) هما بمعنًى، وحاصله التفحص والتصفح؛ أي: إني لم أقصر في طلب الأحاديث والروايات المختلفة من كتب الأصول، ونقلت ذلك الاختلاف كما وجدت بلا زيادة ونقصان وتغيير وتبديل.
وقوله: (بينت وجهه غالبًا) وذلك ما ينقل المؤلف عن الأئمة كلامًا يحكم فيه بضعف الحديث أو غرابته مثلًا خصوصًا عن الترمذي، فإنه المتكلم بذلك في الأغلب كما ستعرف في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى، وإنما قال: غالبًا؛ لأن في بعض المواضع لم يبين، إما لعدم الاطلاع على وجهه أو لأمر آخر، واللَّه أعلم.
стр. 158
وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا فِي الأُصُولِ؛ فَقَدْ قَفَّيْتُهُ فِي تَرْكِهِ، إِلَّا فِي مَوَاضِع لغَرَضٍ،
ــ
وقوله: (فقد قفيته) هكذا في جميع النسخ الحاضرة المعتمدة (قفيته) بتشديد الفاء من التقفية، وهو يستعمل متعديًا بنفسه وبالباء، في (القاموس) (١): قفيته زيدًا وبه: أَتْبَعْتُه إياه، وقد استعمل بالباء في قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧]، فيكون معنى قوله: (قفيته) جعلته تابعًا، ولا معنى له؛ لأن المعنى ههنا الاتباع والاقتفاء، فالظاهر قفوته بتخفيف الفاء من القفو، وفي (القاموس) (٢): قفوته قَفْوًا: تبعته كتقفّيته واقتفيته.
وقوله: (إلا في مواضع لغرض) بين الطيبي (٣) الغرض بأن بعض الطاعنين على (المصابيح) أفرزوا أحاديث منها وحكموا بوضعها، وقد فاز المؤلف من جانب بعض الأئمة كالترمذي وغيره تصحيحها وتحسينها، فبيَّن ذلك دفعًا لطعنهم، كحديث أبي هريرة ﵁: (المرء على دين خليله) صرح الطاعنون بأنه موضوع، وقد قال الترمذي في (جامعه) (٤): إنه حسن، وذكر النووي أنه صحيح الإسناد.
ومن جملة الأغراض أنه قد قال محيى السنة في خطبة (المصابيح): إني أعرضت عن إيراد الحديث المنكر، مع أن فيه أحاديث منكرة متعددة، وقد أقر بإنكار بعضها ولم يبين في بعضها، فنبه المؤلف على ذلك، هذا حاصل كلام الطيبي.
стр. 159
وَرُبَّمَا تَجِد مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً، وَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيهِ فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ، فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ فَأَلْحِقْهُ بِهِ، أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكُ.
وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِـ:
"مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ"
ــ
وقد يقال في جوابه: إن مراد صاحب (المصابيح) من المنكر: المتفق على إنكاره، وأما بيانه الإنكار في بعضها فلئلا يحمل على ذهوله وغفوله، وأما عدم البيان في بعض آخر فبناءً على أن الحكم بإنكاره غير معتبر عنده.
وقوله: (وريما تجد مواضع) قالوا: أصل وضع (رب) للتقليل وقد شاع استعمالها في التكثير بحيث صار استعماله في التقليل كالمجاز محتاجًا إلى القرينة، والظاهر ههنا الحمل على التقليل؛ لأن تلك المواضع قليلة معدودة، ولو نظر إلى كثرتها وتعددها في الجملة جاز حملها على التكثير حملًا على ما هو الشائع في بعض الاستعمال.
وقوله: (مهملة) أي: متروكًا فيها ذكر المخرج.
وقوله: (وذلك) أي: الإهمال.
وقوله: (فألحقه) أي: ذكر الراوي (به) أي: بالكتاب، واكتبه في موضع البيان، وقد بيَّن بعض العلماء المواضع المهملة، وكتب في هامش الكتاب، وترك البياض الذي تركه المصنف على حاله ليعلم أنه ليس البيان من المصنف، وقد يكتب في بعض النسخ في موضع البيان في الهامش: أنه كان في الأصل بياض والكتابة عارض، كما يظهر بالنظر في نسخ المشكاة، وأكثرها وقع من الشيخ محمد الجزري أحسن اللَّه جزاءه.
وقوله: (وسميت الكتاب بمشكاة المصابيح) قد عرفت أن المشكاة هي الكوّة الغير النافذة في الجدار التي يوضع فيها المصباح، فوجه التسمية أنه كما يوضع المصباح
стр. 160
وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالإعَانَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالصِّيَانَةَ، وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ،
ــ
في الكوّة كذلك وضع كتاب (المصابيح) فيها، وتشتمل عليه اشتمال المشكاة على المصباح، أو لأن الأحاديث التي ذكرت في هذا الكتاب كل منها كالمصباح، فهذا الكتاب كالكوّة التي وضع فيها المصابيح المتعددة، فافهم (١).
وقوله: (وأسأل اللَّه التوفيق) بإيجاد الأسباب والإعانة بترتب المسببَّات عليها، والهداية لسلوك طريق الصواب في ذلك، والصيانة عن الخطأ والزلل فيه، وتيسير ما أقصده من ذلك، ولا يخفى أن الظاهر أن يراد سؤال التوفيق في تصنيف الكتاب وتتميمه على النمط المطلوب، فتكون هذه الخطبة سابقة على التصنيف، فتحمل الألفاظ المذكورة قبلُ على القصد والنية، أو يكون المراد التوفيق والتيسير في سائر الأمور والأحوال.
ويجوز أن يكون قوله: (وأسأل) جملة حالية بتقدير المبتدأ.
стр. 161
وَأَنْ يَنْفَعَنِي فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يُتَزَوَّجُهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ١، م: ١٩٠٧].
ــ
وقوله: (أن ينفعني) الظاهر أن الضمير المستتر للَّه تعالى، ويجوز أن يكون للكتاب باعتبار التسبب.
وقوله: (في الحياة) بالمطالعة والتعليم والعمل وإيصاله إلى الناس وأداء حق النصيحة لهم.
وقوله: (وبعد الممات) بالأجر والثواب وحصول رضاه تعالى.
وهذا أوان الشروع في شرح أحاديث الكتاب مستعينًا باللَّه، وأول حديث بدأ به المؤلف الكتاب:
١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لِامْرِئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته إلى اللَّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
وقد كثر كلام الشارحين في هذا الحديث، ولا علينا أن ننقل بعينها بل ننقل شيئًا منها مع تحرير وتنقيح بزيادة ونقصان مما سنح في أثناء المقال، ولا نخاف الإطالة والإملال، ونذكره في أربعة أجزاء:
стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: في فضل هذا الحديث وشرفه، اعلم أنه قد تواتر النقل عن الأئمة في مدح هذا الحديث بعظم موقعه وكثرة فوائده، وأنه أصل عظيم من أصول الدين، ومن ثَمَّ خطب به رسول اللَّه ﷺ على المنبر كما في رواية البخاري (١)، وخطب به أمير المؤمنين عمر ﵁ على منبر رسول اللَّه ﷺ كما أخرجه البخاري أيضًا، ولهذا قال أبو عبيد: ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث.
وقال بعضهم: إنه نصف العلم، ووجهه: أن الأعمال قسمان: أعمال القلب وأعمال الجوارح، والنية أجلُّ أعمال القلب وأفضلها، فالعلم المتعلق بها يكون نصفًا بل أعظم النصفين؛ لأن النية أصل لجميع الأعمال القلبية والقالبية، وعليها مدار جميع الطاعات والعبادات صحة وثوابًا، والمعاملات والمباحات ثوابًا كما يأتي تقريره، وبهذه الاعتبارات إن أريدت المبالغة ساغ أن يقال: كأنه العلم كله، والأكثرون منهم الشافعي -فيما نقله البويطي عنه- وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأبو داود والدارقطني على أنه ثلث العلم أو ثلث الإسلام.
وقال البيهقي في توجيهه: إن كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه أو بأركانه، فالنية التي هي عمل القلب أحدها وأرجحها لأنهما تابعان لها صحةً وفسادًا وثوابًا وحرمانًا، ولا يتطرق إليها رياء، وقد تكون النية عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها.
وقال الشيخ في (فتح الباري) (٢): وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه
стр. 163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي تردُّ إليها جميع الأحكام، أولها هذا الحديث، وثانيها (ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وثالثها (الحلال بين والحرام بين)، ومنهم من قال: ربعه، وقد نقل الشافعي من الشعر ما يدل على ذلك قال:
عمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملن بنية (١)
ونقل عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا، فقيل: إنه يريد به المبالغة في معنى الكثرة؛ لأن هذا العدد قد تعارف ذكره في هذا المعنى، والتحقيق أنه على حقيقته، وأقول: إنما حَمَل من حمله على المبالغة؛ لأنه يدخل في كثر من سبعين بابًا وليس منحصرًا فيه، إذ يدخل في قسم العبادات من الواجبات والمستحبات وفي المباحات وفي العادات وفي أكثر المعاملات ثوابًا مما يَعسر ضبطه وحصره، وقد عدُّوه في كتبهم مفصَّلًا فعليك بها.
ثم إن هذا الحديث مما اتفقوا على صحته أخرجه الأئمة المشهورون، وقال الشيخ: إلا الموطأ، ووهم من ظن أنه في الموطأ مغترًا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك (٢)؛ ولكنه ليس بمتواتر كما توهم البعض؛ لأنه فرد في الأصل، رواه
стр. 164
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عمر ﵁ ولم يصح منه إلا برواية علقمة، ولا عن علقمة إلا برواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا برواية يحيى بن سعيد، ولا خلاف بين أهل الحديث أنه لم يرو صحيحًا بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، ثم اشتهر عن يحيى بن سعيد وبلغ حد التواتر، فقيل: روى عن يحيى مئتان وخمسون نفسًا، وسرد أسماءهم أبو القاسم بن منده يجاوز ثلاث مئة، وقيل: سبع مئة من أصحاب يحيى، قال الشيخ: وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة [والأجزاء المنثورة] منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المئة (١)، انتهى.
وبالجملة وهو حديث شريف عظيم الشأن كثير المنفعة، وقد جَرَتْ عادة المحدثين أكثرهم على ابتداء تصانيفهم به وإيراده في أوائلها إشارة إلى حسن نيتهم وتمحض إخلاصهم فيها، وأنها ليست مشوبة بغرض من الأغراض والأعواض.
والأولى أن يقال: إن الابتداء به تنبيه للطالبين والمصنفين بتخليص نياتهم وتحسينها، وإشعار بأن الاشتغال بعلم الحديث والتصدي للتأليف فيه في حكم الهجرة، فينبغي أن يكون للَّه ولرسوله حتى يصير مقبولًا، وسمّاه بعضهم طليعة كتب الحديث.
وقال أبو سليمان الخطابي: إن المتقدمين من مشايخنا كانوا يستحسنون تقديم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) قبل كل أمر من أمور الدين كانوا يبدؤون به، وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث (٢).
стр. 165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثاني: في قوله: (إنما الأعمال بالنيات) هذا أشهر الروايات وأظهرها لإفادته الاستغراق صريحًا؛ لأن (إنما) مفيد للحصر بمنطوقه لكونه بمعنى (ما) و (إلا) كما يدل عليه موارد استعمال الآيات والأحاديث وكلام العرب، وذلك بحكم الوضع، وما ذكروا من وجوه إفادته الحصر فلمناسبات ذكروها في وضع (إنما) بمعنى (ما) و (إلا) كما هو عادة النحاة، ولو قيل بعدم إفادة (إنما) الحصر كما ذهب إليه بعض، واستدل بما لا يتم الاستدلال به كما ذكر في موضعه، فإفادة اللام للاستغراق في الأعمال كافية في ذلك، إذ معناه: كل عمل بالنية، ويلزم منه أنه لا أعمال إلا بالنية، وقد وقع في معظم الروايات بإفراد النية، والمراد بها الجنس، وقيل في وجه إفراده: إن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالجوارح وهي متعددة فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص المراد به الواحد الأحد الذي لا شريك له، وقد جاء في (صحيح ابن حبان): (الأعمال بالنيات) بحذف (إنما)، وجمع الأعمال والنيات، وكذا وقع في (العتق) من (صحيح البخاري) من رواية الثوري، وفي (الهجرة) من رواية حماد بن زيد، ووقع عنده في (النكاح) بلفظ: (العمل بالنية) بإفراد كل منهما، كذا في (فتح الباري) (١).
ويجوز إرادة الحصر في الجميع بحمل اللام على الاستغراق جمعًا أو مفردًا، وقالوا: المراد بالأعمال أعمال الجوارح، فلا يتوجه أن النية أيضًا من الأعمال، فينبغي أن يتوقف على النية ويتسلسل، والتحقيق أنها تعم أفعال الجوارح وأفعال القلوب؛ لأن الكل يتوقف على النية صحةً أو ثوابًا.
стр. 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الخطابي (١): مقتضى العموم فيها أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالِها وأفعالِها، فرضِها ونفلِها، قليلها وكثيرِها، إلا بنية، ودخل فيها التوحيد الذي هو رأس الأعمال الدينية فلا يصح إلا بقصد إخلاص فيه، انتهى.
قلت: هذا الذي ذكره الخطابي من دخول أفعال القلوب صحيح بلا شبهة، فإن معنى النية هو قصد التقرب إلى اللَّه، وذلك جائز وجودًا وعدمًا في الأفعال القلبية كحب أحد أو بغضه لا لقصد التقرب، ولذا ورد: (الحب للَّه والبغض للَّه)، لكن في دخول التوحيد والتصديق الذي هو من أعمال القلب شيء من الخفاء، والظاهر دخوله أيضًا؛ لأن التصديق القلبي الذي هو عبارة عن الإيمان يجب أن يكون على قصد التقرب والإخلاص وتحصيل اليقين الذي يتنوّر به جوهر القلب حتى يصير سببًا للتقرب من اللَّه ومعرفته وحصول رضاه، ويصير سببًا للفوز بنعيم الجنة والنجاة من العذاب الأليم، لا على نية أن يصفه الناس بالإيمان ويَعُدُّوه في زمرة المؤمنين، وتظهر آثاره عندهم، وتجرى عليه ظواهر أحكام الإسلام فيصير سببًا لحصول الغنائم والعزة عند الناس، كما هو حال المنافقين في الإقرار، فلا يتّجه ما قال الكرماني (٢): ليس دخول التوحيد فيها مسلَّمًا، لأن التوحيد من الاعتقاديات لا من العمليات، إلا أن يراد بالتوحيد قول كلمة الشهادة، وبالعمل ما يتناول عمل اللسان.
أقول: ويَرِدُ عليه أن الاعتقاديات من أعمال القلوب فتشتملها الأعمال، ولعله زعم أنه لو كانت الاعتقاديات التي هي من أعمال القلوب داخلة لزم التسلسل؛ لأن من
стр. 167
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جملتها النية فيحتاج إلى نية أخرى وهلمّ جرًّا، ويَرِدُ عليه أيضًا: أن النية وإن كانت من أعمال القلوب لكنها تكون مستثناة من الأعمال ألبتة؛ لأن المراد من النية قصد التقرب إلى اللَّه، وتوقفه على قصد التقرب فيه مما لا يعقل، ولا يحتاج إليه، بل القصد مطلقًا يُحتاج إليه في صدور الفعل، ثم لا يحتاج إلى قصد آخر في القصد، بخلاف الاعتقاديات وسائر أعمال القلوب فإنها تحتاج في الصحة والثواب إلى النية، ولا يلزم من توقفها على النية التسلسل، فافهم.
وتكلموا في المعرفة أيضًا بأنها داخلة في الأعمال أم لا؟ فقال بعضهم: إنها غير داخلة لأن النية قصد المنوي، وإنما يقصد المرء ما يعرف، فيلزم أن يكون عارفًا قبل المعرفة.
وتعقِّب بما محصله: أنه إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلَّم، وإن كان المراد بالمعرفة النظر في الدليل فلا؛ لأن كل عاقل يشعر مثلًا بأن له من يدبره، فإذا أخذ بالنظر في الاستدلال عليه لتحققه لم يلزم محذور، كذا قال في (فتح الباري) (١).
ثم الظاهر أن جميع الأعمال داخلة فيها من العبادات والعادات، ولكن وقع الاختلاف بين أبي حنيفة ﵀ والشافعي ﵀ في الوضوء وأمثالها، فما لا يكون مقصودًا بذاته بل يكون وسيلة فالشافعي ﵀ يقول: لا يصح إلا بالنية، ولا تجوز الصلاة بوضوء من غير نية، وأبو حنيفة يقول: يصح ويصير مفتاحًا للصلاة، ولكن لا يحصل الثواب.
ومبنى الاختلاف كما هو المشهور أن قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) ليس
стр. 168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المراد به حقيقته، فإن حقيقته عدم وجود ذات الفعل بدون النية وانتفائه بدونها، وليس كذلك، لأنه قد يوجد ذات العمل بغير نية، وأيضًا الشارع إنما بعث لبيان الشرائع والأحكام، فالمراد نفي حكم الفعل، والحكم نوعان: دنيوي كالصحة والفساد، وأخروي كالثواب والعقاب، والدينية مرادة بالاتفاق، فلا يصح إرادة الدنيوية لئلا يلزم عموم المشترك، فالمراد: ثواب الأعمال بالنيات، لكن الثواب هو المقصود في العبادات المقصودة لذاته، فإذا انتفى انتفت الصحة، وفيما ليس مقصودًا بذاته ليس المقصود الثواب، فلا يلزم من انتفائه انتفاء الصحة، لا يقال: الخصم قائل بعموم المشترك فيلتزمه، ولا محذور في ذلك عنده، لأنا نقول: قال المحققون من الشافعية كالغزالي وغيره: أن لا عموم للمشترك، ولا يجوز ذلك في لغة العرب قطعًا، فتدبر.
وقد يرجح تقدير الصحة بأنه أشبه بنفي الشيء نفسه؛ ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليلُ نفي الذات بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة، كذا قالوا، ويمكن ترجيح تقدير الثواب بأنه المقصود الأصلي من العمل، وورود هذا الحديث للترغيب في تحصيل النية حتى يقع العمل مقبولًا ويثاب عليه، ويدل على ذلك تفريع: (فمن كانت هجرته إلى اللَّه وإلى رسوله. . . إلخ)، واللَّه أعلم. لكن الوسائل من حيث هي وسائل ليس الثواب منظورًا فيها فيصح بدون النية.
ثم اختلفوا في التروك هل هي داخلة أم لا؟ فقيل: لا تدخل، لأنها لا تسمى أعمالًا فلا تشترط النية فيها، ولذا لم تشترط النية في إزالة النجاسة لأنها من باب التروك، وشدّد بعضهم فأوجبها، وهذا عند الشافعية ﵏.
стр. 169
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أما عندنا فلا تشترط لأنها من الوسائل كالوضوء، والحق أن التروك داخلة إذا كان فيها كف النفس وهو عمل ولابد فيها من النية حتى يحصل الثواب، ويكون امتثالًا للشارع، فالتارك للزنا مثلًا إن فعل تركه لوجه اللَّه وقصد التقرب يثاب عليه وإلا فلا.
وبالجملة العمل في الأصل عبارة عن الحركة، وههنا يراد به معنى يشتمل الحركات والسكنات، فإن النية معتبرة في الكل.
ثم اعلم أنه قد استثني من هذه الكلية بعض الأحكام مثل صريح الطلاق والإعتاق والبيع والشراء، فإنه لا تشترط فيها النية؛ لأن الشارع عيّن هذه الألفاظ لهذه المعاني وجعلها كأنها عينها، فالتلفظ بها بمنزلة النية، هذا كلامهم، ويوهم أن المراد بالنية ههنا القصد القلبي الذي هو المعنى اللغوي للنية، وإنما المراد ههنا المعنى الشرعي الذي هو قصد التقرب إلى اللَّه، وحصولُ الثواب بدون النية بهذا المعنى في هذه العقود ممنوع، فافهم.
وأما الهزل بالكفر فإنما يكون كفرًا وإن لم يكن هناك نية؛ لأن الهزل بالكفر نفسه كفر، لا من جهة قصد المعنى، وأما صحة الإيمان بالهزل والإكراه فلكونه مقصودًا وحسنًا لذاته فجعلت صورته كمعناه، وفروع الإيمان من العبادات والمعاملات وجزئياتُها واشتراطُ النية وعدمه مذكورة في كتب الفقه فلينظر ثمة.
هذا، والظاهر أن هذا البحث خارج عما هو المقصود من هذا الحديث، فإن المقصود منه الترغيب والحث على رعاية التقرب إلى اللَّه وإرادة وجهه ليصير العمل مقبولًا عنده، ويَنظر هذا إلى رجحان ما قاله الحنفية ﵏.
والنيات جمع النية بكسر النون وتشديد التحتانية على المشهور من نوى بمعنى
стр. 170
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قصد، فأصله نِوْيَة، ثم أعلت كسيد، وقد جاء في بعض اللغات بالتخفيف أيضًا من ونى بمعنى أبطأ؛ لأنه يُحتاج في تصحيحها إلى نوع الإبطاء.
ومعنى النية في اللغة: القصد إلى الفعل، قال الخطابي: معنى النية: قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له (١). وقال النووي: النية: القصد وهو عزيمة القلب. وقال الكرماني (٢): ليس النية عزيمة القلب لما قال المتكلمون: إن القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد فلا يصح تفسيره به، انتهى.
ويمكن أن يقال: إن مراد النووي بالعزيمة ههنا هو قصد القلب المقارِن للفعل، لا العزمُ الذي يكون قبله، وهو المعنى الذي عبر عنه التيمي بوجهة القلب، وقال: النية ههنا وجهة القلب؛ أي: توجهه إليه بإيجاده وإحداثه.
ونقل الطيبي عن القاضي البيضاوي (٣): أن النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ من جلب نفعٍ أو دفع ضررٍ حالًا أو مآلًا، والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة إلى الفعل ابتغاءً لوجه اللَّه وامتثالًا لحكمه، والنية في الحديث محمولةٌ على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه لما بعده وتقسيمه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا، فإنه تفصيل لما أجمله، انتهى. يعني أن قوله: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها) عطف على قوله: (من كانت هجرته إلى اللَّه وإلى رسوله) والشرطيتين
стр. 171
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفصيل الإجمال الذي في قوله: (إنما الأعمال بالنيات) والنية بالمعنى الشرعي مفقودة في الشرطية الثانية، فلا يصلح تفصيلًا لذلك الإجمال بهذا المعنى، فينبغي أن يحمل على النية بالمعنى اللغوي حتى يكون المعنى: فمن كان نيته وقصده إلى وجه اللَّه فهو كذا، ومن كان قصده إلى ما سواه فهو كذا.
ويَرِدُ عليه أن الحمل على المعنى الشرعي أظهر وأنسب لكلام الشارع، ولا يُخل بالتفصيل المذكور، فإن المعنى أن الأعمال محسوبة ومربوطة بالنية الشرعية، فما وجد فيه ذلك فهو مقبول، وما لم يوجد فهو مردود وغير معتدٍّ به، وبهذا المعنى صح كونه تفصيلًا لذلك الإجمال، وهذا ظاهر.
وقيل: إن قوله: (فمن كانت هجرته. . . إلخ) تفصيل جملة (وإنما لامرئٍ ما نوى) لا لقوله: (إنما الأعمال بالنيات)، وفيه: أنه على القول بكون الجملة الثانية تأكيدًا للأولى لا ينفع هذا الكلام، وعلى القول بكونه تأسيسًا لا تأكيدًا أيضًا غير نافع لكونه مشتملًا على ذكر النية، فإن حمل على المعنى اللغوي فذاك، وإن كان محمولًا على المعنى الشرعي فالمحذور لازم، فالجواب هو الأول لا غير، وسيجيء بيان الفرق بين الجملتين فانظر ثمة.
والباء في قوله: (بالنيات) يحتمل أن يكون للمصاحبة فيفيد وجوب استصحاب النية للعمل، لكنهم فضلوا مواضع النية، فمنها ما تجب مقارنتها للعمل كنية الصلاة.
ومنها: ما يجوز تقديمها عليه كالصيام، وقد تقع في بعض الأحوال على إبهام، ثم يقع التعيين فيما بعد، كمن عليه كفارتان من قتل وظهار، فاعتق رقبة ونوى بعده لأحدهما، فينبغي أن يكون الاستصحاب الذي هو مدلول الباء ما هو أعم من المقارنة،
стр. 172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن كان بمعنى المقارنة فيقال: المراد الاستصحاب حقيقة أو حكمًا، وفي صورة التقديم والتأخير كما ذكر مستصحب حكمًا.
وقيل: الأولى أن يكون للاستعانة؛ لأن الحمل على الاستصحاب يشعر بوجوب استصحاب النية، ووجودِها إلى آخر العمل، ولم يقل به أحد، وجوابه ما ذكرنا من إرادة الاستصحاب أعم من أن يكون حقيقة أو حكمًا بأن لا يطرأ عليه ما يناقضه، وهذا شرط اتفاقًا.
ويحتمل أن يكون للسببية، لأن النية لما كانت مقوِّمة للعمل ومحصِّلة له من جهة الاعتداد به، فكأنها سبب في إيجاده، ومتعلق الجار والمجرور هو الحصول والاستقرار كما هو المقدر في الظرف المستقر، لكن الاستقرار والحصول ههنا باعتبار الصحة والثواب، وما ذكره الشارحون من أن المحذوف مثل: تُعتبر أو تَكمل أو تصح، فراجع إلى ما ذكرنا، فافهم.
والألف واللام في (النيات) بدل عن الإضافة، والتقدير: أي الأعمال بنياتها، فدل على اعتبار نية العمل بخصوصه من كونه صلاة أو غيرها، وكونه فرضًا أو نفلًا، وكونه ظهرًا أو عصرًا، وهل يُحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ ففيه نظر، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، نعم جوزوا النفل بنية مطلقة، وتمامه في الفقه.
واعلم أن النية المعتبرة في جميع العبادات -بل وغيرها من مواضع النية- إنما هي بالقلب لأنها فعل القلب دون اللسان، فلو تلفظ بالألفاظ الدالة على النية مع غفلة القلب عنها لم تعتبر، ولو حصلت بالقلب من غير تلفظ فهي معتبرة بلا خلاف، بل لو
стр. 173
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خالف اللسانُ القلبَ لم يضر في حصول النية ووجودها.
واختلف العلماء في التلفظ بما يدل على النية في الصلاة مثلًا بعد الاتفاق على أن الجهر بذلك غير مشروع، ولا ينبغي لأحد أن يجهر بألفاظ النية سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، فقيل: التلفظ بالنية شرط لصحة الصلاة، وهذا القول شاذ بل باطل، والأكثر على أن التلفظ بما يدل على النية مستحب لتحصل المواطأة بين القلب واللسان، وذلك أفضل، وأيضًا يسهل عند التلفظ تعقل معنى النية واستحضارها في القلب.
وقيل: لا يجوز التلفظ بالنية بمعنى أن ذلك خلاف السنة إذ لم ينقل ذلك من النبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم، وقد ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ إذا قام للصلاة قال: اللَّه أكبر، ولو كان يقول شيئًا قبلُ لروي ذلك، وقد صح أنه ﷺ لما أمر الرجل الذي لم يحسن صلاته بالإعادة، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، والفاء تدل على تعقيب التكبير بالقيام من غير تراخ من غير أن يتخلل بنيهما شيء آخر، وقال أبو داود: وسألت محمد بن إسماعيل أنك تقول قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا، والاتباع كما يكون في الفعل يكون في الترك، فمن واظب على ما لم يفعله الشارع فهو مبتدع، كذا قال المحدثون.
الثالث: في قوله: و (إنما لامرئ ما نوى) وفي رواية: (وإنما لكل امرئ ما نوى) والامرئ الرجل، وفيه لغتان: امرئ على وزن زِبْرِج، ومَرْء على وزن فاس، ولا جمع لهذه الكلمة من لفظه، وعينه تابع للامه في الحركات الثلاث: الرفع والنصب والجر، وهو من الغرائب، وفي مؤنثه أيضًا لغتان امرأة ومرأة، وفي الحديث استعملت على اللغة الأولى مذكرًا ومؤنثًا، والظاهر أن هذه الجملة تأكيد للجملة السابقة، وفيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص وتقرير له، وقال بعضهم: بل تأسيس تفيد ما لا تفيده
стр. 174
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأولى، ووجهوه بوجوه لا يخلو أكثرها عن شيء.
أحدها: أن الجملة الأولى تفيد أن صحة العمل أو ثوابه منوط بالنية، وهذه الجملة الثانية تبين أن تعيين المنوي على وجه يتميز عن غيره شرط، كمن عليه صلوات فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة منها لا على التعيين حتى يعينها ظهرًا أو عصرًا مثلًا، نعم إن كانت فائتة واحدة يكفيه أن ينوي الفائتة من غير تعيين ظهر أو عصر، وهذا التعيين يستفاد من لفظ (ما نوى) بخلاف الجملة الأولى، فليس فيها ما يفيده، وقيل: كأن هذا القائل استنبط هذا المعنى من (ما) الموصولة لأنها من المعارف المفيدة للتعيين، وفيه: أن هذا المعنى يفهم من الجملة الأولى أيضًا؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام الأحاد على الأحاد، فالمعنى: أن كل فرد من أفراد العمل معتبر ومحسوب بنية ذلك الفرد، وأيضًا قد ذكرنا أن اللام بدل عن المضاف إليه، أو نقول: اللام للعهد على ما هو الأصل فيها، بل ذكر صاحب (المفتاح): أن أصل وضع لام التعريف للعهد، فتدبر.
وثانيها: أن الجملة الأولى دلت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه.
وثالثها: أن الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، يعني: إذا عمله بشرائطه أو حال دونه ما يعذر به شرعًا، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، ولا يخفى أن هذين الوجهين يفيد التغاير بين مفهومي الجملة بحسب الظاهر، ولكن بحسب المآل واحد، ولا يبعد استفادة هذين المعنيين من الأولى أيضًا، وبهذا الاعتبار جعل من جعل الثانية مؤكدة للأولى ومحقِّقة لها.
стр. 175
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وههنا فائدة ينبغي أن ينبّه عليها وهي: أنه قد تكون نية عامة شاملة لخصوصيات تندرج تحتها وتحصل في ضمنها من غير أن يكون للعامل نية فيها فهل يحصل له ثوابها؟ اختلف فيه أنظار العلماء، فبعضهم يقولون: يحصل؛ لاندارجها تحت النية العامة، وقال بعضهم: لا يحصل؛ لأنه لم ينو في الخصوصيات، وظاهر هذا الحديث يدل عليه، ويؤيد الأول (١) حديث: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل اللَّه فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج والروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفًا أو شرفين كانت أرواثها وآثارها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات) (٢)، الحديث.
وقد يحصل ثواب تحية المسجد وإن لم ينوها لأن المقصود بالتحية شغل البقعة، وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة؛ فإنه لا يحصل له ثواب غسل الجمعة على الأرجح، لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلابد [فيه] من القصد إليه بخلاف تحية المسجد، كذا في (فتح الباري) (٣).
ورابعها: أن الجملة الثانية أفادت التعميم المستفاد من كلمة (ما)؛ لأنها من صيغ العموم، ولما أشار في الجملة الأولى إلى أن صحة الأعمال الشرعية أو ثوابها يتوقف على النية عمم في الثانية على وجه أفادت أن الحاصل لكل شخص من كل عمل
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يعمله ما نواه، سواء كان خيرًا أو شرًّا، محمودًا أو مذمومًا، فرضًا كان أو مندوبًا، محرمًا أو مكروهًا، أفعالًا كانت أو تروكًا، عبادات كانت أو عادات، في كل ذلك يحصل له الثواب إذا نوى، لأن المباحات تصير في حكم المندوبات بإقران نية التقرب إلى اللَّه، مثل الأكل والشرب بنية القوة في عبادة اللَّه، وأمثال ذلك، وأنت خبير بأن هذا المعنى يستفاد من الجملة الأولى أيضًا بحمل اللام على الاستغراق، اللهم إلا أن يفرق بكونه مستفادًا من الثانية صريحًا نصًّا، وفيه ما فيه، ومع ذلك لا يخرجه عن كونها تأكيدًا للأولى.
وخامسها: أنه أفادت الثانية أن النيابة لا تصح في النية على ما أفاده قوله: (ما نوى)، والجملة الأولى عارية عن الدلالة عليه.
وسادسها: أن الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها.
وسابعها: أن الثانية أفادت أن العمل إذا كان مشتملًا على جهات متعددة من الخير يحصل للعامل ثواب ما نوى من تلك الجهات دون الأخرى، مثلًا إذا أعطى فقيرًا قريبًا له: إن أعطاه من جهة فقره، ولم يخطر قرابته له ولم ينوها، يحصل له ثواب الصدقة فقط، وإن أعطاه لأجل القرابة وصلة الرحم ولم تخطر حيثية فقره، يحصل له ثواب الصلة فقط، وإن نواهما يحصل ثوابهما معًا، والجملة الأولى لا تفيد هذا المعنى.
وهكذا قد يحصل للشخص بواسطة النية في عمل واحد أنواع من الثواب، ويحرز جميعها بالنية، كالجلوس في المسجد عمل واحد، ويمكن حصول خيرات كثيرة وحسنات متعددة بالنية:
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: أن المسجد بيت اللَّه تعالى وتقدس، فالداخل فيه يكون في حكم الزائر له تعالى، فينوي زيارة مولاه الكريم رجاء في إيفاء وعده، فقد ورد: (من قعد في المسجد فقد زار اللَّه، وحق على المزور إكرام زائره) (١).
الثاني: انتظار الصلاة بجماعة، وورد في الصحيح: (أن الرجل في الصلاة ما دام منتظرًا لها)، وهو معنى المرابط المأمور بها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] عند بعض المفسرين، وقد ورد في الصحيح: (ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) (٢)، وقد جاء من الكفارات المكث في المسجد.
الثالث: قصد حفظ السمع والبصر وسائر الأعضاء من المحظورات والمنهيات على ما هو شأن المؤمن المتقي، ومقتضى ذلك المكانِ الشريف، الذي لا يحصل غالبًا في الأسواق والطرق وسائر المواضع، فقد ورد في الأخبار: (المسجد بيت كل تقي) (٣).
الرابع: اطمئنان القلب، والحضور مع اللَّه، وعدم تفرقة الخواطر وتشتت البال، الذي لا يحصل في غير هذا المكان، وربما يتشرف فيه بالتجلي الذاتي، وقد ورد:
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(المؤمن في المسجد كالسمك في الماء (١)).
الخامس: نية الاعتكاف، وقالوا: إنه ينبغي للرجل أن ينوي كلما دخل المسجد الاعتكاف، فإنه جائز على قول من يقول: أقله ساعة، ولا يشترط فيه الصوم، فيحصل له ثوابه، ويباح بعض ما لا يباح لغير المعتكف من الأعمال في المسجد، وهذا العمل مما يغفل عنه أكثر الناس مع كونه يسيرًا حاصلًا بلا تكلف.
السادس: يحصل ثواب الصلاة على النبي ﷺ ، وهو مسنون في وقت الدخول في المسجد والخروج عنه، فقد صح أن له ثوابًا عظيمًا كثيرًا، ويحصل أيضًا ثواب الأدعية المأثورة عند الدخول والخروج.
السابع: التجرد لذكر اللَّه عزّ شأنه، أو استماع الذكر من غيره، أو تذكير الغير وترغيبه إليه بالقول والعمل، وجاء في الأخبار: (من غدا إلى المسجد يذكُر اللَّه ويذكِّر به كان كالمجاهد في سبيل اللَّه) (٢).
الثامن: ثواب الحج والعمرة فقد ورد: (من توضأ وراح إلى المسجد وصلى فيه كان له ثواب الحج والعمرة) أو كما قال.
التاسع: قصد التعليم والتعلم، أو أمرٍ بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأنه قد حصل هذا في المسجد من جهة اجتماع أنواع الناس فيه.
العاشر: قصد زيارة أخ في اللَّه تعالى والتبرك والانتفاع بصحبته.
стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحادي عشر: قصد السلام أو رده على من كان في المسجد من المسلمين أو دخله.
الثاني عشر: قصد التفرغ للفكر في أحوال النفس وأمور الآخرة والاستغفار، والاحتراز عن اللهو واللغو وذكر الدنيا وما لا يعنيه.
ومثل هذا: التطيبُ سواء كان يوم الجمعة أو غيرها؛ فإن فيه اتباع سنة رسول اللَّه ﷺ وكان الطيب محبوبًا له ﷺ وقال: (حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء. . .) (١) الحديث، وقصد تعظيم المسجد، ودفع الروائح الكريهة المؤذية من نفسه ومن غيره، وترويح جلسائه من الملائكة وبني آدم، وقصد سد باب الغيبة على من يغتاب له بالرائحة الخبيثة حتى لا يقع في المعصية لغيبته، وقصد معالجة الدماغ وزيادة الفطنة والذكاء ودرك العلوم الدينية والمعارف اليقينية، وإذا نوى في التطيب هذه الأمور حصل له الثواب وصارت العادة عبادة، وإن تطيب بمجرد لذة جسمانية وشهوة نفسانية حُرم الثوابَ بل قد يستحق العقاب، وأمثال هذه الأعمال والنيات كثيرة لا يخفى استنباطها على المستنبطين من أهل النية والذكاء.
وثامنها: أن الجملة الثانية أفادت أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والأدعية والتلاوة؛ لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، وأما ما حدث فيه عرف -كالتسبيح للتعجب- فلا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يحصل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خير من السكوت مطلقًا، أي: المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، ويؤيده قوله ﷺ : (في بضع أحدكم صدقة)، ثم قال في الجواب عن قولهم: (أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ ): (أرأيت لو وضعها في حرام؟ ) وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من الفعل الحرام، كذا في (فتح الباري) (١).
قال العبد الضعيف -صانه اللَّه عما شانه-: إن الأذكار والأدعية والتلاوة، وإن كانت لا تتردد بين العبادة والعادة صورة، ولا يحتاج في ذلك إلى النية، ولكن لابد في كونها عبادة مقبولة مثابًا عليها من نية التقرب إلى اللَّه والإخلاص فيها، بل لا عبادة حقيقة لو تمحضت رياء وسمعة، فلا يكفي في حصول الثواب كونها في صورة العبادة دون العادة.
وتاسعها: قال الكرماني (٢): فهم من الأولى أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات، ومن الثاني أن النيات إنما كانت مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص، انتهى. وهذا مبني على أن لا يقدر ثواب الأعمال، وعلى الفرق بين النية والإخلاص، فافهم.
الرابع: في قوله: (فمن كانت هجرته إلى اللَّه وإلى رسوله فهجرته إلى اللَّه وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، وفي بعض الروايات بترك (إلى) في قوله: (ورسوله) شرطًا وجزاءً، وفي الشرط دون