فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ". رَوَاهُ أَحَمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٥٠، ت: ٣٧٩، د: ٩٤٥، ن: ١١٩١].
١٠٠٢ - [٢٥] وَعَنْ أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ، إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ: "يَا أَفْلَحُ! تَرِّبْ وَجْهَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١].
١٠٠٣ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣/ ٢٤٨].
ــ
الحصى بفتحتين الحجار الصغار، واحدتها الحصاة.
وقوله: (فإن الرحمة تواجهه) أي: تقبل عليه وتنزل عليه، فلا يليق بهذا المقام اللعب بالحصى وسوءُ الأدب حتى يعاقَب بإمساك الفضل والرحمة.
وقال بعضهم: المعنى فيه: أن الرحمة إذا وجهت وقعت على ما يواجهه المصلي، فينبغي أن يسجد عليه ويباشره، وهو الحصى، والأول هو الأظهر.
١٠٠٢ - [٢٥] (أم سلمة) قوله: (يقال له: أفلح) وفي بعض طرق الحديث: (يقال له: رباح).
وقوله: (ترب وجهك) أي: أوصل وجهك إلى التراب.
١٠٠٣ - [٢٦] (ابن عمر ﵄) قوله: (الاختصار في الصلاة راحة أهل النار) قد سبق أن المراد بأهل النار هم اليهود، وكان ذلك من صنيعهم، وقيل: المراد أنهم يفعلونها في النار توهمًا أن بها راحة لهم مما هم فيه، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول.
стр. 1367
١٠٠٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ. [حم: ٢/ ٢٣٣، د: ٩٢١، ت: ٣٩٠، ن: ١٢٠٢].
١٠٠٥ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي تَطَوُّعًا وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَجئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ فَمَشَى فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ، وَذَكَرْتُ أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [حم: ٦/ ٣١، د: ٩٢٢، ت: ٦٠١، ن: ١٢٠٦].
١٠٠٦ - [٢٩] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ"
ــ
١٠٠٤ - [٢٧] (أبو هريرة ﵁) قوله: (اقتلوا الأسودين) أي: بضربة أو بضربتين.
١٠٠٥ - [٢٨] (عائشة ﵂) قوله: (يصلي تطوّعًا) إشارة إلى أنه إنما فعل ذلك في التطوع دون الفريضة.
وقوله: (أن الباب كان في القبلة) أي: فلم يتحول ﷺ عنها عند مجيئه، وكان رجوعه على عقبيه إلى خلف، وكان البيت ضيقًا فلم يكن المشي إلا خطوة أو خطوتين (١).
١٠٠٦ - [٢٩] (طلق بن علي) قوله: (إذا فسا) بالألف (أحدكم) أي: خرج ريح
стр. 1368
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاه التِّرْمِذِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ. [د: ٢٠٥، ت: ١١٦٤].
١٠٠٧ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١١٤].
١٠٠٨ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ. [ت: ٤٠٨].
ــ
من غير صوت (فليتوضأ)، وفي بعض النسخ: (وليتوضأ) (١).
١٠٠٧ - [٣٠] (عائشة ﵂) قوله: (فليأخذ بأنفه) ليخيِّل الناس أنه مرعوف (٢) سترًا على نفسه ووقاية لهم من الغيبة والوقوع فيه، وليس هذا من باب الكذب، بل من باب المعاريض بالفعل، ولا من الرياء، بل من باب التجمل، وفيه رخصة.
١٠٠٨ - [٣١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فقد جازت صلاته) وهذا مذهب أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه لأن التسليم عنده ليس بفرض، وقد سبق الدليل عليه.
وقوله: (وقد اضطربوا في إسناده) المضطرب من الحديث هو الذي يروى على
стр. 1369
* الفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٠٠٩ - [٣٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ كَمَا كُنْتُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: "إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٤٤٨].
ــ
أوجه مختلفة وهو ضعيف؛ للإشعار بأنه لم يضبط (١).
الفَصْلُ الثَّالِثُ
١٠٠٩، ١٠١٠ - [٣٢، ٣٣] (أبو هريرة، وعطاء بن يسار) قوله: (فلما كبر) أي: للإحرام. (انصرف) أي: خرج من صلاته.
وقوله: (ثم خرج) أي: من المسجد إلى البيت.
وقوله: (أن كما كنتم) أن مفسّرة، أي: قال لهم: كونوا كما كنتم على حالكم ولا تتفرقوا.
وقوله: (فلما صلى قال: إني كنت جنبًا) وأخذت الشافعية من هذا الحديث أن صلاة المأمومين لا تبطل بتبين بطلان صلاة الإمام، وعندنا تبطل.
стр. 1370
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذكر الشيخ ابن الهمام (١): روى محمد بن الحسن في (كتاب الآثار): أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي عن عمرو بن دينار: أن علي بن أبي طالب ﵁ قال في الرجل يصلي بالقوم جنبًا قال: يعيد ويعيدون، ورواه عبد الرزاق: ثنا إبراهيم بن يزيد المكي، عن عمرو بن دينار، عن جعفر: أن عليًا ﵁ صلى بالناس وهو جنب أو على غير وضوء، فأعاد وأمرهم أن يعيدوا، ومما يستدل به على المطلوب ما أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: "الإمام ضامن"، فبطلان صلاة الإمام يقتضي بطلان صلاة المقتدي، إذ لا يتضمن المعدوم الموجود، وما أسند أبو داود (٢): "أنه ﷺ دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما قضى الصلاة. قال: إنما أنا بشر وإني كنت جنبًا"، صحيح، ولكن لا يقتضي أن ذلك كان بعد شروعهم لجواز كون التذكر عقيب تكبيره بلا مهلة قبل تكبيرهم، على أن الذي في مسلم (٣): "قال: فأتى النبي ﷺ حتى قام في مصلاه قبل أن يكبر فانصرف"، فإن كان هذا هو المراد في حديث أبي داود "دخل في صلاة الفجر" على إرادة: دخل في مكانها، فلا إشكال، وإن كانا قضيتين فالجواب ما علمت، وروي عن أبي أمامة قال: صلى أمير المؤمنين عمر ﵁ بالناس جنبًا فأعاد ولم يُعد الناس، فقال علي ﵁: قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيد، قال: فرجعوا إلى قول علي ﵁، وقال القاسم: وقال ابن مسعود ﵄ مثل قول علي ﵁، ويثبت المطلوب أيضًا بالقياس على ما لو بان
стр. 1371
١٠١٠ - [٣٣] وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا. [ط: ١١٠].
١٠١١ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآخُذُ قُبْضَةً من الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّيْ أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٣٩٩، ن: ١٨٠٠].
١٠١٢ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ" ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ
ــ
أنه صلى بغير إحرام لا تجوز صلاتهم إجماعًا، والمصلي بلا طهارة لا إحرام له، والفرق بين ترك الركن والشرط لا أثر له، انتهى.
١٠١١ - [٣٤] (جابر) قوله: (أسجد) بدل من (أضعها) أو حال، وهذا الذي فعله جابر ﵁ قليل لأنه أخذة واحدة باليد.
١٠١٢ - [٣٥] (أبو الدرداء) قوله: (فسمعناه يقول: أعوذ باللَّه منك) والاستعاذة من الشيطان ليس كلام من الناس، وقال الشافعية: الدعاء على غيره بصيغة الخطاب يبطل الصلاة، فلعلهم يحملون هذا الحديث على كونه قبل تحريم الكلام، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثلاثًا) أي: قاله ثلاث مرات، وكذا معنى قوله بعدُ: (ثلاث مرات).
وقوله: (إن عدو اللَّه إبليس) وقد سبق في الحديث المتفق عليه ذكر عفريت من الجن، فإن قلت: ليس التصرف والقدرة على إبليس مخصوصًا بسليمان ﵇ فكيف
стр. 1372
جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ فَلَم يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَان لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ". رَوَاهُ مُسْلِم. [م: ٥٤٢].
١٠١٣ - [٣٦] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلَامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمْ وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٤٠٥].
* * *
ــ
يصح قوله: (لولا دعوة أخينا سليمان)؟ قيل: لما ظهر إبليس بصورة الجن كان لسليمان تصرف عليه كما على الجن لا على إبليس بحقيقة.
وقوله: (بشهاب) ككتاب: شعلة من نار ساطعة.
وقوله: (ثم أردت آخذه) على صيغة المتكلم، وفي نسخة: (أن آخذه)، وفي نسخة أخرى صحيحة: (أَخْذَهُ) بصيغة المصدر.
١٠١٣ - [٣٦] (نافع) قوله: (فرد الرجل كلامًا) أي: رد الرجل السلام بالكلام (١).
стр. 1373
٢٠ - باب السهو
ــ
٢٠ - باب السهو
في (القاموس) (١): سها في الأمر كدعا يسهو سهوًا: نسيه، وغفل عنه، وذهب قلبه إلى غيره، فهو ساهٍ وسهوان، وقال: نسيه نَسْيًا ونِسْيَانًا ضد حفظه.
وقال في (المواهب) (٢): اعلم أن السهو هو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، قاله الأزهري، وفرق بعضهم -فيما حكاه القاضي عياض- بين السهو والنسيان من حيث المعنى، وزعم أن السهو جائز في الصلاة على الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين، بخلاف النسيان فإنه غفلة وآفة، والسهو إنما هو شغل، وهو ضعيف من جهة الحديث فيما ثبت في الصحيحين من قوله ﷺ : (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون)، وأما من حيث اللغة فلقول الأزهري، ونحوه قول الجوهري وغيره.
وقال في (النهاية) (٣): السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، وهو فرق حسن دقيق، وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع من النبي ﷺ في الصلاة غير مرة، والسهو عن الصلاة الذي ذم اللَّه تعالى فاعله بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، ثم قال: وكان سهوه ﷺ من إتمام نعمة اللَّه تعالى على أمته وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما شرعه لهم عند السهو، انتهى. وفي قوله: ليقتدوا به، إفادة أن شرعية الأحكام وإن كان يحصل بدون وقوع السهو منه عفيم بان يحكم [أنَّ] من سها فعليه السجدة مثلًا، ولكن الحكمة في وقوع
стр. 1374
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٠١٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٣٢، م: ٣٨٩].
ــ
السهو منه ﷺ إدراك شرف الاتِّباع والاقتداء، ولا يحصل ذلك إلا به.
واعلم أن جواز السهو والنسيان على رسول اللَّه ﷺ في الأقوال فيما يتعلق بالإخبار والإبلاغ غير جائز، واختلفوا في الأفعال من الصلاة وغيرها، والمختار عند أهل الحق جوازه، لأنه قد دلت عليه الأحاديث الصحيحة فلا بد من القول بها، ولا بأس فيه، ولا يلزم محذور، بل يتضمن الحكمة كما ذكر.
الفصل الأول
١٠١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فلبس عليه) بالتخفيف، أي: خلط الشيطان عليه أمر صلاته وشوّش خاطره، وربما يشدّد للتكثير من اللَّبْس بالفتح بمعنى الخلط والتشكيك والتمويه، من باب ضرب يضرب، من لَبَسْتُ الأمر بالفتح أَلْبِسه بالكسر: إذا خلطت بعضه ببعض، ومنه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، وأما اللُّبس بالضم بمعنى لُبس الثوب فهو من باب سمع يسمع.
وقوله: (فليسجد سجدتين) (١) ويسنُّ فيهما من الذكر ما في سجدتي الصلاة، وقيل: يسن أن يقول فيهما: سبحان من لا يسهو ولا ينام.
стр. 1375
١٠١٥ - [٢] وَعَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ،
ــ
واعلم أن هذه صورة الشك والتردد في الفرق بين الشك والسهو بأن في السهو والنسيان يجزم بجانب واحد، وفي الشك متردد لا يدري كم صلى، قالوا: ولم يقع رسول اللَّه ﷺ في الشك أبدًا، لأنه من تلبيس الشيطان كما نطق به الحديث، ووقع في السهو والنسيان لغلبة الاستغراق والتوجه، وهو وإن كان خلاف الواقع ولكنه كان لا يُقَرَّر عليه، ويُنَبَّه على ما في الواقع، فبيَّن للأمة حكم الشك كما في الحديث الآتي فقال: (إذا شك أحدكم في الصلاة) أي: تردَّد شاملًا لصورة الرجحان والمساواة.
١٠١٥ - [٢] (عطاء بن يسار) قوله: (فليطرح الشك) أي: المشكوك، والمراد بـ (ما استيقن) الأقلُّ.
وقوله: (ثم يسجد) بالجزم والرفع، والأول أظهر.
وقوله: (قبل أن يسلم) وفي رواية الترمذي: قبل التسليم، وليس في رواية البخاري ومسلم هذا القيد، وسيجيء الكلام في الاختلاف في أن سجدتي السهو قبل السلام أو بعده.
وقوله: (فإن كان صلى خمسًا) أي: إن شك في أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا فبنى على الثلاث، فضم ركعة، فإن كان الواقع أنه كان صلى أربعًا وضم إليه الركعة صارت خمسًا.
وقوله: (شفعن له صلاته) أي: جَعَلْن هذه الركعات الخمس للمصلي بهذين
стр. 1376
وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧١].
وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا. وَفي رِوَايَتِهِ: "شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ". [ط: ٦٢].
ــ
السجدتين صلاتَه شفعًا، أي: ستًّا، بجعل السجدتين في حكم ركعة أخرى، وإن كان ثلاثًا فصارت بضم الركعة أربعًا فيكون قد صلاها لإتمام الأربع، وعلى هذا لا تكون السجدتان محتاجًا إليهما، ولكن كانتا ترغيمًا وتذليلًا للشيطان لمضادته في التلبيس والتخليط.
وقوله: (شفعها) أي: جعل المصلي الركعات الخمس بهاتين السجدتين شفعًا.
ثم اعلم أن ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يبني على ما استيقن ولا يعمل بالتحري وهو مذهب الجمهور، وقال الترمذي (١): وعند بعض أهل العلم في صورة الشك يعيد الصلاة، وقال أبو حنيفة ﵀: يعيد إن شك أول مرة (٢) -أي: لم يكن الشك عادة له- وإلا تحرى بالظن الغالب، ويعمل به، وبعد التحري إن لم يحصل غلبة الظن في جاثب واحد بنى على الأقل وسجد للسهو، لأن البناء على الظن الغالب أصل مقرَّر في الشرع كما في القبلة ونحوها، وقد جاء في الصحيحين (٣) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا شك أحدكم فليتحر الصواب وليتم عليه) كذا أورده الشُّمُنِّي، وفي
стр. 1377
١٠١٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ! قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا،
ــ
(جامع الأصول) (١): من حديث النسائي عن ابن مسعود ﵁: "من أوهم في صلاته فليتحر الصواب، ثم يسجد سجدتين بعد ما يفرغ وهو جالس".
وقال محمد ﵀ في (الموطأ) (٢): إن الآثار في باب تحرِّي غالب الظن كثيرة، وقال: إن لم يفعل كذلك فالنجاة من السهو والشك متعذر، وفي الإعادة في صورة كثرة الشك والاعتياد به حرج عظيم.
والحاصل: أنه قد ثبت في هذا الباب أحاديث ثلاثة، أحدها: إذا شك أحدكم في الصلاة فليستأنف أو كما قال، وثانيها: من شك في صلاته فليتحر الصواب، وثالثها: هذا الحديث الذي في الكتاب الناطق بالبناء على ما استيقن، فجمع أبو حنيفة ﵀ بينها بحمل الأول على عروض الشك أول مرة، والثاني على صورة وقوع التحري على أحد الجانبين، والثالث: على عدم وقوع التحري عليه، وهذا كمال الجامعية الذي ابتنى مذهب أبي حنيفة ﵀ عليه، فإن قلت: الشك تساوي الطرفين، فغلبة الظن لا يدخل فيها، قلنا: هذا اصطلاح حادث، وفي اللغة والشرع الشك يقابل اليقين فيشمل الظن والوهم أيضًا كما أشرنا إليه في أول الكلام.
١٠١٦ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (وما ذاك) أي: وما قولكم: (أزيد في الصلاة)؟ يعني: لأي سبب تقولون ذلك؟
стр. 1378
فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠١، م: ٥٧٢].
ــ
وقوله: (فسجد سجدتين) إما لأنه تذكر الحال أو اعتمد على قولهم.
وقوله: (فليتم عليه) أي: يتم ما بقي مبنيًّا على التحري، وقيل: معناه: أمضاه، يقال: تم على أمره وأتم، أي: أمضاه.
وقوله: (ثم يسجد) بالجزم، وفي بعض النسخ المصححة بالرفع، وفي مذهب الحنفية في هذه الصورة تفصيل، وهو أنه إن سها عن القعدة الأخيرة وقام للركعة الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد للركعة الخامسة، وإن سجد لها بطل فرضه بوضع الجبهة على الأرض عند أبي يوسف وبرفعه عنها عند محمد، وهو المختار، بطل فرضه، وألغى الخامسة، وإن قعد الأخيرة فقام قبل أن يسلم رجع إلى القعدة وسلم ما لم يسجد للخامسة، وإن سجد تَمَّ فرضه، وضم إليها السادسة، ويستحسن أن يسجد للسهو عن السلام، ظاهر الحديث يدل على أنه ﷺ لم يضم واكتفى بالسجدة للسهو.
ونقل الكرماني في (شرح صحيح البخاري (١)) عن الخطابي أنه قال: لعل هذا الحديث لم يبلغ أهل الكوفة حيث ذهبوا إلى أنه إن لم يقعد قدر التشهد فسدت صلاته ويلزمه الاستئناف، وإن قعد تمت صلاته، والخامسة نفل، ويلزمه أن يضم معه سادسة ويتشهد ويسلم ويسجد، وهذا الكلام تعريض على علمائنا مع نوع من الاعتذار حتى لا يلزمهم مخالفة السنة بعد العلم بها، والحاصل: أن الحديث يدل على أن في صورة
стр. 1379
١٠١٧ - [٤] وَعَن ابْن سِيرِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيِّ -قَالَ ابْنُ سِيرِين: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا-، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ. . . . .
ــ
زيادة الركعة الخامسة مطلقًا السجدة فقط، والصلاة صحيحة كما هو مذهب الشافعي ﵀، ولم يدل على هذا التفصيل الذي هو في مذهب الحنفية.
والجواب: أن لفظ الحديث يصدق مع ترك القعدة ومع فعلها، والحمل على الثاني أرجح وأقرب، لأنه ﷺ لم يترك القعدة الأخيرة لكونها ركنًا، فجواز الصلاة على تقدير تركه بعيد، فهذا الحديث مخصوص بصورة فعل القعدة الأخيرة والسهو في السلام، وأما ضم السادسة فبحديث نهي فيه عن البتيراء، فتدبر.
١٠١٧ - [٤] قوله: (عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلى بنا) أي: أمَّنا، وقد يجيء اللام مكان الباء.
وقوله: (إحدى صلاتي العشي) العشي بكسر الشين وتشديد الياء من حين نزول الشمس إلى أن تغيب، وهكذا في روايات البخاري، وفي بعضها: (الظهر أو العصر)، وفي بعضها: (الظهر) بالتعيين، وفي رواية مسلم: (إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر).
وقوله: (وقال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا) وجاء في بعض الروايات أنه قال: الغالب على الظن أنه قال: صلاة العصر، وقيل: الشك من أبي هريرة، وتعيينه من بعض الروايات باعتبار غلبة الظن.
وقوله: (معروضة) أي: موضوعة بالعرض، وقيل: أي: مطروحة، من عرضت الخشبة على الإناء أي: طرحتها عليه.
стр. 1380
فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتْ سَرْعَانُ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُل فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُول اللَّهَ! أَنَسِيْت أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ" فَقَالَ: "أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ". . . . .
ــ
وقوله: (في المسجد) وليس في بعض الأصول، ولكنه واقع في (صحيح البخاري)، كذا في الحاشية، وفي رواية: (خشبة في مقدم المسجد)، وفي أخرى: (في قبلة المسجد)، وفي أخرى: (إلى جذع في قبلة المسجد)، ولعله الذي كان يخطب متكئًا عليه قبل اصطناع المنبر، وهو الذي حنّ على فراقه ﷺ ، واللَّه أعلم.
وقوله: (سرعان الناس) وفي بعض النسخ: (سرعان القوم) فاعل (خرجت)، وهو بفتح السين والراء: أوائل الناس، ويجوز إسكانها، وضبطه الأصيلي بضم وسكون وهو الأشهر، والمراد: الذين يخرجون من الناس سريعًا من غير توقف للذكر والدعاء، وفي حديث حُنينٍ: فخرج سرعان الناس وأخفَّاؤهم.
وقوله: (قصرت) بضم القاف وكسر الصاد، وروي بفتح القاف وضم الصاد، والأول أصح وأشهر، كذا نقل عن بعض شروح البخاري، وفي شرح الشيخ عن النووي: أن الثاني أكثر وأرجح، وعلى الوجهين يضبط قوله في الجواب: (ولم تقصر) معروفًا ومجهولًا.
وقوله: (وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين) اسمه عمير بن عبد عمرو، وقيل: اسمه خرباق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وبالموحدة والقاف،
стр. 1381
فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعِ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٥١، م: ٥٧٣].
ــ
وكنيته أبو محمد، وقيل: خرباق اسم رجل آخر يقال له: ذو الشمالين، وقيل: خرباق غير ذي اليدين وغير ذي الشمالين، وفي شرح "الموطأ" لمحمد: ذو اليدين رجل من بني سليم يقال له: الخرباق، وهو غير ذي الشمالين، قال ابن منده: ذو اليدين رجل من أهل وادي القرى، أسلم في آخر زمن النبي ﷺ ، والسهو كان بعد أحد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد زمن النبي ﷺ أربع سنين، وذو اليدين من بني سليم، وذو الشمالين من أهل مكة قتل يوم بدر قبل السهو بست سنين، وهو رجل من خزاعة حليف بني أمية، ومات ذو اليدين بعد رسول اللَّه ﷺ ، وقال: ووهم فيه الزهري فجعل مكان ذي اليدين ذا الشمالين، وعليه بناء القول بالنسخ، لكنه وهم، وبالجملة اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، والتحقيق ما نقلناه (١)، واللَّه أعلم.
وقوله: (فربما سألوه) أي: ابنَ سيرين.
وقوله: (ثم سلم) أي: رسولُ اللَّه ﷺ .
وقوله: (فيقول) أي: ابنُ سيرين في الجواب عن قولهم: (نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) أي: سُئل ابن سيرين هل: بعد سجدتي السهو تسليم؟ فقال: لم أحفظ من أبي هريرة في التسليم بعد السجدتين شيئًا، لكن أُخبرت أن عمران بن
стр. 1382
وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: . . . . .
ــ
حصين قال: ثم سلم، وجاء في رواية أنه سئل ابنُ سيرين: هل في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة تشهد، وأَحبُّ إلي أن يتشهد، وسيجيء في الفصل الثاني من حديث عمران بن حصين أنه تشهد ثم سلّم.
ثم اعلم أن لشراح الحديث في بيان علوم هذا الحديث كلامًا طويلًا، واستوفاه الشيخ في (فتح الباري) (١) ولو ثقلناه جميعًا لطال الكلام، ولكن نورد ههنا كلامين يهمّ نقلهما: أحدهما في قوله ﷺ : (كل ذلك لم يكن) أي: لا قصرٌ ولا نسيان، وهذا إخبار على خلاف الواقع. وقد أجمعوا على عدم جواز السهو في الأخبار، والخلاف إنما هو في الأفعال، والثاني في وقوع التكلم وأفعالٍ أُخر منه ﷺ مع إتمام الصلاة وعدم استئنافها.
وقيل في الجواب عن الإشكال الأول: إن عدم جواز النسيان في الأقوال والأخبار إنما هو إذا كان متعلقًا بتبليغ الشرائع والوحي لا في جملة الأخبار، وهذا الجواب ضعيف، إذ الإخبار بخلاف الواقع كذب ومنقصة يجب تنزيهه ﷺ عن ذلك، وقد علم بيقينٍ عادةُ الصحابة ﵃ في المبادرة إلى تصديق أقواله والثقة بجميع أخباره ﷺ في أيّ باب كان وأيّ شيء كان، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهم يؤوِّلون قوله: (كل ذلك لم يكن) بأن المراد: في اعتقادي هكذا، لا في نفس الأمر، وهذا خبر صادق بلا شبهة، أو هو كناية عن عدم الشعور فكأنه قال: لم أشعر، وهذا أيضًا صادق، وقيل: إن النسيان في هذا القول تابع للنسيان في الفعل وفي حكمه، ولا محذور فيه، ولزوم الكذب مندفع بما ذكر، وههنا أجوبة في غاية الضعف والبعد نقلناها في شرح (سفر السعادة) (٢).
стр. 1383
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَلَ "لَمْ أَنْسَ. . . . .
ــ
وعن الإشكال الثاني قيل: الإتيان بالمنافي والتكلم بطريق السهو لا يمنع جواز البناء وعدم الاستئناف، وهذا الجواب لا يتم في التكلم من ذي اليدين وبعض الصحابة الذين تكلموا؛ لأن تكلمهم لم يكن بسهو، إلا أن يقال: إنهم كانوا تابعين له ﷺ فلم يكن لهم حكم مستقل، وفيه ما فيه.
ثم لا يخفى أن الجواب المذكور لا يجري على مذهب الحنفية أن التكلم بالسهو والنسيان مبطل للصلاة ولا يكون عذرًا، وهم يقولون: إن قصة ذي اليدين وقعت على خلاف القياس فيقتصر على موردها.
وقال بعضهم: إن هذه القضية وقعت قبل نسخ جواز الكلام في الصلاة، وهذا الجواب لا يصح، لا لما قيل: إن إسلام أبي هريرة ﵁ متأخر عنه، وهو راوي حديث ذي اليدين، فلا يكون قبل النسخ بل بعده؛ لأن تأخر إسلام الراوي لا يقتضي تأخر حديثه، ولا ينافي رواية القضية السابقة بالسماع من صحابي مقدَّمِ الإسلام كما تقرر في أصول الحديث، بل لأن أبا هريرة ﵁ قال في حديثه: (صلى بنا رسول اللَّه ﷺ )، وهذا يدل على أن أبا هريرة كان حاضرًا في هذه القضية، فيكون وقوع هذه القضية بعد إسلام أبي هريرة المتأخر من نسخ الكلام في الصلاة، لأن إسلامه كان في غزوة خيبر سنة سبع، وتحريم الكلام في سنة رجوع الصحابة من عند النجاشي، وهو متقدم، والطحاوي حمل قوله: (صلى بنا) على المجاز، أي: صلى بالمسلمين، وهو خلاف الظاهر مع أن مسلمًا وأحمد وغيرهما رووا أنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه ﷺ ، وهذا يدفع هذا التأويل قطعًا، كذا في (فتح الباري) (١).
стр. 1384
وَلَمْ تُقْصَرْ": "كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ" فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
١٠١٨ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتينِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٢٤، م: ٥٧٠].
ــ
وقال بعضهم: إن هذا الكلام من رسول اللَّه ﷺ وذي اليدين كان بالإشارة والإيماء، وهذا أيضًا بعيد، وفي شرح (كنز الدقائق) المسمى بـ (البحر الرائق) (٢): إنا ما وجدنا جوابًا شافيًا عن هذا الاعتراض (٣)، ومذهب الإمام أحمد (٤) أن الكلام في الصلاة عامدًا أو ساهيًا مبطل للصلاة إلا أن يكون لمصلحة الصلاة من الإمام والمأموم كما في هذه القضية، واللَّه أعلم.
١٠١٨ - [٥] (عبد اللَّه بن بحينة) قوله: (فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس) وفي رواية: (فسبحوا فمضى).
стр. 1385
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٠١٩ - [٦] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسجدَ سَجْدَتينِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٥].
١٠٢٠ - [٧] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ الإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَي السَّهْوِ". . . . .
ــ
الفصل الثاني
١٠١٩ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (ثم تشهد ثم سلم) وفيه التشهد بسجدة السهو كما هو مذهبنا، وسيأتي الكلام فيه.
وقوله: (حسن غريب) (١) وقال الحاكم (٢): صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما.
١٠٢٠ - [٧] (المغيرة بن شعبة) قوله: (قبل أن يستوي قائمًا فليجلس) ظاهره أنه لا يسجد للسهو، وفي (الهداية) (٣): قيل: يسجد للسهو للتأخير، والأصح أنه
стр. 1386
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٠٣٦، جه: ١٢٠٨].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٠٢١ - [٨] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ ركَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، فَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "أَصَدَقَ هَذَا؟ ". قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً،
ــ
لا يسجد، ثم هو يدل على أن المعتبر هو تمام القيام وعدمه، وظاهر المذهب عندنا إن كان أقرب إلى القعود عاد وقعد وتشهد، وإن كان أقرب إلى القيام لم يعد، واختلفوا في تفسير القرب، فقيل: لو استوى النصف الأسفل فهو إلى القيام أقرب وإلا فإلي القعود أقرب، وقيل: لو رفع أليتيه وركبتيه فهو إلى القيام أقرب وإلا فإلى القعود أقرب، وقيل: المعتبر رفع ركبتيه وعدمه، وقال الشيخ ابن الهمام (١): واعتبار الأقربية رواية عن أبي يوسف ﵀ اختارها مشايخ بخارى، أما ظاهر المذهب فيما لم يستو قائمًا يعود، وهو الأصح، والتوفيق بين ما روي أنه ﷺ قام فسبحوا فرجع وما روي أنه لم يرجع بالحمل على حالتي القرب من القيام وعدمه ليس بأولى منه بالحمل على الاستواء وعدمه، انتهى.
الفصل الثالث
١٠٢١ - [٨] (عمران بن حصين) قوله: (يقال له: الخرباق) قد سبق الكلام
стр. 1387
ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٤].
١٠٢٢ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً يَشُكُّ فِي النُّقْصَانِ فَلْيُصَلِّ حَتَّى يَشُكَّ فِي الزِّيَادَةِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٩٥].
* * *
ــ
في أنه ذو اليدين السابق أو هو ذو الشمالين غير ذي اليدين، وفيه المخالفة لحديث أبي هريرة من وجهين: كون السلام ثمة من ركعتين، وههنا من ثلاث، وكونه ﷺ ثمة اعتمد على خشبة في المسجد، وههنا دخل منزله، فتعين كما قاله جماعة من الأئمة: إن هذه واقعة أخرى، ولو كان ذو اليدين هو الخرباق فلا مانع كونه المتكلم في كل منهما، واللَّه أعلم.
وقوله: (ثم سلم ثم سجد) ثابت في الأصول، وليس في نسخة.
١٠٢٢ - [٩] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (حتى يشك في الزيادة) بأن يبني على الأقل، ثم يصلي أخرى فهو بعدها يشك في زيادتها، مثلًا: شك في أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا فبنى على الثلاث، فصلى ركعة أخرى، فهو يشك الآن أنها رابعة أو خامسة.
تنبيه: قد عرفت من الأحاديث الواردة في الباب أنه ﷺ سجد في بعض المواضع قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، والظاهر أن يحمل على أنه ﷺ كان يفعل تارة قبل السلام وأخرى بعده وكلاهما سنة، فالشافعي: يسجد في جميع المواضع قبل السلام ترجيحًا للأحاديث الواردة فيه على غيرها، وقيل: هو ﵀ يدعي أن الأحاديث الواردة في السجود بعد السلام منسوخة، ويقول: آخر فعل النبي ﷺ كان أنه يسجد قبله، ولم يثبت ذلك، واللَّه أعلم.
стр. 1388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإمامنا الأعظم يسجد في الكل بعد السلام، ورجح هذه الأحاديث على غيرها بكثرتها وقوتها، فقد جاء في الكتب الستة عن ابن مسعود ﵁ أنه سجد رسول اللَّه ﷺ بعد السلام، وإن جاء فيها أيضًا عن عبد اللَّه ابن بحينة ﵁ أنه سجد قبلها، كذا ذكره الشيخ ابن الهمام (١)، أو بحديث رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وعبد الرزاق عن ثوبان ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم، وتقريره أن فعله ﷺ جاء متعارضًا فتمسكنا بقوله، وهو أقوى عندنا من الفعل كما ثبت في أصول الفقه خصوصًا عند التعارض، لكن ضعف البيهقي إسماعيل بن عباس الذي تفرد بحديث ثوبان ﵁، والحق أنه ثقة؛ لأن يحيى بن معين -الذي هو أشد المحدثين في تحقيق الرجال، ويقال له: محك الرجال- وَثّقَهُ، وقد حققه الشيخ ابن الهمام.
وقد يرجح أيضًا بالقياس على ما هو المذهب من الرجوع إلى القياس عند تعارض الحديثين وتقديم الحديث الذي يوافق القياس، وهو أن سجدة السهو لا تتكرر، فينبغي أن تكون بعد السلام، حتى لو سها عن السلام جبر عنه أيضًا كذا قال الشُّمُنِّي، وقال أيضًا: وهو قول سعد بن أبي وقاص وعبد اللَّه بن مسعود وعمار بن ياسر وابن عباس وابن الزبير ﵃ أجمعين.
وقال الإمام مالك: كل سهو للنقصان سجد له قبل السلام، ولسهو الزيادة بعد السلام، قال: وإن اجتمع السهوان سجد لهما قبل السلام، وعليه المزني وأبو ثور من أئمة الشافعية، ورجح ابن عبد البر قوله على أقوال الأئمة بأن فيه جمعًا بين الخبرين.
وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ،
стр. 1389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا يخفى أن الجمع بين الخبرين في هذا المذهب إنما هو باعتبار أن السجدة واقعة في الصورتين أعني قبل السلام وبعده، لكن يلزم فيه مخالفة بعض الأحاديث كحديث ذي اليدين فإن فيه سهوًا بالنقصان، ومع ذلك السجدة فيه بعد السلام، وأيضًا هذا التوزيع في الفعلين إنما يصح على تقدير إن لم يثبت الحديث القولي من ثوبان، ولما ورد ذلك مطلقًا سواء كان في الزيادة والنقصان، سقط هذا التوزيع الذي اعتبره مالك ﵀، ولزم حمل اختلاف الفعلين على جواز الأمرين.
وقال ابن عبد البر أيضًا في ترجيح مذهب مالك ﵀: إن هذا الفرق موافق لنظر العقل؛ لأن في النقص جبرًا، فينبغي أن يكون داخل أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم الشيطان، فينبغي أن يكون خارجًا، وتعقب بأن كون السجود في الزيادة لأجل ترغيم الشيطان فقط ممنوع، ففيه أيضًا معنى الجبر من جهة دفع الخلل، والزيادة في الصلاة نقص، وإن كان في صورة الزيادة وصورة النقص أيضًا تتضمن ترغيم الشيطان، وأيضًا لماذا وجب أن يكون الترغيم خارج الصلاة؟ لم لا يكون الترغيم فيها؟ والترغيم ليس فعلا زائدًا على السجدة، وهو من جنس الصلاة.
وقال الثوري: أقوى المذاهب قول مالك، ثم قول أحمد، وقال آخرون: بل مذهب أحمد أقوى إذ ليس فيه مخالفة الحديث قط، وهو يعمل كل حديث فيما ورد فيه، ومذهب أحمد ﵀ في كل موضع سجد فيه رسول اللَّه ﷺ قبل السلام يسجد قبله، وكل موضع سجد فيه بعده يسجد بعده، وفي غير تلك المواضع يسجد قبله؛ لأن هذا أوفق بالنظر إلى الظاهر؛ لأن السجدة لجبر نقصان الصلاة، وإنها من جنس الصلاة، فلأن يفعل داخلًا فيها قبل الخروج منها أولى وأحسن، ونقل عن أحمد ﵀ أنه قال: لو لم يكن في هذا الباب شيء مرويًا من رسول اللَّه ﷺ لكنت حكمت أن السجدة
стр. 1390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مطلقًا قبل السلام، وينبغي أن يعلم أن هذا الاختلاف المذكور في السجود بأن يكون قبل السلام أو بعده إنما هو في الأفضلية والأولوية، وإلا فلا اختلاف في أصل الجواز لتعارض الأدلة، صرح به في كتب الأئمة الأربعة.
وأما كون السلام واحدًا فاختيار فخر الإسلام وقول محمد، وفي (المحيط): أنه الأصوب؛ لأن السلام الأول للتحليل، والثاني للتحية، وهذا السلام للتحليل، فكان ضم الثاني إليه عبثًا، وقال فخر الإسلام: يسلم تلقاء وجهه، وقيل: عن اليمين، وفي (الهداية) (١): الأصح أن يسلم تسليمتين وهو اختيار شمس الأئمة وقول أبي يوسف ومحمد رحمهما اللَّه حملًا للسلام المذكور في الحديث على المعهود في الصلاة، وهو تسليمتان كذا ذكر الشُّمُنِّي، وقد ذكر أن صدر الإسلام أخا فخر الإسلام كان ينسبه إلى البدعة في قوله بالسلام الواحد، فقال فخر الإسلام: قد أشار محمد ﵀ في "كتاب الأصل" إليه، فلا يكون بدعة، كذا في شرح ابن الهمام (٢).
ثم اختلف الأئمة في التشهد بعد سجود السهو. وهو مذكور في بعض الأحاديث، ولم يذكر في بعضها، وهو ثابت في مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه وبعض المالكية والشافعية لحديث عمران بن حصين على ما رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وإن لم يكن مذكورًا في حديث مسلم عنه، وقالوا: قد تفرد أحد رواة الترمذي بزيادة التشهد مع مخالفته لبقية الرواة وكثرتهم وحفظهم وإتقانهم، فيكون هذا الحديث شاذًا.
стр. 1391
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتمسك بعض الشافعية ممن هو قائل بالتشهد بحديث الترمذي، وقالوا: له طرق كثيرة أبلغته حد الحسن، وقال الحاكم: هو صحيح على شرط الشيخين.
وقد تمسك الحنفية بحديث ابن مسعود ﵁ عند أبي داود والنسائي (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضًا، ثم تسلم"، ذكره الشُّمُنِّي.
وقال في (فتح الباري) (٢): ورواه البيهقي عن المغيرة ﵁ أيضًا، وإسنادهما ضعيف، ومع ذلك له طرق يبلغ بها درجة الحسن، وقال: إنه عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﵁ بلغ درجة الصحة، وعقد البخاري في صحيحه بابًا وترجم له: (باب من لم يتشهد في سجود السهو) قال: سلم أنس والحسن ولم يتشهدا، وقال قتادة: لا يتشهد، ثم ساق حديث ذي اليدين ليس فيه التشهد، وقال في آخر الباب عن سلمة ابن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة ﵁، انتهى. ويفهم من هذا القول أن في غير حديث أبي هريرة تشهد كما في حديث عمران بن حصين، وقال الترمذي: اختلف أهل العلم في التشهد بعد سجدتي السهو، فقال بعضهم: فيه تشهد وتسليم، وقال آخرون: ليس فيه التشهد، بل فيه التسليم، وذهب أحمد وإسحاق إلى أنه إن سجد قبل السلام لم يتشهد، انتهى.
والأصح من قول الشافعي ﵀ أن التشهد بعد سجود السهو غير مسنون.
стр. 1392
٢١ - باب سجود القرآن
ــ
وقال بعضهم: الأصح أنه مسنون، وقيل: القول بالتشهد عنده مبني على القول القديم.
ثم اختار الكرخي من أصحابنا أن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ وبالدعاء في التشهد الذي بعد سجود السهو؛ لأن موضعها آخر الصلاة، وفي (الهداية) (١): أنه الصحيح، وفي بعض شروح "الهداية": أن الصواب أن يقرأ في الأول، وقال الطحاوي: يأتي بهما في الذي قبله والذي بعده؛ لأن كلا منهما في آخر الصلاة، كذا قال الشُّمُنِّي، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): وقول الطحاوي أحوط، كذا في "فتاوى قاضيخان".
٢١ - باب سجود القرآن
اعلم أن الأئمة اختلفوا في وجوب سجود التلاوة وعدمه، فذهب الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ إلى الوجوب، والأئمة الثلاثة على أنها سنة، وفعلها أفضل من تركها، وفي رواية عن أحمد أيضًا واجب إن كانت في الصلاة، وفي خارجها لا، والحجة لنا قوله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١] الآية، الدال على إنكار ترك السجدة عند تلاوة القرآن، وقرنه مع عدم الإيمان كان تركها وعدم الإيمان من قبيل واحد، وأيضًا السجدة جزء الصلاة اقتصر عليها للتخفيف فيكون فرضًا، كالقيام في صلاة الجنازة، وحديث مسلم (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجود اعتزل الشيطان يبكي يقول:
стр. 1393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)، ولا يخفى أن دلالة هذا الحديث على الوجوب يحتاج إلى تأمل، ولعل وجهه أنه يفهم من سياق الحديث أن ابن آدم لو لم يسجد لاستحق النار مثل الشيطان.
وقال الشيخ ابن الهمام (١): إن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلامًا, ولم يعقبه بالإنكار كان دليل صحته، فهذا الحديث ظاهر في الوجوب، وقال أيضًا: آيات السجدة ثلاثة أقسام، قسم فيه الأمر الصريح بالسجود، وقسم يتضمن حكاية استنكاف الكفرة، واستكبارهم عن امتثال الأمر بالسجود، وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء والمؤمنين السجود ومدحهم به، وكل من الامتثال ومخالفة الكفرة والاقتداء بالأنبياء واجب، إلا أن يدل دليل في موضع معين على عدم اللزوم والوجوب، لكن هذه الدلائل ظنية لا تخلو عن شبهة فيثبت به الوجوب لا الفرضية، انتهى.
وما جاء في الأحاديث من التأكيد والمبالغة في أدائه من نحو ما جاء عن ابن عمر من حديث الشيخين وأبي داود: كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ السجدة ونحن عنده فيسجد ونسجد معه، فيزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعا يسجد عليه، وما جاء منه من حديث أبي داود: أن رسول اللَّه ﷺ قرأ عام الفتح سجدة فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والساجد على الأرض حتى إن الراكب يسجد على يده، مما يستأنس به على الوجوب؛ فإن الظاهر أن هذه المبالغة في الازدحام لا تكون في غير الواجب، وقد أورد هذين الحديثين في "جامع الأصول" لإثبات وجوب سجدة التلاوة.
وتمسك القائلون بعدم الوجوب بحديث زيد بن ثابت ﵁ في الصحيحين قال:
стр. 1394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قرأت على النبي ﷺ النجم فلم يسجد، ولو كان واجبًا لسجد هو ﷺ وأمر زيدًا بالسجود، وهذا ضعيف لأنه لا يدل على نفي الوجوب؛ لأن الوجوب ههنا ليس على الفور، فلعله فعله في مجلس آخر، ويحتمل أن قراءة زيد كان في وقت الكراهة، أو على غير طهارة، أو كان ذلك لبيان أنه غير واجب على الفور، أو كان مخصوصًا بسجدة النجم، وفيه اختلاف، وعلى كل تقدير فلا يتم حجة على عدم وجوب مطلق السجدة، وأما ما جاء من حديث عمر ﵁ في (الموطأ) و"صحيح البخاري" أنه قرأ السجدة، وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: (على رسلكم إن اللَّه لم يكتبها علينا إلا أن نشاء)، وفي رواية: (إنا نمر على آية السجدة فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)، فصريح في عدم الوجوب، اللهم إلا أن يراد نفي الوجوب على الفور كما قال الشيخ ابن الهمام، لكن هذا التأويل بعيد ههنا من لفظ الحديث، ويمكن أن يقال: لعله كان ذلك مذهب عمر ﵁، ولم يعلم اتفاق من عداه من الصحابة سوى من كان معه في المجلس، واللَّه أعلم.
والصواب أن يقال: لما كانت الأحاديث متعارضة كان الاحتياط في القول بالوجوب، والشبهة في الدليل لا تنافي الوجوب، ثم الطهارة شرط لسجدة التلاوة بالاتفاق، وروى البخاري تعليقًا: أن ابن عمر ﵄ كان يسجد على غير وضوء، كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية الأصيلي بحذف (غير)، والصواب إثبات (غير) لأن المعروف عن ابن عمر ﵄ أنه كان يسجد على غير وضوء، فقد جاء عن سعيد بن جبير: كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، كذا قال
стр. 1395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكرماني (١)، ووافقه الشيخ في (فتح الباري) (٢) وقال أيضًا: وأما رواية البيهقي بإسناد صحيح عن الليث عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما بأنه أراد بقوله: (طاهر) الطهارةَ الكبرى, أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة.
وقال الشيخ: ولم يوافق ابن عمر أحدٌ على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرجه أيضًا بسند حسن عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسلم، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء.
وذهب بعض السلف إلى أن سجدة التلاوة إنما تجب على المستمع دون السامع إذا اتفق سماعه من غير قصد. وقال سلمان الفارسي ﵁: ما لهذا غدونا، وقال عثمان: إنما السجدة على من استمعها، وقال بعضهم: إنما تجب على السامع إذا سجد القارئ، فالقارئ كالإمام للسامع، وروي هذا عن مالك ﵀ فإنه قال: إنما السجود على المستمع إذا سجد القارئ، وقيل: إنما تجب إذا قصد القارئ قراءة القرآن، فكان السائب بن يزيد لا يسجد لسجود القاصِّ، وهو الذي يقصّ على الناس الأخبار والمواعظ، قال الكرماني (٣): لأنه ليس قاصدًا لقراءة القرآن، والجمهور على أنها تجب على القارئ والسامع مطلقا من غير تقييد بما ذكر.
стр. 1396
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٠٢٣ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجنُّ وَالإِنْسُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٧١].
ــ
الفصل الأول
١٠٢٣ - [١] (ابن عباس) قوله: (سجد النبي ﷺ بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) (١) إنما سجد النبي ﷺ امتثالًا لأمر اللَّه سبحانه بالسجود وشكرًا للنعم العظيمة المعدودة في أول السورة، وسجد المؤمنون متابعة له ﷺ في امتثال الأمر وإتيان الشكر، وسجد المشركون لسماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى ومناة أو لما ظهر من السطوة سلطان العز والجبروت وسطوع أنوار العظمة والكبرياء من توحيد اللَّه ، وصدق رسوله ﷺ حتى لم يبق لهم مسكة ولا اختيار ولا أثر جحود واستكبار إلا من كان أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، وأما ما يروى من أنهم سجدوا لما مدح النبي ﷺ أصنامهم بقوله: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى، فقد أبطلوه بوجوه لا يحتاج إلى أن يبين، فإن تعمد ذلك كفر صريح مما لا يمكن أن يتصور، ولذا لا يجوز جريانه على لسانه ﷺ سهوًا.
وقالوا: إن هذه القضية بهذا الوجه من وضع الزنادقة ومفترياتهم، ولم ينقله أحد من أصحاب الحديث لا في الصحاح ولا في التصنيفات الحديثية إلا بعض أهل السير والمؤرخون المولعون بنقل الغرائب والحكايات، وغاية ما يمكن أن يكون ما يروى في
стр. 1397
١٠٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٨].
ــ
بعض كتب الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قرأ في المسجد الحرام سورة والنجم في مجمع قريش، وكان يتوقف في الآيات ليتلقى الناس ويحفظوها, ولما بلغ هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]، دخل الشيطان وبلغ مسامع المشركين هذه الكلمات بأعلى صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي ﷺ ففرح المشركون، ولما أتم رسول اللَّه ﷺ السورة وسجد مع المسلمين وافقهم المشركون ولم يبق في المسجد الحرام كافر إلا سجد إلا أمية بن خلف الجمحي. وفي رواية: عتبة بن ربيعة، وفي رواية أخرى: وليد بن المغيرة، ولما قام المشركون من المجلس قالوا: ذكر محمد آلهتنا بخير، ونحن نعلم أن اللَّه تعالى هو المحيي والمميت والخالق والرازق، ولكنا نقول: هم شفعاؤنا عند اللَّه، فقد أثبت محمد شفاعة لهم، ولما وافقنا في ذلك صالحناه، وكففنا أيدينا عن إيذائه، فأتى جبريل النبي ﷺ وأخبره بإلقاء الشيطان فاغتم بذلك رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت تسلية له هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] ولهذه الآية تفسير آخر ليس فيه ذكر هذه القصة، واللَّه أعلم.
١٠٢٤ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾) وقد جاء في سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أحاديث من البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وروى أبو داود عن ابن عباس ﵄: لم يسجد رسول اللَّه ﷺ في المفصل منذ تحول إلى المدينة، يعني: وإن سجد في النجم قبل تحوله إلى المدينة، وكذا روى أبو داود والترمذي: سجدنا مع النبي ﷺ في أحد عشر موضعًا لم يكن شيء
стр. 1398
١٠٢٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرأُ ﴿السَّجْدَةَ﴾، وَنحنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٧٦، م: ٥٧٥].
١٠٢٦ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٧٢، م: ٥٥٧].
ــ
من ذلك من المفصل، وهو مذهب مالك ﵀، والقول القديم للشافعي رحمة اللَّه عليه، لكنهم رجحوا حديث أبي هريرة بأنه مُثْبِت، والمُثْبِت مقدم على النافي، على أنهم قالوا: إن في إسناد حديث أبي هريرة ﵁ ضعفًا، فإن ابن عبد البر قال: إنه حديث منكر، وكذا عبد الحق وهو من عظماء أهل الحديث قال: إسناده ليس بقوي، كذا قال الشُّمُنِّي، وقد قال أبو هريرة: سجدنا مع النبي ﷺ ، وهو متأخر الإِسلام، فتدبر.
١٠٢٥ - [٣] (ابن عمر) قوله: (فنزدحم حتى ما يجد أحدنا. . . إلخ) وفيه من الدلالة على وجوب سجدة التلاوة ما لا يخفى كما ذكرنا.
١٠٢٦ - [٤] (زيد بن ثابت) قوله: (فلم يسجد فيها (١)) ليس فيه دلالة على عدم وجوب السجدة كما تمسك به الشافعي ﵀ كما عرفت، وكذا في سجوده ﷺ فيها كما مر لعدم دلالته على الوجوب، ففعله ﷺ وكذا تركه لا يدل على أحد من الجانبين، بل دلائل الوجوب ما ذكرنا في أول المبحث.
стр. 1399
١٠٢٧ - [٥] وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَجْدَةُ ﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا.
١٠٢٨ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَأَسْجُدُ في (ص)؟ فَقَرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَتَى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]. . . . . .
ــ
١٠٢٧، ١٠٢٨ - [٥, ٦] (ابن عباس، ومجاهد) قوله: (سجدة ص ليس من عزائم السجود) (١) في (القاموس) (٢): عَزَمَ على الأمر يعزِم عَزْمًا ويضم: أراد فعله، وقطع عليه، أو جدّ في الأمر، وعزمة من عزمات اللَّه حق من حقوقه، أي: واجب مما أوجبه اللَّه، وعزائم اللَّه فرائضه التي أوجبها، انتهى. وفي (مجمع البحار) (٣): خير الأمور عوازمها، أي: فرائضها التي عزم اللَّه عليك بفعلها، وقيل: هي ما وكدت رأيك وعزمك عليه ووفيت بعهد اللَّه فيه، ومنه: لم يعزم عليها، أي: لم يوجب، والعزم: الجد والصبر، ومنه: ليعزم المسألة، أي: يجد فيها ويقطعها ولا يتردد، ويقرب من المعاني المذكورة العزيمة في الاصطلاح مقابل الرخصة، والمقصود ههنا أن سجدة ﴿ص﴾ ليست من السجدات الواجبة بل كان يسجد موافقة لأخيه داود وشكرًا لقبول توبته، وقد روى النسائي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ سجد في
стр. 1400
فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٦٩، ٤٦٣٢].
ــ
﴿ص﴾، وقال: سجدها نبي اللَّه داود توبة وسجدناها شكرًا لقبول توبته، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري خطبنا رسول اللَّه ﷺ يومًا فقرأ ﴿ص﴾، فلما مر بالسجود نزل وسجد وسجدنا، وقرأها مرة أخرى فلما بلغ السجدة تشرنا (١) للسجود فلما رآنا قال: إنما هذا توبة نبي ولكني رأيتكم تشرتم أراكم استعدتم للسجود.
وقوله: (أمر أن يقتدي بهم) يعني: فأنت أولى وأحق بأن يقتدي، هذه الأحاديث متمسك الشافعية في عدم إيجاب السجدة في ﴿ص﴾، وهي عندنا، وعند مالك وعند أحمد ﵏ في رواية: واجبة لثبوت فعله ﷺ فيها مثل ما ثبت في السجدات الأخر مع دلائل أخر دلت على الوجوب مطلقًا.
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): ليس فيها ما يدل على عدم الوجوب، غاية ما فيه أنه بين السبب في حق داود والسبب في حقنا، وكونه للشكر لا ينافي الوجوب، فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكرًا لتوالي النعم، وفي (مسند أبي حنيفة) عن سماك ابن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى: أن النبي ﷺ سجد في ﴿ص﴾، وأخرج الإِمام أحمد عن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: رأيت رؤيا وأنا أكتب سورة ﴿ص﴾، فلما بلغت السجدة رأيت الدواة والقلم وكل شيء يحضرني انقلب ساجدًا، قال: فقصصتها على رسول اللَّه ﷺ فلم يزل يسجد لها، فأفاد أن الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها
стр. 1401
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٠٢٩ - [٧] عَنْ عَمْروِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ في الْمُفَصَّلِ. وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٠١، جه: ١٠٥٧].
ــ
من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان قد لا يعزم عليها، فظهر أن ما رواه (١) إن تمت دلالته كان قبل هذه القصة.
الفصل الثاني
١٠٢٩ - [٧] (عمرو بن العاص) قوله: (أقرأه) وفي بعض النسخ أقرأني، أي: أعلمني، كذا في بعض الشروح، وفي شرح الشيخ: أي: أمرني أن أقرأ عليه، كما يقول الشيخ المحدث المجيز: أقرأني فلان، أي: حملني على أن أقرأ عليه.
وقوله: (وفي سورة الحج سجدتين) أي: أقرأني سجدتين، وفي رواية: وفي الحج سجدتان، اتفق الأئمة الثلاثة غير مالك في رواية أن السجدات أربعة عشر، فأبو حنيفة يقول بسجدة ص ولا يقول بثانية الحج، والشافعي وأحمد رحمهما اللَّه على الأشهر على العكس، وعند مالك ﵀ إحدى عشرة، وليس في المفصل عنده سجدة، وقد يروى عن أحمد ﵀ أنها خمسة عشر، وقد ضعف بعضهم حديث عمرو بن العاص، واللَّه أعلم. وقال عبد الحق: ابن منين بنونين مصغرًا راوي هذا الحديث عن عبد اللَّه بن عمرو لا يصلح للاحتجاج، وقال ابن قطان: وهو مجهول ولا يعرف حاله،
стр. 1402
١٠٣٠ - [٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.
ــ
كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، وعند الحنفية المراد بالسجدة الثانية في الحج سجدة الصلاة لاقترانه بالأمر بالركوع، والمعهود في مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو ركن الصلاة نحو: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].
١٠٣٠ - [٨] (عقبة بن عامر) قوله: (فضلت سورة الحج (٢)) بحذف همزة الاستفهام، ولا حجة في ذلك للخصم لاحتمال أن يكون التفضيل لاشتماله على ذكر سجدة التلاوة وسجدة الصلاة، فإن في ذلك أيضًا فضلًا ولكن جوابه ﷺ يدل على أن المراد سجدتا التلاوة.
وقوله: (فلا يقرأهما) أي: لم يقرأ آيتهما قراءة كاملة موافقة للسنة المؤكدة من سنن القراءة.
وقوله: (ليس إسناده بالقوي) لأن فيه ابن لهيعة وقد ضعِّف، ونقل عن الحاكم أنه قال: عبد اللَّه بن أبي لهيعة أحد الأئمة، وإنما حصل له اختلاط في آخر عمره، وقال الشيخ ابن الهمام (٣): وروى أبو داود في (المراسيل) عنه ﷺ : فضلت سورة الحج بسجدتين، قال: وقد أسند ولا يصح.
стр. 1403
وَفِي "الْمَصَابِيحِ": "فَلَا يَقْرَأْهَا" كَمَا في "شَرْحِ السُّنَّةِ". [د: ١٤٠٢، ت: ٥٧٨].
١٠٣١ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ فَرَأَوْا أَنَّهُ قَرَأَ ﴿تَنْزِيلَ﴾ السَّجْدَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٠٧].
١٠٣٢ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ. . . . .
ــ
وقوله: (وفي "المصابيح": فلا يقرأها) أي: السورة، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، كأن بترك السجدتين تفوت فضيلة قراءة السورة كلها، وقد صوب بعضهم رواية: فلم يقرأهما، بضمير التثنية، وهو الظاهر، ثم لا يخفى أن الظاهر (فلم) مكان (فلا) كما في (المصابيح)، واللَّه أعلم.
١٠٣١ - [٩] (ابن عمر) قوله: (ثم قام فركع) أي: لما قام من سجدة التلاوة ركع ولم يقرأ بعد القيام شيئًا، يعني: لم يقرأ باقي السورة، وفيه: إن من شاء أن يقرأ باقي السورة بعد السجدة جاز، ومن شاء أن لا يقرأ باقيها جاز أيضًا لكنه يلزم قراءة بعض السورة، وهو جائز في الجملة، ولا يلزم من هذا الحديث عدم اكتفاء الركوع عن سجدة التلاوة كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀؛ لأنه ليس بواجب بل جاز أن يكتفي، والأفضل أن يسجد كما لا يخفى، فتدبر.
وقوله: (فرأوا أنه قرأ ﴿تنزيل﴾ السجدة) أي: عملوا ذلك بأن سمعوا بعض آية، وقد سبق بيانه في (باب القراءة).
١٠٣٢ - [١٠] (وعنه) قوله: (كان يقرأ رسول اللَّه ﷺ علينا القرآن) مطلقًا في الصلاة وغيرها، فعلم منه أن سجدة التلاوة ثابت على القاريء والسامع جميعًا.
стр. 1404
وَسَجَدْنا مَعَه (١). رَوَاهُ أبو دَاوُدَ. [د: ١٤١٣].
١٠٣٣ - [١١] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الأَرْضِ، حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ (٢). رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ. [د: ١٤١١].
١٠٣٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٠٣].
ــ
١٠٣٣ - [١١] (وعنه) قوله: (قرأ عام الفتح سجدة) أي: آية سجدة، والظاهر أن المراد غير قضية قراءة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وسجود المسلمين والمشركين كلهم كما مر؛ لأن المشركين الذين كان فيهم من أخذ كفًّا من حصى ورفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني، لم يكونوا عام الفتح بل كان ذلك بمكة قبل الفتح، فتدبر.
١٠٣٤ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (لم يسجد في شيء من المفصل) هذا مخالف لحديث أبي هريرة ﵁، وحديثه هو الراجح، وأيضًا كثير من الصحابة رووا السجدة
стр. 1405
١٠٣٥ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ١٤١٤، ت: ٥٨٠، ن: ١١٢٩].
١٠٣٦ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ، كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَحُطَّ (١) عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا،
ــ
فيها، والإثبات مقدم على النفي كما مرّ.
١٠٣٥ - [١٣] (عائشة) قوله: (بالليل) ليس هذا للتخصيص بل بيان لوقت السماع فإنه ﷺ كان يسر بالنهار، وقد عرف قوله ﷺ هذا القول في مطلق سجود التلاوة، كذا قيل، واللَّه أعلم. وقيل: يقرأ هذا الدعاء: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وقيل: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]، لأنه حكي في القرآن من الساجدين أنهم يقولون ذلك، كذا قال الشُّمُنِّي، والظاهر من مذهب الحنفية ﵏ أن التسبيح المسنون في سجدة الصلاة يكفي في سجدة التلاوة؛ لأن السجدة الصلاتية أفضل من سجدة التلاوة، فإذا كفى هناك كفى ها هنا بطريق الأولى، ومع ذلك فلا شبهة أنه إن صح رواية شيء من الأدعية في سجدة التلاوة كان قراءته فيها أولى، واللَّه أعلم.
١٠٣٦ - [١٤] (ابن عباس ﵄) قوله: (إلا أنه لم يذكر وتقبلها مني. . . إلخ)