← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحسن في (موطئه): سئل عبد اللَّه بن مسعود عن القراءة خلف الإمام؟ قال: أنصت ويكفيك الإمام، وروى فيه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: وددت الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة، وفي رواية: في فيه حجر، وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرًا، وأخرج الطحاوي عن حماد بن سلمة عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يدي؟ قال: لا، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن جابر قال: لا تقرأ خلف الإمام إن جهر، ولا إن خافت، وأخرج عبد الرزاق من حديث علي ﵁ قال: (من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة). وقال الشيخ ابن الهمام (١): الكراهة -التي قال المصنف- كراهية التحريم؛ لقوله: لما فيه من الوعيد، وصرح بعض المشايخ بأنها لا تحل خلف الإمام، وقد عرف من طريق أصحابنا أنهم لا يطلقون الحرام إلا ما حرمته بقطعي، وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أن الإنصات لا يخص الجهرية؛ لأنه عدم الكلام، فالمطلوب أمران: الاستماع والسكوت، فيعمل بكل منهما، والأول يخص الجهرية لا الثاني، فيجري على إطلاقه، فيجب السكوت عند القراءة مطلقًا، وهذا بناء على أن ورود الآية في القراءة في الصلاة، وأخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، ووردت في القراءة خلف الإمام، وقال: (وقول المصنف على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد) تقتضي هذه العبارة أنها ليست ظاهر الرواية عنه، وهو الذي يظهر من قوله في (الذخيرة): وبعض مشايخنا ذكروا أن على قول محمد لا يكره، وعلى قولهما يكره، ثم قال في (الفصل الرابع):

стр. 1227

٨٥٨ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي، قَالَ: "قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلَّهِ فَمَاذَا لِي؟ قَالَ: "قُلْ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي". . . . . ــ الأصح أنه يكره، والحق أن قول محمد كقولهما، فإن عباراته في كتبه مصرحة بذلك، قال في (الآثار): وبه نأخذ، ولا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلوات يجهر فيه أو لا يجهر، ثم استمر في إسناد الآثار في ذلك، وقال في (موطئه) بعد ما روى في منع القراءة ما رُوِي: لا قراءة خلف الإمام فيما يجهر وفيما لا يجهر، بذلك جاءت عامة الأخبار، وقال: تفسد صلاته في قول عدة من الصحابة، ولا يخفى أن الاحتياط في العمل بأقوى الدليلين، هذا كلام الشيخ ابن الهمام مع شيء من الاختصار، ونرجو أن يكون غير مخل، ثم كلام محمد في (الموطأ) مملوء بالأخبار والآثار في ذلك، فلينظر ثمة، واللَّه أعلم. ٨٥٨ - [٣٧] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا. . . إلخ) الذي يسبق إلى الأفهام من إيراد هذا الحديث أن المراد عدم استطاعة الأخذ بشيء من القرآن مما تصح به الصلاة، وذلك بعيد جدًا؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما تصح به الصلاة كل العجز، فلو تعلم كلمات من القرآن بقدر هذه الكلمات أو أكثر لاستطاع وكفى، وقد يقال: إنه آمن في هذه الساعة فدخل وقت الصلاة، ولم يتسع له حفظ شيء من القرآن في ذلك، فقال له رسول اللَّه ﷺ : قل هذه الكلمات، ومع ذلك لا يدفع الاستبعاد.

стр. 1228

فَقَالَ هَكَذَا بِيَدَيْهِ وَقَبَضَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا هَذَا فَقَد مَلأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عِنْد قَوْله: "إِلَّا بِاللَّه". [د: ٨٣٢، ن: ٩٢٤]. ٨٥٩ - [٣٨] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ: . . . . . ــ وقال التُّورِبِشْتِي (١): لو كان الأمر على ذلك لعلمه (٢) النبي ﷺ بما يلزمه بعد ذلك، إذ لا يجوز له أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه، فالظاهر أن المراد (إني لا أستطيع أن أحفظ من القرآن شيئًا) أجعله وردًا لي فأقوم به، ولا بد أن يكون ذلك شيئًا كثيرًا قد لا يتيسر لبعض الناس حفظه، فعلمه ﷺ هؤلاء الكلمات ليداوم عليها ويجعلها وردًا لنفسه بالتكرار آناء الليل والنهار. ثم الضمير في قوله: (فقال هكذا) إما أن يكون للرجل، أي: أشار بقبض يديه إلى أنه يحفظ ما أمره به كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه، أي: حفظت ما قلت لي فلا أُضَيِّعه، وهذا الاحتمال أظهر بالنظر إلى قوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ ) كناية عن أخذه بمجامع الخير بامتثاله وحفظه لما أُمِرَ به، ويجوز أن يكون للنبي ﷺ بعثًا له على الامتثال والحفظ. وقوله: (فقال رسول اللَّه ﷺ ) لبشارة الرجل ومدحه بأنه ظفر بما لم يظفر به غيره لما فهم من الامتثال، فافهم. ٨٥٩ - [٣٨] (ابن عباس ﵄) قوله: (كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال:

стр. 1229

"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٢٣٢، د: ٨٨٣]. ٨٦٠ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ قَرَأَ مِنْكُم بـ (التين والزيتون) فَانْتَهى إِلَى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَمن قَرَأَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فَانْتَهَى إِلَى ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى. وَمَنْ قَرَأَ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَبَلَغَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا عَلَى ذلك من الشَّاهِدِينَ. [د: ٨٨٧، ت: ٣٣٤٧]. ــ سبحان ربي الأعلى) (١) حمله الشافعية على حال الصلاة، أو أعم منها، فجوزوه في الصلاة وغيرها، وعندنا وكذا عند المالكية هو محمول على غير الصلاة. قال التُّورِبِشْتِي (٢): يحتمل هذا الحديث وما يتلوه إلى آخر الباب عندنا أن يكون ذلك في القراءة في غير الصلاة، ومن جملة المحظور فيه أنه ربما يظن الجاهل أنه من القرآن، ولو كان النبي ﷺ فاعلًا ذلك في الصلاة لبينه الراوي، ونقله غيره من الصحابة لشدة حرصهم على الأخذ منه والتبليغ عنه، ولو زعم زاعم أنه في الصلاة ذهابًا إلى ظاهر الحديث؟ قلنا: يحمل ذلك على غير الفرائض على ما في حديث حذيفة ﵁ لما حدّث صلاته بالليل: (وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأله، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ)، ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة مَنْ حضرها، واللَّه أعلم. ٨٦٠ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (رواه أبو داود والترمذي. . . إلخ) وقال

стр. 1230

٨٦١ - [٤٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِم سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا، فَقَالَ: "لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٢٩١]. ــ الترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن أعرابي بدوي لا يسمى. ٨٦١ - [٤٠] (جابر) قوله: (فكانوا أحسن مردودًا) أي ردًّا وإجابة كما في رد السلام، و (المردود) يجيء بمعنى المصدر، في (القاموس) (١): رده ردًّا ومَرَدًّا ومردودًا: صرفه، ومثله في (الصحاح) (٢) بالمحلوف والمعقول، كذا قال الطيبي، ويجوز أن يبقى على معناه، والمراد به الكلام الذي ردوه وأجابوا به، وهو قولهم: (لا بشيء من نعمك ربنا نكذب) كما لا يخفى، وإيراد صيغة المفضل كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، وقال الطيبي (٣): نزل سكوتهم وحسن إنصاتهم [للاستماع] منزلة الاعتراف والإذعان، ويجوز أن يكون المراد من سكوتهم عدم جهرهم بالرد، كما مر في الإسكات للاستفتاح، واللَّه أعلم (٤).

стр. 1231

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٨٦٢ - [٤١] عَنْ مُعَاذِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : قَرَأَ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا؟ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨١٦]. ٨٦٣ - [٤٢] وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ صَلَّى الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهِمَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨٢]. ــ الفصلُ الثالثُ ٨٦٢ - [٤١] (معاذ بن عبد اللَّه الجهني) قوله: (قرأ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في الركعتين كلتيهما) أي: في كل من الركعتين، كذا فسروا، ويدل عليه ظاهر قوله: (أنسي أم قرأ ذلك عمدًا) وفي شرح الشيخ: الظاهر أنه فعل عمدًا؛ ليتبين به حصول أصل السنة بتكريره السورة الواحدة، انتهى. ويحتمل أنه قرأ لإسماع الحاضرين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] مكررًا لاقتضاء المقام ذلك؛ لكونه جامعًا للوعد والوعيد في غاية الاختصار، وقد ورد أنه ﷺ قال فيمن سمعه وقال: (حسبني فقه الرجل) (١)، واللَّه أعلم. ٨٦٣ - [٤٢] (عروة) قوله: (فقرأ فيهما) هكذا في أصل النسخة، وفي بعضها: (فيها) أي: في صلاة الصبح، وهو أظهر. وقوله: (في الركعتين) يدل على التقديرين، وهذا نظير قراءته ﷺ سورة الأعراف لبيان جواز تفريق السورة.

стр. 1232

٨٦٤ - [٤٣] وَعَنِ الْفَرَافِصَةِ بْنِ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: مَا أَخَذْتُ سُورَةَ يُوسُفَ إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ إِيَّاهَا فِي الصُّبْحِ، وَمِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨٤]. ٨٦٥ - [٤٤] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ (١) قَالَ: صَلَّينَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهِمَا بِسُورَةِ يُوسُفَ وَسُورَةِ الْحَجِّ قِرَاءَةً بَطِيئَةً، قِيلَ لَهُ: إِذًا لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ؟ قَالَ: أَجَلْ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨٣]. ــ ٨٦٤ - [٤٣] (الفرافصة بن عمير الحنفي) قوله: (الفرافصة) بفتح الفاء الأولى، وقيل: بضمها، وكسر الفاء الثانية (ابن عمير) بلفظ التصغير (الحنفي) منسوب إلى بني حنيفة، قبيلة من اليمامة. وقوله: (ما أخذت) أي: حفظت، وفيه أن المواظبة في أكثر الأحوال على سورة واحدة لا محذور فيه. ٨٦٥ - [٤٤] (عامر بن ربيعة) قوله: (فقرأ فيهما) هكذا في النسخ، وفي نسخة: (فيها). وقوله: (حين يطلع الفجر) (٢) أي: بغلس،

стр. 1233

٨٦٦ - [٤٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّا قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَؤُمُّ بِهَا النَّاسَ فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة. رَوَاهُ مَالِكٌ (١). ٨٦٧ - [٤٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِـ ﴿حم﴾ الدخان. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا. [ن: ٩٨٨]. ــ كذا قال الطيبي (٢)، وربما يشعر هذا الكلام أن التغليس لم يكن دائمًا، فافهم. ٨٦٦ - [٤٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (إلا قد سمعت) يتعين في هذا الحديث من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ضمير (جده) راجع إلى (أبيه) بدليل قوله: (سمعت)، فالحديث منقطع لا مرسل، وفي أحاديث أخر منه يحتمل العود إلى عمرو، وأما المواضع الأخر غير هذا الإسناد بقوله: (عن أبيه عن جده) فالضمير راجع إلى ما يرجع إليه غالبًا، فليتدبر. ٨٦٧ - [٤٦] (عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود) قوله: (بـ ﴿حم﴾ الدخان) في إحدى الركعتين، أو فيهما مفرقًا، أو غير مفرق، واللَّه أعلم. تمّ بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الثاني ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الثالث، وأوّله: (تابع كتاب الصلاة). وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا. * * *

стр. 1234

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ) تأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى تحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي طبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة المجلد الثالث دار النوادر

стр. 1235

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1236

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٣)

стр. 1237

دار النوادر المؤسس والمالك نور الدين طالب مؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م. سوريا - دمشق - الحلبوني: ص. ب: ٣٤٣٠٦ جميع الحقوق محفوظة للمحقق يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة. الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م E-mail: info@daralnawader.com Website: www.daralnawader.com شركات شقيقة دار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) دار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥) دار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦) مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية مظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند الهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١ الفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١ متحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١ البريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com

стр. 1238

تَابِع (٤) كِتابُ الصَّلاةِ ١٣ - باب الركوع ــ ١٣ - باب الركوع (١) هو في اللغة: الانحناء، ركع الشيخ: انحنى من كبر، وكل شيء يخفض رأسه فهو راكع، والركوع في الصلاة: أن يخفض رأسه بعد قومة القراءة حتى تنال راحتاه ركبتيه، أو حتى يطمئن ظهره، كذا في (القاموس) (٢)، وقد جاء بمعنى الصلاة، ركع المصلِّي، أي: صلَّى.

стр. 1239

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٨٦٨ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِيْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٢، م: ٤٢٥]. ــ الفصل الأول ٨٦٨ - [١] (أنس) قوله: (أقيموا الركوع) من أقمت العود: إذا قوَّمْته. وقوله: (بعدي) أي: من خلفي (١)، وقد سبق الكلام فيه في آخر (الفصل الثالث)

стр. 1240

٨٦٩ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ، وَبَيْنَ السَّجْدَتينِ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقعُودَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٩٢، م: ٤٧١]. ــ من (باب صفة الصلاة) في حديث أبي هريرة. ٨٦٩ - [٢] (البراء) قوله: (كان ركوع النبي ﷺ وسجوده وبين السجدتين) أي: وجلوسه بينهما. وقوله: (وإذا رفع) أي: وقيامه إذا رفع. وقوله: (ما خلا القيام) أي: القيام الذي هو محل القراءة، (والقعود) أي: قعود التشهد، فإنهما كانا أطول، وقد روي حديث البراء من (الصحيحين) (١) بدون هذا الاستثناء بقوله: (رمقت الصلاة خلف رسول اللَّه ﷺ ، وكان قيامه فركوعه فاعتداله فسجدته فجلسته ما بين السجدتين قريبًا من السواء)، ومن المعلوم بالضرورة أن القيام في الصلاة أطول من الركوع والسجود والقومة والجلسة، ووجه ذلك بأن المراد أنه إذا طوّل القيام طول تلك الأركان، وإذا خفَّفه خففها، لا أنها كانت على مقداره. نعم قد كان الركوع والسجود في بعض الأحيان مقدار القيام، كما في صلاة الخسوف والكسوف، وفي صلاة التهجد أيضًا، وقد أوَّل الشارحون ههنا أيضًا بمثل ما أوِّل به حديث البراء، ولكن ظاهر حديث النسائي الآتي في (الفصل الثالث) عن عوف بن مالك: (فلما ركع مكث قدر (٢) سورة البقرة) ربما ينافي هذا التأويل، فالصواب أنه قد كان

стр. 1241

٨٧٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٣]. ــ يفعل في بعض الأحيان الركوع والسجود قريبًا من مقدار القيام، فتدبر، واللَّه أعلم. ٨٧٠ - [٣] (أنس) قوله: (حتى نقول) في أكثر الروايات بالنصب. قوله: (قام) بمعنى كان يقوم، و (حتى) للغاية، والمعنى جيد، وقد يرفع فيكون حتى حرف ابتداء استحضارًا لتلك الحالة، وفي التنزيل ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قرئ بالنصب وبالرفع، فافهم. وقوله: (قد أوهم) في (القاموس) (١) الوَهْم: من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردد فيه، وَوَهِمَ في الحساب كوَجِلَ: غَلِطَ، وفي الشيء كوَعَدَ: ذهب وهمُه إليه، وأوهم كذا من الحساب: أسقط، أو وَهَمَ كوعد ووَرِثَ وأوْهَمَ: بمعنًى. وقال التُّورِبِشْتِي (٢): أوهم، أي: أسقط من صلاته شيئًا، وقد فسره بعضهم بمعنى النسيان، ولم يرد أوهم بمعنى نسي، إلا أن يؤوِّله هذا القائل على النسيان، من حيث إن إسقاط ركعة من الصلاة إنما يكون بعد النسيان، ولو قيل: وهم لصحّ أن يفسر بالنسيان، والرواية تأبى ذلك، يقال: أوهمْتُ (٣) في الحساب أوهَم وهَمًا بتحريك الهاء: إذا غلطت فيه وسهوت، ووهمت في الشيء أهِمُ وهْمًا بسكون الهاء: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، وأوهمت الشيء: إذا تركته كلّه، ويقال: أوهم في الحساب مئة، أي:

стр. 1242

٨٧١ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨١٧، م: ٤٨٤]. ــ أسقط، وأوهم من صلاته ركعة. وفي شرح الشيخ: قد أوهم، أي: ترك الصلاة، أو أوهم بمعنى وقع في وهم الناس، أي: ذهنهم أنه تركها، انتهى. وعلى هذا المعنى لا يخلو قوله: (حتى نقول) عن استدراك، فافهم. والمعنى أنه كان يلبث في حال الاستواء من الركوع زمانًا يظن أنه أسقط الركعة التي ركعها وعاد إلى ما كان عليه من القيام، انتهى. وفيه مبالغة في رعاية الاعتدال والطمأنينة. ٨٧١ - [٤] (عائشة ﵂) قوله: (يتأول القرآن) حال من فاعل (يقول)، أي: يكثر قول ذلك حال كونه مبينًا ما هو المراد من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وأصل الأول الرجوع والانصراف، والمآل ما يرجع إليه الأمر، و (سبحانك) مصدر لفعله المقدر، أي: سبّحتك ونزّهتك كما يليق بنزاهتك، ومعنى قوله: (وبحمدك) بتوفيقك وفضلك الموجب لحمدك سبحتك لا بحولي وقوتي، وفي (القاموس) (١): سَبَحَ بالنهر وفيه، كمنع سَبْحًا وسِبَاحةً بالكسر، والسوابح: الخيل؛ لسَبْحِهَا بيديها في سيرها (٢)، وسبحان اللَّه: تنزيهًا للَّه عن الصاحبة والولد، معرفةٌ، ونُصِبَ على المصدر، أي أبرِّئ اللَّه من السوء براءة، أو معناه: السرعة إليه، والخفة في طاعته، وسبَّحَ تسبيحًا:

стр. 1243

٨٧٢ - [٥] وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ. . . . . . ــ قال سبحان اللَّه. ٨٧٢ - [٥] (عائشة ﵂) قوله: (سبوح قدوس) في (القاموس) (١): هما من صفات اللَّه، ويفتحان، لأنه يسبح ويقدس، والقدس بالضم وبضمتين: الطهر (٢)، اسم ومصدر، السُّبُحَاتُ بالضم: مواضع السجود، وسُبُحَاتُ وجهِ اللَّه: أنواره، والسبحة: خَرَزاتٌ للتسبيح تُعَدُّ، والدعاء، وصلاة التطوع (٣)، والقدوس من أسماء اللَّه تعالى، ويفتح: الطاهر أو المبارك، وكل (فعول) مفتوح غيرَ قُدُّوسٍ وسُبُّوحٍ وذُرُّوحٍ وفُرُّوجٍ بالضم، ويفتحن (٤). وفي (مجمع البحار) (٥): سبوح قدوس (٦) من صيغ المبالغة، ويفتح ويضم، والضم أكثر استعمالًا، والقدوس بمعنى السُّبُّوح، وقيل: بمعنى المبارك.

стр. 1244

رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٧]. ٨٧٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَلَا إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، ــ وقوله: (رب الملائكة والروح) قال البيضاوي (١): الروح ملك موكل على الأرواح، أو جنسها، أو جبرئيل، أو خلق أعظم من الملائكة، يعني لا من جنس الملائكة ولا من جنس البشر، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وقيل: الروح صنف من الملائكة (٣). ٨٧٣ - [٦] (ابن عباس) قوله: (ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا) (٤) اعلم أن اللَّه سبحانه عيَّن كل هيئة من هيئات الصلاة بنوع من أنواع الذكر، وعيّن القيام الذي هو أول الهيئات وأعظمها وأدخلها في الخدمة بقراءة القرآن العظيم الذي هو أعلى وأقدم وأعظم الأذكار وأفضلها، ومن لوازمه أن لا يجوز في كل موضع غير ما عيّن الشارع تعالى من الذكر فيه حرمة أو كراهة، وذلك أمر تعبدي لا يهتدي العقل إلى إدراكه، وقد ذكر بعضهم مما اهتدى إليه إدراكه من أن الركوع والسجود لما كان من هيئات الخضوع وأمارات التذلل من العباد؛ نُهي أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عَظُمَ شأنه وارتفع محله في هيئة موضوعة للخضوع والتذلل، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٥).

стр. 1245

فَأَمَّا الرُّكوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٩]. ــ وقال الطيبي (١) عن الخطابي: كأنه كره أن يجمع بين كلام اللَّه سبحانه وكلام الخلق في موضع واحد، فيكونان على السواء، واللَّه أعلم. ثم اختلفوا في بطلان الصلاة، والمختار أنه لا يبطل. ثم اعلم أنه قد قيل في معنى قوله: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب): أي شاهدوا عظمته وكبرياءه، فإن في كل موطن من مواطن الصلاة وهيئة من هيئاتها تجليًا للحق سبحانه، وللعبد العارف شهودًا مناسبًا له، وفي السجود غاية الفناء والقرب، كما قال ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وهو يقتضي بموجب قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] أن يدعوه سبحانه كما قال. وقوله: (وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) والقمن بفتح القاف والميم وكسرها، والقمين: الخليق والجدير، كذا في (القاموس) (٢)، وقد ورد في الدعاء في السجود قولًا وفعلًا أحاديث كثيرة، لكن ينبغي أن يعلم أن الدعاء على نوعين: أحدهما: دعاء ثناء وتمجيد وتكبير وتقديس، بأن يدعو العبد ربَّه بحمد وثناء، فإن الحمد والثناء للكريم يتضمن السؤال والطلب على وجه التعريض، ومحصل للمطلوب على وجه أتم وأكمل بموجب (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).

стр. 1246

٨٧٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٩٦، م: ٤٠٩]. ٨٧٥ - [٨] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٦]. ــ وثانيهما: دعاء سؤال وطلب؛ بأن يدعوه بطلب حوائجه ومقاصده، وهو المتعارف بين الناس في معنى الدعاء، والدعاء الذي أمر بتكثيره في السجود متناول للنوعين؛ لأن الأذكار والأدعية المأثورة في هذا الباب شاملة للنوعين، ومن ههنا ظهر أن الحنفية إنما يقتصرون في الصلاة على الذكر ويمنعون من الدعاء، حتى لا يجوزون الافتتاح بـ (اللهم اغفر لي) غير فارغين عن الدعاء حقيقة، لكنهم قالوا: ينبغي أن يكون العبد في هذه الحالة مخلصًا في التعظيم، وحقيقة الجامعية أن يأتي بصريح الدعاء في النوافل؛ لكونها مأثورة واردة في الأحاديث الصحيحة، وفي الفرائض يقتصر على التسبيح والتمجيد، واللَّه أعلم. ٨٧٤ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (وعن أبي هريرة) قد مر الكلام فيه. ٨٧٥ - [٨] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (ملء ما شئت من شيء بعد) قيل: أي: بعد السماوات والأرض، وهو العرش والكرسي، والظاهر أنه يعمهما ويعم كل مخلوق سواهما مما بين السماوات والأرض، والمراد بيان عظمة الحمد وكثرته، حتى لو قدر أن تكون تلك الكلمات أجسامًا لملأت الأماكن كلّها.

стр. 1247

٨٧٦ - [٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٧]. ٨٧٧ - [١٠] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَاركًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ " قَالَ: أَنَا، ــ ٨٧٦ - [٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أهل الثناء) بالنصب على المدح أو الاختصاص، والرفع على الخبر، أي: أنت، والنصب هو المشهور. وقوله: (أحق ما قال العبد) مبتدأ، و (اللهم) خبره، و (كلنا لك عبد) معترضة بينهما، وفي بعض الروايات: (حق ما قال العبد)، وعلى هذا قوله: (اللهم. . . إلخ)، بدل عنه، و (كلنا لك عبد) تذييل، ويجوز أن تكون معترضة، فإنهما قد يكونان بين كلامين متصلين أيضًا. والمراد بـ (الجد): الحظ والبخت والرزق والعظمة، وقيل: المراد أبو الأب، أي: النسب لا ينفع عندك، وقد يروى بكسر الجيم أيضًا بمعنى الاجتهاد في الحرص على الدنيا أو في الهرب منك، والكسر ضعيف. ٨٧٧ - [١٠] (رفاعة بن رافع) قوله: (رفاعة) بكسر الراء. قوله: (قال: من المتكلم آنفًا؟ ) الأنف من كل شيء: أوله، والمراد ههنا قريبًا

стр. 1248

قَالَ: "رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبهَا أَوَّلُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٩٩]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٨٧٨ - [١١] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٨٥٥، ت: ٢٦٥، ن: ١١١١، جه: ٨٧٠، دي: ١٣٢٧]. ــ وحالًا، وبالفارسية أكنون، وقد سبق بيان معنى الحديث في حديث أنس في (الفصل الأول) من (باب ما يقرأ بعد التكبير)، وقال ثمة: (رأيت اثني عشر ملكًا) وهنا (بضعة وثلاثين)، وذكرنا وجهه، وزاد ههنا لفظ (أول)، وروي بالضم على البناء، و (أولًا) بالنصب على الحال أو الظرفية. الفصل الثاني ٨٧٨ - [١١] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) هذا عند الشافعي محمول على الحقيقة؛ لكون القومة والجلسة فرض عنده، وعند أبي حنيفة ﵀ محمول على المبالغة ونفي الكمال؛ لكونهما سنة عنده (١).

стр. 1249

٨٧٩ - [١٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ"، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [د: ٨٦٩، جه: ٨٨٧، دي: ١٣٠٥]. ٨٨٠ - [١٣] وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْناهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ". . . . . ــ ٨٧٩ - [١٢] (عقبة بن عامر) قوله: (اجعلوها) أي: هذه الكلمة أو التسبيحة، والمراد ما يطلب بهما، وهو قول: (سبحان ربي العظيم) و (سبحان ربي الأعلى)، وهذا يدلّ على أن الاسم مقحم، أو أن الاسم عين المسمى، بمعنى أنه يجوز إطلاقه عليه حقيقة، تدبر. ٨٨٠ - [١٣] (عون بن عبد اللَّه) قوله: (وعن عون) بالنون، ثقة عابد، قتل سنة وعشرين مئة. وقوله: (فقد تم ركوعه) أي: كمل، وإلا فأصل التمام يحصل بواحد، فالمراد

стр. 1250

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ؛ لأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ. [ت: ٢٦١، د: ٨٨٦، جه: ٨٩٠]. ٨٨١ - [١٤] وَعَنْ حُذَيفَةَ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ (١) يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ"، وَفِي سُجُودِهِ: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى". وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ، وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: "الأَعْلَى". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٩٤، د: ٨٧١، دي: ١٣٠٦، ن: ١٠٠٨، جه: ٨٨٨]. ــ بقوله: (وذلك أدناه) أدنى الكمال، والمراد بأدنى الكمال جمعٌ محصِّل للسنة، وفي (شرح ابن الهمام) (٢): ولو زاد على الثلاثة فهو أفضل، بعد أن يكون وترًا خمسًا أو سبعًا، وقالوا: لا حد لغاية الكمال، وقيل: إلى العشرة، وقيل: إلى أن لا يفضي إلى السهو، وقيل: إلى قريب القيام، كما صح ذلك عن رسول اللَّه ﷺ في بعض الأحيان، وهذا كله في المنفرد، ويلزم للإمام رعاية حال المأمومين. ٨٨١ - [١٤] (حذيفة) قوله: (وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم) غرضه بيان التسبيح دون العدد بأن يكون مرة واحدة. وقوله: (ما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل. . . إلخ) الظاهر أنه كان في الصلاة، وهو محمول عندنا على النوافل.

стр. 1251

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٨٨٢ - [١٥] عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَكَعَ مَكَثَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: "سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٠٤٩]. ٨٨٣ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ: فَحَزَرْنَا رُكُوعَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَسُجُودَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٨٨٨، ن: ١١٣٥]. ٨٨٤ - [١٧] وَعَنْ شَقِيقٍ قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، ــ الفصل الثالث ٨٨٢ - [١٥] (عوف بن مالك) قوله: (فلما ركع مكث) أي: في ركوعه. وقوله: (قدر سورة البقرة) قد مرّ الكلام فيه في الفصل الأول. ٨٨٣ - [١٦] (ابن جبير) قوله: (سمعت أنس بن مالك يقول) هذا صحيح، وأما الرواية عن أبي هريرة فلا تصح؛ لأنه مات قبل ولادة عمر بن عبد العزيز كما سبق. وقوله: (فحزرنا ركوعه عشر تسبيحات) يحتمل أن يكون عمر يسبح عشرًا أو أقلّ منها أو أكثر، ولكنه كان يقولها بحيث يسبح الحاضرون في ذلك الزمان عشرًا، وعلى ذلك يحمل فعل الرسول ﷺ . ٨٨٤ - [١٧] (شقيق) قوله: (لا يتم ركوعه ولا سجوده) ظاهر في الاطمئنان،

стр. 1252

فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ-: وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ . رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٩١]. ٨٨٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: "لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٣١٠]. ٨٨٦ - [١٩] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ " -وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ فِيهِمُ الْحُدُودُ- قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. . . . . ــ ولو جعل شاملًا للاعتدال لكان أحسن، و (ما) في قوله: (ما صليت) نافية، ويحتمل للاستفهام. وقوله: (غير الفطرة) أي: السنة والدِّين، وفي هذا مبالغة وتشديد على ترك ذلك. ٨٨٥ - [١٨] (أبو قتادة) قوله: (أسوأ الناس سرقة. . . إلخ) شبّه فعلَه للصلاة غير تامة الركوع والسجود بأخذ إنسانٍ مالَ غيرِه خفيةً، وهذا يأخذ حقه وينقص ثوابه، وإنما كان أسوأ لأن فيه ضررًا محضًا من غير نفع، وضررًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبقتله حدًّا، أو إطالة حبسه وسجنه وزجره وتعزيره على اختلاف بين الأئمة بخلاف سرقة المال. ٨٨٦ - [١٩] (النعمان بن مرة) قوله: (قبل أن تنزل فيهم الحدود) أي: آياتها، أو (تنزل) بمعنى تشرع.

стр. 1253

قَالَ: "هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ". قَالُوا: وَكيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ يَا رَسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأحْمَدُ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. [ط: ٤٠١، حم: ٣/ ٥٦، دي: ١٣٢٨]. * * * ١٤ - باب السجود وفضله ــ وقوله: (فواحش) أي: كبائر. وقوله: (وأسوأ السرقة) قال في (المشارق) (١): كذا الرواية عند الكافة، بكسر الراء، وخبر المبتدأ مضمر، تقديره: سرقة الذي يسرق صلاته، وعند ابن حمدين وبعضهم: السرقة بفتح الراء جمع سارق، مثل كاتب وكتبة، وعندهم أيضًا الوجه الأول معًا، والذي هنا على هذه الرواية الأخرى خبر (أسوأ). وقوله: (صلاته) ويروى بزيادة (من)، وفي بعضها: (صلواته) بلفظ الجمع. ١٤ - باب السجود وفضله في (القاموس) (٢): سجد: خضع، وانتصب، ضدٌّ، وأسجد: طأطأ، وانحنى، وفي الشرع: عبارة عن وضع الوجه على الأرض على وجه مخصوص، وسيأتي الخلاف في كفاية الجبهة وحدها أو الأنف وحده.

стр. 1254

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٨٨٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، ــ الفصل الأول ٨٨٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (سبعة أعظم) وفي رواية لابن عباس وسعد ﵃ في رواية أبي داود يرفعه: (أمرت أن أسجد)، وربما قال: (أمر نبيكم أن نسجد على سبعة آراب)، والآراب: الأعضاء، جمع أريب. وقوله: (على الجبهة) وفي رواية عباس بن عبد المطلب: (على الوجه). قال الشيخ ابن الهمام (١): إن ثبوت رواية الوجه والآراب لا يقدح في صحة رواية الجبهة؛ لأنها لا تُعارض الوجهَ، بل حاصلها بيان ما هو المراد بالوجه؛ للقطع بأن مجموعه غير مراد؛ لعدم إرادة الخد والذَّقَن، فكانت مُبَيِّنَةً للمراد، وقد روى أبو حنيفة نفسه هذا الحديث بسنده إلى أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (الإنسان يسجد على سبعة أعظم: جبهته، ويديه، وركبتيه، وصدور قدميه)، فيصح بالجبهة وحدها. والمأمور به في كتاب اللَّه السجود، وهو وضع بعض الوجه، أي: مما لا سخرية فيه، وهو يتحقق بالأنف، فتوقيف إجزائه على وضع جزء آخر معه زيادة بخبر الواحد، فبالاقتصار على الجبهة يتأدى الفرض بإجماع الثلاثة من مشايخنا، وهو الظاهر من (الهداية) حيث قال بعد قوله: فإن اقتصر على أحدهما جاز عنده، وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر، ولم يقل على أحدهما أو عليه. هذا مجمل المقام، وتفصيل الكلام فيه: أنه جاء في رواية مسلم وأبي داود

стр. 1255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والترمذي والنسائي عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: (إذا سجد العبد سَجَدَ معه سبعة آراب: وجهه وكفّاه وركبتاه وقدماه)، وبرواية الكتب الستة إلا (الموطأ) عن ابن عباس: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة واليدين) الحديث، كما أورده المؤلف في الكتاب، وفي رواية: أمرنا أن نسجد، وفي رواية: أمرنا النبي ﷺ أن نسجد على سبعة أعضاء، وفي رواية: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين والركبتين وأطراف القدمين، وبرواية أبي داود والنسائي عن أبي سعيد: أن رسول اللَّه ﷺ رأى في جبهته وعلى أرنبته أثر طين، وهو طرف من حديث قد أخرجه البخاري ومسلم و (الموطأ) في ذكر ليلة القدر، ولمسلم: (أن أسجد على سبع: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين). وقد جاء في حديث أبي داود والنسائي والترمذي: أنه كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد وضع جبهته وأنفه، وفي رواية أبي يعلى والطبراني: وضع أنفه على الأرض مع الجبهة، ومر في حديث البخاري عن أبي حميد الساعدي: ثم سجد، ومكّن أنفه وجبهته على الأرض، فعلم أن السجدة كانت بالجبهة والأنف معًا، وأن أحد الأعضاء السبعة هو الوجه، وهذين العضوين جزءان منه. وقال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم، وإن سجد على الجبهة وحدها بدون الأنف، قال قوم من أهل العلم: يكفي، والأكثر على أنه لا يكفي، وقد جاء في بعض الأحاديث الوعيد على الاكتفاء بالجبهة، ومذهب الحنفية السجدة بالجبهة والأنف هو الأفضل، والاقتصار على أحدهما جائز أيضًا؛ فإن كان بالجبهة وحدها جاز عند أبي حنيفة وصاحبيه ﵏ جميعًا- في رواية بلا كراهة، وفي أخرى بكراهة، وإن

стр. 1256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان بالأنف وحده لم يجز عند صاحبيه، وفي رواية عنه أيضًا، وفي الأخرى عنه جاز، ولكن مع كراهة، ودليله أن السجود عبارة عن وضع الوجه، وهو المذكور في المشهور، ولا يمكن وضع جميع الوجه؛ لأن الأنف والجبهة عظمان ناتئان يمنعان عن وضع الكل، وإذا تعذر وضع الكل فالمأمور به وضع البعض، وللوجه أجزاء متعددة: الجبهة والأنف والخدان والذقن ولم يجز وضع الخدين والذقن؛ لتعيين الشارع الجبهة والأنف، وأيضًا في وضع الخدين لا يحصل إلا مع انحراف عن القبلة، وليس في وضع الذقن في العرف تعظيم، فتعين الجبهة والأنف، فإن كان بهما كان أفضل بلا شبهة، وإن كان بالجبهة جاز أيضًا؛ لذكرها في بعض الأحاديث استقلالًا، وإن كان بالأنف وحده، فله صورة جواز؛ لكونه بعض الوجه، ووضعه يتضمن التعظيم، وجواز السجود بالجبهة وحدها مما اتفق عليه الجمهور إلا عند مالك والأوزاعي والثوري، وأما وضع اليدين والركبتين؛ فهو سنة عند الحنفية والشافعية؛ لتحقق السجود بدونها. والمراد بالأمر المعنى الشامل للوجوب والندب، وهو طلب الفعل، والمختار عند الفقيه أبي الليث أنه إذا لم يضع المصلي ركبتيه على الأرض لم يكف، كذا في (شرح ابن الهمام). وأما وضع القدمين فقال القدوري: فرض، كذا في (الهداية) (١)؛ لأن السجود مع رفع القدمين أشبه بالتلاعب دون التعظيم، ويكفي في الجواز وضع أصبع واحدة، وإن رفع إحدى قدميه جاز مع كراهته، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢).

стр. 1257

وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨١٢، م: ٤٩٠]. ٨٨٨ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يبسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٢٢، م: ٤٩٣]. ــ وقوله: (ولا نكفت) (١) روي بالنصب والرفع، من كفت الشيء إليه: ضمَّه وقبضه، وفي رواية لمسلم: (ولا أكفّ) من الكف بلفظ الواحد، وهو أنسب بقوله: (أمرت أن أسجد)، وكفت الشعر: أن يقبضه ويضمه تحت عمامته، وقيل: أن يشده بشيء. ٨٨٨ - [٢] (أنس) قوله: (اعتدلوا في السجود) الظاهر أن المراد منه الاطمئنان. وقوله: (انبساط) مفعول مطلق من غير لفظ الفعل بابًا، على طريقة أنبت اللَّه نباتًا، على رواية: (ولا يبسط) بموحدة ساكنة بعد الياء من البسط، (ولا يبتسط) بمثناة بعد الموحدة من الافتعال، وأما على رواية (ينبسط) -وهي رواية الأكثرين بنون ساكنة قبل الموحدة من باب الانفعال- فمن لفظه، كذا في شرح الشيخ، ولا يخفى أن قوله: (ذراعيه) إنما يوافق رواية (يبسط) ظاهرًا، إلا أن يقدر الفعل، واللَّه أعلم.

стр. 1258

٨٨٩ - [٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩٤]. ٨٩٠ - [٤] وَعَن مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ. هَذَا لَفظُ أَبِي دَاوُدَ كَمَا صَرَّحَ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" بِإِسْنَادِهِ. وَلِمُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ: قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ. [د: ٨٩٨، م: ٤٩٦]. ــ ٨٨٩ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (وارفع مرفقيك) هذا في غير المرأة. ٨٩٠ - [٤] (ميمونة) قوله: (جافى بين يديه) أي: نَحَّى وبَعَّدَ عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه. وقوله: (حتى لو أن بهمة) بفتح الباء وسكون الهاء: ولد الغنم والمعز، أو الضأن بعد السخلة، فأول ما يوضع سخلة، ثم يصير بهمة، ويقال للذكر والأنثى، والتاء فاصلة بين الجنس والواحد كتاء تمرة، ولا يؤثر تأنيثه اللفظي في مسنده، وإنما يؤنث إذا أريد المؤنث، كالنملة والحمامة والشاة يقع على المذكر والمؤنث، فيميز بينهما بعلامة، نحو قوله: حمامة ذكر وحمامة أنثى، أو هو وهي، كما ذكر الطيبي (١). كذا ذكر في كتب النحو على خلاف ما دل عليه إطلاق ابن الحاجب، وتفصيله: أن حكم التأنيث اللفظي على أنواع: فنحو طلحة يؤثر تأنيثه اللفظي في حكم نفسه، وهو منع الصرف، ولا يسري إلى غيره من الفعل والصفة والخبر والحال، فلا يؤنث ما أسند إليه، فلا يقال: قامت طلحة.

стр. 1259

٨٩١ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابن بُحَيْنَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠، م: ٤٩٥]. ــ وتاء نحو نملة ونخلة فارقة بين الجنس وواحدة، لا بين المذكر والمؤنث، حتى جاز نملة ذكر، فعند بعضهم يجوز اعتبار تأنيثه اللفظي وإن أريد الذكر، ولا يعارض تذكيره تأنيثه، كما هو ظاهر كلام ابن الحاجب، حتى قال: كان قول من زعم أن النملة في قوله تعالى ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أنثى لورود تاء التأنيث وهمًا. وعند ابن السكيت كظلمة في معارضة التذكير التأنيث، وعدم سراية التأنيث إلى غيره، فلا يجوز للنملة الذكر جاءت نملة، وإنما تؤنث إذا أريد الأنثى، وعلى هذا القول بناء استدلال إمامنا الأعظم أبي حنيفة ﵀ بقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ على أن النملة أنثى، كما هو المشهور من قصته مع قتادة ﵁ (١)، وقول ابن السكيت: هو الصحيح، والظاهر أن الحاضرين في الحلقة كلهم قرَّروا ذلك، ولم يردّه أحد. ٨٩١ - [٥] (عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة) قوله: (وعن عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة) بتنوين (مالك)، وكتابة (ابن) بالألف؛ لأن (ابن بحينة) ليس صفة لـ (مالك)، بل لـ (عبد اللَّه)، لأن مالكًا اسم أبيه وبحينة اسم أمه، فـ (ابن بحينة) بدل من (ابن مالك)، أو صفة بعد صفة لعبد اللَّه، هذا هو المشهور، وعليه الجمهور من الشارحين، ولكن القاضي عياض شذَّ بقوله: بحينة اسم أم أبيه، واللَّه أعلم. وقوله: (حتى يبدو بياض إبطيه) بكسر الهمزة وسكون الباء، وقد يكسر: باطن

стр. 1260

٨٩٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٣]. ٨٩٣ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتانِ، وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، ــ العضد، ويؤنث، والأرجح التذكير، ثم ظهور بياضه في السجود إما لأنه لم يكن عليه قميص، أو لأن المراد ظهور موضعه. ٨٩٢ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (دقه وجله) بالكسر فيهما، بمعنى الدقيق والجليل، بمعنى قليله وكثيره، كذا في (مجمع البحار) (١)، أو صغيره وكبيره على ما في (مختصر النهاية) (٢): استدق الدنيا: احتقرها. وقوله: (وعلانيته وسره) هكذا في جميع النسخ، وفي (الحاشية): وفي بعض النسخ: (سره) مقدم على (علانيته). ٨٩٣ - [٧] (عائشة ﵂) قوله: (فقدت) فقده: عدمه، وفي (النهاية) (٣): افتقدت، أي: لم أجده، وروى مسلم بكليهما، من فقدته وافتقدته: إذا غاب عنك. وقوله: (وهو في المسجد) قيل: هو بكسر الجيم، وقيل: بفتحها، بمعنى

стр. 1261

وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٦]. ــ المعبد، أي: في الحجرة، أو مصدر ميمي بمعنى السجود، وفي بعض الروايات: (في السجدة)، وفي بعضها: (في السجود)، وفيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، إذ لا فرق عند الشافعية بين اللامس والملموس؛ لاستوائهما في اللذة، كما يستوي الفاعل والمفعول في حكم الجماع، واللمس سهوًا بدون شهوة كاللمس عمدًا، كذا في (شرح الحاوي) في شرح قوله: وتلاقي بشرتي ذكر وأنثى (١). وقال الطيبي (٢): هذا الحديث يدل على أن الملموس لا يفسد وضوءه، واللمس الاتفاقي لا أثر له، إذ لولا ذلك لما استمر على السجود، انتهى. ولعل للشافعية في ذلك قولين، ثم قال: ويمكن أن يقال: إنه كان بين اللامس والملموس حائل. وقوله: (أعوذ بك منك) ترقى من مكاشفة الصفات إلى مشاهدة الذات، فقال: أعوذ بك منك، وفي الحقيقة الاستعاذةُ بصفاته عن آثار صفاته استعاذةٌ به منه. وقوله: (لا أحصي) أي: لا أطيق أن أعد وأحصي، وأصل الإحصاء: العدّ بالحصى، وكان ذلك من عادتهم في عدِّ الأشياء الكثيرة. وقوله: (أنت كما أثنيت على نفسك) مبتدأ وخبر، أي: أنت ثابت وباقٍ على الأوصاف العلية الكاملة التي أثنيت بها على نفسك ببثِّ الآيات والدلائل الدالة على ثبوت تلك الصفات لك، أو أثنيت بها في كلامك القديم، أو (أنت) تأكيد للضمير المتصل في (أثنيت)، أي: لا أطيق ثناء عليك مثل ثناء أثنيت أنت على نفسك.

стр. 1262

٨٩٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٢]. ٨٩٥ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ؛ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَتِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمُرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ؛ فَلِيَ النَّارُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١]. ــ ٨٩٤ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) هو من باب حذف الخبر لسدّ الحال مسدّه، تقديره: أقرب زمان كون العبد حاصل إذا كان ساجدًا، نحو ضربي زيدًا قائمًا، وأخطب ما يكون الأمير وهو قائم، وقد عُرف تحقيقه في كتب النحو فارجع إليها (١). ٨٩٥ - [٩] (عنه) قوله: (إذا قرأ ابن آدم السجدة) أي: آيتها. وقوله: (اعتزل) أي: تنحّى وتباعد. وقوله: (يا ويلتي) في (القاموس) (٢): الويل: حلول الشر، وبهاء: الفضيحة، أو هو تفجيع، يقال: ويله، وويلك، وويلي، وفي الندبة: ويلاه، وويَّل له: [أكثر له من ذكر الويل]، وفي (المشارق) (٣): قيل: الويل: الحزن، وقيل: الويل: المشقة من العذاب، والويلة مثله، ومنه: يا ويلتنا، ويا ويلتي، لغتان، وقال الفراء: الأصل وي، أي: حزن، ووي بفلان، أي: حزن له، فوصلته العرب باللام، وقال الخليل: وي كلمة

стр. 1263

٨٩٦ - [١٠] وَعَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: "سَلْ". . . . . ــ تعجب، وقال الخشني: (ويل أمه) كلمة يتعجب بها العرب، ولا يريدون بها الذم، انتهى. واعلم أن ههنا كلمة أخرى، وهي ويلمه، فقيل: أصله: ويل أمه بالإضافة، حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها، وقيل: وي كلمة مفردة للتفجع والتعجب، ولأمه مفردة، فأعلت الهمزة، والرواية ههنا في الكتاب يَا وَيْلَتَى بالتاء المفتوحة، وقد يروى (يا ويلي) بدون التاء بكسر اللام وفتحها، مثل يا غلامي ويا غلاما، وبسكون الياء وفتحها، وهو حكاية عن قول إبليس بلفظ التكلم، وقد يروى (يا ويله) معدولًا عن حكاية قوله إلى الغيبة نظرًا إلى المعنى؛ كراهة أن يضيفه إلى نفسه، وهو من أدب الكلام أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء صرف الحاكي عن نفسه إلى الغيبة، صونًا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، وناداه أن يحضر لعروض الندم له على ترك فعل، ومعناه احضر فهذا أوانك، وكذا في يا حسرتى ونحوه. ٨٩٦ - [١٠] (ربيعة بن كعب) قوله: (وحاجته) أي: ما يحتاج إليه من لباس وسواك وغيرهما. وقوله: (فقال لي: سل) يؤخذ من هذا الحديث أنه من خَدَمَ كريمًا جوادًا بحيث يرضى عنه، وصل إليه من مواهبه وكراماته، وأيّ كريم وأيّ جواد مثل رسول اللَّه ﷺ ، متصرف في الوجود بإذن خالقه، ويؤخذ من إطلاق قوله ﷺ الأمر بالسؤال أن اللَّه تعالى مكَّنه من إعطاء كل ما أراد من خزائنه تعالى، وأنه يخص من السائلين من شاء

стр. 1264

فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: "أَوَغَيْرَ ذَلِكَ؟ ". قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، ــ بما شاء (١)، فإنه بحر فضل وكرم وكمال لا ساحل له: هو البحر لكن سلسبيلُ وإن ترد ... ترد سلسبيلًا أنه لم يزل برًا وأنه ينبغي للطالب الصادق أن لا يسأل إلا عن النعم الأخروية الباقية، لا عن الحظوظ الدنيوية الفانية، خصوصًا أتم النعم وأفضل الكمالات، وهو مرافقة سيد الكائنات ومحبوب العاشقين، ويجدّ في ذلك ولا يلتفت إلى سواه، ولكن يسلك طريقه، ويعمل ما يستحق به ذلك الشرف الباذخ، ولا يكتفي بالتمني المحض، ويتوسل ويتقرب إليه بأفضل القربات وأتم العبادات، وهو الصلاة الجامعة لكل عبادة قلبية وقالبية، كحقيقته ﷺ الجامعة لجميع المراتب والكمالات. يا سيدي يا رسول اللَّه خذ بيدي ... فالخير عندك مأمول ومبذول يا غوث كل صريخ عزّ ناصره ... غوثًا فلا يكن في ذي الغوث تمهيل يا وصلتي يا شفيعي عطفة فعسى ... يكون بها لما أبغيه تعجيل قل لي وصلت وأوصلت المراد وما ... ترم من كل خير فهو مفعول عسى بيمينك أعطى ما أؤمله ... من خير وأرى أن الخير مسؤول وأعظم ما أسأل ربي مرافقتك ... في جنة الفردوس هذا هو المأمول وقوله: (أوغير ذلك) يروى بسكون الواو وبفتحها، وعلى التقديرين فـ (غير) إما

стр. 1265

قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٩]. ٨٩٧ - [١١] وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً". قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْداءِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٨]. ــ مرفوع، والتقدير على الأول: فمسؤولك هذا أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا وغير ذلك أنسب بحالك؟ وإما منصوب، فالمعنى على الأول: أتسأل ذلك أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا؟ لا تسأله، اسأل غير ذلك. وقوله: (فأعني على نفسك) أي: أقدرني على معاونتك وإصلاح نفسك بكثرة الصلاة التي هي سبب القرب والعروج إلى مقام الزلفى، وهذا قول الطبيب للمريض: أعالجك بما يشفيك، ولكن أعنِّي بالاحتماء وامتثال أمري، وفي قوله: (على نفسك) تنبيه على أن نيل المراتب العلية إنما يكون بمخالفة النفس. ٨٩٧ - [١١] (معدان بن طلحة) قوله: (أعمله) روي بالرفع والجزم، فعلى الأول: صفة لـ (عَمَلٍ) أو استئناف، وعلى الثاني: جواب للأمر، وكذا (يدخلني) فبالرفع استئناف، وبالجزم بدل من (أعمله). وقوله: (فسكت) لعل سكوت ثوبان ﵁ مرتين لامتحان حال القائل في الجد في السؤال والطلب، أو أنه نسي ثم تذكر، فافهم.
следующие страницы →