. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقد تعارض ما روي عن ابن عباس ﵄، فإن صح فهو محمول على وقوعه أحيانًا، يعني ليعلمهم أنها تقرأ فيها.
وفي رواية مسلم (١): عن أنس ﵁: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، ولم يرد نفي القراءة بل السماع للإخفاء، بدليل ما صُرِّح به عنه: (فكانوا لا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، رواه أحمد (٢) بإسناد على شرط الصحيح، وعنه: (صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فكلهم يخفون بسم اللَّه الرحمن الرحيم)، رواه ابن ماجه، وروى الطبراني: (أن رسول اللَّه ﷺ كان يُسِرّ ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن تقدم من التابعين)، وهو مذهب الثوري وابن المبارك.
وقال ابن عبد البر وابن المنذر: وهو قول ابن مسعود وابن الزبير، وعمار بن ياسر وعبد اللَّه بن المغفل، والحكم والحسن، والشعبي والنخعي والأوزاعي، وعبد اللَّه ابن المبارك وقتادة، وعمر بن عبد العزيز والأعمش، والزهري ومجاهد، وحماد وابن أبي عبيد، وأحمد وإسحاق ﵏، وروى أبو حنيفة عن زيد بن عبد اللَّه بن مغفل عن أبيه (أنه صلى خلف إمام فجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فناداه يا عبد اللَّه! إني صليت خلف رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بها).
وقد روي في (صحيح ابن خزيمة) وابن حبان والنسائي عن نعيم المجمر: (صليت
стр. 1192
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وراء أبي هريرة ﵁، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، ثم قال إذا سلّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه ﷺ )، قال ابن خزيمة: لا ارتياب في صحته عند أهل المعرفة، وهذا غير مستلزم للجهر؛ لجواز سماع نعيم مع إخفاء أبي هريرة، فإنه مما يتحقق إذا لم يبالغ في الإخفاء مع قرب المقتدي، والصريح ما عن ابن عباس ﵄: (كان رسول اللَّه ﷺ يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، وفي رواية: (جهر)، قال الحاكم: صحيح بلا علة، وصححه الدارقطني، وهذان أمثل حديث في الجهر، انتهى كلام ابن الهمام.
وقد عقد الترمذي له بابين (١)، أحدهما: (باب في ترك الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم) فروى عن ابن عبد اللَّه بن مغفل قال: سمعت أبي وأنا أقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم قال: أي بني إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه، وقال: قد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان ولم أسمع أحدًا يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال أبو عيسى: حديث عبد اللَّه بن مغفل حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ﵃ ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، لا يرون أن يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، قالوا: ويقولها في نفسه.
وثانيهما: (باب من رأى الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، وروى عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول اللَّه ﷺ يفتتح صلاته ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب
стр. 1193
٨٢٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا،
ــ
النبي ﷺ ، منهم أبو هريرة وابن عمر، [وابن عباس] وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين، رأوا الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي وإسماعيل بن حماد -هو ابن أبي سليمان- وأبو خالد الوالبي -اسمه هرمز-، وهو كوفي، انتهى كلام الترمذي.
ومن المتأخرين من المحدثين من اختار أنه ﷺ كان يجهر حينًا ويسرّ أخرى، والجمهور على أن الجهر كان للإسماع ليعلموا أنه قرأها، واللَّه أعلم.
ولقد أطنبنا الكلام فيه لزعم الناس أن الجهر هو الصحيح، ويزعم طائفة أن عليًّا ﵁ كان يجهر، والأمر بخلافه، فظهر أن مذهب أبي حنيفة هو الراجح الأصح.
٨٢٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا أمّن الإمام فأمّنوا) من التأمين، قال القاضي عياض (١): قيل: معناه إذا قال: آمين، وقيل: معناه إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آخر السورة، ويسمى كل من الداعي والمؤمِّن داعيًا ومؤمِّنًا، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وكان أحدهما داعيًا والآخر مؤمِّنًا، وقيل: معناه إذا بلغ موضع التأمين، ولا يذهب عليك أن الظاهر هو المعنى الأول، وعليه العمل، ولا نزاع في صحة تسمية كل من المؤمِّن والداعي داعيًا ومؤمِّنًا، مع أن ما ثبت بالآية المذكورة تسمية المؤمِّن داعيًا لا عكسه.
والظاهر أن مآل المعنيين واحد، غايته أنه يفهم من ظاهر المعنى الأول تقدُّمُ الإمام في التأمين، ولا يبعد ذلك كما هو حال المأموم مع الإمام في سائر الأفعال،
стр. 1194
فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٨، م: ٤١٠].
ــ
ويمكن أن يكون المسنون هنا المبادرة إلى التأمين، والمقارنة والمعية مع الإمام فيه، كما نقل الطيبي (١) عن الخطابي من قوله: أي قولوا: آمين مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معًا، ولا يدل على أنهم يؤخرون عن وقت تأمينه، كما يقول القائل: إذا رحل الأميرُ فارحلوا، يريد إذا أخذ الإمام في الرحل فتهيؤوا في الارتحال، فتكون رحلتكم مع رحلته، فافهم.
وقوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) تعليل للمقدر في الكلام، وهو فإن الملائكة تؤمّن، وقد صرح به في الرواية الأخرى، فيكون معنى قوله: (فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة) أي: وافق قوله: آمين قول الملائكة إياه، وقيل: وافق في الصفة من الخشية والإخلاص، وقيل: هو أن يكون دعاؤه لعامة المؤمنين كالملائكة، وقيل: معناه من استجيب له كما يستجاب للملائكة، نقل المعاني الأربعة القاضي عياض (٢)، والأظهر هو الأول؛ لقوله في الرواية الأخرى: (فإن الملائكة تؤمن).
هذا، وقد يختلج أنه كان الظاهر أن يقال: (استجيب له) مكان (غفر له)، وكأنه جعل اللَّه سبحانه مغفرة الذنوب من خصائص هذه الموافقة ولوازمها مع حصول الاستجابة أيضًا، ولعل الملائكة يستغفرون لهم في هذا الوقت، كما للجالس في مصلاه منتظرًا للصلاة، وذلك من شأن الملائكة دائمًا بقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، خصوصًا عند مباشرة أمر الخير، فافهم.
стр. 1195
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.
ــ
وقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) وهو وقت تأمينه، وقد يستأنس من هذا بالمعنى الذي نقل عياض بقوله: إذا أمن، فافهم.
ثم المشهور أن (آمين) اسم فعل بمعنى استجب، مبني على الفتح، بالمد والقصر مع تخفيف الميم، قال القاضي عياض (١): (آمين) تمد الهمزة وتقصر بتخفيف الميم، وحكى اللغويون تشديدها، وأنكره الأكثر، وأنكر ثعلب القصر أيضًا في غير ضرورة الشعر، وصححه يعقوب، والنون مفتوحة أبدًا مثل (ليت) و (لعل)، ويقال في فعله: أمَّن الرجل مشدد الميم تأمينًا.
وقال الشيخ (٢): بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعند جميع القراء. وقال في (القاموس) (٣): آمين بالمد والقصر، وقد يشدد الممدود (٤) ويمال أيضًا، وعن الواحدي في (البسيط): اسم من أسماء اللَّه، ومعناه: اللهم استجب، أو كذلك فليكن، أو كذلك فافعل، انتهى.
стр. 1196
وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [خ: ٦٤٠٢].
٨٢٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لِيؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ،
ــ
وقال عياض (١): اختلف في معناه، فقيل: المعنى كذلك يكون، وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه، وقيل: هو (أمين) بقصر الهمزة، فدخلت عليها ألف النداء، كأنه قال: يا اللَّه استجب دعاءنا.
وفي (مجمع البحار) (٢): أنه اسم اللَّه تعالى بمعنى المؤمن، ومعناه: يا آمين استجب، وردّه النووي؛ إذ لم يثبت بالقرآن والسنة المتواترة، وأسماؤه تعالى لا يثبت بدونهما.
وفي بعض الشروح: أنه رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بسند ضعيف، وجاء في بعض الأحاديث: (آمين درجة في الجنة)، ومعناه أنها كلمة يكتب بها لقائلها درجة فيها، ويجيء الكلام في الجهر والإسرار بـ (آمين) في (الفصل الثاني).
٨٢٦ - [٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (فأقيموا صفوفكم) أي: سوّوها، بأن لا يكون فيها اعوجاج ولا فرج، وأتموها.
وقوله: (ثم ليؤمكم أحدكم) إشارة إلى جواز الإمامة لكل من المسلمين، وحيث
стр. 1197
يُجِبْكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَتِلْكَ بِتِلْكَ"، قَالَ: "وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٠٤].
ــ
ورد: (أكبركم) فلبيان الأفضل.
قوله: (فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم) كما هو شأن الإمام من التقدم والسبق، وهذا إشارة إلى علة التعقيب المفهوم من الفاء؛ لأن بذلك يستوي زمن ركوع الإمام والمأموم، كما قال: (فتلك بتلك) أي: اللحظة التي سبقكم الإمام بها مقابلة ومنجبرة باللحظة التي تأخرتم عنه، فيتساوى ركوعه وركوعكم في المقدار.
وقوله: (وإذا قال) أي: الإمام: (سمع اللَّه لمن حمده؛ فقولوا: ربنا لك الحمد) بلا واو، قد روي بواو، وكلاهما صحيح، وبالواو أرجح، ويروى: (اللهم ربنا لك الحمد) بلا واو، والجمع بين (اللهم) و (الواو) لم يصح (١)، كذا في (سفر السعادة) (٢)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) الجمع بين (الواو) و (اللهم) عن عبد الرزاق، وقال السيوطي في (شرح صحيح البخاري): إن في رواية الكشميهني بالواو مع (اللهم) (٣).
стр. 1198
٨٢٧ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَتَادَةَ: "وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا".
ــ
والمراد بسماع اللَّه قبوله، يقال: سمع الأمير كلامَ فلان: أي قبله، فهو دعاء بقبول الحمد، كذا قال ابن الهمام (١)، ويحتمل أن يكون إخبارًا للترغيب والحمل على الحمد، وهو الظاهر من لفظ الحديث، وهو قوله: (يسمع اللَّه لكم).
ثم هذا الحديث متمسك الإمام أبي حنيفة في قوله بإتيان الإمام التسميع والمأموم التحميد، وأن لا يجمع الإمام بين التسميع والتحميد؛ لأن هذا قسمة، والقسمة تنافي الشركة، ولهذا لا يأتي المقتدي التسميع عندنا، وعند الشافعي ﵀ كما ذكره الطيبي (٢) -: يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لحديث أبي هريرة: (كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدًا) الحديث، وقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهذا الحديث يدل على الجمع بين الذكرين، وأن التسميع ذكر حالة الانتقال، والتحميد حالة القيام.
وعلى وفقه ذكر في (جامع التمرتاشي) من أهل مذهبنا وقال: فإن لم يأت بالتسميع حالة الرفع لا يأتي حالة الاستواء، وقيل: يأتي بهما، ومذهب مالك أيضًا مثل مذهب أبي حنيفة -رحمهما اللَّه-، وكذا مذهب أحمد في المشهور عنه تمسكًا بالحديث المذكور، وقد رواه أصحاب السنن إلا ابن ماجه، وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الإمام يجمع، وهو مختار الطحاوي، ورواية عن أبي حنيفة، ولكن يأتي بالتحميد في نفسه سرًّا، وأما المنفرد فيجمع، وقد يروى الاكتفاء بأحدهما، وكذا عند أحمد.
٨٢٧ - [٦] (أبو هريرة، وقتادة) قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) هذا دليل على مذهب
стр. 1199
٨٢٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ،
ــ
أبي حنيفة ﵀ في منع القراءة للمقتدي، وعدم وجوب قراءة الفاتحة عليه، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، وسيأتي تفصيل الكلام فيه في آخر (الفصل الثاني).
٨٢٨ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين) أي: في كل ركعة سورة، والعلم بها إما بإخبار من النبي ﷺ ، أو بسماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، كما قال: (ويسمعنا الآية أحيانًا)، وذلك محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر من غير قصد، أو لبيان الجواز (١)، أو لتعليمهم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا ليتأسّوا به، كذا قالوا، والظاهر من الإسماع قصده.
وقوله: (ويطول في الركعة الأولى) وهذا هو مذهب الأئمة في الصلوات كلها، وقد روي من مذهب محمد من أصحابنا لهذا الحديث المصرح به في الظهر والعصر والفجر، وقياس غيرها عليها، وقد روى عبد الرزاق (٢) عن معمر في آخر هذا الحديث: (فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى)، ولأبي داود (٣) وابن خزيمة نحوه،
стр. 1200
وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٧٦، م: ٤٥١].
٨٢٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً- وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ،
ــ
كذا في بعض الشروح.
وعندهما مخصوص بصلاة الفجر إعانة للناس على إدراك الجماعة؛ لأن الركعتين استوتا في استحقاق القراءة فتستويان في المقدار، ويستأنس به بالرواية في الحديث الآتي: في كل ركعة ثلاثين آية، بخلاف الفجر فإنه وقت نوم وغفلة، والحديث محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية وبما دون ثلاث آيات، وقال في (الخلاصة): إن قول محمد أحب، كذا في (شرح ابن الهمام) (١).
وقوله: (وهكذا في العصر) أي: المذكور من القراءة في الأوليين فقط وتطويل الأولى على الثانية، وأما قوله: (وهكذا في الصبح) فيختص بالأخير، وهو ظاهر.
٨٢٩ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فحزرنا قيامه) أي: قدرنا، والحزر بالحاء المهملة وتقديم الزاي على الراء: التقدير والخرص، من باب نصر.
وقوله: (في الركعتين الأوليين قدر قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة) إما أن يكون المراد القراءة في مجموعهما هذا القدر، أو في كل ركعة، ويوافقه قوله: (وفي رواية: وفي كل ركعة قدر ثلاثين آية)، فإن (ألم السجدة) تسع وعشرون آية.
وقوله: (وحزرنا قيامه) يدل على قراءة السورة في الأخريين من الظهر، بل ومن
стр. 1201
وَحَزَرْنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٢].
٨٣٠ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ -وَفِي رِوَايَةٍ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ من ذَلِك. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٩].
ــ
العصر أيضًا، ولا ينافي ذلك ما حكم الأئمة الأربعة بجواز الاقتصار في الأخريين على الفاتحة، بل عندنا لو سبّح أو سكت جاز، والقراءة أفضل، وبه قال النخعي والثوري وسائر الكوفيين، وفي (المحيط): لو سكت عمدًا يكون مسيئًا؛ لمخالفته السنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة فيما بعد الأوليين واجبة، وروى ابن أبي شيبة (١) عن شريك عن أبي إسحاق السبعي عن علي وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين، كذا ذكر الشُّمُنِّي. وقال أيضًا: ولو قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة لا يسجد للسهو، هو الأصح؛ لأن قراءة الفاتحة وحدها في الأخريين سنة، وأصح الروايتين في مذهب أحمد أن لا يكره قراءة السورة في الأخريين؛ لأنه قد جاء عن النبي ﷺ أنه زاد أحيانًا على قراءة الفاتحة في الأخريين، لكن المستحب تركها.
٨٣٠ - [٩] (جابر بن سمرة) قوله: (كان النبي ﷺ يقرأ في الظهر. . . إلخ): (كان) ههنا ليس بمعنى الاستمرار كما هو غالب استعماله، والتحقيق أن استعماله بدون الاستمرار كثير، يشهد به مواقع استعماله في الأحاديث، وهذا من تلك المواضع.
стр. 1202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثم اعلم أنه وقع في بعض الأحاديث أنه كان يقرأ في الصلاة الفلانية السورة الفلانية من غير بيان موضعها من الركعة الأولى أو الثانية أو الركعتين معًا، ولا يدرى ما المراد من ذلك، ويحتمل احتمالات.
أحدها: أن يقرأ في الركعتين بتقسيمها عليهما، فيلزم قراءة بعض السورة، وهذا وإن كان جائزًا لكنه كان وقوعه نادرًا منه ﷺ ، كذا في (سفر السعادة) (١).
ولذا حكم الفقهاء بأن قراءة السورة بتمامها وإن كانت قصيرة أولى وأفضل من قراءة بعضها وإن كان طويلًا.
وثانيها: أن يقرأها في الركعتين مكررة، وهذا أيضًا لا يخلو عن بعد.
وثالثها: أن يكون المقصود قراءتها في إحدى الركعتين سواء كانت أوليهما أو أخريهما، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهر حديث النسائي في (جامع الأصول) (٢): عن قطبة ابن مالك قال: (صليت مع النبي ﷺ صلاة الصبح، فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ وإن كان في حديث الترمذي في الركعة الأولى.
ورابعها: أن يكون المراد بيان قراءة الركعة الأولى، وفي (جامع الأصول) (٣) في رواية عن مسلم عن جابر بن سمرة: (كان النبي ﷺ يقرأ في صلاة الصبح سورة ﴿ق﴾ في الركعة الأولى)، وفي حديث النسائي: (يقرأ في إحدى الركعتين)، انتهى.
وأظهر الاحتمالات هو الثالث، ويشبه أن يكون المراد هو الرابع، فإن في أكثر
стр. 1203
٨٣١ - [١٠] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ (الطور). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٥، م: ٤٦٣].
٨٣٢ - [١١] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بـ ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٣، م: ٤٦٢].
ــ
الأحاديث وقع بيان قراءة الركعة الأولى، وأيضًا ما ذكره الفقهاء من تعيين طوال المفصل وأوساطها وقصارها في الصلاة معتبر في الركعة الأولى، كذا سمعت من بعض ثقات فقهاء مكة من أئمة الحنفية، وهذا البيان لم يتعرض له أحد من شراح الحديث فيما نعلم، واللَّه أعلم.
٨٣١ - ٨٣٢ - [١٠ - ١١] (جبير بن مطعم، وأم الفضل بن الحارث) قوله: (يقرأ في المغرب بالطور) وفي الحديث الآتي بـ ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ وهذان الحديثان، وكذا ما وقع أنه قرأ فيها الأعراف والأنفال والدخان، وكذا ما ورد في الصلوات الأخر تدل على أنه لم تتعين القراءة كما عينه الفقهاء من طوال المفصل وقصارها وأوساطها، وسيأتي من حديث عمرو بن شعيب عن جده في آخر (الفصل الثالث) أنه قال: (ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول اللَّه ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة).
والأصل في تعيين الفقهاء إياها كتاب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري -على ما روى عبد الرزاق في (مصنفه) (١) قال: أخبرنا سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره- أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء والعصر بِوَسَطِ المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٢).
стр. 1204
٨٣٣ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ،
ــ
وقال: وأما في الظهر بطوال المفصل فلم أره، بل قال الترمذي في الباب الذي يلي باب القراءة في الصبح: وروي عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل، غير أن في الرواية ما يفيد المطلوب، وهو ما قدمناه في (صحيح مسلم) من حديث الخدري: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية)، انتهى. وبالجملة كان أمر القراءة عنده ﷺ في الطول والقصر مختلفًا باختلاف الأحوال والأوقات والحِكَم والمصالح وتعليم الجواز، ثم تقرر الأمر على كتاب عمر ﵁، ولا بد [أن] يكون له دليل وسماع من النبي ﷺ ، ولعله كان غالب أحوال النبي ﷺ ذلك، وكفى بما حكم به عمر دليلًا، واللَّه أعلم.
٨٣٣ - [١٢] (جابر) قوله: (ثم يأتي فيؤم قومه) استدل به الشافعية على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، إذ الصلاة المعادة تقع نفلًا؛ لأنه ﷺ لم ينكر على معاذ إلا التطويل.
فإن قلت: قد اشتهر من الشافعية أنهم قائلون بتكرار الفرض، فكيف يكون نفلًا؛ قلت: معنى هذا القول منهم أنه يجب نية الفرض لتحاكي الأصلية، لا أنه فرض، وهذا أيضًا على قول، والقول الآخر: أنه ينوي عند الإعادة النفل، وروى الشافعي ﵀ عن جابر: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه، فيصليها بهم، هي له تطوع ولهم فريضة.
стр. 1205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن الاحتجاج [به] من باب ترك الإنكار من النبي ﷺ ، وشرط ذلك علمُه، وجاز عدمُه، يدل عليه ما رواه الإمام أحمد (١) عن سليم (٢) رجل من بني سلمة أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه، فيطول علينا، فقال له ﷺ : (يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك)، فشرع له أحد الأمرين: الصلاة معه ولا يصلي بقومه، أو الصلاة بقومه على وجه التخفيف ولا يصلي معه، هذا أفاد منعه من الإمامة إذا صلى معه ﷺ ، ولا يمنع إمامته بالاتفاق، فعلم أنه منعه من الفرض، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٣).
وقيل: إن تلك الزيادة -أعني: (هي له تطوع ولهم فريضة) - من كلام الشافعي ﵀ بناء على اجتهاده، ولذا لا يعرف إلا من جهته.
هذا، وقد وقع أيضًا في صلاة الخوف في ذات الرقاع: أنه ﷺ صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت لرسول اللَّه ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين، فيلزم منه أيضًا اقتداء المفترض بالمتنفل، وهذا إنما يتم للشافعي إلزامًا علينا في قولنا: إن فرض المسافر ركعتان، وإلا فعنده يقع الكل فرضًا، فلا يتم به حجة على مذهبه، ونحن نقول:
стр. 1206
فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ،
ــ
لعل ذلك من خصائص صلاة الخوف، وقد تكلمنا فيه في (شرح سفر السعادة) (١).
ثم قال الشيخ ابن الهمام (٢): إنه أجاب الطحاوي عنه وعن حديث معاذ بأنه منسوخ، أو يحتمل أنه كان حين كانت الفريضة تصلى مرتين، ثم نُسِخَ (٣)، وروى حديث ابن عمر ﵄: (نهى أن تصلَّى فريضة في يوم مرتين) قال: والنهي: لا يكون إلا بعد الإباحة، ونوزع في ذلك بأنه نسخ بالاحتمال، والجواب أن مراده الحمل على النسخ ترجيحًا بضرب من الاجتهاد، وهذا صحيح بل واجب، إذ يجب الترجيح ما أمكن، ومرجعه الحمل على النسخ في كل متعارضين ثبتت صحتهما، فتدبر.
وقوله: (فسلم) أي: قطع الصلاة، لا أنه قصد قطعها بالسلام؛ لأنه ليس محله، لكنه سلم تشبيهًا بتمام الصلاة وقطعها عنده.
وقوله: (أنافقت) هذا تشديد وتغليظ، والمراد فعلت فعل المنافقين في الكسل عن الصلاة، كما ورد في القرآن المجيد في شأن المنافقين ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾.
وقوله: (لا واللَّه) أي: ما نافقت وما انحرفت كسلًا عن الصلاة، بل لضرورة
стр. 1207
وَلآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ أَفتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٠، ٦١٠٦، م: ٤٦٥].
٨٣٤ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وَمَا سَمِعتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوتًا مِنْهُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٧، م: ٤٦٤].
ــ
عجزي عن تحمل التطويل لأجل إنكاري على معاذ هذا التطويل، يدل عليه قوله: (ولآتين رسول اللَّه ﷺ فلأخبرنه).
و(الناضح) البعير الذي يسقى عليه، والأنثى ناضحة.
وقوله: (أفتان أنت؟ ) أي منفِّر للناس عن ملازمة الجماعة، ومن معاني الفتنة اختلاف الآراء، ويستلزم ذلك الإفسادَ وصرفَ الناس عن الدين، قال البيضاوي (١) في قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾: مفسدين الناس بالإغواء.
٨٣٤ - [١٣] (البراء) قوله: (يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾) ووقع في رواية البخاري (٢) عن عدي: سمعت البراء: أن النبي ﷺ كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ (التين والزيتون)، ويستأنس به أن يكون المراد حيث وقع مطلقًا هو إحدى الركعتين لا على التعيين، كما ذكرنا من ثالث الاحتمالات في حديث جابر
стр. 1208
٨٣٥ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وَنَحْوِهَا، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٨].
ــ
ابن سمرة.
٨٣٥ - [١٤] (جابر بن سمرة) قوله: (وكانت صلاته بعد تخفيفًا) قال الطيبي (١): أي: بعد صلاة الفجر تخفيفًا في القراءة في بقية الصلوات، يعني كان يطول صلاة الصبح أكثر من بقية الخمس، وسببه ما ذكرنا في تطويل الركعة الأولى من قصد تكثير الجماعة، وإرادة إدراك الناس الركعة الأولى، مع كون الصبح وقت القيام من النوم، وعروض الكسل والفتور، واستعداد مقدمات الطهارة، قالوا: ولأن النزول الرباني وورود أنوار الفيض الرحماني يكون في الثلث الأخير من الليل، والدعاء والعبادة فيه إلى الإجابة والقبول أقرب، ويبقى إلى انقضاء صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الفجر، قولان.
ووجه تطويل صلاة الفجر على القول الأول ظاهر، وعلى الثاني باعتبار قربه منه، ولأنه لما كان عدد ركعات صلاة الصبح أنقص جعل التطويل بدله، يعني مع وجود سعة الوقت وفضله، فلا يرد أنه ينبغي على هذا أن يكون المغرب أطول من الثلث الأخير، خصوصًا على ما اختاره أكثر الأئمة من أن الشفق هو الحمرة، ووجوه أخر ذكرت في (سفر السعادة) (٢) و (شرحه) (٣).
وفي شرح الشيخ: أنه يحتمل أن يكون المراد بعد ذلك الزمن، فيفيد أنه ﷺ
стр. 1209
٨٣٦ - [١٥] وَعَن عَمْرو بن حُرَيْث: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفجْرِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٦].
٨٣٧ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ -أَوْ ذِكرُ عِيسَى- أَخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٦].
ــ
كان يطول أول الهجرة لقلة أصحابه وانحصارهم، ثم لما كثر الناس، وشق عليهم التطويل؛ لكونهم أهل أعمال من تجارة وحرث وزرع خفف رفقًا بهم.
هذا، ويمكن أن يكون معنى قوله: (وكان صلاته بعد تخفيفًا) أن مع التطويل في القراءة كان صلاته ﷺ عند المأمومين خفيفة لكثرة شوقهم إلى استماع القرآن منه، وورود الأنوار، وانشراح الصدر ببركته، ولسرعته، وطي لسان كان له ﷺ في قراءة القرآن، حتى كان يقرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب، فافهم.
٨٣٦ - [١٥] (عمرو بن حريث) قوله: (عن عمرو بن حريث) بحاء مهملة مضمومة وفتح راء وسكون ياء وبمثلثة.
وقوله: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾) المراد به سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
٨٣٧ - [١٦] (عبد اللَّه بن السائب) قوله: (بمكة) وفي رواية النسائي: (في فتح مكة)، كذا في شرح الشيخ.
وقوله: (حتى جاء ذكر) بالنصب والرفع، والنصب أظهر.
وقوله: (سعلة) بفتح السين المهملة، فعلة من السعال، ويجوز الضم.
وفي (القاموس) (١): سعل كنصر، سعالًا وسعلة، بضمهما، وهي: حركة تدفع
стр. 1210
٨٣٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٩١، م: ٨٨٠].
ــ
بها الطبيعة أذى عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها.
قال الطيبي: وإنما أخذتْه بسبب البكاء، واللَّه أعلم.
٨٣٨ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾) وهذا حديث متفق عليه عن أبي هريرة، ورواه النسائي وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس، والتزمه الشافعية، وواظبوا عليه، وعليه عملهم في الحرمين الشريفين وغيرهما على سبيل الدوام، وسبب تخصيص يوم الجمعة بهاتين السورتين أنهما مشتملان على ذكر المبدأ والمعاد ودخول الجنة والنار، وهذه المعاني تكون في يوم الجمعة، والقيامة تقوم فيه، كما كان يقرأ في المحافل والمجامع العظيمة سورة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ وأمثالهما، هكذا قال الشراح.
ولا يذهب عليك أن كثيرًا من السور القرآنية مشتملة على هذه المعاني، ولا يختص ذلك بهاتين السورتين، اللهم إلا أن يكون فيهما أكثر وأوفر، ويلوح من هذا الوجه أن قراءة هاتين السورتين لم تكن دائمة إلا في مقام التذكير والإنذار كسورة ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ فيهما، على أنك عرفت أن كلمة (كان) في هذه الأحاديث ليست للاستمرار، فافهم، واللَّه أعلم.
ثم إنه قد ذكر في كتبنا أن لا يوقت بشيء من القرآن لدفع إيهام الفضل وهجر الباقي، ومثلوه بتعيين هاتين السورتين لفجر الجمعة، وتعيين سورة الجمعة والمنافقين لصلاة الجمعة.
стр. 1211
٨٣٩ - [١٨] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: . . . . .
ــ
ونقل الشيخ ابن الهمام (١) عن الطحاوي والإسبيجابي: أن هذا إن رآه حتمًا يكره غيره، أما لو قرأ للتيسير عليه، أو تبركًا بقراءته ﵊ فلا كراهة، لكن بشرط أن يقرأ غيرهما أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أن غيرهما لا يجوز.
وقال: ولا تحرير في هذه العبارة بعد العلم بأن الكلام في المداومة، والحق أن المداومة مطلقًا مكروهة، سواء رآه حتمًا يكره غيره أو لا؛ لأن دليل الكراهة لا يفصل، وهو إيهام التفضيل وهجر الباقي، [لكن الهجران إنما يلزم] لو لم يقرأ الباقي في صلاة أخرى، فالحق أنه إيهام التعيين، ثم مقتضى الدليل عدم المداومة لا المداومة على العدم كما يفعله حنفية العصر، بل يستحب أن يقرأ بذلك أحيانًا تبركًا بالمأثور؛ فإن لزوم الإيهام ينتفي بالترك أحيانًا، و [لذا] قالوا: السنة أن يقرأ في ركعتي الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وظاهر هذا إفادة المواظبة على ذلك، وذلك لأن الإيهام المذكور منتف بالنسبة إلى المصلي نفسه، انتهى.
قال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شانه، وصانه عما شانه-: لا شك أن الإيهام المذكور منتف بالنسبة إلى المصلي نفسه، ولكن بالنسبة إلى الغير باق، ولكنه فيما كان مأثورًا وصح روايته عن الشارع غير معتبر، فالكلام في الصحة، وبعد الصحة لا مجال للتوقف، فالحق أن هذا العمل لم يثبت عند الحنفية دوامه عن رسول اللَّه ﷺ كما أشرنا إليه، فلا بأس أن يقرأ أحيانًا بل كان أفضل، واللَّه أعلم.
٨٣٩ - [١٨] (عبيد اللَّه بن أبي رافع) قوله: (عبيد اللَّه) بلفظ التصغير، (ابن أبي رافع) مولى النبي ﷺ .
стр. 1212
اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي السَّجْدَةِ الأُولَى، وَفِي الآخِرَة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٧].
٨٤٠ - [١٩] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَرَأَ بِهِمَا فِي الصَّلَاتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٨].
٨٤١ - [٢٠] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: [كَانَ] يَقْرَأُ فِيهِمَا: بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٩١].
ــ
وقوله: (في السجدة الأولى) أي: الركعة الأولى.
٨٤٠ - [١٩] (النعمان بن بشير) قوله: (يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. . . إلخ) وبهذا تبين أنه لم تكن قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة دائمًا، وأن (كان) ليست للاستمرار قطعًا.
٨٤١ - [٢٠] (عبيد اللَّه) قوله: (عبيد اللَّه) بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، ولعل سؤال أمير المؤمنين عمر ﵁ أبا واقد للتقرير والتمكين في ذهن الحاضرين من الوفود وغيرهم، وإلا فهو ﵁ من الملازمين له ﷺ [والعالمين بأحواله وأفعاله] ما لا يعلمه غيره من أمثال هذه الوقائع والأحكام، واللَّه أعلم.
стр. 1213
٨٤٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٦].
٨٤٣ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٧].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٨٤٤ - [٢٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ. [ت: ٢٤٥].
ــ
٨٤٢ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (في ركعتي الفجر) أراد بهما سنته، وكذا ركعتي المغرب وغيرهما، ويقال للفرض: صلاته، هكذا العادة.
٨٤٣ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. . . إلخ) وما قيل من كراهة قراءة بعض السورة خصوصًا من أوساط السورة فذلك في الفرائض، والحق أن فيما ثبت وصحت الرواية لا مجال للقول بالكراهة والكلام في الصحة.
الفصل الثاني
٨٤٤ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (يفتتح صلاته ببسم اللَّه الرحمن الرحيم) قد مرّ الكلام فيه مفصلًا.
стр. 1214
٨٤٥ - [٢٤] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ: آمِينَ، مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. . . . .
ــ
٨٤٥ - [٢٤] (وائل بن حجر) قوله: (مد بها) أي: بكلمة (آمين)، (صوته) يحتمل الجهر بها، ويحتمل مدَّ الألف على اللغة الفصحى، والظاهر هو الأول بقرينة الروايات الأخر، ففي بعضها: (يرفع بها صوته)، وهذا صريح في معنى الجهر، وفي رواية ابن ماجه (١): (حتى يسمعها [أهل] الصف الأول، فيرتج بها المسجد)، وفي بعضها: (يسمع من كان في الصف الأول قريبًا منه ﷺ )، ولما روى أبو هريرة: (كان رسول اللَّه ﷺ إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول) رواه أبو داود وابن ماجه (٢)، وبهذا وفَّق بعض الشافعية بين حديثي الجهر والخفض بأن المراد بالخفض عدم القرع العنيف وبالجهر دوي الصوت؛ لأنه يوجب ارتجاج الصوت، والظاهر الحمل على كلا الفعلين تارةً فتارةً، واللَّه أعلم.
واعلم أن التأمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة سنة، سواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وإن لم يؤمِّن إمامه، وفي تأمين المقتدي في الصلاة السرية على تقدير سماعها خلاف، فعند البعض: يؤمِّن بظاهر الحديث، وعند آخرين: لا يؤمِّن لعدم اعتبار هذا الجهر، كذا في شرح ابن الهمام (٣).
стр. 1215
وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٨، د: ٩٣٢، دي: ١٢٤٧، جه: ٨٥٥].
٨٤٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ. . . . .
ــ
وورد في الجهر بالتأمين أحاديث، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وفي مذهب مالك خلاف، وفي مذهب أبي حنيفة: يسر التأمين مطلقًا، وأورد الترمذي في (جامعه) (١) حديث رفع الصوت بآمين وخفضها، ورجح حديث الجهر، ونقل عن البخاري كذلك، وقال: عليه عمل أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، انتهى.
وقد صحَّحَ بعض العلماء حديث الخفض أيضًا، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يخفي الإمام أربعة أشياء: التعوذ، والبسملة، وآمين، وسبحانك اللهم وبحمدك، وعن ابن مسعود مثله، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) (٢) عن أبي وائل قال: كان عمر وعلي ﵄ لا يجهران بالبسملة ولا بالتعوذ ولا بآمين، رواه ابن جرير والطحاوي وابن شاهين في (السنة)، وأورد الشيخ ابن الهمام (٣) عن أحمد وأبي يعلى والطبراني والدارقطني والحاكم في (المستدرك) من حديث شعبة عن علقمة عن أبي وائل في الإخفاء، وعن أبي داود والترمذي وغيرهما من حديث سفيان عن أبي وائل في الجهر، وقال: كلا الحديثين معلول، والاعتماد على حديث ابن مسعود ﵁.
٨٤٦ - [٢٥] (أبو زهير النميري) قوله: (وعن أبي زهير) بالتصغير (النميري) بضم النون وفتح الميم.
стр. 1216
قَدْ أَلَحَّ في الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بِأَيِّ شَيْءٍ يَخْتِمُ؟ قَالَ: "بآمين". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٩٣٨].
٨٤٧ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صلَّى الْمَغْرِبَ بِسُورَةِ الأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٩٩١].
ــ
وقوله: (وقد ألَحَّ في المسألة): ألحف، وألحّ السحاب: دام مطره.
وقوله: (أوجب) (١) أي: الإجابة.
وقوله: (إن ختم) من الخاتم على ما يدل عليه حديث (آمين خاتم رب العالمين)، أي: أنه طابع اللَّه على عباده؛ لأن الآفات والبلايا يدفع به، كخاتم الكتاب يصون من فساده وإظهار ما فيه، ويحتمل أن يكون بمعنى الإتمام والإكمال.
٨٤٧ - [٢٦] (عائشة ﵂) قوله: (صلى المغرب بسورة الأعراف) لا شبهة في سعة وقت المغرب لذلك، خصوصًا إن كان الشفق هو البياض، مع ما كان في قراءته ﷺ من السرعة والطىِّ ومزيد الشوق، وقال بعض الشافعية: يحتمل أن يخرج الوقت، ويكفي في صحة الصلاة صحة شروعه في الوقت وأداء بعضها فيه، وهو بعيد، وأبعد من ذلك أن المراد بالسورة بعضها.
وقوله: (فرَّقها) وجاء في رواية البخاري وأبي داود والنسائي عن زيد بن ثابت قراءة سورة الأعراف من غير ذكر التفريق، وفي رواية المائدة والأعراف.
стр. 1217
٨٤٨ - [٢٧] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لِي: "يَا عُقْبَةُ! أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟ " فَعَلَّمَنِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، قَالَ: فَلَمْ يَرَنِي سُرِرْتُ بِهِمَا جِدًّا، فَلَمَّا نزَلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: "يَا عُقْبَةُ! كيْفَ رَأَيْتَ؟ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ١٤٩ - ١٥٠، د: ١٤٦٢، ن: ٥٤٣٦].
٨٤٩ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ فِي "شَرحِ السُّنَّةِ". [٣/ ٨١].
٨٥٠ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: . . . . .
ــ
٨٤٨ - [٢٧] (عقبة بن عامر) قوله: (جدًّا) أي: سرورًا كثيرًا أو أصلًا، لما رأى أنهما لم يشتملا في الظاهر على معالم التوحيد وصفات الكمال كغيرهما من السور، فأعلمه ﷺ فضلهما بقراءتهما في صلاة الفجر التي هي أفضل الصلوات بوجوه، ويستحب فيها التطويل، وتأويله عند الأكثرين أن المراد الخيرية في باب التعوذ، ويلمح إليه قوله: (خير سورتين قرئتا)، فافهم.
ويحتمل أن يكون المراد تفضيلهما على ما سوى السور التي ثبت فضلها بأحاديث أخر، ولعله يكون فيهما أسرار لا تدركها عقولنا.
ويؤخذ من هذا الحديث استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الفجر في السفر.
٨٤٩ - ٨٥٠ - [٢٨ - ٢٩] (جابر بن سمرة، ابن عمر) قوله: (إلا أنه لم يذكر
стр. 1218
"لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ". [جه: ٨٣٣].
٨٥١ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٣١].
٨٥٢ - [٣١] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: "بَعدَ الْمَغْرِبِ". [جه: ١١٤٨].
٨٥٣ - [٣٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيمَانُ: صَلَّيْتُ خَلْفَهُ (١) فَكَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظّهْر،
ــ
ليلة الجمعة) (٢) والحديث بذكر ليلة الجمعة صحيح، كذا في (شرح الشيخ)، وفيه: أنه صح أيضًا في عشائها قراءة سورتي الجمعة والمنافقين.
٨٥١ - ٨٥٢ - [٣٠ - ٣١] (عبد اللَّه بن مسعود، وأبو هريرة) قوله: (ما أُحصي) أي: ما أعد، أي: لا أطيق أن أعد، كقوله: (لا أحصي ثناء عليك).
٨٥٣ - [٣٢] (سليمان بن يسار) قوله: (من فلان) قيل: هو عمر بن عبد العزيز، كان واليًا بالمدينة من قبل مروان بن عبد الملك، وهذا القول غلط؛ لأن ولادة عمر
стр. 1219
وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى: وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ. [ن: ٩٨٢، جه: ٨٢٧].
ــ
ابن عبد العزيز بعد وفاة أبي هريرة بسنتين أو أكثر (١).
نعم قال فيه ذلك القول أنس ﵁، وهو صحيح؛ لأنه أدرك زمن عمر بن عبد العزيز، وقيل: مراد أبي هريرة علي بن أبي طالب ﵁ وكرم اللَّه وجهه-، وقيل: عمرو بن سلمة بن نفيع (٢)، واللَّه أعلم.
وقوله: (بقصار المفصل) قال ابن الهمام (٣): اختلف في أول المفصل، فقيل: سورة القتال، وقال الحلواني وغيره من أصحابنا: الحجرات، فهو السبع الأخير، وقيل: من (ق)، وحكى القاضي عياض: أنه من الجاثية، وهو غريب، والطوال من أوله إلى البروج، والأوساط منها إلى لم يكن، والقصار الباقي (٤)، وقيل: الطوال من أوله إلى عبس، والأوساط منها إلى والضحى، والباقي القصار، ثم إذا راعى الليالي يقرأ في الشتاء مئة، وفي الصيف أربعين، وفي الخريف والربيع خمسين إلى ستين، انتهى.
وفي شرح الشيخ: أوله الحجرات إلى عم، وأوساطه إلى والضحى، وقصاره إلى الآخر، وسمي مفصلًا لكثرة الفصول فيه، وقيل: لقلة المنسوخ فيه.
стр. 1220
٨٥٤ - [٣٣] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: "لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ " قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِلنِّسَائِيِّ مَعْنَاهُ، وَفي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ قَالَ: "وَأَنَا أَقُولُ: مَا لِي يُنَازعنِي الْقُرْآنُ؟ . . . . .
ــ
٨٥٤ - [٣٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (فثقلت عليه) أي: عسرت، وسبب الثقل في الظاهر سماعه أصوات القارئين خلفه حتى شوشت عليه، ولا يلائمه قوله: (لعلكم)؛ لأن ذلك عند الجهر، وهو متيقن، وقيل: يحتمل أن يكون تأثره ﷺ من النقص الناشئ لهم بترك إصغائهم لقراءته، كما اختلطت قراءته ﷺ بتأثره عن ترك بعض إحسان الطهور، كما مرّ في (كتاب الطهارة)، والكامل قد يتأثر عن نقص مَنْ وراءه، واللَّه أعلم.
وقوله: (لعلكم تقرؤون) سؤال في معنى الاستفهام تقريرًا لفعلهم، وفيه تشديد وتوبيخ (١).
وقوله: (خلف إمامكم) من إقامة المظهر موضع المضمر للتنبيه على الوصف المقتضي لترك القراءة، وللإشارة إلى تعميم الحكم.
وقوله: (فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) ظاهر في فرضية قراءة فاتحة الكتاب، وقد عرفت جوابه.
وقوله: (وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن) أي: كنت قلت في نفسي: ما السبب
стр. 1221
فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآن". [د: ٨٢٣، ت: ٣١١، ن: ٩١١، د: ٨٢٤].
٨٥٥ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: "هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟ " فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "إِنِّي أَقُولُ: مَا لِي أُنازَعُ الْقُرآنَ؟ " قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ. . . . .
ــ
في ثقل القراءة وأن لا يتأتى لي؟ فكأنه أجاذبه وهو ينازعني، فعرفت الآن أن السبب قراءتكم خلفي.
وقوله: (إذا جهرت) يدل على تخصيص عدم القراءة في الصلاة الجهرية، وسيأتي الكلام فيه.
٨٥٥ - [٣٤] (أبو هريرة) قوله: (ما لي أنازع القرآن) بصيغة المجهول، والقرآن منصوب مفعول ثان لـ (أنازع)، أي ما لي أنازع في القرآن؟ ويناسب هذه الرواية قوله: (ينازعني القرآن)، وقال زين العرب: روايتي (أنازع) على صيغة الفاعل، وفي (النهاية) (١): أصل النزع: الجذب والقلع، كذا في بعض الشروح، وفي شرح الشيخ: نزل قراءتهم معه حال قراءته منزلة اثنين يتجاذبان شيئًا، فافهم.
وقوله: (قال: فانتهى الناس) ظاهر السياق أنه من كلام أبي هريرة، وفي
стр. 1222
نَحْوَهُ [ط: ١٩٣، حم: ٢/ ٢٤٠، د: ٨٢٦، ت: ٣١١، ن: ٩١٩، جه: ٨٤٨].
٨٥٦ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالبَيَاضِيِّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٦٧].
٨٥٧ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا". رَوَاهُ. . . . .
ــ
الحواشي نقلًا عن الخطابي: أنه كلام الزهري.
٨٥٦ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (البياضي) بالفتح والتخفيف، منسوب إلى بياضة، بطن من الأنصار، كذا نقل من (الأنساب) (١) للسيوطي، وفي (المغني) (٢): نسبة إلى بياضة بن عامر.
وقوله: (فلينظر ما يناجيه به) أي: فليتدبر وليتأمل ما يناجي به المصلي الرب تعالى من الذكر والقرآن، و (ما) موصولة أو استفهامية، والمناجاة: المشاورة بين اثنين بحيث لا يطلع ثالث. وفي (القاموس) (٣): النجوى: السر، اسم ومصدر، وناجاه مناجاة: سارَّه، وانتجاه: خصّه بمناجاته.
وقوله: (ولا يجهر بعضكم على بعض) أي: في الصلاة وغيرها، من المصلي والنائم والذاكر، وعلى الإمام وغيره.
٨٥٧ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) يعني أن الائتمام في القراءة
стр. 1223
أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٦٠٤، ن: ٩٢١، جه: ٨٤٦].
ــ
بالإنصات لا بالقراءة، إذا عرفت هذا فاعلم أن مذهب الشافعي ﵀ وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في السرية والجهرية، ويجوز قراءة ما سوى الفاتحة أيضًا، ومذهب أحمد ومالك والشافعي ﵏ في قول: وجوب قراءتها في السرية فقط، ويكفيه في الجهرية استماعه لقراءة الإمام، وعند بعض أصحاب أحمد: يقرأ الفاتحة في الجهرية في سكتات الإمام، وعند بعضهم: إن كان لا يسمع لبعده أو طَرَشِه (١) يقرؤها، يعني في الجهرية، وإن لم يقرأ فصلاته تامة؛ لأن من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له، وليس بواجب، وهو المنصوص المعروف عند أصحابه؛ لعموم حديث أبي هريرة ﵁: (وإذا قرأ فأنصتوا) رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه أحمد، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (٢)، وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه لا يقرؤها في السرية ولا في الجهرية، لكنه يستحب على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد ﵀، ويكره عندهما لما فيه من الوعيد، ثم إن عند الشافعي يقرأ المأموم سرًّا ولو في الجهرية.
وفي شرح الشيخ: قد أجمعت الأمة على أنه يكره للمأموم الجهر وإن لم يسمع قراءة إمامه، ودلائل هؤلاء الأئمة هذه الأحاديث، ولأن القراءة ركن فيشتركان فيه، مع ما في السرية والجهرية من الفرق عند أحمد ومالك -رحمهما اللَّه-.
ولنا قوله ﷺ : (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة).
стр. 1224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال في (الهداية) (١): وعليه إجماع الصحابة.
قال الشيخ ابن الهمام (٢): فإذا صح وجب أن يُخَصَّ عموم الآية والحديث على طريقة الخصم مطلقًا، فيخرج المقتدي، وعلى طريقتنا يُخَصّ أيضًا؛ لأنهما عام خُصّ منه البعضُ، وهو المدرك في الركوع إجماعًا، فجاز تخصيصهما بعده بالمقتدي بالحديث المذكور جمعًا بين الأدلة، بل يقال: القراءة ثابتة من المقتدي شرعًا؛ فإن قراءة الإمام له قراءة، فلو قرأ كان له قراءتان في صلاة واحدة، وهو غير مشروع.
بقي الشأن في تصحيح هذا الحديث، وقد روي من طرق متعددة مرفوعًا عن جابر بن عبد اللَّه عنه ﵊، وقد ضعف، واعترف المضعفون لرفعه مثل الدارقطني والبيهقي وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل؛ لأن الحفاظ كالسفيانين وأبي الأحوص، وشعبة وإسرائيل، وشريك وأبي خالد الدالاني، وجرير وعبد الحميد، وزائدة وزهير رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد اللَّه بن شداد (٣) عن النبي ﷺ فأرسلوه، وقد أرسله مرة أبو حنيفة ﵀ كذلك.
فنقول: المرسل حجة عند أكثر أهل العلم، فيكفينا فيما يرجع إلى العمل على رأينا، وعلى طريق الإلزام أيضًا بإقامة الدليل على حجية المرسل، وعلى تقدير التنزل عن حجيته فقد رفعه أبو حنيفة بسند صحيح.
روى محمد بن الحسن في (موطئه) قال: أخبرنا أبو حنيفة قال: ثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد اللَّه بن شداد، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من صلى
стр. 1225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة).
وقولهم: إن الحفاظ الذين عدوهم لم يرفعوه غير صحيح، فإن بعضهم كالسفيانين وشريك وجرير وزهير رفعوه بالطرق الصحيحة، بعضها على شرط الشيخين وبعضها على شرط مسلم، ولو تفرد الثقة وجب قبوله؛ لأن الرفع زيادة، وزيادة الثقة مقبولة، فكيف ولم ينفرد، والثقة قد يسند الحديث تارةً ويرسله أخرى.
وأخرجه ابن عدي عن أبي حنيفة ﵀ في ترجمته، وذكر فيه قصة، وبها أخرجه أبو عبد اللَّه الحاكم بسند له فيه أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة من حديث جابر: أن النبي ﷺ صلَّى ورجل خلفه يقرأ، فجعل رجل من أصحاب النبي ﷺ ينهاه عن القراءة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول اللَّه ﷺ ؟ فتنازعا حتى ذُكِرَ ذلك للنبي ﷺ ، فقال ﵊: (من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة). وفي رواية لأبي حنيفة ﵀ أن ذلك كان في الظهر والعصر.
وقال الشيخ: وتضعيف بعضهم لمثل أبي حنيفة مع تضييقه في الرواية إلى الغاية، حتى إنه شرط التذكر لجواز الرواية بعد علمه أنه حفظه، ولم يشترط الحفاظ هذا، ولم يوافقه صاحباه، ثم قد عُضِد بطرق كثيرة عن جابر غير ما ذكر وإن ضُعِّفَتْ، وبمذاهب الصحابة، حتى قال المصنف: -يعني صاحب (الهداية) -: إن عليه إجماع الصحابة، وفي (موطأ مالك): عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يقرأ خلف الإمام، ورواه ابن عدي عن أبي سعيد الخدري، ورواه الطبراني في (الأوسط) من حديث ابن عباس يرفعه، وروى الطحاوي في (شرح الآثار): أنه سئل عبد اللَّه بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد اللَّه، فقالوا: لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة، وروى محمد بن
стр. 1226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحسن في (موطئه): سئل عبد اللَّه بن مسعود عن القراءة خلف الإمام؟ قال: أنصت ويكفيك الإمام، وروى فيه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: وددت الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة، وفي رواية: في فيه حجر، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرًا، وأخرج الطحاوي عن حماد بن سلمة عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يدي؟ قال: لا، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن جابر قال: لا تقرأ خلف الإمام إن جهر، ولا إن خافت، وأخرج عبد الرزاق من حديث علي ﵁ قال: (من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة).
وقال الشيخ ابن الهمام (١): الكراهة -التي قال المصنف- كراهية التحريم؛ لقوله: لما فيه من الوعيد، وصرح بعض المشايخ بأنها لا تحل خلف الإمام، وقد عرف من طريق أصحابنا أنهم لا يطلقون الحرام إلا ما حرمته بقطعي، وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أن الإنصات لا يخص الجهرية؛ لأنه عدم الكلام، فالمطلوب أمران: الاستماع والسكوت، فيعمل بكل منهما، والأول يخص الجهرية لا الثاني، فيجري على إطلاقه، فيجب السكوت عند القراءة مطلقًا، وهذا بناء على أن ورود الآية في القراءة في الصلاة، وأخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، ووردت في القراءة خلف الإمام، وقال: (وقول المصنف على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد) تقتضي هذه العبارة أنها ليست ظاهر الرواية عنه، وهو الذي يظهر من قوله في (الذخيرة): وبعض مشايخنا ذكروا أن على قول محمد لا يكره، وعلى قولهما يكره، ثم قال في (الفصل الرابع):
стр. 1227
٨٥٨ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي، قَالَ: "قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلَّهِ فَمَاذَا لِي؟ قَالَ: "قُلْ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي". . . . .
ــ
الأصح أنه يكره، والحق أن قول محمد كقولهما، فإن عباراته في كتبه مصرحة بذلك، قال في (الآثار): وبه نأخذ، ولا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلوات يجهر فيه أو لا يجهر، ثم استمر في إسناد الآثار في ذلك، وقال في (موطئه) بعد ما روى في منع القراءة ما رُوِي: لا قراءة خلف الإمام فيما يجهر وفيما لا يجهر، بذلك جاءت عامة الأخبار، وقال: تفسد صلاته في قول عدة من الصحابة، ولا يخفى أن الاحتياط في العمل بأقوى الدليلين، هذا كلام الشيخ ابن الهمام مع شيء من الاختصار، ونرجو أن يكون غير مخل، ثم كلام محمد في (الموطأ) مملوء بالأخبار والآثار في ذلك، فلينظر ثمة، واللَّه أعلم.
٨٥٨ - [٣٧] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا. . . إلخ) الذي يسبق إلى الأفهام من إيراد هذا الحديث أن المراد عدم استطاعة الأخذ بشيء من القرآن مما تصح به الصلاة، وذلك بعيد جدًا؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما تصح به الصلاة كل العجز، فلو تعلم كلمات من القرآن بقدر هذه الكلمات أو أكثر لاستطاع وكفى، وقد يقال: إنه آمن في هذه الساعة فدخل وقت الصلاة، ولم يتسع له حفظ شيء من القرآن في ذلك، فقال له رسول اللَّه ﷺ : قل هذه الكلمات، ومع ذلك لا يدفع الاستبعاد.
стр. 1228
فَقَالَ هَكَذَا بِيَدَيْهِ وَقَبَضَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا هَذَا فَقَد مَلأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عِنْد قَوْله: "إِلَّا بِاللَّه". [د: ٨٣٢، ن: ٩٢٤].
٨٥٩ - [٣٨] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ: . . . . .
ــ
وقال التُّورِبِشْتِي (١): لو كان الأمر على ذلك لعلمه (٢) النبي ﷺ بما يلزمه بعد ذلك، إذ لا يجوز له أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه، فالظاهر أن المراد (إني لا أستطيع أن أحفظ من القرآن شيئًا) أجعله وردًا لي فأقوم به، ولا بد أن يكون ذلك شيئًا كثيرًا قد لا يتيسر لبعض الناس حفظه، فعلمه ﷺ هؤلاء الكلمات ليداوم عليها ويجعلها وردًا لنفسه بالتكرار آناء الليل والنهار.
ثم الضمير في قوله: (فقال هكذا) إما أن يكون للرجل، أي: أشار بقبض يديه إلى أنه يحفظ ما أمره به كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه، أي: حفظت ما قلت لي فلا أُضَيِّعه، وهذا الاحتمال أظهر بالنظر إلى قوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ ) كناية عن أخذه بمجامع الخير بامتثاله وحفظه لما أُمِرَ به، ويجوز أن يكون للنبي ﷺ بعثًا له على الامتثال والحفظ.
وقوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ ) لبشارة الرجل ومدحه بأنه ظفر بما لم يظفر به غيره لما فهم من الامتثال، فافهم.
٨٥٩ - [٣٨] (ابن عباس ﵄) قوله: (كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال:
стр. 1229
"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٢٣٢، د: ٨٨٣].
٨٦٠ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ مِنْكُم بـ (التين والزيتون) فَانْتَهى إِلَى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَمن قَرَأَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فَانْتَهَى إِلَى ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى. وَمَنْ قَرَأَ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَبَلَغَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا عَلَى ذلك من الشَّاهِدِينَ. [د: ٨٨٧، ت: ٣٣٤٧].
ــ
سبحان ربي الأعلى) (١) حمله الشافعية على حال الصلاة، أو أعم منها، فجوزوه في الصلاة وغيرها، وعندنا وكذا عند المالكية هو محمول على غير الصلاة.
قال التُّورِبِشْتِي (٢): يحتمل هذا الحديث وما يتلوه إلى آخر الباب عندنا أن يكون ذلك في القراءة في غير الصلاة، ومن جملة المحظور فيه أنه ربما يظن الجاهل أنه من القرآن، ولو كان النبي ﷺ فاعلًا ذلك في الصلاة لبينه الراوي، ونقله غيره من الصحابة لشدة حرصهم على الأخذ منه والتبليغ عنه، ولو زعم زاعم أنه في الصلاة ذهابًا إلى ظاهر الحديث؟ قلنا: يحمل ذلك على غير الفرائض على ما في حديث حذيفة ﵁ لما حدّث صلاته بالليل: (وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأله، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ)، ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة مَنْ حضرها، واللَّه أعلم.
٨٦٠ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (رواه أبو داود والترمذي. . . إلخ) وقال
стр. 1230
٨٦١ - [٤٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِم سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا، فَقَالَ: "لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٢٩١].
ــ
الترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن أعرابي بدوي لا يسمى.
٨٦١ - [٤٠] (جابر) قوله: (فكانوا أحسن مردودًا) أي ردًّا وإجابة كما في رد السلام، و (المردود) يجيء بمعنى المصدر، في (القاموس) (١): رده ردًّا ومَرَدًّا ومردودًا: صرفه، ومثله في (الصحاح) (٢) بالمحلوف والمعقول، كذا قال الطيبي، ويجوز أن يبقى على معناه، والمراد به الكلام الذي ردوه وأجابوا به، وهو قولهم: (لا بشيء من نعمك ربنا نكذب) كما لا يخفى، وإيراد صيغة المفضل كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، وقال الطيبي (٣): نزل سكوتهم وحسن إنصاتهم [للاستماع] منزلة الاعتراف والإذعان، ويجوز أن يكون المراد من سكوتهم عدم جهرهم بالرد، كما مر في الإسكات للاستفتاح، واللَّه أعلم (٤).