١١٤٩ - [١٤] وَعنهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الإِمَامِ فَإِنَّمَا ناصِيَتُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ. رَوَاهُ مَالكٌ. [ط: ٢٠٨].
* * *
٢٩ - باب من صلى صلاة مرتين
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١٥٠ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٠، م: ٤٦٥].
ــ
١١٤٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فإنما ناصيته بيد الشيطان) يعني يقلبه على خلاف رضى الحق، وفيه من التشديد ما لا يخفى.
٢٩ - باب من صلى صلاة مرتين
يشمل صورًا شتى، والمقصود منها كما ذكر في الأحاديث أنه إذا صلى الفرض مرة، ثم أتى مسجد جماعة يعيدها، ويصلي بجماعة مأمومًا على التفصيل المذكور في الفقه، والاختلاف بين الأئمة على ما ذكرنا نبذة منه في (باب الأوقات المنهي عنها) أنه صلى مع الإمام مرة، ثم يصلي يؤم الناس كما في حديث معاذ الآتي، وهو الموسوم عند الشافعية بتكرار الفرض وليس كذلك، وإنما الثاني نفل، غايته أنه ينوي الفرض على المشهور عندهم، ويلزمه اقتداء المفترض بالمتنفل وهو جائز عندهم، متمسكين بهذا الحديث، وقد سبق الكلام فيه في (باب القراءة)، فتذكر.
الفصل الأول
١١٥٠ - [١] (جابر) قوله: (فيصلي بهم) لفظ المسلم: (تلك الصلاة)، ولفظ
стр. 1507
١١٥١ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْعِشَاءَ وَهِيَ لَهُ نَافِلَةٌ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالبُخَارِيُّ. [هق: ٥٣٠٥، خ: ٧١١].
ــ
البخاري: (الصلاة المكتوبة).
١١٥١ - [٢] (وعنه) قوله: (وهي له نافلة) وفي رواية: (هي له تطوع)، هذه الزيادة ليست في (الصحيحين) بل رواه البيهقي والدارقطني، وفي شرح الشيخ ورواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي، وقال الشيخ ابن الهمام (١): وقيل: إن تلك الزيادة من كلام الشافعي ﵀ بناء على اجتهاده، ولذا لا يعرف إلا من جهته، وفي كتاب (المشكاة) ههنا بياض، فالمؤلف لم يجده في طريق من السنن.
وقال التُّورِبِشْتِي (٢): هذا الحديث المشتمل على هذه الزيادة في كتاب (المصابيح) لم نجد له في أحد الكتابين، وقد أورده في قسم الصحاح في كتاب (المصابيح)، فلا أدري أزيد من خائض اقتحم به الفضول [إلى متاهة] لم يعرف طرقها أم حديث أورده المصنف على وجه البيان للحديث الأول، أم سهو وقع منه، وقد ذكر أهل العلم بالحديث أن قوله: (وهي نافلة) في حديث جابر غير محفوظ، انتهى.
وقال أبو عبد اللَّه أحمد: حديث معاذ أخشى أن لا يكون محفوظًا؛ لأن ابن عيينة يزيد فيه كلامًا لا يقوله أحد، وقد أسلفنا في (باب القراءة) أنه ﷺ قال: (يا معاذ لا تكن فتانًا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك)، وهذا يفيد منع الإمامة إذا صلى معه ﷺ ، يعني لأنها تكون نافلة حينئذٍ فلا تصح الإمامة؛ لئلا يلزم اقتداء المفترض
стр. 1508
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١١٥٢ - [٣] عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، قَالَ: "عَلَيَّ بِهِمَا" فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا معَنَا؟ ". فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢١٩، د: ٥٧٥، ن: ٨٥٨].
ــ
بالمتنفل، وهذا ينافي هذه الزيادة، فتدبر.
الفصل الثاني
١١٥٢ - [٣]: (يزيد بن الأسود) قوله: (حجته) يعني: حجة الوداع.
وقوله: (بمسجد الخيف) وهو بمنى، والخيف: ما انحدر من غليظ الجبل وارتفع عن المسيل، وكل هبوط وارتقاء في سفح جبل، ونقل عن (المغرب) (١): الخيف: المكان المرتفع.
وقوله: (فلما قضى صلاته وانحرف) أي: سلم وانصرف.
وقوله: (علي بهما) أي: أقبل عليَّ ائتيا بهما، أو أحضرهما عندي كذا فسروه، و (علي) على الوجه الثاني اسم فعل.
وقوله: (ترعد) بلفظ المجهول: تتحرك، يقال: أرعد الرجل: إذا أخذته الرجفة،
стр. 1509
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١٥٣ - [٤] عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ عَن أَبِيه أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى وَرَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٌ؟ " فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا جِئْتَ الْمَسْجِدَ وَكُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ". . . . .
ــ
كذا في بعض الشروح، وفي (القاموس) (١): ارتعد: اضطرب، والاسم الرعدة بالكسر والفتح، وأُرْعِدُ بالضم: أخذته الرعدة، والفرائص جمع فريصة بالمهملة، وهي لحمة بين جنب الدابة والكتف، وهي ترجف عند الخوف، وقد يشاهد ذلك في البقر عند إرادة الذبح، وفي (القاموس) (٢): اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال تُرعد، وذلك لهيبة رسول اللَّه ﷺ والخوف من غضبه الذي لا يكاد يثبت الجبل عنده.
الفصل الثالث
١١٥٣ - [٤] (بسر بن محجن) قوله: (عن بسر) بضم الباء وسكون المهملة. (ابن محجن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم.
وقوله: (فأذن) بلفظ المجهول.
وقوله: (وإن كنت قد صليت) تكرير وتأكيد، وقال الطيبي (٣):
стр. 1510
رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢٩٦، ن: ٨٥٧].
١١٥٤ - [٥] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: يُصَلِّي أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَأُصَلِّي مَعَهُمْ، فَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا من ذَلِك، فَقالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلَنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: "فَذَلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ".روَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٢٩٩، د: ٥٧٨].
ــ
وتحسين للكلام.
١١٥٤ - [٥] (رجل من أسد بن خزيمة) قوله: (من أسد بن خزيمة) قبيلة من مضر، وهو أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وأسد أيضًا قبيلة من ربيعة ابن نزار.
وقوله: (فأصلي معهم) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم؛ لأن الأصل: يصلي، وأراد بقوله: (يصلي أحدنا) نفسه، فإن قلت: فيكون قوله: (فأصلي معهم) جاريًا على مقتضى الظاهر، فكيف يكون التفاتًا؟ بل الالتفات في قوله: (يصلي أحدنا) من التكلم إلى الغيبة على مذهب السكاكي، قلنا: لما عبر عن نفسه بالغائب وإن كان على خلاف الظاهر صار الظاهر أن يجري بعده على طبقه، وإن كان في نفسه ظاهرًا، ففيه التفات آخر من الغيبة إلى التكلم، كما تقرر في علم المعاني.
وقوله: (فأجد في نفسي شيئًا من ذلك) أي: حزازة هل ذلك لي أم عليَّ؟ وذلك إما لأن فيه اقتداء متنفل بمفترض، والجماعة تقتضي الاشتراك، وإما لغير ذلك، وقد يراد بقوله: (شيئًا من ذلك) الروح والراحة والأنس والحضور، وقوله في الجواب: (فذلك له سهم جمع) أي: نصيب جماعة، أي: ثوابها، ومعناه على الأول: لا ينبغي
стр. 1511
١١٥٥ - [٦] وَعَن يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْتُ، وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَآنِي جَالِسًا، فَقَالَ: "أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يزِيدُ؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَسْلَمْتُ. قَالَ: "وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ " قَالَ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ. فَقَالَ: "إِذَا جِئْتَ الصَّلَاةَ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ، تَكُنْ لَكَ نافِلَةً وَهَذِه مَكْتُوبَةٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٧٧].
ــ
أن تجد من ذلك حزازة، فإن ذلك لك لا عليك، وليس فيه بأس، بل فيه فضل الجماعة وثوابها، وعلى الثاني: ذلك الذي يجد من الروح والأنس حظ من الجماعة وأثرها ونورها.
١١٥٥ - [٦] (يزيد بن عامر) قوله: (أحسب) حال من فاعل (صليت).
وقوله: (تكن لك نافلة وهذه مكتوية) جعل الطيبي (١) الضمير في (تكن) للصلاة التي صلاها في البيت، والإشارة في (هذه) إلى التي صلاها مع الجماعة، وقال: جعل الصلاة الواقعة وقتها المسقطة للقضاء نافلة، والصلاة مع الجماعة التي هي غير مسقطة للقضاء فريضة، دلالة على أن الأصل في الصلاة أن يصلي مع الجماعة وما ليس كذلك فهو غير مقيد بها، ولا يذهب عليك أنه قد مرّ في حديث يزيد بن الأسود في مسجد خيف وغيره أن الثانية نافلة، وأما الإشارة بـ (هذه) إلى الصلاة الأولى السابقة فصحيحة لقربها في الذكر، والأمر في ذلك سهل.
стр. 1512
١١٥٦ - [٧] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي، ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الإِمَامِ أَفَأُصَلِّي مَعَهُ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَلِكَ إِلَيْكَ؟ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ يَجْعَلُ أيَّتَهُمَا شَاءَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٩٧].
١١٥٧ - [٨] وَعَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ قَالَ: أَتَيْنَا ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ. فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ". . . . .
ــ
١١٥٦ - [٧] (ابن عمر) قوله: (وذلك إليك) بتقدير حرف الاستفهام الإنكاري أي: أو ذلك إليك؟ وفي نسخة: (وما ذلك إليك).
وقوله: (يجعل أيتهما شاء) فيه تائيد لما اختاره بعض الشافعية، واختاره الغزالي أن الفرض أحدهما لا بعينها، لكن أكثر الأحاديث مصرح بأن الثانية نافلة وهو الأقيس؛ لأن الذمة قد برئت بأداء الأول، واللَّه أعلم.
١١٥٧ - [٨] (سليمان) قوله: (على البلاط) موضع بالمدينة مفروش بالبلاط نوع من الحجارة، قال في (القاموس) (١): البلاط كسحاب: الأرض المستوية الملساء، والحجارة التي تفرش في الدار، وكل أرض فرشت بها أو بالآجر، وموضع بالمدينة، وفي (مقدمة فتح الباري) (٢): وذلك موضع اتخذه عمر ﵁ لمن يتحدث.
وقوله: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) يخالف الأحاديث السابقة والذي مر
стр. 1513
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ١٩، ٤١، د: ٥٧٩، ن: ٨٦٠].
١١٥٨ - [٩] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوِ الصُّبْحَ،
ــ
من الأثر من ابن عمر ﵄ نفسه من إفتائه به رجلًا سأله، فيحمل هذا الحديث على من صلى بالجماعة أولًا، والأحاديث الأخر على من صلى منفردًا، كما هو مذهبنا، أو على من أراد أن يعيد منفردًا، ومذهب الشافعية أن صلاته منفردًا لا تنعقد عندهم، كما في شرح الشيخ، قالوا: لأن الأصل عدم الإعادة إلا ما ورد فيه الإعادة، وهو الأداء مع الجماعة فيقتصر عليه، وهذا التأويل ينافي قوله: (ألا تصلي معهم) فإنه ظاهر في الجماعة، فافهم، على أن الكلام في صحة هذا الحديث وحسنه، والأحاديث الدالة على خلافه صحيحة أو أصح منه، كذا قالوا، وقال التُّورِبِشْتِي (١): يحمل حديث ابن عمر ﵄ على إقامة الصلاة في مسجد مرتين إيثارًا أو اختيارًا، أو على إعادة الصلاة بعد أن صليت بجماعة.
وقد زعم بعض أهل الحديث أن حديث يزيد بن الأسود ناسخ لحديث ابن عمر ﵄ لأنه سمعه في حجة الوداع، وهي من آخر أيام رسول اللَّه ﷺ ، وهو قول غير سديد؛ لأن ابن عمر ﵄ صحب بعد حجة الوداع إلى أن توفي، فلعله سمع بعد يزيد بن الأسود، ثم إن حديثه لا يبلغ حديث ابن عمر ﵄ في الصحة والاشتهار، ولم يختلف أحد في صحته، وحديث يزيد بن الأسود اختلف في إسناده، انتهى.
١١٥٨ - [٩] (نافع) قوله: (من صلى المغرب أو الصبح) يؤيد مذهب مالك ﵀ من عدم الإعادة في هاتين الصلاتين، وعندنا العصر أيضًا، وعند الشافعي
стр. 1514
ثُمَّ أَدْرَكَهُمَا مَعَ الإِمَامِ فَلَا يَعُدْ لَهُمَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٠٠].
* * *
٣٠ - باب السنن وفضائلها
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١٥٩ - [١] عَن أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : . . . . .
ــ
يجوز مطلقًا.
٣٠ - باب السنن (١) وفضائلها
أراد الصلوات التي تؤدى مع الفرائض في اليوم والليلة، وكان رسول اللَّه ﷺ يواظب عليها مؤكدة أو غير مؤكدة، ويسمى القسم الأول الرواتب مأخوذ من الرتوب، وهو الدوام والثبوت يقال: رتب رتوبًا: ثبت ولم يتحرك، ومنه الترتيب، ويمكن أن يجعل الراتبة أعم من المؤكدة، وقد جعلها (٢) من الرواتب صاحب (سفر السعادة) (٣).
الفصل الأول
١١٥٩ - [١] (أم حبيبة) قوله: (رواه الترمذي) (٤) يعني أن هذا اللفظ الذي
стр. 1515
"مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءَ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤١٥].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمِ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ركْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ". [م: ٧٢٨].
١١٦٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا،
ــ
ذكره في (المصابيح) إنما هو للترمذي، وليس في (الصحيحين)، نعم جاء في رواية مسلم: أن أم حبيبة ﵁ قالت: (سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول. . .) الحديث.
وقوله: (تطوعًا غير فريضة) التطوع تفعل من الطاعة بمعنى إظهار الطاعة والتكلف فيه من عند نفسه من غير أن فرضها الشارع عليه، وبهذا الوجه تسمى الصلاة النافلة تطوعًا، وقال في (القاموس) (١): وكل متنفل خير: متطوِّع، لكن الغالب إطلاقه في غير السنن الرواتب، ولهذا أورد المؤلف باب التطوع على حدة، وذكر فيه ركعتين بعد الوضوء، وصلاة الاستخارة، وما يفعل العبد لنفسه من الصلوات.
١١٦٠ - [٢] (ابن عمر) قوله: (ركعتين قبل الظهر) وهذا متمسك الشافعي ﵀ في سنية ركعتين قبل الظهر، وقد جاء حديث ابن عمر ﵄ في الكتب الستة
стр. 1516
وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: . . . . .
ــ
مع اختلاف في ألفاظها، وعندنا السنة قبل الظهر أربع، وقد جاء فيها أيضًا أحاديث عن أم المؤمنين عائشة وأم حبيبة ﵄ فهو محمول على أنه ﷺ كان يصلي تارة أربعًا وأخرى ركعتين، فكل واحد وصف ما رأى، وعقد الترمذي بابًا للأربع قبل الظهر، وأورد حديثًا عن علي ﵁ قال (١): كان رسول اللَّه ﷺ يصلي قبل الظهر أربعًا وبعدها ركعتين، وقال: وفي الباب عن عائشة وأم حبيبة، وحديث علي ﵁ حديث حسن، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق ﵏، وقال بعض أهل العلم: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يرون الفصل بين [كلِّ] ركعتين، وبه يقول الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه، انتهى.
والحديث في أربع قبل الظهر كثيرة، وجاء عند الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه أيضًا أربع، ولكن بتسليمتين، والوجه ما أشار إليه الترمذي، وبالجملة وجه التطبيق بين الأحاديث الواردة في أربع والواردة في ركعتين إما بأنه ﷺ كان يصلي في بيته أربعًا فرأته عائشة ﵂، وكان يصلي ركعتين إذا أتى المسجد تحية للمسجد فظنه ابن عمر ﵄ أنها سنة الظهر، وإما بأن اعتقاد ابن عمر أن سنة الظهر ركعتان، والأربع صلاة أخرى كان يصليها وقت فيء الزوال، لأنها يفتح عندها أبواب السماء، كما سيأتي، واللَّه أعلم.
وقوله: (في بيته) ظاهر العبارة يدل على أن ابن عمر ﵄ صلى معه ﷺ بأن صلى في بيت حفصة ﵄، أو حال من رسول، اللَّه أي حال كونه مصليًا في بيته، واللَّه أعلم.
стр. 1517
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٧، م: ٧٢٩].
١١٦١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي (١) بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٧، م: ٧٢٩].
١١٦٢ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَطَوُّعِهِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيصَلِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُصلي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا،
ــ
وقوله: (كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر) وفي (صحيح البخاري): وقال ابن عمر: وكانت هذه ساعة ما كنت أدخل عليه، ويفهم منه أنهما أيضًا كانتا في بيته، وقد جاءت أحاديث مصرحة بذلك، كما تجيء في (باب صلاة الليل).
١١٦١ - [٣] (وعنه) قوله: (فيصلي) بالرفع عطف على مجموع (حتى ينصرف)، أي: إذا انصرف يصلي، لا بالنصب عطف على (ينصرف)؛ لأنه يلزم منه أنه كان يصلي بعد الركعتين؛ لأنه حينئذ يكون الغاية مجموع الانصراف والصلاة.
١١٦٢ - [٤] قوله: (عبد اللَّه بن شقيق) العقيلي بالضم.
وقوله: (وكان يصلي من الليل تسع ركعات) قد اختلف الروايات في صلاة التهجد عن رسول اللَّه ﷺ ثمانيًّا وستًا وعشرًا واثني عشر معها الوتر ركعة أو ثلاثًا،
стр. 1518
وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَاعِدًا ركَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ. [م: ٧٣٠، د: ١٢٥١].
١١٦٣ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٦٩، م: ٧٢٤].
١١٦٤ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٥].
ــ
وكان ذلك كله في أوقات مختلفة، وسيأتي تحقيقه وتفصيله في (باب قيام الليل) إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (ركع وسجد وهو قائم) أي: ينتقل من القيام إليهما، وكذا معنى قوله: (ركع وسجد وهو قاعد)، لكن هذا في بعض الأحيان، وفي بعضها ينتقل من القعود إلى القيام، ويقرأ بعض القراءة، ثم ينتقل من القيام إلى الركوع والسجود، ولم يرو عكس هذا، فكان له ﷺ في صلاة الليل ثلاث أحوال قائمًا في كلها، وقاعدًا في كلها، وقاعدًا في بعضها، ثم قائما وقارئًا فراكعًا وساجدًا، فتدبر.
١١٦٣ - [٥] (عائشة ﵂) قوله: (أشد تعاهدًا)، أي: محافظة ومداومة، والظاهر أنه خبر (لم يكن)، و (على شيء) متعلق به إن جاز تقديم معمول التمييز عليه، ويجوز أن يكون (على شيء) خبرًا بتقدير متعاهدًا، و (أشد) حال لا مفعولًا مطلقًا، وإلا لكان الظاهر إضافة (أشد) إلى تعاهد، فافهم.
١١٦٤ - [٦] (وعنها) قوله: (خير من الدنيا وما فيها) أي: إنفاقها في سبيل اللَّه
стр. 1519
١١٦٥ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ". قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ". كَرَاهِيةَ أَنْ يتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٨٢، م: ٨٣٨].
١١٦٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبعًا". [م: ٨٨١].
ــ
كما جاء في فضيلة الذكر، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، أو قال على زعم من يرى في متاع الدنيا خيرًا من أربابها، قالوا: أقوى السنن وأوكدُها ركعتا الفجر، وبعدها سنة المغرب، وبعدها السنة بعد الظهر، وبعدها سنة العشاء، وبعدها السنة قبل الظهر.
وقيل: السنة قبل الظهر وبعد الظهر سواءٌ في الرتبة، ذكره الشُّمُنِّي.
١١٦٥ - [٧] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (ابن مغفل) بفتح الفاء وتشديدها.
وقوله: (صلوا قبل صلاة المغرب) أي: ركعتين.
وقوله: (كراهية) علة للقول، و (سنة) أي: شريعة وطريقة لازمة، فيه استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب بعد الغروب، وبه قال أكثر السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وأكثر الفقهاء على خلافه، وقد سبق الكلام فيه في (باب فضل الأذان) في شرح قوله ﷺ : (بين كلِّ أذانين صلاة)، وستأتي الأحاديث الواردة في هاتين الركعتين في الفصل الثالث.
١١٦٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليصل بعدها أربعًا) قد سبق في حديث ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ يصلي بعد الجمعة ركعتين، ويأتي في الفصل الثالث من حديث
стр. 1520
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١١٦٧ - [٩] عَنْ أُمِّ حَبِيتةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٢٦، ت: ٤٢٧، د: ١٢٦٩، ن: ١٨١٤، جه: ١١٦٠].
١١٦٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ. . . . . .
ــ
عطاء عن ابن عمر ﵄ أنه صلى ست ركعات، وسيجيء تحقيقه في (باب الجمعة).
الفصل الثاني
١١٦٧ - [٩] (أم حبيبة) قوله: (والترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وجاء في بعض الروايات أنه كان يصليها بتسليمتين، ثم لا يُدرى أنها وراء ركعتي السنة أو معهما، والظاهر الأول، وقال الشيخ ابن الهمام (١): اختلف أهل هذا الزمان في أنها تعتبر غير ركعتي الراتبة أو بهما، وعلى التقدير الثاني هل تُؤدَّى معهما بتسليمة واحدة أو لا، فقال جماعة: لا؛ لأنها إن نوى عند التحريمة السنة لم يصدق في الشفع الثاني، أو المستحبَّ لم يصدق في الأول، ووقع عندي أنه إذا صلى أربعًا بعد الظهر بتسليمة أو بتسليمتين وقع عن السنة والمندوب، سواءٌ احتسب الراتبة منها أو لا؛ لأن المفاد بالحديث المذكور أنه إذا أوقع بعد الظهر أربعًا مطلقًا حصل الوعد المذكور، ولقد أطال الشيخ الكلام ههنا فليُنظَر ثَمة.
١١٦٨ - [١٠] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم)
стр. 1521
تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٢٧٠، جه: ١١٥٧].
١١٦٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَالَ: "إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالحٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٧٨].
١١٧٠ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ١١٧، ت: ٤٣٠، د: ١٢٧١].
ــ
فيه دليل لمن قال في صلاة النهار أربعًا أربعًا.
وقوله: (تفتح لهن أبواب السماء) كناية عن صعودها إلى السماء وقبولها، ثم اختلفوا في أنها هي راتبة الظهر أم صلاة أخرى مستقلة تصلى في هذا الوقت تسمى صلاة فيء الزوال، فالقائلون بكون الراتبة قبل الظهر ركعتين جزموا بذلك، والقائلون بكونها أربعًا مترددون فيه، وثبوت هذه الفضيلة لا ينافي كونها من الرواتب، والمختار أنها غيرها.
١١٦٩ - [١١] (عبد اللَّه بن السائب) قوله: (وقال: إنها ساعة) الضمير لما بعد الزوال والتأنيث باعتبار الخبر.
وقوله: (أن يصعد) بلفظ المعلوم والمجهول.
وقوله: (عمل صالح) ولما كانت الصلاة أفضل الأعمال الصالحة، وكان الوقت وقت حضور الصلاة كانت الصلاة أفضل وأنسب، فافهم.
١١٧٠ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (رواه أحمد والترمذي وأبو داود) وقال الترمذي:
стр. 1522
١١٧١ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ ركَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤمِنِينَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٢٩].
١١٧٢ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٧٢].
١١٧٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ ركَعَاتٍ. . . . .
ــ
هذا حديث حسن غريب، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وصححه ابن حبان، وفي قوله: (رحم اللَّه عبدًا)، إشارة إلى كونها مستحبة.
١١٧١ - [١٣] (علي ﵁) قوله: (يفصل بينهن بالتسليم) يدل على استحباب الفصل بالتسليم في هذه الأربع، وقاس عليه الأربع في الظهر من قال من الشافعية به بالفصل فيها بالتسليم، وقال البغوي: المراد بالتسليم ههنا التشهد، وقال الطيبي (١): سمي التشهد بالتسليم لاشتماله عليه، كما جاء عكس ذلك، أعني ذكر التشهد وإرادة السلام في حديث قيام الليل على ما قيل، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: (ومن تبعهم) التبعية إما باعتبار الوجود أو الذكر.
١١٧٢ - [١٤] (وعنه) قوله: (يصلي قبل العصر ركعتين) وفي رواية أحمد والترمذي: أربع ركعات، ومن جهة الاختلاف في الروايات صار مذهبنا التخيير بين الأربع والركعتين جمعًا بين الروايات، والأربع أفضل، كما حقق في أصول الفقه.
١١٧٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (ست ركعات) مع الركعتين أو سواهما.
стр. 1523
لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَثْعَمٍ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ جِدًّا. [ت: ٤٣٥].
ــ
وقوله: (عدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة) يقال: عدلت فلانًا بفلان: إذا سويت بينهما، وهذا من باب إلحاق الناقص بالكامل حثًّا وترغيبًا، وتعيين العدد موكول إلى علم الشارع، وقيل: تضاعفها يصل إلى هذا المقدار، ولعل اللَّه سبحانه جعل لهذا الوقت هذه الخاصية، وأمثال هذا كثيرة في الشرع، وفضل اللَّه واسع، والعلم عند اللَّه.
وقوله: (عمر بن أبي خثعم) في (التقريب) (١): عمر بن عبد اللَّه بن أبي خثعم ينسب إلى جده، ضعيف من السابعة، ونقل عن (ميزان الاعتدال) (٢): عمر بن عبد اللَّه ابن أبي خثعم يروي الموضوعات، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح، وفي (الكاشف) (٣): عمر بن عبد اللَّه بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير في الست بعد المغرب، وعن زيد بن الحباب وجماعة، قال البخاري: ذاهب الحديث، وفي حاشيته: الهمامي، وقد ينسب إلى جده، قال أبو زرعة: واهي الحديث، روى عن يحيى بن [أبي] كثير ثلاثة أحاديث لو كانت في خمس مئة لأفسدتها، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وبعض حديثه لا يتابع عليه، وقيل: عمير بن خثعم.
стр. 1524
١١٧٤ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٣٥].
١١٧٥ - [١٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ ركْعَاتٍ أَو سِتَّ رَكْعَاتٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٠٣].
١١٧٦ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]. . . . .
ــ
١١٧٤ - [١٦] (عائشة) قوله: (من صلى بعد المغرب عشرين ركعة) رواه الترمذي تعليقًا، وفي بعض الشروح: رواه ابن ماجه مسندًا، وضعفه المحدثون، وفي إسناده يعقوب بن الوليد، وهو كذاب وضاع على ما ذكره أحمد بن حنبل وغيره، وفي (التقريب) (١): يعقوب بن الوليد بن عبد اللَّه بن أبي هلال المدني نزيل بغداد، كذبه أحمد وغيره، من الثامنة.
١١٧٥ - [١٧] (وعنها) قوله: (إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات) الذي جاء في المشاهير من الروايات ركعتان بعد العشاء، كما عرفت، وقد جاء أربع ركعات، أما الست فلم تجئ إلا في هذا الحديث، واللَّه أعلم.
وقد كتب في الحواشي: قيل: أراد بالعشاء في هذا الحديث المغرب، ولعله حمله على حديث الترمذي (٢): (من صلى بعد المغرب ست ركعات)، مع التردد في أنها مع ركعتي السنة أو وراءهما، واللَّه أعلم.
١١٧٦ - [١٨] (ابن عباس) قوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بالنصب على الحكاية،
стр. 1525
الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، و ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [ق: ٤٠] الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٧٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١١٧٧ - [١٩] عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ فِي صلَاةِ السَّحَرِ. وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ السَّاعَةَ"،
ــ
أي: المراد بالتسبيح في وقت إدبار النجوم بكسر الهمزة في آخر (سورة الطور)، أي: غيبوبتها (الركعتان قبل الفجر)، وبـ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بفتح الهمزة في (سورة ق) سنة المغرب، والسجود فريضة المغرب، وقال البيضاوي ﵀ (١): المراد بأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات، وقيل: الوتر بعد العشاء، ثم الأدبار بفتح الهمزة في (سورة ق) جمع دبر، وقرأ نافع وابن كثير وخلف وحمزة بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت، وكذا قرئ (أدبار) في آخر (سورة الطور) بفتح الهمزة أيضًا.
الْفَصْل الثَّالِث
١١٧٧ - [١٩] (عمر) قوله: (أربع قبل الظهر بعد الزوال) يحتمل سنة الظهر وسنة فيء الزوال.
وقوله: (تحسب) بلفظ المجهول، أي: تعدل وتوازي، يعني ثوابه مثل ثواب أربع ركعات في صلاة السحر، وحمل الطيبي (٢) صلاة السحر على صلاة الفجر سنَّتِها
стр. 1526
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [ت: ٣١٢٨، شعب: ٢٨٠٨].
ــ
وفرضها، والحمل على صلاة التهجد كان أنسب وأظهر بلفظ السحر.
وروى صاحب (سفر السعادة) (١) أن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ كان يصلي بعد الزوال ثماني ركعات ويقول: إنهن يعدلن مثلهن من قيام الليل، وهذا في حكم المرفوع، ويستأنس بهذا أن المراد بصلاة السحر صلاة الليل، والظاهر أن هذه الركعات الثمانية مجموع سنة الظهر وسنة الزوال، قال بعض المشايخ: لعل السر في هذا أن هذين الوقتين زمان نزول الرحمة، فإنه تفتح أبواب الرحمة والقبول بعد انتصاف النهار، كما عرفت، وتنزل الرحمة الإلهية في الليل بعد انتصاف الليل إلى وقت السحر، فلما تناسب الوقتان تناسب الصلاة الواقعة فيهما، ويكون كل منهما عديل الآخر، ولما كان نزول الرحمة في آخر الليل أظهرَ وأشهر جعل الصلاة وقت الزوال عديله وشبّه به.
وقوله: (ثم قرأ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾) ترغيبًا في الصلاة في هذا الوقت، وإظهارًا لفضله بموافقة المصلي لسائر الكائنات في الخضوع والاستسلام والاستصغار لبارئها، وأول الآية ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أي: أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة، أي: مائلة راجعة عن أيمانها وشمائلها، أي: عن جانبي كل واحد منها ساجدين للَّه صاغرين متذللين له، والمراد بالسجود الاستسلام سواء كان بالطبع أو الاختيار، فالكل منقاد للرب تعالى فيما خلق ودبر.
стр. 1527
١١٧٨ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِي اللَّهَ. [خ: ٥٩٣، م: ٨٣٥].
١١٧٩ - [٢١] وَعَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ،
ــ
١١٧٨ - [٢٠] (عائشة) قوله: (ما ترك رسول اللَّه ﷺ ركعتين بعد العصر عندي) أي: في بيتي، قيل: هاتان الركعتان ركعتا سنة الظهر فاتتا منه ﷺ بسبب الوفود فقضاهما بعد العصر، كما جاء من حديث أم سلمة ﵂، وروي أنه شغله قسمة مال أتاه، ثم داوم عليهما لما كان من عادته الشريفة أنه إذا صلى صلاة أثبتها وأدامها، وعدَّها بعضهم من خصائصه، وقيل: هما الركعتان قبل صلاة المغرب الآتي ذكرهما، وهذا بعيد؛ لأنهما كانتا بعد أذان المغرب، وظاهر الحديث قبله، وأيضًا لم يثبت ذلك من فعله ﷺ ، وإنما كان بعض أصحابه يصلون فلم يأمرهم ولم ينههم، كما يأتي في الحديث الآتي.
هذا وقد جاءت أحاديث بطرق متعددة مصرحة أنهما كانتا راتبةَ العصر، ولم يكن بسببٍ عارض، وبالجملة الأخبار والآثار في النهي عن الصلاة بعد العصر كثيرة، وعليه الجمهور، فالأحسن أن يقال: إنه من خصائصه ﷺ ، كما قال بعض المتأخرين، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول من (باب أوقات النهي).
١١٧٩ - [٢١] (المختار بن فلفل) قوله: (بن فلفل) بضم الفائين الكوفي القرشي المخزومي وثقه الأئمة، قال عبد اللَّه بن إدريس: كان من أرق محدث يحدث وعيناه تدمعان.
стр. 1528
فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الأَيْدِيَ عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣٦].
١١٨٠ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ فَرَكعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣٧].
١١٨١ - [٢٣] وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبةَ الْجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعَجِّبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمِ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؟ . . . . .
ــ
وقوله: (كان عمر يضرب الأيدي) أي: أيدي من عقد الصلاة، وأحرم بالتكبير، أي: كان يمنع منهما، ولعل عمر ﵁ ما وقف على قول عائشة ﵂: ما ترك رسول اللَّه ﷺ ، وقول أنس ﵁: وكنا نصلي، وسببه خشيته أن يتخذها الناس عادة، ويقعوا في الصلاة عند الغروب، كما سبق.
١١٨٠ - [٢٢] (أنس) قوله: (ابتدروا السوارى) جمع سارية وهي الأسطوانة، يعني: يقف كل واحد خلف أسطوانة يصليهما.
١١٨١ - [٢٣] (مرثد بن عبد اللَّه) قوله: (مرثد) بفتح الميم والمثلثة.
وقوله: (ألا أعجبك) بضم أوله وتشديد الجيم.
وقوله: (من أبي تميم) هو عبد اللَّه بن مالك الجيشاني (١) بفتح الجيم وسكون
стр. 1529
فَقَالَ عُقْبةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٨٤].
١١٨٢ - [٢٤] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا، فَقَالَ: "هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: قَامَ ناسٌ يتَنَفَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ". [د: ١٣٠٠، ت: ٦٠٤، ن: ١٦٠٠].
ــ
التحتانية بعدها معجمة وبنون، منسوب إلى جيشان بن عبدان.
١١٨٢ - [٢٤] (كعب بن عجرة) قوله: (فقال: هذه صلاة البيوت) يحتمل أن يكون إشارة إلى خصوص سنة المغرب، وهو الأظهر، وأن يكون إشارة إلى مطلق صلاة النفل، وفي لفظ ابن ماجه (١): (اركعوا هاتين في بيوتكم)، وهذا أيضًا ظاهر في خصوص سنة المغرب، وبالجملة الأفضل أن تكون الصلاة نافلة في البيوت، وهكذا كان عمل رسول اللَّه ﷺ إلا بسبب أو عذر، وكان يقول: (أيها الناس صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) خصوصًا سنة المغرب لم يصلها في المسجد في وقت مّا، ومنهم من قال: لو صلى هاتين الركعتين في المسجد لم يجزئ من السنة.
وقال الإمام المروزي: من صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيًا، وكذا نقل عن أبي ثور من أصحاب الشافعي ﵀، ولعل وجهه أنه قد ورد الأمر
стр. 1530
١١٨٣ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٠١].
١١٨٤ - [٢٦] وَعَنْ مَكْحُولٍ يَبْلُغُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ. . . . .
ــ
بذلك بقوله ﷺ : (اجعلوها في بيوتكم)، والأصل أن يكون الأمر للوجوب، وتارك الواجب عاص، والجمهور على أن الأمر للاستحباب، فالأولى أن يكون في البيت.
وفي حاشية الهداية من (الجامع الصغير): أنه إن صلى المغرب في المسجد صلى السنة فيه إن خاف الشغل بعد الرجوع إلى البيت، وإن لم يخف ذلك فالأفضل أن يكون في البيت، وإن لم يتيسر الذهاب إلى البيت فالأولى أن يصلي على باب المسجد، وإن لم يتيسر هذا أيضًا صلى في المسجد الخارجي إن صلى الإمام في الداخلي، وإن صلى الإمام في الخارجي صلى في الداخلي، وإن كان المسجد واحدًا، ولم يكن له خارج، صلى عقب أسطوانة ونحوها.
١١٨٣ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد) لا يخلو هذا الحديث من نوعِ إشعارٍ بأنه كان يصليهما في المسجد، ولهذا قال الشيخ في (شرحه): يحتمل أنه كان يصليهما في المسجد، فيحمل على أنه كان لعذر منعه من دخول البيت، ويحتمل أنه كان يصليهما في البيت، وأن ابن عباس علم بذلك، انتهى. لأن بيته ﷺ كان متصلًا بالمسجد، ولم يكن بينهما إلا جدار، وكان في الجدار باب إلى المسجد.
١١٨٤ - [٢٦] (مكحول) قوله: (يبلغ به) الباء للتعدية أو للسببية، أي: يبلغ
стр. 1531
-وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعَ ركَعَاتٍ- رُفِعَتْ صَلَاتُهُ فِي عِلِّيِّينَ". مُرْسَلًا.
١١٨٥ - [٢٧] وَعَن حُذَيْفَة نَحْوَهُ وَزَادَ: فَكَانَ يَقُولُ: "عَجِّلُوا الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُمَا تُرْفَعَانِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ" رَوَاهُمَا رَزِينٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الزِّيَادَةَ عَنْهُ نَحْوَهَا فِي "شُعَبِ الإِيمَان". [شعب: ٢٨٠٤].
١١٨٦ - [٢٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: إِنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ. . . . .
ــ
بالحديث إلى رسول اللَّه ﷺ ويرفعه إليه، ويقول: قال رسول اللَّه ﷺ : (من صلى بعد المغرب) الحديث، والمقصود بيان الإرسال بإسقاط الصحابي، وكان مكحول تابعيًّا كثير الإرسال ثقة، فقوله: (مرسلًا) متعلق بـ (يبلغ به)، كذا في الحواشي، وهو صحيح، ولكن الظاهر أن يكون التقدير رواه مرسلًا.
و(علّيون) اسم لمقام فوق السماء السابعة. وقيل: اسم للسماء السابعة، وقيل: لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين، وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من اللَّه في الآخرة، ويعرف بالحروف والحركات على أنه جمع أو واحد.
١١٨٥ - [٢٧] (حذيفة) قوله: (عجلوا الركعتين بعد المغرب) والظاهر أنه لا ينافي التعجيلَ قراءةُ دعاء أو ذكر صح وروده بعدها، أو يقال: قراءته بعد السنَّة لا تنافي البعدية المرادة ههنا، وقد أسلفنا مثل هذا في باب الذكر بعد الصلاة، لكن يختلج أنه قد ثبتت أفضلية أدائهما في البيت، والبيت إن كان بعيدًا يخلُّ بالاستعجال ماذا يفعل، وفيه وجهان، والظاهر أن يختار البيت لتأكد الأمر في ذلك، واللَّه أعلم.
١١٨٦ - [٢٨] (عمر بن عطاء) قوله: (فقال نعم) إيجاب لما سأله نافع من قوله: هل رأى منك معاوية شيئًا فأنكره عليك؟
стр. 1532
صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٨٢].
١١٨٧ - [٢٩] وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يتَقَدَّمُ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا. [د: ١١٣٠، ت: ٥٢٢].
* * *
ــ
وقوله: (في المقصورة) المراد مقصورة المسجد، مكانٌ يبنى فيه للمتكبرين والأمراء، وهو في الأصل الدار الواسعة المحصنة، أو هي أصغر من الدار، وفي (الصراح) (١): قصر كوشك، ومنه مقصورة الجامع.
١١٨٧ - [٢٩] (عطاء) قوله: (تقدم) أي: من مكان صلى فيه الجمعة إلى مكان آخر، فيكون فصلًا بين الصلاتين بمنزلة التكلم أو الخروج المذكور في قول معاوية.
وقوله: (وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة. . . إلخ) ولعل الفرق بين مكة والمدينة بتقديم الصلاة في مكة والرجوعِ إلى البيت في المدينة: أنه كان بيته في المدينة قريبًا من
стр. 1533
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المسجد النبوي ومتصلًا به، وكان بمكة مسافرًا والمنزل بعيد، فجعل التقدم قائمًا مقام الرجوع إلى البيت، وقال الطيبي (١): لعله فعل ذلك تعظيمًا لصلاة الجمعة، وتمييزًا لها عن غيرها، وأما تخصيص مكة بما فعل دون المدينة فتعظيم لها، انتهى.
ولعله ﵁ إنما زاد في الصلاة بمكة بأن صلى ثمة ستةً لكثرة الثواب أضعافًا مضاعفة، ولجواز الصلاة في الأوقات المكروهة فيها، وقال الترمذي: روي عن علي ابن أبي طالب ﵁ أنه كان يأمر بالركعتين بعد الجمعة، ثم بأربع، والسنة عند أبي حنيفة -رحمة اللَّه عليه- بعد الجمعة أربع، وعند صاحبيه ست: أربع، ثم اثنتان، هذا في الصلاة بعد الجمعة، وأما الصلاة قبل الجمعة فثابت، وقد أنكره بعض المحدثين وبالغوا في الإنكار، وقال صاحب (سفر السعادة) (٢): الذين قالوا بسنة الجمعة قبلها، إنما قالوا بها قياسًا على الظهر، وإثبات السنن بالقياس غير جائز، وقال: ومن صنف من العلماء في سنن الصلوات واعتنوا بضبطها لم يرووا فيها شيئًا، انتهى.
وأقول: اعلم أن الترمذي عقد في جامعه بابًا في الصلاة قبل الجمعة وبعدها، وأورد في كل منها أحاديث، وقال: وروي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا، وذهب سفيان الثوري وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وفي (جامع الأصول) (٣) من حديث (الموطأ) عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنه قال: كانوا في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يصلون يوم الجمعة، حتى يخرج عمر ﵁، وإذا خرج جلس على منبر فأذن المؤذن، الحديث.
стр. 1534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والظاهر أن ما في (صحيح البخاري) (١) من حديث سلمان ﵁: ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت، وفي (صحيح مسلم) (٢) عن أبي هريرة: من اغتسل، ثم أتى الجمعة وصلى ما قدر له، ثم أنصت، وارد في السنة قبل الجمعة، وأورد السيوطي في (جمع الجوامع) (٣): من كان مصليًا يوم الجمعة فليصل قبلها أربعا وبعدها أربعًا، رواه ابن النجار.
وذكر في (المواهب اللدنية) (٤): أنه قيل: إن الركعتين اللتين أمر رسول اللَّه ﷺ أبا سليك الغطفاني بهما وقت الخطبة، والتجوز فيهما كانتا سنة الجمعة قبلها، وسيجيء ذكرها في (باب خطبة الجمعة) إن شاء اللَّه تعالى، وفي (المواهب) (٥) أيضًا من حديث أبي داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ يطيل في الصلاة قبل الجمعة وبعد الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا كان يفعله رسول اللَّه ﷺ ، وبهذا الحديث احتج النووي في (الخلاصة) على إثبات السنة قبل الجمعة، وتعقب بأن قول ابن عمر: (هكذا) إشارة إلى الأخير من أداء الركعتين بعد الجمعة في بيته؛ لأنه ﷺ كان يخرج بعد الزوال من بيته، ويشتغل بالخطبة بصلاة الجمعة، فمتى كانوا يصلون السنة قبل الجمعة، ومن ظن أنه إذا فرغ المؤذن من الأذان قاموا فركعوا فهو من أجهل الناس، انتهى. وفيه ما فيه؛ لأن حصول اليقين بخروجه ﷺ متصل الزوال
стр. 1535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بحيث كان لم يصل في بيته مشكل جدًا، وقد رواه ابن عمر ﵁، فافهم.
وقال الشيخ ابن الهمام (١): خروجه ﷺ كان بعد الزوال بالضرورة، فيجوز كونه بعد ما كان يصلي أربع ركعات، ويجب الحكم بوقوع هذا المجوِّز لما مر في باب السنن من عموم أنه كان ﷺ يصلي إذا زالت الشمس أربعًا، ويقول: (إن هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)، وكذا يجب في حقهم لأنهم أيضًا يعلمون الزوال، إذ لا فرق بينهم وبين المؤذن فيه في ذلك الزمان؛ لأن اعتماده في دخول الوقت كاعتمادهم، بل ربما يُعلمونه بدخول الوقت ليؤذن على ما عرف من حديث ابن أم مكتوم أنهم كانوا يعلمونه بالفجر فيؤذن.
فإن قلت: مقصود النافي نفيُ صلاة قبل الجمعة أن تكون راتبة لها كالظهر، قلنا: لما ثبتت الصلاة قبل الجمعة لمَ لا تكون راتبةً لها، والدليل على عدمها، على أنه قد ذهب بعض الناس إلى أن المراد بهذه الأربعة التي كان يصلي بعد الزوال سنة الظهر، فلم لا تكون سنة الجمعة، واللَّه أعلم.
وقال البخاري في ترجمة (باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)، ثم أورد حديثًا في الركعتين بعد الجمعة، ولم يورد حديثًا في الصلاة قبلها، فقال في (فتح الباري) (٢) عن ابن المنير أنه قال: لعل قصد البخاري من عدم التعرض بالصلاة قبل الجمعة أن الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه لأنها بدل الظهر، ولما كان اعتناؤه بذكر الصلاة بعد الجمعة أكثر لورود الحديث فيه صريحًا تعرض به، ولهذا
стр. 1536
٣١ - باب صلاة الليل
ــ
قدم في الترجمة ذكر الصلاة بعد الجمعة على الصلاة قبلها على خلاف عادة رعاية المناسبة، انتهى.
وهذا الكلام قريب مما قال صاحب (سفر السعادة) (١): وإن من أثبت السنة في الجمعة أثبتها بالقياس على الظهر، ولا يخفى أن هذا الطريق الذي ذكر في (فتح الباري) ليس بقياس، بل هذه السنة هي التي كانت في الظهر أبقيت في الجمعة لكونها بدلها، فافهم. وباللَّه التوفيق. وذكر في (فتح الباري) (٢): أن أقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم الحديث الذي صححه ابن حبان عن عبد اللَّه بن الزبير ﵄ أنه قال رسول اللَّه ﷺ : ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان، انتهى.
٣١ - باب صلاة الليل
اعلم أنه قد جاءت الروايات في صلاته ﷺ بالليل مختلفة، وكانت صلاته فيه متنوعة كمية وكيفية، وقد ذكر منها صاحب (سفر السعادة) (٣) ثمانية أنواع، وزدنا في شرحه أنواعًا أخر، والمتعبد مخير أيها يختار يدرك شرف المتابعة، أو يفعل كلًّا منها في أوقات مختلفة، ولعل هذا أولى وأوفق، وهي مذكورة في ذلك الكتاب مفصلًا فراجع إليها، وبعضها مذكور في هذا الكتاب فجاءت ثلاثة عشر وإحدى عشر وتسعًا وسبعًا، وقال بعض العلماء: خمسًا أيضًا، ولم نر في ذلك حديثًا، ولم يكن أكثر من ثلاثة عشر، فقيل: مع ركعتي سنة الفجر، وقيل: بدونها، وقد وردت الروايات بكل منهما،
стр. 1537
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١١٨٨ - [١] عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ. . . . .
ــ
والثاني أصح وأصوب، وكان تارة يوتر بركعة واحدة وأخرى بثلاث ركعات.
ولْيعلم أن في بعض الروايات عدَّ الوتر داخلًا فيها، وفي بعضها خارجًا، وفي بعضها أدخلت الركعتان بعد الوتر فيها، وفي بعضها أطلق الوتر على ركعة منها، وفي بعضها على ثلاث إلى خمس وسبع، وفي بعضها سميت صلاة الليل كلها وترًا، كما جاءت في رواية أم سلمة ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ يوتر بثلاثة عشر ركعة، ولما بدَّن أوتر بسبع، وفي الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (أوتروا يا أهل القرآن)، وأراد به قيام الليل، ووجهه: أن الصلاة كلها تصير بضم الوتر إليها وترًا، كما تصير صلاة النهار بالمغرب وترًا، وقد ورد: (صلاة المغرب وتر النهار).
والكلام في أن التهجد كان فرضًا على رسول اللَّه ﷺ أو على كلِّ الأمة ثم نسخ مشهور، والمختار أنه كان فرضًا على الكل، ثم نسخ على الأمة، وبقي فرضًا على النبي ﷺ إلى آخر العمر، وقد حقِّق ذلك في موضعه، وقد ذُكر نبذ من ذلك في (سفر السعادة) (١) وشرحه، وقد يتضح هذه المعاني أكثرها في أثناء شرح أحاديث الباب.
الفصل الأول
١١٨٨ - [١] (عائشة) قوله: (فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم
стр. 1538
خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتيْنِ،
ــ
خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) الظاهر -واللَّه أعلم- أن يكون اللام في (السجدة) للعهد الذهني، و (من) للتبعيض، والمراد أنه كان يسجد سجدة من بعض سجداته طويلًا هذا القدر المذكور، ويحتمل أن يكون للاستغراق يعني كان قد يسجد سجدات تلك الركعات طويلة، وقد حمله بعض الشافعية على أنه سجدة شكر كان يسجدها من جهة ما صدر عنه الفعل المذكور.
واعلم أن ما وقع عليه العمل في بعض البلاد من السجدتين بعد الوتر بالكيفية المعروفة وقع فضلها في بعض الروايات الفقهية الضعيفة المرجوحة، فلا أصل له من الأخبار والآثار، ولا وردت به الرواية الفقهية المختارة، ولا عُمل عليه في الحرمين الشريفين بل سائر ديار العرب، وقد يروى في ذلك حديث حكموا بوضعه، وآثار الوضع منه لائحة، وما ذهب أحد من أئمة المذاهب الأربعة إلى سنِّيتهما أو استحبابهما، وأكثر حنفية تلك الديار لا يعرفونهما، وبعضهم ينقلون كراهيتهما، واللَّه أعلم.
وقوله: (فإذا سكت المؤذن) الرواية المشهورة بالتاء الفوقانية، وقد يروى: (سكب) بالموحدة، أي: صب، قال في (مشارق الأنوار) (١): رويناه بالتاء من السكوت في هذا الحديث، ورويناه عن الخطابي (سكب) بالباء، وحدثونا عن أبي مروان بن سراج أن (سكت) و (سكب) بمعنًى واحد.
وقوله: (من صلاة الفجر) أي: من أذانه.
وقوله: (وتبين له الفجر) إشارة إلى أنه ﷺ كان لا يكتفي في أداء
стр. 1539
ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهِ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ فَيَخْرُجُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٤، م: ٧٣٦].
١١٨٩ - [٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٣].
ــ
سنة الفجر بأذان المؤذن لاحتمال أنه أخطأ وأذن بالليلة، بل يتبين الوقت، ثم يصلي.
وقوله: (ثم اضطجع على شقه الأيمن) نشرحه في الحديث الثالث إن شاء اللَّه تعالى.
١١٨٩ - [٢] (وعنها) قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر) هما سنة الفجر.
وقوله: (حدثني) يدل على جواز التكلم بعد سنة الفجر، وقد عقد الترمذي (١) في التكلم بعد سنة الفجر بابًا، وأورد حديثًا عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كانت له إلي حاجة كلمني وإلا خرج إلى الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد كره بعض العلماء من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم الكلام بعد طلوع الفجر حتى يصلي صلاة الفجر إلا ما كان من ذكر اللَّه أو مما لا بد منه، وهو قول أحمد وإسحاق، انتهى.
وتكلمه ﷺ كان مما لا بد منه، كما يشعر به قول عائشة ﵂: فإن كانت له إلي حاجة كلمني، وإن لم يكن من هذا القبيل فلم يُبطل السنة، ولم يوجب الإعادة، اللهم إلا أن يعيد أحد من جهة شدة كراهة التكلم في هذا الوقت احتياطًا وتكميلًا.
стр. 1540
١١٩٠ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقَّهِ الأَيْمَنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٦، م: ٧٣٦].
ــ
١١٩٠ - [٣] (وعنها) قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) الكلام في هذا الحديث من وجهين، أحدهما: الاضطجاع بعد سنة الفجر، وثانيهما: الاضطجاع على شقه الأيمن، وأما الأول فقد ذهب بعض الظاهرية إلى وجوب الاضطجاع لورود الأمر بذلك، وهو للإيجاب بل جعلوه شرطًا لصحة الفرض حتى لو لم يفعل بطلت صلاة الفريضة، وذهب جماعة إلى كراهة ذلك وعدُّوه بدعة.
وفي (جامع الأصول) (١): عن نافع عن ابن عمر ﵃ أنه رأى رجلًا صلى ركعتي الفجر، ثم اضطجع فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أردت أن أفصل بين صلاتي، فقال له: وأيّ فصل أفضل من السلام؟ قال: فإنها سنة، قال: بل هي بدعة. وفي حديث أبي داود والترمذي (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه)، وزاد أبو داود: فقال له مروان بن الحكم: أما يجزئ أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟ قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر ﵄، فقال: أكثر أبو هريرة على نفسه، فقيل لابن عمر ﵄: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، لكنه اجترأ وَجَبُنَّا، قال: فبلغ ذلك أبا هريرة قال: فما ذنبي أن حفظت ونسوه.
ولا يذهب عليك أن القول بكونه بدعة بعيد لورود الأحاديث الصحيحة فيه، فإما أن يقال بنسخها، أو باختصاصه بالنبي ﷺ ، أو بكونه لقصد الاستراحة لا على وجه
стр. 1541
١١٩١ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. . . . .
ــ
التعبد، وكذا القول بالوجوب، فقد جاءت الروايات مختلفة، وجاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ صلى الركعتين فخرج بدون ذكر الاضطجاع، فالقول المختار ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه مستحب، وقال الإمام أبو حنيفة ﵁: إن كان للاستراحة ودفع الثقل والتعب الحاصل من صلاة الليل فحسن، وفعلُه ﷺ أيضًا كان لهذا، واللَّه أعلم.
وأما الثاني وهو الاضطجاع على الشق الأيمن، وهكذا كان عادته الكريمة في الاضطجاع في الأحوال كلها، فقالوا: الحكمة فيه أن لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب الذي هو المضغة الصنوبرية معلق في جهة اليسار، فلو نام على شقه الأيسر لاستقر القلب وغلبته الاستراحة واستغرق النوم لكونه أغلب في الراحة، وإذا اضطجع على شقه الأيمن يكون القلب معلقًا فلا يستريح فلا يستغرق النوم، ولهذا اختار الأطباء النوم على الشق الأيسر طلبًا لراحة القلب وهضم الطعام لتوجه الحرارة الغريزية إلى داخل البدن في حالة النوم، ومتى كان النوم أغلب وأغرق كانت الراحة وهضم الطعام أقوى وأوفر، وصاحب الشرع اضطجع على الشق الأيمن طلبًا لخفة النوم وتيسر قيام الليل، ويلزم منه رعاية تقليل الطعام أيضًا.
ثم اعلم أنه قد جاء في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ كان ينام في هذا الاضطجاع حتى يسمع غطيطه، ثم يقوم ويصلي ولا يتوضأ، وعدم نقض الطهارة بالنوم من خصائصه ﷺ ، وقيل: من خصائص الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، وقد سبق مما يتعلق بهذا الكلام في (باب الأذان) في قصة ليلة التعريس.
١١٩١ - [٤] (وعنها) قوله: (منها الوتر) ركعة أو ثلاث، ومنها (ركعتا الفجر)
стр. 1542
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣٨].
١١٩٢ - [٥] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ. فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٣٩].
١١٩٣ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٧].
١١٩٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٨].
ــ
والتحقيق أنها سوى ركعتي الفجر، كما جاء في الأحاديث، وإنما ذكرت ﵄ ركعتي الفجر مع صلاة الليل لقربهما منها وانتهائها إليهما.
١١٩٢ - [٥] (مسروق) قوله: (وإحدى عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر) يوافق رواية ثلاث عشر مع ركعتي الفجر.
١١٩٣ - [٦] (عائشة) قوله: (بركعتين خفيفتين) لعلهما ركعتا الوضوء، ويستحب فيها التخفيف لورود الأخبار به فعلًا وقولًا (١).
١١٩٤ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فليفتتح) الأمر للندب.
стр. 1543
١١٩٥ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ. . . . .
ــ
١١٩٥ - [٨] (ابن عباس) قوله: (فتحدث رسول اللَّه ﷺ مع أهله) يدل على جواز الكلام المباح الذي فيه مصلحة بعد العشاء بلا كراهة، وقد سبق الكلام فيه في (باب أوقات الصلاة).
وقوله: (فلما كان ثلث الليل الآخر) كان تامة، والآخر صفة الثلث، أي: فلما بقي من الليل مقدار الثلث.
وقوله: (أو بعضه) أي: بعض الثلث الآخر، وهو السدس مثلًا.
وقوله: (حتى ختم السورة) وورد في بعض الروايات: إلى ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
وقوله: (فأطلق) أي: حل (شناقها) بكسر الشين المعجمة وتخفيف النون والقاف: خيط أو سير يشد به فم القربة، كذا في (القاموس) (١).
وقوله: (ثم صب في الجفنة) استعمال (ثم) للترتيب والتراخي في الذكر والبيان، أو للإشارة إلى أن أفعاله ﷺ كانت واقعة بالتؤدة والوقار من غير استعجال واضطراب.
وقوله: (بين الوضوئين) أي: متوسط بين إسراف وتقتير.
стр. 1544
لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَرَنِي عَنْ يَمِيِنِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رِكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِيِنِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُوْرًا، وَأَمَامِي نُوْرًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا". وَزَادَ بَعْضُهُمْ: "وَفِي لِسَانِي نُورًا" وَذُكِرَ: "وَعَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: "وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا" وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمِ: "اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُوْرًا". [خ: ٦٣١٦، م: ٧٦٣].
١١٩٦ - [٩] وَعَنْهُ: أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاستَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. . . . .
ــ
وقوله: (لم يكثر) أي: في صب الماء (وقد أبلغ) أي: أبلغ الماء إلى الأعضاء وأسبغ الوضوء.
وقوله: (فتتامت) بتشديد الميم تفاعلت من تمت، أي: تكاملت.
وقوله: (فآذنه) بمد الهمزة أي أعلمه بعد الأذان.
وقوله: (وذُكِرَ: وعصبي ولحمى) وزاد في بعض الروايات وعظمي ومخي.
١١٩٦ - [٩] (وعنه) قوله: (أنه رقد) نقل الكلام ابن عباس ﵄، الظاهر: إني رقدت، قال الرضي: يجوز الوجهان، قال زيد: إنه قائم، وإني قائم.
وقوله: (وتوضأ وهو يقول) جاء قراءة هذه الآيات بعد الاستيقاظ والنظر إلى
стр. 1545
حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٣].
١١٩٧ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ،
ــ
السماء وعند الوضوء أيضًا.
وقوله: (ثم فعل ذلك) ثم للتراخي في الإخبار.
وقوله: (ست ركعات) بدل من قوله: (فعل ذلك ثلاث مرات) بتقدير: صلى ست ركعات.
وقوله: (كل ذلك) بالنصب على الظرفية، أي: كلَّ مرة من تلك المرات يستاك.
وقوله: (ثم أوثر بثلاث) هذا دليل على شرعية الوتر ثلاثًا، وكثير من الروايات جاءت بركعة واحدة، وبالغ بعض الشافعية في تزييف القول بالثلاث، وقد وردت أحاديث وآثار صحيحة في ذلك، والحق أن الإيتار بثلاث ركعات أو ركعة واحدة مختلف فيه بين العلماء من الصحابة وبعدهم، وكلاهما مشروع، وسيجيء الكلام فيه في (باب الوتر)، وهذا الاختلاف في الأَولى والأفضل، وإلا فلا خلاف لأحد في الإيتار بالثلاث.
١١٩٧ - [١٠] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (لأرمقن) أي: قلت: لأرمقن صلاة رسول اللَّه ﷺ حتى أرى كم يصلي وكيف يصلي فأحفظها، فذهبت فرأيت أنه صلى ركعتين خفيفتين. . . الحديثَ، ويدل على هذا المعنى ما يأتي في الفصل الثالث من