وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٦].
ــ
المعبد، أي: في الحجرة، أو مصدر ميمي بمعنى السجود، وفي بعض الروايات: (في السجدة)، وفي بعضها: (في السجود)، وفيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، إذ لا فرق عند الشافعية بين اللامس والملموس؛ لاستوائهما في اللذة، كما يستوي الفاعل والمفعول في حكم الجماع، واللمس سهوًا بدون شهوة كاللمس عمدًا، كذا في (شرح الحاوي) في شرح قوله: وتلاقي بشرتي ذكر وأنثى (١).
وقال الطيبي (٢): هذا الحديث يدل على أن الملموس لا يفسد وضوءه، واللمس الاتفاقي لا أثر له، إذ لولا ذلك لما استمر على السجود، انتهى. ولعل للشافعية في ذلك قولين، ثم قال: ويمكن أن يقال: إنه كان بين اللامس والملموس حائل.
وقوله: (أعوذ بك منك) ترقى من مكاشفة الصفات إلى مشاهدة الذات، فقال: أعوذ بك منك، وفي الحقيقة الاستعاذةُ بصفاته عن آثار صفاته استعاذةٌ به منه.
وقوله: (لا أحصي) أي: لا أطيق أن أعد وأحصي، وأصل الإحصاء: العدّ بالحصى، وكان ذلك من عادتهم في عدِّ الأشياء الكثيرة.
وقوله: (أنت كما أثنيت على نفسك) مبتدأ وخبر، أي: أنت ثابت وباقٍ على الأوصاف العلية الكاملة التي أثنيت بها على نفسك ببثِّ الآيات والدلائل الدالة على ثبوت تلك الصفات لك، أو أثنيت بها في كلامك القديم، أو (أنت) تأكيد للضمير المتصل في (أثنيت)، أي: لا أطيق ثناء عليك مثل ثناء أثنيت أنت على نفسك.
стр. 1262
٨٩٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٢].
٨٩٥ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ؛ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَتِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمُرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ؛ فَلِيَ النَّارُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١].
ــ
٨٩٤ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) هو من باب حذف الخبر لسدّ الحال مسدّه، تقديره: أقرب زمان كون العبد حاصل إذا كان ساجدًا، نحو ضربي زيدًا قائمًا، وأخطب ما يكون الأمير وهو قائم، وقد عُرف تحقيقه في كتب النحو فارجع إليها (١).
٨٩٥ - [٩] (عنه) قوله: (إذا قرأ ابن آدم السجدة) أي: آيتها.
وقوله: (اعتزل) أي: تنحّى وتباعد.
وقوله: (يا ويلتي) في (القاموس) (٢): الويل: حلول الشر، وبهاء: الفضيحة، أو هو تفجيع، يقال: ويله، وويلك، وويلي، وفي الندبة: ويلاه، وويَّل له: [أكثر له من ذكر الويل]، وفي (المشارق) (٣): قيل: الويل: الحزن، وقيل: الويل: المشقة من العذاب، والويلة مثله، ومنه: يا ويلتنا، ويا ويلتي، لغتان، وقال الفراء: الأصل وي، أي: حزن، ووي بفلان، أي: حزن له، فوصلته العرب باللام، وقال الخليل: وي كلمة
стр. 1263
٨٩٦ - [١٠] وَعَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: "سَلْ". . . . .
ــ
تعجب، وقال الخشني: (ويل أمه) كلمة يتعجب بها العرب، ولا يريدون بها الذم، انتهى.
واعلم أن ههنا كلمة أخرى، وهي ويلمه، فقيل: أصله: ويل أمه بالإضافة، حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها، وقيل: وي كلمة مفردة للتفجع والتعجب، ولأمه مفردة، فأعلت الهمزة، والرواية ههنا في الكتاب يَا وَيْلَتَى بالتاء المفتوحة، وقد يروى (يا ويلي) بدون التاء بكسر اللام وفتحها، مثل يا غلامي ويا غلاما، وبسكون الياء وفتحها، وهو حكاية عن قول إبليس بلفظ التكلم، وقد يروى (يا ويله) معدولًا عن حكاية قوله إلى الغيبة نظرًا إلى المعنى؛ كراهة أن يضيفه إلى نفسه، وهو من أدب الكلام أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء صرف الحاكي عن نفسه إلى الغيبة، صونًا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، وناداه أن يحضر لعروض الندم له على ترك فعل، ومعناه احضر فهذا أوانك، وكذا في يا حسرتى ونحوه.
٨٩٦ - [١٠] (ربيعة بن كعب) قوله: (وحاجته) أي: ما يحتاج إليه من لباس وسواك وغيرهما.
وقوله: (فقال لي: سل) يؤخذ من هذا الحديث أنه من خَدَمَ كريمًا جوادًا بحيث يرضى عنه، وصل إليه من مواهبه وكراماته، وأيّ كريم وأيّ جواد مثل رسول اللَّه ﷺ ، متصرف في الوجود بإذن خالقه، ويؤخذ من إطلاق قوله ﷺ الأمر بالسؤال أن اللَّه تعالى مكَّنه من إعطاء كل ما أراد من خزائنه تعالى، وأنه يخص من السائلين من شاء
стр. 1264
فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: "أَوَغَيْرَ ذَلِكَ؟ ". قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ،
ــ
بما شاء (١)، فإنه بحر فضل وكرم وكمال لا ساحل له:
هو البحر لكن سلسبيلُ وإن ترد ... ترد سلسبيلًا أنه لم يزل برًا
وأنه ينبغي للطالب الصادق أن لا يسأل إلا عن النعم الأخروية الباقية، لا عن الحظوظ الدنيوية الفانية، خصوصًا أتم النعم وأفضل الكمالات، وهو مرافقة سيد الكائنات ومحبوب العاشقين، ويجدّ في ذلك ولا يلتفت إلى سواه، ولكن يسلك طريقه، ويعمل ما يستحق به ذلك الشرف الباذخ، ولا يكتفي بالتمني المحض، ويتوسل ويتقرب إليه بأفضل القربات وأتم العبادات، وهو الصلاة الجامعة لكل عبادة قلبية وقالبية، كحقيقته ﷺ الجامعة لجميع المراتب والكمالات.
يا سيدي يا رسول اللَّه خذ بيدي ... فالخير عندك مأمول ومبذول
يا غوث كل صريخ عزّ ناصره ... غوثًا فلا يكن في ذي الغوث تمهيل
يا وصلتي يا شفيعي عطفة فعسى ... يكون بها لما أبغيه تعجيل
قل لي وصلت وأوصلت المراد وما ... ترم من كل خير فهو مفعول
عسى بيمينك أعطى ما أؤمله ... من خير وأرى أن الخير مسؤول
وأعظم ما أسأل ربي مرافقتك ... في جنة الفردوس هذا هو المأمول
وقوله: (أوغير ذلك) يروى بسكون الواو وبفتحها، وعلى التقديرين فـ (غير) إما
стр. 1265
قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٩].
٨٩٧ - [١١] وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً". قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْداءِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٨].
ــ
مرفوع، والتقدير على الأول: فمسؤولك هذا أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا وغير ذلك أنسب بحالك؟ وإما منصوب، فالمعنى على الأول: أتسأل ذلك أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا؟ لا تسأله، اسأل غير ذلك.
وقوله: (فأعني على نفسك) أي: أقدرني على معاونتك وإصلاح نفسك بكثرة الصلاة التي هي سبب القرب والعروج إلى مقام الزلفى، وهذا قول الطبيب للمريض: أعالجك بما يشفيك، ولكن أعنِّي بالاحتماء وامتثال أمري، وفي قوله: (على نفسك) تنبيه على أن نيل المراتب العلية إنما يكون بمخالفة النفس.
٨٩٧ - [١١] (معدان بن طلحة) قوله: (أعمله) روي بالرفع والجزم، فعلى الأول: صفة لـ (عَمَلٍ) أو استئناف، وعلى الثاني: جواب للأمر، وكذا (يدخلني) فبالرفع استئناف، وبالجزم بدل من (أعمله).
وقوله: (فسكت) لعل سكوت ثوبان ﵁ مرتين لامتحان حال القائل في الجد في السؤال والطلب، أو أنه نسي ثم تذكر، فافهم.
стр. 1266
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٨٩٨ - [١٢] عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [د: ٨٣٨، ت: ٦٨، جه: ٨٨٢، ن: ١٠٨٩، دي: ١٣٢٠].
٨٩٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٨٤٠، ن: ١٠٩٠، دي: ١٣٢١].
ــ
الفصل الثاني
٨٩٨ - [١٢] (وائل بن حجر) قوله: (إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) فيضع الأعضاء على نسبة قربها من الأرض، فيضع الركبتين أولًا ثم اليدين، قال الشُّمُنِّي: وإن عسر عليه وضع الركبتين أولًا لأجل الخف أو غيره وضع اليدين قبل الركبتين، ثم الجبهة والأنف، ولا ترتيب بينهما؛ لأنهما في عضو واحد، وداخلان في وضع الوجه، وعند البعض يضع الأنف أولًا؛ لأنه أقرب إلى الأرض، وإذا رفع عكس هذا الترتيب.
٨٩٩ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) هذا يخالف الحديث الأول، وإليه ذهب مالك والأوزاعي وأحمد في رواية عنه وطائفة من أئمة الحديث عملًا بهذا الحديث، وأما الأول وهو وضع الركبتين قبل اليدين فعليه جمهور الأئمة وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ﵏ أجمعين- عملًا بحديث وائل بن حجر، قالوا: وهو أثبت من حديث أبي هريرة ﵁، وإذا اختلف الحديثان اختلاف تضاد، فالسبيل
стр. 1267
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ.
ــ
أن يؤخذ بالأقوى منهما، وفي شرح الشيخ نقلًا عن النووي (١) أنه قال: لم يظهر لي ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة، انتهى.
وجاء في (صحيح ابن خزيمة): كان رسول اللَّه ﷺ إذا سجد بدأ بركبتيه، وجاء في رواية سعد بن أبي وقاص ﵁ كما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في (السنن)، وفي بعض الشروح: في رواية أبي سعيد: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، فعلى هذا يكون حديث وائل بن حجر ناسخًا لحديث أبي هريرة كما قال المؤلف.
هذا وقد قيل: إن في حديث أبي هريرة ﵁: (إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) (٢)، تناقضًا في نفسه، فكأنه وهم بعض الرواة، وحرّف (ولا يضع) بقوله: (وليضع)؛ لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك بروك البعير؛ لأن البعير يضع يديه قبل ركبتيه عند البروك، فيوافق حديث وائل بن حجر، على أنه قد جاء عن أبي هريرة ﵁ أيضًا: أن رسول اللَّه ﷺ قال: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه، ولا يبرك بروك الجمل)، ذكره التُّورِبِشْتِي، وصاحب (سفر السعادة) (٣).
وقال بعض الناس: الركبة من الإنسان في الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين، فالإنسان إذا وضع ركبتيه قبل يديه كان كالبعير الذي يبرك على ركبتيه، فيجتمع النهي عن البروك ووضع اليدين قبل الركبتين، فالبروك: هو وضع الركبة، فمن الإنسان بوضع
стр. 1268
٩٠٠ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٨٥٠، ت: ٢٨٤].
٩٠١ - [١٥] وَعَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "رَبِّ اغْفِرْ لي". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [ن: ١١٤٥، دي: ١٣٢٤].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٩٠٢ - [١٦] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: . . . . .
ــ
الرجلين، ومن البعير بوضع اليدين، فافهم.
قال صاحب (سفر السعادة) (١): هذا وهم وغلط ومخالف لقول أئمة اللغة.
وقال في (القاموس) (٢): الركبة بالضم: مَوْصِلُ ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، ولا شك أن الفخذ والساق إنما يكونان في الرجل دون اليد، فليتدبر.
٩٠٠ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (اللهم اغفر لي) بصيغة الإفراد وإن كان إمامًا، والنهي عنه إنما يكون في موضع لم يرد كذلك، كما في الدعاء بعد الصلاة مثلًا.
٩٠١ - [١٥] (حذيفة) قوله: (رب اغفر لي) اقتصار على طلب المغفرة الذي هو أصل المطالب.
الفصل الثالث
٩٠٢ - [١٦] قوله: (عن عبد الرحمن بن شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون
стр. 1269
نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [د: ٨٦٢، ن: ١١١٢، دي: ١٣٢٣].
٩٠٣ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَلِىُّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤].
ــ
الباء الموحدة.
وقوله: (عن نقرة الغراب) بفتح النون وسكون القاف، مبالغة في تخفيف السجود، وعدم رعاية الاعتدال، وفي بعض الأحاديث: (نقر الديك)، وهو أبلغ.
وقوله: (وافتراش السبع) وهو بسط ذراعيه على الأرض، وفي بعض الروايات: (افتراس) بالمهملة، والافتراش بالمعجمة مقدمة له.
وقوله: (وأن يوطِّن الرجل المكان في المسجد) وهو أن يألف محلًّا معلومًا من المسجد مخصوصًا به، ويحجر الناس ويمنعهم منه، وهذا يظهر أثره في المسجد الشريف على مُشرِّفه الصلاة والتحية في تخصيص الأمكنة المتبركة المعهودة لنفسه وحجر الناس عنها.
في (القاموس) (١): الوطن محركة ويسكّن: منزل الإقامة، ومَرْبَطُ البقر والغنم، أوطنه، ووطَّنه، واستوطنه: اتخذه وطنًا، فعلى هذا يجوز أن يقرأ (يوطن) من الإفعال والتفعيل، والرواية هي الأخير.
٩٠٣ - [١٧] (علي) قوله: (لا تُقْعِ) بضم التاء وسكون القاف، من
стр. 1270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإقعاء، وهو: أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ركبتيه، كذا في (الهداية) (١)، وقال: هو الصحيح، وقال ابن الهمام (٢): هذا احتراز عن قول الكرخي: هو أن ينصب قدميه كما في السجود، وينصب أليتيه على عقبيه؛ لأن المذكور في الحديث هو صفة [إقعاء] الكلب، وهي ما ذكرنا، وما قال الكرخي مكروه أيضًا، ولأن الإقعاء بذلك التفسير يكون بين السجدتين، وبهذا التفسير يكون في حال السجود مكروه.
والترمذي (٣) بعد عقد بابًا في كراهية الإقعاء في السجود، وإيراد حديث علي وتضعيف بعض رواته، عقد بابًا آخر في رخصة الإقعاء، وأورد حديثًا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: هو سنة نبيكم ﷺ ، وقال: كان بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ يقولون: لا بأس به، وهذا قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم، وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين.
وقال ابن الهمام (٤): روى البيهقي عن ابن عمر وابن الزبير ﵃ أنهم كانوا يقعون، فالجواب المحقق عنه: أن الإقعاء على ضربين، أحدهما: مستحب، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه وركبتاه على الأرض، وهو المروي عن العبادلة، والمنهي أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، فتدبر.
стр. 1271
٩٠٤ - [١٨] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَليٍّ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ خُشُوعِهَا (١) وسُجُودِهَا". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٤٢].
٩٠٥ - [١٩] وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا، فَإِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٨٩].
* * *
ــ
٩٠٤ - [١٨] (طلق بن علي الحنفي) قوله: (بين خشوعها) أي: ركوعها بقرينة قوله: (وسجودها)، والركوع مقدمة الخشوع، والسجود أحق بهذا الاسم، ولا مشاحة في ذلك.
٩٠٥ - [١٩] (نافع) قوله: (على الذي) أي: المكان (٢) الذي (وضع عليه جبهته)، أي: يضع على الأرض، أو يضع قريبه، فإذا سجد على المكان المرتفع ينبغي أن يضع اليدين أيضًا عليه، ولا يضع أسفل، أو المراد على الوجه الذي وضع الجبهة، أي: متوجهًا إلى القبلة، كذا في الحواشي، ويؤيد المعنى الأخير قوله: (فإن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه)، وهذا يصلح تعليلًا للوضع وللرفع معًا.
стр. 1272
١٥ - باب التشهد
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٩٠٦ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِيْنَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.
ــ
١٥ - باب التشهد
الشهادة: الخبر الصادق الصادر عن مواطأة القلب، والإخبار بحق لأحد على أحد، ويجيء بمعنى العلم القاطع، كقوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ أي: عالمون بأن نبوة محمد ﷺ حق، والتشهد صيرورته شاهدًا، وإظهار ما في قلبه من العلم، وغلب في الشرع على قول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وعلى الذكر المخصوص الذي يقرأ في قعود الصلاة؛ لاشتماله على الشهادتين.
الفصل الأول
٩٠٦، ٩٠٧ - [١، ٢] (ابن عمر) قوله: (إذا قعد في التشهد) قال الطيبي (١): أي: في زمانه، يعني زمان قراءته، ويجوز أن يكون للتعليل، أي: لأجل قراءة التشهد.
وقوله: (وعقد ثلاثة وخمسين) بأن قبض أصابع يده ووضعها على طرف ركبته اليمنى إلا المسبحة بكسر الباء، وهي السبابة، ووضع طرف إبهام اليمنى عند أسفل المسبحة على حرف الراحة، كذا في شرح الشيخ نقلًا عن ابن الصلاح.
وقوله: (وأشار بالسبابة) أي: إلى وحدانية اللَّه، ووقت الإشارة عند البعض وقت
стр. 1273
٩٠٧ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ يَدْعُو (١) بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطَهَا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٨٠].
ــ
التلفظ بكلمة (إلا اللَّه)، وعند بعض عند إتمامها وقت التلفظ بكلمة (اللَّه)، والمشهور أنه يرفع الأصبع عند النفي، ويضعها عند الإثبات.
وفي شرح الشيخ: عن بعض أئمة الشافعية يستمر رفعها إلى آخر الشهادة، وينبغي أن لا يشير إلى جانب الفوق لئلا يوهم بالجهة، وهذا عند الشافعية، وفي رواية عن أحمد وعند الحنفية: عقد تسعين، وصورته أن يقبض الخنصر والبنصر، ويبسط المسبحة، ووضع الإبهام على الوسطى، ويحلق، وهذا جاء في حديث مسلم عن عبد اللَّه بن الزبير، ورواه أحمد وأبو داود عن وائل بن حجر، وهو المختار في مذهب أحمد والشافعي في قوله القديم، وعند مالك: يقبض أصابع يده اليمنى كلها، ويبسط السبابة، وللشافعية في كيفية التحليق وجه آخر، وهو وضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، وعنه رواية ثالثة: أنه يبسط الجميع ليستقبل بهن القبلة كما في حال السجود.
وقوله: (أصبعه اليمنى) ليس (اليمنى) في بعض النسخ، والصواب وجودها كما في النسخ الأخرى، وهو المراد.
وقوله: (يدعو بها) أي: يهلّل مشيرًا بها، سمي الذكر دعاء لأنه يتضمن استجلاب الإنعام، وقد قرّرناه في الفصل الأول من الركوع.
وقوله: (ويده اليسرى) مبتدأ، و (على ركبته) خبر، و (باسطها) حال؛ لكون الإضافة لفظية.
стр. 1274
٩٠٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٩].
ــ
٩٠٨ - [٣] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (إذا قعد يدعو) أي: يقرأ التحيات، سمي دعاء لاشتماله عليه؛ لقوله: (السلام عليك) و (السلام علينا).
وقوله: (ويلقم) بلفظ المضارع من الإفعال، أي: يجعل ركبته في يده اليسرى كاللقمة، من ألقمت الطعام: إذا أدخلته في فيه.
اعلم أن العقد والإشارة قد ورد في الأحاديث الصحيحة، وقد أورد في (جامع الأصول) الأحاديث من الكتب الستة، في بعضها ذكر العقد مع الإشارة، وفي بعضها ذكرت الإشارة فقط، وعليه مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء وكثير من الصحابة والتابعين، وقالوا: الحق أن مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه هكذا، وقد صرح به كثير من المتقدمين، وقد ظهر في المتأخرين منهم خلاف في ذلك، وفي (المحيط) (١): وقيل: رفع سبابة اليمنى في التشهد عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما اللَّه- من السنن، وكذا روي عن أبي يوسف، وقال العلامة نجم الدين الزاهدي ﵀: لما اتفقت الروايات عن أصحابنا جميعًا في كونها سنة، وكذا عن الكوفيين والمدنيين، وكثرت الأخبار والآثار، كان العمل به أولى.
وقال الشُّمُنِّي: ذكر أبو يوسف في (الأمالي) أنه يعقد الخنصر والتي تليها، ويحلق الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة، وذكر محمد أنه ﵇ كان يشير، ونحن نصنع بصنعه،
стр. 1275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال: وهو قول أبي حنيفة ﵀، وفي (الظهيرية): ومتى أخذ في التشهد فانتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، هل يشير بالسبابة من يده اليمنى؟ اختلف المشايخ فيه، ثم كيف يصنع عند الإشارة؟ حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى مع الإبهام، ويشير بسبابته، وفي (منية المفتي): تكره الإشارة، انتهى كلام الشُّمُنِّي.
ولسيدي الشيخ علي المتقي -رحمة اللَّه عليه- رسالة وضعها في هذا الباب، ونقل روايات من كتب الحنفية أكثرها في أنه سنة، وبعضها في الحرمة، وبعضها في الكراهة، وأيد كونها سنة بالأحاديث الصحيحة، وأثبت أن الأولى فعله كما قال في (الكفاية)، [و] قد ترجمناها في (شرح سفر السعادة) (١)، ونحن ننقل كلام محقق الحنفية ومثبت مذهبهم الشيخ ابن الهمام، ونختم به الكلام، قال (٢): لا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد -واللَّه أعلم- وضع الكف، ثم قبض الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المروي عن محمد في كيفية الإشارة، قال: يقبض خنصره والتي تليها، ويحلق الوسطى والإبهام، ويقيم المسبحة، كذا عن أبي يوسف في (الأمالي).
وهذا فرع تصحيح الإشارة، وعن كثير من المشايخ لا يشير أصلًا، وهو خلاف الدراية والرواية، فعن محمد: أن ما ذكرناه في كيفية الإشارة مما نقلناه قول أبي حنيفة، ويكره أن يشير بمسبحتيه، وعن الحلواني: يقيم الأصبع عند (لا إله)، ويضع عند
стр. 1276
٩٠٩ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرَئِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ،
ــ
(إلا اللَّه)؛ ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات، وينبغي أن تكون أطراف الأصابع على حرف الركبة، لا مباعدة عنها.
٩٠٩ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (قلنا: السلام على اللَّه قبل عباده) أي: قلنا هذا اللفظ قبل (السلام على عباده).
وقوله: (السلام على فلان) وعند ابن ماجه: يعنون الملائكة، كذا في شرح الشيخ، ويجوز أن يذكروا بعض الأنبياء والمرسلين، واللَّه أعلم.
وقوله: (فإن اللَّه هو السلام) السلام اسم من أسمائه تعالى، وهو في الأصل مصدر وصف به، فإما أن يراد به السالم من جميع النقائص، أو المسلم من شاء من خلقه من الآفات، فالسلامة منه وله، كما ورد في المأثور من الدعاء: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فلا يجوز الدعاء له بالسلام، وهو موهم باحتياجه وخوفه.
وقوله: (التحيات للَّه) أي: العبادات القولية للَّه ، (والصلوات) العبادات الفعلية بتمامها، (والطيبات) العبادات المالية بأسرها، هكذا فسروا هذه الكلمات الثلاث، وقد جرت عادة الناس بأنهم إذا دخلوا في حضرة الملوك حيوهم بالتحية وإلقاء السلام أولًا، وخدموا وتضرعوا ثانيًا، وأتحفوا بما يليق بهم ثالثًا، حتى يستحقوا اللطف
стр. 1277
السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ،
ــ
والعناية منهم.
وقال الشيخ محيي الدين النووي في (شرح مسلم) (١): التحية بمعنى السلام، والملك، والبقاء، والعظمة، والحياة، وإنما أورده بلفظ الجمع لأنه كان للملوك من العرب والعجم تحية مخصوصة يكرمهم ويعظمهم أصحابهم [بها]. فيقول: التحيات كلها ثابتة لملك الملوك خالق الخلق رب العالمين، لا يستحقها غيره إلا على سبيل المجاز والعارية.
وقال الكرماني في (شرح البخاري) (٢): كان للتحيات التي يحيى بها الرعايا الملوك كلمات مخصوصة، كما كانت العرب تقول: (أنعم اللَّه صباحًا)، و [قول] العجم: (زهي هزار سال) وأمثال ذلك، ولم تكن لتلك الكلمات صلاحية أن تطلق على الرب تعالى وتقدس، فتركوا خصوصيات الألفاظ، واستعملوها بمعنى مطلق التعظيم، وقالوا: التحيات للَّه، أي: جميع أنواع التعظيم ثابت للَّه تعالى لا يستحقها غيره، والصلوات: الفرائض والنوافل له تعالى، وقد تحمل الصلاة على معنى الدعاء، أي: الدعوات كلّها للَّه، وعلى معنى الرحمة، أي: أنواع الرحمة كلها للَّه تعالى في الدنيا والآخرة، وهو الرحمن الرحيم، والطيبات، أي: الكلمات الطيبة والأعمال كلها له .
وقوله: (السلام عليك أيها النبي) روي (سلامٌ) بالتنكير والتعريف، وهو الرواية المشهورة الموجودة في (الصحيحين)، و (اللام) إما للجنس والحقيقة، أو للعهد، والمراد السلام المخصوص المذكور في قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا﴾، أو النازل على الأنبياء
стр. 1278
السَّلَامُ عَلَيْنَا. . . . .
ــ
والرسل، وكذا الكلام في قوله: (السلام علينا)، وما كان من التسليمات والبركات على الأنبياء وأممهم، ثم استقر على محمد ﷺ وأمته المرحومة ﵃ أجمعين-، والسلام بمعنى السلامة، وهما مصدران كالمقام والمقامة، وسيجيء تحقيق قولهم: (السلام عليك) في (باب السلام) من (كتاب الآداب)، إن شاء اللَّه تعالى.
ووجه الخطاب لإبقائه على ما ورد حين التعليم، وأصله في ليلة المعراج خطابًا له ﷺ من ربه تعالى وتقدس بعد تحيته له تعالى، ويجوز أن يكون لكون ذاته الشريفة الكريمة نصب عين المؤمنين، وقرة عين العابدين في جميع الأحوال والأوقات، خصوصًا حالة آخر الصلاة لحصول النورانية في القلب.
وقال بعض العارفين: إن ذلك لسريان الحقيقة المحمدية في ذرائر الموجودات وأفراد الكائنات كلها، فهو ﷺ موجود حاضر في ذوات المصلين، وحاضر عندهم، فينبغي للمؤمن أن لا يغفل عن هذا الشهود عند هذا الخطاب؛ لينال من أنوار القلب، ويفوز بأسرار المعرفة، صلى اللَّه عليك يا رسول اللَّه وسلم.
وذكر السيوطي: أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حي: (السلام عليك أيها النبي)، فلما مات قالوا: (السلام على النبي). قال ابن حجر: ولهذا الحديث شواهد قوية أخرجه أبو عوانة وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم.
و(البركة) محركة: النماء والزيادة والسعادة، يقال: بارك اللَّه لك وفيك وعليك، وبارك على محمد وعلى آل محمد: أدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة، وتبارك اللَّه: تنزه وتقدس، وقيل: ذلك من برك البعير: [إذا] أناخ في موضعه فلزمه، وتطلق البركة [أيضًا] على الزيادة، والأصل هو الأول، كذا في (النهاية) (١).
стр. 1279
وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٣، م: ٤٠٢].
ــ
وقوله: (وعلى عباد اللَّه الصالحين) لما نهاهم عن تخصيص بعض العباد وأشخاص معينة من الملائكة والناس بالذكر، علمهم التعميم، وأشار بقوله: (فإنه إذا قال ذلك. . . إلخ) إلى وجهه، وتخصيص أنفسهم للاهتمام، وتحصيل الاستعداد لإجابة الدعاء للمؤمنين بالسلام، على وزان قولهم: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين.
والصلاح: ضد الفساد، وصلاح العبد: أن تحصل له ملكة أداء حقوق العبودية، وما أمر به الشارع على ما ينبغي، وبهذا المعنى قال بعضهم: العبد الصالح: هو القائم بحقوق اللَّه تعالى وحقوق العباد.
وقال الطيبي (١): الصلاح: هو استقامة الشيء على حاله كما أن الفساد ضده، انتهى.
والصلاح أعلى المناصب وأرفع المقامات، ولهذا وصف به الأنبياء والمرسلون -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين-، والصواب أن يقال: للصلاح مراتب كثيرة، وبعضها فوق بعض، وكذا مراتب السلام تنزل بحسب مراتب الصلاح، فالسلام الذي على الأنبياء والأولياء أعلى وأكمل ممن عداهم، وأعلى مراتب الصلاح ما أشار إليه سيدنا ومولانا قدوة العارفين غوث الثقلين الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني ﵀ في كتابه المسمى بـ (فتوح الغيب) (٢): أن الصلاح حالة زوال الإرادة والفناء
стр. 1280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المطلق، وكون العبد مرادًا قائمًا مع القدر الذي هو فعل الحق ، فلا يسمى صالحًا على الحقيقة إلا من وصل إلى هذا المقام، وهو قوله : ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، فهو العبد الذي كُفَّت يده عن جلب مصالحه ومنافعه، وعن رد مضاره ومفاسده، كالطفل الرضيع مع الظئر، والميت الغسيل مع الغاسل، فتولى يدُ القدر تربيته من غير أن يكون له اختيار وتدبير، انتهى. ولا شك أنه إذا وصل العبد إلى هذه المرتبة، يكون في سلامة من جميع الآفات والمخافات الأنفسية والآفاقية، رزقنا اللَّه.
ثم المذكور في هذه الرواية هو تشهد ابن مسعود ﵁، وقد اختلفت الروايات في التشهد في بعض ألفاظه، وتشهد ابن مسعود ﵁ أصحها، وهو المختار لإمامنا الأعظم ﵀.
وقال الشيخ (١): أصح حديث رُوِي في التشهد حديث ابن مسعود، وهو المختار في مذهب الإمام الأجل أحمد بن حنبل -رحمة اللَّه عليه- لاتفاق السنة عليه لفظًا ومعنى، وهو نادر، وكون أكثر أهل العلم عليه من الأصحاب والتابعين، ولورود الأمر به وبتعليمه، ففي (مسند أحمد) (٢) ﵀: أنه أمر ابن مسعود أن يعلمه الناس، وقد وقع في لفظ عن ابن مسعود ﵁ قال: علمني رسول اللَّه ﷺ التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن، وفي رواية: أخذ رسول اللَّه ﷺ بيدي وعلمني التشهد، وفي هذا زيادة تأكيد في التعظيم.
واختار الإمام الشافعي ﵀ تشهد ابن عباس ﵄ الآتي، وهو من أفراد مسلم، ورواه غير البخاري من أصحاب الكتب الستة.
стр. 1281
٩١٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَاركَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ أَجِدْ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَلَا فِي "الْجَمْعِ بَين الصَّحِيحَيْنِ": "سَلَامٌ عَلَيْكَ" و"سَلَامٌ عَلَيْنَا" بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ صَاحِبُ "الْجَامِعِ" عَنِ التِّرْمِذِيِّ. [م: ٤٠٣].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٩١١ - [٦] عَن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ،
ــ
واختار الإمام مالك ﵀ تشهد عمر ﵁ الذي ذكره الطيبي (١): التحيات للَّه، الزاكيات للَّه، الطيبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبي إلى آخره، كذا في (رسالة ابن أبي زيد) في مذهبه، والاختلاف في الفضل لا في الجواز.
٩١٠ - [٥] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (ولا في الجمع بين الصحيحين) لم يقل: بينهما؛ لأنه علم للكتاب.
وقوله: (بغير ألف ولام) وفي حديث ابن مسعود معهما في الأصح، وجاء بغيرهما كما عرفت.
الفصل الثاني
٩١١ - [٦] (وائل بن حجر) قوله: (ثم جلس) عطف على ما ترك من
стр. 1282
فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنتيْنِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٩٥٧، دي: ١٣٩٧].
ــ
صدر الحديث.
وقوله: (وحدَّ مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى) ذكروا في حلّ هذه العبارة وجوهًا، قيل: إن (حدَّ) فعل ماض، عطف على (وضع)، وفاعله ضمير النبي ﷺ ، و (مرفقه) مفعول، أي: رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، فمعنى (حدّ مرفقه): جعله حديدًا، كأنه رأس وتد، وقيل: أصل الحد: المنع، والفصل بين الشيئين، والمعنى: منع مرفقه أن يلتصق بالفخذ وفصل بينهما، وقيل: (حدّ) بلفظ المصدر مضاف إلى (مرفقه)، فإما مرفوع على الابتداء، و (على فخذه) خبر، والجملة حال، أو منصوب عطف على (يده)، أي: وضع طرف مرفقه اليمنى على فخذه كما وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وهذا أوفق بحديث صححه البيهقي في ذلك، وهو أنه ﷺ جعل مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وكأنه قرأ بعضهم (وحَّد) فعلًا ماضيًا من التوحيد، حتى فسَّره بقوله: أي منفردًا عن فخذه، أي: رفعه عنه، قالوا: وليست عاطفة، فالجملة حال بتقدير، وقد روي (مدَّ) بالميم، فتدبر.
وقوله: (وقبض ثنتين) أي: أصبعين من أصابع يمناه، هما الخنصر والبنصر، (وحلق حلقة) أي: بين الوسطى والإبهام، (ثم رفع أصبعه) أي: السبابة، والإبهام للعلم بالتعيين فيما بينهم.
وقوله: (فرأيته يحركها) المراد بتحريكها: رفعها لا تكرير تحريكها، كذا في شرح الشيخ، وقيل: في تخصيص المسبحة بذلك لأن لها اتصالًا بنياط القلب، فكأنها سبب لحضوره، ويصلح وجهًا لذلك أنها تسمى مُسبِّحة، وسبَّاحة، وأصبع الشهادة،
стр. 1283
٩١٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَاد أَبُو دَاوُدَ: وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَه. [د: ٩٩٠، ن: ١٢٧].
٩١٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحِّدْ أَحِّدْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِير". [ت: ٣٥٥٧، ن: ١٢٧٢، "الدعوات الكبير": ٣١٦].
٩١٤ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ١٤٧، د: ٩٩٢].
ــ
فيناسب به، وكأن السبب في هذه التسمية هو ما ذكره القائل.
٩١٢ - [٧] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (إذا دعا) أي: تشهد.
وقوله: (ولا يحركها) المراد به تكرير التحريك، فلا ينافي الحديث السابق، وهذا حجة على مالك ﵀ في قوله بتكرير التحريك.
وقوله: (إشارته) (١) أي: أصبعه التي يرفعها ويشير بها، وقد جعله بعضهم كناية عن عدم النظر إلى السماء؛ لئلا يوهم بالجهة.
٩١٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحد أحد) أصله (وحد) قلبت الواو همزة كما في (أحد).
٩١٤ - [٩] (ابن عمر) قوله: (وهو معتمد على يده) قيل: معناه أن يضع يديه
стр. 1284
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ.
٩١٥ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٦٦، د: ٩٩٥، ن: ١١٧٦].
ــ
في التشهد على الأرض ويتكئ عليها، وقيل: هو أن يجلس الرجل في الصلاة ويرسل اليدين إلى الأرض من فخذه، كذا في بعض الشروح، وأنت خبير بأنه لم يظهر في القول الثاني معنى الاعتماد والاتكاء، ولو أريد كان راجعًا إلى القول الأول، وأيضًا قد فسَّرته الرواية الأخرى، وهو أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة، وهذه الرواية توافق مذهب الحنفية، وأما الشافعية القائلة بجلسة الاستراحة فالسنة عندهم أن يعتمد بيديه، ويقولون: إن هذه الرواية ضعيفة، واللَّه أعلم.
٩١٥ - [١٠] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (في الركعتين الأوليين) أي: عقيبها إذا جلس للتشهد الأول في الثلاثية والرباعية.
وقوله: (كأنه على الرضف) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة، وقد تفتح: الحجارة المحماة بالنار، وفي (القاموس) (١): التي يُوغَر بها اللَّبَن، وهذا كناية عن سرعة النهوض وخفة الجلوس في التشهد الأول، هذا هو المشهور في معنى هذا الحديث.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): المراد بالركعتين الأوليين الأولى والثالثة من كل صلاة رباعية، أي: لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين، فأرجعه إلى معنى النهوض قائمًا من غير جلسة الاستراحة والاعتماد على الأرض، ولا يخلو عن
стр. 1285
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٩١٦ - [١١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ من الْقُرْآن: "بِسْم اللَّهِ وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١١٧٥].
٩١٧ - [١٢] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، وَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ". يَعْنِي السَّبَّابَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ١١٩].
ــ
تعسف؛ لأن محيي السنة أورد الحديث في باب التشهد؛ ولأن ظاهر عبارة الحديث يدل على الجلوس والاستقرار، فافهم، واللَّه أعلم.
الفصل الثالث
٩١٦ - [١١] (جابر) قوله: (بسم اللَّه وباللَّه) أي: بتوفيقه وإعانته، أو بصفاته، والباء للاستعانة، قال النووي في (الأذكار) (١): قال البخاري والنسائي: زيادة التسمية غير صحيحة عن النبي ﷺ .
٩١٧ - [١٢] (نافع) قوله: (لهي) أي: هذه الإشارة (أشد على الشيطان من الحديد) أي: من السيف والسهم، لما فيها من التوحيد والثبات على الإيمان، فيقطع
стр. 1286
٩١٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩١].
* * *
١٦ - باب الصلاة على النبي ﷺ وفضلها
ــ
طمع الشيطان من وقوعه في الإشراك والكفر.
٩١٨ - [١٣] (ابن مسعود) قوله: (من السنة إخفاء التشهد) قد تقرر في علم أصول الحديث أن قول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم الرفع؛ لأن الظاهر من إطلاق السنة سنة رسول اللَّه ﷺ ، وإن كانوا يقولون: سنة العمرين.
١٦ - باب الصلاة على النبي ﷺ وفضلها
الصلاة: الدعاء، والرحمة، والاستغفار، وحسن الثناء من اللَّه على رسوله ﷺ ، وهو من العباد: طلب إفاضة الرحمة الشاملة لخير الدنيا والآخرة من اللَّه تعالى عليه ﷺ ، وقد أمر اللَّه المؤمنين به، وقد أجمعوا على أنه للوجوب، فهي واجبة في الجملة، فقيل: تجب كلما جرى ذكره، وقيل: الواجب الذي به يسقط المأثم بترك الفرض هو الإتيان بها مرة كالشهادة بنبوته ﷺ ، وما عدا ذلك فهو مندوب، يرغب فيه، ومن سنن الإسلام وشعار أهله.
وقال القاضي أبو بكر: افترض اللَّه تعالى على المؤمنين أن يصلوا على نبيه ويسلموا تسليمًا، ولم يجعل لذلك وقتًا معلومًا، فالواجب أن يُكثر المرء منها، ولا يغفل عنها، وشذّ الشافعي -رحمة اللَّه عليه- في ذلك، وخالف الإجماع، فقال: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير قبل السلام واجبة، ومن لم يصلّ فصلاته فاسدة، وإن صلَّى
стр. 1287
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه قبل ذلك لم يجزه، ويعيد الصلاة بتركها.
وقال إسحاق: الإعادة واجبة مع تعمد تركها دون النسيان، ولا سلف للشافعي في هذا يقتدى به، ولا سنة يَتَّبِعُها، وقد بالغ جماعة في الإنكار عليه في هذه المسألة؛ لمخالفته الإجماع والأخبار، وما ورد في الحديث: (لا صلاة لمن لم يصل علي) فهو ضعيف عند أهل الحديث بأسرهم، وإن صح فالمراد نفي الكمال، هذا حاصل كلام القاضي عياض في (الشفا) (١).
ونقل الشُّمُنِّي عن النووي أنه قال: قد نقل بعض أصحابنا فرضية الصلاة في التشهد عن عمر بن الخطاب ﵁ وابنه، ونقله الشيخ أبو حامد عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، ورواه البيهقي وغيره عن الشعبي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فارتفع الشذوذ، وقال في إثبات سنة يتَّبعها: بل له سنة، وهي ما رواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما (٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري: أنهم قالوا: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: (قولوا: اللهم صل على محمد)، الحديث، انتهى.
وأقول: لعل مراد القاضي نفي السنة الدالة على فرضيتها بدلالة السياق، لا مطلق السنة، إذ هو ثابت اتفاقًا بالأحاديث والآثار المرضية فيها، وهو عند الإمام أبي حنيفة ﵀ واجب في الجملة، سنة بعد التشهد الأخير.
وفضائل الصلاة على النبي ﷺ كثيرة لا تحصى، وهي أفضل القربات، وأفضل العبادات بعد الفرائض، وقد رجَّحـ[ـها] بعضهم على الذكر من حيث التوسل، وإن كان ذكر
стр. 1288
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّه أكبر، وفيها من الذكر وزيادة عليه، وقد ذكرنا بعض فضائلها وأحكامها في رسالة منفردة منتخبة (١) من كتابنا (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) في تاريخ المدينة الطيبة.
ثم اختلفوا هل يجوز الصلاة على غيره ﷺ أو على غير الأنبياء بالاستقلال؟ والمختار عند الجمهور: أن الصلاة والسلام مخصوص بالأنبياء، ولا يشارك فيهما سواهم، وإنما يذكر بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونقل الطيبي (٢) أنه خلاف الأولى، وقيل: حرام، أو مكروه كراهة تحريم، أو تنزيه، والصحيح هو الثاني، وهذا فيما تعارف من معنى الصلاة على وجه التعظيم والتحية، وأما بمعنى الترحم والدعاء فقد ورد به الكتاب والسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقد تعارف في المتقدمين التسليم على أهل بيت الرسول مخصوصًا، ويوجد (٣) ذلك في كتبهم القديمة عن مشايخ أهل السنة والجماعة.
وقال ﷺ : (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وهذا الذي أمر به النبي ﷺ بعد أخذ الصدقة بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، وقد ورد فيه: (اللهم صل على آل أبي أوفى، واللهم صل على عمرو بن العاص)، وكان يأتي بالصدقة على التطوع (٤) والرغبة، فاستحسن ذلك منه، واللَّه أعلم.
стр. 1289
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٩١٩ - [١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللَّه قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ،
ــ
الفصل الأول
٩١٩ - [١] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (كعب بن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم.
قوله: (هدية) أي: كلمة.
وقوله: (أهل البيت) منصوب على الاختصاص، وقد يجر بدلًا عن الضمير في (عليكم)، وفيه نظر، والمطلوب السؤال عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، وذكروا أهل البيت استطرادًا وتبعًا، وهو في الحقيقة كناية عن ذاته الشريفة، وقد يطلق (آل فلان) ويراد هو نفسه، كما قالوا في (آل داود) ونحوه بقرينة قوله: (فإن اللَّه قد علمنا كيف نسلم عليك) أي: علمنا في التشهد على لسانك، فإن التعليم عن رسول اللَّه ﷺ تعليم عن اللَّه، فإنه لا ينطق إلا عنه.
وقوله: (وعلى آل محمد): (آل) أصله: أهل، بدليل تصغيره على أهيل، وقيل: (أَأْلٌ) فقلبت الهمزة ألفًا، إذ سمع تصغيره أؤيل بهمزتين، وقيل: أصله: أول، ونقل عن الكسائي: أويل بالواو، وقد يوفق [بين] كل من هذه الأقوال مع التصغيرات الثلاث بقلب كل من الهاء والهمزة والواو، وبالأخريين ذكره بعض الأفاضل في (حاشية
стр. 1290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الضيائية)، وآل الرجل: أهله وعياله، وآله أيضًا: أتباعه، كذا في (الصحاح) (١)، وفسروه بأهل البيت، وأهل البيت جاء بمعنى من حرم عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم، فيشمل آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل ﵃. وقيل: بنو المطلب أيضًا، وجاء بمعنى أولاده وأزواجه.
قال الإمام الرازي (٢): الأولى أن يقال: هم أولاده، وأزواجه ﷺ ، والحسن والحسين ﵄ منهم، وعلي ﵁ أيضًا منهم؛ لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بنت النبي ﷺ وملازمته ﷺ . وقد يخصص بهؤلاء، أعني فاطمة وعليًّا والحسن والحسين ﵃، يدل عليه قصة المباهلة وحديث الكساء، وقد قالوا: إنهم هم المرادون بخطاب ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].
والحق أن أزواجه ﷺ أيضًا داخلات في هذا الخطاب؛ لأن سياق كتاب اللَّه ينادي على دخولهن، وتذكير الخطاب للفظ الأهل أو على التغليب، ولا بد من القول بالتغليب عند التخصيص أيضًا كما لا يخفى، انتهى، واللَّه أعلم.
ووجه التوفيق بين هذه الأقوال: أن البيت بيت السكنى، وبيت النسب، وبيت الولادة، فبنو هاشم أهل بيت النسب، كما يقال لأولاد الجد القريب: بيت فلان، والأزواج أهل بيت السكنى، وأولاده ﷺ أهل بيت الولادة، وقد أشبعنا الكلام على ذلك مع ذكر الأحاديث الواردة في الباب في خاتمة رسالة لنا في ذكر المبشرين بالجنة من الأصحاب مسماة بـ (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، وهذا المقدار الذي ذكرنا بعضًا منه مذكور في (حاشية الضيائية).
стр. 1291
كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ،
ــ
والآل أيضًا يجيء بمعنى الأتباع، وبهذا المعنى ورد إلى كل مؤمن، ومال إليه مالك، واختاره الأزهري وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجَّحه النووي في (شرح مسلم) (١)، وقيده القاضي حسين بالأتقياء (٢)، والظاهر أن المراد في الحديث المعنى الأعم، واللَّه أعلم.
وقوله: (كما صليت) فيه إشكال مشهور من جهة أن التشبيه يقتضي كمال المشبه به وقوته في وجه التشبيه، وليست الصلاة على إبراهيم ﵇ أكمل من الصلاة على محمد ﷺ ، وأجيب بأجوبة، أظهرها: أن التشبيه في أصل الصلاة لا للقدر بالقدر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وأقواها: أنه يكفي ظهور المشبه به وشهرته في ذلك، والصلاة على إبراهيم أظهر وأشهر، ويقال: وجه التشبيه كون الصلاة [عليه] أكملَ الصلاة ممن قبله، وقد علمنا (٣) في هذا الباب رسالةً مسماة بـ (الأجوبة الاثني عشر عن الإشكال الوارد في حديث الصلاة على سيد البشر) (٤)، فلينظر ثمة.
стр. 1292
إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْراهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧٠، م: ٤٠٦]. إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ: (عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
٩٢٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرَّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. . . . .
ــ
وقوله: (إنك حميد) أي: حامد لأحبائك بإجزال المثوبات، أو لذاته بصفات الكمال وبث الآيات، أو محمود بنسبة الخلق، أو بكلامه القديم.
وقوله: (مجيد) أي: عظيم شريف كريم.
وقوله: (إلا أن مسلمًا لم يذكر: على آل إبراهيم في الموضعين) وليس مذكورًا في رواية من البخاري أيضًا.
٩٢٠ - [٢] (أبو حميد الساعدي) قوله: (وذريته) بضم المعجمة، وحكي الكسر، وقيل: مثلثة، وقد يخص بالنساء والأطفال، وهي من: (ذرأ) بالهمزة: أي خلق، إلا أن الهمزة سهّلت لكثرة الاستعمال، وقيل: هي من الذر، فليس مهموز الأصل، كذا في بعض الشروح، ويظهر منه أن الذرية بتشديد الراء إن كان من الذرّ، وبتخفيفه وتشديد الياء نحو برية وخطية، بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء في الياء، وقد سبق في (باب الإيمان بالقدر).
وقوله: (كما صليت على إبراهيم)، وكذا قوله: (كما باركت على إبراهيم) في
стр. 1293
إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيدٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٦٠، م: ٤٠٧].
ــ=
نسخة صحيحة بزيادة (آل)، والذي في رواية أحمد (١): ذكر إبراهيم في الصلاة، وآل إبراهيم في البركة، وبينهما مناسبة كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
اعلم أن هذه الصلاة قد رويت بألفاظ مختلفة وزيادات من الكتب الستة وغيرها، وقد يزاد: وارحم محمدًا كما رحمت على إبراهيم، وربما يقولون: وترحمت، وتعقب بأنه لم تصح روايته، وأيضًا لا يقال: رَحِمْتَ عليه بل رحمته، وبأن الترحم فيه معنى التكلف والتصنع فلا يحسن إطلاقه على اللَّه سبحانه، قال الأسنوي: أي لا يقال ذلك على اللغة الفصحى، وإلا فقد نقله الطبري عن الصفاني، كذا في شرح الشيخ.
ومع قطع النظر اختلفوا في إطلاق مطلق الرحمة عليه ﷺ ، ونقل عن (التبيين) (٢): أنه كره بعضهم أن يقال: اللهم ارحم محمدًا؛ لأنه يوهم التقصير، إذ الرحمة تكون بإتيان ما يلام عليه، مثل قوله ﷺ : (رحم اللَّه لوطًا يأوي إلى ركن شديد، ورحم اللَّه هاجر لو تركتها لكان عينًا معينًا)، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنه ﷺ كان من أشوق العباد إلى مزيد رحمة اللَّه تعالى، ولا يستغني أحد عن رحمة اللَّه، وقد ورد في الكتاب نسبة الرحمة إليه ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله ﷺ : (إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته)، وأمثال ذلك كثير، والمنع من ذلك مكابرة، وأما إيهامه التقصير كما في الحديثين اللذين ذكرهما القائل، فذلك إطلاق آخر نادر لا ينحصر استعمالها فيه.
стр. 1294
٩٢١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٠٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٩٢٢ - [٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٢٩٧].
ــ
٩٢١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (من صلى علي واحدة صلى اللَّه عليه عشرًا) قد يستشكل بأنه كيف يجوز أن يكون الصلاة على النبي ﷺ واحدة، وعلى المصلي عشرًا؟ وأجيب بأن (واحدة) صفة لفعلة المصلي، والحسنة بعشر أمثالها، ولا يفهم منه أن الصلاة على النبي ﷺ من اللَّه تعالى تكون واحدة، بل المصلي دعا اللَّه تعالى أن يصلي على نبيه ﷺ ، ولعله تعالى يصلي ما شاء من العدد، ولو سلّم فيجوز أن تكون الواحدة أفضل وأكمل من ألف، فافهم، كالدرة الواحدة بالنسبة إلى مئة ألف درهم، ثم العشر من الصلوات يكون أقل ما يُجْزَى به؛ لكون الحسنة بعشر أمثالها، واللَّه يضاعف لمن يشاء.
ثم الظاهر أن تكون صلاة اللَّه تعالى على العبد المصلي بالخصوصيات من الكيفيات والكميات التي صلى بها، وفضل اللَّه واسع، وإن كان أحط درجة، كما يليق بحال العبد، وكفى بهذا فضلًا وشرفًا وبشارةً.
الفصل الثاني
٩٢٢ - [٤] (أنس) قوله: (ورفعت له عشر درجات) في الدنيا بتوفيق الطاعات، وفي القيامة بتثقيل الحسنات، وفي الجنة بزيادة البركات والكرامات.
стр. 1295
٩٢٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٨٤].
٩٢٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٢٨٢، دي: ٢٨١٦].
٩٢٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". [د: ٢٠٤١، "الدعوات الكبير": ١٧٨].
ــ
٩٢٣ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (أولى الناس بي) (١) أي: أقربهم وأحراهم باللحوق بي، والفوز بشفاعتي، وذلك لأنه يورث المحبة، وهي تورث المعية والاتحاد.
٩٢٤ - [٦] (وعنه) قوله: (إن للَّه ملائكة) التنكير للتكثير، و (يبلغوني) بالتخفيف والتشديد، كما هو حكم المضارع الذي فيه نون الإعراب مع نون الوقاية، وقد جاء في بعض الروايات: (يسمونه ويسمون أباه)، ويقولون: فلان بن فلان أهدى هذه الصلوات، وكفى بهذا سعادة، وفي هذا المعنى قال من قال، ولنعم ما قال:
لَكَ الْبَشَارَةُ فَاخْلَعْ مَا عَلَيْكَ فَقَدْ ... ذُكِرْتَ ثَمَّه عَلَى مَا فِيكَ مِنْ عِوَجِ
٩٢٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إلا ردّ اللَّه علي روحي) قد اختلفوا في أن هذا الردَّ مخصوص بزائري القبر الشريف يدخلون في حضرته ويسلمون كالداخل في
стр. 1296
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المجلس، أو عام لكل من يُسلِّم كما في التشهد وغيره، والظاهر العموم، وهو القول الصحيح، إلا أن يكون ههنا فرق، بأن يسمع هو ﷺ السلام من الزائرين بنفسه الكريمة، وممن عداهم بواسطة الملائكة، كما يأتي في حديث أبي هريرة في (الفصل الثالث)، واللَّه أعلم.
ثم يستشكل هذا الحديث بأحاديث حياته ﷺ ، فإنه يدل على مفارقة الروح لبدنه الشريف في بعض الأوقات، وأجابوا عنه بوجوه:
أحسنها: أنه ليس المراد بعود الروح عودها بعد المفارقة عن البدن، وإنما المراد أنه ﷺ في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت، مستغرق في مشاهدة رب العزة ، كما كان في الدنيا في حالة الوحي، وفي الأحوال الأخر، فعُبِّر عن إفاقته من تلك المشاهدة، وذلك الاستغراق بردِّ الروح، ونظيره ما قال بعض العلماء في قوله: (فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام): والإسراء لم يكن منامًا، وإنما المراد الإفاقة مما خامره من عجائب الملكوت.
والجواب الآخر ما قال السيوطي واستحسنه، وقال: لا يدركه إلا ذو باع في العربية، وهو أن قوله: (رد اللَّه) جملة حالية، وقاعدة العربية إذا وقعت الحال فعلًا ماضيًا قدرت فيها (قد)، وقد روى البيهقي بلفظ (قد) مذكورة بقوله: (إلا وقد رد اللَّه روحي)، فالجملة ماضية سابقة على السلام، و (حتى) ليست للتعليل، بل لمجرد العطف كالواو، فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلا قد ردَّ اللَّه علي روحي قبل ذلك وأردُّ عليه، انتهى.
قد تقرر في العربية أن (قد) هذه هي المقربة للماضي من زمان الحال، ولذا دخلت على الماضي الواقع حالًا ليقربه من زمان العامل، إذ الظاهر من صيغة الماضي
стр. 1297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هو المضي بالنسبة إلى زمان العامل، فأدخلت ليقربه منه ويقارنه، فالرد حصل أولًا بعد موته ﷺ ، وهي مستقرة إلى الآن، فافهم.
وقد يقال: إن المراد بالروح ههنا النطق مجازًا، فكأنه قال: إلا ردَّ اللَّه علي نطقي، وهو حي على الدوام، لكن لا يلزم من حياته نطقه، فاللَّه تعالى يرد عليه النطق عند سلام كل مسلّم.
وقال السيوطي: عندي فيه وقفة، فإن منعه ﷺ عن النطق في بعض الأوقات، ورده عليه عند سلام المسلم بعيد جدًا، بل ممنوع؛ فإن النقل والعقل يشهدان بخلافه، أما النقل فإن الأخبار الواردة عن حاله ﷺ وأحوال الأنبياء ﵈ في البرزخ مصرحة حقًّا بأنهم ينطقون متى شاؤوا، بل سائر المؤمنين من الشهداء وغيرهم، ولم يرو أن أحدًا يمنع من النطق في البرزخ إلا من مات من غير وصية، فإنه لا يؤذن له في الكلام مع الموتى كما جاء في الحديث.
وأما العقل فلأن في الحبس عن النطق في بعض الأوقات نوع حصر وتعذيب، ولهذا عذب به تارك الوصية، والنبي ﷺ منزه عن ذلك، انتهى.
ويمكن أن يقال: إن عدم النطق يمكن أن يكون لمثل ما ذكر من مشاهدة الملكوت والاستغراق في مشاهدة الرب، فلا ينطق إلا عند سلام الأمة أو غير ذلك مما في حكمه، وليس في الحديث أنه يمنع عن النطق ويحصر دائمًا إلا عند السلام، فلا بُعد.
نعم في إرادة النطق من الروح مجازًا بعد، ولو صح لصح أيضًا، كما قيل: إن المراد بالروح السمع، ويراد السمع الغير المعتاد الخارق للعادة، بحيث يسمع السلام وإن كان المسلم في قطر بعيد، وقد كان مثل هذا السمع له ﷺ في الدنيا أيضًا، بحيث كان يسمع أطيط السماء، ذكر هذه الأجوبة السيوطي في آخر رسالته المسماة بـ (إنباء الأذكياء
стр. 1298
٩٢٦ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١).
ــ
بحياة الأنبياء) (٢)، ومثلها معها حتى بلغ خمسة عشر جوابًا، وقد فتح عليه في هذا الباب عجائب من العلوم والإدراكات، كما نقل عن الجاحظ أنه قال: إذا نكح الفكر الحفظ وَلَّد العجائب، رحمة اللَّه عليه رحمة واسعة، واللَّه أعلم، وعلمه أحكم.
٩٢٦ - [٨] (وعنه) قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا) أي: لا تكونوا في بيوتكم كالموتى في القبور لا يصلون ولا يعبدون، وقيل: لا تدفنوا الموتى في البيوت، وقد سبق الكلام فيه في آخر (الفصل الأول) من (باب المساجد ومواضع الصلاة).
وقوله: (ولا تجعلوا قبري عيدًا) أي: لا تجعلوا زيارة قبري، أو لا تجعلوا قبري مظهر عيد في الاجتماع للهو واللعب والسرور والزينة؛ لئلا يورث ذلك الغفلة والقسوة، وقد كانت اليهود والنصارى يسلكون هذا المسلك، ولما تضمَّن هذا النهيَ عن الاجتماع، وإن كان المقصودُ النهيَ عنه على وجه اللهو واللعب، فكان محل أن يقولوا: نجتمع ونحضر لنصلي عليك، وكيف نصبر عن ذلك لاحا (٣) في ذلك إلى الحضور؛ قال تسليةً لهم: (صلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
والمقصود الحثّ على التوجه والحضور بالقلب لا بالأبدان؛ لإفضائه إلى ارتكاب ما لا ينبغي، وعدم رعاية أدب الحضرة، ومن هذا لا يلزم عدم قصد الزيارة والاستسعاد
стр. 1299
٩٢٧ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٥].
ــ
بها على الوجه المرضي.
هذا وقد يجعل العيد اسمًا من الاعتياد، ويقال: عاده، واعتاده: تعوده، أي: صار عادة له، فالنهي عن تكثير الزيارة بطريق العادة الموجب لارتفاع العظمة والحشمة، وهذا المعنى أنسب وألصق بقوله: (فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، وقد جاء في الآثار: أن رجلًا كان يكثر زيارته ﷺ ولحضر قبره، فرآه أحد من أهل بيت النبوة، وقال: لا تسيء الأدب، وكن بمكانك، فإنه يبلغه سلامك، ولو كنت في أقصى المشرق أو المغرب، أو كما قال.
٩٢٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (رغم أنف) أي: لصق بالرغام، وهو التراب، كناية عن الذل والهلاك، وقد عرف تفصيل معناه في مواضع.
وقوله: (فلم يصل علي) قد تفيد هذه (الفاء)، وكذا (ثم) و (الفاء) في قوله: (ثم انسلخ) و (فلم يدخلاه) استبعادَ وقوع هذه الأفعال، وذلك للتعقيب والتراخي اللذين في مفهوم (الفاء)، و (ثم) باعتبارهما في الرتبة، ولا بد أن يكون ذلك في (ثم) أكثر، أي: كيف يليق أن تفوت أمثال هذه الفضائل من العاقل مع قدرته وتيسره منه، وإدخال (ثم) في مضي الرمضان للدلالة على كمال غفلته وتهاونه مع امتداد الوقت ووجود زيادة الفرصة، وأما وجود الأبوين بعد الكبر فقصير نظرًا إلى ظاهر الحال، فافهم.
وقول: (فلم يدخلاه الجنة) إشارة إلى سببيتهما لدخول الجنة، وفيه تأكيد ومبالغة
стр. 1300
٩٢٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: "إِنَّهُ جَاءَنِي جِبْرَئِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ! أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمُّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٢٨٣، دي: ٢٨١٥].
٩٢٩ - [١١] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "مَا شِئْتَ" قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". . . . .
ــ
في برهما والإحسان إليهما.
٩٢٨ - [١٠] (أبو طلحة) قوله: (والبشر في وجهه) البشر بالكسر: الطلاقة، وإيراد كلمة (في) للدلالة على تمكنه فيه تمكنًا تامًّا حتى جعل وجهه ظرفًا له.
٩٢٩ - [١١] (أبي بن كعب) قوله: (إني أكثر الصلاة عليك) أي: أريد أن أكثر، كذا في بعض الشروح، أو المراد إني أصلي كثيرًا، وأريد أن تجعل لي في ذلك حدًّا، استجلابًا لرغبته، وشوقه وحثًّا على المزيد.
وقوله: (من صلاتي) أي: من دعائي، يريد أن لي زمانًا من صلاتي، أي: من دعائي أدعو فيه لنفسي، فأصرف من زمنه للصلاة عليك ما تأمرني به، ففوض ﷺ إلى مشيئته إشارة إلى أنه ليس لذلك حد معين، بل كلما زدتَ فهو خير لك حتى تستوعب الوقت كلَّه، وقال شيخنا ﵀ حين وداعي إلى المدينة الطيبة: اعلموا أنه ليس