← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المجلس، أو عام لكل من يُسلِّم كما في التشهد وغيره، والظاهر العموم، وهو القول الصحيح، إلا أن يكون ههنا فرق، بأن يسمع هو ﷺ السلام من الزائرين بنفسه الكريمة، وممن عداهم بواسطة الملائكة، كما يأتي في حديث أبي هريرة في (الفصل الثالث)، واللَّه أعلم. ثم يستشكل هذا الحديث بأحاديث حياته ﷺ ، فإنه يدل على مفارقة الروح لبدنه الشريف في بعض الأوقات، وأجابوا عنه بوجوه: أحسنها: أنه ليس المراد بعود الروح عودها بعد المفارقة عن البدن، وإنما المراد أنه ﷺ في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت، مستغرق في مشاهدة رب العزة ، كما كان في الدنيا في حالة الوحي، وفي الأحوال الأخر، فعُبِّر عن إفاقته من تلك المشاهدة، وذلك الاستغراق بردِّ الروح، ونظيره ما قال بعض العلماء في قوله: (فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام): والإسراء لم يكن منامًا، وإنما المراد الإفاقة مما خامره من عجائب الملكوت. والجواب الآخر ما قال السيوطي واستحسنه، وقال: لا يدركه إلا ذو باع في العربية، وهو أن قوله: (رد اللَّه) جملة حالية، وقاعدة العربية إذا وقعت الحال فعلًا ماضيًا قدرت فيها (قد)، وقد روى البيهقي بلفظ (قد) مذكورة بقوله: (إلا وقد رد اللَّه روحي)، فالجملة ماضية سابقة على السلام، و (حتى) ليست للتعليل، بل لمجرد العطف كالواو، فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلا قد ردَّ اللَّه علي روحي قبل ذلك وأردُّ عليه، انتهى. قد تقرر في العربية أن (قد) هذه هي المقربة للماضي من زمان الحال، ولذا دخلت على الماضي الواقع حالًا ليقربه من زمان العامل، إذ الظاهر من صيغة الماضي

стр. 1297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو المضي بالنسبة إلى زمان العامل، فأدخلت ليقربه منه ويقارنه، فالرد حصل أولًا بعد موته ﷺ ، وهي مستقرة إلى الآن، فافهم. وقد يقال: إن المراد بالروح ههنا النطق مجازًا، فكأنه قال: إلا ردَّ اللَّه علي نطقي، وهو حي على الدوام، لكن لا يلزم من حياته نطقه، فاللَّه تعالى يرد عليه النطق عند سلام كل مسلّم. وقال السيوطي: عندي فيه وقفة، فإن منعه ﷺ عن النطق في بعض الأوقات، ورده عليه عند سلام المسلم بعيد جدًا، بل ممنوع؛ فإن النقل والعقل يشهدان بخلافه، أما النقل فإن الأخبار الواردة عن حاله ﷺ وأحوال الأنبياء ﵈ في البرزخ مصرحة حقًّا بأنهم ينطقون متى شاؤوا، بل سائر المؤمنين من الشهداء وغيرهم، ولم يرو أن أحدًا يمنع من النطق في البرزخ إلا من مات من غير وصية، فإنه لا يؤذن له في الكلام مع الموتى كما جاء في الحديث. وأما العقل فلأن في الحبس عن النطق في بعض الأوقات نوع حصر وتعذيب، ولهذا عذب به تارك الوصية، والنبي ﷺ منزه عن ذلك، انتهى. ويمكن أن يقال: إن عدم النطق يمكن أن يكون لمثل ما ذكر من مشاهدة الملكوت والاستغراق في مشاهدة الرب، فلا ينطق إلا عند سلام الأمة أو غير ذلك مما في حكمه، وليس في الحديث أنه يمنع عن النطق ويحصر دائمًا إلا عند السلام، فلا بُعد. نعم في إرادة النطق من الروح مجازًا بعد، ولو صح لصح أيضًا، كما قيل: إن المراد بالروح السمع، ويراد السمع الغير المعتاد الخارق للعادة، بحيث يسمع السلام وإن كان المسلم في قطر بعيد، وقد كان مثل هذا السمع له ﷺ في الدنيا أيضًا، بحيث كان يسمع أطيط السماء، ذكر هذه الأجوبة السيوطي في آخر رسالته المسماة بـ (إنباء الأذكياء

стр. 1298

٩٢٦ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١). ــ بحياة الأنبياء) (٢)، ومثلها معها حتى بلغ خمسة عشر جوابًا، وقد فتح عليه في هذا الباب عجائب من العلوم والإدراكات، كما نقل عن الجاحظ أنه قال: إذا نكح الفكر الحفظ وَلَّد العجائب، رحمة اللَّه عليه رحمة واسعة، واللَّه أعلم، وعلمه أحكم. ٩٢٦ - [٨] (وعنه) قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا) أي: لا تكونوا في بيوتكم كالموتى في القبور لا يصلون ولا يعبدون، وقيل: لا تدفنوا الموتى في البيوت، وقد سبق الكلام فيه في آخر (الفصل الأول) من (باب المساجد ومواضع الصلاة). وقوله: (ولا تجعلوا قبري عيدًا) أي: لا تجعلوا زيارة قبري، أو لا تجعلوا قبري مظهر عيد في الاجتماع للهو واللعب والسرور والزينة؛ لئلا يورث ذلك الغفلة والقسوة، وقد كانت اليهود والنصارى يسلكون هذا المسلك، ولما تضمَّن هذا النهيَ عن الاجتماع، وإن كان المقصودُ النهيَ عنه على وجه اللهو واللعب، فكان محل أن يقولوا: نجتمع ونحضر لنصلي عليك، وكيف نصبر عن ذلك لاحا (٣) في ذلك إلى الحضور؛ قال تسليةً لهم: (صلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم). والمقصود الحثّ على التوجه والحضور بالقلب لا بالأبدان؛ لإفضائه إلى ارتكاب ما لا ينبغي، وعدم رعاية أدب الحضرة، ومن هذا لا يلزم عدم قصد الزيارة والاستسعاد

стр. 1299

٩٢٧ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجنَّةَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٥]. ــ بها على الوجه المرضي. هذا وقد يجعل العيد اسمًا من الاعتياد، ويقال: عاده، واعتاده: تعوده، أي: صار عادة له، فالنهي عن تكثير الزيارة بطريق العادة الموجب لارتفاع العظمة والحشمة، وهذا المعنى أنسب وألصق بقوله: (فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، وقد جاء في الآثار: أن رجلًا كان يكثر زيارته ﷺ ولحضر قبره، فرآه أحد من أهل بيت النبوة، وقال: لا تسيء الأدب، وكن بمكانك، فإنه يبلغه سلامك، ولو كنت في أقصى المشرق أو المغرب، أو كما قال. ٩٢٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (رغم أنف) أي: لصق بالرغام، وهو التراب، كناية عن الذل والهلاك، وقد عرف تفصيل معناه في مواضع. وقوله: (فلم يصل علي) قد تفيد هذه (الفاء)، وكذا (ثم) و (الفاء) في قوله: (ثم انسلخ) و (فلم يدخلاه) استبعادَ وقوع هذه الأفعال، وذلك للتعقيب والتراخي اللذين في مفهوم (الفاء)، و (ثم) باعتبارهما في الرتبة، ولا بد أن يكون ذلك في (ثم) أكثر، أي: كيف يليق أن تفوت أمثال هذه الفضائل من العاقل مع قدرته وتيسره منه، وإدخال (ثم) في مضي الرمضان للدلالة على كمال غفلته وتهاونه مع امتداد الوقت ووجود زيادة الفرصة، وأما وجود الأبوين بعد الكبر فقصير نظرًا إلى ظاهر الحال، فافهم. وقول: (فلم يدخلاه الجنة) إشارة إلى سببيتهما لدخول الجنة، وفيه تأكيد ومبالغة

стр. 1300

٩٢٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: "إِنَّهُ جَاءَنِي جِبْرَئِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ! أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمُّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٢٨٣، دي: ٢٨١٥]. ٩٢٩ - [١١] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "مَا شِئْتَ" قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ". . . . . ــ في برهما والإحسان إليهما. ٩٢٨ - [١٠] (أبو طلحة) قوله: (والبشر في وجهه) البشر بالكسر: الطلاقة، وإيراد كلمة (في) للدلالة على تمكنه فيه تمكنًا تامًّا حتى جعل وجهه ظرفًا له. ٩٢٩ - [١١] (أبي بن كعب) قوله: (إني أكثر الصلاة عليك) أي: أريد أن أكثر، كذا في بعض الشروح، أو المراد إني أصلي كثيرًا، وأريد أن تجعل لي في ذلك حدًّا، استجلابًا لرغبته، وشوقه وحثًّا على المزيد. وقوله: (من صلاتي) أي: من دعائي، يريد أن لي زمانًا من صلاتي، أي: من دعائي أدعو فيه لنفسي، فأصرف من زمنه للصلاة عليك ما تأمرني به، ففوض ﷺ إلى مشيئته إشارة إلى أنه ليس لذلك حد معين، بل كلما زدتَ فهو خير لك حتى تستوعب الوقت كلَّه، وقال شيخنا ﵀ حين وداعي إلى المدينة الطيبة: اعلموا أنه ليس

стр. 1301

قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: "إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ، وَيُكَفَّرُ لَكَ ذَنْبُكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥٧]. ٩٣٠ - [١٢] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، ــ في هذا الطريق عبادة بعد أداء الفرائض أفضل من الصلاة على النبي ﷺ ، فكان تارة يقول: صلوا حتى تصيروا رطب اللسان بذلك، وأخرى: صلوا حتى تنصبغوا بصبغه وتستغرقوا فيه. وقوله: (إذًا يكفى همك) بصيغة المجهول بالياء التحتانية ورفع (همك)، أو الفوقانية ونصب (همك) بأنه مفعول ثان لى (يكفي) أي: إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة علي؛ كفيت ما يهمك من أمور دنياك وآخرتك، على قياس (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فمن كان للَّه ورسوله كان اللَّه ورسوله له، جعلنا اللَّه منهم. قال بعضهم: لما صرف العبد سؤاله وطلبه ورغبته في محاب اللَّه ورسوله، وآثره على محاب نفسه، لا جرم استحق جزاءً كاملًا، وفضلًا مخصوصًا، ويغنيه عن التشبث بأسباب ذلك، وهذه نكتة غريبة في قضاء حوائج العبد وكفاية مهماته لاشتغاله بالصلاة على النبي ﷺ ، فافهم. ٩٣٠ - [١٢] (فضالة بن عبيد) قوله: (عن فضالة) بفتح الفاء. وقوله: (إذ دخل) أي: في المسجد (رجل فصلى، فقال) أي: في الصلاة أو بعدها.

стр. 1302

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي! إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ، فَاحْمَدِ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادْعُهُ"، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّهَا الْمُصَلِّي! ادْعُ تُجَبْ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [ت: ٣٤٧٦، د: ١٤٨١، ن: ١٢٨٤]. ٩٣١ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (١)، ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سَلْ تُعْطَهُ، سُلْ تُعْطَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٩٣]. ــ وقوله: (عجلت) أي: بترك الوسيلة، وهو بكسر الجيم المخففة، ويجوز الفتح والتشديد، كذا في بعض الشروح. وقوله: (فقعدت) يعني: التشهد، كذا في (الأزهار)، وقال الطيبي (٢): ويحتمل أن يكون عطف على مقدر، أي: صليت وفرغت وقعدت للدعاء. ٩٣١ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حاضر) كذا في نسخة صحيحة، ولم يوجد في نسخة الشارح، فقدره خبرًا (٣). وقوله: (سل تعطه) بصيغة المجهول، والضمير للمسؤول الدال عليه (سل)، والهاء للسكت.

стр. 1303

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٩٣٢ - [١٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وَأَزْوَاجِهِ أُمُّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَحيدٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٩٨٢]. ٩٣٣ - [١٥] وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْبَخِيلُ (١) الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٤٦، حم: ١/ ٢٠١]. ــ الفصل الثالث ٩٣٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (أن يكتال) بفتح الياء وضمها، أي: الأجر والثواب، وتخصيصه بالماء من حوضه كما قيل، لا دليل عليه. وقوله: (إذا صلى علينا) جملة شرطية وقعت جزاء للشرط الأول، ودل الحديث على أن الأزواج من أهل بيته ﷺ ، وهو ظاهر لا حاجة إلى إثباته. وقوله: (أهل بيته) إن عطف على (ذريته) فهو تعميم بعد تخصيص، وإن عطف على مجموع الأزواج والذرية، فهو في حكم العطف التفسيري، إلا أن يحمل (أهل البيت) على المعنى الأعم، وهو من يحرم عليهم الصدقة. ٩٣٣ - [١٥] (علي ﵁) قوله: (البخيل الذي من ذكرت) الموصول الثاني

стр. 1304

٩٣٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نائِيًا أُبْلِغْتُهُ" (١). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شعب الإيمَان". [شعب: ١٤٨١]. ٩٣٥ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ١٨٧]. ــ مزيد للتأكيد، وقد جاء في قراءة شاذة: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مَنْ قَبْلِكُمْ) بفتح ميم (من)، واللام في (البخيل) للجنس محمول على الكمال، فإنه يبخل في أداء حق مَنْ نعمه واصلة إليه في الدنيا والآخرة، بحيث لا يعد ولا يحصى، وهو في الحقيقة يبخل عن نفسه، ويمنعها من اكتيال الثواب الأوفى بعمل يسير، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه؛ لأن إرادة الصلاة للنبي ﷺ إرادة رحمة وخير للمؤمنين كلهم، إذ هو واسطة وميزاب ماء الرحمة الواصل إلى الكل كما قيل، وهذا دعاء شامل للبرية، فكان تركه الصلاة بُخْلًا ليس فوقه بخل، فافهم، وباللَّه التوفيق. ٩٣٤ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (من صلى عليّ عند قبري) الحديث يؤيد ما ذكرنا في حديث أبي هريرة ﵁: (ما من مسلم يسلم علي) من الفرق بين صلاة الزائرين وغيرهم. ٩٣٥ - [١٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (سبعين صلاة) (٢) من باب مضاعفة الثواب، كما أشرنا في قوله ﷺ : (عشرًا)، فيجوز من فضل اللَّه تعالى أن يضاعف أكثر

стр. 1305

٩٣٦ - [١٨] وَعَنْ رُوَيْفِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٠٨]. ٩٣٧ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا، فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَوَفَّاهُ، قَالَ: فَجِئْتُ أَنْظُرُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "مَا لَكَ؟ " فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ: فَقَالَ: "إِنَّ جِبْرَئِيلَ ﵇ قَالَ لي: أَلا أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ. . . . . . ــ من ذلك إلى سبع مئة، كما ورد في مضاعفة أجر الحسنات، وزِيْدَ ههنا صلاة الملائكة، وهم تابعون لأمر اللَّه وفعله، فإذا صلى اللَّه عليه صلى كُلُّ شَيْءٍ. ٩٣٦ - [١٨] (رويفع) قوله: (اللهم أنزله المقعد المقرب) قيل: هو المقام المحمود، وقيل: هو مقعده من الجنة، ومنزلته التي لا منزلة فوقها. ٩٣٧ - [١٩] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (حتى دخل نخلًا فسجد) وفي رواية: (فتوجه نحو صدقته) أي: النخيل الذي جعله صدقة (فدخل فاستقبل القبلة فخرَّ ساجدًا)، وجاء في حديث آخر: (أنه كان في جبل سلع)، ولعله كان في واقعة أخرى، واللَّه أعلم. وقوله: (حتى خشيت أن يكون اللَّه تعالى قد توفّاه) وزاد في رواية: (فبكيت فرفع رأسه). وقوله: (فذكرت ذلك) أي: الذي خشيته. وقوله: (ألا أبشرك أن اللَّه) بالفتح والكسر.

стр. 1306

صَلَاةً صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٩١]. ٩٣٨ - [٢٠] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نبَيِّكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٨٦]. * * * ١٧ - باب الدعاء في التشهد ــ ٩٣٨ - [٢٠] (عمر بن الخطاب ﵁) قوله: (لا يصعد منها) بصيغة المعلوم والمجهول، و (منها) أي: من الدعوات، وفي بعض النسخ: (منه) أي: من الدعاء، والظاهر أن هذا موقوف على عمر ﵁، ويحتمل أن يكون مرفوعًا. ١٧ - باب الدعاء في التشهد كأنه أريد بالتشهد ههنا جميع ما يقرأ في القعدة الأخيرة، فيصح استعمال كلمة (في)، أو المراد بعد التشهد كما يأتي في الحديث: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر"، ثم المذكور في الفقه أن يدعو بما يعجبه بعد أن لا يكون مما يشبه كلام الناس ويمكن سؤاله منهم، وقد سبق في (باب التشهد) من حديث ابن مسعود: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه"، وقد وردت الأدعية المخصوصة من النبي ﷺ ، ويمكن أن يكون المراد الأعجب من هذه الأدعية المأثورة، وبالجملة التوسل والتمسك والتلبس بها أولى وأفضل وأكمل، لأنها أجمع وأتم وأهم.

стр. 1307

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٩٣٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ: لا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، ــ الفصل الأول ٩٣٩ - [١] (عائشة ﵂) قوله: (من فتنة المسيح الدجال) الفتنة: الامتحان والابتلاء، قد سبق تحقيق معناه في أوائل الكتاب، و (المسيح) بالحاء المهملة، أي: الممسوح إحدى عينيه، أو الماسح للأرض (١)، وهو يطلق على الدجال -عليه اللعنة- وعلى عيسى ابن مريم ﵇، ولكن إذا أريد به الدجال قُيّدَ به، ويجيء تحقيق اسمه ومعناه في موضعه من أحوال القيامة، والمراد بـ (فتنة المحيا) ما يوجب الزيغ والانحراف عن سبيل الهدى والرضا، وبـ (فتنة الممات) ما يشمل وسوسة الشيطان في حالة النزع، وما وقع من سؤال منكر ونكير في القبر، أو الأول داخل في فتنة المحيا، والثاني يختص بفتنة الممات، والمراد بـ (المأثم) إما الأمر الذي يأثم به الإنسان فهو موضعه

стр. 1308

وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَمِنَ الْمَغْرَمِ"، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيْذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٣٢، م: ٥٨٩]. ٩٤٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٨٨]. ــ ومكانه، أو الإثم نفسه، مصدر ميمي وُضِعَ موضع الاسم، وكذلك (المغرم)، وغَرِمَ كسمع: استدان، والغريم: المديون، ويطلق على الدائن أيضًا، والغرامة ما يلزم أداؤه، وكذا الغرم بالضم والمغرم، والمراد الدين الذي استدين لمعصية أو لطاعة مع العجز عن أدائه، أما الدين الذي استدين في الطاعة مع القدرة على الوفاء؛ فلا بأس به، ولا يستعاذ منها، وفي شرح الشيخ: ولا مانع من الإطلاق؛ لأنه يمكن أن يموت ولا يوفى عنه. وقوله: (إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) قيل: إذا حدث عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التقصير كذب، وإذا وعد، أي: لما يستقبل أخلف، انتهى. والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التخصيص بل المراد الإطلاق، أي: يحدث عن حاله ومعاملته ويظهر فقره وفاقته؛ ليحمل الناس على إدانته ويخدعهم. ٩٤٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من شر المسيح الدجال) تخصيص بعد تعميم على عكس ما وقع في الحديث الأول.

стр. 1309

٩٤١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٠]. ٩٤٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِيْ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُوْرُ الرَّحِيمُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٣٤، م: ٢٠٧٥]. ــ ٩٤١ - [٣] (ابن عباس ﵄) قوله: (كما يعلمهم السورة من القرآن) تنبيهًا على غاية الاهتمام، وتوصية للمحافظة على ذلك، ولذلك كان يأمر به بقوله: (قولوا)، وذهب بعض السلف إلى وجوبه حتى أمر بإعادة الصلاة إذا تعمد في الترك (١). ٩٤٢ - [٤] (أبو بكر الصديق ﵁) قوله: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) قال النووي في (الأذكار) (٢): هكذا ضبطنا "ظلمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: (كبيرًا) بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، وقال: ينبغي أن يجمع بينهما فيقول: (ظلمًا كثيرًا كبيرًا) (٣).

стр. 1310

٩٤٣ - [٥] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٨٢]. ٩٤٤ - [٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٤٥]. ــ ٩٤٣ - [٥] (عامر بن سعد) قوله: (عامر بن سعد) أي: ابن أبي وقاص، وهكذا المتعارف إذا ذُكِر أحد من الصحابة، بل ومن غيرهم أيضًا مطلقًا، فهو محمول على المشاهير منهم؛ كعبد اللَّه يراد به ابن مسعود، وكالحسن يراد به البصري، وأمثال ذلك. وقوله: (بياض خده) في بعض النسخ: (خدَّيه). ٩٤٤ - [٦] (سمرة بن جندب) قوله: (أقبل علينا بوجهه) أي: في حال التسليم بأحد شقّ وجهه، أو بعد التسليم كما يأتي في حديث البراء: فإنه ﷺ كان ينصرف عن يمينه أو يساره في الأغلب، وكان قد يستقبلهم مستدبرًا للقبلة أيضًا في بعض الأحيان، فقد روى البخاري ومسلم (١): أنه ﷺ كان إذا فرغ من صلاة الفجر استقبل بوجهه أصحابه، وقال: هل رأى أحدكم رؤيا؟ كان يطلب رؤيا فيها بشرى بفتح مكة، وقد

стр. 1311

٩٤٥ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٠٨]. ٩٤٦ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ ــ أخرج البخاري (١) عن سمرة أنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، وقد جاء في حديث آخر (٢) عن زيد بن خالد الجهني: فلما انصرف أقبل على الناس، وفيه قصة مطرنا بنوء كذا، وعن أنس (٣): فلما صلى أقبل علينا بوجهه فقال: إن الناس قد صلوا، وفيه قصة تأخير صلاة العشاء، والحاصل أنه إذا أراد أن يخاطبهم بشيء استقبل، وإذا أراد أن يذهب إلى حجرته انصرف إلى يساره، وكان قد ينصرف إلى يمينه، واللَّه أعلم. ٩٤٥ - [٧] (أنس) قوله: (ينصرف عن يمينه) إن كان المراد مائلًا عن جانب يمينه مستقبلًا إلى اليسار كما هو ظاهر اللفظ فهو الأكثر؛ لأنه كان ينصرف ويذهب إلى حجرته الشريفة، وإن كان المراد آخذًا جانب يمينه -أي: ينصرف عن الصلاة جانب يمينه- فهو الأقل ولكن قد كان، ولهذا قال ابن مسعود: (لا يجعل أحدكم للشيطان)، الحديث. ٩٤٦ - [٨] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (يرى) بفتح الياء وضمها. وقوله: (أن حقا) بتشديد (أن) وقد يروى بتخفيفها، وفي الحديث أن لا تُتَّخذ

стр. 1312

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٢، م: ٧٠٧]. ٩٤٧ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُوْلِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ -أَو: تَجْمَعُ- عِبَادَكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٠٩]. ٩٤٨ - [١٠] وَعَن أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ــ السنة واجبًا؛ لأن اللَّه يُحِبُّ أن تؤتى رُخَصُه كما يُحِبُّ أن تؤتى عزائمه، خصوصًا إذا سن كلا الطرفين، وإذا لاحظ ترخيص اللَّه سبحانه وتوسيعه وشكر هذه النعمة أخذت الرخصة حكم العزيمة، ونقل الطيبي (١) عن علي ﵁ أنه قال: إذا كانت حاجته عن يمينه أخذ من يمينه، وإذا كانت عن يساره أخذ من يساره. ٩٤٧ - [٩] (البراء) قوله: (يقبل علينا بوجهه) أي: أول ما يسلِّم التسليمة الأولى، وذلك لفضل جهة اليمين، والتشرفِ لسبق إقباله عليهم بوجهه الكريم، والاستسعاد بخطابه العظيم، خصوصًا وقت صدوره من جناب الحق وانصرافه عن الصلاة التي هي قرة عينه، واقتباس الأنوار واستمداد أسرار من مواجهته ﷺ مع حصول السبق والتقدم في ذلك، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وبهذا يظهر وجه فضيلة القيام عن يمين الإمام، فافهم. ٩٤٨ - [١٠] (أم سلمة) قوله: (ما شاء اللَّه) فتارة إذا سلم لم يقعد إلا مقدار:

стр. 1313

فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٨٦٦]. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي "باب الضِّحْكِ" إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٩٤٩ - [١١] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ" فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: ــ (اللهم أنت السلام) إلى آخره، وتارة يقعد يسيرًا ويدعوه ويقرأ القرآن ويُبَلِّغُ الأحكام، وأخرى يجلس في مصلَّاه إلى طلوع الشمس على اختلاف الأحوال ومقتضياتها، فتدبر. الفصل الثاني ٩٤٩ - [١١] (معاذ بن جبل) قوله: (أخذ بيدي) في الحاشية نقلًا عن (الأزهار): الباء صلة، ويجوز أن يكون للتبعيض. وقوله: (وأنا أحبك) يعني: هذا القول عناية منك وأين أنا من ذلك، واللائق أن أكون أنا محبًّا لك، وذلك منصبي وشأني، فافهم. وقوله: (أن تقول في دبر كل صلاة) حملوه على الدعاء في آخر التشهد، ويحتمل أن يكون المراد بعد السلام، وقد ذكره صاحب (سفر السعادة) (١) في الأدعية

стр. 1314

رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ معَاذٌ: وَأَنَا أُحِبُّكَ. [حم: ٥/ ٢٤٤، ٢٤٥، د: ١٥٢٢، ن: ١٣٠٣]. ٩٥٠ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ. [د: ٩٩٦، ت: ٢٩٥، ن: ١٣٢٥]. ٩٥١ - [١٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. [جه: ٩١٤]. ــ التي بعد الصلاة. وقوله: (رب أعني) في "الأذكار" (١): "اللهم" مقام "رب". وقوله: (وحسن عبادتك) إشارة إلى معنى الإحسان وهو أن تعبد ربك كأنك تراه، قالت السادة الصوفية: وإنما يتيسر ذلك بالتجرد وعدم التعلق بما سوى اللَّه من النفس والدنيا والخلق، وإنما تركوا الدنيا لتحصيل الحضور في العبادة وإحسانها. ٩٥٠، ٩٥١ - [١٢، ١٣] (عبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر) قوله: (السلام عليكم) حال أو استئناف.

стр. 1315

٩٥٢ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ. رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١/ ١٧٤]. ٩٥٣ - [١٥] وَعَن عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يُصَلِّي الإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يتَحَوَّلَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: عَطَاءٌ الْخُرَسَانِيُّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ. [د: ٦١٦]. ــ ٩٥٢ - [١٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إلى شقه الأيسر) الانصراف إليه نص في معنى الميل إليه، وأما الانصراف عنه فالظاهر في الميل عنه، ويحتمل أخذ ذلك الجانب والذهاب منه كما ذكرنا. ٩٥٣ - [١٥] (عطاء الخراساني) قوله: (لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول) أي: ينتقل من مكانه إلى موضع آخر، فيتأخر ويصلي خلف القوم، أو ينحرف يمنة أو يسرة، وأما المقتدي والمنفرد فإن شاء تطوع في مكانه أو تقدم أو تأخر أو انحرف يمنة أو يسرة، والكل سواء، ورُوِي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضًا أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا. وقوله: (وقال) أي: أبو داود: (عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة) يريد تضعيف الحديث وأنه منقطع، فإن المغيرة مات سنة خمسين، وهو عام ولادة عطاء الخراساني، وفي (الكاشف) للذهبي (١): أنه كان يرسل عن معاذ وطائفة من الصحابة، وفي حاشيته: وعن جميع من يروي عنه من الصحابة.

стр. 1316

٩٥٤ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٢٤]. ــ هذا وقد روي عن ابن عمر، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵃: الصلاة في مكانهم الذي صلوا فيه، هذا ما ذكر الطيبي (١)، والذي ذكره عن ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة (٢) عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه كان يصلي سبحته في مكانه، وأخرج من طريق آخر عن نافع: أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا، وأخرج عن عطاء: أن ابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد وابن عمر ﵁ كانوا يقولون: لا يتطوع حتى يتحول عن مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفي سنده رجل متهم، ورَوَى عن أبي هريرة أنه قال: أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدّم أو يتأخّر؟ وهو عام للإمام وغيره، كذا ذكره بعض المتأخرين، وسيأتي الكلام فيه مفصلًا في ترجمة الباب الآتي. ٩٥٤ - [١٦] (أنس) قوله: (حضهم) أي: حثهم على الصلاة، أي: على إدامتها بالجماعة، ورعاية أحكامها وآدابها كما يناسبه. وقوله: (ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة) ومعناه: النهي عن انصرافهم قبل النبي ﷺ حتى تنصرف النساء، وقيل: معناه: النهي عن التسليم قبل النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون الوجه في النهي عن انصرافهم قبل انصرافه ﷺ هو عدم موافقتهم له ﷺ ، وعدم انتظارهم لدعائه، واقتباسِ بركات صحبته بعد صدوره عن موارد القرب والتجلي، ولمَا يحتمل أن يحكم بشيء من الأحكام، وهذا أنسب بما جاء

стр. 1317

* الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٩٥٥ - [١٧] عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَالْعَزِيْمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، ــ في الحديث الصحيح: (وكان سرعان القوم يخرجون). الفصل الثالث ٩٥٥ - [١٧] (شداد بن أوس) قوله: (في صلاته) أي: آخرها بعد التشهد، وفي رواية لأحمد: (فيها أو في دبرها)، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (الثبات في الأمر) أي: في أمر الدين والاستقامة فيه. وقوله: (والعزيمة على الرشد) العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، ورشد كنصر وفرح، رُشْدًا ورشادًا: إذا اهتدى، كاسترشد، والرشيد في أسماء اللَّه تعالى: الهادي إلى سواء الصراط، كذا في (القاموس (١))، ويحتمل أن يكون الرشد ههنا أيضًا بمعنى الهداية، أي: هداية الناس وإرشادهم. وقوله: (قلبًا سليمًا) أي: خاليًا عن العقائد الفاسدة والميل إلى الشهوات العاجلة والآجلة والالتفات إلى ما سوى اللَّه. وقوله: (لسانًا صادقًا) إسناد مجازي، أو المراد باللسان الكلام والقول، أو الناطق بالصدق، من الصدق بمعنى صفة المتكلم.

стр. 1318

وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ. [ن: ١٣٠٤، حم: ٤/ ١٢٥]. ٩٥٦ - [١٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ (١): "أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ (٢) ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٣١١]. ــ وقوله: (وأسألك من خير) من زائدة أو بيانية، أي: شيءٌ هو خير، أو تبعيضية، فإن كل الخير لا يحصل لأحد، وإنما الحاصل ما قُسِم له. وقوله: (ما تعلم) أي: تعلم أنت أنه خير، وإلا فالعبد قد يحب شرًّا ويظن الشر خيرًا، وكذا الكلام في قوله: (وأعوذ بك من شر ما تعلم). وأكثر ما وقع في الأدعية المأثورة بل كلُّه تعليم منه ﷺ لأمته، وإلا فكل الخير حاصل له، ولا مدخل للشر فيه، أو قال ذلك تواضعًا وعبودية. ٩٥٦ - [١٨] (جابر) قوله: (وأحسن الهدي) وهي السيرة والطريقة.

стр. 1319

٩٥٧ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ شَيْئًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٦]. ــ ٩٥٧ - [١٩] (عائشة ﵂) قوله: (تلقاء وجهه) ذهب مالك إلى أنه يسلم بتسليمة واحدة قِبَلَ وجهه أخذًا بهذا الحديث، والثلاثة على أنه يسلم تسليمتين أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره؛ لمَا سبق من حديث ابن مسعود رواه الخمسة ومسلم بمعناه، وصححه الترمذي، وحديث سعد بن أبي وقاص رواه أحمد ومسلم والنسائي، وقال الشيخ ابن الهمام (١): وحديث ابن مسعود أرجح مما أخذ به مالك من حديث عائشة ﵂، وروي عن الإمام أحمد في تأويل حديث عائشة ﵂ أن معناه أنه كان يجهر بتسليمة واحدة، قال ابن قدامة (٢): والمعنى في هذا أن الجهر في غير القراءة إنما هو للإعلام وقد حصل بالأولى، وقال: معنى قول عائشة ﵂: (تلقاء وجهه) أنه ﷺ كان يبتدئ بقوله: السلام عليكم إلى القبلة، ثم يلتفت عن يمينه وشماره، والتفاتُه في أثناء سلامه. وقال صاحب (سفر السعادة) (٣): وجاء في حديث عدي بن عميرة: كان يسلِّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وإسناده غير قائم عند أهل الحديث، وحديث عائشة: كان رسول اللَّه ﷺ يسلم تسليمة واحدة يرفع بها صوته حتى يوقظنا، أيضًا معلَّل، وبعد تسليم صحته فهو لا يدل صريحًا على نفي التسليمة الثانية، يعني ظاهره على أن التسليمة الواحدة كان يرفع بها صوته للإيقاظ، ولا يرفع صوته بالثانية لعدم الحاجة كما ذكرنا من تأويل أحمد.

стр. 1320

٩٥٨ - [٢٠] وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى الإِمَامِ وَنَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٠١]. * * * ــ واعلم أن الترمذي (١) عقد بابًا للتسليمتين، وقال بعد إيراد حديث ابن مسعود: وفي الباب عن سعد وابن عمر وجابر بن سمرة والبراء وعمار ووائل بن حجر وعدي ابن عميرة وجابر، وحديث ابن مسعود ﵃، قال: هذا حديث حسن صحيح، وعليه عمل أهل العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن بعدهم. وعقد بابًا آخر للتسليمة الواحدة وأورد حديث عائشة ﵂، وقال: وفي الباب عن سهل بن سعد، وقال: حديث عائشة ﵂ لم يعرف رفعه إلا بهذا الوجه، وقال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد من أهل الشام يروى عنه مناكير، وقال بعض أهل العلم بتسليمة واحدة، وأصح الروايات من رسول اللَّه ﷺ تسليمتان، وعليه عمل أكثر أهل العلم من أصحاب رسول اللَّه ﷺ والتابعين ومن بعدهم، وقد قال قوم بتسليمة واحدة، وقال الشافعي ﵀: إن شاء سلم واحدة وإن شاء سلم تسليمتين، هذا كلام الترمذي، وقد ظهر منه أن عدي ابن عميرة في جماعة هم قائلون بالتسليمتين، كما قال صاحب (سفر السعادة) (٢)، ولم نجد في الكتب الستة وغيرها حديثًا في تسليمة واحدة، واللَّه أعلم. ٩٥٨ - [٢٠] (سمرة) قوله: (أن نرد على الإمام) أي: ننوي بالسلام رد الجواب على الإمام. وقوله: (ونتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض) أي: ننوي السلام على القوم

стр. 1321

١٨ - باب الذكر بعد الصلاة ــ بعضنا على بعض فإنه يوجب التحابب. ١٨ - باب الذكر بعد الصلاة قد ثبتت شرعية الجهر بالذكر على الإطلاق وبعد الصلاة، ووردت فيه أحاديث كما ستتلى عليك، ثم إنه قد اختلفت الروايات حديثًا وقديمًا في أنه هل يقوم بعد أداء الفريضة متصلًا أو يلبث في مكانه قاعدًا؟ وإذا قام هل يتطوع في مكانه أو يتحول؟ فالمختار أن يقوم من غير لبث إن كان في صلاة بعدها تطوع، وكذلك الإمام، وقال علماؤنا: إذا سلم الإمام من الظهر أو المغرب أو العشاء كره له المكث قاعدًا، فإن شاء أن يصلي تطوعًا لم يصل في مكانه، بل يتأخر ويصلي خلف القوم، أو حيث أحب من المسجد خلا مكان الإمامة، أو ينحرف يمنة أو يسرة، أو يتأخر، وإن شاء رجع إلى بيته يتطوع، وإن كان مقتديًا أو يصلي وحده إن لبث في مكانه يدعو جاز، وكذا إن قام إلى التطوع في مكانه أو تقدم أو انحرف يمنة أو يسرة جاز، والكل سواء، وروي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضًا أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا ليزول الاشتباه على الداخل أنهم في الصلاة فيقتدي فيفسد اقتداؤه. وقال شمس الأئمة: هذا إذا لم يكن من قصده الاشتغال بالدعاء، فإن كان له ورد يقضيه بعد المكتوبات فأراد أن يقضي ورده قبل أن يشتغل بالتطوع؛ فإنه يقوم عن مصلاه ويقضي ورده، إن شاء جلس في ناحية من المسجد فيقضي ورده، ثم يقوم إلى التطوع، فالأمر فيه واسع، وما ذكره شمس الأئمة دليل على جواز تأخير السنن عن أداء الفريضة، وصرح بكراهية تأخير التطوع عن الفريضة في (الاختيار شرح المختار)، وقال: لأنه ﷺ كان لا يمكث إلا مقدار أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 1322

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وروي أن جلوس الإمام في مصلاه بعد الفراغ مستقبِل القبلة بدعة، ولأن مكثه يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدي به فيفسد اقتداؤه، فكان المكث تعريضًا لفساد اقتداء غيره، فلا يمكث، ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء إن لم يكن بحذائه أحد يصلي؛ لما روي أنه ﷺ كان إذا فرغ من صلاة الفجر استقبل بوجهه أصحابه، وقال: هل رأى أحدكم رؤيا، كانه يطلب رؤيا فيها بشرى بفتح مكة، وإن كان بحذائه أحد يصلي لا يستقبل القوم؛ لأنه استقبال الصورة في الصلاة، وهو مكروه؛ لما روي أن عمر ﵁ رأى رجلًا يصلي إلى وجه غيره فعلاهما بالدرة، وقال: أتستقبل الصورة؟ وللآخر: أتستقبل المصلي بوجهك؟ وإن شاء انحرف لأن بالانحراف يزول الاشتباه كما يزول بالاستقبال. ثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف، قال بعضهم: ينحرف إلى يمين القبلة تبركًا بالتيامن، وقال بعضهم: ينحرف إلى اليسار ليكون يساره إلى اليمين، وقال بعضهم: هو مخير إن شاء انحرف يمنة، وإن شاء انحرف يسرة، وهو الصحيح؛ لأن ما هو المقصود من الانحراف -وهو زوال الاشتباه- يحصل بالأمرين جميعًا، وإن كانت صلاة بعدها سنةٌ يكره له المكث قاعدًا، وكراهة القعود مروية عن الصحابة ﵃، روي عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما إذا كانا فرغا من الصلاة قاما كانهما على الرضيف، فينبغي أن يتنحى إزالة للاشتباه، أو استكثارًا من شهوده على ما روي أن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة، وهذا كله للإمام. وبالجملة الروايات كثيرة في القيام بعد الفريضة متصلًا، وكذا في تحول الإمام عن مكانه، وقد جاءت روايات على خلافهما أيضًا كما مر، وهذا كله في صلاة بعدها سنة، وأما في غيرها فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان يقعد في مكانه بعد الفجر إلى

стр. 1323

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٩٥٩ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٢، م: ٥٨٣]. ــ طلوع الشمس. ثم مما ينبغي أن يعلم أن تقديم الرواية لا ينافي البعْدية التي وردت في الأحاديث أنه يقرأ بعد الفريضة كذا وكذا من الأذكار والأدعية، صرح به الشيخ ابن الهمام (١)، وكذا قراءة بعض الأدعية المختصرة التي صحت الأخبار بقراءتها بعد الفريضة لا ينافي استحباب القيام إلى التطوع متصلًا والاستعجال به كما ورد أن يقول دبر الفجر أو المغرب: لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، مع ما ورد في المغرب من تعجيل ركعتيه، وكذا قراءة آية الكرسي قبل السنة إن صح حديثه، وما يفعله بعض الناس من قراءة آية الكرسي في ركعتي المغرب فليس بشيء، ومخالف للسنة الواردة بقراءة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيهما، وهذا الذي ذكرنا كالقاعدة في الباب، ثم نشرع في شرح الأحاديث. الفصل الأول ٩٥٩ - [١] قوله: (عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه ﷺ بالتكبير. متفق عليه)، اختلفوا في بيان المراد به فقيل: المراد به الذكر بعد الصلاة، وفي الصحيحين (٢) عن ابن عباس ﵄ أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ ، وقال ابن عباس ﵄: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك

стр. 1324

٩٦٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجلَالِ وَالْإِكْرَامِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٢]. ــ إذا سمعته، ثم ذكر البخاري هذا الحديث الذي أورده المؤلف، فدل على أن المراد بالتكبير مطلق الذكر، وقيل: التكبيرات التي في الصلاة عند كل خفض ورفع، والمراد: أعرف انقضاء كل هيئة يتحول منها إلى أخرى، قاله الطيبي (١)، وقيل: التكبير الذي ورد مع التسبيح والتحميد كبر ثلاثًا وثلاثين أو عشرًا، وقيل: كانوا يقولون: اللَّه أكبر، مرة أو ثلاثًا بعد الصلاة، وقال عياض: إن ابن عباس ﵄ كان لم يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك، وكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، وقيل: يحتمل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، واللَّه أعلم. وقيل: كان ذلك في أيام التشريق بمنى، وهذا أوفق بمذهب أبي حنيفة في كراهتهم الجهر بالذكر في ما عدا ما ورد، ولهذا لا يوجبون قضاء تكبيرات العيد والتشريق. ٩٦٠ - [٢] (عائشة ﵂) قوله: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول) هذا الحديث يدل على أنه كان قد يقعد قبل أن يقوم للتطوع ويذكرُ ويدعو، بخلاف ما عليه أكثر الفقهاء من كراهة اللبث، وقال بعض المتأخرين: كان يلبث بهذا الدعاء كما دل عليه الحديث، وأنت خبير بأنه قد صحت دعوات كثيرة بعد الفرض كما هو ظاهر الأحاديث، فلا تخصيص به، إلا أن يذهب إلى أن الفصل بالرواية لا ينافي هذه البعدية كما قلنا، أو يقال: الإتيان بالدعوات التي صحت الرواية بها لا ينافي اتصال القيام إلى السنة، واللَّه أعلم.

стр. 1325

٩٦١ - [٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجلَالِ وَالْإِكْرَامِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩١]. ــ ثم إن قول أم المؤمنين عائشة ﵂: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام. . . إلخ) مخصوص لصلاة بعدها راتبة، لِمَا قد ثبت قعوده بعد الصبح على مصلاه حتى تطلع الشمس، والأخبار والآثار فيه كثيرة. ٩٦١ - [٣] (ثوبان ﵁) قوله: (إذا انصرف) وفي رواية: إذا سلم، وفي رواية أبي داود (١): إذا أراد أن ينصرف. وقوله: (استغفر ثلاثًا (٢)) قيل للأوزاعي: ما كيفية الاستغفار؟ قال: أستغفر اللَّه، أستغفر اللَّه، أستغفر اللَّه، وقد جاء في رواية أبي داود (٣): يقول ثلاثًا: أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وقال النووي: ينبغي أن يقدم الاستغفار على سائر أنواع الذكر الوارد عقيب السلام، ورُدّ بأنه لم يأت في روايات الأحاديث. وقوله: (تباركت) تفاعلٌ من البركة للمبالغة، وقد مرّ معناه في شرح التحيات، والمعنى: كثرت خيراتك، ولا يحمل في وصفه تعالى على معنى الزيادة لأنه ينبئ عن النقصان، بل على البقاء والدوام والجلال والعظمة كما يناسب قوله: وتعاليت، وقيل: باسمه تنال البركة والزيادة. وقوله: (ذا الجلال والإكرام) أي: المستحق لأنْ يهاب سلطانه ويُثْنى ويكرم بما

стр. 1326

٩٦٢ - [٤] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٤، م: ٥٩٣]. ٩٦٣ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتهِ الأَعْلَى: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٤]. ــ يليق بعلو شأنه، ويجيء إن شاء اللَّه تمام معناه في (شرح الأسماء الحسنى). ٩٦٢ - [٤] (المغيرة بن شعبة) قوله: (كان يقول في دبر كل صلاة) الظاهر مرةً واحدة، وجاء في الصبح والمغرب عشر مرات كما يجيء في الفصل الثالث، و (الجد) بفتح الجيم بمعنى البخت، أو أبي الأب وأبي الأم، وقد يروى بكسرها وهو ضعيف، وقد مر. ٩٦٣ - [٥] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (يقول بصوته الأعلى) قيل: وذلك لتعليم أصحابه وإلا فالأفضل الإخفاء كذا قالوا، والحق أن الأوقات مختلفة، ففي بعضها يحصل الذوق بالإخفاء، وفي بعضها يزيد الشوق بالجهر، ولا خلاف [في] مشروعية الجهر بالذكر، وأفضليةُ الإخفاء من جهة أنه مظنة الرياء، فإذا لم يكن فهما سواء، واللَّه أعلم. وقوله: (مخلصين له الدين) حال دائمة من ضمير (نعبد)، وقيل: من فاعل (نقول) الدالِّ عليه (ولو كره الكافرون).

стр. 1327

٩٦٤ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٢٢]. ٩٦٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، ــ ٩٦٤ - [٦] (سعد) قوله: (أرذل العمر) أي: آخره الذي هو أردؤه بحيث لا يبقى معه القوى والحواس، المانع من العلم والمعرفة والعبادات الظاهرة والباطنة، وأما طول العمر وكبر السن مع سلامة هذه الأشياء فسعادة عظيمة للمؤمن المطيع. ٩٦٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (ذهب أهل الدثور) جمع دثر بفتح الدال وسكون الثاء، وهو المال الكثير، وقيل: الكثير من كل شيء، ولهذا قد يقيد بالمال ويبين به، كذا في (مجمع البحار) (١). وقوله: (بالدرجات العلى والنعيم المقيم) الظاهر أن المراد درجات الجنة ونعيمها الدائم، ويجوز أن يكون المراد بالدرجات: المراتب العلية التي تحصل لأهل القرب والولاية في هذا العالم من الأنوار والأسرار، وبالنعيم المقيم ما أعدّ لهم في الآخرة، فعند اللَّه ثواب الدنيا والآخرة. وقوله: (وما ذاك) أي: ما سبب سؤالكم هذا؟ أو ما سبب فوزهم وحيازتهم لها دونكم؟

стр. 1328

وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، ويُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ " قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ. . . . . ــ وقوله: (تدركون به من سبقكم) من متقدمي الإسلام عليكم من هذه الأمة، أو تدركون به جميع كمال من سبقكم من الأمم، وتسبقون به من بعدكم من متأخري الإسلام عنكم أو الموجود عن عصركم، كذا في شرح الشيخ، وكان هذا بيان فضل عظيم لهم وراء ما أزال به شكواهم من انحطاط درجتهم عن الأغنياء، وهو المقصود ههنا، وأكده بقوله: (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) أي: من الأغنياء الذين يتصدقون ويعتقون، نعم يلزم منه أفضلية الأغنياء المذكورين، وقد لزم ذلك كما قد صرح به في آخر الحديث، وهذا هو الظاهر في توجيه ما يقال: إن الأفضلية تقتضي الزيادة والمثليةَ المساواة، فالذي صنع مثل ما صنعوا يكون مماثلًا لهم لا أفضل منهم، فكيف يصح استثناؤه منه، وما يذكر أنه من قبيل: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس، فتكلفٌ وتعسف، وفي شرح الشيخ: أن المعنى: إلا من صنع مثل ما صنعتم، فإنه يساويكم في ثواب ذلك العمل، واحتيج إليه لبيان أن مَن عمل من غير الصحابة مثلَ عملهم أثيب مثل ثوابهم وإن امتازوا على غيرهم بفضيلة الصحبة التي لا يوازيها عمل آخر، انتهى. وحاصله: أن الاستثناء منقطع، فافهم؛ فإن كلامهم لا يخلو عن قلق. وقوله: (وتسبحون وتكبرون وتحمدون) قال الشيخ: كذا في رواية ابن عجلان بتقديم التسبيح على التكبير وتأخير التحميد، ووقع في أكثر الأحاديث تأخير التكبير عن التحميد، وفي بعض الروايات: التكبير مقدم، ثم التسبيح، ثم التحميد، وفي بعضها:

стр. 1329

دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً". قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . . ــ التكبير، ثم التحميد، ثم التسبيح، فدل على أنْ لا ترتيب فيها، انتهى. أقول: وقد وقع صريحًا في الحديث: (لا يضرك بأيتهن ابتدأت). وقوله: (دبر كل صلاة) قد عرفت معنى البعدية، ومقتضى ظاهر الحديث أنه يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرًا بحيث لا يعدُّ معرِضًا أو كان ناسيًا أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي مثلًا فلا يضر، والتشاغل بعد الصلاة بالراتبة هل يكون فاصلًا بها بين المكتوب والذكر المذكور؟ محل نظر، كذا في بعض الشروح، وقد أشرنا إليه سابقًا فتذكر. وقوله: (ثلاثًا وثلاثين مرة) هذا بظاهره يحتمل أن يكون كل واحد من هذه الأذكار بهذا العدد أو المجموع حتى يكون كل واحد أحد عشر مرة، وقد جاء في رواية أخرى من مسلم هكذا، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): وكأنه تفسير بعض رواة الحديث عن أبي هريرة: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وهذا التفسير وهم؛ لأن المراد كل كلمة من هذه الكلمات ثلاثًا وثلاثين، والنصوص صريحة في ذلك. وأقول: قد جاءت الروايات مختلفة، ففي أكثرها: كل واحد ثلاثًا وثلاثين، وفي بعضها: كل واحد عشرًا، وفي بعضها: كل واحد أحد عشر، فلو جاء بكل واحد أحد عشر جاز أيضًا، وما الباعث على حمله على الوهم وقد جاء في صحيح مسلم؟ واللَّه أعلم.

стр. 1330

"ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٣، م: ٥٩٥]. وَلَيْسَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا". بَدَلَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ. ٩٦٦ - [٨] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ. . . . . ــ وقوله: (ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء) يعني: فعليكم التسليم بقضائه والرضا بقسمته، وفيه دليل على أن الغني أفضل من الفقير إذا استوت أعمالهما، نعم قد ثبت أن الذاكر للَّه أفضل من المنفق في سبيل اللَّه، أما إذا ذكر المنفق أيضًا فلا بد أن يكون أفضل وأَزْيَدَ، هذا وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه لما حزن الفقراء وانكسرت قلوبهم قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تحزنوا فأنتم تدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمس مئة سنة من أيام الدنيا)، وهذا جزاء الفقر وخفة أثقالهم وتيسر حسابهم. وقد قيل: إن هذا مخصوص بالفقراء المهاجرين كما يدل عليه سياق الحديث إلا أن يقاس عليهم غيرهم، ومع ذلك سبقُ دخول الجنة لا ينافي رفع درجات الأغنياء وكثرة ثواب أعمالهم، واللَّه أعلم، وبيده الفضل. وقوله: (بدل ثلاثًا وثلاثين) لكن هذه الرواية أثبتتْ زيادة، وزيادة الثقة مقبولة فلا منافاة، ولعله أوحي إليه ﷺ أولًا بالأقل، وثانيًا بالأكثر، واللَّه أعلم. ٩٦٦ - [٨] (كعب بن عجرة) قوله: (معقبات لا يخيب قائلهن) سميت معقبات لأن بعضها يأتي عقب بعض، أو لأنها تعاد مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقب -بكسر القاف وتشديدها- من كل شيء: ما جاء عقيب ما قبله، وسمعت

стр. 1331

-أَوْ: فَاعِلُهُنَّ- دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَة: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٦]. ٩٦٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَة وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٧]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٩٦٨ - [١٠] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: "جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ. . . . . ــ من بعض المشايخ أنها سميت معقبات لأن كل واحد يصلح أن يعقب الآخر كما جاء في الحديث: "لا يضرك بأيتهن ابتدأت"، وقوله: (لا يخيب) من الخيبة، خاب الرجل خيبة: إذا لم ينل ما يطلب. وقوله: (أو فاعلهن) شك الراوي، والقول فعل. ٩٦٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (وقال: تمامُ المئة) بالرفع، فالضمير للنبي ﷺ ، وبالنصب فالضمير لـ (من). الْفَصْل الثَّانِي ٩٦٨ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر) (أسمع) اسم تفضيل بمعنى المفعول، أي: أقرب وأسرع إجابة، والسمع يجيء بمعنى

стр. 1332

ودُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوْبَاتِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٩٩]. ٩٦٩ - [١١] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ". [حم: ٤/ ١٥٥، د: ١٥٢٣، ن: ١٣٣٦، الدعوات الكبير: ١٢٥]. ــ الإجابة كما يقال: سمع الأمير قولَه، أي: أجاب دعاءه وأعطى سؤاله، و (جوف) بالرفع، وهو الأكثر، ويروى بالنصب، ويجوز الجر، فعلى الرفع المضاف محذوف من الخبر، أي: دعاء جوف الليل، باكتساء المضاف إليه إعراب المضاف، وعلى النصب حرف الجر محذوف، وهو ظرف له، وأما الجر فبإبقاء المضاف إليه على إعرابه، وهو قليل، ومنهم من قال: يقدر المضاف في جانب المبتدأ، أي: أيُّ أوقات الدعاء يكون الدعاء فيه أسمع؟ والظاهر أنه يتعين على هذا الرفعُ. وقوله: (الآخر) صفة لـ (جوف)، والمراد بالجوف الآخر: النصف الأخير، أو الثلث أو السدس الأخيران كما تقرر في قيام الليل. وقوله: (دبر) عطف على (جوف) بالإعرابات الثلاث. ٩٦٩ - [١١] (عقبة بن عامر) قوله: (بالمعوذات) بكسر الواو من التعويذ، وفي بعض الروايات: (بالمعوذتين)، والجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو بإدخال سورة الإخلاص وحدها، أو مع الكافرين فيها تغليبًا، أو لما فيها من التوحيد والبراءة من الشرك المتضمن لمعنى الاستعاذة، وقيل: المراد الآيات التي تتضمن الاستعاذة لفظًا أو معنى، وقيل: المراد الكلمات المعوذة.

стр. 1333

٩٧٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً". رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٧]. ٩٧١ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ــ ٩٧٠ - [١٢] (أنس) قوله: (لأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه) يفهم من سياق الكلام أن القعود للذكر، ولو كان هذا خاصية القعود والمجالسة مع هذا القوم لم يبعد كما يدل عليه ظاهر حديث يأتي في (كتاب الدعوات). وقوله: (أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل) الأعداد الواقعة في السنَّة في أمثال هذا المقام سر لا يعلمها إلا الشارع، وقد تذكر مناسبات تقرِّب إلى الفهم، كما ذكر بعضهم أنه يحتمل أن يكون وجهه: أن العمل الموعود عليه بذلك ههنا منقسم إلى أربعة: ذكرِ اللَّه، والقعود له، والاجتماع، وحبس النفس من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس أو تغرب، كذا في شرح الشيخ، واللَّه أعلم. والتخصيص بولد إسماعيل لكونهم أشرف العرب، وقد يستشكل بأن العرب لا يسبى حتى يعتق؟ ويجاب بأن المسألة مختلف فيها، ويمكن أن يسبى بالاشتباه، أو المراد بالإعتاق إنقاذهم من الشدائد والمهالك. وقوله: (من أن أعتق أربعة) قيل: تنكيره يدل على أن هذه الأربعة غير الأربعة المتقدمة، فيدل على فضل الأولى، ويحتمل أنه لم يقيده اكتفاء. ٩٧١ - [١٣] (أنس) قوله: (ثم صلى ركعتين) وهذا أقل، وأكثرها اثنتا عشرة

стр. 1334

كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٥٦]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٩٧٢ - [١٤] عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا إِمَامٌ لَنَا يُكْنَى أَبَا رِمْثَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ -أَوْ: مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ- مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِي رِمْثَةَ -يَعْنِي نَفْسَهُ- فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي. . . . . ــ ركعة، وهذه صلاة الإشراق، ويطلق عليها صلاة الضحى أيضًا كما وقع في الأحاديث، والظاهر أن صلاة الإشراق والضحى واحدة، وأول وقتها عند ارتفاع الشمس قَدْرَ رمح، وآخرها إلى قبيل الزوال، فتدبر. وقوله: (تامة) ثلاث مرات تأكيد للتشبيه، ومع ذلك هو من باب إلحاق الناقص بالكامل، وقيل: هذا بتضاعف ثوابه يبلغ قدر أصل ثواب ذلك إن شاء اللَّه، واللَّه أعلم. الفصل الثالث ٩٧٢ - [١٤] (الأزرق بن قيس) قوله: (يكنى) بالتشديد والتخفيف، (أبا رمثة) بكسر الراء وسكون الميم. وقوله: (هذه الصلاة) كالظهر مثلًا. وقوله: (أو مثل هذه الصلاة) شك من الراوي، وهذا هو الحقيقة، ويصح في

стр. 1335

أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ، فَوَثَبَ [إِلَيْهِ] عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنكِبهِ فَهَزَّهُ ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ فَإِنَّهُ لَنْ يُهْلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ فَصْلٌ. فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَصَرهُ، ــ أمثالها العبارتان باعتبار الحقيقة الموجودة في ضمن الشخص وباعتبار تشخصها. وقوله: (أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة) يعني: كان مدركًا لا مسبوقًا. وقوله: (يشفع) أي: يضم بالصلاة صلاة أخرى، يعني: يأتي بالتطوع. وقوله: (بمنكبه) وفي بعض النسخ: (بمنكبيه). وقوله: (فإنه لن يهلك) من الإهلاك أو من الهلاك، وقد يجيء هلك متعديًا، وإن جعل لازمًا قدر الباء قبل (إنه)، وكان الظاهر: لم يهلك؛ لكون القضية ماضية، فاستعمل (لن) مقام الم) فيدل على أنه قد يستعمل في الماضي، وقالوا: استعمل (لن) دلالة على استمرار هلاكهم، ولعل سبب هلاكهم بذلك عدم امتثال أمر أنبيائهم بذلك أو سر آخر؛ وإذا أريد ترك الذكر بعد السلام كما يجيء فالسبب التكاسل في ذكر اللَّه وتعليلهم إياه. وقوله: (فصل) المراد بالفصل إما أن يتقدم أو يتأخر من مكان صلاته كما يشير إليه حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله؟ )، رواه أبو داود وابن ماجه على ما مر، أو يتكلم أو يخرج كما رواه مسلم في "صحيحه" (١) عن السائب أنه قال: إن رسول اللَّه ﷺ أمرنا أن لا نوصل صلاة [بصلاة] حتى نتكلم أو نخرج، والذي يدل عليه إيراد الحديث في هذا الباب أن يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد السلام، فهذا الحديث يدل على عدم وصل التطوع
следующие страницы →