← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يعمله ما نواه، سواء كان خيرًا أو شرًّا، محمودًا أو مذمومًا، فرضًا كان أو مندوبًا، محرمًا أو مكروهًا، أفعالًا كانت أو تروكًا، عبادات كانت أو عادات، في كل ذلك يحصل له الثواب إذا نوى، لأن المباحات تصير في حكم المندوبات بإقران نية التقرب إلى اللَّه، مثل الأكل والشرب بنية القوة في عبادة اللَّه، وأمثال ذلك، وأنت خبير بأن هذا المعنى يستفاد من الجملة الأولى أيضًا بحمل اللام على الاستغراق، اللهم إلا أن يفرق بكونه مستفادًا من الثانية صريحًا نصًّا، وفيه ما فيه، ومع ذلك لا يخرجه عن كونها تأكيدًا للأولى. وخامسها: أنه أفادت الثانية أن النيابة لا تصح في النية على ما أفاده قوله: (ما نوى)، والجملة الأولى عارية عن الدلالة عليه. وسادسها: أن الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها. وسابعها: أن الثانية أفادت أن العمل إذا كان مشتملًا على جهات متعددة من الخير يحصل للعامل ثواب ما نوى من تلك الجهات دون الأخرى، مثلًا إذا أعطى فقيرًا قريبًا له: إن أعطاه من جهة فقره، ولم يخطر قرابته له ولم ينوها، يحصل له ثواب الصدقة فقط، وإن أعطاه لأجل القرابة وصلة الرحم ولم تخطر حيثية فقره، يحصل له ثواب الصلة فقط، وإن نواهما يحصل ثوابهما معًا، والجملة الأولى لا تفيد هذا المعنى. وهكذا قد يحصل للشخص بواسطة النية في عمل واحد أنواع من الثواب، ويحرز جميعها بالنية، كالجلوس في المسجد عمل واحد، ويمكن حصول خيرات كثيرة وحسنات متعددة بالنية:

стр. 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأول: أن المسجد بيت اللَّه تعالى وتقدس، فالداخل فيه يكون في حكم الزائر له تعالى، فينوي زيارة مولاه الكريم رجاء في إيفاء وعده، فقد ورد: (من قعد في المسجد فقد زار اللَّه، وحق على المزور إكرام زائره) (١). الثاني: انتظار الصلاة بجماعة، وورد في الصحيح: (أن الرجل في الصلاة ما دام منتظرًا لها)، وهو معنى المرابط المأمور بها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] عند بعض المفسرين، وقد ورد في الصحيح: (ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) (٢)، وقد جاء من الكفارات المكث في المسجد. الثالث: قصد حفظ السمع والبصر وسائر الأعضاء من المحظورات والمنهيات على ما هو شأن المؤمن المتقي، ومقتضى ذلك المكانِ الشريف، الذي لا يحصل غالبًا في الأسواق والطرق وسائر المواضع، فقد ورد في الأخبار: (المسجد بيت كل تقي) (٣). الرابع: اطمئنان القلب، والحضور مع اللَّه، وعدم تفرقة الخواطر وتشتت البال، الذي لا يحصل في غير هذا المكان، وربما يتشرف فيه بالتجلي الذاتي، وقد ورد:

стр. 178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (المؤمن في المسجد كالسمك في الماء (١)). الخامس: نية الاعتكاف، وقالوا: إنه ينبغي للرجل أن ينوي كلما دخل المسجد الاعتكاف، فإنه جائز على قول من يقول: أقله ساعة، ولا يشترط فيه الصوم، فيحصل له ثوابه، ويباح بعض ما لا يباح لغير المعتكف من الأعمال في المسجد، وهذا العمل مما يغفل عنه أكثر الناس مع كونه يسيرًا حاصلًا بلا تكلف. السادس: يحصل ثواب الصلاة على النبي ﷺ ، وهو مسنون في وقت الدخول في المسجد والخروج عنه، فقد صح أن له ثوابًا عظيمًا كثيرًا، ويحصل أيضًا ثواب الأدعية المأثورة عند الدخول والخروج. السابع: التجرد لذكر اللَّه عزّ شأنه، أو استماع الذكر من غيره، أو تذكير الغير وترغيبه إليه بالقول والعمل، وجاء في الأخبار: (من غدا إلى المسجد يذكُر اللَّه ويذكِّر به كان كالمجاهد في سبيل اللَّه) (٢). الثامن: ثواب الحج والعمرة فقد ورد: (من توضأ وراح إلى المسجد وصلى فيه كان له ثواب الحج والعمرة) أو كما قال. التاسع: قصد التعليم والتعلم، أو أمرٍ بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأنه قد حصل هذا في المسجد من جهة اجتماع أنواع الناس فيه. العاشر: قصد زيارة أخ في اللَّه تعالى والتبرك والانتفاع بصحبته.

стр. 179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحادي عشر: قصد السلام أو رده على من كان في المسجد من المسلمين أو دخله. الثاني عشر: قصد التفرغ للفكر في أحوال النفس وأمور الآخرة والاستغفار، والاحتراز عن اللهو واللغو وذكر الدنيا وما لا يعنيه. ومثل هذا: التطيبُ سواء كان يوم الجمعة أو غيرها؛ فإن فيه اتباع سنة رسول اللَّه ﷺ وكان الطيب محبوبًا له ﷺ وقال: (حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء. . .) (١) الحديث، وقصد تعظيم المسجد، ودفع الروائح الكريهة المؤذية من نفسه ومن غيره، وترويح جلسائه من الملائكة وبني آدم، وقصد سد باب الغيبة على من يغتاب له بالرائحة الخبيثة حتى لا يقع في المعصية لغيبته، وقصد معالجة الدماغ وزيادة الفطنة والذكاء ودرك العلوم الدينية والمعارف اليقينية، وإذا نوى في التطيب هذه الأمور حصل له الثواب وصارت العادة عبادة، وإن تطيب بمجرد لذة جسمانية وشهوة نفسانية حُرم الثوابَ بل قد يستحق العقاب، وأمثال هذه الأعمال والنيات كثيرة لا يخفى استنباطها على المستنبطين من أهل النية والذكاء. وثامنها: أن الجملة الثانية أفادت أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والأدعية والتلاوة؛ لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، وأما ما حدث فيه عرف -كالتسبيح للتعجب- فلا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يحصل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو

стр. 180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خير من السكوت مطلقًا، أي: المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، ويؤيده قوله ﷺ : (في بضع أحدكم صدقة)، ثم قال في الجواب عن قولهم: (أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ ): (أرأيت لو وضعها في حرام؟ ) وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من الفعل الحرام، كذا في (فتح الباري) (١). قال العبد الضعيف -صانه اللَّه عما شانه-: إن الأذكار والأدعية والتلاوة، وإن كانت لا تتردد بين العبادة والعادة صورة، ولا يحتاج في ذلك إلى النية، ولكن لابد في كونها عبادة مقبولة مثابًا عليها من نية التقرب إلى اللَّه والإخلاص فيها، بل لا عبادة حقيقة لو تمحضت رياء وسمعة، فلا يكفي في حصول الثواب كونها في صورة العبادة دون العادة. وتاسعها: قال الكرماني (٢): فهم من الأولى أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات، ومن الثاني أن النيات إنما كانت مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص، انتهى. وهذا مبني على أن لا يقدر ثواب الأعمال، وعلى الفرق بين النية والإخلاص، فافهم. الرابع: في قوله: (فمن كانت هجرته إلى اللَّه وإلى رسوله فهجرته إلى اللَّه وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، وفي بعض الروايات بترك (إلى) في قوله: (ورسوله) شرطًا وجزاءً، وفي الشرط دون

стр. 181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجزاء، وباللام الجارة مكان (إلى) في الثاني شرطًا، فإما أن يكون للتعليل أو بمعنى إلى. والهجرة: الترك والقطع، وفي عرف الشرع: الخروج من أرض إلى أرض لوجه اللَّه تعالى وابتغاءً لمرضاته. وقد وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين: الأول: الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرة الحبشة التي وقعت في ابتداء الإسلام، هاجر إليها بعض الصحابة، وكالهجرة من مكة إلى المدينة من بعض الصحابة قبل هجرة النبي ﷺ إليها واستقرار أمر الإسلام. والثاني: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، وذلك بعد استقراره ﷺ بالمدينة وهجرة المسلمين إليها من مكة وغيرها، وكانت الهجرة إذ ذاك شاعت وتخصصت بالانتقال من مكة إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة، فارتفع الاختصاص، وحديث: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) المراد به: لا هجرة بعد فتح مكة منها؛ لأنها صارت دار الإسلام، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه، وهو المراد من قوله ﷺ : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة)، والمراد ههنا: الانتقال من الوطن إلى غيره، سواء كان من مكة أو غيرها إلى المدينة أو إلى غيرها، أعم من أن يكون لرضاء الحق أو لا، ليشتمل الهجرة إلى الدنيا والامرأة. وسبب ورود الحديث وإن كان خاصًا لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو ما نقلوا: أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون

стр. 182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ما ينوى كما سيأتي، على أن كلام الشيخ (١) وغيره ينظر إلى التردد في صحة هذه القصة، واللَّه أعلم. وههنا نوع آخر من الهجرة المستحقُّ لأنْ يكون هو حقيقة الهجرة، وهي هجران ما نهى اللَّه عنه والخروج عن موطن الطبيعة، ووقع في الحديث: (المهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه) أي: المهاجر الكامل الحقيقي. وههنا سؤال مشهور، وهو أن الشرط والجزاء يجب أن يكونا متغايرين، فلا يقال: من أطاع أطاع، وإنما يقال: من أطاع نجى، وقد وقعا متحدين في الحديث، والجواب أنهما [قد] يكونان متغايرين لفظًا، وقد يكونان متغايرين معنى، وههنا وإن اتحدا لفظًا فقد تغايَرا معنى، فالمراد: من كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله قصدًا ونية فهجرته إلى اللَّه ورسوله ثوابًا وأجرًا، أو المراد: من كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته مقبولة، وذلك بوجهين: إما أن يجعل كون الهجرة للَّه ولرسوله الذي وقع في جانب الجزاء كنايةً عن كونها مقبولة أو مجازًا بذكر السبب مقام المسبَّب، أو يقدر (مقبولة) خبرًا عن المبتدأ، وقد يقال: إذا اتحد الشرط والجزاء بحسب الظاهر كان المراد المبالغة والتعظيم كما في قول الشاعر: خليلي خليلي دون ريب وربما ... ألان امرؤ قولًا فَظُنّ خليلا أي: خليلي خليل عظيم لا أشك في خلته قد بلغ الكمال في خلتي وصداقتي، وكقولهم: شعري شعري أي: شعر عظيم متصف بكمال الفصاحة، فيكون معنى الحديث على وزانه: من قصد الهجرة إلى اللَّه ورسوله كانت هجرته كاملة عظيمة يترتب

стр. 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليها ثواب عظيم كامل. وقوله: (إلى اللَّه) و (إلى دنيا)، إما متعلق بالهجرة إن كان لفظ كان تامة، أو خبر لـ (كانت) إن كانت ناقصة، والمراد به أصل الكون والوجود من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة فيشمل الأزمنة كلها، فلا يحتاج إلى قياس أحد الزمانين على الآخر، أو القول بأنه قد علم بالإجماع على أن حكم المكلفين على السواء إلا بعارض. و(دنيا) بضم الأول، وحكي عن ابن قتيبة كسرها مقصورًا غير منون؛ لأنه غير منصرف لألف التأنيث مثل حبلى، وقد وقع في كلام بعض الشارحين أنه غير منصرف لاجتماع أمرين: الوصفية، والثاني لزوم حرف التأنيث، ولعل الوصفية لأنه تأنيث (أدنى) أفعل التفضيل من الدنو، وهذا في الأصل، وقد صارت اسمًا لما بين السماء والأرض من الجو، أو كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، أو لما يصدّ عن اللَّه من الأموال والأهل والأولاد، أو لجميع ما سوى اللَّه كالعالم لدنوها من الزوال، أو للانحطاط من العالم الأعلى، أو لدناءتها وخساستها، ولكن لا يخفى أنه لا حاجة إلى اعتبار الوصفية مع ألف التأنيث لقيامها مقام العلتين، فقد وقع هذا سهوًا من قائلها. هذا وقد حكي تنوينها، وهو مشكِلٌ لا يظهر وجهه، وقال الشيخ (١): وعزاه ابن دحية إلى رواية أبي الهيثم الكشميهني وضعفها، وحكي عن ابن مغور أن أبا ذر الهروي في آخر أمره كان بحذف كثيرًا من رواية أبي الهيثم حيث ينفرد؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، قال: وهذا ليس على إطلاقه، فإن رواية أبي الهيثم في مواضع كثيرة أصوب من رواية غيره، انتهى.

стр. 184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت: لعله حذف فيما يتعلق بعلم الإعراب كما يدل عليه سياق كلامه، وأما بحسب حفظ الحديث وألفاظه فلعله يكون أجود وأصوب، وبالجملة لا يظهر وجه تنوين دنيا، اللهم إلا أن يكون لتناسب قوله: (أو امرأة) مثل ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا﴾، واللَّه أعلم. ثم يقال: كان الظاهر استعمالها بالألف واللام لكونه اسم تفضيل كالكبرى والحسنى، إلا أنها خلعت عنها الوصفية رأسًا وأجرت مجرى ما لم يكن وصفًا، فتدبر. وقوله: (يصيبها) أي: يحصِّلها ويصل إليها، إما صفة لـ (دنيا) أو استئناف، قالوا: شبَّه تحصيلها عند امتداد الأطماع إليها بإصابة السهم بالغرض بجامع سرعة الوصول وحصول المقصود، ووجهُ تخصيص ذكر المرأة بعد ذكر الدنيا مع كونها داخلة فيها لعمومها، إما لزيادة الاهتمام في التحذير، لأن الافتتان بها أشد، أو لأن سبب ورود الحديث قصة مهاجر أم قيس، وحكى ابن بطال (١) عن ابن سراج: أن السبب في تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون الموالي المرأة العربية ويراعون الكفاءة في النسب، فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة طمعًا في تزوج النساء. وقوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) بيان التغاير بين الشرط والجزاء فيه على قياس ما سبق في الوجوه، غير أنه أبهم ههنا ولم يذكر الدنيا ولا المرأة صريحًا، استهجانًا لتصريح ذكرهما وتعميمًا للمطالب كلها، لأنها كثيرة، وصرح بذكر اللَّه ورسوله استلذاذًا

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بذكرهما وتبركًا به، ثم لا يخفى أن المراد (ومن كانت هجرته إلى دنيا أو إلى امرأة) فقط، أي: من غير مدخليةِ قصدِ الهجرة إلى اللَّه ورسوله، وإن كان أعم من ذلك بأن يكون في نيته مزجٌ وشوب، فالثواب بحسب النية وعلى قدرها على القول المختار، وإن قيل بأنه لا ثواب في صورة الشركة على ما يقتضيه ظواهر الأحاديث، اللهم إلا أن يكون قصد الثواب غالبًا، وتمام تفصيله في بحث الرياء، وهذا أيضًا يصلح وجهًا للإبهام في قوله: (إلى ما هاجر إليه)، واللَّه أعلم (١). * * *

стр. 186

(١) كتاب الإيمان

стр. 187

(١) كتاب (١) الإيمان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ١ - كتاب الإيمان الإيمان في أصل اللغة (إفعال) من الأمن متعدٍّ بنفسه، يقال: آمنه: جعله آمنًا، كقوله: والمؤمن العائذات الطير يمسحها (٢)، وقد نقل إلى معنى التصديق متعديًا بالباء باعتبار تضمين معنى الاعتراف، وباللام باعتبار معنى الإذعان، ثم نقل في الشرع إلى تصديق فيما أخبر، إما وحده وهو مذهب المحققين، أو مع الإقرار إن لم يمنع منه مانع، وهو قول الجمهور، أو مع الإقرار والعمل عند المعتزلة، وأما ما يحكى من المحدثين من أن الإيمان اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، فالمراد الإيمان الكامل لا أصله كما اشتبه على أقوام من النظر في ظواهر عباراتهم، وقد صرحوا بما ذكرنا. وثمرة الاختلاف في كون الإقرار جزءًا من حقيقة الإيمان أم لا، تظهر في أن من

стр. 188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حصل له التصديق القلبي، ولم يقرّ مع قدرته عليه، ولم يأت بما ينافي التصديق؛ كان مؤمنًا عند اللَّه وإن لم تجر عليه أحكام الإيمان في الدنيا عند من لا يقول بجزئيته، ولا يكون مؤمنًا عند من يقول بها. وههنا قسم آخر: وهو من حصل له التصديق والإقرار والعمل، ومع ذلك شدّ الزُّنَّار وسجد للصنم أو نحوهما مما جعله الشارع علامة التكذيب والإنكار؛ فهو كافر في الشرع إما في الظاهر أو عند اللَّه، فيه قولان، واللَّه أعلم. ثم التصديق المعتبر في الإيمان هو التصديق المنطقي بعينه، إلا أنه يجب أن يحصل بالاختيار؛ لأن الإيمان مكلّف به، وقد يقع التصديق المنطقي من غير اختيار؛ كما إذا شاهد المعجزة فوقع في القلب صدق النبي؛ لأن لشهود المعجزة تأثيرًا طبعيًا في حصول التصديق، وليس بمعتبر في الإيمان؛ لحصوله لكل أحد من الكفار حتى يلتزمه ويختاره ويتثبت عليه، ويجب أيضًا أن يحصل الإذعان والقبول بحيث يقع عليه اسم التسليم والطمأنينة على ما صرح به الإمام الغزالي، حتى يخرج منه حال أهل العناد والاستكبار، فإن التصديق المنطقي حاصل لهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وليس الحاصل لهم المعرفة والعلم التصوري فقط كما توهم؛ لأن اليقين من أقسام التصديق، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ صريح في ذلك مع أنهم لا يوصفون بالإيمان، فعلم أن التصديق الإيماني يعتبر معه شيء آخر المعبر عنه بالتسليم والإذعان، وهو حالة في نفس المصدّق تنافي الجحود والعناد، وتبعثه على الانقياد والاستسلام، وترك التمرُّد والإباء، وعدم وجدان الحرج في النفس على ما يشعر به قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]،

стр. 189

* الفصل الأول: ٢ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: . . . . ــ وليس المعاند بهذه الصفة. فإن قلت: إنهم يعتبرون الإذعان والقبول في التصديق المنطقي أيضًا، كما وقع في عبارات المنطقيين، فما الزائد عليه المعتبر في التصديق الإيماني؟ . قلت: الإذعان المعتبر في التصديق المنطقي وهو بمعنى رجحان جانب الإيقاع أو الانتزاع الذي يخرج به الذهن عن حالة التردد والتساوي، ولذا قالوا: أقل مراتب التصديق الظن والرجحان، والإذعان المعتبر في التصديق الإيماني بمعنى آخر يعبر عنه بالتسليم والانقياد والتثبت الحاصل لغير المعاند، فالحاصل أن التصديق الإيماني هو التصديق المنطقي مع زيادة قيد الاختيار والتسليم، هذا هو الكلام المحرر المنقّح عند أهل التحقيق (١)، فافهم، وباللَّه الاستعانة، ومنه التوفيق. الفصل الأول ٢ - [١] قوله: (عن عمر بن الخطاب ﵁) اعلم أن المؤلف كما بدأ الكتاب بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) الذي مبنى جميع الطاعات وأصل الأعمال، بدأ كتاب الإيمان بحديث جبرئيل الذي يسمّى أمّ السنة وأمّ الأحاديث وأمّ الجوامع؛ لكونه مضمَّنًا لجميع أحكام السنة وجميع العلوم الذي تتضمنه الأحاديث، كما تسمّى فاتحة الكتاب بأم القرآن؛ لاشتماله على جميع مقاصده (٢)، واتفق العلماء على صحة هذا الحديث،

стр. 190

يْنَمَا نَحْنُ. . . . ــ ورواه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث بطرق مختلفة من الصحابة، وأورده المؤلف عن عمر بن الخطاب من رواية مسلم، وهو من أفراده؛ لأن البخاري لم يخرجه عن عمر، وإنما أخرج هو ومسلم عن أبي هريرة نحوه. وقوله: (بينما) (١) اعلم أن (بين) لازم الإضافة، والأصل فيها الإضافة إلى المفرد، لكنها مع (ما) الكافة، أو ألف الإشباع تكون مضافة إلى الجملة، فعلية كانت أو اسمية، والتخصيص بالاسمية -كما قال الخيالي (٢) - محل نظر، إلا أن يكون باعتبار الأكثر، وفيهما معنى المجازاة، فلابد لها من جواب، والجواب قد يكون مع (إذ) و (إذا) للمفاجأة، وقد يكون مجردًا عنهما، فإن كان مجردًا عنهما؛ فهو العامل فيها؛ كقول الشاعر: وبينا نحن نرقبه أتانا وإن لم يتجرد؛ فالعامل معنى المفاجأة المفهوم من (إذ) و (إذا) كما في الحديث، ولم يجعلوا الجواب عاملًا على هذا التقدير، لئلا يلزم تقدم ما في صلة المضاف إليه على المضاف؛ لأن (إذ) و (إذا) مضافان إلى الجملة بعدهما. وقوله: (نحن) الظاهر بل المتعين أن المراد به جماعة من الصحابة، وحمله على

стр. 191

عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، ــ تعظيم المتكلِّم نفسه كما قيل على الاحتمال بعيد وأبعد. وقوله: (عند) ظرف مكان غير متمكن، ولا يدخل عليها حروف الجر سوى (من)، وهو يعمُّ في الشيء المملوك الحاضر والغائب، بخلاف (لدى)؛ فإنه يختص بالحاضر، ثم اتسع في المملوك وغيره تشبيهًا له بذلك. وقوله: (ذات (١) يوم) صفة لموصوف مقدر مؤنث؛ كمدة أو نحوها، والإضافة من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم، أي: مدة ذات هذا الاسم؛ أي: يومًا، ونحوه قولهم: ذات مرة، وأما ذات الصدور؛ فبمعنى الأحوال التي فيها؛ أي مضمراتها، ونحوه: ذات بينكم، والبين اسم للحالة التي بين شخصين؛ أي إصلاح أحوال بينكم حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، والمراد بذات اليد ما يملكه الرجل من مال وأثاث، و (ذات) في هذه المواضع مؤنث. وقوله: (إذ طلع) (٢) فيه استعارة تبعية تشبيهًا لظهوره بغتة في أبهة وجلالة بطلوع الشمس والكواكب.

стр. 192

شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . . . . ــ وقوله: (لا يرى) بضم التحتانية على صيغة المجهول في أكثر الروايات، وفي بعضها بفتح النون بصيغة المتكلم المعلوم، والأول أبلغ من الثاني، وفي رواية النسائي (١) عن أبي هريرة وأبي ذر ﵄: (أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لا يمسها دنس)، وفيه: ندب تنظيف الثياب وتحسين الهيئة بإزالة ما يؤخذ للفطرة، وتطييب الرائحة عند دخول المسجد، وندب ذلك للعلماء والمتعلمين، وندب الثياب البيض لدخول المسجد، بل لكل اجتماع ما عدا العيد إذا كان عنده أرفع منه؛ لأنه يوم زينة وإظهار للنعمة، كذا قال شيخ شيوخنا في الحديث أبن حجر المكي الهيتمي في (شرح الأربعين) (٢) للنووي. وقوله: (ولا يعرفه منا أحد) فيه استغراب حاله بجمعه حالي الحضري والسفري، واستنبط منه الطيبي أنهم ظنوه ملكًا أو جنيًا؛ لأنه لو كان بشرًا لكان إما من المدينة أو غريبًا، ولو كان من المدينة لعرفوه، أو غريبًا لرئي عليه أثر السفر، ويعلم منه أن مجيء جبرئيل في صورة دحية الكلبي كان غالبًا لا دائمًا، وههنا لم يكن في صورته إذ لو كان لعرفوه. وقوله: (حتى جلس إلى النبي ﷺ ) قيل: (إلى) لانتهاء الغاية، وهو إنما يكون في فعل ممتد كالسير، والجلوس ليس كذلك، فهي ههنا بمعنى (عند) أو (مع)، انتهى. ويمكن أن يضمن الجلوس معنى الميل والانتهاء؛ أي: مائلًا أو منتهيًا إليه ﷺ كما يفهم

стр. 193

فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ. . . . ــ من كلام البعض (١). قوله: (فأسند ركبتيه) صريح في أنه جلس بين يديه دون جانبه، وهي جِلسة المتعلم، لكنه بالغ في القرب جريًا على ما كان بينهما من الأنس والودِّ، وليحصل التمكن من الاستماع والإصغاء، فالضمير الأول للرجل والثاني للنبي ﷺ ، وأما الضميران في قوله: (ووضع كفيه على فخذيه) فقد اختلفوا فيهما؛ أعني في الأولوية، وأما في الجواز فلا كلام، فقال بعضهم: الضميران معًا راجعان إلى جبرئيل ﵇، وهذا هو المناسب لمجيئه إليه ﷺ وتقربه منه وجلوسه إليه على صورة المتعلمين تأدّبًا معه، وقال بعضهم: الضمير الثاني للرسول كما في قوله: (أسند ركبتيه) لأنه أدخل في التثبيت والتمكين، وجبرئيل ليس متعلمًا إلا في الظاهر، وفي الحقيقة هو المعلّم من جهة اللَّه سبحانه، وقد جاء إسناد تعليمه ﷺ إليه في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] على الأرجح من التفسيرين، ولهذا قال في آخر الحديث: (أتاكم يعلمكم دينكم) تنزيلًا للتذكير مقام التعليم، فيمكن أن يكون في أول المجيء قد أظهر هيئة التعلم والطلب، ولما جلس أظهر صورة التعليم والمشيخة، هذا وقد جاء صريحًا في رواية النسائي (٢): (حتى وضع يديه على ركبتي النبي ﷺ ). وقوله: (وقال: يا محمد) (٣) قد يستشكل بحرمة ندائه باسمه ﷺ ، ويجاب بأنه ذلك للصحابة لا للملائكة، والقول بأن هذا قبل النهي عن ذلك لا يخلو عن بعد، فإن

стр. 194

أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ، ــ هذه القضية كان في آخر عهده ﷺ . وقوله: (أخبرني عن الإسلام) (١) وفي رواية الترمذي تقديم السؤال عن الإحسان وإن كان المناسب ذكره بعد الإسلام؛ لكونه بيانًا لكيفية العبادة التي هي الإتيان بأركان الإسلام، والإسلام لغة: الاستسلام والطاعة والانقياد عن طوع ورغبة، وفي الشرع: الانقياد إلى الأعمال الظاهرة كما بينه ﷺ بالأركان الخمسة، فالإسلام يطلق على ما في الظاهر من التسليم والانقياد والطاعة، والإيمان على ما في الباطن من التصديق والاعتقاد والإذعان، فالإسلام ثمرة الإيمان وفرعه ونتيجته، ويشملهما اسم الدين، ولذلك قال في آخر الحديث: (أتاكم يعلمكم دينكم)، والإحسان يكملهما، وقد جاء الدين بمعنى الإسلام منحصرًا فيه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والمراد به ههنا الدين المشتمل على الأصول والفروع، قال البيضاوي (٢): وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد ﷺ ، انتهى. ويمكن أن يكون حصر الدين فيه مبالغة واهتمامًا بشأن العمل والتشرع؛ كقولهم: (الحج عرفة)، ثم تكلموا في اتحاد الإيمان والإسلام وتغايرهما، وللإمام الغزالي في

стр. 195

قَالَ: "الإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، . . . . ــ (الإحياء) (١/ ١١٦) في ذلك كلام طويل، وقد دل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] على التغاير مبنيًا على ما ذكرنا من إطلاقهما على المعنيين المذكورين، وقد ذكر في العقائد أن الإيمان والإسلام واحد، بمعنى أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، ولم يجز سلب أحدهما عن الآخر. واستدلوا بقوله سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، ولم يكن هناك إلا بيت واحد، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]. والحق أنه إن كان الإسلام اسمًا للأركان الخمسة فقط، فالإيمان يوجد بدون الإسلام على مذهب أهل السنة من عدم دخول الأعمال في حقيقة الإيمان، أما على قول من لم يجعل الإقرار جزءًا من حقيقته فظاهر، وأما على قول الجمهور القائلين بكون الإقرار جزءًا من حقيقة الإيمان فكذلك، لكون الإسلام عبارة عن مجموع الشهادة التي هي الإقرار والأعمال المذكورة، وكذا الإسلام يوجد بدون الإيمان كما في المنافقين، وإن كان اسما لما يشتمل على التسليم القلبي الذي بمعنى التصديق كما عرفت في تحقيق معنى الإيمان، فهما متصادقان بل مترادفان، والإسلام المعتبر في الدين هو بهذا المعنى، ولهذا حكموا بأن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، فتدبر. وقوله: (الإسلام أن تشهد) ظاهره أنه لابد في الإسلام من لفظ (أشهد)، فلو أسقطها أو قال بدلها (أعلم) لا يكون مسلمًا، والشهادة أخص من العلم؛ لأنها خبر قاطع، فكل شهادة تتضمن العلم دون العكس، وحمل الشهادة في الحديث على العلم غير صحيح؛ لأن المقصود بيان ماهية الإسلام، فلابد أن يكون باللسان، وقد وقع

стр. 196

وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، ــ حديث آخر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) (١) الحديث، والحق أن المراد القول والإخبار وإن لم يكن بلفظ (أشهد)؛ للإجماع على أن من قال: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه فقد أسلم، وقد ورد في الحديث: (من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة) (٢)، وقد صحت رواية (حتى يقولوا)، وقد اشترط بعض الشافعية لفظ (أشهد) أو ما في معناه كـ (أعلم)، والحق الإطلاق. وقوله: (وتقيم الصلاة) الروايات الصحيحة المشهورة بنصب (تقيم)، وقد يرفع هذا وما بعده مستأنفة عما قبلها؛ لأنه يكفي في إجراء أحكام الإسلام الشهادتان، والأصوب النصب؛ لأن الانقياد في معنى الإسلام أتم وأكمل في المجموع، فكان الحمل عليه أولى وأنسب، وإن كان أصله حاصلًا في الشهادتين وحدهما، فصار الإسلام مثل الإيمان في أن كمالهما بالأعمال ونقصانهما بتركها. والمراد بإقامة الصلاة تعديل أركانها، ورعاية شروطها وآدابها، وظاهرها وباطنها، ومحافظة أن يقع فيها زيغ واعوجاج في أفعالها، منْ أَقَامَ العودَ: إذا قوَّمه، أو المواظبة والمداومة عليها، من أقمت السوق: إذا جعلتَها نافقة رائجة، أو الجِدّ في أدائها من غير فتور وتوان، من أقام الأمر: إذا جدّ فيه وتجلّد. وقال سيدي الشيخ أبو العباس المرسي -قدس اللَّه روحه، وأوصل إلينا فيوضه وفتوحه-: كل موضع ذكرت فيه الصلاة في معرض المدح فإنه إنما جاء لمن أقام الصلاة، إما بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها، قال اللَّه سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقال : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ولما ذكر المصلين قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، ولم يقل: للمقيمين الصلاة، والإقامة أنه إذا صلى المؤمن صلاة فتقبلت منه خلق اللَّه تعالى من صلاته صورة في ملكوته راكعة ساجدة إلى يوم القيامة، وثواب ذلك لصاحب الصلاة. وإقامةُ الصلاة: حفظُ حدودها مع حفظ السر مع اللَّه ، لا يختلج بسرك سواه. والصلاة أصلها (صَلَوَةٌ) -بفتحات- مأخوذة من (الصلا)، وهو وسط الظَّهر مِنّا ومن كل ذي أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة (١) والذَّنَبِ، أو ما عَن يمين الذنب وشماله، وهما صلوان، كذا في (القاموس) (٢). وقال في (شرح الأربعين) (٣): (الصلا): عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب، ويمتد منه عِرقان، في كل ورك عرق، يقال لهما: الصلوان، فإذا ركع المصلي انحنى صلاه وتحرك، ومنه سمي ثاني خيل السباق مصليًا؛ لأنه يأتي مع صلوي السابق، ثم نقل منه إلى الدعاء تشبيهًا للداعي في تخشعه بالمصلي، كذا قال صاحب (الكشاف) (٤)، هو يدل على كونه في معنى الصلاة متقدمًا على معنى الدعاء واصلًا له، وهو محل توقف، ويمكن أن يجعل في كل المعنيين من (الصلا) من غير أن ينقل من

стр. 198

وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، ــ أحدهما إلى الآخر، وقد ذكرناه في (حاشية البيضاوي)، فتدبر. وقوله: (وتؤتي الزكاة) الزكاة في اللغة: النماء والتطهير، وفي الشرع: اسم للمخرج من المال إلى الفقراء، سمي بها لأنه يؤخذ من مال نامٍ ببلوغه النصاب الذي مضى عليه الحول، أو لأنه ينمي الأموال بالبركة وحسنات مؤديها بالتكثير، أو لأنه يطهرها من الخبث، ونفس المزكي من رذيلة البخل، ويحتمل اشتقاقه من تزكية الشهود فهو يزكِّيه ويشهد له بصحة إيمانه أو دعوى محبة الحق تعالى. وقوله: (وتصوم رمضان) مشتق من الرمض محركة: شدّة وقع الشمس على الرمل وغيره، رَمِضَ يومُنًا كفَرِحَ: اشتدّ حرُّه، وقَدَمُه: احترقت من الرمضاء، للأرض الشديدة الحرارة، ورمضان معروف، جمعه رمضانات ورمضانون، سمي به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر زمن الحر والرمض، أو من رمض الصائم: اشتدّ، كذا في (القاموس) (١)، أو راجِعٌ إلى مَعْنَى الغافِرِ، أي: يَمْحُو الذُّنوبَ ويَمْحَقُها. ثم اختلفوا في إطلاق رمضان من غير إضافة شهر إليه، فقيل: يكره مطلقًا، وقيل: لا يكره مطلقًا، وقيل: إن دلت قرينة على أن المراد غير اللَّه سبحانه؛ لأنه من أسمائه، ويرد القول بالكراهة مطلقًا ما ورد في الأخبار الصحيحة: (إذا جاء رمضان أو إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة) (٢)، وزعم أنه من أسماء اللَّه تعالى غير صحيح، ولم يرو فيه إلا أثر ضعيف، وأسماء اللَّه تعالى توقيفية لا تطلق إلا لخبر صحيح، ولو

стр. 199

وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا". قَالَ: . . . . . ــ صح أيضًا لم تلزمه الكراهة إلا بنهي صريح، ولم يرو، كذا في (شرح الأربعين) (١). وقوله: (وتحج البيت) أي: تقصده بالوجه المخصوص، وهو للحج عندنا، وللعمرة أيضًا عند الشافعية، إذ هي واجبة عندهم على الصحيح، والبيت اسم جنس غلب على الكعبة، كالكتاب على القرآن المجيد عند الأصوليين، وعلى كتاب سيبويه عند النحاة. وقوله: (إن استطعت إليه سبيلًا) بأن تجد زادًا وراحلة على الوجه المقرر في الشرع، قال في (شرح الأربعين) (٢): وصح عند الحاكم وغيره أنه ﷺ فسر بهما السبيل في الآية، وعند مالك: يجب على من قدر على المشي ويندب عند غيره خروجًا من الخلاف، وإنما صرح باشتراط الاستطاعة في الحج دون أخواتها مع أن الاستطاعة (٣)، أي: سلامة الأسباب والآلات شرط في سائر العبادات؛ لكون الاستطاعة ههنا أمرًا زائدًا لا يسبق الذهن إليه إلا بذكره، وهو الزاد والراحلة كما بينته السنة، ويدل عليه قوله: (سبيلًا)، فذكرها اهتمامًا بشأنها وشفقة على العباد لئلا يرتكبوا المشاق، وأيضًا ذكرها اتباعًا للنظم القرآني. وقال في (شرح الأربعين) (٤): عدم الاستطاعة في نحو الصلاة والصوم لا يسقط فرضها بالكلية، وإنما يسقط وجوب أدائها بخلافها في الحج، فإن عدمها يسقط وجوبه

стр. 200

صَدَقْتَ. فَعَحِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ــ بالكلية، فتأمل. وقوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) لأن مقتضى السؤال عدم العلم، ومقتضى التصديق العلم، فإن قيل: قد يصدق الطالب الشيخ إيمانًا به وتسليمًا له فلا يكون دليل العلم؟ قلنا: تصديقه كان على وجه التصويب والتقرير بدلالة المقام، فافهم. وقوله: (أن تؤمن بالله) الإيمان في اللغة: التصديق مطلقًا، وفي الشرع: التصديق بأمور خاصة، وهي المعلومة من الدين بالضرورة كما مر، فكأنه سأل عن أشياء يصدق بها حتى يحصل الإيمان الشرعي، فأجاب ببيان تلك الأشياء، ففسر الإيمان ببيان متعلقاته، وأصل معنى الإيمان معروف من اللغة، فلا يكون تعريفًا بنفسه كما يوهم، فافهم. وقوله: (وملائكته) جمع (ملك) على غير القياس، وقيل: جمع (ملأك) على غير القياس مقلوب (مألك)، (مفعل) من الأُلُوكة، وهي الرسالة والسفارة، فخفف بنقل الحركة والحذف فصار ملك، وقيل غير ذلك، وتاؤه لتأنيث الجمع، وقيل: للمبالغة، وقد جاء بدون التاء. وقوله: (وكتبه) قالوا: هي مئة وأربعة، أنزل منها خمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على آدم، وعشرة على إبراهيم، والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن. وقوله: (ورسله) أي: أنبيائه، فهو مبني على ترادفهما. وقوله: (واليوم الآخر) وهو من الموت إلى دخول الجنة، والمراد الإيمان به وبما أخبر الشارع بوقوعه فيه، وإنما سمي اليوم الآخر لأنه لا ليل بعده، كذا قيل. والظاهر أن المراد الزمان، وهو آخر الأزمنة المحدودة.

стр. 201

وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، ــ وقوله: (بالقدر خيره وشره) وفي رواية لمسلم: (بالقدر كله)؛ أي: بأن اللَّه قدر الخير والشر قبل الخلق، وجميع الكائنات بقضائه وقدرته وإرادته، وأن ما قدّره اللَّه لابد من وقوعه، وما لم يقدّره يستحيل وقوعه، قالوا: الإيمان بالقدر على قسمين: أحدهما: الإيمان بأنه قد سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشر، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. وثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلها من خير وشر وكفر وإيمان. وهذا القسم ينكره القدرية كلهم، والأول لا ينكره إلا غُلاتهم، وكفرهم بإنكاره كثير من العلماء، وهو محل الخلاف حيث لم ينكروا العلم القديم، كما نص عليه الشافعي وأحمد وغيرهما، كذا ذكره شيخ شيوخنا ابن حجر المكي في (شرح الأربعين) (١)، رحمة اللَّه عليه. ويؤخذ من هذا الحديث تكفيرهم لجعل القدر من أجزاء المؤمَن به، ويشهد لذلك تبرئة ابن عمر منهم، وخبر: (القدرية مجوس هذه الأمة) (٢)، والأشبه عدم التكفير، وتبرئة ابن عمر تغليظ على الابتداع، والحديث غير ثابت، والمسألة آيلة إلى تكفير أهل القبلة من أهل البدعة وعدمِه، والأشبه عدم التكفير فيما ليس معلومًا في الدين بالضرورة، وفيما فيه مجال للشبهة والتأويل، وهو المختار الذي عليه جمهور المتكلمين والفقهاء، واللَّه أعلم. وقوله: (فأخبرني عن الأحسان) لما بيّن معنى الإسلام والإيمان الذي هو أصل

стр. 202

قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، ــ الدين ومداره أراد أن يكشف عن معنى الإحسان الذي به كمال الدين، وتمامه يرجع إلى الصدق في الإخلاص الذي لا يصح ولا يتم الإيمان والعمل إلا به، وقد كثر في الآيات والأحاديث ذكره؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وأمثالها. وهو إفعال من الحسن، ويستعمل على وجهين: أحدهما: إحسان العمل وإتيانه على وجه الإكمال والإتقان؛ كقولهم: أحسنت كذا وفي كذا، ومنه (إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة. . .) الحديث (١)، وثانيهما: بمعنى الإنعام على الغير؛ كقولهم: أحسنت إلى فلان: إذا فعلت معه ما يحسن فعله، والمراد ههنا الأول؛ إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات وإتيانها على الوجه الأكمل. وقال الطيبي (٢): يجوز أن يحمل الإحسان ههنا أيضًا على الإنعام، وذلك أن العامل المرائي يبطل عمله ويحبط فيظلم على نفسه، فقيل له: أحسن إلى نفسك ولا تشرك باللَّه، واعبد اللَّه كأنك تراه، وإلا فهلكت، انتهى. ولا يخلو هذا عن تكلف. وقوله: (أن تعبد اللَّه) عبد: أطاع، والتعبد: التنسك، والعبودية: الخضوع والذل. وقوله: (كأنك تراه) بيّن رسولُ اللَّه ﷺ الإحسانَ في العبادة على وجهين:

стр. 203

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: . . . . . ــ أحدهما: لمن بلغ غاية مرتبته بحيث كان يرى معبوده ويعاينه سبحانه، وهو مقام المشاهدة، وتلزمه غاية الهيبة والتعظيم والإجلال، والخضوع والخشوع، والحياء والمحبة، والانجذاب والشوق والذوق، والاجتماع بظاهره وباطنه. وثانيهما: لمن لم ينته إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ورقيب على أحواله، وقد نبّه عليه بقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)؛ يعني: إن لم يكن في حضورك بحيث كأنك تراه فَلَاحِظْ رؤيته سبحانه واطلاعه عليك، وهذا حال المراقبة، وهو في اصطلاحهم: ملاحظة العبد نظر اللَّه سبحانه إليه واطلاعه على أحواله الظاهرة والباطنة، وهذا أيضًا يورث الخوف والخشية، والاجتماع في الحركات والسكنات، وضبط الأفعال، ورعاية الأدب في جميع الحالات، وعدم الالتفات يمينًا وشمالًا، كمن قام في حضرة سلطان جبار قهار يراقب أحواله ويشاهد أعماله، يضيق عليه مجال الغفلة وسوء الأدب، لكن المقام الأول أعلى وأرفع، وهو مقام سيّد المرسلين وأكمل العابدين، حيث أشار إليه بقوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة). وبما قررنا الكلام سقط قول من قال: ينبغي أن يكون الجواب قد انتهى عند قوله: (تراه) الأول وما بعده مستأنف؛ لأن الأول مقدور للعبد؛ لجواز أن يوجد ولا يوجد، والثاني واقع لا محالة لا مدخل لاختيار العبد فيه، فإنه تعالى يرى الكائنات كلها دائمًا، فلا نصيب للعبد في ذلك؛ لأن المطلوب استحضار العبد أنه بين يدي الحق وملاحظته ومراقبته إياه، وهذا مقدور للعبد ومكمل لعبادته، فهو من تتمة الجواب. ثم اعلم أنه قد لاح على باطن بعض العارفين من الصوفية أنه قد وقف على (تراه) الثانية بإرادة معنى: أنك إذا فنيت عن نفسك فلم تكن شيئًا ولم تر نفسك؛ شاهدت ربك؛ لأنها الحجاب بينك وبين شهود الرب تعالى.

стр. 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في (شرح الأربعين) (١): إن المعنى وإن صح إلا أن لفظ الحديث لا ينطبق عليه، فتنزيله عليه جهل من قائله بقواعد العربية وأساليبها. وقال الشيخ ابن حجر الكبير العسقلاني (٢): وأقدم بعض غلاة الصوفية على هذا التأويل بغير علم، وغفل قائله للجهل بالعربية، فإنه لو كان المراد ما زعم؛ لكان قوله: (تراه) محذوف الألف، وإثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس، فلا يصار إليه، وأيضًا لو كان ما ادعاه صحيحًا لصار قوله: (فإنه يراك) ضائعًا، لأنه لا ارتباط له بما قبله. قال: ومما يفسد تأويله رواية كهمس فإن لفظها: (فإنك إن لا تراه فإنه يراك)، وكذلك في رواية سليمان، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمله على ارتكاب التأويل المذكور، وفي رواية أبي فروة: (فإن لم تره فإنه يراك)، وكذلك في حديث أنس وابن عباس، وكل هذا يبطل هذا التأويل، انتهى. ويمكن أن يقال: إن إثبات الألف في المضارع المجزوم لغة شائعة واردة في كلامهم، وعلى ذلك وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] على وجه، وفي قوله: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، وقال الشاعر (٣): ألم يأتيك والأنباء تنمي

стр. 205

فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا. . . . . ــ على أن الجزم في الجزاء فيما كان الشرط ماضيًا غير واجب، والماضي أعمّ من أن يكون لفظًا أو معنى، كما ذكر في النحو. ويمكن أن يكون ارتباط قوله: (فإنه يراك) لبيان إمكان الرؤية، كما استدل بعض المتكلمين على إمكان رؤيتنا سبحانه برؤيته إيّانا بغير جهة ومكان وخروج شعاع وغيرهما، وإن كان لا يتمّ الاستدلال، ويجوز أن تكون الروايات الأخر بالمعنى بناء على فهم الراوي من معنى الحديث، على أن فهم من فهم من رجال الصوفية ذلك ليس تأويلًا للحديث وبيانًا لمعناه المراد عند علماء العربية، وإنما ذلك شيء يلوح على بواطنهم بغلبة ما فيها من حال المحو والفناء، وليس ذلك إلا من هذا اللفظ الوارد في هذه الرواية، وذلك في الحقيقة من قبيل: ترى، والخيار عشرة بدانق، واللَّه أعلم. ثم قيل: إن في الحديث دلالة على أن رؤيته تعالى في الدنيا ممكنة عقلًا، لأن (لم) لنفي الممكن؛ كزيد لم يقم، بخلاف الحجر لا يطير، وإمكان الرؤية في الدنيا هو الحق، وإن لم يكن واقعا، انتهى. وفيه: أن المعنى كما يقتضيه السياق: فإن لم تكن كأنك تراه، فالممكن ما في حكم الرؤية دون حقيقتها، فافهم. وقوله: (فأخبرني عن الساعة) لما بيّن الدين سأل عن القيام؛ لبعثهم على العمل والإخلاص، والمراد السؤال عن وقت قيامها، وإنما سميت ساعة اعتبارًا بأول أزمنتها، أو لأنها تقوم بغتة في ساعة، أو لأنها عند اللَّه على طولها كساعة عند الخلق. وهي لغةً: قطعة من زمان غير محدودة، وفي اصطلاح أهل الحساب: جزء من أربعة وعشرين جزءًا من الليل والنهار. وقوله: (ما المسؤول عنها) أي ما الذي سئل عن الساعة، وهو النبي ﷺ ، يقال:

стр. 206

بِأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ". قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، ــ سألت الرجل عنه، أي: عن أحواله، والرجل مسؤول، وذلك الشيء مسؤول عنه، ولا يقال للرجل: مسؤول عنه، بل مسؤول أو مسؤول منه، فلا يتوهم ههنا أن الظاهر أن يقال: المسؤول عنه ليرجع الضمير إلى اللام، فتدبر. وقوله: (بأعلم من السائل) أي: هما سواء في عدم العلم بوقت قيامها، ويمكن أن يراد ما هو المتعارف من هذا التركيب من كون السائل أعلم؛ أعني: لو قدر العلم بها لكان جبريل أعلم؛ لكونه في الملكوت العُلى ناظرًا في اللوح المحفوظ، موكولًا إليه إيحاء العلوم إلى الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين. وقوله: (فأخبرني عن أماراتها) المراد علاماتها الصغرى لا الكبرى التي تظهر عند قربها، ويدل على ذلك الجواب. وقوله: (أن تلد الأمة ربتها) الرب لغة: المالك والسيد، والمدبر والمربي، والمتمم والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على اللَّه إلا نادرًا، والمراد ههنا المولى والسيد أو المالك حكمًا أو حقيقة، والتخصيص بالأنثى إما لشيوع الجهل فيهن، أو للزوم الحكم في الذكور بطريق الأولى، أو بتقدير موصوفها نفسًا أو نسمة، أو للتحاشي عن إطلاق الرب على غيره تعالى، ويدفعه رواية (ربها) بلفظ الذكور، وقد علم إطلاق الرب مضافًا على غير الرب تعالى، وجاء في رواية (بعلها) بمعنى ربها، والبعل قد جاء بمعنى الرب والسيد، منه قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] على معناه المشهور على بعض المعاني المذكورة في توجيهه كما ستعرف عند بيانها. واعلم أنهم ذكروا فيه وجوهًا، فقيل: إن المراد به كثرة السراري بكثرة السبي، فيكون الولد سيدًا ومولًى لأمه بنسبة الأب، إما لأن مال الإنسان صائر إلى ولده بعد

стр. 207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الموت، أو باعتبار تصرفه فيه بإذنه صريحا أو دلالةً، أو عرفًا وعادةً، أو جعل الولد ربًّا لها لأنه سبب عتقها، فكان كربّها المنعم عليها، أو لأنه لما كثر السبي يمكن أن يكون فيما بينهم من الأولاد من يسبي أمه ويملكها، فإن لم يظهر أنها أمه فيستمر على ذلك، وإن ظهر عتقت عليه فصار معتقها، والمعتق كالرب المنعم، وكونها علامة من جهة وجود الترفه والتنعم والخروج عن دائرة الاعتدال والاقتصاد في المعيشة وأسبابها وآلاتها المفضي إلى الخروج عن انتظام الأحوال والدخول في الفساد والاختلال، أو من جهة أن كثرة الجهاد والقتال موجب لاستيلاء المسلمين على بلاد الكفر، وقوة الإسلام وغلبة أهله وكماله، وإذا تقرر أن لكل كمال زوالًا يكون منذرًا بانتهاء دور الإسلام وانقطاع دولته، وهو علامة قيام القيامة، أو من جهة إساءة أدب الأولاد مع الأمهات وعقوقها (١)، ومعاملتهم معهن معاملة الملاك والسادات، ويمكن أن يتملك الولد بالسبي أو بالشراء ممن سبى أمه فيطأها أو يتزوجها. فإن قلت: كثرة الجهاد والاستيلاء على بلاد الكفر كان كثيرًا في صدر الإسلام، والظاهر أن علامات القيامة تقع في آخر الزمان، وأن المقصود الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب الساعة؟ قلنا: صدر الإسلام أيضًا كان آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى منه، وقد كان نبينا ﷺ نبي آخر الزمان، فلو وقع بعض علامات القيامة في

стр. 208

وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ الْعُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ. . . . . ــ ذلك الزمان أيضًا لم يبعد، ولعله يكون الجهاد واستيلاء المسلمين على بلاد الكفار في آخر الزمان أكثر وأكثر، واللَّه أعلم. وقيل: هذا إخبار بكثرة بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان؛ لفساد أحوال الناس في رعاية الأحكام، واختلاط الحلال والحرام، حتى يشتري الولد بتداول الأيدي أمَّه جاهلًا بأنها أمُّه، فالعلامة من جهة غلبة الجهل الناشئ عنه بيع أمهات الأولاد، وهو ممنوع إجماعًا، ولا اعتبار بقول المخالف، ولو اعُتبر حملُه على البيع في حال حملها، وهو حرام بلا نزاع من أحد، كذا في (فتح الباري) (١). وقيل: المراد أن الإماء يلدن الملوك والأمراء، فتكون أمهاتهم من جملة الرعايا، ويكونون ملاكًا وسادات بالنسبة إليهن، وهذا أيضًا في آخر الزمان، لا سيما في أثناء دولة بني العباس، والرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا عن وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر، فتدبر. وقوله: (أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء) الحفاة: جمع حاف بالمهملة، وهو من لا نعل برجله، و (العراة) جمع عار، وهو من لا ثوب على جسده، و (العالة) بتخفيف اللام جمع عائل، من عال: افتقر، و (رعاء) -بكسر أوله وبالمد- جمع راع، ويجمع أيضًا على رعاة بضم أوله، والرعي: الحفظ، يقال: رَعَى الأمر وراعاه: حفظه، والراعي كل من ولي أمر قوم، والشاء: الغنم جمع شاة، وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء، كتمر وتمرة، وفي رواية مسلم: (رعاء البهم) بضم الباء وسكون الهاء وحركتها، جمع بهمة: صغار الضأن والمعز، وقد يختص بالمعز،

стр. 209

يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ". . . . . ــ والبهيمة: كل ذات قوائم أربع، والجمع بهائم، وفي رواية البخاري: (رعاء الإبل البهم) جمع الأبهم، وهو الأسود، وهو إما صفة لـ (رعاء)، لأن الأدمة غالب ألوان العرب، أو المراد مجهول الأنساب، وقيل: الذي لا شيء لهم، كذا قال السيوطي، أو صفة الإبل، والسواد شر ألوان الإبل، وخيرها الحمر التي يضرب بها المثل، فيقال: (خير من حمر النعم)، ورواية: (رعاء الشاء) أنسب بالسياق من رواية (رعاء الإبل) وأبلغ؛ لأنهم أصحاب ثروة وخيلاء، وليسوا عالة بالنسبة إلى رعاء الشاء، وإن كانوا بالنسبة إلى الملوك والأمراء فقراء ضعفاء، والجمع بين الروايتين أنه يحتمل أنه ﷺ جمع بينهما، فحفظ راوٍ أحدَهما والآخرُ الآخرَ، واللَّه أعلم. وقوله: (يتطاولون في البنيان) أي: يبنون الدور والقصور المرتفعة، ويتفاخرون ويتكبرون بها، وهو مفعول ثان لقوله: (ترى) إن كانت الرؤية بمعنى العلم، أو حال إن كانت بصرية (١)، وقد يجعل المفعول قوله: (رعاء الشاء) بمعنى الملوك؛ لأنه قد تجعل الكناية عن ذلك، ويستأنس بصحة هذا المعنى مما ذكر في رواية أبي هريرة ﵁، وحاصله: أن الفقراء والأذلاء يصيرون أغنياء وأعزةً وملوكًا، ويصير ذلك سببًا لاختلال أمور الدنيا والدين وهدم أركانهما، فذلك من أمارات الساعة، وقد صح: (لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع) (٢) أي لئيم بن لئيم، وصح أيضًا (من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار) (٣)، قيل: فيه دليل كراهة تطويل

стр. 210

قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ"؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتاكُم يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ". . . . . ــ البناء، وفي شرح الشيخ: في إطلاقه نظر، بل الوجه تقييد الكراهة إن سلمت بما لا تدعو الحاجة إليه، وعليه يحمل خبر: (ويؤجر ابن آدم على كل شيء إلا ما يضعه في هذا التراب)، وغيره من الأخبار الواردة في هذا الباب. وقوله: (قال) أي: عمر. وقوله: (ثم انطلق) أي: ذلك الرجل. وقوله: (فلبثت) على صيغه المتكلم، وقد يروى (فلبث) بلفظ الغائب؛ أي النبي ﷺ (مليًّا) أي: زمانًا طويلًا، ومنه الملوان: الليل والنهار، وأما المهموز فهو من الملاءة بمعنى اليسار والغنى، وقد تثبت رواية الترمذي وأبي داود وغيرهما أنه لبث ثلاثًا، وظاهره أنه ثلاث ليال، وفي (صحيح أبي عوانة): (فلبثت ليالي، فلقيني رسول اللَّه ﷺ بعد ثلاث)، ولابن حبان: (بعد ثلاثة)، ولابن منده: (بعد ثلاثة أيام)، قال الشيخ ابن حجر (١): وينافيه خبر أبي هريرة: (فأدبر الرجل، فقال ﷺ : رُدّوه، فأخذوا يردّونه، فلم يروا شيئًا، فقال: هذا جبرئيل)، وأجيب بأنه يحتمل أن عمر ﵁ لم يحضر قوله هذا، بل كان قد ذهب فأخبر به بعد ثلاث، انتهى. هذا وقد يفسر قوله: (مليًّا) بساعة طويلة، ورواية (ثلاثًا) بثلاث ساعات، ويستبعد غيبة عمر ﷺ عن مجلسه ﷺ ثلاثة أيام، واللَّه أعلم. وقوله: (فإنه جبريل) أي: إذا كنتم غير عالمين فاعلموا أنه جبريل.

стр. 211

رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨]. ٣ - [٢] وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مَعَ اخْتِلَافٍ، وَفِيهِ: وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُن إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ قَرأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآيَة [لقمان: ٣٤]. مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٥٠، م: ١٠]. ــ وقوله: (رواه مسلم) فهو من أفراده، ولم يخرج البخاري عن عمر فيه شيئًا، فلا يكون الحديث متفقًا عليه في الاصطلاح، لأنه إنما يطلق على ما أخرجه الشيخان من صحابي واحد. نعم قد أخرج هو ومسلم عن أبي هريرة نحوه، فهو متفق عليه. ٣ - [٢] (ورواه أبو هريرة) (١) قوله: (الصم البكم) فيه تحقير لشأنهم بكونهم جاهلين لا يستمعون العلم والحق ولا ينطقون به؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقوله: (في خمس) (٢) أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وأخرج أحمد (٣) عن ابن مسعود: (أوتي نبيكم [مفاتيح] كل شيء سوى هذه الخمس)، والمراد لا يعلم بدون تعليم اللَّه منه، وتحقيق معنى هذه الآية وبيان إفادتها الحصر (٤)، يطلب من كتب التفسير.

стр. 212

٤ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ــ ٤ - [٣] (ابن عمر) قوله: (بني الإسلام على خمس) وفي رواية: (خمسة) بالتاء، فالمجرد عن التاء بتقدير دعائم أو قواعد أو خصال، ومعها على تأويل الأركان أو أشياء أو نحو ذلك، كذا قال الطيبي (١)، وقيل: إن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بسقوط التاء إن كان المميز مذكورًا، وأما إذا لم يذكر فيجوز الأمران صرح به النحاة، كذا في الحاشية نقلًا من خط الأمير جمال الدين المحدث، وأيده الشيخ في (شرح الأربعين) (٢) بقوله: (أربعة أشهر وعشرًا)، وبقوله: (من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال)، نعم في الرواية دليل على إرادة الأركان، وقد جاء في رواية: (خمس دعائم)، انتهى. ثم اعلم أنه إن أريد الأركان أو القواعد للبيت وهي داخلة في البيت يكون الإسلام محمولًا على الظاهر الذي دل عليه حديث جبرئيل من كون حقيقته عبارة عن الأركان الخمسة المذكورة، وإن أريد الدعائم أو أعمدة الخباء ونحوها، وهي خارجة، حمل على معنى الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أو على معنى الإيمان بناء على القول باتحادهما، وعلى كل تقدير ففيه استعارة مكنية بتشبيه الإسلام ببيت أو خباء، وإثبات البناء له تخييلية، ويحتمل أن تكون الاستعارة تبعية بتشبيه ثبات الإسلام واستقامته ببناء بيت أو خباء، ثم اشتق منه الفعل، فتدبر. وقوله: (شهادة) بالجر على البدلية، ويجوز رفعه على أنه خبر؛ أي: أحدهما،

стр. 213

وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨، م: ٤٥]. ٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، ــ أو مبتدأ أي: منها، وقد ينصب بتقدير أعني، وكذا في أخواته الأربع، وفي الأخريين يحتمل اكتساء إعراب المضاف المحذوف؛ أعني: أداء. ٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) في (القاموس) (١): البضع كالمنع: القطع، وهو بالكسر ويفتح: ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوزت لفظ العشر؛ ذهب البضع، لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال [ذلك. الفراء: لا يذكر مع العشرة (٢) والعشرين] إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومئة [ولا ألف]، وفي (النهاية) (٣): هو بالكسر وقد يفتح: ما بين الواحد إلى العشر، أو الثلاث إلى التسع، ومنعه الجوهري مع العشرين، وقد جاء في الحديث: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد ببضع وعشرين) (٤). وقال السيوطي: إنه ما بين الثلاث إلى السبع، وقيل: إلى العشر، وقيل: من اثنين إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع، والبضعة بالفتح وقد تكسر: القطعة من اللحم، والجمع بَضْع بالفتح، وكعِنَبٍ وصِحَافٍ وتَمَراتٍ، وفي

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحديث: (فاطمة بضعة مني) أي: جزء مني، وروي (إنما بنتي مضغة مني) بضم الميم بمعناه، والبضع بالضم: الجماع، أو الفرج نفسه، والمهر والطلاق والنكاح، ضد. ثم المذكور في بعض روايات البخاري: (بضع وستون)، وفي بعضها: (بعض وستون أو بضع وسبعون) على الشك، وفي بعضها: (بضع وسبعون) من غير شك، كما في رواية الكتاب، ولأبي عوانة في (صحيحه) من طريقه: (ست وسبعون أو سبع وسبعون)، ورجح قوم رواية (بضع وستون)؛ لأنها المتيقن وما عداها مشكوك فيه، ورجح الآخرون روايات الزيادة لكونها زيادة ثقة، وتعقب بأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج. ثم اعلم أن شعب الإيمان أكثر من أن تحصى وتضبط؛ لأن أنواع الفرائض والواجبات وإن انحصرت وانضبطت لكن أفراد السنن والنوافل والآداب من الأعمال والأخلاق لا تنحصر في عدد، ولا تنضبط في حصر، ومع ذلك يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس وتحصيل سعادتها في المبدأ والمعاد بتحصيل الكمال العلمي والعملي، وذلك باعتقاد الحق والاستقامة في العمل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، وقوله ﷺ : (قل: آمنت باللَّه ثم استقم) (١)، لكنه ﷺ أخبر بالعدد المخصوص، فإما أن يقال: أنواع الفضائل والخصائل الإيمانية وأصولها منحصرة في هذا العدد وإن لم نعرفها، وترى عندنا أقل بالإرجاع أو أكثر بالتفصيل، أو يقال: المراد به التكثير دون التحديد، واستعمال لفظ السبعين في هذا المعنى كثير متعارف، وبكون ذكر البضع للترقي والإشارة إلى أن شعب الإيمان

стр. 215

فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ــ أعداد مبهمة لا نهاية لكثرتها، ولذا أبهم، ولو أريد التحديد لم يبهم، كذا قال الطيبي (١)، وهو قول قريب إلى الصواب، لكنه قد ينافيه وقوع غير عدد السبعين في بعض الروايات كالستين، وتعيين البضع من ست أو سبع أو أربع، وقد تصدى العلماء لحصرها وضبطها، وذلك لا يخلو عن تكلف، واللَّه أعلم. قال في (فتح الباري) (٢) نقلًا عن القاضي عياض: قد تكلف جماعة في عد الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، وقال الشيخ: ولم يتفق من عدّ الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان؛ فإنه عدّ كل طاعة عدّها اللَّه تعالى في كتابه أو النبي ﷺ في سننه، وقال: وقد لخصت مما أوردوه [ما أذكره] وهو أن [هذه] الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، ثم ذكر في أعمال القلب أربعة وعشرين خصلة، وفي أعمال اللسان سبعًا، وفي أعمال البدن ثمان وثلاثين، والمجموع تسع وستون مذكورة في كتابه، ومع ذلك الحصر محل بحث، فلعله ترك فيها بعض الأنواع، وأما الأفراد فأكثر كما يظهر بالنظر في ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: (فأفضلها قول: لا إله إلا اللَّه) أكثر ما يذكر في الأحاديث لا إله إلا اللَّه، ويراد به مجموع هذا مع محمد رسول اللَّه اكتفاء بالجزء الأعظم الأقدم كما ستعرف، ويمكن أن يكون المراد ههنا هو وحده؛ لأن المراد بيان أفضل شعب الإيمان، ولا شك أن هذا الجزء أفضل، ولا يلزم منه أن يكون كافيًا في الإيمان، فافهم، وإنما قال: قول لا إله إلا اللَّه؛ لأن التصديق نفس الإيمان، وأما القول فشعبة منه، فتأمل.
следующие страницы →