← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 145212

لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح

عبد الحق الدهلوي

Полный текст (6 316 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٥٢، م: ١١٥٩]. ١٢٣٥ - [١٧] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كَانَ لِدَاوُدَ ﵇ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ يَقُولُ: يَا آلَ دَاوُدَ قُومُوا فَصَلُّوا، فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسْتَجيبُ اللَّهُ فِيهَا الدُّعَاءَ إِلَّا لِسَاحِرٍ أَوْ عَشَّارٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٢٢]. ــ فلان) تنبيه على منعه من كثرة قيام الليل والإفراط فيه بحيث يورث الملالة والسآمة على ما عرف من قصته ﵁ أنه كان يقوم الليل كله ولا ينام، وكان يمنعه من ذلك أبوه، فجاء به إلى رسول اللَّه ﷺ فنهاه عن ذلك، كما جاء في الأحاديث، وفلان لم يعرف اسمه، قال الشيخ في مقدمة (فتح الباري) (١): لم أقف في شيء من الطرق على تسميته. ١٢٣٥ - [١٧] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (إلا لساحر) يفهم منه أن عمل السحر لا يكون كفرًا، كما ذهب إليه بعضهم. وقوله: (أو عشار) أي: آخذ العشور من أموال الناس، وهو يكون مؤذيًا للناس، وقد وقع في حديث ليلة النصف من شعبان استثناء الشرطي والجابي من المغفورين، والشرطي أعوان الولاة، والجابي بالجيم والباء الموحدة من الجباية، وهي تحصيل الغَلات، وهما في حكم العشار، والمقصود التشديد والتغليظ، كأنَّ كل الناس يرجى لهم المغفرة إلا هؤلاء، نعوذ باللَّه من ذلك.

стр. 1577

١٢٣٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٤٤]. ١٢٣٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، فَقَالَ: "إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَانِ". [حم: ٢/ ٤٤٧، شعب: ٧/ ٢٦٢]. ــ ١٢٣٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (صلاة في جوف الليل (١)) هذا باعتبار الزمان، والصلاة في البيت أفضل باعتبار المكان، وقد حكي عن سيد الطائفة جنيد البغدادي -قدس اللَّه سره- أنه قال في المنام: تاهت العبارات، وفنيت الإشارات، وما نفعنا إلا رُكَيعاتٌ صليناها في جوف الليل. ١٢٣٧ - [١٩] (وعنه) قوله: (سينهاه) في بعض النسخ بالتحتانية، وفي بعضها بالفوقانية، أي: يورثه التوفيق بالتوبة. وقوله: (ما تقول)، أي: ما تَحْكي عنه وهي الصلاة، تلميح إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].

стр. 1578

١٢٣٨ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا -أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ- جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٠٩، جه: ١٣٣٥]. ١٢٣٩ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَشْرَافُ أُمَّتِيْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ وَأَصْحَابُ اللَّيْلِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "شُعَبِ الإِيمَان". [شعب: ٦/ ٢٢٧]. ــ ١٢٣٨ - [٢٠] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (فصليا أو صلى ركعتين جميعًا) (أو) للشك من الراوي، ويكون المعنى على الثاني: صلى كل واحد منهما، فيصح التأكيد لـ (جميعًا)، كذا في (شرح الشيخ)، وقال الطيبي (١): يكون التقدير: صلى وصلت، فافهم. وقوله: (كتبا في الذاكرين والذاكرات) أي: المداومين على الذكر والمبالغين فيه والمكثرين له لأجل هذه الخصوصية من القيام وإيقاظ الأهل. ١٢٣٩ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (حملة القرآن) أي: القائمين والعالمين به، فإنهم هم الحملة حقيقة (٢).

стр. 1579

١٢٤٠ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ، يَقُولُ لَهُمْ: الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٩]. * * * ٣٤ - باب القصد في العمل ــ ١٢٤٠ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (الصلاة) بالنصب والرفع. ٣٤ - باب القصد في العمل أصل القصد الاستقامة في الطريق كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]، ثم استعير للتوسط في الأمور، ومنه قوله ﷺ : (القصد القصد) (١) أي عليكم بالقصد من الأمور في القول والفعل، والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وحديث: (عليكم هديا قصدًا)، أي: طريقًا معتدلًا، وحديث: (ما عال من اقتصد) أي: ما افتقر من لا يسرف في الإنفاق ولا يقتر، والقصد في العمل محمود وموجب للدوام، وأسلم من عروض الملال المفضي إلى الترك، وأدخل في أداء حق النفس والأهل، كما نطقت به الأحاديث، قالوا: الاقتصاد على نوعين، اقتصاد بين محمود ومذموم كالتوسط بين الجور والعدل والبخل والجود، وهذا أريد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ

стр. 1580

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٢٤١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى يُظَنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى يُظَنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٤١]. ١٢٤٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٤، م: ٧٨٢]. ــ مُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، وما كان بين إفراط وتفريط كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، وهو محمود مطلقًا، وتحقيقه في موضعه. الفصل الأول ١٢٤١ - [١] (أنس) قوله: (حتى يظن) يروى بالنون على صيغة المعلوم، وبالتحتانية على لفظ المجهول، وقد يجعل في بعض النسخ بلفظ المعلوم أيضًا، ولعل المراد: يظن ظان أو أحد، واللَّه أعلم. وقوله: (لا تشاء أن تراه من الليل مصلّيًا إلا رأيته. . . إلخ) يعني: كان يصلي وينام ولا يصلي الليل كله، وكذا يصوم ويفطر، وكان عمله قصدًا، والاستثناء لاحتمال المشبِّه وقوع الرؤية وعدمَه فيكون استثناء الأخص من الأعم، فافهم. ١٢٤٢ - [٢] (عائشة) قوله: (متفق عليه) في بعض الشروح: هذا الحديث من أفراد مسلم، والصواب أنه متفق عليه بتفاوتٍ يسيرٍ في اللفظ، والمؤلف قد لا يلتفت إليه، ففي (البخاري) عن مسروق قال: سألت عائشة ﵂: أيُّ العمل كان أحبَّ إلى رسول اللَّه ﷺ ؟ قالت: الدائم، وفي رواية منه: (أحبُّ الدِّين إلى اللَّه أدومه).

стр. 1581

١٢٤٣ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٥١، م: ٧٨٥]. ــ وقال الطيبي (١): بهذا الحديث ينكر أهل التصوف ترك الأوراد كما ينكرون ترك الفرائض، انتهى. يعني إدامة العمل والتزامهم النوافل والأوراد، ولكن ينبغي أن يعلم أن المداومة على الورد ضربان: بالشخص وبالنوع، أما بالشخص فبأن يواظب ويداوم على ورد واحد بالشخص (٢) من صلاة أو صيام أو آية أو دعاء أو ذكر ويكرره كل يوم، وأما بالنوع فبأن يقرأ كل يوم فردًا منها غير ما قرأ اليوم السابق أيًّا شاءه، وبهذا الطريق أيضًا يحصل المداومة، ويحصل تأثيره، كذا قال شيخنا الإمام عبد الوهاب المتقي ﵀ بل قالوا: هذا الطريق أدخل في الشوق والذوق، وقد تورث المداومةُ بالشخص الملال والسآمة على ما هو خاصية التكرار، واللَّه الموفق. ١٢٤٣ - [٣] (وعنها) قوله: (خذوا من الأعمال ما تطيقون) أي: اعملوا ما يسهل عليكم حتى يدوم، ويدوم بدوامه الثواب. وقوله: (فإن اللَّه لا يملّ حتى تملّوا) بفتح الميم في الموضعين من الملال، وهو الاستثقال من الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وإطلاقه على اللَّه من باب المشاكلة، كما في قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وله أمثلة كثيرة، أو باعتبار الغاية، كما في الرحمة والغضب والحياء، أي: إن اللَّه تعالى لا يقطع ثواب عملكم حتى تتركوا العمل ملالًا وسآمة من كثرته وثقله. هذا وأما ما قيل: إن المراد: إن اللَّه لا يمل

стр. 1582

١٢٤٤ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، وإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٥٠، م: ٧٨٤]. ــ وإن أظلم (١)، ففيه أن هذا لا يلائم المقصود من سياق الحديث. وقيل: نفي الملال عن اللَّه تعالى لا يحتاج إلى تأويل، وإنما المحتاج إليه إثباته له، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وفيه نظر؛ لأن سوق البيان ثبوت الملال والحياء، والنفي في الجملة إنما هو لخصوصية تعلقه بالمفعول فيحتاج إلى التأويل، فتأمل. وفي الحديث: أن القليل من العمل بنشاط أصلح من كثيرٍ لا ينشط ويفضي إلى تركه كلَّه أو بعضه، كما قال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، ولكن ينبغي أن يعتاد الطالب ويجتهد ويعوِّد النفس على كثرة العمل، فبعد التعويد يسهل العمل ويصير الكثير كالقليل، ولا يكون كأصحاب الدعة والكسل يَملُّون بقليل من العمل ويتركونه، حتى من اعتاد هان عليه مثلًا مئة ركعة وعشرة أجزاء، وأزيد وأزيد بعد ما كان يثقل عليه عشر ركعات وتلاوة جزء منها، والطمع في ثواب اللَّه ورضاه والشوق إلى لقائه يهوِّن ويسهل أكثر من ذلك ومن اللَّه التوفيق. ١٢٤٤ - [٤] (أنس) قوله: (نشاطه) أي: إلى مدة نشاطه، في (القاموس) (٢): نشط: كسمع نشاطًا بالفتح فهو ناشط ونشيط: طابت نفسه للعمل وغيره كتنشط، وفَتَرَ يَفْتُرُ ويَفْتِرُ فُتورًا وفُتارًا: سكن بعد حدّة، ولانَ بعد شدّة، وفي قوله: (فليقعد) (٣) دون

стр. 1583

١٢٤٥ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، ــ أن يقول: يضطجع -مثلًا- إيماء إلى أنه ينبغي أن يقعد منتظرًا لحدوث الشوق والنشاط يتذكر ما يبعثه من ترتُّب الجزاء أو رضا الرب وحصول قربه تعالى. ١٢٤٥ - [٥] (عائشة) قوله: (إذا نعس) النعاس بالضم: الوسَن محركة، وهو ثقل النوم أو أوله، وكذا السِّنة بكسر السين [في] قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، نعس: كمنع فهو ناعِس ونَعسانُ، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (مجمع البحار) (٢): نعس نعاسًا ونعسة فهو ناعس ولا يقال: نعسان، وهو الوسن وأول النوم من باب نصر، وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي على العين ولا تصل إلى القلب، فإذا وصله كان نومًا. وقوله: (فليرقد (٣)) أي: فلينم، والرَّقْد والرُّقاد والرُّقود بضمهما: النوم، من [باب] ضرب، وقيل: الرقافى مخصوص بالليل، والمراد: فليتجوَّز في الصلاة ويتمها وينام، ولا يخفى أنه إن دفع النوم بالقيام ونحوه، لكان أيضًا محصِّلًا للمقصود، اللهم إلا إنْ غلبه النوم، وكان دفعه مضرًا بالمزاج، ومورثًا للثقل، ويعلم ذلك باختلاف

стр. 1584

فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّه يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢، م: ٧٨٦]. ١٢٤٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ. . . . . ــ الأوقات والأحوال. وقوله: (لا يدري) مفعوله محذوف، أي: لا يدري ماذا يفعل ويقول من أفعال الصلاة وأقوالها من القرآن والتسبيحات، وجاء في رواية: (حتى يعلم ما يقرؤه) فلا يحصل الحضور، وهذا يكفي في استحباب الرقود، وزاد في بيان المانع بقوله: (لعله يستغفر فيسب) أي: إذا دعا لنفسه وهو لا يعقل يدعو على نفسه، وقوله: (فيسب) الفاء للسببية، كما في قولهم: الذي يطير فيغضب زيد، والرواية بالرفع والنصب، أما الرفع فبالعطف على (يستغفر)، والنصب بتقدير أنْ في جواب لعل، وقد قرأ عاصم قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٣ - ٤] والباقون بالرفع، قال الطيبي (١): النصب أولى، وأقول: كثرة القراءة بالرفع في قوله تعالى: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ مما يرجِّح الرفع ههنا. ١٢٤٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (إن الدين يسر) أي: مبنيٌّ على اليسر والسهولة، فلا تشدِّدوا على أنفسكم على دأب الرهبانية. وقوله: (ولن يشاد الدين أحد) فاعل (يشاد)، و (الدين) مفعوله، وقد جاء في بعض الروايات: (من يشاد الدين [يغلبه])، وقد جاء بلا ذكر (أحد) فيكون فيه ضميره، وقد يرفع (الدين) على هذه الرواية، ويجعل (يشاد) مجهولًا، أي: من يقاويه ويقاومه

стр. 1585

إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ. . . . . ــ ويكلف نفسه من العبادة فوق طاقته، ويتعمق بترك الرفق، والمشادة: المغالبة، أتى بصيغة المفاعلة لوجود القوة في جانب الدين أيضًا بعد تيسره، والإتيان به كله، فكأنه يقع التنازع والتجاذب بينه وبين الدين. وقوله: (إلا غلبه) أي: الدين يعجزه عن العمل به كله أو بعضه كقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. وقوله: (فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا) أي: إذا ثبت ما في المشادة من الفترة في العمل فسددوا، أي: فالزموا الطريقة المستقيمة والقصد في العمل والعدل فيه، ومنه حديث: (وما من مؤمن يؤمن باللَّه، ثم يسدد -أي: يقتصد- فلا يغلو ولا يسرف)، وحديث الصديق ﵁ وسئل عن الإزار-: سَدِّدْ وقَارِبْ، أي: فلا تُفْرِط في إرساله ولا تشمره، ومنه حديث: (سل اللَّه السداد، واذكر بالسداد تسديدك السهم) أي: إصابة القصد به. (وقاربوا) أي: اقربوا من السداد، أي: إن عجزتم من السداد فاقربوا منه، وقيل: (قاربوا)، أي: اطلبوا قربة اللَّه، وقيل: (قاربوا) تأكيدٌ لـ (سددوا) مِن قارب فلانٌ في أموره: إذا اقتصد، وروي (قرِّبوا) أي: غيركم إليه. (وأبشروا) بقطع الهمزة من الإبشار، وجاز لغة: ابْشُروا بضم الهمزة والشين من نصر، من البِشر بمعنى الإبشار، كذا قال الكرماني (١)، أي: أبشروا بأن اللَّه رضي لكم الكثير من الأجر بقليل من العمل. وقوله: (الغدوة) روي بالضم والفتح، فبالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كالغداة، وبالفتح: السير أول النهار. وقوله: (والروحة) بالفتح: السير بعد الزوال، و (الدلجة) بفتح أوله وضمه

стр. 1586

وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٩]. ١٢٤٧ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣٧]. ــ اسم من الادِّلاج بتشديد الدال، وهو السير في آخر الليل، وقيل: من الإدْلاج بسكونها، وهو السير في أول الليل، والحمل على الأول أولى وأنسب. وهذه الثلاثة أطيب أوقات المسافر، يعني: لا تبلغوا النهاية باستيعاب الأوقات كلها، بل اغتنموا أوقات نشاطكم وطيبكم، وهو أول النهار وآخره وبعض الليل، وارفقوا أنفسكم فيما بينها لئلا ينقطع بكم السير، وتبلغوا مقصدكم على راحته، وإذا سافر المسافر الليل والنهار متصلًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة دام سيره وبلغ المقصد. وقوله: (وشيء من الدلجة) تنكير (شيء) الدال على القلة إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يترك القيام بالليل ولو يسيرًا، فإن الإكثار منه يتعب الجسد ويضر بالمزاج. ١٢٤٧ - [٧] (عمر) قوله: (من نام عن حزبه) أي: ورده، والحزب في الأصل: النوبة في ورود الماء كالورد، سمي به ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة أو ذكر، كذا ذكره الطيبي (١). ويجيء الحزب بمعنى الطائفة وجماعة الناس، ومناسبة هذا المعنى أيضًا ظاهر، ويجيء بمعنى السلاح أيضًا، ولا يبعد أن يجعل أيضًا أصلًا؛ لأن الورد يكون بمنزلة السلاح لصاحبه، وأمانًا وحفظًا له من الآفات. وقوله: (بين صلاة الفجر وصلاة الظهر) يعني: قبل الزوال لقربه من الليل

стр. 1587

١٢٤٨ - [٨] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١١٧]. ــ واتصاله بآخره، فإن الظاهر أن المراد بالحزب الذي نام عنه هو صلاة التهجد، وقد جاء أنه إن فات منه ﷺ في بعض الأحيان صلاة الليل صلى اثنتي عشرةَ ركعة قبل الزوال، أو كما جاء، ولقرب هذا الوقت من الليل يجوز نية الصوم فيه لا بَعْدَه، وهذا بيان الأَولى والأفضل، وإلا فالظاهر أنه يقرأ ما فات في أيِّ جزء من النهار تيسر، كما يدل عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] على أحد التفسيرين، إلا أن يكون قراءته في هذا الوقت كأنه قراءة في الليل كالأداء مبالغة، وفي غيره كالقضاء كما يؤمي إليه كلام الطيبي (١)، واللَّه أعلم. ١٢٤٨ - [٨] (عمران بن حصين) قوله: (فإن لم تستطع فقاعدًا)، إنْ حمل هذا على الفريضة فظاهر، وإن حمل على النافلة فلبيان الأفضل الأكمل، كما يأتي في الحديث الآتي. وقوله: (فعلى جنب (٢)) يدل على ما هو المختار عند الفقهاء من القولين، والقول

стр. 1588

١٢٤٩ - [٩] وَعَنْهُ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا. قَالَ: "إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١١٥]. ــ الآخر: الاستلقاء متوجهًا إلى القبلة. ١٢٤٩ - [٩] (وعنه) قوله: (إن صلى قائمًا فهو أفضل) هذا في صلاة التطوع، فإن صلاة الفرض قاعدًا غير جائزة إن كان بلا عذر، فلا يحكم على أدائها قائمًا بأنه أفضل، وإن كان معذورًا سقط القيام فلا يكون أفضل من القعود، ولا يكون للقاعد نصف أجر القائم. وقوله: (ومن صلى نائمًا) يدل على أنه يجوز أن يصلي التطوع نائمًا مع القدرة على القيام أو القعود، وقد ذهب قوم إلى جوازه، قيل: وهو قول الحسن وهو الأصح (١)، كذا نقل الطيبي (٢).

стр. 1589

* الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٢٥٠ - [١٠] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا، وَذَكَرَ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَتَقَلَّبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ". ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي "كتَابِ الأَذْكَارِ" بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّي. [الأذكار: ١/ ٩٤، ت: ٣٥٢٦]. ١٢٥١ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ. . . . . ــ الفصل الثاني ١٢٥٠ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (من أوى إلى فراشه) بالمد والقصر لازِمٌ، وقد يجيء متعديًا، والمشهور أن الممدود متعدٍّ، والمقصورَ لازم. وقوله: (لم يتقلب) أي: الناعس من جنب إلى جنب. وقوله: (ساعة) أي: في أيّ زمان من الليل وأيّ مرة، وقد يقرأ (ساعةٌ) بالرفع، أي: لم تمض ساعة، والأول أظهر. وقوله: (يسأل) حال من فاعل يتقلب. وقوله: (إلا أعطاه) حال من ضمير (يسأل)، ومعنى التيسر في الحديث: أن اللَّه وعد هذه الفضيلة العظيمة على هذا العمل اليسير، وفيه كمال اليسير والفضل. ١٢٥١ - [١١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (عجب ربنا) أي: عَظُم ذلك عنده وكبر، وقيل: رضي وأثاب. وقوله: (ثار) وثب وقام على سرعة، والوِطاء: الفراش اللَّيِّن، وفي

стр. 1590

مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الِانْهِزَامِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ". رَوَاهُ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ". [شرح السنة: ١/ ٢٢٣]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٢٥٢ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ" قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأسِهِ، ــ (القاموس) (١): الوطاء ككتاب وسحاب من الكساء خلاف الغطاء، واللحاف بكسر اللام: ما يتغطى به، والتحف به: تغطى، والحب بكسر الحاء: المحبوب، والشفق محركة: الخوف. وقوله: (هريق) أي: صب، والياء بدل من الهمزة، وقد سبق تحقيقه. الفصل الثالث ١٢٥٢ - [١٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فوضعت يدي على رأسه) قيل: هذا على عادة العرب فيما يعتنون به، وقيل: في الاستغراب والتعجب، كفعل المستغرب للشيء المتعجب من وقوعه مع من استغرب منه، ونظيره أن بعض الأعراب كان ربما

стр. 1591

فَقَالَ: "مَالَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ " قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَّكَ قُلْتَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ" وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا؟ قَالَ: "أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣٥]. ١٢٥٣ - [١٣] وَعَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "أَقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِهَا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٨٥]. * * * ــ مس لحيته الشريفة عند مفاوضته معه، ومع ذلك هو خلاف الأدب، وقيل: لعله صدر ذلك منه من غير قصد منه استغرابًا وتعجبًا، والظاهر أنه فعل ذلك بعد فراغه ﷺ من الصلاة إذ لا يظن ذلك قبله. وقوله: (على نصف الصلاة) أي: واقع ثوابه على مقدار ثواب نصف الصلاة، وقال الطيبي (١): التقدير: تقاس صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاته قائمًا. وقوله: (لكني لست كأحد منكم) يعني: ذلك الذي ذكرتُ أن صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاته حكمُ غيري من الأمة، وأما أنا فخارج عن هذا الحكم، ويقبل مني ربي صلاتي قاعدًا مقدار صلاتي قائمًا، أو ذلك من خصائصي لما أختص به من غاية التوجه والحضور والمعرفة والقرب، فلا تقيسوني على أحد ولا تقيسوا أحدًا علي. ١٢٥٣ - [١٣] (سالم بن أبي الجعد) قوله: (فكأنهم عابوا ذلك عليه) لِمَا

стр. 1592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تبادر إلى أفهامهم من طريان الكسل والثقل، كأنه قال: ليتني صليت فاسترحت ونمت فإني لم أطق انتظارها، فقال الرجل: لست أريد ما فهمتم حاشا ذلك، بل أردت ما أراد رسول اللَّه ﷺ بقوله: (يا بلال أرحنا بها) فسكتوا. واعلم أنه قد ذكر في معنى قوله ﷺ : (أرحنا يا بلال) وجهان، أحدهما: أن أَذِّنْ بالصلاة حتى نستريح بأدائها عن شغل القلب بها، وثانيهما: أنه كان اشتغاله ﷺ بها راحة له، فإنه كان يَعُدُّ غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، وكان يستريح بها لما فيها من مناجاة الحق، ولذا قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وهذان المعنيان المذكوران في (النهاية) (١) للجزري، وبينهما فرق، فإن الراحة في الأول بإبراء الذمة، ووجود الطاعة، وامتثال الأمر، والخلاص من تعب الشغل، وتعلق القلب بها، وفي الثاني الراحة بوجود الصلاة، وذوق المناجاة، والشهود الذي يحصل فيها، ولا شك أن المعنى الثاني أتم وأكمل وأنسب وأليق بحاله ﷺ ، وقول الرجل الخزاعي: (ليتني صليت فاسترحت) ظاهرًا ينظر إلى المعنى الأول، ويمكن أن يكون مراده: استرحت بها عن الاشتغال بما سوى اللَّه، كما في المعنى الثاني، وأما قول الطيبي في شرح قوله: (فكأنهم عابوا ذلك): أي: تمنيه الاستراحة في الصلاة وهي شاقة على النفس، وثقيلة عليها، وجوابه بقوله: لعلهم نسوا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] (٢)، فلا يخلوا عن بعدٍ عن فهم المرام، فتأمل.

стр. 1593

٣٥ - باب الوتر ــ ٣٥ - باب الوتر اعلم أن العلماء اختلفوا في الوتر اختلافين، الأول: في أنها واجبة أو سنة، فعامة الأئمة وأبو يوسف ومحمد من أصحابنا يقولون: إنها سنة، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أنها واجبة لا بمعنى الفرض، وقال الشُّمُنِّي: وهو آخر أقواله، وقال: وفي (المحيط) (١): وهو الصحيح، وفي الحاشية: هو الأصح، وعنه أنه فرض، وعنه أنه سنة، وهو قول أبي يوسف ومحمد وأكثر أهل العلم، وحجتهم أن آثار السنن ظاهرة فيه حيث لا يكفَّر جاحده، ولا يؤذَّن له، وقيل عليه: إن الواجب بالمعنى المقصود ههنا أيضًا لا يكفر جاحده فلا يقتضي السنية، وكذا عدم التأذين يوجد في بعض الواجبات كصلاة العيد، فلا يستلزم السنية، وأجيب بأن الاستدلال بمجموع عدم التكفير وعدم الأذان، على أنهم قد ذهبوا إلى سنية صلاة العيد أيضًا، وقد يستدل بقوله ﷺ للأعرابي الذي قال له: هل علي غيرهن: (لا إلا أن تَطَّوَّع)، كما سبق في أول الكتاب، وقوله: (خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد)، الحديث، والجواب (٢): أنه يجوز أن يكون وجوب الوتر بعد ذلك، لأن هذا القول كان في أول الإسلام، ولهذا لم يذكر الحج فيه، على أنه يجوز أن يكون المراد هناك الفرض القطعي الذي لا شبهة فيه، وبمثل هذا يمكن الجواب عن تمسكهم بقوله ﷺ : (خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد)، الحديث.

стр. 1594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واستدل صاحب (الهداية) على مذهب أبي حنيفة ﵀ بقوله ﷺ : (إن اللَّه زاد لكم صلاة ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر)، قال: هذا أمر، والأمر للوجوب، ولهذا يجب القضاء بالإجماع (١)، وإنما لم يكفر جاحده لأن وجوبه ثبت بالسنة، يعني السنة الغير المتواترة التي تكون قطعي الدلالة عليه، وهو المعني بما روي عنه أنه سنة، وهو يؤدى في وقت العشاء فاكتفي بأذانه وإقامته، كذا قال في (الهداية) (٢) وقال الشيخ ابن الهمام (٣): إن هذا الحديث قد روي عن عدة من الصحابة: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري ﵃، وذكر له طرقًا كثيرة، ونقل عن بعض المحدثين تضعيفها، ثم أثبت صحته، وقال: فتم أمر هذا الحديث على أتم وجه في الصحة، ولو لم يكن هذا كان في كثرة طرقه المضعَّفة ارتفاعٌ له إلى الحسن، بل بعضها حسنٌ حجةٌ. ثم قال: بقي الكلام في وجه الاستدلال به فقيل: من لفظ (زادكم)، فإن الزيادة لا تتحقق إلا عند حصر المزيد عليه، والمحصور الفرائضُ لا النوافل، ويشكل عليه ما ثبت بسند صحيح أخرجه الحاكم والبيهقي عنه ﷺ : (إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي ركعتان قبل صلاة الفجر)، فإن اقتضى لفظ (زادكم)

стр. 1595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحصر، فإنه يكفي في هذا كونُ المحصورة [المزيدة عليها] السننَ الرواتبَ، وحينئذ فالمحصورة أعم من الفرائض والسنن الرواتب، فلا يستلزم لفظ (زادكم) كون المزيد فرضًا، وكأنّ هذا هو الصارف لصاحب (الهداية) عن التمسك بهذه الطريقة -مع شهرتها بينهم- إلى الاقتصار على التمسك بلفظ الأمر، لكن لفظ الأمر إنما هو في بعض طرق هذا الحديث وقد ضعف، فالأولى التمسك فيه بما في (سنن أبي داود) (١) عن أبي المنيب عبد اللَّه العتكي عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني)، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مثي ثلاث مرات، ورواه الحاكم وصححه وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه ابن معين أيضًا، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء، وتكلم فيه النسائي وابن حبان. وقال ابن عدي: لا بأس به، فالحديث حسن. وأخرج البزار عن عبد اللَّه عن النبي ﷺ : (الوتر واجب على كل مسلم)، فإن قيل: الأمر قد يكون للندب، والحق هو الثابت، وكذا الواجب لغة، ويجب الحمل عليه دفعًا للمعارضة لما أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: أنه ﷺ كان يوتر على البعير، وما أخرجاه أيضًا: أنه ﵇ بعث معاذًا إلى اليمن، وقال له فيما قال: (فأعلِمْهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)، قال ابن حبان: وكان بعثه قبل وفاته ﷺ بأيام يسيرة، وفي (موطأ مالك) أنه ﷺ توفي قبل أن يقدم معاذ، وما أخرجه ابن حبان (٢) أنه ﷺ قام بهم في رمضان، فصلى ثمان ركعات وأوتر، ثم

стр. 1596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ انتظرُه من القابلة، فلم يخرج إليهم فسألوه فقال: خشيت أن يكتب عليكم الوتر. والجواب عن الأول: أنه واقعة حال لا عموم له، فيجوز كون ذلك لعذر، والاتفاق على أن الفرض يصلَّى على الدابة لعذر الطين والمطر ونحوه، أو كان قبل وجوبه؛ لأن وجوبه لم يقارن وجوب الخمس بل متأخر، وقد روي أنه ﷺ كان ينزل للوتر، وروى الطحاوي عن ابن عمر ﵄ أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن النبي ﷺ فعل ذلك، فدل على أن وتره ذلك إما حالةَ عدم وجوبه أو للعذر. وعن الثاني: أنه يجوز أن يكون الوجوب كان بعد سفر معاذ، وعن الثالث كذلك، أو المراد المجموع من صلاة الليل المختتَمة بوتر. وقد يطلق الوتر على صلاة الليل، كما سبق هناك، وهي غير واجبة، ويدل على ذلك ما صرح به في رواية البجلي لهذا الحديث من قوله: (خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل)، وكيف يحمل الوجوب على المعنى اللغوي، وهو محفوفٌ بما يؤكد مقتضاه من الوجوب، وهو قوله ﷺ : (فمن لم يوتر فليس مني) مؤكَّدًا مع التكرار ثلاثًا على ما تقدم، هذا كلام الشيخ ابن الهمام مع حذف واقتصار. وقال العبد الضعيف صانه اللَّه عما شانه: لا يضر احتمال الحمل على غير الوجوب بالاستدلال عليه؛ لأن الواجب ههنا ما ثبت بدليل فيه شبهة، ودلائل إيجاب الوتر كلها فيها شبهة، ومع ذلك يثبت غلبة الظن بوجوبه، ويكفي ذلك في المطلوب، والصواب أن دلائل الوجوب والسنة متعارضة ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، واللَّه أعلم. الاختلاف الثاني في أنها ركعة أو ثلاث ركعات، فعند أكثر الأئمة ركعة، وعندنا

стр. 1597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثلاث، وقد وردت الأحاديث في كل من الأمرين، بل ورد الإيتار بخمس أو سبع أيضًا، والذي تقرر عليه أمر الوتر ثلاث أو واحدة إلا قول سفيان الثوري، فإنه يخير في خمس أو ثلاث أو واحدة، والذين يقولون بأنها واحدة يصلون قبلها ركعتان يسلم فيهما، ثم يصلي ركعة، وهل يكره إن لم يكن قبلها شفع -وتسمى البتيراء- أو لا يكره؟ لأنه روي عن عشرة من الصحابة ﵃، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، [وعلي]، وعائشة: الوتر ركعة واحدة، وحديث البتيراء ضعيف، ولو صح كان المراد به ما لا يشفع قبلها، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب الإمام أحمد ﵀. وورد في الآثار عن أحمد أنه سئل: ما تقول في الوتر؟ قال: أكثر الأحاديث وأقواها ركعة فأنا أذهب إليها، وسئل مرة أخرى، قال: يسلِّم في الركعتين، وإن لم يسلم رجوت أن لا يضره، والتسليم أثبت، انتهى، والإيتار بواحدة هو قول الأئمة الثلاثة، ولقد بالغ بعض الشافعية في تزييف القول بالثلاث، وتضعيف الأحاديث الواردة فيها، والحق خلافه لكثرة الأحاديث والآثار الصحيحة فيها. وروى الترمذي من حديث علي بن أبي طالب ﵁: (كان النبي ﷺ يوتر بثلاث) الحديث، وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين، وعائشة، وابن عباس، وأبي أيوب ﵃، وقد ذهب قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلى هذا، ورأوا أن يوتر الرجل بثلاث، وقال سفيان: إن شئت أوتر بخمس، وإن شئت أوتر بثلاث، وإن شئت أوتر بركعة، وقال سفيان: والذي يستحب أن يوتر بثلاث ركعات، وهو قول ابن المبارك وأهل الكوفة.

стр. 1598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال في (الهداية) (١): روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وقال ابن الهمام (٢): رواه الحاكم وقال: على شرطهما، وروى النسائي عنها قالت: كان النبي ﷺ لا يسلم في ركعتي الوتر، وقال الحاكم: قيل للحسن: إن ابن عمر ﵄ كان يسلم في الركعتين من الوتر، فقال: عمر كان أفقه منه، وكان ينهض في الثانية بالتكبير، وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن الحسن ﵁ أنه قال: اجتمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. وقال الطحاوي: حدثنا أبو العوام محمد بن عبد اللَّه المرادي قال: حدثنا خالد بن نزارٍ الأيلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه قال: أَوْعيت عن الفقهاء السبعة أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. ورَوَى عن أبي العالية أنه قال: علمنا أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن الوتر مثل صلاة المغرب، وقال: أما قوله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتر له ما قد صلى)، فليس فيه دلالة على أن الوتر واحدة بتحريمة مستأنفة لنحتاج إلى الاشتغال بجوابه، إذ يحتمل كلًّا من ذلك، ومن كونه إذا خشي الصبح صلى واحدة متصلة، فأنّى تقاوِم الصرائحَ التي ذكرناها، وغيرُها كثير تركناه للتطويل مع أن أكثر الصحابة عليه، كذا ذكر ابن الهمام عن الطحاوي. ونقل الشُّمُنِّي عنه أنه قال: ومذهبنا قوي من جهة النظر؛ لأن الوتر لا يخلو إما أن يكون فرضًا، أو سنة، فإن كان فرضًا فالفرض ليس إلا ركعتين أو ثلاثًا أو أربعًا،

стр. 1599

* الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٢٥٤ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ. . . . . ــ وكلهم أجمعوا على أن الوتر لا يكون اثنتين ولا أربعًا، فثبت أنه ثلاث، وإن كان سنة، فلم نجد سنة إلا ولها مثل في الفرض منه أخذت، والفرض لم نجد منه وترًا إلا المغرب، وهو ثلاث. قال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شأنه-: هذا الدليل من الطحاوي في الحقيقة تأييد وتقوية وترجيح للأحاديث التي وردت في أن الوتر ثلاث ركعات على الأحاديث الواردة بخلافها؛ لكونها موافقة للقياس، وقد تقرر في أصول الفقه أن الأحاديث إذا تعارضت فما وافق منها للقياس كان أرجح وأقدم، والخصم يزعم أنه قياس في مقابلة النص، وليس كذلك، وكذا حال سائر الدلائل العقلية التي يوردها بعض الحنفية على إثبات مسائلهم أحيانًا كما هو طريق الهداية ومن يحذو حذوها، وأما الكتب التي في ديار العرب في مذهبنا فيلزمون إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة، وكفى في ذلك شهيدًا شرح الشيخ ابن الهمام (١) -رحمة اللَّه عليه-، ولقد فصلنا الكلام في تثليت الوتر أكثر من هذا في (شرح سفر السعادة) (٢) فليطلب ثمة. الفصل الأول ١٢٥٤ - [١] (ابن عمر) قوله: (صلاة الليل) وفي رواية: (صلاة الليل والنهار)، وبه قال الشافعي ﵀، وقال أبو حنيفة ﵀: الأفضل فيهما رباع، وعندهما في الليل مثنى، وفي النهار رباع، وقد مر ذكره.

стр. 1600

مَثْنَى مَثْنَى، ــ وقوله: (مثنى مثنى) ذكر مثنى هنا بمعنى اثنين، وهو كما ذكره أهل اللغة بمعنى اثنين اثنين مكررًا، فإن ثبت هذا يكون التكرير للتأكيد، ثم اعلم أنهم قالوا: بأن (مثنى) معدول عن اثنين اثنين غير منصرف، واختلفوا في سبب منع صرف مثل هذا المعدول مع صرف المعدول عنه، فقيل: منع صرفه لتكرر العدل فيه؛ لأنه كما عدل من صيغته إلى صيغة أخرى، كذلك عدل من الاسمية إلى الوصفية، فكان فيه عدلين: أحدهما لفظي، وثانيهما معنوي، وهذا القول ضعيف؛ لأن المعدول عنه أيضًا وصفٌ لأنه عدد مكرر، وهو لا يستعمل إلا وصفًا، كما سيظهر، إلا أن يقال: تكرر العدل من جهة الخروج من صيغة إلى صيغة أخرى، ومن مكرر إلى غير مكرر، وهذا أيضًا تكلف، وقيل: منع صرفه للعدل والتعريف بناء على عدم جواز دخول لام التعريف عليه. وصحةُ وقوعه حالًا في قولنا: جاءني القوم مثنى، ينافي هذا القول. والجمهور على أن منع صرفه للعدل والوصفية، ويناقش فيه بأن شرط تأثير الوصف أن يكون ثابتًا في أصل الوضع، والوصف في (مثنى) وأخواته عارض لكونه من أسماء الأعداد، والوصفية فيها عارضة؛ لأن وضعها لنفس الوحدات لا ذات موصوفة بها، نعم قد تَعْرِضها الوصفية، وتستعمل بمعناها كما في قولهم: مررت بنسوة أربع، وذلك لا يؤثر، وأجيب بأن الوصفية لازمة لـ (مثنى) وأخواته فإنها لا تستعمل إلا وصفًا، ولما كانت لازمة كانت في حكم الأصلية، وفيه أن الوصفية لازمة للمكرر الذي هو المعدول عنه أيضًا؛ فإن نحو ثلاثة ثلاثة أيضًا لا تستعمل إلا بمعنى الوصفية، فلو صارت بهذا الاعتبار في حكم الأصلية لكان أربع أربع في حالة التكرار غير منصرف للوصفية ووزن الفعل، وليس كذلك. فالوجه أن يقال: إن الوصفية لما صارت لازمة بعد العدل صارت كأنها أصلية؛ لأن العدل كانه وضع ثان، فالمعنى الذي كان في

стр. 1601

فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٠، م: ٧٤٩]. ــ المعدول عنه مجازيًّا صار بعد العدل كأنه حقيقي، والمكرر وإن كان لا يستعمل إلا بمعنى الوصفية لكن اللزوم لأجل التكرار دون اللزوم لأجل العدل، وادعاء الوضع الجديد في العدل أقرب من ادعائه في التكرار، كما لا يخفى على المنصف. وفي (ضوء المصباح): أن الوصفية قد لزمت عند التكرار فلا يلزم في كل واحد منهما وحده، فبالحري أن يصرف، وأما المجموع فلا يمكن أن يمنع الصرف؛ لأن محل الصرف ومنعِه هو الاسم المفرد أو ما في حكمه، لا الاسمان، وأما ثلاثة فإنه اسم مفرد فقد لزمت له الوصفية فمنع الصرفَ لهذا، انتهى. بقي الكلام في الفرق بين ظهور الإعراب في كل من الاسمين في نحو: جاءني القوم ثلاثةً ثلاثةً، مع أن مقتضى الإعراب إنما هو في المجموع، وبين عدم ظهور منع الصرف في كل منهما، وقد بيناه في شرح فارسي لنا على (الكافية)، عملناه في صغر السن لأجل بعض الأحباب، ولم يتم، وقد أفردنا منه رسالة وعرّبناها في تحقيق تعريف العدل فليطلب ثمة. وقوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) يعني: يقطع صلاته بالليل بأداء الوتر، إذ لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا صلاته، وفي شرح الشيخ: أي ركعة واحدة مفردة عما قبلها، وهذا على مذهبهم في الإيتار بركعة واحدة مفردة بتحريمة مستقلة، وقد عرفت الكلام فيه آنفًا، والإسناد في (توتر) مجازي، الظاهر: يوتر، أي: المصلي بتلك الركعة، والمراد بـ (ما قد صلى): ما أدى من صلاة التهجد، بل كل ما صلى من فرض ونفل؛ لأن الوتر يجعل صلاة الليل كله

стр. 1602

١٢٥٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٢]. ١٢٥٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْء إِلَّا فِي آخِرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٧٠، م: ٧٣٧]. ١٢٥٧ - [٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ. . . . . ــ وترًا، كما أن صلاة المغرب تجعل صلاة النهار وترًا، وندب إلى ذلك لأن اللَّه تعالى وتر يحب الوتر، كما جاء في الحديث. ١٢٥٥ - [٢] (وعنه) قوله: (الوتر ركعة من آخر الليل) المراد أن الوتر ركعة واحدة، والتقييد بآخر الليل لكون الوتر فيه أفضل، وأيضًا فيه إشارة إلى كون الوتر آخر صلاة الليل، وفيه كلام سيجيء. ١٢٥٦ - [٣] (عائشة) قوله: (يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس) قد ثبت أن صلاته ﷺ بالليل كانت على أنواع متعددة، منها أن يصلي ثمان ركعات بأربع تسليمات، ثم يصلي خمس ركعات بنية الوتر بتسليمة لا يجلس إلا في آخرها، فيكون بتشهد واحد وسلام واحد، وهذا صريح في جواز وصل الخمس من غير جلوس فيها، وهو مختلف فيه بين الفقهاء، وأوَّلوا عدم الجلوس بعدم السلام، أي: لا يجلس بالسلام؛ لما جاء في بعض الروايات: لم يسلِّم إلا في آخرهن. هذا وأما وصل أكثر من أربع ركعات بتسليمة واحدة فجائز بالاتفاق، ويجوز عندنا إلى ثمان ركعات. ١٢٥٧ - [٤] (سعد بن هشام) قوله: (فإن خلق نبي اللَّه ﷺ كان القرآن) وفي

стр. 1603

فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ. قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّه، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ، ــ رواية: (كان خلقه القرآن)، والظاهر أن المراد: إن كل ما بيَّن في القرآن من الأخلاق العظيمة والصفات الحميدة، كان رسول اللَّه ﷺ متخلقًا متصفًا بها، وقيل: المراد أن خلقه مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وللقوم هنا كلمات مذكورة في كتبهم. وقوله: (فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه) أي: يوقظه من نومه في ساعة شاء اللَّه إيقاظه فيها. وقوله: (لا يجلس فيها إلا في الثامنة) معناه على ما عرف في الحديث السابق، والظاهر ههنا بقرينة قوله: (ثم ينهض ولا يسلم) هو حمل عدم الجلوس على حقيقته لا على عدم التسليم، فافهم. وقوله: (فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه) أي: يقرأ التشهد، وهذا نوع آخر من أنواع صلاته ﷺ بالليل، وقد ذكرنا أنها كانت على أنواع مختلفة. وقوله: (ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد) وهذا لبيان جواز الصلاة بعد

стр. 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوتر، وقد جاء ذلك في الصحيحين (١) من حديث عائشة الصديقة ﵂: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، الحديث. وفي (مسند الإمام أحمد) (٢) عن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ (٣): كان رسول اللَّه ﷺ يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة غير من ذكر، ولكن هذا مع ظاهر حديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)، معارض، واستَشكل ذلك على كثير من العلماء، فأنكر الإمام مالك ﵀ حديث الركعتين بعد الوتر، وقال: لم يصح. وقال الإمام أحمد -رحمة اللَّه عليه-: لا أصلِّيهما ولا أمنع منهما أحدًا، وجماهير العلماء قائلون بذلك لوروده في الصحاح، وقالوا: إنما صلاهما بيانًا لجواز التنفل بعد الوتر، وعلى هذا يكون قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)، محمولًا على الاستحباب لا الوجوب، وذلك أحب وأفضل. وهل كانت هاتان الركعتان بعد الوتر أول الليل وآخره؟ فحديث أبي أمامة مطلق، وحديث ثوبان على ما رواه صاحب (المشكاة) عن الدارمي يدل على تقدير الإيتار في أول الليل، وأحاديث البخاري ومسلم والموطأ تدل على أنهما بعد قيام الليل

стр. 1605

فَلَمَّا أَسَنَّ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الأُولَى، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ، ــ وهو الصحيح. ثم نية التشفيع على تقدير الإيتار أول الليل -كما يفعله بعض الناس بجعل الركعتين قاعدًا في حكم ركعة واحدة- لا معنى له، وهو ناقض ومبطل للوتر من غير ضرورة بعد ما عرف كون الصلاة بعد الوتر جائزة، وعلى هذا إذا صلى الوتر أول الليل، ثم قام وتهجد لا حاجة إلى إعادة الوتر، وهو المختار صرح به الشيخ ابن الهمام، وقد ورد: (لا وتران في ليلة)، وقال بعض العلماء: هاتان الركعتان ملحقتان بالوتر جاريتان مجرى سنة، لا سيما على مذهب من يقول بوجوب الوتر، ولما كان وتر النهار الذي هو صلاة المغرب مشفوعًا بالركعتين جعل وتر الليل أيضًا مشفوعًا بركعتي السنة، واللَّه أعلم. وقوله: (فلما أسن) أي: كان في آخر حياته، وفي شرح الشيخ: قبل موته بسنة. وقوله: (وأخذ اللحم) قالوا: وذلك بإعطاء اللَّه إياه جميع مطالبه ومراداته، وفراغه واستراحته من عناء الدعوة، ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، وتهيُّئه لدخول جناب رب العالمين ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وهذا يدل على أن المراد بما ورد في حديث آخر من قوله: (فلما بدَّن رسول اللَّه ﷺ ) هو أخذ اللحم، كما يكون في آخر العمر، والأكثرون على أن المراد به ضعف الشيبة وكبر السن، وقد يؤول ههنا أخذ اللحم بالضعف المذكور، وقد مر الكلام فيه. وقوله: (وصنع في الركعتين) أي: بعد الوتر. وقوله: (مثل صنيعه في الأولى) أي: في صورة الأولى وهي الإيتار بالتسع.

стр. 1606

وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٦]. ١٢٥٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥١]. ــ وقوله: (صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) يدل على صلاته إياها مطلقًا، ولم تفصِّل في ذلك بأن تصلَّى ثلاثة عشر أو إحدى عشرة أو تسعًا أو سبعًا، كما كان يفعل في الليل. وقوله: (ولا أعلم نبي اللَّه. . . إلخ)، نفت الصديقة ﵄ علمها بذلك احتياطًا، إذ يجوز أن يكون ﷺ فعل ذلك في بيت غيرها من الأزواج المطهرة أو من الصحابة أو في المسجد أو في سفر، كما قالوا مثل ذلك في صلاة الضحى وغيرها مما وقع فيها نفي العلم لا نفي الفعل قطعًا، وأما جَعْلُ الطيبي ﵀ هذه العبارة من باب نفي الشيء بنفي لازمه مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، أي: بما لا يوجد؛ لأنه لو وجد لتعلق علم اللَّه به (١)، فبعيد، كيف ولا يُسلك هذا الأسلوب إلا في حق من أحاط علمه بالمعلوم، كما في حق الباري تعالى أو غيره أيضًا إن أمكن في بعض المعلومات، وإحاطة عائشة ﵂ بجميع أفعاله ﷺ غير واقع، كما ذكرنا. ١٢٥٨ - [٥] (ابن عمر) قوله: (رواه مسلم) وقيل البخاري أيضًا في (باب الوتر).

стр. 1607

١٢٥٩ - [٦] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ". رَوَاه مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٠]. ١٢٦٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، ــ ١٢٥٩ - [٦] (وعنه) قوله: (بادروا الصبح بالوتر) بادره: عاجله وسابقه، وبدره، وإليه بالأمر: عجل إليه واستبق، وفي (المشارق) (١): بادرني عبدي بنفسه، وبَدَرْتني بالكلام، كلها من المسابقة، فالمراد أي: سارعوا به قبل أن يطلع الصبح، وقد ورد في حديث الترمذي (٢): (أوتروا قبل أن تصبحوا)، وفي رواية: (إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل فأوتروا قبل طلوع الفجر)، ودل الحديث على أنه لا يوتر بعد الصبح، وقال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق ﵏: لا يرون الوتر بعد صلاة الصبح، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا وتر بعد صلاة الصبح، انتهى. وهذا في الأداء، وأما قضاؤه فيجوز في كل وقت لقوله ﷺ : (من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكره وإذا استيقظ)، أي: ولو في وقت الصبح؛ لحديث رواه أيضًا الترمذي: (من نام عن وتره فليصل إذا أصبح)، بل يجب رعاية الترتيب بين الفوائت، فافهم. ١٢٦٠ - [٧] (جابر) قوله: (فليوتر أوله) وزاد في رواية: (ثم ليرقد). وقوله: (ومن طمع أن يقوم آخره) أي: يثق بالانتباه عن النوم.

стр. 1608

فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٥]. ١٢٦١ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٦، م: ٧٤٥]. ــ وقوله: (فإن صلاة آخر الليل مشهودة) وزاد في رواية: (محضورة) أي: يشهدها ويحضرها ملائكة الليل والنهار، هذه نازلة، وهذه صاعدة، فهي أقرب إلى الرحمة والقبول، أي: يحضرها أهل الطاعة من سكان السماوات والأرض، و (محضورة) تأكيد لـ (مشهودة)، وورد مثل هذا في صلاة الصبح أيضًا، وهو فيه أظهر، فافهم. وقوله: (وذلك أفضل) أي: إيتار آخر الليل، وقد أشار إلى سببه بقوله: (مشهودة)، فهي من هذه الجهة أفضل بالذات، وقد يَعْرِض للإيتار أول الليل ما يجعله أولى بالنسبة إلى شخص وأليق بحاله وأحوط، وقد جاء في حديث أبي داود (١) عن أبي قتادة أن رسول اللَّه ﷺ قال لأبي بكر ﵁: (متى توتر؟ ) قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر ﵁: (متى توتر؟ ) قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: (أخذ هذا بالحذر)، وقال لعمر: (أخذ هذا بالقوة)، وأخرج الموطأ (٢) عن ابن المسيب: كان أبو بكر الصديق ﵁ إذا أراد أن يأتي فراشه أوتر، وكان عمر يوتر آخر الليل. ١٢٦١ - [٨] (عائشة) قوله: (وانتهى وتره) أي: تقرر وثبت في آخر عمره إلى أن ارتحل.

стр. 1609

١٢٦٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكَعْتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨١، م: ٧٢١]. * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٢٦٣ - [١٠] عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ، ــ ١٢٦٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بثلاث) أي: ثلاث خصال. وقوله: (ركعتي الضحى) وسيأتي أنهما أقل صلاة الضحى، ولعله اكتفى لأبي هريرة ﵁ بالأقل؛ لأنه كان يحفظ أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، ويستحضر محفوظاته، فكان يَمضي جزءٌ كثير من الليل، وذلك أفضل لأن الاشتغال بالعلم أفضل من العبادة، وهو السبب بالوصية له بأن يوتر قبل أن ينام، وكنت سمعت قديمًا من بعض أساتذتنا من الفقهاء أقامه اللَّه في دار السلام أنه كان يقول: جاء في الروايات أنه يستحب الركعتان بعد الوتر إذا صلى أول الليل لطالبي العلم، ولم يظهر في ذلك الوقت جهة التخصيص لطالب العلم، فلما اطلعت على هذا الحديث ظهر وجهه، فإن الركعتين يقومان مقام صلاة الليل، كما يجيء في آخر الفصل الثالث. الفصل الثاني ١٢٦٣ - [١٠] (غضيف بن الحارث) قوله: (غضيف) بغين معجمة مضمومة، فضاد معجمة مفتوحة، فياء تحتانية ساكنة ففاء، وقيل: غطيف بالطاء المهملة.

стр. 1610

قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ لسَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَخْفِتُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْفَصْلَ الأَخِيرَ. [د: ٢٢٦، جه: ١٣٥٤]. ١٢٦٤ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ، ــ وقوله: (اللَّه كبر الحمد للَّه) نبه على أن سعة الأمر في التكاليف أمر عظيم ورحمة واسعة، ومنه قوله ﷺ : (اختلاف أمتي رحمة)، والاختلاف في الأكثر جاء من تعدد أفعال النبي ﷺ وتطوره وشفقته على أمته، وتوسيع الأمر عليهم، ومن اختلاف المجتهدين في استنباط الأحكام، وكلاهما خير محض، ونعمة عظيمة، وزيادة وكمال في الدين، وسبب لمزيد الأنوار، وتخفيف عن الأحمال والآصار، والحمد للَّه. ١٢٦٤ - [١١] (عبد اللَّه بن أبي قيس) قوله: (كان يوتر بأربع وثلاث) يعني: يصلي أربعًا بتسليمتين أو بتسليمة، وثلاثًا بتسليمة، والحديث ظاهر في كون الوتر ثلاث ركعات، وكذا ما جاء في الصحيحين (١) عن عائشة ﵂ قالت: ما كان رسول اللَّه ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن

стр. 1611

وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٦٢]. ١٢٦٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيَّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٢٢، ن: ١٧١٢، جه: ١١٩٠]. ١٢٦٦ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، ــ حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. ولو كان ﷺ يفصل في الوتر بين الثلاثة بسلام لقالت: ثم يصلي بثنتين وواحدة، كذا قال الشُّمُنِّي، وقد سبق تحقيق كون الوتر ثلاث ركعات بما لا مزيد عليه. وقوله: (لم يكن يوتر بأنقص من سبع) المراد بالوتر ههنا صلاة الليل كله، وقد يطلق على ذلك، كما سبق. ١٢٦٥ - [١٢] (أبو أيوب) قوله: (الوتر حق) أي: واجب وثابت. وقوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) وقد ذهب إلى الخمس سفيان وغيره، كما ذكرنا. ١٢٦٦ - [١٣] (علي) قوله: (إن للَّه وتر يحب الوتر) بكسر الواو وفتحها: الفرد من العدد، ويطلق على اللَّه تعالى بمعنى الواحد الفرد في حد ذاته لا يقبل الانقسام، وفي صفاته بمعنى لا شبه له ولا مثل، وفي أفعاله بمعنى لا شريك له ولا معين، ففيه تعالى معنى الوترية بمعنى الفردانية، وبهذه المناسبة يحب الوتر، أي: يقبله، ويثبِّت عليه

стр. 1612

فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٤٥٣، د: ١٤١٦، ن: ١٦٧٥]. ١٢٦٧ - [١٤] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٥٢، د: ١٤١٨]. ــ إن كان من قبيل الأفعال، وله أمثلة كثيرة في الشرع؛ كالإيتار في الاستجمار، وكأكله ﷺ التمرات يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلَّى ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا ونحو ذلك. والفاء في (فأوتروا) للسببية، أي: إذا علمتم أن اللَّه يحب الوتر فأوتروا، أي: صلوا الوتر واجعلوا صلاتكم بالليل وترًا بضم ركعة أو ثلاث ركعات إليها. وقوله: (يا أهل القرآن) أي: المؤمنون المصدقون به، أو المتولون لحفظه وتلاوته، تنبيه على ملازمتهم قيام الليل وتلاوة القرآن في صلواتهم، كما أمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. ١٢٦٧ - [١٤] (خارجة بن حذافة) قوله: (إن اللَّه أمدّكم) أي: زاد على صلاتكم، وقد روي: (إن اللَّه زاد لكم)، ويروى: (إن اللَّه أمركم بصلاة)، وقد مر تقرير الاستدلال به على وجوب الوتر. وقوله: (من حمر النعم) الحمر بضم الحاء وسكون الميم: جمع أحمر، والمراد بالنعم الإبل، وهي أعز الأموال عند العرب، أي: خير مما تحبون من عرض الدنيا وزينتها، و (الوتر) مجرور بدل من (صلاة)، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، وبجوز أن يكون منصوبًا على تقدير أعني.

стр. 1613

١٢٦٨ - [١٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. [ت: ٤٦٥]. ١٢٦٩ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرأُ فِي الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْن. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٦٣، د: ١٤٢٤]. ١٢٧٠ - [١٧] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. [ن: ١٦٩٩]. ١٢٧١ - [١٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. [حم: ٥/ ١٢٣]. ــ ١٢٦٨ - [١٥] (زيد بن أسلم) قوله: (فليصل إذا أصبح (١)) قد عرفت معناه في حديث ابن عمر: بادروا الصبح بالوتر. ١٢٦٩، ١٢٧٠، ١٢٧١، ١٢٧٢ - [١٦، ١٧، ١٨، ١٩] (عبد العزيز بن جريج، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبي بن كعب، وابن عباس) قوله: (عبد العزيز بن جريج) بالجيمين على صيغة التصغير، وليس في رواية أحد بالجيم والحاء لا مصغرًا ولا مكبرًا، و (عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعده زاي مقصورًا.

стр. 1614

١٢٧٢ - [١٩] وَالدَّارِمِيُّ عَن ابْن عَبَّاس وَلم يذكرُوا المُعَوِّذَتَيْن. [دي: ٥/ ٢٠]. ١٢٧٣ - [٢٠] وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، ــ وقوله: (ولم يذكروا المعوذتين) قال الترمذي بعد ما روى الحديثين: والذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يقرأ في كل ركعة من ذلك سورة. وقال الشيخ ابن الهمام (١): روى أحمد في (مسنده) عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يوتر بثلاث ركعات، وكان يقرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وبهذا أخذ أصحابنا، انتهى. هذا، وأما ما يقرأ بعض الناس من أهل ديارنا في الأولى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فلا يوجد له رواية ولا أثر، ويقال: إنه قد جاء في بعض الروايات الفقهية. ١٢٧٣ - [٢٠] (الحسن بن علي ﵄) قوله: (علمني رسول اللَّه ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر) يحتمل أن التعليم من رسول اللَّه ﷺ إياه كان بأن يقولهن في قنوت الوتر، وأن يكون هو ﷺ علمه هذا الدعاء فأعجبه أن يقوله في قنوت الوتر،

стр. 1615

وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٤٦٤، د: ١٤٢٥، ن: ١٧٤٥، جه: ١١٧٨، دي: ٥/ ٢٦]. ــ ويؤيد الأول ما جاء في بعض الروايات: (اجعله في وترك) وإن كان غريبًا. وقوله: (تولني فيمن توليت) يجوز أن يكون من تولاه وولاه بمعنى أحبه، ويجوز أن يكون من تولى أمره بمعنى تقلده وقام به، يتضمن المعنيين قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. وقوله: (وقني شر ما قضيت) وقد عرفت في كتاب الإيمان بالقدر أن القضاء قد يطلق على الحكم السابق الأزلي الإجمالي، والقدر على تفصيله وجريانه فيما لا يزال وقتًا بعد وقت، وقد يطلق القدر على التقدير السابق والقضاء على الأحكام الواقعة وخَلْقِها، على عكس الأول، وعلى كل تقدير لا تبديل لقضاء اللَّه وقدره، وإنما يسأل الوقاية والإعاذة عنهما باعتبار ظاهر الأسباب والآلات المرتبطِ بها وقوعُهما فيما لا يزال، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير، كما عرف في تحقيق الدعاء والسؤال، واللَّه أعلم. وقوله: (إنه لا يذل من واليت) وزاد في بعض الروايات: (ولا يعز من عاديت)، وفي شرح الشيخ: ذكره البيهقي والطبراني بطرق. وقوله: (تباركت ربنا وتعاليت) وزاد الشُّمُنِّي بعده: (فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ونتوب إلمِك، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)، وجاء في الروايات ختمه بالصلاة على النبي ﷺ وآله بلفظ: (وصلى اللَّه على النبي محمد وآله وسلَّم).
следующие страницы →