رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه"، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ"، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ، وَيَفْتَخُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ. . . . .
ــ
الشيء يصبُو: إذا مال، وصبّى رأسه تصبية، شُدِّد للتكثير، وقيل: مهموز من صبأ: إذا خرج من دين إلى دين ومال منه إليه، هذا وقد نقل عن الأزهري: الصواب [لا] يُصَوِّب، كذا في بعض الشروح، ويؤيده ما مر في حديث مسلم عن عائشة ﵂: (لم يشخص رأسه ولم يصوبه)، ورُوِي في (سفر السعادة) (١) أيضًا في حديث أبي حميد من صحيح مسلم وابن حبان، قال التُّورِبِشْتِي (٢): وهذا القول من الأزهري يدلّ على أنه لم يعرف للتصبية في كلام العرب وجهًا، وكأنه اعتراض على الأزهري؛ لأنه قد ظهر وجه التصبية ومعناه، أو رد على ما ذكروه في معنى التصبية لعدم ظهور وجهه في كلامهم، واللَّه أعلم.
وقوله: (ولا يقنع) أي: لا يرفعه، من أقنع رأسه: رفعه.
وقوله: (ويفتخ أصابع رجليه) بالخاء المعجمة، في (القاموس) (٣): فتخ أصابعه وفتَّخها: عرّضها وأرخاها، وأصل الفتخ الكسر، ويفسر بأن ينصبها ويغمر موضع المفاصل، والمراد ههنا نصبها مع الاعتماد على بطونها وجعل رؤوسها إلى القبلة.
стр. 1157
مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ" وَيَرْفَعُ، وَيَثني رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ سَلَّمَ. قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٧٣٠، ت: ٣٠٤، جه: ١٠٦١، دي: ١٣٠٦].
ــ
وقوله: (معتدلًا) كأنه حال مؤكدة.
وقوله: (ثم يسجد) أي: السجدة الثانية.
وقوله: (فيقعد عليها) أي: للاستراحة.
وقوله: (ثم ينهض) أي: بعد جلسة الاستراحة، ولم يذكر في هذه الرواية القعدة الأولى، وقد ذكر في حديثه رواية أخرى لأبي داود الآتية، ولا يظهر لذلك وجه حسن، والاكتفاء بقوله: (مثل ذلك) إشارة إلى جلسة الاستراحة لكون القعدة الأولى مثلها لا تخلو عن شيء.
وقوله: (ثم يصنع ذلك) أي: أكثر ما مرّ في الركعتين الأوليين.
وقوله: (السجدة التي فيها التسليم) أي: التي بعدها التشهد، وفيه التسليم.
وقوله: (أخرج رجله اليسرى) أي: من تحت مقعدته، وفي بعض النسخ: (أخر) من التأخير، وهو أيضًا بمعنى أخرج.
وقوله: (ثم سلم) أي: تشهد وسلّم.
стр. 1158
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ الأَرْضَ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى،
ــ
وقوله: (ووتّر يديه) أي: جعلهما كالوتر، والتوتير: جعل الوتر على القوس، أي: أبعد مرفقيه عن جنبيه كأن يده كالوتر وجنبه كالقوس.
وقوله: (فأمكن أنفه وجبهته الأرض) نصب بنزع الخافض، أي: من الأرض، ودلّ الحديث على أن السجود يجب أن يكون بالأنف والجبهة معًا، وهو الذي واظب عليه النبي ﷺ ، والأحاديث متعاضدة عليه، وعليه الأئمة الثلاثة، وإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة ﵀، فإن كان بالأنف يكره، وإن كان بالجبهة ففي (التحفة) و (البدائع) (١): لا يكره، وفي (المفيد والمزيد): وضع الجبهة وحدها أو الأنف وحده يكره، ويجزئ عنده، وعند صاحبيه لا يتأدى إلا بوضعهما إلا لعذر، ثم المعتبر وضع ما صلب من الأنف دون ما لان، وقد ورد في حديث: (أمرنا أن نسجد على سبعة آراب)، وفي رواية: (سبعة أعظم) ذكر الوجه، وقد يروى (الجبهة) مكان (الوجه)، وسيجيء تحقيقه في (باب السجود).
وقوله: (وأقبل بصدر اليمنى) أي: ظاهره.
стр. 1159
وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ.
وَفِي أُخْرَى لَهُ: وَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ.
٨٠٢ - [١٣] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ. [د: ٧٢٤].
ــ
وقوله: (وأشار بأصبعه) يعني السبابة من السب، سميت بذلك لأن العرب كانوا يشيرون بها عند السب، ويسمى بالمسبحة والسباحة لإعمالها في التسبيح والتوحيد غالبًا، والأولى تسمية جاهلية، والثانية إسلامية، وظاهر هذا الحديث يدل على الاكتفاء بالإشارة من غير عقد، وهو المذهب عندنا، وسيجيء تحقيقه في (باب التشهد).
وقوله: (أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض) في (القاموس) (١): الورك بالفتح والكسر وككتف: ما فوق الفخذ، وهي مؤنثة، والورك محركة: عظمها، والمعنى مس بوركه اليسرى، أي: بما لان منها الأرض.
وقوله: (من ناحية واحدة) هي الناحية اليمنى، وإطلاق الإخراج على اليمنى تغليب؛ لأن المخرج حقيقة هو اليسرى، كذا في شرح الشيخ.
٨٠٢ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (إلى شحمة أذنيه) وهي ما لان من أسفلها، وفي (القاموس) (٢): الشحمة من الأذن: معلق القرط.
стр. 1160
٨٠٣ - [١٤] وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ٢٥٢، جه: ٨٠٩].
٨٠٤ - [١٥] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ". فَقَالَ: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُصَلِّي؟ قَالَ: "إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ، وَامْدُدْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَأَقِمْ صُلْبَكَ، وَارْفَعْ رَأْسَكَ، حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا، فَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنِ السُّجُودَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى، ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ ركْعَةٍ وَسَجْدَةٍ حَتَّى تَطْمَئِنَّ. هَذَا لَفَظُ "الْمَصَابِيحِ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ،
ــ
٨٠٣ - [١٤] (قبيصة بن هلب) قوله: (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء، تابعي (ابن هلب) بضم الهاء وسكون اللام، صحابي.
٨٠٤ - [١٥] (رفاعة بن رافع) قوله: (فقال: علمني يا رسول اللَّه ﷺ )، ليس في هذه الرواية ذكر المرات الثلاث، فإما أن يكون اختصارًا من الراوي أو القضية متعددة، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثم اصنع ذلك في كل ركعة) أي ركوع بدليل قوله: (وسجدة)، ويصح إبقاء الركعة على حقيقتها، ويكون المراد بالسجدة سجدة التلاوة والشكر؛ إذ يجب فيهما ما يجب في سجود التلاوة، وقال الشيخ في شرحه: هذا أولى، وإن لم أر من ذكره، ولا يخفى بُعده من لفظ الحديث، ولهذا لم يذكره أحد.
وقوله: (حتى تطمئن) راجع إلى جميع ما ذكره.
стр. 1161
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ ثُمَّ ارْكَعْ". [د: ٨٥٩، ت: ٣٠٢].
٨٠٥ - [١٦] وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى،
ــ
وقوله: (ثم تشهد) أي أذِّن، كذا في شرح الشيخ، وقيل: أي: قل بعد الوضوء الشهادتين، وقد صح وروده في الأحاديث.
وقوله: (وإلا فاحمد اللَّه وكبره وهلله) أي: اذكر اللَّه بالتحميد والتكبير والتهليل، والمراد أنواع الذكر، وقد ورد في الحديث: (أفضل الكلام -وفي رواية: أحب الكلام- أربع: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر)، ولعل ذلك لمن آمن ولم يتسع له الوقت لحفظ شيء من القرآن، ومنه أخذت الشافعية أن من لم يعرف شيئًا من القرآن يلزمه الذكر، ومنهم من قال: يجب سبعة أنواع من الذكر بعدد آي الفاتحة، وقد صح عن بعضهم وإن ضعفه النووي أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزئ عنه في صلاتي؟ فقال: (قل سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه [العلي العظيم])، وهذا مشتمل على خمسة أنواع بل ستة، والظاهر أنه كان يحفظ البسملة، فهو على تقدير صحته دليل لمن ذهب إلى أن الواجب سبعة أذكار، كذا في (شرح الشيخ)، ولعل قوله: بل ستة مبني على جعل (لا حول ولا قوة) ذكرين، وخصوصًا بتقدير الخبر لكل منهما على حدة، وسيجيء زيادة كلام فيه في آخر الفصل الثاني و (باب القراءة في الصلاة).
٨٠٥ - [١٦] (الفضل بن عباس) قوله: (الصلاة مثنى مثنى) أي: أفضل الصلاة
стр. 1162
تَشَهُدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشُّعٌ وَتَضَرُّعٌ. . . . .
ــ
النافلة أن يكون ركعتين ركعتين ليلًا أو نهارًا، وبه أخذ الشافعي ﵀، وعند أبي حنيفة ﵀ أربع ركعات فيهما، وعند أبي يوسف ومحمد في الليل مثنى مثنى، وفي النهار أربع أربع، وقال في (الهداية) (١): وللشافعي ﵀ قوله ﷺ : (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، ولهما الاعتبار بالتراويح، ولأبي حنيفة ﵀ أنه ﷺ كان يصلي بعد العشاء أربعًا [أربعًا] روته عائشة ﵂، وكان ﷺ يواظب على الأربع في الضحى، ولأنه أدوم تحريمة فيكون أكثر مشقة وأزيد فضيلة، ولهذا لو نذر أن يصلي أربعًا لا يخرج عنه بتسليمتين، وعلى القلب يخرج، والتراويح تؤدى بجماعة فيراعى فيه جهة التيسير، ومعنى ما رواه شفعًا لا وترًا، انتهى.
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): قوله ﷺ : (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، إما في حق الفضيلة بالنسبة إلى الأربع أو في حق الإباحة بالنسبة إلى الفرد، وترجيح أحدهما بمرجح، لكنا عقلنا زيادة فضيلة الأربع؛ لأنها أكثر مشقة على النفس بسبب طول تعبدها على الخدمة (٣)، ورأيناه ﷺ قال: (إنما أجرك على قدر نصبك) فحكمنا بأن المراد الثاني، أي: مثنى لا واحدة وثلاثًا، وللشيخ ههنا كلام بسيط وتدقيق طويل لخصنا منه هذا القدر، واللَّه أعلم.
وقوله: (تشهد في كل ركعتين) خبر بعد خبر، وفيه بيان معنى كونه مثنى مثنى. و (التخشع) بالباطن أن لا يتطرق إلى القلب الوساوس والخواطر، ولو في أمر أخروي لا تعلق به بصلاته. و (التضرع) في الظاهر بإكثار الدعاء والسؤال فيها، والتمسكن بإظهار
стр. 1163
وَتَمَسْكُنٌ، ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ -يَقُول: تَرْفَعُهُمَا إِلَى رَبِّكَ- مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا". وَفِي رِوَايَةٍ: "فَهُوَ خِدَاجٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٨٠٦ - [١٧] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ. . . . .
ــ
الذلة والافتقار والإسقاط عن درجة الاستحقاق والاعتبار، وقد تروى هذه الألفاظ (تشهد) و (تخشع) و (تضرع) و (تمسكن) بصيغ الأمر، قال التُّورِبِشْتِي (١): نراها تصحيفًا، والصحيح بصيغ المصادر، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثم تقنع يديك) من الإقناع بلفظ الخطاب، أي ترفعهما بعد السلام.
وقوله: (يقول) بلفظ الغيبة، أي يريد ﷺ بإقناع اليدين أنك ترفعهما. . . إلخ، وهذا قول ابن عباس ﵁ تفسيرًا لقول رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (كذا وكذا) كناية عن لحوق نقص في صلاته. (فهو خداج) أي: المصلي أو فعله ذو خداج، أي: نقصر، مصدر خدجت الحامل من ضرب يضرب: إذا ألقت ولدها قبل وقته، وأخدجته: إذا ولدته ناقص الخلقة وإن كان تام المدة، فالخديج: الولد تام الخلقة ناقص المدة، والمخدج بالعكس، ودل الحديث على استحباب الدعاء بعد الصلاة.
الفصل الثالث
٨٠٦ - [١٧] (سعيد بن الحارث بن المعلى) قوله: (فجهر بالتكبير حين رفع
стр. 1164
رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٩١].
٨٠٧ - [١٨] وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ،
ــ
رأسه. . . إلخ)، فيه دليل على ندب جهر الإمام بالتكبيرات، وسبب تخصيص هذه الثلاثة بالذكر إما لأنه وقع الكلام فيه، أو لترك بعض الناس إياها وتهاونهم في أمرها، أو لنسيان الراوي ما سواها، وفي شرح الشيخ: أنه يقاس عليها ما سواها من التكبيرات وسمع اللَّه لمن حمده، وقد وقع في رواية الإسماعيلي ذكر باقي التكبيرات أيضًا، حيث روي: أنه اشتكى أبو هريرة -أو غاب- فصلى أبو سعيد الخدري ﵄، فجهر بالتكبير حين افتتح وحين ركع، الحديث (١)، وزاد في غيره: فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام على المنبر، وقال: إني واللَّه ما أبالي اختلفت صلاتكم أو لم تختلف إني رأيت رسول اللَّه ﷺ هكذا يصلي، والذي يظهر أنه كان بينهم اختلاف في الجهر بالتكبير والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أمية يسره، وكان أبو هريرة ﵁ يصلي بالناس في إمارة مروان على المدينة، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ (٢).
٨٠٧ - [١٨] (عكرمة) قوله: (خلف شيخ) وهو أبو هريرة ﵁.
وقوله: (فكبر) يعني جهرًا.
وقوله: (ثنتين وعشرين) أي: في الرباعية مع تكبيرة الافتتاح والقيام من التشهد،
стр. 1165
سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٥٥].
٨٠٨ - [١٩] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ مُرْسَلًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاة كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتُهُ حَتَّى لَقِي اللَّهَ تَعَالَى. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٦٤].
٨٠٩ - [٢٠] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. [ت: ٢٥٧، د: ٧٤٨، ن: ١٠٥٨].
ــ
وقد وقع عند الإسماعيلي: الظهر صريحًا (١).
٨٠٨ - [١٩] (علي بن الحسين) قوله: (كلما خفض ورفع) ويستثنى منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه كان يقول: سمع اللَّه لمن حمده، كما جاء في الروايات.
وقوله: (صلاته) يروى بالنصب، وبالرفع خبر (لم تزل) أو اسمه، وقد يروى (لم يزل) بالياء، ففيه ضمير للنبي ﷺ ، و (تلك صلاته) جملة خبر له.
٨٠٩ - [٢٠] (علقمة) قوله: (وقال أبو داود: ليس بصحيح على هذا المعنى) اعلم أن الترمذي (٢) عقد بابًا فيمن لم ير الرفع إلا عند الافتتاح، ثم أخرج حديث عبد اللَّه ابن مسعود هذا، وقال: وفي الباب عن البراء بن عازب، وحديث ابن مسعود حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة. نعم روي في (باب رفع اليدين عند الركوع) عن عبد اللَّه
стр. 1166
٨١٠ - [٢١] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّه أكبر. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٨٠٣].
٨١١ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، وَفِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجَلٌ فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ أَلَا تَرَى كَيْفَ تُصَلِّي؟ إِنَّكُمْ تُرَوْنَ أنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٤٤٩].
* * *
ــ
ابن المبارك، وقد ثبت حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ لم يرفع إلا في أول مرة، والكلام فيه واسع، ذكره الشيخ ابن الهمام، وقد أشرنا إليه مجملًا في الفصل الأول.
٨١٠ - [٢١] (أبو حميد الساعدي) قوله: (ورفع يديه وقال: اللَّه أكبر) الواو لمطلق الجمع، فلا يدل على تقديم الرفع وتأخيره، والأحاديث واردة في الكل، وأقوال العلماء مختلفة.
٨١١ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (ترون) أي: تظنون.
وقوله: (إني لأرى من خلفي) الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي بحاسة العين خاص به ﷺ على خرق العادة، فكان يرى من غير مقابلة، ويحتمل أن يكون علمًا بالقلب بوحي أو بإلهام، ولم يكن دائمًا، ويؤيده أنه ﷺ لما ضلّت ناقته قال بعض المنافقين: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم بخبر السماء، وهو
стр. 1167
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
ــ
لا يدري أين ناقته؟ فقال ﷺ : (واللَّه لا أعلم إلا ما علَّمني ربي، وقد دلَّني ربي عليها، وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها) (١)، وكان ﷺ حين ينكشف له في حال الصلاة التي كانت له قرة عين حقائق الموجودات فيدرك من خلفه كما يدرك من أمامه، ولم يكن شهوده ﷺ بحيث يشغله ويذهله عن الكائنات، على ما هو حال المتمكنين الكائنين البائنين.
فعلم مما ذكرنا أن هذا لا ينافي قوله: (إني لا أعلم ما وراء جداري)، وقيل: لا أصل لذلك الخبر أي قوله: (إني لا أعلم ما وراء جداري)، فلا يحتاج إلى الجواب، ولقد أغرب من قال: إنه كان له ﷺ عين خلف ظهره، أو بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، لا يحجبها شيء، والظاهر من هذا أن تكون رؤيته من خلفه دائمة، واللَّه أعلم.
١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير
اعلم أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة الأدعية والأذكار في استفتاح الصلاة من قوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) وغيره، وقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك. . . إلى آخره)، وهي مستحبة معمول بها في مذهب الشافعي ﵀ في الفريضة والنافلة كُلًّا أو بعضًا، قال النووي (٢): يستحب الجمع بينها
стр. 1168
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلها لمن صلى منفردًا، وللإمام إذا أذن له المأموم، فأما إذا لم يأذنوا فلا يطوِّل عليهم بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُن اقتصاره على (وجهت وجهي) إلى قوله: (من المسلمين)، وكذلك المنفرد الذي يؤثر التخفيف، انتهى. وعندنا وكذلك عند أحمد ومالك في ظاهر مذهبهما يقتصر على قوله: سبحانك اللهم وبحمدك. . . إلخ.
وفي (شرح كتاب الخرقي) (١): في مذهب أحمد: ولو استفتح بغير هذا مما روي وصح لجاز، وما روي سوى ذلك فهو محمول على التهجد، بل مطلق النوافل لما ثبت في (صحيح أبي عوانة) والنسائي: أنه ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعًا قال: (اللَّه أكبر، وجهت وجهي. . . إلى آخره)، فيكون مفسرًا لما في غيره بخلاف: (سبحانك اللهم) فإنه المستقر عليه في الفرائض، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٢)، وسيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني.
ثم الثناء والمراد به قول: (سبحانك اللهم. . . إلخ)، بدون التوجيه المراد به: (إني وجهت وجهي. . . إلخ)، هو المتعين عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما اللَّه- لحديث أنس ﵁، رواه الدارقطني في (سننه) (٣) بإسناد رجاله ثقات: أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا افتتح الصلاة كبر، ثم قال: (سبحانك اللَّه وبحمدك) الحديث، وليس فيه ذكر التوجيه، وعند أبي يوسف: يجمع بين الثناء والتوجيه جمعًا بين حديث أنس وغيره، وهو مختار الطحاوي، وقال (٤): هو مخير في أن يأتي بالتوجيه بعد الثناء أو قبله، وهو
стр. 1169
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٨١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَينَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً،
ــ
رواية عن أبي يوسف، والمشهور تأخير التوجيه عن الثناء عنده.
ثم اعلم أن عند بعض الحنفية القائلين بالتوجيه المستحب إتيان التوجيه بعد النية قبل التكبير؛ لأن هذا أوكد وأدخل في النية والعزيمة، وقال لعضهم: هذا يؤدي إلى طول مكث القيام مستقبل القبلة من غير صلاة، وهو مذموم شرعًا، فينبغي أن يأتي بعد التكبير.
وهذا الاختلاف مبني على اختلاف نسختي (الهداية)، ففي بعض النسخ: والأولى أن لا يأتي بالتوجيه قبل التكبير؛ لتتصل النية به، فالضمير في (به) راجع إلى التكبير، وحاصله لزوم المكث المذكور، وأيضًا الأولى في النية قرانها بالتكبير، وفي بعضها (يأتي) بدون (لا)، فالضمير راجع إلى التوجيه لكونه مؤكدًا للنية والعزيمة، وقد نقل الشُّمُنِّي عبارة (الهداية): (لا يأتي) بزيادة (لا)، هو الموافق لما في (شرح ابن الهمام) (١)، فتدبر.
الفصل الأول
٨١٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (يسكت) ضبطوه بفتح أوله من السكوت، وحكى الكرماني عن بعض الرواة: ضمّ أوله من الإسكات، كذا في شرح الشيخ، وفي (مجمع البحار) (٢): بفتح أوله، و (إسكاتة) مصدر شاذ، والقياس سكوتًا، وفيه:
стр. 1170
فَقُلْتُ: بِأبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ. . . . .
ــ
يسكت مضارع أسكت بمعنى سكت، وفي (الصحاح) (١): تكلم الرجل، ثم سكت بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت: أسكت، انتهى. والمراد بالسكوت ههنا عدم الجهر.
وقوله: (بأبي أنت وأمي) أي: أنت مفدي بأبي، ومدخول الباء في الفداء يكون مبذولًا.
وقوله: (إسكاتك) المشهور بالنصب، أي: أسألك إسكاتك ما تقول فيها، وقد يروى بالرفع على الابتداء.
وقوله: (باعد بيني وبين خطاياي) صيغة المفاعلة للمبالغة؛ لأن الفعل إذا جاء من اثنين يكون أقوى وأكمل، والظاهر من قوله: (خطاياي) بالإضافة أن يكون المراد ما وُجد من الخطايا السابقة، بطلب محوها وغفرانها في الغاية، و (الخطايا) في قوله: و (نقني من الخطايا) يحتمل السابقة واللاحقة، بطلب محو آثارها والعصمة منها، والتقييد بـ (الثوب الأبيض) لظهور الدنس فيها غاية الظهور، وإن كان أدناه فيبالغ في التنقية حتى يزول مع ما فيه من الإشارة إلى الفطرة التي فطر الناس عليها.
стр. 1171
بِالْمَاءِ والثَّلْجِ وَالْبَرْدِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٤، م: ٥٩٨].
ــ
وقوله: (بالماء والثلج والبرد (١)) بالتحريك، حَبُّ الغمام، إشارة إلى أنواع المطهرات وأقسام المغفرة، مبالغة في الغسل والتنقية والمغفرة، والثلج والبرد أيضًا ماء منجمد، فالغسل به ليس ببعيد، فلا حاجة إلى جعل التركيب من قبيل: علفته تبنًا وماءً، ومتقلدًا سيفًا ورمحًا، فافهم.
стр. 1172
٨١٣ - [٢] وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ- كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ (١) وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئتَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ،
ــ=
٨١٣ - [٢] (علي ﵁) قوله: (حنيفًا) حال من ضمير (وجهت)، أي: مائلًا عن الباطل إلى الحق، و (النسك) مثلثة وبضمتين: العبادة، وكل حق للَّه ، كنصر وكرم.
وقوله: (وأنا من المسلمين) وسيأتي في رواية: (وأنا أول المسلمين)، قيل: ذلك مخصوص بالنبي ﷺ ، ومن غيره كذب، فقيل: تفسد الصلاة، والأصح أنها لا تفسد إذا قصد به التلاوة؛ لأنه ناقل لا مخبر. ومعنى (لبيك) أُقيم لطاعتك إقامةً بعد إقامةٍ.
وقوله: (سعديك) أُسعدك إسعادًا بعد إسعادٍ، وقد عرفت تصحيحهما في النحو،
стр. 1173
وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ". وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي". فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ". وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ،
ــ
ومعنى قوله: (والشر ليس إليك) أن الشر لا ينسب ولا يضاف إليك، فلا يقال: يا خالق الشر، وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الخنزير، وإن كان خالقه تأدبًا، وحقيقته أن الكل يخلق اللَّه، وله في خلق كل شيء حكمة، فهو خير بالنظر إلى تلك الحكمة، فلا شر في الخلق، وإنما الشر في المخلوق، وقيل: معناه: والشر لا يتقرب به إليك، وقيل: لا يصعد إليك، وإنما يصعد الكلم الطيب.
وقوله: (أنا بك وإليك) أي: أنا أثق بك وألتجئ إليك، أو أنا بك أستجير وأحيى وأموت، وإليك المرجع والمصير، أو أنا قائم بك وراغب إليك، وكان الشيخ -رحمة اللَّه عليه- يقول: هذه حروف الجر يصح تقدير كل ما يلائمها ويتعدى بها.
وقوله: (لك ركعت) أي: ذللت وانحنيت.
وقوله: (ملء) الرواية المشهورة النصب، صفة مصدر محذوف، وقد يرفع صفة الحمد.
وقوله: (ملء ما شئت) أي: من الممكنات المعدومة أردت وجوده.
قوله: (بعد) أي: بعد المذكور من السماوات والأرض وما بينهما، ويحتمل أن يكون المراد من بعد قولي ووقتي هذا.
стр. 1174
وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ".
ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٧١].
وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْك، لَا مَنْجَا مِنْكَ وَلَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكتَ". ["مسند الشافعي": ١٤٢].
٨١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ. . . . .
ــ
وقوله: (شقّ سمعه وبصره) أي: أوجدهما وفتحهما، وإنما قال: شق لوجود الشق فيهما، وأصله أن المصورين بعد ما صوَّروا صورة الوجه يشقُّون فيه صورة السمع والبصر.
وقوله: (من آخر ما يقول) كلمة (من) تبعيضية؛ لأنه كان يقول ويدعو بأدعية كثيرة، وكان آخرها هذا الدعاء.
وقوله: (لا منجا) مقصور من النجاة.
وقوله: (ولا ملجأ) مهموز، ويجوز تليين الهمزة للازدواج بمنجا.
٨١٤ - [٣] (أنس) قوله: (وقد حفزه) بالحاء المهملة والفاء والزاي على لفظ الماضي، أي: جهده النفس وأتعبه وأعجله، وتتابعه من شدة السعي إلى الصلاة، وأصله
стр. 1175
النَّفَسُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَاركًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: "أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ ". فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: "أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ " فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: "أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ. . . . .
ــ
الدفع العنيف، في (القاموس) (١): حَفَزَهُ يَحْفِزُهُ: دفعه من خلفه، وعن الأمر: أعجله وأزعجه.
وقوله: (حمدًا)، منصوب بفعل يدل عليه الحمد للَّه.
وقوله: (فأرمَّ القوم) في (المشارق) (٢): أي: سكتوا، بفتح الهمزة والراء وتشديد الميم، كأنهم أطبقوا شفاههم، وهي المرمة من غير الناس من بهائم الحيوان، وقد رواه بعضهم في غير هذه الكتب: (فأزمّ القوم) بزاي مفتوحة وميم مخففة، ومعناه مثل الأول، أي: أمسكوا عن الكلام.
في (القاموس) (٣): تَرَمْرَمُوا: تحركوا للكلام ولم يتكلَّموا، وفيه: المرمة وتكسر راؤها: شفة كل [ذات] ظليف.
وفي (مجمع البحار) (٤): والمرمة من ذوات الظلف بالكسر والفتح كالفم من الإنسان، ومنه: حبستها فلا أطعمتها ولا أرسلتها ترمرم من خشاش الأرض، أي: تأكل، وأصلها من رمَّت الشاة وارتَمّت من الأرض: إذا أكلت.
стр. 1176
بَأْسًا" فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسَ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونها أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٠٠].
ــ
وفي (مختصر النهاية) (١): ويروى فأزمّ القوم بالزاي: أي: أمسكوا عن الكلام كما يمسك الصائم عن الطعام، والأزمة: الحمية، وإمساك الأسنان بعضها عن بعض، والمشهور أرمّ بالراء وتشديد الميم، وإنما أخر في إجابة النبي ﷺ ، وهي واجبة؛ لأنه ﷺ لما لم يعين واحدًا بعينه لم يتعين المبادرة بالجواب، لا من المتكلم ولا من أحد بعينه، فكأنهم انتظروا أن يجيب أحدهم، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء، ورجوا أن يقع العفو منه، ولما رأى ﷺ سكوتهم فهم ذلك، فعرَّفهم أنه لم يقل بأسًا، فافهم.
وقوله: (بأسًا) مفعول به، أي: لم ينطق محذورًا، أو مطلق، أي: لم يقل قولًا فيه إثم، والبأس في الأصل: العذاب والشدة والداهية، والمراد المحذور المكروه.
وقوله: (لقد رأيت اثني عشر ملكًا) سر العدد مفوض إلى علم الشارع.
وقال بعض العارفين: إن لكل شيء من الجواهر والأعراض روحًا مجردة يقومه، فكأنه ظهرت أرواح الحروف المذكورة، فإنها أثنا عشر حرفًا لإسقاط المكررات، وعدم اعتبار الألف والهمزة، فإن الأولى يظهر صورته في الخط دون اللفظ، والثاني يظهر في اللفظ دون الخط على ما بُيّن في موضعه، وقد ورد في بعض الأحاديث: (رأيت بضعة وثلاثين ملكًا) باعتبار المكررات والألفات، واللَّه أعلم.
وقوله: (يبتدرونها) أي: يعجلون ويستبقون إليها.
وقوله: (أيهم يرفعها) متعلق بمحذوف دل عليه (يبتدرونها)، أي: يبتدرونها
стр. 1177
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٨١٥ - [٤] عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٤٣، د: ٧٧٦].
٨١٦ - [٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [جه: ٨٠٦].
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ. . . . .
ــ
ليعلموا أو يقولوا: أيهم يرفعها، كما قال البيضاوي (١) في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
الفصل الثاني
٨١٥ - [٤] (عائشة) قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) اعلم أن (سبحانك) مصدر مضاف مفعول مطلق للنوع، أي: أسبحك تسبيحًا لائقًا بجنابك الأقدس، والباء في (بحمدك) للملابسة، والواو للعطف، والتقدير: وأسبحك ملتبسًا بحمدك، فيكون المجموع في معنى: سبحان اللَّه والحمد للَّه، هذا هو أظهر الوجوه، وما ذكر في بعض الشروح: أن التقدير: ووفقني بحمدك، أي: بأن أحمدك، فلعله قدر: سبحانك علمني تسبيحك، وأما جعل الواو للحال بتقدير مبتدأ بحمدك، كما هو أيضًا في بعض الشروح، فيرد عليه أن الواو لا يكون في الحال المفردة، ولو قدر الفعل المضارع فكذلك، إلا أن يقدر: وأنا أسبحك، وجعل الواو زائدة بتقدير: أسبحك تسبيحًا ملتبسًا بحمدك أيضًا تعسف، فتدبر.
٨١٦ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من
стр. 1178
[حَدِيثِ] حَارِثَةَ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
ــ
حارثة، وقد تكلم فيه من قبل حفظه)، اعلم أنه قد ضعف هذا الحديث بعض المحدثين، وقد تمسك بحكمهم بعض الشافعية، فقال في (المصابيح): هو ضعيف، وقال النووي: حديث عائشة ﵂ رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد ضعيفة، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ وضعفوه، وقال البيهقي: وروي الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك عن ابن مسعود مرفوعًا، وعن أنس مرفوعًا، وكلها ضعيفة، قال: وأصح ما روي فيه عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم رواه بإسناده عنه: أنه كبّر ثم قال: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)، واللَّه أعلم، انتهى كلام النووي (١).
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): قد رماه المؤلف بالضعف، وليس الأمر على ما توهم، إذ هو حديث حسن مشهور، أخذ به من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ﵁، والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر، وقد أخذ به ابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا بذلك من غير أسوة، ولهذا ذهب إليه كثير من العلماء التابعين، واختاره أبو حنيفة وغيره من العلماء لاستفتاح الصلاة، وأنى ينسب هذا الحديث إلى الضعف، وقد ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال: وأما الجرح والتعديل فقد يقع في حق أقوام على وجه الاختلاف، فربما ضُعِّف الراوي من قبل أحد الأئمة، ووُثِّق من قبل آخرين، وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث وأخذ به، وقد رواه أبو داود بطريق آخر حسن، رجاله مرضيون.
стр. 1179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وروى الترمذي في (جامعه) (١) عن أبي سعيد: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبّر، ثم يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)، ثم يقول: (اللَّه أكبر كبيرًا)، ثم يقول: (أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه)، وقال: وفي الباب عن علي وعائشة وعبد اللَّه بن مسعود وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر ﵃، وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب، وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث.
وأما أكثر أهل العلم فقالوا بما روي عن النبي ﷺ : أنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)، وهكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن مسعود ﵃، والعمل على هذا عند أهل العلم من التابعين وغيرهم، وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، وكان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث.
ثم روى الترمذي (٢): حديث عائشة ﵂ المذكور في الكتاب، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه، كما رواه المؤلف، فقد ظهر أن التكلم في هذا الطريق الذي فيه حارثة، وهو لا ينافي صحة الطريق الآخر كما ذكر بقوله: وأما أكثر أهل العلم. . . إلى آخره.
وقال الشيخ ابن الهمام (٣): روى البيهقي عن أنس وعائشة وأبي سعيد الخدري
стр. 1180
٨١٧ - [٦] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةً قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا،
ــ
وجابر وعمر وابن مسعود ﵃ الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك. . . إلى آخره مرفوعًا إلا عمر ﵁، فإنه وقفه على عمر، ورفعه الدارقطني عن عمر ﵁، ثم قال: المحفوظ عن عمر ﵁ من قوله. وفي (صحيح مسلم): أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يجهر بهؤلاء الكلمات، ورواه أبو داود والترمذي عن عائشة ﵂، وضعفاه، ورواه الدارقطني عن عثمان ﵁ من قوله، ورواه سعيد بن منصور عن أبي بكر الصديق ﵁ من قوله.
وأورد الشيخ حديث أبي سعيد عن الترمذي والنسائي وابن ماجه، ونقل قول الترمذي في تضعيف علي بن علي كما نقلناه، ثم قال: وعلي بن علي وثّقه وكيع وابن معين وأبو زرعة، وكفى بهم، وقال: ولما ثبت من فعل الصحابة ﵁ وغيره الافتتاح بعده ﷺ بسبحانك اللهم مع الجهر به لقصد تعليم الناس ليقتدوا ويأتسوا، كان دليلًا على أنه الذي كان عليه ﷺ آخر الأمر، وأنه كان الأكثر من فعله، وإن كان رفع غيره أقوى على طريق المحدثين، والحاصل أن غير المرفوع، أو المرفوع المرجوح في الثبوت عن مرفوع آخر، قد يقدم على عديله إذا اقترن بقرائن تفيد أنه صحيح عنه ﷺ مستمر عليه، انتهى.
٨١٧ - [٦] (جبير بن مطعم) قوله: (قال: اللَّه أكبر كبيرًا) أي: عقيب تكبيرة الإحرام، كذا في شرح الشيخ.
وقوله: (كبيرًا) قال الطيبي (١): إنه حال مؤكدة، نحو زيد أبوك عطوفًا، وفي
стр. 1181
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" ثَلَاثًا، "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا". وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: "مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". وَقَالَ عُمَرُ ﵁ نَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ،
ــ
بعض الشروح: إنه منصوب بفعل مقدر، أي: كبر كبيرًا.
وقوله: (بكرةً وأصيلًا) أي: في أول النهار وآخره، خُصَّا بالذكر مع أن المراد الدوام لفضلهما لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما.
وقوله: (ثلاثًا) قيد للأخير، أي: كالذي قبله.
وقوله: (وقال عمر (١) ﵁: نفخه الكبر) قال التُّورِبِشْتِي (٢): النفخ عبارة عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه، وقيل: لأن المتكبر يتعاظم ويجتمع نفسه فيحتاج إلى أن ينفخ.
وقوله: (ونفثه الشعر) فسر النفث بالشعر لأنه ينفث من الفم كالرقية، والمراد الشعر المذموم من هجو مسلم أو كفر وفسق، وقيل: المراد بالنفث السحر، وهو الأنسب بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ [الفلق: ٤].
стр. 1182
وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ. [د: ٧٦٤، جه: ٨٠٧].
٨١٨ - [٧] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٧٧٧، ت: ٢٥١، جه: ٨٤٤، دي: ١٢٤٣].
ــ
وقوله: (وهمزه الموتة) بضم الميم وفتح التاء، نوع من الجنون، أو الصرع يعتري الإنسان، والهمزة في الأصل: النخس والغمز، وكل شيء وقعته فقد همزته، والهمز أيضًا: الغيبة، والوقيعة في الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقيل: المراد بهمز الشيطان الوسوسة، كما في قوله تعالى: ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أي: وساوسها وخطراتها.
٨١٨ - [٧] (سمرة بن جندب) قوله: (سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ. . . إلخ)، اعلم أن السكتة الأولى بعد التكبير متفق عليها عند الأربعة لقراءة دعاء الاستفتاح، وهي ليست سكتة في الحقيقة، بل المراد به عدم الجهر بالقراءة، والثانية سنة عند الشافعي ﵀، وكذا عند أحمد على ما حكاه الطيبي (١)، وقد جاء سكتة أخرى بين القراءة والركوع، وعندنا وعند مالك: لا سكتة إلا الأولى.
وقال النووي في (الأذكار) (٢): قال أصحابنا: يستحب للإمام في الصلاة الجهرية [أن يسكت] أربع سكتات، إحداهن: عقيب تكبيرة الإحرام ليأتي بدعاء الاستفتاح،
стр. 1183
٨١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَلَمْ يَسْكُتْ هَكَذَا فِي صَحِيح مُسْلِمٍ. وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي "أَفْرَادِهِ"، وَكَذَا صَاحِبُ "الْجَامِعِ" عَنْ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ. [م: ٥٩٩].
ــ
والثانية: [بعد] فراغه من الفاتحة سكتة لطيفة جدًا بين آخر الفاتحة وبين آمين؛ ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة، والثالثة: بعد آمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة، والرابعة: بعد الفراغ من السورة يفصل بها بين القراءة وتكبيرة الهوي إلى الركوع، وقد فصلنا القول في السكتات في (شرح سفر السعادة) (١).
٨١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) ظاهره أنه لم يأت بالبسملة، وأوله الشافعية بأن المراد به هذه السورة مع البسملة، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، والمراد به السورة بتمامها، وهذا التأويل غير بعيد، وللحديث تأويل آخر، وهو أنه لم يجهر بالبسملة، وسيجيء الكلام فيه.
وقوله: (ولم يسكت) من الإسكات أو السكوت، يعني لم يسكت إسكاتة قرأ فيها شيئًا من الذكر بعد التكبير، كما في افتتاح الصلاة.
وقوله: (هكذا في صحيح مسلم) اعتراض على صاحب (المصابيح) في إيراده في الحسان، وفي (الأزهار): قال في (جامع الأصول) (٢): أخرجه مسلم، ولم أظفر به فيه، واللَّه أعلم.
стр. 1184
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٨٢٠ - [٩] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِيْنَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَعْمَالِ، وَأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الأَعْمَالِ، وَسَيِّئَ الأَخْلَاقِ، لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٩٦].
٨٢١ - [١٠] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ [كَانَ] إِذَا قَامَ يُصَلّي تَطَوُّعًا قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيْفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ". ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ" ثُمَّ يَقْرَأُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٩٨].
* * *
ــ
الفصل الثالث
٨٢٠ - [٩] (جابر) قوله: (وأنا أول المسلمين) قد مر في الفصل الأول: (وأنا من المسلمين)، فكأنه ﷺ تارة يقول هكذا وأخرى كذلك، وأما غيره ﷺ لا يقول إلا الأخير، لئلا يكذب، ما لم يرد حكاية لفظ الآية.
٨٢١ - [١٠] (محمد بن مسلمة) قوله: (إذا قام يصلي تطوعًا) فيه دليل على تخصيصه بالتطوع، كما هو مذهبنا، وروى الشافعي ﵀ في (الأم): إذا صلى المكتوبة.
стр. 1185
١٢ - باب القراءة في الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٨٢٢ - [١] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٦، م: ٣٩٤].
ــ
١٢ - باب القراءة في الصلاة
اعلم أن القراءة فرض في الصلاة عند جمهور علماء الأمة، فعند الشافعي ﵀: في كُلِّها، وعند مالك ﵀: في ثلاث ركعات إقامة للأكثر مقام الكل تيسيرًا، وعندنا: في الركعتين، ومذهب أحمد كالشافعي -رحمهما اللَّه- في المشهور، وفي رواية كمذهبنا، وعند زفر والحسن البصري: في واحدة، وعن أبي بكر الأصم وسفيان بن عيينة: ليست إلا سنة؛ لأن مبنى الصلاة على الأفعال لا على الأقوال، ولذا تسقط بعدم القدرة على الأفعال مع القدرة على القراءة، وعلى العكس لا يسقط، كذا في شروح (الهداية) (١).
الفصل الأول
٨٢٢ - [١] (عبادة بن الصامت) قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وفي رواية: (لمن لم يقرأ بأم القرآن)، الباء زائدة للتأكيد، وقال الطيبي (٢): المعنى لم يبدأ القراءة بها، وهذا التوجيه لا يطرد فيما يأتي من الأحاديث: يقرأ بالطور وبالمرسلات، وتسميتها بفاتحة الكتاب ظاهر، وبأم القرآن وأم الكتاب لكونها مفتتحه ومبدأه، فكأنها أصله ومنشؤه، أو لأنها تشتمل على ما فيه من المقاصد، وقال الخليل:
стр. 1186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كل شيء ضُمّ إليه سائر ما يليه يسمى أُمًّا، وقال ابن عرفة: سميت بأم القرآن وأم الكتاب؛ لأن السورة تضاف إليها، ولا تضاف هي إلى شيء من السور.
ثم إنه قد استدل الشافعي وأحمد فيما هو المشهور من مذهبه على تعيين الفاتحة وكونها ركنًا في الصلاة بهذا الحديث، وعندنا وعن أحمد في رواية: يجزئ قراءة آية من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله ﷺ للأعرابي: (اقرأ ما تيسّر معك من القرآن) كما مر.
والجواب عما تمسك به الشافعي ﵀ أنه مشترك الدلالة؛ لأن النفي لا يرد إلا على النسب الذي هو متعلق الجار، لا على نفس المفرد، فيكون تقديره صحيحة فيوافق مذهبه، أو كاملة فيخالفه، وقد قدر الثاني في نحو (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، و (لا صلاة للعبد الآبق)، فيقدر ههنا أيضًا، وهو المتيقن، وقد يناقش أن متعلق الجار والمجرور الواقع خبرًا استقرار عام، فيكون التقدير: لا صلاة كائنة أو موجودة، وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصحة.
وقد جاء في رواية: (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (١)، هذا هو الأصل، بخلاف: (لا صلاة لجار المسجد) ونحوه، فإن قيام الدليل على الصحة أوجب كون المراد كونًا خاصًّا، أي: كاملة، فيكون من حذف الخبر، لا من وقوع الجار والمجرور خبرًا، ولأجل هذه المناقشة عدل صاحب (الهداية) (٢) إلى أن الآية قطعية، فلا يجوز الزيادة بخبر
стр. 1187
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَصَاعِدًا".
٨٢٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلَاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ". . . . .
ــ
الواحد؛ لكونه ظنيًّا، لكنه يوجب العمل، فقلنا بوجوبها دون فرضيتها، لئلا يلزم إبطالُ الظنِّي القطعيَّ.
وأما ما جاء في الحديث الثاني: (فهي خداج) أي: ناقصة، وأقيم المصدر مقام الصفة، أي: ذات خداج، فهو يصلح متمسكًا للفريقين، والظاهر مع الحنفية؛ لأنه وقعت هذه العبارة في ترك الدعاء بعد الصلاة كما مر، وقال في (شرح كتاب الخرقي) (١): الخداج: النقصان في الذات، حكاه أبو عبيد عن الأصمعي، واللَّه أعلم.
وقوله: (فصاعدًا) في القاموس (٢): بلغ كذا فصاعدًا: أي ما فوق ذلك، وقد يقال: إن هذا يدفع الوجوب؛ لأن الزائد ليس بواجب، ويجاب بأنه لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، كما في قوله: (تقطع اليدين في نصف دينار فصاعدًا)، يعني يتعين قراءة الفاتحة، ولو زاد عليها شيئًا فذاك، فافهم.
٨٢٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من صلى صلاة) يحتمل أن يكون مفعولًا به، أو أن يكون مفعولًا مطلقًا، ولعل الأول هو الأولى؛ ليكون مرجع الضمير مذكورًا لفظًا، فافهم.
وقوله: (فهي خداج) قد مرَّ معناه في آخر (الفصل الثاني) من (باب صفة الصلاة).
стр. 1188
فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام) أي: فهل نقرأ؟
وقوله: (قال: اقرأ بها في نفسك) أي سرًّا بحيث تسمع نفسك (١)، ولا يجوز عند الشافعي الجهر بالقراءة للمأموم وإن كانت الصلاة جهرية.
وقوله: (قسمت) بصيغة المتكلم.
وقوله: (نصفين) التنصيف باعتبار الآيات، فإن الفاتحة سبع آيات، فثلاث منها ثناء على اللَّه تعالى، وثلاث مسألة للعبد، والآية المتوسطة نصفها دعاء باعتبار أن شطرها الأول وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أثره وغايته للَّه، وشطرها الثاني للعبد.
وعلم من هذا أن البسملة ليست من الفاتحة، كما هو مذهبنا، وكونها سبع آيات باعتبار عدِّ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وغرض أبي هريرة الاستدلال على فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة، سواء كان المصلي إمامًا أو مأمومًا، كما يدل عليه الفاء التعليلية في قوله: (فإني سمعت)، ووجهه أن المراد بالصلاة الفاتحة إطلاقًا للكل
стр. 1189
مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٩٥].
٨٢٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٩٩].
ــ
على الجزء، بل على أعظم الأجزاء، كذا قالوا، وفيه خفاء ظاهر، إذ يكفي في ذلك اشتمال الصلاة على الفاتحة وإن لم يكن فرضًا، والعلاقة لا تنحصر في الجزئية، بل يكفي فيها الجوار كما بين في موضعه، واللَّه أعلم.
ويمكن أن يستدل بأنه لما كان شأن الفاتحة هذا، فلا بد من قراءته في الصلاة حتمًا، أو يقال: إنه لما دل الحديث على أنها هي الصلاة وكلها مبالغة، كما في (الحج عرفة)، فلا أقل من أن يكون جزءًا لها، فليفهم.
وقوله: (مجدني عبدي) المجد: هو الشرف والكرم، وقيل: الشرف الواسع، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال فهو مجيد، وفي (القاموس) (١): مجَّده: عظَّمه، وأثْنَى عليه، وحملوه على الثناء على صفات الجلال، ويتضمنه معنى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ لتفرده بالملك والعظمة والجلال فيه.
٨٢٤ - [٣] (أنس) قوله: (كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد للَّه رب العالمين) قد ذكرنا أن ظاهره أنهم كانوا لا يقرؤون البسملة، وهو ليس بمراد، فإن قراءتها في الصلاة مجمع عليه، لم يخالف فيها أحد، سواء كانت جزءًا من الفاتحة كما هو عند
стр. 1190
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعي، أو لم تكن كما هو عندنا، لكن في أول الصلاة فقط عند أبي حنيفة ﵀، فهي مفتاح الصلاة كالتعوذ، وفي رواية عنه -وهو مذهب صاحبيه-: في أول كل ركعة؛ لأن التسمية مفتاح القراءة، وكل ركعة مستقل فيها، وللاحتياط لاختلاف العلماء في كونها جزءًا من الفاتحة لا بين الفاتحة والسورة، إلا عند محمد في الصلاة السرية، وهو مذهب أحمد مطلقًا، فأول الشافعي الحديث بأن المراد كانوا يفتتحون بهذه السورة، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي: السورة التي أولها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما سبق، وللحديث تأويل آخر، وهو أنه لم يرد نفي قراءة البسملة بل نفي الجهر بها، فإنه قد صح عن النبي ﷺ وأصحابه والخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين- أنهم كانوا لا يجهرون بالتسمية وإن كانت الصلاة جهرية، كما هو المذهب عندنا.
قال الشيخ ابن الهمام (١): قال بعض الحفاظ: ليس حديث صريح في الجهر إلا وفي إسناده مقال عند أهل الحديث، ولذا أعرض أرباب المسانيد المشهورة الأربعة وأحمد ﵏، ولم يخرجوا منها شيئًا مع اشتمال كتبهم على أحاديث ضعيفة، وعن الدارقطني أنه قال: لم يصح عن النبي ﷺ في الجهر حديث، وعنه: أنه صنف بمصر كتابًا في الجهر بالبسملة، فأقسم بعض المالكية ليعرفه الصحيح منها، فقال: لم يصح في الجهر حديث.
وقال الحازمي: أحاديث الجهر وإن كانت مأثورة عن نفر من الصحابة، غير أن أكثرها لم يَسْلَمْ من شوائب، وقد روى الطحاوي وأبو عمر بن عبد البر عن ابن عباس ﵄ الجهر، وعن ابن عباس: (أنه لم يجهر النبي ﷺ بالبسملة حتى مات)،
стр. 1191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقد تعارض ما روي عن ابن عباس ﵄، فإن صح فهو محمول على وقوعه أحيانًا، يعني ليعلمهم أنها تقرأ فيها.
وفي رواية مسلم (١): عن أنس ﵁: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، ولم يرد نفي القراءة بل السماع للإخفاء، بدليل ما صُرِّح به عنه: (فكانوا لا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، رواه أحمد (٢) بإسناد على شرط الصحيح، وعنه: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فكلهم يخفون بسم اللَّه الرحمن الرحيم)، رواه ابن ماجه، وروى الطبراني: (أن رسول اللَّه ﷺ كان يُسِرّ ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن تقدم من التابعين)، وهو مذهب الثوري وابن المبارك.
وقال ابن عبد البر وابن المنذر: وهو قول ابن مسعود وابن الزبير، وعمار بن ياسر وعبد اللَّه بن المغفل، والحكم والحسن، والشعبي والنخعي والأوزاعي، وعبد اللَّه ابن المبارك وقتادة، وعمر بن عبد العزيز والأعمش، والزهري ومجاهد، وحماد وابن أبي عبيد، وأحمد وإسحاق ﵏، وروى أبو حنيفة عن زيد بن عبد اللَّه بن مغفل عن أبيه (أنه صلى خلف إمام فجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فناداه يا عبد اللَّه! إني صليت خلف رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بها).
وقد روي في (صحيح ابن خزيمة) وابن حبان والنسائي عن نعيم المجمر: (صليت
стр. 1192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وراء أبي هريرة ﵁، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، ثم قال إذا سلّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه ﷺ )، قال ابن خزيمة: لا ارتياب في صحته عند أهل المعرفة، وهذا غير مستلزم للجهر؛ لجواز سماع نعيم مع إخفاء أبي هريرة، فإنه مما يتحقق إذا لم يبالغ في الإخفاء مع قرب المقتدي، والصريح ما عن ابن عباس ﵄: (كان رسول اللَّه ﷺ يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، وفي رواية: (جهر)، قال الحاكم: صحيح بلا علة، وصححه الدارقطني، وهذان أمثل حديث في الجهر، انتهى كلام ابن الهمام.
وقد عقد الترمذي له بابين (١)، أحدهما: (باب في ترك الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم) فروى عن ابن عبد اللَّه بن مغفل قال: سمعت أبي وأنا أقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم قال: أي بني إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه، وقال: قد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان ولم أسمع أحدًا يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال أبو عيسى: حديث عبد اللَّه بن مغفل حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ﵃ ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، لا يرون أن يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، قالوا: ويقولها في نفسه.
وثانيهما: (باب من رأى الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، وروى عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول اللَّه ﷺ يفتتح صلاته ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب
стр. 1193
٨٢٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا،
ــ
النبي ﷺ ، منهم أبو هريرة وابن عمر، [وابن عباس] وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين، رأوا الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي وإسماعيل بن حماد -هو ابن أبي سليمان- وأبو خالد الوالبي -اسمه هرمز-، وهو كوفي، انتهى كلام الترمذي.
ومن المتأخرين من المحدثين من اختار أنه ﷺ كان يجهر حينًا ويسرّ أخرى، والجمهور على أن الجهر كان للإسماع ليعلموا أنه قرأها، واللَّه أعلم.
ولقد أطنبنا الكلام فيه لزعم الناس أن الجهر هو الصحيح، ويزعم طائفة أن عليًّا ﵁ كان يجهر، والأمر بخلافه، فظهر أن مذهب أبي حنيفة هو الراجح الأصح.
٨٢٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا أمّن الإمام فأمّنوا) من التأمين، قال القاضي عياض (١): قيل: معناه إذا قال: آمين، وقيل: معناه إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آخر السورة، ويسمى كل من الداعي والمؤمِّن داعيًا ومؤمِّنًا، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وكان أحدهما داعيًا والآخر مؤمِّنًا، وقيل: معناه إذا بلغ موضع التأمين، ولا يذهب عليك أن الظاهر هو المعنى الأول، وعليه العمل، ولا نزاع في صحة تسمية كل من المؤمِّن والداعي داعيًا ومؤمِّنًا، مع أن ما ثبت بالآية المذكورة تسمية المؤمِّن داعيًا لا عكسه.
والظاهر أن مآل المعنيين واحد، غايته أنه يفهم من ظاهر المعنى الأول تقدُّمُ الإمام في التأمين، ولا يبعد ذلك كما هو حال المأموم مع الإمام في سائر الأفعال،
стр. 1194
فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٨، م: ٤١٠].
ــ
ويمكن أن يكون المسنون هنا المبادرة إلى التأمين، والمقارنة والمعية مع الإمام فيه، كما نقل الطيبي (١) عن الخطابي من قوله: أي قولوا: آمين مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معًا، ولا يدل على أنهم يؤخرون عن وقت تأمينه، كما يقول القائل: إذا رحل الأميرُ فارحلوا، يريد إذا أخذ الإمام في الرحل فتهيؤوا في الارتحال، فتكون رحلتكم مع رحلته، فافهم.
وقوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) تعليل للمقدر في الكلام، وهو فإن الملائكة تؤمّن، وقد صرح به في الرواية الأخرى، فيكون معنى قوله: (فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة) أي: وافق قوله: آمين قول الملائكة إياه، وقيل: وافق في الصفة من الخشية والإخلاص، وقيل: هو أن يكون دعاؤه لعامة المؤمنين كالملائكة، وقيل: معناه من استجيب له كما يستجاب للملائكة، نقل المعاني الأربعة القاضي عياض (٢)، والأظهر هو الأول؛ لقوله في الرواية الأخرى: (فإن الملائكة تؤمن).
هذا، وقد يختلج أنه كان الظاهر أن يقال: (استجيب له) مكان (غفر له)، وكأنه جعل اللَّه سبحانه مغفرة الذنوب من خصائص هذه الموافقة ولوازمها مع حصول الاستجابة أيضًا، ولعل الملائكة يستغفرون لهم في هذا الوقت، كما للجالس في مصلاه منتظرًا للصلاة، وذلك من شأن الملائكة دائمًا بقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، خصوصًا عند مباشرة أمر الخير، فافهم.
стр. 1195
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
ــ
وقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) وهو وقت تأمينه، وقد يستأنس من هذا بالمعنى الذي نقل عياض بقوله: إذا أمن، فافهم.
ثم المشهور أن (آمين) اسم فعل بمعنى استجب، مبني على الفتح، بالمد والقصر مع تخفيف الميم، قال القاضي عياض (١): (آمين) تمد الهمزة وتقصر بتخفيف الميم، وحكى اللغويون تشديدها، وأنكره الأكثر، وأنكر ثعلب القصر أيضًا في غير ضرورة الشعر، وصححه يعقوب، والنون مفتوحة أبدًا مثل (ليت) و (لعل)، ويقال في فعله: أمَّن الرجل مشدد الميم تأمينًا.
وقال الشيخ (٢): بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعند جميع القراء. وقال في (القاموس) (٣): آمين بالمد والقصر، وقد يشدد الممدود (٤) ويمال أيضًا، وعن الواحدي في (البسيط): اسم من أسماء اللَّه، ومعناه: اللهم استجب، أو كذلك فليكن، أو كذلك فافعل، انتهى.