١٠٥٩ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يَمْنَعْهَا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٣٨، م: ٤٤٢].
ــ
﵀، وعندنا إن خشي أن تفوته ركعة وتدركه الأخرى يصلي ركعة الفجر عند باب المسجد، ثم يدخل مع الإِمام لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، وإن خشي فوتهما دخل مع الإِمام لأن ثواب الجماعة أعظم، والوعيد بالترك ألزم، كذا في (الهداية) (١).
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): ولو كان يرجو إدراكه في التشهد، قيل: هو كإدراك الركعة عندهما، وعلى قول محمد لا اعتبار به كما في الجمعة، وما نقل عن الفقيه إسماعيل الزاهد أنه ينبغي أن يشرع في ركعتي الفجر، ثم يقطعهما فيجب القضاء فيتمكن من القضاء بعد الصلاة، دفعه الإِمام السرخسي بأن ما وجب بالشروع ليس أقوى مما وجب بالنذر، ونص محمد أنَّ المنذور لا يؤدى بعد الفجر قبل الطلوع، وأيضًا هذا شروع في العبادة بقصد الإفساد، فإن قيل: بل ليؤديها مرة أخرى، قلنا: إبطال العمل قصدًا منهي عنه، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، انتهى.
١٠٥٩ - [٨] (ابن عمر) قوله: (فلا يمنعنها) وهو محمول على عجوز غير مشتهاة لم تخرج بطيب ولا زينة، وفي زماننا خروج النساء للجماعة مكروه لفساده، وقيل: لأن الغرض من حضورهن كان ليتعلمن الشرائع، ولا احتياج إلى ذلك في زماننا لشيوعها، والتستر بهن أولى (٣).
стр. 1437
١٠٦٠ - [٩] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٣].
١٠٦١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعشَاءَ الآخِرَةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٠٦٢ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٦٧].
١٠٦٣ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةُ الْمَرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا،
ــ
١٠٦٠ - [٩] (زينب امرأة عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إذا شهدت إحداكن) يدل على الشهود جزمًا، لكن المنهي عنه مس الطيب، ولذا لم يقل: إن شهدت.
١٠٦١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (بخورًا) بفتح الباء: ما يتبخر به، وفسروه أيضًا بأخذ دخان الطيب المحرق.
وقوله: (العشاء الآخرة) خصها بالذكر؛ لأن وقوع الفتنة فيها أقرب، لا للحصر.
الفصل الثاني
١٠٦٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (وبيوتهن خير لهن) يدل على أن الأفضل للنساء عدم الخروج، وليس شأن الجماعة فيهن من الوجوب والتأكيد كما في الرجال.
١٠٦٣ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (في حجرتها) الحجرة: الناحية، وتفسر
стр. 1438
وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في بَيْتِهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٧٠].
١٠٦٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِلْمَسْجِدِ حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٤١٧٤، حم: ٢/ ٢٤٦، ٢٩٧، ٣٦٥، ٤٤٤، ٤٦١، ن: ٥١٢٧].
١٠٦٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَإِنَّ الْمَرْأةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا". . . . .
ــ
بصحن البيت، وفي بعض الشروح: قال زين العرب: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها.
وقوله: (في مخدعها) بكسر الميم وفتحها، وقد تضم والدال مفتوح البتة: داخل البيت من الخلع، وهو الإخفاء، سمي به؛ لأنه يخبأ فيه خير المتاع، وهو الخزانة.
١٠٦٤ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (حبي) الحب بكسر الحاء: المحبوب.
وقوله: (غسلها من الجنابة) الظاهر أن المراد غسل سائر البدن والمبالغة فيه، ولهذا قال الطيبي (١): هذا إذا أصاب الطيب جميع بدنها، وأما إذا أصاب موضعًا مخصوصًا فيغسل ذلك الموضع، وقيل: في التعبير بغسل الجنابة إيماء بأن استعمال الطيب خصوصًا إذا كان لدخول المسجد لما كان للشهوة كان في حكم الجماع، ولهذا فسره في الخبر الآتي بالزنا.
١٠٦٥ - [١٤] (أبو موسى) قوله: (فمرت بالمجلس) أي: الذي فيه الرجال
١٠٧٠ - [١٩] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ. وَلَا يَنْظُرْ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يُصَلِّ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وللتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ [د: ٩٠، ت: ٣٥٧].
١٠٧١ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ لِطَعَامٍ وَلَا لِغَيْرِهِ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ٣/ ٣٥٧].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٠٧٢ - [٢١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ. . . . .
ــ
١٠٧٠ - [١٩] (ثوبان) قوله: (في قعر) أي: جوفه.
وقوله: (وهو حقن) بفتح المهملة وكسر القاف، أي: حابس بوله مع شدته، وفي رواية: وهو حاقن، وحقنه يحقنه: حبسه، واحتقن المريض: احتبس بوله، ولعل المراد ههنا ما يعم حبس الغائط، أو هو من باب الاكتفاء.
١٠٧١ - [٢٠] (جابر) قوله: (لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره) يحمل هذا على ما إذا لم يحضر الطعام ولا قرب حضوره، أو المراد إخراجها عن الوقت، وقيل: النهي في الحقيقة وارد على إحضار الطعام، فافهم.
الفصل الثالث
١٠٧٢ - [٢١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (لقد رأيتنا) الرؤية ههنا بمعنى العلم، ولذا اتحد ضمير الفاعل والمفعول وإن كانا مختلفين بالإفراد والجمع، و (ما يتخلف)
стр. 1442
عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ؛ إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نبَيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نبَيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً،
ــ
ساد مسد المفعول الثاني، والضمير الراجع إلى المفعول الأول محذوف، وإيراد هذا الحديث في باب الجماعة يدل على أنهم حملوا التخلف عن الصلاة على التخلف عن الجماعة، والمراد بـ (علم نفاقه) إما ظهوره أو أعم من ذلك، والمراد أنه لم يكن من شأن المؤمنين (١). وفيه دليل على وجوب الجماعة وإن كان قوله: من (سنن الهدى) يدل على سنيته إلا أن يراد أن ثبوته بالسنة، أو يراد الطريقة المسلوكة في الدين.
وقوله: (الصلاة في المسجد) يشير إلى أن فضل الجماعة إنما هو في المسجد كما قيل، و (حيث) في قوله: (حيث ينادى) يحتمل الزمان والمكان وهو الأظهر.
وقوله: (هذا المتخلف) اسم الإشارة ههنا للتحقير، وفي قوله: (هذه المساجد)
стр. 1443
وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ قِي الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٢٥٦، ٢٥٧].
١٠٧٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، أَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءَ، وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦٧].
ــ
للتعظيم؛ لأنه يستعمل في كلا المقامين كما بين في علم المعاني، والمراد به منافق كان في ذلك الوقت، وقيل: كان أميرًا يتخلف.
وقوله: (يهادى بين الرجلين) أي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، كذا في (مختصر النهاية) (١)، من تهادت المرأة: تمايلت في مشيها، وفي الحديث تأكيدات تدل على غاية المبالغة في الزجر عن ترك الجماعة.
١٠٧٣ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (من النساء والذرية) بيان لـ (ما) بإرادة الوصفية، أو جعل النساء والذرية في حكم غير العقلاء كالأمتعة التي فيها، أو لأن (ما) أعم تستعمل في العقلاء وغيرهم، كما ذكر ابن الحاجب.
وقوله: (أقمت صلاة العشاء) صريح في تخصيص ذلك بالعشاء لكونها أشد وأهم.
وقوله: (ويحرقون ما في البيوت) قالوا: ليس العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة، والغال من الغنيمة، وقيل: إنما ورد ذلك أيضًا تشديدًا وتهديدًا وليس المراد حقيقته، واللَّه أعلم.
стр. 1444
١٠٧٤ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٥٣٧].
ــ
١٠٧٤ - [٢٣] (وعنه) قوله: (أمرنا رسول اللَّه ﷺ ) المأمور به محذوف بقرينة الكلام اللاحق، أي: أمرنا بالوقوف في المسجد إذا كنا فيه وسمعنا الأذان، وقد جاء في هذا الباب أحاديث متعددة، منها الحديثان الآتيان، وأخرج أبو داود في (المراسيل (١)) عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ قال: (لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق وإلا أحد أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع)، ومراسيل سعيد بن المسيب مقبولة بالاتفاق.
ثم هذا النهي مقيد عندنا بما إذا لم ينتظم أمر جماعة، فإذا انتظم لم يكره لأنه تكميل معنى وترك صورة، وإن كان قد صلى ففي العصر والمغرب والفجر خرج ولم يصل لكراهة التنفل بعدها، وفي الظهر والعشاء لا بأس بأن يخرج لأنه أجاب داعي اللَّه مرة إلا إذا أخذ المؤذن في الإقامة، لأنه يتهم بمخالفة الجماعة، وعند الإمام أحمد ﵀ يعيد الجماعة وإن كان وقت النهي؛ لما روى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه (٢) عن يزيد بن الأسود ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر المسجد لم يصلياها معه. وفي رواية: لم يصليا معنا، فقال: "عليَّ بهما"، فجيء بهما
стр. 1445
١٠٧٥ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا أُذِّنَ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩].
ــ
ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: يا رسول اللَّه، إنا قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكم نافلة".
ونقول: هو معارض بما تقدم من حديث النهي، وهو مقدم لزيادة قوته، ولأن المانع مقدم، وكون الخاص مطلقًا مقدم على العام ممنوع، وموضعه الأصول، أو يُحمل على ما قبل النهي جمعًا بين الأدلة، وفي حديث صحيح أخرجه الدارقطني عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا صليت في أهلك، ثم أدركت الصلاة فصلها إلا الفجر والمغرب"، قال عبد الحق -وهو من أئمة الحديث-: تفرد برفعه سهل بن صالح الأنطاكي وكان ثقة، وإذا كان كذلك فلا يضر وقف من وقفه؛ لأن زيادة الثقة مقبولة، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١).
١٠٧٥ - [٢٤] (أبو الشعثاء) قوله: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) قال الشيخ ابن الهمام (٢): ومثل هذا موقوف عند بعضهم وإن كان ابن عبد البر قال فيه وفي نظائره: مسند كحديث أبي هريرة: من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم، وقال: لا يختلفون في ذلك.
стр. 1446
١٠٧٦ - [٢٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَدْركَهُ الأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (١) ". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٧٣٤].
١٠٧٧ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ٢٩٣].
١٠٧٨ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ وَأَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟ قَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ " قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَحَيَّ هَلَا". وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٥٥٣، ن: ٨٥١].
ــ
١٠٧٦ - [٢٥]: (عثمان بن عفان ﵁) قوله: (وهو لا يريد الرجعة) بفتح الراء وكسرها، كذا في النسخ المصححة.
١٠٧٧ - [٢٦] (ابن عباس ﵁) قوله: (فلم يجبه) أي: لم يحضر المسجد ولم يصل فيه بجماعة، وهذا أيضًا دليل الوجوب.
١٠٧٨ - [٢٧] (عبد اللَّه بن أم مكتوم) قوله: (قال: هل تسمع حي على الصلاة) أي: الأذان، وخص الحيعلتين بالذكر لوجود الترغيب على الصلاة فيهما.
وقوله: (فحي هلا) كلمة حث واستعجال وضعت موضع أجب، فـ (حي) بمعنى هلم، و (هلا) بمعنى عجل، ومعناه بالفارسية: بِيَا وبِشَتَابْ، وفي شرح الشيخ:
стр. 1447
١٠٧٩ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٠].
ــ
آثر هذه الكلمة؛ لأن حسن الجواب ما كان مشتقًا من السؤال ومنتزعًا منه، وقد مر تحقيق هذه الكلمة في (باب الأذن).
١٠٧٩ - [٢٨] قوله: (وعن أم الدرداء) زوجة أبي الدرداء، اسمها خيرة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (التقريب) (٢): اسمها هجيمة، وقيل: جهيمة الدمشقية وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة، ولا رواية لها في هذه الكتب، والصغرى فقيهة ثقة ماتت سنة إحدى وثمانين، وفسرها الكرماني بصفات الكبرى، وهو خطأ، كذا في (فتح الباري) (٣).
وقوله: (وهو مغضب) بفتح الضاد.
وقوله: (من أمر أمة محمد ﷺ ) كذا في نسخ "المشكاة" بالجمع بين (أمر) و (أمة)، وفي (فتح الباري) (٤): (من أمر أمة) رواية أبي ذر، وللباقين: (من محمد) بحذف المضاف، وعليه شرح ابن بطال، ووقع في رواية أبي الوقت: (من أمر محمد ﵇).
وقوله: (إلا أنهم يصلون جميعًا) يعني وإياه أيضًا يتركون، فالجواب ما يفهم من هذا الكلام.
стр. 1448
١٠٨٠ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّ عُمَرَ غَدَا إِلَى السُّوقِ، وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لأَنْ أَشْهَدَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٤٣٢].
١٠٨١ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اثْنَانِ فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَةٌ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٧٢].
١٠٨٢ - [٣١] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ". فَقَالَ بِلَالٌ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . . . . .
ــ
١٠٨٠ - [٢٩] (أبو بكر بن سليمان) قوله: (أبو حثمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة.
وقوله: (أن أقوم ليلة) بالتاء، وفي النسخة المصححة: (ليلته) بالإضافة، والضمير للصبح.
١٠٨١ - [٣٠] (أبو موسى الأشعري) قوله: (اثنان) مبتدأ و (جماعة) خبره، ولا يحتاج إلى ارتكاب تكلف بجعله صفة لموصوف محذوف، بناء على قاعدة وجوب تخصيص المبتدأ على ما هو المشهور؛ لما اختاره الرضي من أن المدار على الفائدة، وقد ذكرنا هذا الكلام مرارًا في مواضع متعددة.
١٠٨٢، ١٠٨٣ - [٣١، ٣٢] (بلال بن عبد اللَّه بن عمر، وسالم عن أبيه) قوله:
стр. 1449
وَتَقُولُ أَنْتَ: لَنَمْنَعُهُنَّ.
١٠٨٣ - [٣٢] وَفِي رِوَايَةِ سَالِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا مَا سَمِعْتُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٢].
١٠٨٤ - [٣٣] وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلٌ أَهْلَهُ أَنْ يَأْتُوا الْمَسَاجِدَ". فَقَالَ ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَإِنَّا نَمْنَعُهُنَّ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦].
* * *
٢٤ - باب تسوية الصف
ــ
(تقول أنت: لنمنعهن) فيه دليل على أن النص لا يعارض بالرأي.
١٠٨٤ - [٣٣] (مجاهد) قوله: (أهله) أي: نساءه من زوجته وأمته وغيرهما.
وقوله: (أن يأتوا) ذكّر الضمير باعتبار لفظ الأهل، أو لأن الخروج إلى المساجد من شأن الرجال فنظمهن في سلكهم.
وقوله: (فما كلّمه عبد اللَّه حتى مات) فيه هجران الولد لتركه السنة.
٢٤ - باب تسوية الصف
وهو أن يقيموا صفوفًا مستوية متلاصقين حتى لا يكون بينهم فرج، ولا تقدم وتأخر، معتدلين في القيام على سمت واحد كالخطوط المتوازية، ويراعوا الترتيب فيها، وهو من الآداب الظاهرة التي تركها موجب لإخلال الأحوال الباطنة، كما قيل: الظاهر
стр. 1450
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٠٨٥ - [١] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ،
ــ
عنوان الباطن، كما يجيء في الحديث: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم"، وذلك لما في الاختلاف وتقدم بعض على بعض وتفوقه عليه من التنافر وحدوث الضغينة والوحشة وإثارة العداوة، أو لما في ترك إطاعة أمر اللَّه ورسوله من طريان الظلمة والكدورة في القلوب فيسري إلى الظواهر، ومع ذلك فيه سر، وله خاصية في حدوث الاختلاف كما يظهر من سياق الأحاديث، فافهم.
الفصل الأول
١٠٨٥ - [١] (النعمان بن بشير) قوله: (حتى كأنما يسوي القداح) القدح بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، والجمع القداح، كذا في (القاموس) (١)، وقدح الميسر أيضًا، ويقال للسهم أول ما يقطع: قِطَعٌ بالكسر، ثم ينحت ويبرئ فيسمى بريئًا، ثم يقوم فيسمى قدحًا، ثم يراش ويركب نصله فيسمى سهمًا، وضرب المثل بالقدح في تسوية الصفوف أبلغ في المعنى؛ لأن القدح لا يصلح للأمر الذي عمل به إلا بعد الانتهاء إلى الغاية القصوى في الاستواء، ثم هذا التشبيه مبالغة من حيث إن القدح مثل في الاستواء، وجعل الصف كأنه يسوّى به القدحُ، وكان الظاهر أن يعكس في التشبيه، وجاء في حديث آخر في (النهاية) (٢): (كان يسوي الصفوف حتى يدعها مثل القدح أو الرقيم) أي: مثل السهم وسطر الكتابة.
стр. 1451
حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: "عِبَادَ اللَّهِ! لَتسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٦].
١٠٨٦ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: . . . . .
ــ
وقوله: (حتى رأى أنا قد عقلنا عنه) أي: تعلمنا منه هذه السنة كما أراده منا.
وقوله: (ثم خرج يومًا) أي: للصلاة، (فقام حتى كاد أن يكبر) أي: للإحرام.
قوله: (صدره) فاعل (باديًا) أي: خارجًا صدره من صدور القوم.
وقوله: (لتسون) بضم التاء وفتح السين وضم الواو المشددة مع النون الثقيلة، وللمستملي: (لتسوون) بواوين.
وقوله: (أو ليخالفن اللَّه بين وجوهكم) أي: يحولها إلى أدباركم أو يمسخها على صور بعض الحيوانات كالحمار مثلًا، أو المراد بالوجوه الذوات، أو وجوه قلوبكم كما يأتي: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) أي: أهويتها وإرادتها كما بينا في شرح الترجمة، وفيه غاية التهديد والتوبيخ، أي: واللَّه لا بد من أحد الأمرين؛ إما تسويتكم صفوفكم، أو أن اللَّه تعالى يخالف بين وجوهكم، فلا بد أن تسووها وإلا تقع المخالفة المذكورة.
١٠٨٦ - [٢] (أنس) قوله: (قأقبل علينا) أي: التفت إلينا.
وقوله: (تراصّوا) أي: تلاصقوا وانضموا، رصّ البناء: أحكمه وشدّده، ورصّه: ألزق بعضه ببعض وضم، كرصَّصَه.
وقوله: (فإني أراكم) أي: بالقلب أو بالعين، وقد سبق الكلام فيه.
стр. 1452
"أَتِمُّوا الصُّفُوفَ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي". [خ: ٧١٩، م: ٤٣٤].
١٠٨٧ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: "مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ". [خ: ٧٢٣، م: ٤٣٣].
١٠٨٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: "اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبكُمْ،
ــ
وقوله: (أتموا الصفوف) وإتمام الصفوف يحتمل أن يكون بمعنى تسويتها، والظاهر أن المراد به إتمام الصفوف الأول بمعنى أن لا يشرع في صف حتى يكمل الذي قبله، والأولى أن يراد المعنى الشامل لكلا الأمرين.
١٠٨٧ - [٣] (وعنه) قوله: (من إقامة الصلاة) (١) المأمور بها والممدوح فاعلها في الآيات الكثيرة، قالوا: وفي كل موضع مدحت الصلاة وفاعلها فإنما ذلك بإقامتها، وقد يذم أصلها كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
وقوله: (من تمام الصلاة) أي: كمالها.
١٠٨٨ - [٤] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (يمسح مناكبنا) أي: يسويها بيده الكريمة.
стр. 1453
لِيَلِينِي مِنْكُمْ أولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى،
ــ
وقوله: (ليليني) أي: ليدن مني، روي بحذف الياء الثانية وتخفيف النون، وبإثباتها مفتوحة وتشديد النون، قال التُّورِبِشْتِي (١): حق هذا اللفظ أن يحذف منه الياء لأنه على صيغة الأمر غير أن الرواة رووها بإثبات الياء وسكونها، والظاهر أنه غلط من بعض الرواة، ولعل النمط الأول أثبتوا الياء في الخط على أصل الكلمة قبل دخول لام الأمر فتداولها ألسنة الرواة فأثبتوها في اللفظ، انتهى. وفي شرح الشيخ: وليس إثبات الياء بغلط، فإن عدم حذف الجازم لحرف العلة لغة صحيحة كما صرحوا به، وما ذكر الشيخ صحيح في المضارع المجزوم إذا كان ناقصًا، ويقال: كذلك لغة لم يخشى، فيصح في لفظ الأمر الغائب الذي هو بعينه لفظ المضارع أيضًا، ثم ما ذكره التُّورِبِشْتِي في سبب إثبات الياء من الرواة بعيد جدًا، وقال أيضًا: وأما من نصب الياء وجعل اللام فيها الناصبة، فالوجه فيه لو ثبتت الرواية أن يقال: اللام متعلقة لمحذوف دل عليه أول الحديث، والراوي لم يذكر ذلك اختصارًا للحديث، ففيه تعسف أيضًا بل ليس بشيء، انتهى.
وقوله: (الأحلام) جمع حلم بالكسر بمعنى الأناة والتثبت، وحقيقته: حفظ النفس عند هيجان الغضب، وقد يفسر بالعقل، وقال التُّورِبِشْتِي: ليس الحلم في الحقيقة هو العقل لكن فسره به لكونه من مقتضيات العقل، وقال في (القاموس) (٢): الحلم بالكسر: الأناة والعقل، جمعه أحلام، والنهية بالضم العقل لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح، هذا ما عليه الأكثر، وقد يجعل جمع حلم بالضم على ما في شروح (الهداية) بمعنى نوم البالغ أو البلوغ نفسه، أي: البالغون العقلاء، وعلى الأول يكون من قبيل التأكيد
стр. 1454
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٠].
١٠٨٩ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" ثَلَاثًا،
ــ
والتفسير، وإنما أمرهم ليلوه ليحفظوا صلاته ويضبطوا الأحكام والسنن التي فيها فيبلّغوها فيأخذ عنهم من بعدهم، وقد جاء أنه إذا صلى رسول اللَّه ﷺ كان يقوم أبو بكر ﵁ خلفه محاذيًا له ﵇، وقيل: ليحفظوا صلاته إذا سها فيجبرها أو يجعل أحدهم خليفة له إن احتياج إليها، والمعول على الوجه الأول، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).
وقوله: (ثم الذين يلونهم) كالمراهقين والصبيان، (ثم الذين يلونهم) وهم الخناثى.
وقوله: (فأنتم اليوم أشد اختلافًا) أي: في الكلمة حتى فتنت فيكم الفتن، وذلك بسبب عدم تسويتكم صفوفكم، كذا فسروا، و (أشد) بمعنى أصل الفعل، عبر بصيغة التفضيل مبالغة إذ لم يكن بينهم اختلاف شديد قبل اليوم، اعلم أن الصف الأول للرجال، ثم النساء، ولم يذكر في (الهداية) الخناثى، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): صف الخناثى بين الصبيان والنساء، وكذا في (الوقاية)، وكذلك عند الشافعية على ما يفهم من شرح الشيخ.
١٠٨٩ - [٥] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ثم الذين يلونهم ثلاثًا) فحينئذ يكون
стр. 1455
"وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٢].
١٠٩٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ لَهُمْ: "تَقَدَّمُوا وَأتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ،
ــ
المراتب أربعة: الرجال، والصبيان، والخناثى، والنساء، ولم يذكر في الحديث الأول المرتبة الرابعة لتعينها، فافهم.
وقوله: (وهيشات الأسواق) الهيشة والهوشة: الجماعة المختلطة، والفتنة، والتهيج، والاضطراب، يقال: هاش القوم يهوشون هيشًا: إذا تحركوا وهاجوا، وقيل: هي الموضع الذي فيه كثرة رفع الأصوات واختلاط الناس من كل صنف، كذا في بعض الحواشي، والمراد ههنا التحذير عن ارتفاع الأصوات في المساجد كما ترفع في الأسواق، أو اختلاط البالغين بالصبيان، والذكور بالإناث كما يختلط أهل الأسواق، أو التشاغل بهيشات الأسواق وأمورها، فإنه مانع من أن يسبقوا ويلوني، وقيل: معناه احذروا من أن يصلوا في الأسواق، وفي المواضع التي لا يكون فيها حضور القلب من كثرة الأصوات.
١٠٩٠ - [٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (تأخرًا) أي: في صفوف الصلاة أو في أخذ العلم (١)، والأول أنسب بالباب، والمراد بالائتمام على الأول: الاتباع في الحركات والسكنات في الصلاة بالوقوف عليها، وعلى الثاني: في اكتساب العلوم وتعلمها.
стр. 1456
لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّه". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٨].
١٠٩١ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآنَا حِلَقًا فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ " ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ " فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُولَى وَيتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٤٣٠].
ــ
وقوله: (حتى يؤخرهم اللَّه) أي: عن رحمته وعظيم فضله.
١٠٩١ - [٧] (جابر بن سمرة) قوله: (فرآنا حلقًا) أي: رآنا جلوسًا حلقة حلقة، والحلقة بفتح الحاء وسكون اللام، وقيل: بفتحهما، والأول أشهر، وهي حلقة القوم، والجمع حلق بكسر الحاء، مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع، قاله الخطابي، وذكرها غير واحد بالفتح، قال الحربي فيه: الحلق والحلقة بالسكون مثل تمر وتمرة، قال: ولا أعرف حلقة بالفتح إلا جمع حالقة، كذا في (مشارق الأنوار) (١).
وقوله: (عزين) جمع عزة كعدة، وهي العصبة من الناس، والجمع عزون، كذا في (القاموس) (٢)، أي: ما لكم جلستم جماعات متفرقين ولا تكونون مجتمعين مع توصيتي إياكم، فهو إنكار عليهم في كونهم على هذه الحالة المؤذنة بتفرق قلوبهم ومباينتها، والظاهر أن يكون هذا الإنكار في غير الصلاة خوف افتراق الكلمة، لا في الصلاة؛ لأن الحلقة لا يستقبل كلها القبلة.
وقوله: (ثم خرج علينا) أي: مرة أخرى، وهذه تكون في الصلاة، والمراد
стр. 1457
١٠٩٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٠].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٠٩٣ - [٩] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٦٧].
ــ
بصف الملائكة عند قيامها للطاعة.
١٠٩٢ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (خير صفوف الرجال أولها) (١) لاستماعهم قراءة الإمام ومشاهدتهم لأحواله، وصلاة اللَّه وملائكته عليهم.
وقوله: (وخير صفوف النساء آخرها) لانتفاء الفتنة ومزيد الستر والاحتجاب.
الفصل الثاني
١٠٩٣ - [٩] (أنس) قوله: (وقاربوا بينها) نهى عن الفرجة.
وقوله: (وحاذوا بالأعناق) نهى عن التقدم والتأخر.
وقوله: (كأنها الحذف) بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة: غنم سود صغار من الغنم الحجازية أو اليمن، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس) (٢): الحذف
стр. 1458
١٠٩٤ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧١].
١٠٩٥ - [١١] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ الصُّفُوفَ الأُولَى، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا يَصِلُ بِهَا صَفًّا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٤٣].
١٠٩٦ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٦].
ــ
محركة: طائر أو بطٌّ صغار حجازيةٌ أو جُرَشِيَّةٌ، بلا أذناب ولا آذان، وقد يجيء تفسيره من الراوي في حديث أبي أمامة بأولاد الضأن الصغار، وتأنيث الضمير بتأويل النفس أو لجنس الشياطين أو باعتبار الخبر، وفي نسخة: (كأنه) بالتذكير، وفي غير هذه الرواية: (كأنها بنات حذف).
١٠٩٤ - [١٠] (وعنه) قوله: (ثم الذي يليه) المراد به ما سوى الصف الأخير لا الثاني فقط.
١٠٩٥ - [١١] (البراء بن عازب) قوله: (ما من خطوة أحب) صحح بالرفع والنصب، ولعل الرفع بحذف المبتدأ، والنصب لكونه خبر (ما)، و (من) زائدة، و (يمشيها ويصل بها) المشهور بالتحتانية، وقد يروى بتاء الخطاب، والضميران للخطوة.
١٠٩٦ - [١٢] (عائشة ﵂) قوله: (على ميامن الصفوف) وفي شرح الشيخ: قال بعض أئمتنا: إن الوقوف على يمين الإمام مع البعد عنه أفضل من الوقوف على
стр. 1459
١٠٩٧ - [١٣] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا اسَتْويْنَا كَبَّرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٦٥].
١٠٩٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ: "اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ". وَعَنْ يَسَارِهِ: "اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاودَ. [د: ٦٧٠].
١٠٩٩ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٢].
ــ
يساره مع القرب منه، ونازع في ذلك بعض في الروضة الشريفة، انتهى. ووجه النزاع أن الوقوف فيها على يسار الإمام يكون أقرب من القبر الشريف رحم اللَّه قائله.
١٠٩٧ - [١٣] (النعمان بن بشير) قوله: (يسوي صفوفنا) بيده أو بقوله، ويؤخذ من قوله: (إذا قمنا) أن التسوية كانت بعد الإقامة، إذ لا يقوم المأمون إلا حينئذ، ، كذا في شرح الشيخ، اللهم إلا أن يراد إذا أردنا القيام، وبالتسوية الأمر بها.
١٠٩٨ - [١٤] (أنس) قوله: (اعتدلوا) أي: استقيموا.
وقوله: (سووا صفوفكم) تفسير له أو بدل عنه.
١٠٩٩ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (ألينكم مناكب) أي: أسرعكم انقيادًا لمن يأخذ بمناكبهم الخارجة عن الصف يقدمها أو يؤخرها حتى يستوي الصف، وقال الخطابي: وقد يكون وجه آخر وهو أن لا يمنع لضيق المكان على من يريد الدخول بين الصف ليسدّ الخلل ولا يدفعه بمنكبه، وقيل: المراد بلين المنكب السكينة في الصلاة والطمأنينة والوقار، والوجهان الأولان أنسب بالباب، ويؤيده حديث أبي أمامة الآتي.
стр. 1460
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١٠٠ - [١٦] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -يَقُول: "اسْتَوُوا اسْتَوُوا اسْتَوُوا (١)، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُم مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٦٦].
١١٠١ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: "إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وعَلى الثَّانِي؟ قَالَ: "وعَلى الثَّانِي"، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ،
ــ
الفصل الثالث
١١٠٠ - [١٦] (أنس) قوله: (كما أراكم من بين يدي) ظاهر في الرؤية البصرية.
١١٠١ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (وعلى الثاني) الظاهر أن المراد به غير الأول، أو الثاني حقيقة لكونه مماثل الصف الأول، فافهم. فإن قلت: قوله ﷺ : (إن اللَّه وملائكته يصلّون على الصف الأول) خبر فما معنى قولهم: (وعلى الثاني)، قلنا: هو في معنى طلب كون الثاني كذلك، وسؤاله ﷺ من اللَّه أن يصلي عليهم أيضًا؛ لأنهم قد يُسبقون من غير تقصير منهم.
١١٠٤ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٩].
١١٠٥ - [٢١] وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [حم: ٤/ ٢٢٨، ت: ٢٣١، د: ٦٨٢].
* * *
ــ
١١٠٤ - [٢٠] (عائشة ﵂) قوله: (حتى يؤخرهم اللَّه في النار) أي: يؤخرهم عن الخيرات ويدخلهم في النار، أي: يؤخرهم اللَّه واقعين في النار، ويمكن أن يكون المعنى يوقعهم في أسفل النار، واللَّه أعلم.
١١٠٥ - [٢١] (وابصة بن معبد) قوله: (وابصة) بكسر الموحدة وبالمهملة (ابن معبد) على لفظ محل العبادة.
وقوله: (فأمره أن يعيد الصلاة) تغليظًا وتشديدًا على التأخر (١).
وقوله: (حديث حسن) وصححه ابن حبان والحاكم، ويوافقه ظاهر الخبر الصحيح أيضًا: (لا صلاة للذي خلف الصف)، كذا في شرح الشيخ، وعند أحمد وكذا عند النخعي وحماد وابن أبي ليلى ووكيع ﵏ تبطل صلاة المنفرد عن الصف
стр. 1463
٢٥ - باب الموقف
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١٠٦ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي. . . . .
ــ
وحده لهذا الحديث، قال في (كتاب شرح الخرقي) (١): قال ابن المنذر: ثبت عند أحمد وإسحاق هذا الحديث، وعن علي بن شيبان (٢) أن النبي ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له: (استقبل صلاتك، فلا صلاة لمن خلف الصف)، رواه ابن ماجه وأحمد (٣)، وقال: هذا حديث حسن وقال: ولا فرق بين صلاة الجنازة وغيرها، واستثنى ابن عقيل صلاة الجنازة إذا كانوا خمسة نظرًا لتحصيل ثلاثة صفوف، وهذا إذا صلى جميع الصلاة خلف الصف، أما لو أحرم ثم دخل الصف، أجزأته صلاته، كما يجيء في حديث أبي بكرة في (باب الموقف)، وكذا تبطل صلاة من صلى جنب الإمام عن يساره، وذكره الخرقي، وروى شارحه في ذلك حديثي جابر بن عبد اللَّه وابن عباس ﵃ الآتيين في (باب الموقف).
٢٥ - باب الموقف
الموقف: اسم مكان أو مصدر ميمي، أي: بيان موضع وقوف الإمام والمأموم متقدمًا أو بجنبه على يمينه.
الفصل الأول
١١٠٦ - [١] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (قال: بت في بيت خالتي) هذا حديث
стр. 1464
مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَعَدَلَنِي كَذَلِكَ. . . . .
ــ
ابن عباس مشهور في باب التهجد يروى مختصرًا ومطولًا بحسب ما يقتضيه المقام، والمقصود ههنا بيان قيام المأموم الواحد على يمين الإمام.
وقوله: (فقمت عن يساره) مقتديًا به ﷺ . قال الطيبي (١): وفيه جواز النافلة بالجماعة، ويخدش أن التهجد كان فرضًا على النبي ﷺ ، ففيه جواز اقتداء المتنفل بالمفترض، نعم قد ثبت بحديث أنس وغيره الجماعة في النوافل.
وقوله: (فعدلني) بالتخفيف، أي: صرفني وأمالني، وذلك عمل يسير.
وقوله: (كذلك) أي: عدولًا مثل هذه الحالة التي صورتها لكم بيدي (٢).
стр. 1465
مِنْ وَرَاءِ ظَهره إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٩، ٦٣١٦، م: ٧٦٣].
١١٠٧ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ليُصَلِّيَ، فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ ابْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠١٠].
١١٠٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٥٨].
ــ
وقوله: (من وراء ظهره) أي: آخذًا بيدي من وراء ظهره، إنما أداره من ظهره لئلا يلزم تقدمه على الإمام.
١١٠٧ - [٢] (جابر) قوله: (جبار بن صخر) بفتح الجيم وتشديد الباء.
وقوله: (حتى أقامنا خلفه) فيه أنه إذا كان اثنين يتقدم الإمام.
وقوله: (رواه مسلم) قال بعض الشارحين: لا يوجد هذا الحديث في (كتاب مسلم) مع الإمعان في الطلب، نعم هو حديث صحيح رواه أبو داود (١) مسندًا إلى جابر رواه في (شرح السنة).
١١٠٨ - [٣] (أنس) قوله: (وأم سليم) هي أم أنس، وفي حديث آخر: (والعجوز من وراءنا)، قال الطيبي (٢): وفيه أن الصبي يصف مع الرجال، وقيل:
стр. 1466
١١٠٩ - [٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٦٠].
١١١٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٨٣].
ــ
(يتيم) اسم عَلَمٍ لأخي أنس، فلا دلالة في الحديث إلا أن الصغير يقف مع الرجال، كذا في بعض الشروح، وترجم له البخاري (باب المرأة وحدها تكون صفًا)، وله طرق متعددة مذكورة في (صحيح البخاري)، منها في هذا الباب، ومنها في (صلاة النساء خلف الرجال)، ومنها في (باب الصلاة على الحصير).
١١٠٩ - [٤] (وعنه) قوله: (صلى به وبأمه أو خالته) الضمائر لأنس، و (أو) للشك من الراوي.
١١١٠ - [٥] (أبو بكرة) قوله: (فركع) أي: نوى وكبر وركع في مكانه قبل أن يصل إلى الصف؛ ليدرك النبي ﷺ الركوع ولا يفوته.
وقوله: (زادك اللَّه حرصًا ولا تعد) من العود، فيه دلالة على أن الإفراد خلف الصف لا يبطل الصلاة؛ لأنه لم يأمره بالإعادة خلافًا لأحمد وغيره، كذا قال الطيبي (١)، وقد سبق أنهم إنما يقولون بالبطلان إذا صلى جميع الصلاة خلف الصف منفردًا، فإن قلت: إنه ﷺ نهى عن ذلك، قلنا: النهي للتنزيه لا للتحريم، ولو سلم فليس كل محرم مفسدًا للصلاة لكنه مكروه، ويحتمل أن يكون النهي عن المشي وإن كان قليلًا، وتؤيده رواية: (ولا تَعْدُ) بسكون العين وضم الدال، من العدو بمعنى الإسراع في المشي،
стр. 1467
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١١١١ - [٦] عَنْ سَمُرَة بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: أَمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٣].
١١١٢ - [٧] وَعَنْ عَمَّارٍ: أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ،
ــ
وقد يروى: (ولا تُعِدْ) بضم التاء وكسر العين، من الإعادة، أي: لا تعد الصلاة، واللَّه أعلم (١).
الفصل الثاني
١١١١ - [٦] (سمرة بن جندب) قوله: (سمرة بن جندب) بضم الدال وفتحها.
وقوله: (إذا كنا ثلاثة) ظرف لقوله: (يتقدمنا)، وفيه جواز تقديم ما في حيز (أن) في الظرف (٢).
وقوله: (أن يتقدمنا أحدنا) وهو الإمام.
١١١٢ - [٧] (عمار بن ياسر) قوله: (فأخذ على يديه) أي: جرّ (٣) حذيفة
стр. 1468
فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟ " فَقَالَ عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَديَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٩٨].
ــ
عمارًا من خلف ظهره لينزله إلى سفل ويستوي مع المأمومين.
وقوله: (فاتبعه عمار) أي: طاوعه.
وقوله: (أو نحو ذلك) بالنصب معطوف على مفعول يقول.
اعلم أن المذهب عندنا أنه يكره أن يكون الإمام وحده على الدكّان؛ لأنه تشبه بأهل الكتاب فإنهم يخصون إمامهم بالمكان المرتفع، وأما إذا كان بعض القوم معه فلا يكره، وكذا إذا كان القوم على الدكان والإمام وحده أسفل في ظاهر الرواية.
وقال الطحاوي: إنه لا يكره لعدم التشبه، والجواب أنه وإن لم يكن فيه ذلك التشبه لكن فيه ازدراء بالإمام، واختلف في مقدار الدكّان، والارتفاع الذي تتعلق به الكراهة، فقيل: قدر القامة الوسط، وقيل: ما يقع به الامتياز، وقيل: ذراع كالسترة، وهو المختار، قال الشيخ ابن الهمام (١): والوجه الثاني أوجه؛ لأن الموجب وهو شبهة الازدراء يتحقق فيه غير مقتصر على قدر الذراع، انتهى.
ولا يعرف مقدار الدكّان الذي كان عمار يصلي عليه، فلو عُرِفَ كان حجة على من يخالفه، وقد يجيء ارتفاعه ﷺ على المنبر فيختص الكراهة بما إذا لم يكن لغرض
стр. 1469
١١١٣ - [٨] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ. . . . .
ــ
صحيح، أو يجعل من خواصه ﷺ ، واللَّه أعلم.
فإن قلت: لو كان عمار عالمًا فَلِمَ فعل أولًا؟ ، قلت: لعله نسي حينئذ ثم تذكر، أو كان ذلك خلاف الأولى، ثم اختار ما بيّنه حذيفة.
١١١٣ - [٨] (سهل بن سعد) قوله: (من أي شيء المنبر؟ ) أي: من أي شجر (١) صنع منبر رسول اللَّه ﷺ ؟
وقوله: (من أثل الغاية) وفي رواية: (من طرفاء الغابة)، والأثل بالفتح وسكون الثاء هو الطرفاء، وقيل: شجر يشبه الطرفاء بسكون الراء والمد، و (الغابة) الأجمة محركة، بالفارسية بيشه، وموضع بالحجاز غلب عليه.
وقوله: (عمله فلان) (٢) زيادة في الجواب، وفلان اسمه باقوم الرومي، وقيل: ميمون، والأول أشهر، وقال في (القاموس) (٣): باقوم الرومي النجار: مولى سعيد بن العاص صانع المنبر الشريف، وقد نقل في (فتح الباري) (٤) في اسمه أقوالًا شتى ذكر سبعًا منها، ثم قال: وأما الأقوال الأخر فلا اعتداد بها.
стр. 1470
مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ. هَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي". [خ: ٩١٧، م: ٥٤٤].
١١١٤ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حُجْرَتِهِ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٢٦].
ــ
وقوله: (مولى فلانة) قيل: لم يعرف اسمها لكنها من الأنصار، وقيل: من المهاجرين، وقال بعضهم: عداثة بالعين المهملة والمثلثة، وقيل: عائشة [أنصارية]﵂.
وقوله: (وقام عليه رسول اللَّه ﷺ ) بعد ما كان يخطب مستندًا بجذع كان هناك، وقصة الجذع وحنينه مشهورة قد يدعى تواترها.
وقوله: (ثم رجع القهقرى، ثم عاد إلى المنبر) وليس هذا عملًا كثيرًا؛ لأن المنبر كان ثلاث درجات متقاربة، والظاهر أن قيامه كان على أدنى درجاته، فالنزول والصعود في كل ركعة متيسر بخطوة أو خطوتين.
وقوله: (لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) قال بعض الشافعية: يؤخذ من هذا أن ارتفاع الإمام على المأموم وعكسه إذا كان لحاجة كالتبليغ أو تعليم المأمومين كيفية الصلاة لا يكره بل يسن.
١١١٤ - [٩] (عائشة) قوله: (في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة)
стр. 1471
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١١٥ - [١٠] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ،
ــ
قالوا: المراد بالحجرة المحل الذي اتخذه ﷺ في المسجد من حصير حين أراد الاعتكاف، وبالصلاة ما كان يصلي فيها ليالي رمضان، وأما إرادة حجرة عائشة ﵂ (١) أو حجرة إحدى أمهات المؤمنين فيتعقب بأن صلاته ﷺ في بيته مع اقتداء الناس به في المسجد أمر لا يعقل، ويشترط لمثل هذه الصورة رؤية المأمومين الإمام عند بعض أو اطلاعهم على أحواله عند آخرين، وهذا مفقود في الظاهر هناك، وأيضًا لو فعل ذلك ﷺ لفعله في مرضه، وقد ثبت في حديث زيد بن ثابت (٢) ﵁، وهو حديث صحيح ولفظه: أن النبي ﷺ احتجر حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس، ثم فقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، الحديث الذي ورد في قيامه ﷺ في رمضان عدة ليال، ثم تركه إياه مخافة أن لا يصير فرضًا على الأمة.
الفصل الثالث
١١١٥ - [١٠] (أبو مالك الأشعري) قوله: (وصفّ الرجال) خلفه، الضمير في (صفّ) لرسول اللَّه ﷺ ، وصفّ متعد مطاوعُه اصطفّ، يقال: صففت القوم فاصطفّوا: إذا أقمتُهم في الحرب صفًّا.
стр. 1472
وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا صَلَاةُ -قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: - أُمَّتِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٧].
١١١٦ - [١١] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا فتَى! . . . . .
ــ
وقوله: (وصفّ خلفهم الغلمان) وكأنه لم يذكر النساء لعدم حضورهن.
وقوله: (فذكر صلاته) أي: ذكر أبو مالك تمام صفة صلاة رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (ثم قال (١): هكذا صلاة) بترك المضاف إليه للصلاة.
وقوله: (قال عبد الأعلى) الراوي عن أبي مالك: (لا أحسبه) أي: أبا مالك، (إلا قال: أمتي) أي: عن رسول اللَّه ﷺ هكذا صلاة أمتي، أي: هكذا ينبغي أن يصلّوا بعدي.
١١١٦ - [١١] (قيس بن عباد) قوله: (ابن عباد) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، مخضرم مات بعد الثمانين، ووهم من عدّه من الصحابة، كذا في (التقريب) (٢).
قوله: (ما عقلت صلاتي) أي: ما دريت كيف أصلي وكم صليت، لما حصل عندي بسبب تأخري عن المكان الفاضل مع سبقي إليه.
стр. 1473
لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عُهِدَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا. قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ! مَا تَعْنِي بِأَهْلِ الْعقَدِ؟ قَالَ: الأُمَرَاءُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٠٨].
* * *
ــ
وقوله: (لا يسوءك اللَّه) (١) أي: ينبغي أن لا يسوءك ما فعلته لأنه بأمر اللَّه ورسوله. في (القاموس) (٢): ساءه: فعل به ما يكره.
وقوله: (أن نليه) بدل من (عهد) أي: أمرنا بقوله: (ليلني أولو الأحلام منكم) وأنت لست منهم.
قوله: (ثم استقبل) أي: إلى (القبلة) أي: بعد الصلاة استحضارًا للكعبة في قسمه برب الكعبة، والمراد بأهل العُقَد (٣) الأمراء؛ لأن عليهم رعاية أمور المسلمين دنياهم وآخراهم حتى رعاية صفوفهم في الصلاة ورعاية الموقف فيها شكاية عن أمراء زمانه أو عمن يجيء بعدهم أنهم سيفعلون ذلك، والظاهر هو الأول، فتدبر.
وقوله: (ثلاثًا) يحتمل تكرير القسم فقط أو تمام الكلام.
وقوله: (ما عليهم آسى) أي: أحزن، يقال: أسيت عليه كرضيت إسًا: حزنت، من سمع يسمع، والأسا: الحزن.
وقوله: (على من أضلوا) الظاهر من عبارة الطيبي أن فاعل (أضلوا) الأمراء،
стр. 1474
٢٦ - باب الإمامة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١١٧ - [١] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ،
ــ
والمفعول محذوف، أي: الذين اتبعوا الأمراء، انتهى. ويحتمل أن يكون الفاعل العلماء الذين داهنوا وصاروا بذلك سببًا لضلال الأمراء، واللَّه أعلم. ثم الظاهر أن حزن أبي على من يجيء بعد ذلك الزمان، وقال الطيبي (١): ولعله قال ذلك تعريضًا بأمراء عهده، ومات أبي بن كعب في خلافة عثمان ﵃، واللَّه أعلم.
٢٦ - باب الإمامة
أمّهم وبهم: تقدمهم، والإمام: من ائتُمّ به، والإمامة، والائتمام بالإمام، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد ههنا الائتمام في الصلاة، وقد تطلق الإمامة على الإمام الأنثى، ويجمع الإمام على أئمة، والأصل أءممة على أفعلة مثل إناء وآنية فأدغمت الميم، ونقل حركتها إلى ما قبلها، فلما حركوا الهمزة جعلوها ياء استقالًا للهمزتين، ومنهم من جمع همزتين، وتصغيرها أويمة فقلبت واوًا لضمة ما قبلها، وقيل: أييمة بلا قلب.
الفصل الأول
١١١٧ - [١] (أبو مسعود) قوله: (يؤم القوم أقرأهم) الحديث، اعلم أن الأولوية للإمامة إذا اجتمع قوم يصلحون لها، قد يكون لاقتضاء صفة في ذات أحدهم، وقد
стр. 1475
فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ،
ــ
يكون لا لصفة، وأشار إلى الثاني بقوله: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) أي: في محل ولايته ومظهر سلطانه، وفيما يملكه وما يكون في حكمه، كما في الرواية الأخرى: (ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله)، فلا يتقدم على الوالي مع ترتيب في الولاة والحكام كالإمام الأعظم وخلفائه، ولا على إمام الحي ورب البيت إلا أن يأذنوا؛ لأن ذلك يفضي إلى توهين أمر سلطنتهم وعزتهم، روي أن ابن عمر ﵂ كان يصلي خلف الحجاج، وإلى الأول بقوله: (يؤم القوم أقرؤهم) أي: أحسنهم تجويدًا للقرآن بعد كونه عالمًا بأركان الصلاة وأحكامها، وإن لم يكن عالمًا بتفاصيل أحكام الحوادث والنوائب الحادثة فيها.
(وإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم) أي بأحكام الصلاة ومسائلها بعد كونه يحسن القراءة المسنونة، وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀ عند أكثر أصحابه وأبي يوسف أخذًا بهذا الحديث، وبحديث أبي سعيد وحديث ابن عباس الآتيين وحديث عمرو بن سلمة الآتي في (الفصل الثالث)، وفيه: (إذا حضرت فليؤذن أحدكم وليؤمكم اكثركم قراءة)، وذهب الإمام أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي وأحمد في رواية ﵏ إلى أن يقدم الأفقه الأعلم، ولو كان القارئ جاهلًا بما يحتاج إليه في الصلاة بأن لم يميز بين مفروضها ومسنونها ونحو ذلك، ففيه وجهان عند أصحاب أحمد ﵀، وتمسك الجماعة أن القراءة مفتقر إليها لركن واحد والعلم لسائر الأركان.
وقالوا: إن الأحاديث الدالة على تقديم الأقرأ لأن أقرأهم كان أعلمهم؛ لأنهم كانوا يتلقون القرآن بأحكامه فقدّم في الحديث، ولا كذلك في زماننا فقدمنا الأعلم،