* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١١٥ - [١٠] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ،
ــ
قالوا: المراد بالحجرة المحل الذي اتخذه ﷺ في المسجد من حصير حين أراد الاعتكاف، وبالصلاة ما كان يصلي فيها ليالي رمضان، وأما إرادة حجرة عائشة ﵂ (١) أو حجرة إحدى أمهات المؤمنين فيتعقب بأن صلاته ﷺ في بيته مع اقتداء الناس به في المسجد أمر لا يعقل، ويشترط لمثل هذه الصورة رؤية المأمومين الإمام عند بعض أو اطلاعهم على أحواله عند آخرين، وهذا مفقود في الظاهر هناك، وأيضًا لو فعل ذلك ﷺ لفعله في مرضه، وقد ثبت في حديث زيد بن ثابت (٢) ﵁، وهو حديث صحيح ولفظه: أن النبي ﷺ احتجر حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس، ثم فقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، الحديث الذي ورد في قيامه ﷺ في رمضان عدة ليال، ثم تركه إياه مخافة أن لا يصير فرضًا على الأمة.
الفصل الثالث
١١١٥ - [١٠] (أبو مالك الأشعري) قوله: (وصفّ الرجال) خلفه، الضمير في (صفّ) لرسول اللَّه ﷺ ، وصفّ متعد مطاوعُه اصطفّ، يقال: صففت القوم فاصطفّوا: إذا أقمتُهم في الحرب صفًّا.
стр. 1472
وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "هَكَذَا صَلَاةُ -قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: - أُمَّتِي". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٧].
١١١٦ - [١١] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا فتَى! . . . . .
ــ
وقوله: (وصفّ خلفهم الغلمان) وكأنه لم يذكر النساء لعدم حضورهن.
وقوله: (فذكر صلاته) أي: ذكر أبو مالك تمام صفة صلاة رسول اللَّه ﷺ .
وقوله: (ثم قال (١): هكذا صلاة) بترك المضاف إليه للصلاة.
وقوله: (قال عبد الأعلى) الراوي عن أبي مالك: (لا أحسبه) أي: أبا مالك، (إلا قال: أمتي) أي: عن رسول اللَّه ﷺ هكذا صلاة أمتي، أي: هكذا ينبغي أن يصلّوا بعدي.
١١١٦ - [١١] (قيس بن عباد) قوله: (ابن عباد) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، مخضرم مات بعد الثمانين، ووهم من عدّه من الصحابة، كذا في (التقريب) (٢).
قوله: (ما عقلت صلاتي) أي: ما دريت كيف أصلي وكم صليت، لما حصل عندي بسبب تأخري عن المكان الفاضل مع سبقي إليه.
стр. 1473
لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عُهِدَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا. قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ! مَا تَعْنِي بِأَهْلِ الْعقَدِ؟ قَالَ: الأُمَرَاءُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٠٨].
* * *
ــ
وقوله: (لا يسوءك اللَّه) (١) أي: ينبغي أن لا يسوءك ما فعلته لأنه بأمر اللَّه ورسوله. في (القاموس) (٢): ساءه: فعل به ما يكره.
وقوله: (أن نليه) بدل من (عهد) أي: أمرنا بقوله: (ليلني أولو الأحلام منكم) وأنت لست منهم.
قوله: (ثم استقبل) أي: إلى (القبلة) أي: بعد الصلاة استحضارًا للكعبة في قسمه برب الكعبة، والمراد بأهل العُقَد (٣) الأمراء؛ لأن عليهم رعاية أمور المسلمين دنياهم وآخراهم حتى رعاية صفوفهم في الصلاة ورعاية الموقف فيها شكاية عن أمراء زمانه أو عمن يجيء بعدهم أنهم سيفعلون ذلك، والظاهر هو الأول، فتدبر.
وقوله: (ثلاثًا) يحتمل تكرير القسم فقط أو تمام الكلام.
وقوله: (ما عليهم آسى) أي: أحزن، يقال: أسيت عليه كرضيت إسًا: حزنت، من سمع يسمع، والأسا: الحزن.
وقوله: (على من أضلوا) الظاهر من عبارة الطيبي أن فاعل (أضلوا) الأمراء،
стр. 1474
٢٦ - باب الإمامة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١١٧ - [١] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ،
ــ
والمفعول محذوف، أي: الذين اتبعوا الأمراء، انتهى. ويحتمل أن يكون الفاعل العلماء الذين داهنوا وصاروا بذلك سببًا لضلال الأمراء، واللَّه أعلم. ثم الظاهر أن حزن أبي على من يجيء بعد ذلك الزمان، وقال الطيبي (١): ولعله قال ذلك تعريضًا بأمراء عهده، ومات أبي بن كعب في خلافة عثمان ﵃، واللَّه أعلم.
٢٦ - باب الإمامة
أمّهم وبهم: تقدمهم، والإمام: من ائتُمّ به، والإمامة، والائتمام بالإمام، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد ههنا الائتمام في الصلاة، وقد تطلق الإمامة على الإمام الأنثى، ويجمع الإمام على أئمة، والأصل أءممة على أفعلة مثل إناء وآنية فأدغمت الميم، ونقل حركتها إلى ما قبلها، فلما حركوا الهمزة جعلوها ياء استقالًا للهمزتين، ومنهم من جمع همزتين، وتصغيرها أويمة فقلبت واوًا لضمة ما قبلها، وقيل: أييمة بلا قلب.
الفصل الأول
١١١٧ - [١] (أبو مسعود) قوله: (يؤم القوم أقرأهم) الحديث، اعلم أن الأولوية للإمامة إذا اجتمع قوم يصلحون لها، قد يكون لاقتضاء صفة في ذات أحدهم، وقد
стр. 1475
فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ،
ــ
يكون لا لصفة، وأشار إلى الثاني بقوله: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) أي: في محل ولايته ومظهر سلطانه، وفيما يملكه وما يكون في حكمه، كما في الرواية الأخرى: (ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله)، فلا يتقدم على الوالي مع ترتيب في الولاة والحكام كالإمام الأعظم وخلفائه، ولا على إمام الحي ورب البيت إلا أن يأذنوا؛ لأن ذلك يفضي إلى توهين أمر سلطنتهم وعزتهم، روي أن ابن عمر ﵂ كان يصلي خلف الحجاج، وإلى الأول بقوله: (يؤم القوم أقرؤهم) أي: أحسنهم تجويدًا للقرآن بعد كونه عالمًا بأركان الصلاة وأحكامها، وإن لم يكن عالمًا بتفاصيل أحكام الحوادث والنوائب الحادثة فيها.
(وإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم) أي بأحكام الصلاة ومسائلها بعد كونه يحسن القراءة المسنونة، وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀ عند أكثر أصحابه وأبي يوسف أخذًا بهذا الحديث، وبحديث أبي سعيد وحديث ابن عباس الآتيين وحديث عمرو بن سلمة الآتي في (الفصل الثالث)، وفيه: (إذا حضرت فليؤذن أحدكم وليؤمكم اكثركم قراءة)، وذهب الإمام أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي وأحمد في رواية ﵏ إلى أن يقدم الأفقه الأعلم، ولو كان القارئ جاهلًا بما يحتاج إليه في الصلاة بأن لم يميز بين مفروضها ومسنونها ونحو ذلك، ففيه وجهان عند أصحاب أحمد ﵀، وتمسك الجماعة أن القراءة مفتقر إليها لركن واحد والعلم لسائر الأركان.
وقالوا: إن الأحاديث الدالة على تقديم الأقرأ لأن أقرأهم كان أعلمهم؛ لأنهم كانوا يتلقون القرآن بأحكامه فقدّم في الحديث، ولا كذلك في زماننا فقدمنا الأعلم،
стр. 1476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كذا في (الهداية) (١).
فإن قلت: فما معنى قوله ﷺ : (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)، والمساواة في القراءة توجب المساواة في العلم على هذا التأويل، قلنا: ذلك بحسب الظاهر وغالب الأمر لا قطعًا وكليًّا، فقد كان أبي بن كعب أقرأ وابن مسعود أعلم وأفقه، فجاز تصور المساواة في القراءة مع التفاوت في العلم، فالشارع بيّن حكم هذا الممكن المتصور لو اتفق وقوعه، أو نقول: قال ذلك بحسب زماننا، كذا في بعض شروح (الهداية).
وقال الشيخ ابن الهمام (٢): إنما كان أقرؤهم أعلمهم بأحكام الكتاب فإنهما متلازمان على ما ادعوا، فقال: وإن كانوا في القراءة والعلم بأحكام الكتاب سواء فأعلمهم بالسنة، وللشيخ في هذا المقام كلام طويل فراجعه، وقال: وأحسن ما يستدل به لتقديم الأعلم على الأقرأ حديث: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وكان ثمة من هو أقرأ منه لا أعلم، دليلُ الأول قوله ﷺ : (أقرأكم أبي)، ودليل الثاني قول أبي سعيد: كان أبو بكر ﵁ أعلمنا، وهذا آخر الأمر من رسول اللَّه ﷺ ، فيكون المعوَّل عليه، انتهى.
ثم إن تساووا في العلم والقراءة فالأولى عندنا الأورع الأتقى، وذلك أنه قد ورد في الحديث بعد التساوي في العلم والقراءة التقديم بأقدمية الهجرة، وقد انتسخ وجوب الهجرة، فقدموا مكانها الهجرة عن الخطايا، وفي الحديث: (المهاجر من هجر الخطايا
стр. 1477
وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ". . . . .
ــ
والذنوب)، ثم الأسن فإن تساووا في السن فأحسنهم خلقًا، فإن كانوا سواء فأصبحهم وجهًا، وقد يراد بحسن الوجه كثرة الصلاة بالليل لما جاء في الحديث (١): (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)، وهو تكلف، وللمحدثين كلام في ثبوت هذا الحديث، والثابت عندهم أنه قول شريك بن عبد اللَّه القاضي كما عرف في موضعه، ثم إن استووا في ذلك فأشرفهم نسبًا، فإن كانوا سواء في هذه كلها أقرع بينهم أو الخيار إلى القوم، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام، وذكر أيضًا أنه اختلف في المسافر والمقيم، قيل: هما سواء، وقيل: المقيم أولى يعني للمقيمين، وذلك ظاهر، وفي (الحاوي) (٢) في مذهب الشافعي ﵀ بعد الأسن النسيب، ثم نظيف الثوب، ثم حسن الصوت، ثم الصورة.
وقوله: (ولا يقعد) بالرفع والجزم، وأرادوا بالتكرمة ما يعد للرجل إكرامًا له في منزله من نحو فراش أو سجادة، وفي (المشارق) (٣): ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه، أي: فراشه يريد الذي يكرم بالإجلاس عليه من يقصده، وكذا الوساد وشبهه، قال في (القاموس) (٤): التكرمة التكريم والوسادة، وقد يراد به المائدة، والأول هو الصواب.
وقوله: (إلا بإذنه) متعلق بكلا الفعلين.
يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَّانَا يَتَحَدَّثُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، قَالَ أَبُو عَطِيَّةَ: فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمَ فَصَلِّهْ. قَالَ لَنَا: قَدِّمُوا رَجُلًا مِنْكُمْ يُصَلِّي بِكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّي بِكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ . [د: ٥٩٦، ت: ٣٥٦، ن: ٧٨٧].
١١٢١ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٩٥].
ــ
وقوله: (فصله) الهاء للسكت.
وقوله: (فلا يؤمهم) أي: إلا بإذنهم.
١١٢١ - [٥] (أنس) قوله: (ابن أم مكتوم) هو استخلفه عامًّا مرتين وخاصًا بكونه يؤم الناس ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة، منها غزوة تبوك مع أن أمير المؤمنين عليًّا ﵁ كان هو الخليفة على أهله؛ لئلا يشتغل بالإمامة عن القيام بحفظ من استخلفه من الأهل والعيال، وفيه دليل على جواز إمامة الأعمى من غير كراهة على خلاف ما هو ظاهر مذهبنا أنه تكره إمامة الأعمى معللًا بأنه لا يتوقى النجاسة، وقد جاء في الروايات الفقهية أنه إن كان مقتدى لقوم جاز إمامته. وقيل: إن كان أعلم فهو أولى، كذا في (حاشية الكنز) نقلًا عن (المبسوط) (١).
وقد كان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي في آخر عمره كف بصره فكان يؤم أصحابه، وكان في نفسي من ذلك شيء، وكنت لم أسأله عن ذلك تأدبًا وَعلمًا مني
стр. 1480
١١٢٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٠].
١١٢٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاتُهُمْ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا -وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ. . . . .
ــ
بأن ما كان يفعله لا يكون بغير سند، فظفرت في كتب الفقه ما يحكم بجوازه بل أولويته، كما نقلت، وأما إذا كان في القوم من هو أفضل منه فلا شك أن البصير أولى من الأعمى.
١١٢٢ - [٦] (أبو أمامة) قوله: (لا تجاوز صلاتهم آذانهم) كناية عن عدم رفعها إلى اللَّه تعالى كما يرفع العمل الصالح، وعدم قبولها، وخص الآذان لقربها، ولأنه يقع فيها صوت التلاوة وإن غاية حظهم منها سماع ذكرها، وهذا كما ورد في الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم.
وقوله: (وزوجها عليها ساخط) أي: بالحق وإلا فالأمر بالعكس، نقله الطيبي (١).
وقوله: (وإمام قوم) حملوه على إمام الصلاة، وقد يحمل على إمام ظالم.
وقوله: (وهم) أي: أكثرهم (له كارهون) لحق شرعي.
١١٢٣ - [٧] (ابن عمر) قوله: (والدبار) بكسر الدال المهملة (أن يأتيها بعد
стр. 1481
أَنْ تَفُوتَهُ- وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَةً". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٥٩٣، جه: ٩٧٠].
١١٢٤ - [٨] وَعَنْ سَلامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٨١، د: ٥٨١، جه: ٩٨٢].
١١٢٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ. . . . .
ــ
أن تفوته) أي: يفوت وقتها المستحب فهو مصدر، قيل: جمع دبر وهو آخر أوقات الشيء كإدبار السجود، وفلان لا يدري قبال الأمر من دباره، أي: أوله من آخره، وفي حديث أخر: (لا يأتي الصلاة إلا دبريًّا)، يروى بفتح باء وسكونها منسوب إلى الدبر آخر الشيء، وفتحه من تغيرات النسب.
وقوله: (ورجل اعتبد محررة) أي: نسمة أو نفسًا أو رقبة بأن يأخذ الحر أو المعتق عبدًا ويعامله معاملة العبد، وفي رواية: (محرره) بهاء الضمير، أي: معتقه بأن يكتم إعتاقه أو يجبره على الخدمة.
١١٢٤ - [٨] (سلامة بنت الحر) قوله: (إن من أشراط الساعة) جمع شرط بالتحريك، وهو العلامة، والمراد ههنا علامتها الصغرى.
وقوله: (أن يتدافع أهل المسجد) أي: يدرأ كلٌّ الإمامةَ عن نفسه بعدم تأهلهم لها لجهلهم بما يجوز ولا يجوز.
١١٢٥ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (والصلاة) أي: بالجماعة (واجبة عليكم) أي:
стр. 1482
وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٥٣٣].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١٢٦ - [١٠] عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ نَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: . . . . .
ــ
جائزة أو واجب اعتقاد جوازها، وقد يستدل به على وجوب الجماعة.
وقوله: (والصلاة واجبة على كل مسلم) أي: مسلم تجب الصلاة عليه وإن كان فاسقًا، وفي جواز الاقتداء بالفاسق وكراهته والمبتدع كلام مفصل في كتب الفقه فلينظر ثمة، ثم إن هذا الحديث أعله الدارقطني بأن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة، وقد روي من عدة طرق كلها مضعفة من قبل بعض الرواة، وبذلك يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين وهو الصواب، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١).
الفصل الثالث
١١٢٦ - [١٠] قوله: (عن عمرو بن سلمة) بكسر اللام قالوا: سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه، وبني سلمة قبيلة من الأنصار.
وقوله: (بماء ممر الناس) أي: كنا ساكنين على نهر يمر الناس عليه، فالمراد محل ماء، و (ممر الناس) صفة أو بدل.
وقوله: (ما للناس؟ ) مكررًا، أي: أيّ شيء حدث للناس، كناية عن ظهور دين الإسلام، والتكرار لغاية التعجب.
стр. 1483
يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أوْحَى إِلَيْهِ، أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَكَأَنَّمَا يَغْرَى فِي صَدْرِي،
ــ
وقوله: (ما هذا الرجل) كناية عن ذات رسول اللَّه ﷺ ، ولما كان الغرض معرفة صفاته دون تشخيص الذات أوردت (ما) سؤالًا عن الوصف والماهية. (فيقولون) أي: الركبان.
وقوله: (يزعم) يدل على أن العابرين إذ ذاك كانوا شاكين في أمره، أو الزعم بمعنى القول مطلقًا و (أوحى إليه) بلفظ المعلوم مكرر مرتين، وكذا كناية عما أوحي إليه من القرآن.
وقوله: (ذلك الكلام) أي: الذي ينقلون منه من القرآن، ويحتمل أن يراد أعم من ذلك مما ينقل عنه ﷺ فيما يخبر عن حاله وصدقه في دعوى الرسالة.
وقوله: (فكأنما يغرى) صحح بلفظ المعلوم من سمع يسمع (١)، غرى هذا الحديث (في صدري) أي: لصق، ويفهم من (القاموس) (٢) أنه متعد أيضًا، قال: غرى السِّمن قَلْبَهُ: لزق به وغطّاه، والجلد: ألصقه بالغِراء، وهو بالمد ما يلصق به الأشياء ويتخذ من الجلود والسماك، وفي (الصحاح) (٣): إذا فتحت العين قصرت، وإذا كسرت مدت، ثم المصحح في نسخ (المشكاة) يغرى بالغين المعجمة على ما فسر، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٤): كأنما يغرى في صدري، وكذا أحسبه في رواية
стр. 1484
وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمُ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْح بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا، فَقَالَ: "صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِين كذَا،
ــ
النسفي، أي: يلصق بالغراء، كذا رواه بعضهم وفسره، وعند القابسي والأصيلي وكافتهم فيه: (يقرأ) بالقاف من القراءة، وعند أبي الهيثم: (يقري) كأنه من الجمع من قولهم: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، والأول أوجه.
وقوله: (تلوّم) بالرفع بفتح التاء واللام وتشديد الواو، أصله تتلوم، حذف إحدى التائين، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، تلوم في الأمر: تمكث وانتظر.
وقوله: (الفتح) مفعول (تلوّم) أي: كانت العرب ينتظرون ويقولون: لو فتح مكة لآمنا به.
وقوله: (بادر كل قوم)، في (القاموس) (١): بادره مبادرة وبِدارًا وابتدره وبدر غيره إليه: عاجله، وبدر الأمر وإليه: عجل إليه واستبق.
وقوله: (فقال) أي: النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون الضمير لأبي، أي: قال راويًا عنه ﷺ ، والأول هو الأظهر، وتقلّص: انضم وانزوى، أي اجتمعت وارتفعت إلى أعلى البدن حتى يظهر شيء من عورتي لقصرها، والاست بكسر الهمزة وسكون السين أي دبره، وبهذا الحديث استدلت الشافعية على صحة إمامة الصبي (٢) لكن البالغ أولى
стр. 1485
فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا" فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٠٢].
١١٢٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ. . . . .
ــ
منه، وإن اختص الصبي بفقه وقراءة وغيرهما خروجا من الخلاف، كذا في شرح الشيخ، وهذا الخلاف يرجع إلى الخلاف في اقتداء المفترض بالمتنفل، وقد عرف فيما سبق، وسيأتي في (باب من صلى مرتين).
١١٢٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لما قدم المهاجرون الأولون) أي الذين
стр. 1486
الْمَدِينَةَ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَفِيهِمْ عُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٢].
١١٢٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ثَلَاثَةٌ لَا تُرْفَعُ لَهُم صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ شِبْرًا: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٧١].
* * *
٢٧ - باب ما على الإمام
ــ
هاجروا إلى المدينة قبل مقدم النبي ﷺ .
١١٢٨ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وأخوان متصارمان) أي: مسلمان تقاطعا وتهاجرا، وقطعا بينهما حقوق الإسلام فوق ثلاثة أيام من الكلام والسلام ونحوها، ولهذه المسألة تفصيل ذكر في موضعه.
٢٧ - باب ما على الإمام
لما ذكر الجماعة وفضلها، وذكر الإمامة وأحكامها عقد بابين لبيان ما على الإمام وما على المأموم من الحقوق والآداب التي تلزم لكل منهما رعايتها بالنسبة إلى الآخر، وأهم ما على الإمام التخفيف في الصلاة رعاية لحال المأمومين من المريض والكبير وذي الحاجة، وعدم تطويلها بحيث ينفر الناس عن حضور الجماعة، وينبغي أن يعلم أنه ليس المراد بالتخفيف وترك التطويل أن يترك سنة القراءة والتسبيحات ويتهاون في أدائها، بل أن يقتصر على قدر الكفاية في ذلك، مثل أن يقتصر على قراءة المفصل
стр. 1487
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١٢٩ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ،
ــ
بأقسامها على ما عين منها في الصلاة، ويكتفي على ثلاث مرات من التسبيح بأدائها كما ينبغي مع رعاية القومة والجلسة.
وأكثر ما يراد بتخفيف الصلاة الوارد في الأحاديث تخفيف القراءة، وقد وقع في بعض الأحاديث أنه كان رسول اللَّه ﷺ أخف الناس صلاة في تمام، قيل في معناه: إنه كان يخفف القراءة ويتم الركوع والسجود والتعديل، وقيل: المراد أن تطويله ﷺ يرى بالنسبة إلى صلاة الآخرين في غاية القلة، يعني لو كان غيره ﷺ يقرأ مثل هذه القراءة يرى طويلًا ويورث الملالة بخلافها عنه ﷺ فإنه كان يورث ذوقًا ونشاطًا ولذة وحضورًا بالاستماع عنه ﷺ ، وأيضًا كان في قراءته سرعة وطي لسان يتم في أدنى ساعة كثيرًا منها، ولذا كان يقرأ في صلاة المغرب سورة الأعراف، وبهذا الوجه يكون التمام في نفس القراءة مع الخفة فيها، وأيضًا التخفيف أمر نسبي، فرب طويل يكون قصيرًا بالنسبة إلى أطول منه، ورب قصير يكون طويلًا بالنسبة إلى أقصر منه، فيجتمع الخفة والطول معًا، فافهم.
الفصل الأول
١١٢٩ - [١] (أنس) قوله: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة (١). . . إلخ)
стр. 1488
وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٨، م: ٤٦٩].
ــ
قد عرفت معناه بوجوه.
وقوله: (وإن كان) مخففة من المثقلة.
وقوله: (فيخفف) يدل بظاهره على أن تخفيفه ﷺ الصلاة كان في بعض الأوقات بعارض، ويفهم مما ذكره من قول أنس أن التخفيف كان عادته إلا أن يكون المراد الزيادة على عادته من التخفيف بأن يقطع ما هو فيه من القراءة، ويبالغ في الإسراع على خلاف عادته، كما ذكر في شرح الشيخ، وهو الظاهر كما يدل عليه الحديث الآتي.
وقوله: (أن تفتن أمه) على صيغة المجهول، أي: بقطع الصلاة أو زوال خشوعها (١).
стр. 1489
١١٣٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالتهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٩].
١١٣١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ. وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٣، م: ٤٦٧].
ــ
١١٣٠ - [٢] (أبو قتادة) قوله: (فأتجوز) أي: أترخص وأتساهل وأخفف وأقتصر ولا أطول القراءة والأذكار، فقيل: هو من الجواز بمعنى القطع والتجاوز، وبهذا المعنى فسر الشيخ في شرحه، وقال: أي أقصر متجاوزًا عما كنت أردت فعله لولا بكاؤه، وقيل: بمعنى أقتصر على الجائز المجزي من غير زيادة، والوجد: الحزن ويكسر ماضيه، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (مما أعلم) بمعنى: أعرف أو منزل منزلة اللازم.
١١٣١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (فإن فيهم) كذا للأكثر، وللكشميهني: (فإن منهم)، والمراد بالضعيف ههنا: ضعيف الخلقة.
стр. 1490
١١٣٢ - [٤] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لأَتأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٢، م: ٤٦٦].
١١٣٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُصَلُّونَ لَكُمْ. . . . .
ــ
١١٣٢ - [٤] (قيس بن أبي حازم) قوله: (أن رجلًا) قال الشيخ (١): لم أقف على اسمه، ووهم من زعم أنه حزم بن أبي بن كعب؛ لأن قضيته كانت مع معاذ، وهذا مع أبي بن كعب، كذا في بعض الشروح، وأيضًا كان ذلك في صلاة العشاء، وهذا في صلاة الغداة.
وقوله: (إني لأتأخر عن صلاة الغداة) أي: الفجر في الجماعة.
وقوله: (من أجل فلان) المراد أبي بن كعب، ووهم من فسره بمعاذ.
وقوله: (أشد غضبًا منه) مبالغة أو اسم التفضيل بمعنى أصل الفعل.
وقوله: (فأيكم ما صلى) (ما) زائدة لتأكيد الإبهام، ويحتمل أن يكون بمعنى شيء، تقديره: أيكم صلى بالناس أيّ صلاة كانت.
١١٣٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (يصلون لكم) أي: أئمتكم من الأمراء، أو أعم من ذلك، أي: يصلون لكم وأنتم تتابعونهم.
стр. 1491
فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٤].
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١٣٤ - [٦] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "أُمَّ قَوْمَكَ". . . . .
ــ
وقوله: (فإن أصابوا فلكم) أي: فلكم ولهم الأجر، فذكر لكم وترك لهم للعلم به بقرينة المقام، وقد يوجد في بعض نسخ (المصابيح): (ولهم) في اللفظ.
وقوله: (فلكم وعليهم) أي: لكم أجر ما قصدتم من الصلاة والجماعة، وعليهم وبال النقص والتقصير (١).
الفصل الثالث
١١٣٤ - [٦] (عثمان بن أبي العاص) قوله: . . . . .
стр. 1492
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: "ادْنُهْ"، فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "تَحَوَّلْ". فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ". [م: ٤٦٨].
١١٣٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيفِ وَيَؤُمُّنَا بـ (الصَّافَّاتِ). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٢٦].
* * *
ــ
(إني أجد في نفسي شيئًا) (١) أي من عجب أو كبر أو العجز عن القيام بحقوق الإمامة أو من الوسوسة، يعني فذهب اللَّه بذلك ببركة يد النبي وتصرفه ﷺ .
وقوله: (ادنه) أمر من الدنو والهاء للسكت، و (ثدييّ) بصيغة التثنية، وكذا قوله: (كتفيّ).
١١٣٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (كان رسول اللَّه ﷺ يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات) ظهر شرحه بما ذكرنا في شرح الترجمة، فافهم.
стр. 1493
٢٨ - باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١٣٦ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا قالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨١١، م: ٤٧٤].
ــ
٢٨ - باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق
بأن تكون أفعاله تلو أفعال الإمام وعقيبها لا معًا ولا سابقًا كما ستعلم من الأحاديث، وقوله: (وحكم المسبوق) عطف على (ما).
الفصل الأول
١١٣٦ - [١] (البراء بن عازب) قوله: (لم يحن) أي: لم يَعْوَجْ ولم يَثْنِ ويعطف ظهره للسجود بضم النون وكسرها، حنى يحني ويحنو لغتان من ضرب ونصر.
وقوله: (حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض) فالسنة أن المأموم يتخلف عن الإمام في أفعال الصلاة، قال الطيبي (١): وإن لم يتخلف جاز إلا في تكبيرة الإحرام؛ إذ لا بد أن يصبر المأموم حتى يفرغ الإمام منها (٢)، وقد دلت الأحاديث
стр. 1494
١١٣٧ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي" (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٢٦].
١١٣٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُبَادِرُوا الإِمَامَ: إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، و ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إِذا قَالَ: فَقُولُوا: آمِينَ،
ــ
على ذلك.
١١٣٧ - [٢] (أنس) قوله: (فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود) قد عرف أن المأموم يتخلف عن الإمام، وعدم السبق يجتمع مع المقارنة، فكأنه وقع من بعضهم السبق فنهاهم عن ذلك، أو اكتفى بالنهي عن المكروه تنبيهًا على جواز المقارنة في الجملة أو كناية عن اللحوق والخلفية.
وقوله: (ولا بالانصراف) يحتمل أن يراد به السلام، وهو المناسب لما قبله، وأن يراد التحول من الصلاة قبل الإمام خصوصا في زمنه ﷺ لاحتمال أن يسمع قرآنًا نزل أو بحكم بشيء.
١١٣٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا تبادروا الإمام) أي: لا تسابقوه في شيء
стр. 1495
وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. [خ: ٧٦٩، م: ٤١٥].
١١٣٩ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَاركعُوا، فَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ".
ــ
من الأفعال، ثم ذكرها تفصيلًا بقوله: (إذا كبر فكبروا)، وذكر أكثرها.
١١٣٩ - [٤] (أنس) قوله: (فصرع عنه) بلفظ المجهول، الصرع: الطرح والإسقاط على الأرض، أي: أخطأ الفرس فسقط عنه، و (جحش) أيضًا بلفظ المجهول أي: خدش بحيث منعه من قوة القيام.
وقوله: (ليؤتم به) فلا يخالف في شيء من الأمور بل يتابع، ثم الظاهر أن اللام في (ليؤتم) للغاية لا للتعليل، فافهم.
وقوله: (فقولوا: ربنا لك الحمد) فيه أيضًا موافقة واتباع لترغيب الإمام فيه لا سيما على قول من يقول بتحميد الإمام أيضًا، كما ورد في بعض الأحاديث، فتدبر.
وقوله: (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) ذهب إلى ظاهره أحمد رحمة اللَّه عليه بشرط كونه إمام الحي، وكون المرض مرجو الزوال، وأيضًا إن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم اعتل فجلس صلى من وراءه قائمًا بتفاصيل ذكرت في مذهبه، وقيل: معناه إذا
стр. 1496
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: "إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا" هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَه قِيَامٌ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ إِلَى (أَجْمَعُونَ)، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: "فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا". [خ: ٦٨٩، م: ٤١١].
١١٤٠ - [٥] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ"، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً،
ــ
جلس للتشهد فأشهدوا، وقيل: هو منسوخ، كما قال الحميدي، والحميدي هذا شيخ البخاري لا صاحب (الجمع بين الصحيحين)، وعند أبي حنيفة والشافعي ومالك ﵏ في رواية جاز أن يكون الإمام قاعدًا لعذر والقوم قيامًا كما صلى النبي ﷺ في آخر عمره على قول من ذهب: إن النبي ﷺ كان هو الإمام دون أبي بكر ﵁، وهو الصواب، وعند مالك ﵀ لا تجوز الإمامة قاعدًا على ما ذكره الطيبي (١).
وقوله: (هذا لفظ البخاري) أي من قوله: (قال الحميدي) إلى ههنا.
١١٤٠ - [٥] (عائشة ﵂) قوله: (يؤذنه) بضم الياء من الإيذان، أي: يعلمه ويخبره كما كانت العادة أن بلالًا ﵁ كان يجيء بعد التأذين وحضور الجماعة على باب رسول اللَّه ﷺ فيعلمه بالصلاة، وههنا يحتمل أن يكون الإيذان ليؤمهم أو يأمر أحدًا أن يؤمهم، وجاءت الرواية: (يؤذنه) بالتشديد، والتأذين في الأصل بمعنى رفع الصوت في دعاء أحد.
стр. 1497
فَقَامَ يُهَادَى بَينَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ يتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ،
ــ
وقوله: (يُهَادَى) بلفظ المجهول، والتهادي: التمايل في المشي البطيء، والمعنى يمشي بين رجلين (١) وإحدى يديه على عاتق أحدهما والأخرى على عاتق الآخر.
وقوله: (ورجلاه تخطان في الأرض) لعدم القدرة على ارتفاعهما.
وقوله: (فلما سمع أبو بكر حسه) أي: حركته وصوته، في (القاموس) (٢): الحس بالكسر: الحركة والصوت.
وقوله: (فأومأ) هو بالهمزة في أوله وآخره، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وفي (القاموس) (٤): ومأ كوضع: أشار كأومأ، وفي (المشارق) (٥): وفي الحديث (أومأت برأسها)، وجاء في (البخاري) (٦): (فأومت) في (كتاب الأقضية) وهو مهموز بكل حال، ولعل ههنا أسقطت صورة الهمزة ومعناه أشارت، والاسم الإيماء، وفي (النهاية) (٧): الإيماء الإشارة بالأعضاء كالرأس واليدين والعين والحاجب، يقال:
стр. 1498
فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُسْمِعُ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. [خ: ٦٨٧، م: ٤١٨].
١١٤١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩١، م: ٤٢٧].
ــ
أومأت، وومأت لغة [فيه]، ولا يقال: أوميت، وقد جاءت في الحديث غير مهموز على لغة قريت في قرأت.
وقوله: (يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللَّه ﷺ ) فيه رد على من زعم أن النبي ﷺ كان مقتديًا بأبي بكر ﵁. وقال بعضهم: لا يختلف أن النبي ﷺ خرج من مرض موته بعد دخول أبي بكر ﵁ في الصلاة أنه صار إمامًا لأبي بكر، وأبو بكر ﵁ بقي على إمامته لجماعة من المسلمين كما قال، (والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁) أي: بمنزلة المقتدين له، وإن كانوا في الحقيقة مقتدين به ﷺ ، لكنهم لما لم يسمعوا تكبيره، وإنما سمعه أبو بكر ﵁، ثم يسمعهم إياه كانوا كأنهم يقتدون بأبي بكر ﵁، أي: يأتون أفعال الصلاة برؤية أفعال أبي بكر ﵁، وأقول: في لفظ الحديث إشارة إلى ذلك لأنه قال: (يقتدون بصلاة أبي بكر) لا بأبي بكر ﵁، فإن قيل: فإذا لم يكن أبو بكر ﵁ إمامًا لم يبق لأهل السنة والجماعة في ذلك دليل على خلافة أبي بكر ﵁؟ قلنا: الدليل لهم إنما هو في أمر رسول اللَّه ﷺ إياه بأن يصلي بالقوم ويؤمهم، وكفى بذلك دليلًا.
١١٤١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أن يحول اللَّه رأسه رأس حمار) وفي رواية: (أن يحول اللَّه صورته صورة حمار)، قيل: هذا كناية عن بلادته وعدم فهمه معنى
стр. 1499
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١١٤٢ - [٧] عَنْ علِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ علَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٥٩١].
ــ
الإمامة والائتمام وإلا فقد نرى حسًا أنه لم يحول، وفيه أن الثابت خشية التحويل لا وقوعه، وقال الطيبي (١): أي يجعله بليدًا، وإلا فالمسخ غير جائز في هذه الأمة، وأقول: لعل المراد تحويله في الآخرة لا في الدنيا على أن عدم وقوع المسخ في هذه الأمة مختلف فيه (٢)، واللَّه أعلم.
الفصل الثاني
١١٤٢ - [٧] (علي ومعاذ بن جبل) قوله: (فليصنع كما يصنع الإمام) أي: ليكبر تكبيرة الإحرام، ويوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو السجود أو غير ذلك، ولا ينتظر إتمام الركعة أو الركعتين، لكن الركعة تحسب بالدخول في الركوع.
стр. 1500
١١٤٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهُ شَيْئًا، وَمَن أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٩٣].
ــ
١١٤٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ونحن سجود) جمع ساجد كقعود جمع قاعد.
وقوله: (ولا تعدوه شيئًا) أي: لا تحسبونه شيئًا من الصلاة والركعة.
وقوله: (ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة) له تأويلان، أحدهما: من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، فالمراد بالركعة: الركوع، وبالصلاة: الركعة، ثانيهما: من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة مع الإمام، وهذا في الجمعة على ظاهره، فالمذهب عندنا أن من أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه، وما أدرك وبنى عليه الجمعة، فعند محمد ﵀ إن أدركت معه أكثر من الركعة الثانية بأن أدركه في الركوع بنى عليه الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليه الظهر، وعندهما بنى عليها الجمعة وإن أدرك في التشهد وفي سجود السهو، وفي غير الجمعة محمول على أنه أدرك فضل صلاة الجماعة وثوابها.
قال في (الهداية) (١): ومن أدرك من الظهر ركعة ولم يدرك الثلاث فإنه لم يصل الظهر في الجماعة؛ لأن من أدرك آخر الشيء فقد أدركه فصار محرزًا ثواب الجماعة، لكنه لم يصلها بالجماعة حقيقة، ولهذا يحنث به في يمينه: لا يدرك الجماعة، ولا يحنث في يمينه: لا يصلي الظهر بالجماعة.
وقال في (مجمع البحار) (٢) في تأويله: من أدرك ممن لا تجب عليه كالصبي
стр. 1501
١١٤٤ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١].
١١٤٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٥٦٤، ن: ٨٥٥].
ــ
يبلغ أو المجنون يفيق أو الحائض تطهر لزمته تلك الصلاة، أو من أدرك ركعة في الوقت فقد أدرك كله وهو أداء، ومن أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك فضيلة الجماعة، انتهى. وهذا الوجه الأخير هو ما ذكر الطيبي (١) وغيره، ثم قال: وذكر (ركعة) في الحديث خرج مخرج الغالب، فإن فضيلة الجماعة ولزوم الصلاة غير مقيد بها، والأولى لمن أدرك بعض الوقت، والثاني لمن أدرك بعض الصلاة.
١١٤٤ - [٩] (أنس) قوله: (يدرك التكبيرة الأولى) الظاهر أن المراد إدراك الركعة الأولى، والبراءة من النفاق في الدنيا أن يعصمه من الرياء والكسل في عمل الخير، وفي الآخرة أن لا يعذبه عذاب المنافقين.
وقوله: (رواه الترمذي) وقد تكلم فيه.
١١٤٥ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أعطاه اللَّه مثل أجر من صلاها) هذا إذا لم يكن التأخير بتقصيره.
стр. 1502
١١٤٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ معَهُ؟ " فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٠، د: ٥٧٤]
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١٤٧ - [١١] عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: . . . . .
ــ
١١٤٦ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ألا رجل) الهمزة للاستفهام، و (لا) بمعنى ليس، أو المجموع كلمة العرض.
وقوله: (فيصلي) مرفوع على الأول، ومنصوب على الثاني.
وقوله: (يتصدق) (١) أي: يحسن إليه، والصدقة لا تختص بالمال، بل يشمل كل نفع واصل إلى الغير دنيويًّا كان أو دينيًّا، والنفع ههنا حصول الدرجات الحاصلة بالجماعة.
وقوله: (فقام رجل) هو أبو بكر الصديق ﵁ كما في (سنن البيهقي) (٢).
وقوله: (رواه الترمذي) ليس في بعض النسخ.
الفصل الثالث
١١٤٧ - [١٢] (عبيد اللَّه) قوله: (فقلنا) في بعض النسخ: (قلنا)، (لا، هم
стр. 1503
دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، فَقَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ" قَالَتْ: فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ" قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ " قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ"، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ،
ــ
ينتظرونك) كذا في (صحيح البخاري) بدون الفاء كما في قرائنه. (والمخضب) كمنبر ويقال له: المركن، نوع من الظروف.
وقوله: (لينوء) في (القاموس) (١): ناء نوءًا: نهض بجهد ومشقة.
وقوله: (فأغمي عليه) فيه جواز الإغماء على الأنبياء؛ لأنه من جملة المرض بخلاف الجنون فإنه نقص، وقيده جمع من أئمة الشافعية بغير الطويل، كذا في شرح الشيخ.
وقوله: (والناس عكوف في المسجد) أي: مقيمون به.
وقوله: (ينتظرون النبي ﷺ ) في وضع المظهر موضع المضمر من التعظيم والتفنن
стр. 1504
فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرِ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّىَ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، وَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيتأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: "أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ" فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَاعِدٌ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَليٌّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧، م: ٤١٨].
ــ
ما لا يخفى.
وقوله: (فقال أبو بكر) فإن قلت: كيف رد أبو بكر أمر النبي ﷺ ؟ قلنا: كأنه علم في أول الأمر بالقرينة أنه ﷺ لم يعينه على جهة الإلزام وأن الأمر ليس للوجوب.
وقوله: (تلك الأيام) ظرف (فصلى) وهي سبعة عشر يومًا، كذا في شرح الشيخ.
وقوله: (وجد من نفسه) في بعض النسخ (في) مكان (من)، والأول موافق لما في (صحيح البخاري).
وقوله: (فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال) كأن الإنكار ههنا بمعنى عد الشيء
стр. 1505
١١٤٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ، وَمَنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨].
ــ
منكرًا ضد المعروف، وإلا فلا إنكار منه في شيء مما روي، ويجوز أن يكون الاستثناء مفرغًا، فافهم. ثم قيل: في سبب عدم تسمية عائشة عليًّا مع العباس أنه كان عندها شيء من علي مذ قضية الإفك، لما ظهر من علي ﵁ من عدم المبالغة في تبريتها، كما يظهر من سياق القضية، وفيه أنها قد سمته في مواضع كثيرة ومدحته، فحاشا أن يكون السبب ذلك، بل قد قيل: إنه جاء في رواية التسميةُ في هذا الحديث أيضًا، بل الحق ما قيل: إن سببه أن عليًّا لم يتعين للجانب الآخر كما تعيَّن العباس، فمرة كان علي وأخرى أسامة أو فضل بن عباس ﵃، وقد جاء في رواية أخرى: (وفي الجانب الآخر: رجل من أهل بيته)، واللَّه أعلم.
١١٤٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (من أدرك الركعة) أي: الركوع (فقد أدرك السجدة) أي: الركعة، وإنما قال: السجدة لأن الركعة يتم بها.
وقوله: (من فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير) ظاهره أن قراءة الفاتحة غير فرض في الصلاة، وفي شرح الشيخ: المراد فاتته قراءتها خلف الإمام وعن المسبوق لكونه لم يكن خلفه ليتحمل عنه، ففيه الحث والتأكيد على حضور الصلاة من أولها حتى لا يفوته الخير، وقال الطيبي (١): من أدرك الركوع وإن كان قد أدرك الركعة، لكنه فاته ثواب كثير، حيث فاتته قراءة أم القرآن، وهذا التقدير أحسن وأنسب ملائمة بالسياق، والمآل واحد.
стр. 1506
١١٤٩ - [١٤] وَعنهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الإِمَامِ فَإِنَّمَا ناصِيَتُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ. رَوَاهُ مَالكٌ. [ط: ٢٠٨].
* * *
٢٩ - باب من صلى صلاة مرتين
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١٥٠ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٠، م: ٤٦٥].
ــ
١١٤٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فإنما ناصيته بيد الشيطان) يعني يقلبه على خلاف رضى الحق، وفيه من التشديد ما لا يخفى.
٢٩ - باب من صلى صلاة مرتين
يشمل صورًا شتى، والمقصود منها كما ذكر في الأحاديث أنه إذا صلى الفرض مرة، ثم أتى مسجد جماعة يعيدها، ويصلي بجماعة مأمومًا على التفصيل المذكور في الفقه، والاختلاف بين الأئمة على ما ذكرنا نبذة منه في (باب الأوقات المنهي عنها) أنه صلى مع الإمام مرة، ثم يصلي يؤم الناس كما في حديث معاذ الآتي، وهو الموسوم عند الشافعية بتكرار الفرض وليس كذلك، وإنما الثاني نفل، غايته أنه ينوي الفرض على المشهور عندهم، ويلزمه اقتداء المفترض بالمتنفل وهو جائز عندهم، متمسكين بهذا الحديث، وقد سبق الكلام فيه في (باب القراءة)، فتذكر.
الفصل الأول
١١٥٠ - [١] (جابر) قوله: (فيصلي بهم) لفظ المسلم: (تلك الصلاة)، ولفظ
стр. 1507
١١٥١ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْعِشَاءَ وَهِيَ لَهُ نَافِلَةٌ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالبُخَارِيُّ. [هق: ٥٣٠٥، خ: ٧١١].
ــ
البخاري: (الصلاة المكتوبة).
١١٥١ - [٢] (وعنه) قوله: (وهي له نافلة) وفي رواية: (هي له تطوع)، هذه الزيادة ليست في (الصحيحين) بل رواه البيهقي والدارقطني، وفي شرح الشيخ ورواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي، وقال الشيخ ابن الهمام (١): وقيل: إن تلك الزيادة من كلام الشافعي ﵀ بناء على اجتهاده، ولذا لا يعرف إلا من جهته، وفي كتاب (المشكاة) ههنا بياض، فالمؤلف لم يجده في طريق من السنن.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): هذا الحديث المشتمل على هذه الزيادة في كتاب (المصابيح) لم نجد له في أحد الكتابين، وقد أورده في قسم الصحاح في كتاب (المصابيح)، فلا أدري أزيد من خائض اقتحم به الفضول [إلى متاهة] لم يعرف طرقها أم حديث أورده المصنف على وجه البيان للحديث الأول، أم سهو وقع منه، وقد ذكر أهل العلم بالحديث أن قوله: (وهي نافلة) في حديث جابر غير محفوظ، انتهى.
وقال أبو عبد اللَّه أحمد: حديث معاذ أخشى أن لا يكون محفوظًا؛ لأن ابن عيينة يزيد فيه كلامًا لا يقوله أحد، وقد أسلفنا في (باب القراءة) أنه ﷺ قال: (يا معاذ لا تكن فتانًا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك)، وهذا يفيد منع الإمامة إذا صلى معه ﷺ ، يعني لأنها تكون نافلة حينئذٍ فلا تصح الإمامة؛ لئلا يلزم اقتداء المفترض
стр. 1508
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١١٥٢ - [٣] عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، قَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا" فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا معَنَا؟ ". فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢١٩، د: ٥٧٥، ن: ٨٥٨].
ــ
بالمتنفل، وهذا ينافي هذه الزيادة، فتدبر.
الفصل الثاني
١١٥٢ - [٣]: (يزيد بن الأسود) قوله: (حجته) يعني: حجة الوداع.
وقوله: (بمسجد الخيف) وهو بمنى، والخيف: ما انحدر من غليظ الجبل وارتفع عن المسيل، وكل هبوط وارتقاء في سفح جبل، ونقل عن (المغرب) (١): الخيف: المكان المرتفع.
وقوله: (فلما قضى صلاته وانحرف) أي: سلم وانصرف.
وقوله: (علي بهما) أي: أقبل عليَّ ائتيا بهما، أو أحضرهما عندي كذا فسروه، و (علي) على الوجه الثاني اسم فعل.
وقوله: (ترعد) بلفظ المجهول: تتحرك، يقال: أرعد الرجل: إذا أخذته الرجفة،
стр. 1509
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١٥٣ - [٤] عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ عَن أَبِيه أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى وَرَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٌ؟ " فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جِئْتَ الْمَسْجِدَ وَكُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ". . . . .
ــ
كذا في بعض الشروح، وفي (القاموس) (١): ارتعد: اضطرب، والاسم الرعدة بالكسر والفتح، وأُرْعِدُ بالضم: أخذته الرعدة، والفرائص جمع فريصة بالمهملة، وهي لحمة بين جنب الدابة والكتف، وهي ترجف عند الخوف، وقد يشاهد ذلك في البقر عند إرادة الذبح، وفي (القاموس) (٢): اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال تُرعد، وذلك لهيبة رسول اللَّه ﷺ والخوف من غضبه الذي لا يكاد يثبت الجبل عنده.
الفصل الثالث
١١٥٣ - [٤] (بسر بن محجن) قوله: (عن بسر) بضم الباء وسكون المهملة. (ابن محجن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم.
وقوله: (فأذن) بلفظ المجهول.
وقوله: (وإن كنت قد صليت) تكرير وتأكيد، وقال الطيبي (٣):
стр. 1510
رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢٩٦، ن: ٨٥٧].
١١٥٤ - [٥] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: يُصَلِّي أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَأُصَلِّي مَعَهُمْ، فَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا من ذَلِك، فَقالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلَنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "فَذَلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ".روَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٢٩٩، د: ٥٧٨].
ــ
وتحسين للكلام.
١١٥٤ - [٥] (رجل من أسد بن خزيمة) قوله: (من أسد بن خزيمة) قبيلة من مضر، وهو أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وأسد أيضًا قبيلة من ربيعة ابن نزار.
وقوله: (فأصلي معهم) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم؛ لأن الأصل: يصلي، وأراد بقوله: (يصلي أحدنا) نفسه، فإن قلت: فيكون قوله: (فأصلي معهم) جاريًا على مقتضى الظاهر، فكيف يكون التفاتًا؟ بل الالتفات في قوله: (يصلي أحدنا) من التكلم إلى الغيبة على مذهب السكاكي، قلنا: لما عبر عن نفسه بالغائب وإن كان على خلاف الظاهر صار الظاهر أن يجري بعده على طبقه، وإن كان في نفسه ظاهرًا، ففيه التفات آخر من الغيبة إلى التكلم، كما تقرر في علم المعاني.
وقوله: (فأجد في نفسي شيئًا من ذلك) أي: حزازة هل ذلك لي أم عليَّ؟ وذلك إما لأن فيه اقتداء متنفل بمفترض، والجماعة تقتضي الاشتراك، وإما لغير ذلك، وقد يراد بقوله: (شيئًا من ذلك) الروح والراحة والأنس والحضور، وقوله في الجواب: (فذلك له سهم جمع) أي: نصيب جماعة، أي: ثوابها، ومعناه على الأول: لا ينبغي